استجداءات عديدة و شرح للحالة المزرية لأهلهما من ضاري أفلحت أخيرا في ثني عزم رجال القافلة
عن عقابهما وفيما كانت عقلهما تفك إذ اقبل من أخر القافلة رجل قصير يسعى بخطا حثيثة ..
رجل لا يبشر مقدمه على منتظر بخير لفرط ما نعقد حاجبيه ..
شرح الأمر للقادم على عجل وبدا من خلال اهتمام الآخرين به أنه من كبراء
بلدهم أو أن له سلطة غير عادية بينهم ...
هز رأسه وخبط بيديه على جانبي ثوبه ووجه كلامه لرؤساء القافلة
- بالله عليكم أتريدون أن تقترفوا هكذا خطأ ,
قد والله خالفتكم الحكمة ووالله لتجازون على ما ستتسببون به من أذى لقوافل الحجاج الأخرى ..
عاقبوهما ليكونا مثلة لغيرهم ممن يتجرؤون على ضيوف الرحمن بالأذى ولا تتهاونوا
في ذلك وإلا والله لحملتكم المسئولية إذا أحدثا أمرا بعدنا نظر إليهما برهة
ثم قفز بفكرة شيطانية الابتكار وقال
- أليست القافلة الفولانية خلفنا وربما سيمرون من هنا بعد اقل من يوم أو أيام ...
فلم لا نتركهما للقدر فان تعجلت القافلة الأخرى والتي هي حتما تتبع أثرنا فادلائنا
أكثر معرفة ممن معهم ..
نجا الرجلان وإلا فقد لاقيا قدرهما
وسرعان ما صوب الرأي ودفن الرجلان متقابلين إلى أعناقهما
في دهشة منهما وشدة الإحباط لهذا التغيير السريع في رأي أصحاب القافلة ...
سارت القافلة مبتعدة وابتعد معها رغاء الإبل المجدة بالسير وصوت حداء يرتفع على أصوات
الضجيج الذي تحدثه القافلة وارتفع مع ابتعاد القافلة صوت رجل يولول ويندب حظه
حيث دفن موجها ناحية الغرب وكأنهم قد عرفوا انه هو الذي أصر على مهاجمة قافلتهم
فأرادوا أن تلفحه شمس الظهيرة الحارقة والأخر (ضاري) يقابله ووجهه ناحية الشرق ....
أشرقت الشمس في الصباح ..
وفتح ضاري عينيه بتثاقل بسبب ضوء الشمس المواجهة له وعلى أنين رفيقه الذي أجهد نفسه
كثيرا ليوصل كلماته إلى أذني ضاري
- هل ترى أحدا قادما ..
دقق بالله عليك لأبادر باختراق هذا الصمت المطبق بصرخاتي عل الله يكتب لنا النجاة
على يد قافلة أو باحث عن الطعام ..
- لا أظن يا بن عم بأن هذه البقعة المقفرة تستهوي أحدا للمرور فيها ..
الم تلحظ أن الأفاعي ودواب الأرض حتى لا تقترب من هذا القفر ...
كادت تلك الكلمات أن تقتل المسكين إحباطا ..
فأطرق والدموع تنهمر من عينيه بلا توقف ..
أضاف ضاري وهو يرمقه ..
- وفر هذه الدموع فما أظنها إلا خلاصة طعامي المتبقي في جسمك ..
أنسيت أننا لم نذق طعاما منذ أيام ..
وحتى جرعات الماء التي جاد بها علينا من دفننا في هذا القبر
تكاد من قلتها وحرارتها لاتصل إلى الجوف ..
توقف دموعه في محجر عيناه كأنما تترقب جوابا لسؤاله:
- ضاري لم أسمعك إلى الآن تعنفني ..
أنا السبب في هذا .. أنا الذي قدتك بتفكيري الساذج إلى هذه الحالة ..
- بل هو القدر يا أخي ..
ولست ممن يلومون الأقدار ..
واجه مصيرك كرجل .. وانتظر لعل الفرج قريب .. أو دعني أموت بهدوء ..
أسكتت كلماته صاحبه ..
وساعده في ذلك الانهيار الذي منيا به بعد السير أياما بلا أكل أو ماء ثم الخوف
الذي أطبق عليهما مع سيوف رجال القافلة ثم هذا النصف قبر الذي دفنا فيه والنصف موت
الذي يعيشانه وشمس تعدهما بالحرارة التي تشوي الوجه في الظل فكيف بها وهي تسطع
طوال النهار على رأس ليس بينها وبينه حجاب ...
كان ضاري يواجه الشمس بعينين مغمضتين ..
أحس بأنه يكاد أن يفقد بصره بسبب مواجهته لأشعة الشمس ..
وأحس بأن قوته التي طالما عرف بها عند من يعرفه بدأت بالذبول
وأنه حتى لو قدر له أن يخرج من حفرته تلك فسوف يتركها خلفه ..
لما بدأت الشمس بالزوال ..
بدأ الطنين الذي سيطر على مسامعه و حرمه حتى من همسات التي كان يعزي بها نفسه
أثناء نوم صاحبه ..
بدأ بالاضمحلال مع زوال الشمس ..
حاول بجهد بالغ أن يفتح عينيه ..
رأى ظلا يزوغ بين الشجيرات ببطء شديد ...
حاول أن يركز النظرات مبادلا بين فتح عينيه
على اتساعهما وإغماضهما مرات ..
حتى اتضحت له الرؤية قليلا ..
ليرتفع صوته المتحشرج قليلا موقضا رفيقه ..
.
.
.
.
.
- لا حول ولا قوة بالله ...
إنا لله وإنا إليه راجعون ..
والله ما كنت لأخافك من قبل ..
ولكن الآن ستجدني بلا حول ولا قوة ...
- ماذا ... ماذا هناك يا ضاري .. قل لي .. ماذا رأيت ..؟؟
- رأيت الموت ..
آخر ما تود رأيته في هذه الصحراء ...
.
.
.
.
.
.
ذئب جائع ..
كان القادم بالكاد يسير خطوتين على استقامة واحدة ..
لما أضحى على مرمى حجر من المدفونين دار حول المكان بحذر بالغ ..
نعم إن للهجوم فن لا يخرجه حتى الجوع من رأي هذا المفترس العنيد ...
بدأ بتشمشم الأرض وعرف ضاري انه يبحث عن رائحة الخوف فيهما ..
وأدرك انه سيهجم لأن صاحبه ولاشك مصدر قوي للخوف يراه ويسمعه ويشمه هذا المفترس ..
اطمأن لخلو المكان مما يكره ثم بدأ بالاقتراب من الرجلين ولم تفلح صيحاتهما
في أبعاده وبدأت أصواتهما تخفت شيئا فشيئا أما صوت الافتراس وأزيز أضراسه
فبدا يعلو حتى كسر كل الصمت ...
يتبـــــــــــــع