بلا قلب
GMT 23:45:00 2008 الأحد 13 أبريل
الاتحاد الاماراتية
سيف الإسلام بن سعود بن عبد العزيز
ما الوصف الذي قد تعطيه لبعض مدننا العربية في أيامنا هذه؟ شوارع فسيحة.. نعم، مبانٍ شاهقة تحتضن سُحبنا القليلة.. بلاشك، أسواق مكيفة عامرة بكل بضائع الشرق والغرب ولا تعرف كم اتساع أمتار مبانيها.. هذا أمرٌ واضح ولا نقاش فيه؛ مطاعم ومقاهٍ وفنادق هي الأشهى والأغرب والأحدث في العالم.. لا يشكك أحدٌ في صحة هذه الأقوال. لكن صفة أخرى يمكن أن نطلقها أيضاً على مدننا الجديدة في الخليج أو القديمة التي تمدنت في شبه الجزيرة العربية وبقية بلاد المتحدثين بلغة الضاد، هذه الصفة هي أن كل هذه العواصم والمدن: بلا قلب ولا روح! ستجد في تلك المدن كل متطلبات الحياة العصرية سوى أن تجد فيها نكهة ماضيها وعراقة تراثها وحقيقة ثقافتها، ستجد المباني القوطية والأندلسية واليابانية والأميركية.. وحتى الأفريقية، ولن تجد أشكال مباني الأقدمين المحليين، ولا فكرتهم وأسلوب حياتهم وعيشهم ومعرفتهم ببيئتهم.
لابد لأماكن عيش الناس وحياتهم أن تعبر عن شخصيتهم وظروف الطبيعة المحيطة بهم، إضافة إلى توفير التغذية الروحية والعقلية والترويحية المستدامة لهؤلاء السكان. ولا ينبغي أن تتحول مدننا إلى مطاعم وفنادق ومقاهٍ ومخازن كبرى وصغرى لمنتجات العالم الاستهلاكية.
كيف نهتم -مثلاً- بإقامة مساحات شاسعة لسباق (عالمي) للسيارات، بينما يتلهف السكان إلى منطقة صغيرة خضراء يقضون فيها جزءاً من الوقت، غير تلك الأجزاء الزمانية الأخرى الطويلة والمملة التي يظلون فيها مسجونين بين جدران الخرسانة الصماء والساخنة؟! الجواب البسيط أن تلك السباقات تأتي لنا بالأرباح الطائلة، بينما تندر صناعة الإنسان الذي لابد أن تتوفر له أقل المتطلبات حتى يُعطي ويتألق ويُبدع، إلا أنها (مُكلفة) وعطاء هذا الاستثمار بعيد المدى، بينما البلاد والعباد في حاجة لزيادة الاحتياطات المالية ومعالجة اختلالات صرف العملات وهيجان الأسواق المالية؟!
ليس من المعقول ولا المفهوم أن تعج مدننا بمعارض السيارات الفارهة و"بوتيكات" الساعات الفاخرة وأنواع السيجار باهظة الثمن، ولا توجد مكتبات بمعنى المكتبات حيث الثراء الفكري وتنوع النشاطات الثقافية والفنية الراقية.. فقط لأن المنشأة الأولى لها علاقة بالجيوب، والثانية بالعقل والروح وثمن هذه وتلك جِدُ رخيص عندنا!
في زيارة لي لإحدى الدول العربية الواقعة في شرق أفريقيا وجدت (المستعمر) قد بنى قديماً أحياء نموذجية في أيامه (البائدة)؛ نموذجية في المدارس والمساكن المُستوحاة تصاميمها من البيئة المحلية، ونموذجية في السوق المفتوح والطرق ذات التصريف المائي الرائع، وغير بعيد من هذه الأحياء التي أمعنت فيها يد أحفاد أهل الثورات تخريباً وتشويهاً، كانت هناك أحياءٌ (جديدة) من صنع الوطنيات المتأخرة.. فقيرة في كل شيء يخطر على بالك عزيزي القارئ.
... إن قُدر لأحدكم أن يذهب لمدينة (أسوان) المصرية وقُدر له أن يسكن في فندق "كتراكت" القديم الذي بُنيَ في أوائل القرن العشرين أو قبل ذلك بقليل، فليحاول أن يمشي أمتاراً لا تتجاوز أربعمائة متر شمالاً وليدخل فندق "كتراكت" (الجديد) وبعد ذلك ليقارن بين المنشأة القديمة البديعة التي تأسر كل من مر وسكن فيها، وبين البناء الاشتراكي (الجديد) الذي هو مسخ من طرق البناء الستاليني في الاتحاد السوفييتي البائد، والذي يكسر فيك كل رغبة في السفر والترحال!
وبين فينة وأخرى يحاول أحد العرب الأثرياء أن يشتري بنايةً أو قصراً أثرياً في أوروبا العجوز، أو آخر من الدبلوماسيين المخضرمين الذين يُشار إليهم بالبنان، في الغالب وبعد جهودٍ يُسمح لهم بذلك على ألا يُزيلوا معالم هذا البناء، كما أنه لن يسمح لهم حتى بأن يضعوا طبق إرسال على بنايتهم الجديدة، أو أن (يثقبوا) جدران التاريخ لمد "كيبل" يقربهم فضائياً من ديار الأهل والجذور.. من العاقل ومن هو غير السوي في اتفاقية الشراء والبيع هذه.. وما بعد ذلك؟ لو كانت الإجابة حسب منطقنا في العيش ببلداننا، فالمجانين هم هؤلاء الباعة والمشرعون في الغرب، لكن الحقيقة (المُرة) غير ذلك تماماً.
في عدد لإحدى المجلات العربية الأسبوعية كان هناك تحقيق عن المدن العربية، العنوان هو: "هوية المدن العربية.. التدمير الخلاق.. الرسْملة أفقدتها خصوصيتها وأذابت هويتها"، وليسمح لي القارئ الكريم ومعدو التحقيق البالغ الأهمية أن أقتطف تلك الأسطر المؤثرة التي وردت في إجابات أحد المهندسين السعوديين الذين أثروا ذاك الكشف الصحفي.. يقول: "يبدو أن الثروة أحياناً تسوغ للناس أشياء كثيرة لا تخطر على بالهم في حالة الاعتدال حتى أن المرء يشعر أحياناً بأن الثروة غير المبررة نقمة.. هل يمكن أن نسمي المدن الخليجية "مدناً"؟ وماذا تعني المدينة في هذه الحالة؟ لا أكذبكم القول إن المد العقاري والنمو العمراني وتصاعد ناطحات السحاب ليس من أجل الحياة، بل هو من أجل شيء آخر ولنسمه ما نشاء إلا أنه مكان للحياة!".
وأختم بما بدأ به التحقيق المتميز: "ثمة تغير جوهري في طبيعة المدن العربية، وثمة إسراف كبير في بناء ناطحات السحاب والأبراج العالية، وهناك اعتداء على روحية المدن وعبقها التاريخي، اعتداء معماري واعتداء على الأسماء، ومحاولات لتهميش الهوية لصالح المد التقني المادي في أكثر المدن العربية، مناطق لها ارتباط وثيق بالتاريخ وبعلاقة المكان مع الإنسان، إلا أن هذا بات يتآكل شيئاً فشيئاً فثمة أثر يُهدم مُقابل برج يصعد".
... صدقاً: يتوافر في مدننا الحديثة كل شيء.. إلا الروح والقلب!
المصدر
ايلاف