الجزء الأخير
"...."
تصفح خالد الصحيفة للمرة الثانية لهذا اليوم.. وهو يشعر بالملل من وجوده بالمشفى كل هذا الوقت..لقد اجروا له اغلب الفحوصات التي يتأكدون منها انه سليم معافى.. فلم عليه البقاء لوقت اطول؟.. وكلما سال ممرضة.. قالت له انها تعليمات الطبيب المشرف على حالته.. وخصوصا وانه قد كان في غيبوبة دامت الشهر تقريبا..
ووضع الصحيفة جانبا.. عندما سمع صوت فتح باب الغرفة.. والتفت ليرى ملاك تحرك عجلات مقعدها لتتقدم منه وتقول بابتسامة: كيف حالك اليوم يا ابي؟..
قال مبتسما: بخير حال مادمت قد شاهدت ملاكي الصغير قد أتى لزيارتي..
سألته ملاك قائلة: الم يكتب لك الطبيب تصريحا بالخروج بعد يا ابي؟ ..
قال بضجر: لا.. ولكن سأنتظر ليومين فقط.. واذا لم يكتب لي الطبيب هذا التصريح.. فسأخرج على مسئوليتي ..
ابتسمت ملاك قائلة: واخيرا ستعود الامور كما كانت في السابق.. واعود لاعيش معك في منزلنا من جديد..
رمقها والدها بنظرة ذات معنى قائلا: ومازن؟..
ظهر الاضطراب على ملامح ملاك وقالت بارتباك: مازن..
اومأ خالد برأسه وقال: اجل.. مازن.. زوجك.. الم تفكري به؟.. ربما لا يقبل ان تعودي معي الى المنزل.. ويقيم حفل زفاف لك وله.. لكي تكوني معه الى الابد..
قالت ملاك برجاء: لا اريد سوى ان انفصل عنه واعود معك.. ارجوك يا ابي.. ساعدني على ذلك..
تطلع لها والدها بجدية وقال: ولو انفصلت عنه.. تظنين ان ذلك سيسعدك.. او سيصلح ما انكسر.. ابدا يا ملاك.. انت وحدك مع مازن.. يمكنكما ان تصلحا ما فات.. بأن تعوضا بعضكما عن كل ايام الحزن والالم والمعاناة..
قالت ملاك وهي تشيح بوجهها : ابي .. لا اريد ان اتحدث في هذا الموضوع.. ارجوك..
ادار والدها وجهها اليه وقال وهو يتطلع الى عينيها مباشرة: لا تكابري يا ملاك.. انت لا تزالين تحبينه.. والا لما كانت هذه القلادة تحتل عنقك حتى الآن..
رددت ملاك بدهشة : القلادة؟..
ومن ثم نقلت نظراتها الى القلادتين التي تحتلان عنقها.. في حين واصل والدها قائلا: اتعرفين ما الشيء المشترك بين هاتين القلادتين يا صغيرتي؟..
واردف وهو يضع كفه على كتفها و يميل نحوها.. وبصوت اقرب الى الهمس: انهما لأغلى الناس على قلبك..
رفعت ملاك رأسها له وقالت وهي تتسائل بارتباك: وكيف عرفت ان هذه القلادة من مازن؟..
ابتسم والدها وقال : مجرد تخمين.. فأولا هي من الماس .. أي باهضة الثمن.. والشيء الآخر انها تحمل حرف "M".. الحرف الاول من اسم مازن..
قالت ملاك وهي تتطلع الى والدها بابتسامة باهتة: وربما كانت من مها..
هز والدها كتفيه وقال: ربما.. لكني خمنت انها من مازن.. وقد كنت على حق..
واستطرد قائلا بتساؤل: لكن مع من جئت الى هنا؟.. لا ارى احدا معك..
قالت ملاك مجيبة: جئت مع مها.. لكنها ذهبت لشراء العصير وستعود بعد قليل..
قال والدها مواصلا في تساؤلاته: واين مازن؟.. لم اره منذ يومين..
توترت ملاك لذكرى الامس.. وقالت وهي تزدرد لعابها: لقد سافر..
قال والدها وهو يعقد حاجبيه متسائلا باهتمام: والى اين ذهب؟ ..
زفرت ملاك بحرارة ومن ثم قالت: لقد قالت لي مها.. انه قد سافر الى فرنسا .. من اجل عمل يتعلق بشركتك..
ارتسمت ابتسامة على شفتي خالد وهو يقول: ارأيت بنفسك يا ملاك؟.. لقد سافر وتغرب عن اهله.. في مكان يجهل مناطقه وشوارعه تقريبا.. من اجل امر يعني شركتي.. الم اقل لك ان هذا الشاب يستحق الاعجاب حقا؟..
قالت ملاك وكأنها تريد ان تبرر لنفسها: بالتأكيد قد فعل ذلك من اجل وظيفته وراتبه ..فهو بالتأكيد لا يريد ان يخسر أي ...
قاطعها والدها قائلا: انسيت انه قد استلم مكاني بشكل مؤقت في الشركة؟.. وسيتركه بعد ان اغادر انا المشفى .. ثم انه لم يستلم أي راتب.. فمنصبه يخوله للحصول على ارباح الشركة التي يحولها هو الى حسابك يا ملاك.. فأنت مالكة الشركة الحقيقية..
قالت ملاك بحيرة: اتعني انه كان يعمل كل تلك المدة في الشركة دون أي مقابل؟..
اومأ والدها برأسه .. فقالت وحيرتها تشتد: اذا لم كان يعمل فيها من الاساس؟؟.. لم اتعب نفسه مقابل لا شيء؟..
قال والدها وهو يتطلع اليها وبلهجة ذات مغزى: ربما كان في البداية اهتماما بابنة عمه.. وبعدها .. تحول ذلك الى حب بزوجته التي تطلب منه الانفصال بعدكل ما فعله لاجلها..
قالت ملاك وهي تتطلع الى والدها بنظرات حائرة ومستغربة: لم اذا لم يخبرني أي شيء عن هذا الامر؟.. لو كان اخبرني لمنحته راتب شهري على الاقل..
- لقد كان يملك توكيل شامل على املاكك.. ومع هذا كان اهلا للمسئولية.. كل جهده الذي بذله في نهوض الشركة.. كان لأجلك وحدك يا ملاك..دون أي مقابل او حتى كلمة شكر.. وبعد كل هذا لا تريدينني ان اقف في صف مازن.. وارفض مطلبك بالانفصال عنه..
قالت ملاك بعينين راجيتين: لكن يا ابي.. انا لم اكن اعلم بكل هذا.. لم اكن اريده ان يتفضل علي بجميله او...
قاطعها صوت فتح باب الغرفة.. ومها التي دلفت منه وهي تقول بابتسامة: صباح الخير..
التفت لها خالد وقال بابتسامة: صباح الخير.. كيف حالك يا مها؟..
جلست مها على مقعد مجاور لفراش عمها وقالت : في خير حال.. كيف حالك انت يا عمي؟.. ومتى ستغادر المشفى؟..
قال خالد بضجر: لو كان الامر بيدي لغادرت الآن..
قالت مها بمرح: االى هذه الدرجة مللت؟..
اجابتها ملاك هذه المرة وهي تلتفت لمها قائلة: لقد طالت فترة بقاء ابي هنا حقا..
- بالتأكيد يريدون اجراء فحوصات شاملة قبل ان يغادر المشفى..
قال حالد في تلك اللحظة: دعينا من هذا الامر الآن .. واخبريني يا مها.. لو طلبت منك طلبا ستنفذينه..
قالت مها باستغراب: بالتأكيد.. تفضل..
قال خالد وهو يلتفت الى ملاك: اعلم ان ملاك تعتبرك كشقيقة لها.. لهذا اريد ان تنزعي من رأسها فكرة الانفصال هذه ..
قالت ملاك باستنكار: ابي.. لا شأن لمها بهذا الامر..
التفت خالد الى مها مرة اخرى دون ان يهتم بما قالته ملاك وقال: اتفعلين يا مها؟..
ابتسمت مها وقالت : بكل تأكيد.. فأمنيتي ان ارى مازن وملاك معا الى الابد..
قالت ملاك في تلك اللحظة في حنق: الم تكوني انت من يحذرني منه دائما في الماضي؟..
اومأت مها برأسها وقالت وابتسامتها تتسع: بلى ولكن هذا كان في الماضي.. وقد تغير كل شيء الآن..
واردفت قائلة: ااخبرك ماذا قال لي مازن في آخر محادثة؟.. وطلب مني توصيله اليك..
ودون ان تنتظر جوابا من ملاك استطردت قائلة وهي تحاول ان تتذكر ما قاله مازن: لقد قال .. اخبري ملاك اني لا استطيع الابتعاد عنها ..و اني احبها ولا اتخيل فتاة تشاركني حياتي سواها..اخبريها اني سأفعل أي شيء لأجلها ..فقط فلتسامحني على ما اقترفته يداي..
وعلى الرغم من ان الكلمات التي قالتها مها قد لاقت صدى في نفس ملاك.. الا انها قالت مكابرة: لا يهمني ما يقوله..
قال خالد في تلك اللحظة بصوت حاد: دعيها يا مها.. دعيها فهي عنيدة ولن تفعل الا ما تريده.. ولكن بعدها ستندم على قرارها هذا.. وستتمنى لو يعود الزمن الى الوراء ولو دقيقة.. لتصلح ما افسدته بعنادها ومكابرتها..
التفتت ملاك الى والدها وقالت بصوت مختنق: اليس من حقي طلب الانفصال يا ابي بعد كل ما فعله بي.. لقد طعن قلبي بكل قسوة .. جعلني ابكي ليال بكل حرقة والم.. لقد داس على كرامتي.. ورفضني لاني عاجزة.. عاجزة يا ابي.. اتريدني بعد كل هذا ان اقبل ان اواصل معه حياتي الى الابد..
تنهد والدها وقال: الا تفهمين يا ملاك؟.. كان ذلك ماض وانتهى .. ومن يحب يغفر لحبيبه.. وان كنت ستضعين حواجز الكرامة بينكما.. فصدقيني لن تهنئا ابدا بعدها..
صمتت ملاك ولم تجد ما تقوله.. وآثرت الصمت وقد استغربت تبدل الادوار بهذا الشكل.. فبعد ان كانت هي التي تدافع عن مازن بكل قوة.. وتحاول تحسين صورته امام الجميع الذين يحذرونها منه..اصبحت هي الآن.. ترفضه وتبتعد عنه ..والجميع من حولها يحاولون تحسين صورته لها.. لكن.. ربما كان لابتعاد مازن المفاجئ.. تأثير على قرارها.. ستفكر جيدا في فترة غيابه.. وبعدها ستتخذ قرارها الاخير والنهائي..والذي لن تتراجع عنه ابدا..
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛
ارتقت مها درجات السلم بعد ان عادت مع ملاك من المشفى ..والتقطت هاتفها المحمول من حقيبتها والذي اصدر ضجيجا في المكان من رنينه المتواصل.. وقبل ان ترى من هو المتصل .. سمعت صوتا يهتف باسمها.. فالتفتت الى صاحبه ومن ثم قالت : كمال.. ماذا تريد؟..
قال كمال وهو يتقدم منها : الحديث معك..
عادت لتهبط درجات السلم وقالت وهي تعقد ذراعيها امام صدرها: ها انذا اسمعك..
جذبها من كفها وقال وهو يسير معهاباتجاه الردهة: لنجلس اولا..
لكنها جذبت كفها منه وقالت وهي تتوقف في مكانها وقد ظهر القلق جليا على ملامحها: ما الذي حدث؟..
لوح كمال بكفيه مهدئا ومن ثم قال: سأخبرك.. لقد حدثت والدي بشأن الموضوع الذي بدأه مازن معه.. وحاولت اقناعه بأن يرفض احمد كزوج لك قدر الامكان.. لكن ...
خفق قلب مها بتوتر وخوف وقالت بكلمات مرتجفة: لكن .. ماذا؟..
قال كمال وهو يهرب بنظراته بعيدا: لقد قال لي ان الامر هذا في صالح العائلة وقد يتسبب بخسارة كبيرة لشركته.. ومع هذا قرر التفكير جيدا فيه عندما عرض عليه مازن الامر .. وفي النهاية اتخذ قراره الذي لن يتراجع عنه مهما حدث..
صمت كمال فجأة.. فقالت مها وقد بدأ قلبها يختلج بين ضلوعها: كمال لا تصمت هكذا.. اكمل ارجوك..
اطرق كمال براسه ومن ثم قال: وقد كان قراره ..هو ..
بتر عبارته ومن ثم قال وهو يرفع رأسه لها.. وبابتسامة: هو رفض هذه الزيجة مهما كانت العواقب..
تطلعت له مها بعدم فهم او استيعاب.. وقالت وهي تتطلع اليه بنظرات حائرة: ماذا قلت؟.. لم اسمعك يا كمال..
امسك كمال بكتفيها وقال بفرحة: لقد رفض والدي احمد .. رفضه الى الابد.. لقد تخطيت كل العواقب يا مها.. وستتزوجين ممن تحبين قريبا.. فهنيئا لك..
قالت مها بغير تصديق ..وهي تشعر انها تتوهم ما سمعته: انت تمزح يا كمال .. اليس كذلك؟.. فوالدي قد كان مصرا على زواجي من احمد بشدة و...
قاطعها كمال وهو يضغط على كتفيها بحنان: وقد تراجع عن قراره الآن يا مها.. فقد قال لي عندما تحدثيت اليه في الامر ..(لقد كادت مها ان تضحي بنفسها وسعادتها من اجلي ومن اجل الشركة.. فكيف لا اقابل تضحيتها هذه بالشيء البسيط؟ .. واحاول ان ارسم طريق سعادتها..مع الشخص الذي اختاره قلبها)..
قالت مها وهي غير قادرة على التصديق: انت تكذب.. بالتأكيد هذا مجرد حلم.. بالتأكيد هو كذلك.. لا اصدق .. ان والدي يقول شيء كهذا.. اقسم .. اقسم على ذلك يا كمال..
ابتسم كمال وقال وهو يتطلع الى عينيها مباشرة: اقسم على ان هذا ما حدث.. وهذا ما قاله والدي..
ترقرقت الدموع في عيني مها وقالت بصوت قلق ممزوج بالفرح: لا اريد ان استيقظ من هذا الحلم الجميل ابدا يا كمال.. لا اريد ..
لم يعلق كمال على عبارتها واكتفى بالصمت.. في حين قالت هي وهي تتطلع اليه بامتنان: اشكرك يا كمال.. لا اعرف ماذا اقول.. او ماذا افعل.. لكنك قد قدمت لي جميلا لن انساه لك طوال عمري..
قال كمال بهدوء وهو يبعد كفيه عن كتفيها: ليس انا من اقنع والدي.. او حاول تغيير رأيه.. لقد كنت مجرد شخص اراد اكمال ما فعله شقيقه.. لكنه وجد في النهاية ان دوره قد انتهى.. لهذا لا توجهي الشكر لي.. بل وجهيه لمازن.. انه يستحقه اكثر مني.. على الاقل هو من استطاع تغيير افكار والدي اخيرا تجاه هذه الزيجة..
تطلعت مها الى كمال لفترة من الوقت.. ومن ثم قالت بابتسامة وهي تمسح دموع الفرج: لا تقل هذا يا كمال.. على العكس .. لقد حاولت مع والدي كثيرا.. وقد وقفت في وجه عمي .. فلولا الله تعالى..ومن ثم انت ومازن.. لكنت تزوجت احمد الآن ..
قال كمال وهو يتطلع الى ابتسامة الفرح التي تضيء وجهها: اهم شيء عندي الآن هو ان تكوني سعيدة يا مها..
قالت مها في سرعة وكأنها لم تسمع عبارة كمال: سأبلغ حسام بهذا الامر.. ومن ثم سأذهب لشكر والدي على موقفه تجاهي.. لكن يجب علي شكر والدي اولا.. اليس كذلك؟..
ابتسم لها كمال وقال وهو يهز كتفيه: كلا الامر سيان لدي..
اسرعت مها تقول وهي تتجه نحو غرفة مكتب والدها: سأذهب اليه اولا واشكره..
وتابعها كمال بنظراته وهو يراها تدلف الى غرفة المكتب .. ومن ثم تهتف قائلة : والدي..
ارتفعت انظار والدها عن الصحيفة التي كان يقرأها .. وقال متسائلا: اجل يا مها..
اقتربت منه مها وقالت وابتسامة تتراقص على شفتيها: هل هو صحيح ما اخبرني به كمال؟.. ارفضت زواجي من احمد حقا؟!..
ارتسمت ابتسامة هادئة على شفتي والدها وقال: اجل.. رفضته ..
شعر امجد بالدهشة عندما شاهد مها تندفع نحوه وتعانقه وهي تقول بلهفة وامتنان: لو تعلم كم انا شاكرة لك يا والدي.. لقد ارحتني من افظع كابوس عشته في حياتي..
لم تعلم مها ان بكلماتها هذه قد ضايقت والدها .. واشعرته بحجم المعاناة التي كان سببا فيها لها.. كما شعر بتأنيب الضمير الذي ابى ان يفارقه منذ ان تحدث اليه مازن قبل يومين..
وقال وهو يتطلع الى مها التي ابتعدت عنه قليلا: وانا يكفيني ان اراك سعيدة في حياتك يا مها..
تطلعت مها الى والدها بامتنان وحب .. في حين اردف هو قائلا بابتسامة:واخبري حسام.. ان يأتي الى منزلي في أي وقت.. فسأجيبه بالموافقة هذه المرة..
هتفت مها بفرح: احبك يا والدي..
واسرعت تقبل وجنته قبل ان تقول في سرعة وفرح: سأذهب لاخبار حسام في الحال..
تطلع والدها الى الفرحة التي كانت تشرق على وجهها..وهي تسرع مغادرة المكتب.. وامتدت كفه لتلمس وجنته التي قبلتها مها منذ قليل.. منذ متى لم يشعر بحب ابناءه له؟.. منذ متى لم يشعر هو ابناءه بحبه لهم؟.. لأول مرة يشعر ان احد ابناءه يحبه بحق.. يبدوا ان خالد كان افضلنا .. فقد حصل على كل شيء.. الشركة التي استطاع ان ينقذها من الافلاس بذكاءه بعد ان تخلينا عنه جميعا.. وحب ملاك.. ابنته الوحيدة له.. اما نحن فلم نحضى الا على المال والاملاك.. وخسرنا اروع شيء في هذه الدنيا.. أبنائنا..
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛