في حوار متواصل حول اللغة وهو الذي يحرض موروثا بأكمله على التدفق, مع مجموعة من المثقفين في الغرب, جرى تناول التاريخ اللغوى للانسان واللغة الشعرية. وكان حديثا فيه الكثير من المفاجآت, خاصة لغير العرب, فمن المسلم به أن اللغة كائن يتطور, يخفق, يجنح, يتسلل, ويختفي. والعرب دون سواهم تقريباً من الأمم قد حافظوا, على نحو ما, على تواصل لغوي مع المنتج الثقافي والابداعي والحضاري لأجدادهم طيلة قرون, فاللغات القديمة إنحسر أغلبها حتى أصبح في قواميس محفوظة في أقسام الدراسات الكلاسيكية. وهي في الغالب غير منطوقة. وبعضها مفهوم للمتخصصين فقط. وثمة لغات أخرى قد طرأ عليها تغيير هائل بحيث لم يسمح هذا التغيير لأبنائها المعاصرين بالتواصل معها مباشرة.
أما لغتنا العربية, إحدى الممتلكات الحضارية لهذه الأمة, فمازلنا نتواصل مع القديم منها. وبالطبع ليس بنفس درجة تواصل أجيالها السابقة, غير ان درجة التواصل تخضع لدرجة التمكن من اللغة.
ويمكن القول أنه ليس ثمة أمة تقرأ شعرها منذ أن وجد إلا هذه الأمة. وقد لمست بنفسي مدى الدهشة التي تلقى بها بعض الأدباء والشعراء الغربيين هذه الحقيقة. وقال لي أحدهم أنه لشيء مدهش حقا أن يقرأ المرء شاعرا عربيا كتب قصيدته منذ مئات من السنوات. ويبدو لي أن في هذه الملاحظ قدرا كبيرا من الصحة. فالمعجزة الاغريقية بالنسبة للأوروبي لا يتواصل معها إلا عبر الترجمة.
وشاعر مثل هوميروس, مركزي للغاية في الثقافة الأوروبية لا يمكن قراءته مباشرة. أما بالنسبة لي فان شاعرا مركزيا في الثقافة العربية الاسلامية مثل المتنبي قابل لدخول عقلي وروحي في كل لحظة بذات اللغة التي ألفّ بها شعره.
انه شيء مدهش حقا. أما إذا ذهبت الى أبعد من ذلك, فإننى سأتحدث مثلا عن الشعر الجاهلي. وهنا استحضر على سبيل المثال طرفة بن العبد بهذا البيت الاقتحامي ذي الأسرار:
لخولة أطلال ببرقة تهمدِ
تلوح كباقي الوشمِ في ظاهر اليد
فاذا راعينا روح اللغة القادمة من عصر طرفة ومن ثم استخداماتها, واذا استثنينا الشكل الشعري فإن الكثير من هذه المفردات لاتزال مستخدمة حتي يومنا هذا !!
ويبدو لي أن التربية الشعرية التي تلقيناها على امتداد مراحلنا التعليمية قد ضمنت لنا على نحو ما فهما وجدانيا للمتبقي من هذه اللغة العظيمة.
وأضيف للتربية الشعرية ان جاز التعبير, الرصيد اللغوى للذاكرة. وهو أمر يختلف من انسان الى آخر. وهي البرمجة التي تسمع, لدى الكبر, بتلقي الشعر العربى في أغلب عصوره دون الحاجة الى ترجمان.
وإذا كان الشعر طليعة اللغة فإن النثر العربي القابل هو الآخر للتلقي في كل زمان, يشكل الجناح الثانى لهذا الطائر العملاق.
اللغة كائن مدهش, قابل للتطور, للتغير, للتمدد, للانكماش, وحتى للموت. لكنه في الحالة العربية كائن خالد أيضا. وأدرك كعربى مسلم بأن أمر الحفاظ على هذه اللغة هو أمر رباني لارتباطها بالقرآن الكريم, وقد تعهد الله سبحانه وتعالى بحفظها من خلال حفظ القرآن: »إنا نزلنا الذكر وإنا له لحافظون«.
هذا من إلهي, وبالنسبة للانساني, فإن أسلافنا من أهل اللغة والأدب, فلهم فضل كبير في حفظ تراث هذه الأمة المتدفق في نهر اللغة.
الشعر الجاهلي مثلا, مر بقرون من »البيان والتبين ولم يصل إلينا فجأة, متعرضا لمجسّات هؤلاء الأسلاف. بل أقول أكثر من ذلك, ان كل مفردة تقريباً قد تم فحصها بعناية مركّزة. وفي القرون الخمسة الأولى بعد الوحي استقر تقريباً كل موروث الأمة من الشعر في العصر الجاهلي. فحصا ونقداً.
وفي هذه القرون أيضاً تم تفكيك اللغة الشعرية العربية »الجاهلية«. بل اللغة كلها. وتمت قراءتها عبر هؤلاء الأسلاف. ومن العبث ذكر أسماء هؤلاء الذين قاموا بهذا الجهد »التراكمي« الخارق والذي حفظ لنا كل هذا التراث, من علماء لغة وأدباء ونقاد وكتاب, فهم أكثر من أن أحصيهم هنا.
ما يهمني هو أن هذا التراث الشعري واللغوي قد وصل للأجيال من كل جانب, الى جانب ذلك فقد حصلنا على تراجم هائلة ومؤثرة للغاية لأصحاب ومبدعي هذا التراث. خذ مثلا سيرة الفتى القتيل طرفة, أو الملك الضليل: امرؤ القيس, أو عنترة, أو حتى الأعشى أوزهير, كلها سير أضفت على الشعر متعة إضافية. فطرفة لا يمكن تلقي شعره دون أستحضار سيرته المؤثرة والحزينة, أما عنترة فسيرته عمل روائي وملحمي تتكامل فيه كل عناصر السيرة والاحداث والحبكة.
يبقى أن ثمة أسفا عميقا يحيق بكل هذا المجد اللغوي. وهو أن هذه اللغة الجميلة محصورة في الكتب, وبين فئات المثقفين, أصحاب الرياسات, وأهل اللغة والفقه والدين والأدب والشعر... وأهله بقصد أم بغير قصد يؤذونها يوميا. والمحطات العربية الفضائية خير مثال على هذا الاصرار الغريب على الانحطاط باللغة والاضرار بها. وذلك عبر الاصرار على تقديمها على محو مشوه, وكان بالامكان الاعتماد على مقدمي برامج متمكنين من لغتهم, وهو أمر باعتقادي يسير للغاية. وكان هذا الأمر سيشيع اللغة الجميلة ومفرداتها وتحاصر العاميات العربية, مقرّبا بين اللهجات ومعيدا للأمة واحدة من أجمل مظاهر لحمتها وهي بنية الكلام.
فمن المسلم به أن الكتابة والقراءة واحدة بين أبناء الأمة لكن مستوى الكلام هو نقطة الضعف.
ولا يعنى ذلك أننى أطالب بسجن اللغة في اطار موحد أو زي واحد, فاللغة يمكن أن تتطور من الداخل. وهي حاملة لبذور حيويتها وتطورها, عبر الاشتقاقات والنحت وغير ذلك.
وعدا القليل جدا من مقدمي البرامج ممن يتحدثون بلغة عربية جميلة, فإن الغالبية هم من الغث.
وفي الحقيقة فإن واحدة من علامات استرداد الأمة لعافيتها الحضارية تكمن في الأخذ بآفاقية مدروسة تحرص على اللغة.
وهنا بودي أن أشير الى قضايا أساسية تتعلق بامكانية عودة الروح وانتعاشة هذه اللغة عبر هذه المقترحات:
1- انشاء مركز عربى موحد للمصطلحات العلمية, مستفيدين من وسائل الاعلام والاتصالات الحديثة فتعميم مفردة جديدة يمكن أن يصل الى الوطن العربى بأسره خلال دقائق.
ويضطلع هذا المركز بمهمة تعريب المصطلحات الاجنبية, في كل الميادين, لتغطية معانى ومصطلحات وتسميات الثورة التكنولوجية والعولمة عبر آلية الاشتقاق والنحت وليس عبر استخدام المصطلح الاجنبي بصيغة عربية.
2- انشاء مركز عربى للترجمة.
3- اعلان الميثاق العربي اللغوي.يتعهد فيه الجميع بإلزام المؤسسات الاعلامية والصحافية والتليفزيونية وغيرها بالحفاظ على اللغة والتواصل مع المركز العربي للغة والترجمة.
وبذا أتمنى أن لا يغترب العربي في بلده... أو في أي جزء من وطنه العربي فيحتاج الى ترجمان... !!