

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أمــــا بعد : ...
{ ظهر الفساد في البر والبحـــر }
كيف يسلم من له زوجة لاترحمه ، وولد لا يعذره ، وجار لا يأمنه ، وصاحب لا ينصحه ، وشريك لا ينصفه ، وعدو
لا ينام عن معاداته ، ونفس أمارة بالسوء ، ودنيا متزينة ، وهوى مرد ٍ ، وشهوة غالبة له ، وغضب قاهر ،
وشيطان مزين ، وضعف متسول عليه ، فإن تولاه الله وجذبه إليه انقهرت له هذه كلها ، وإن تخلى عنه ووكله الى
نفسه اجتمعت عليه فكانت الهلكة .
لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة والمحاكمة إليها واعتقدوا عدم الإكتفاء بها وعدلوا الى الآراء
والقياس والإستحسان وأقوال الشيوخ ، عرض لهم من ذلك فساد في فطرتهم وظلمة في قلوبهم ، وكدر في
أفهامهم ، ومــــــــحق في عقولهـــــــــــم .
وعمتهم هذه الأمور وغلبت عليهم ، حتى ربى فيها الصغير ، وهرم عليها الكبير ، فلم يروها منكرا ، فجاءتهم دول
أخرى قامت فيها البدع مقام السنن ، والنفس مقام العقل ، والهوى مقام الرشــد ، والضلال مقام الهدى ، والمنكر
مقام المعروف ، والجهل مقام العلم ، والرياء مقام الإخلاص ، والباطل مقام الحق ، والكذب مقام الصدق ،
والمداهنة مقام النصيحة ، والظلم مقام العدل ، فصارت الدول والغلبة لهذه الأمور ، وأهلها هم المشار إليهم ،
وكانت قبل ذلك لأضدادِها ، وكان أهلها هم المشار إليهم .
فإذا رأيت دولة هذه الأمور فقد أقبلت ، ورايتها قد نصبت ، وجيوشها قد ركبت ، فبطن الأرض ـ والله ـ خير من
ظهرها ، وأعالي الجبال خير من السهول ، ومخالطة الوحش أسلم من مخالطة الناس .
* إقشعرت الأرض ، وأظلمت السماء
وظهر الفساد في البر والبحر من ظلم الفجرة َ ، وذهبت البركات ، وقلت الخيرات ، وهزلت الوحوش ، وتكدرت
الحياة من فسق الظلمة ، وبكى ضوء النهار وظلمة الليل من الأعمال الخبيثة والأفعال الفظيعة ، وشكى الكرام
الكاتبون والمعقبات الى ربهم من كثرة الفواحش وغلبة المنكرات والقبائح .
وهذا ـ والله ـ منذر بسيل عذاب قد انعقد غمامه ، ومؤذن بليل بلاء قد ادهم ظلامه ، فاعنزلوا عن طريق هذا السبيل
بتوبة ً نصوح مادامت التوبة ممكنة ، وبابها مفتوح وكأنكم بالباب وقد أُُغلق وبالرهن وقد غَلِق ، وبالجناح قد
عُلِّق : { وَسَيَعْلِمُ اُلِذِينَ ظَلَمُواِ أِيِ مُنْقَلَبٍ يَنَقَلِبُونَ } [ الشعراء 227 ] .
::
للإبن قيم الجوزية
"ودمتم في رعايــة الله "