بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحدة لاشريك له والصلاة والسلام على من لانبي بعدة
وبعد
نردد دوما بأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو قدوتنا,وأسوتنا,وأنه النموذج الكامل الذي ينبغي أن نحتذي به"لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة" الأحزاب
و لا نشك أبدا في حب المسلمين جميعا لرسولهم العظيم... و لكن هذا الحب لابد له منه دليل يدل عليه...فالبينة على من ادعى.
وأكبر دليل على الحب:الطاعة و الإتباع,و صدق من قال:"إن المحب لمن يحب مطيع" و في هذه الأسطر نتحدث عن جانب عظيم شغل باله صلى الله عليه وسلم,و هيمن على عقله,وسيطر على مشاعره ألا و هو اهتمامه الشديد بالقران, و عندما نتحدث عن هذا الجانب فان المقصد هو إتباعه و التأسي به في هذا الاهتمام,و في كيفية قراءته,واستخدامه في الدعوة(فامنوا بالله و رسوله و النور الذي أنزلنا ) التغابن
مكانة القران
علم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانة القران عند ربه، وليس أدل على ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم (ما من كلام أعظم عند الله من كلامه ،ومارد العباد إلى الله كلاما أحب إليه من كلامه)رواه الدارمى وقوله (القران أحب إلى الله من السموات والأرض ومن فيهن) رواه الدارمى وقوله( من شغله قراة القران عن مسألتي وذكرى أعطيته أفضل ثواب السائلين. وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه) رواه الترمذى
تأثر الرسول بالقران
لقد كان حبه صلى الله عليه وسلم واهتمامه بالقران لا يمكن وصفه فقد سيطر القران على عقله ومشاعره سيطرة تامة وبلغت قوة تأثيره عليه ان شيب شعره فقد دخل عليه يوما ابو بكر رضى الله عنه فقال له لقد شبت يا رسول الله قبل المشيب فقال له مبينا سبب ذلك شيبتني هود وأخواتها رواه الترمذى وفى يوم من الأيام قال لعبد الله بن مسعود اقرأ على القران فقال اقرأ عليك وعليك أنزل قال إنى أحب أن اسمعه من غيرى فقات عليه سورة النساء حتى اذا جئت إلى هذه الآية (فكيف إذا جئنا من كل امة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا)قال حسبك فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان متفق عليه وفى ليلة من الليالي وبينما كان يسير صلى الله عليه وسلم فى طرقات المدينة سمع امرأة تقرأ(هل أتاك حديث الغاشية)فقال نعم قد أتاني وهو يبكى... لقد تشبع صلى الله صلى الله بالقران تشبعا تاماً وتأثر به تأثراً بالغا لدرجة أن الإمام الشافعي يعتبر أن السنة هي نضح القران على عقله صلى الله صلى الله وفهمه له.
دعوته صلى الله عليه وسلم للناس بالقرآن:
ومن مظاهر تأثر الرسول صلى الله علي وسلم بالقرآن،وإدراكه لأهميته القصوى ، أنه كان يدعو الناس بالقرآن ،وقصته مع عتبه بن ربيعه –أحد أئمة الكفر في مكة- مشهورة فقد ذهب إليه عتبه يعرض عليه الملك والمال والجاه ،مقابل أن يترك ما يدعو إليه .. فماذا فعل صلى الله عليه وسلم: قال له : أفرغت أبا الوليد ثم تلا عليه صدر سورة فصلت والتي أثرة في عتبة تأثيراً بالغاً ؟ وأخذ يناشد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسكت .
وكان صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس في موسم الحج- قبل الهجرة- فيقول لهم --هل من رجل يحملني إلى قومه فإن قريشا منعوني أن أبلغ كلام ربي .
وكان يقول لأصحابه(بلغو عني ولو آية) وكثيرا ما كان يخطب الجمعة بالقران ..
وروى الإمام مسلم عن أم هشام بنت حارثه قالت: ما أخذت (ق والقران المجيد) إلا عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس .
وروى ابن ماجه عن أبي بن كعب قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة(تبارك) وهو قائم ، فذكرنا بأيام الله وأبو الدرداء وأبو ذر يغمزني ، فقال:متى أنزلت هذه السورة؟ فإني لم اسمعها حتى الآن: فأشار إليه أن اسكت .
بين الرسالة والمعجزة:
هذا الاهتمام العظيم بالقران كان منطلق إدراكه صلى الله عليه وسلم للنعمة العظيمة التي أكرمه الله بها (الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد) ]إبراهيم[
فهذا القرآن الذي أكرمه ربه بإنزاله عليه ،وتكليفه بتبليغه يجمع بين أمرين بالغي الأهمية، لم يجتمعا في رسالة سابقة .. يجمع بين "الرسالة والمعجزة" .. يقول صلى الله عليه وسلم : (ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطى من الآيات ما مثله أمن عليه البشر، وإنما كان الذي أتيته وحيا أوحاه الله إليّ ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة) فالرسالة القرآنية شأنها شأن الرسائل السابقة من حيث وظيفتها الهادية إلى الله (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن : هدى للناس)]البقرة[
فالرسالة تتضمن طريقة الهداية إلى الله كالتوراة والإنجيل (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور) ]المائدة[ أما المعجزة القرآنية فتتمثل في قدرة القرآن الفذة- بإذن الله على الأخذ بأيدي الناس والسير بهم في طريق الهداية .
الرسالة تبين الطريق الموصل للهدف:
والمعجزة تأخذ بيد المرء للسير في هذا الطريق وتصل به إلى هدفه بسهولة ويسر. (قد جاء كم من الله نور وكتاب مبين : يهدي به اله من اتبع رضوانه سبل السلام ) هذه هي الرسالة القرآنية ،(ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه)
وهذه هي وظيفة المعجزة .. (قل هو للذين أمنوا هدى وشفاء ) ]فصلت[ الرسالة (هدى)، والمعجزة : (شفاء) فالمعجزة القرآنية بمثابة الروح التي تبث في القلب، وتمده بتيار الحياة ،وتدفعه للسير في طريق الله (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ) الشورى
من هنا ندرك حرصه صلى الله عليه وسلم على تبليغ القرآن ، وتعليمه لأصحابه (لقد من الله على المؤمنين إذا بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة )
وندرك كذلك لماذا كان حريصا على عدم انشغال الصحابة بشي آخر غير القرآن . فقد طلب منه بعضهم أن يقصي عليهم قصصاً ، فنزل قوله تعالى (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن ) ]يوسف[ ومر عمر بن الخطاب برجل يقرأ كتاباً ، فاسمعه ساعة ، فا ستحسنه ، فقال للرجل: اكتب لي من هذا الكتاب ، ثم أتى النبي صلى الله علي وسلم فجعل يقرأ عليه ، وجعل وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلون، فضرب رجل من الأنصار بيده الكتاب وقال : ثكلتك أمك يا أبن الخطاب ، أما ترى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ اليوم وأنت تقرأ عليه هذا الكتاب ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما بعثت فاتحاً وخاتماً ، وأعطيت جوامع الكلم وفواتحه ، واختصر لي الحديث اختصار فلا يهلكنكم المتهوِّكون ( أي المتحيرون) . يتلون وجهه صلى الله عليه وسلم ويغضب عندما يجد أحد أصحابه يقرأ ويستحسن كتابا آخر غير القرآن ، وكيف لا يتلونه وجهه وربه يقول له (أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم) ]العنكبوت[
الفهم والتأثر :
ولأن الانتفاع بالقرآن – رسالة ومعجزة – يستلزم الفهم والتأثر ، والقراءة الهادئة البطيئة فلقد كان صلى الله عليه وسلم يتابع أصحابه في ذلك ، ويحذرهم من أن يتحول القرآن من كونه مصنعا يصنع الرجال ويضعهم في قالب العبودية لله عز وجل ، إلى قراءة حنجرية فقط ، فعندما طلب منه عبدالله بن عمرو بن العاص بأن يختم القرآن في أقل من ثلاثة أيام نهاه عن ذالك أو قال " لا يفقهه من يقرؤه في أقل من ثلاث " وخرج يوما على أصحابه فوجدهم في حلقة يقرؤون القرآن ويتدارسونه بينهم ، ففرح بهم وقال : الحمد لله ، كتاب الله واحد ، وفيكم الأخيار ، وفيكم الأحمر والأسود ، اقرأ القرآن ، اقرأ قبل أن يأتي أقوام يقيمون حروفهم كما يقام السهم لا يجاوز تراقيهم ، يتعجلون أجره ولا يتأجلونه
صفة قراءته :
وعندما كان صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن فقد كان يقرؤه قراءة هادئة .. مترسلة حزينة .. وكان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها..وكان يمد الحروف ويرتل ليسمح للعقل بتفهم الخطاب الإلهي والقلب بالتجاوب معه..وكان يتعامل مع القرآن على حقيقته ..خطاب مباشر من الله عز وجل له وللناس أجمعين، فكان إذا مر بآية فيها ذكر الجنة دعا واستبشر وإذا مر بآية فيها ذكر النار استعاذ منها بالله.
وظل صلى الله عليه وسلم ليلة كاملة يردد قوله تعالى (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم)(المائدة...)
..ولقد وصفت السيدة أم سلمة رضي الله عنها قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم بانها (قراءة مفسرة حرفا حرفا) رواه أبوداود.
ووصفت السيدة عائشة رضى الله عنها ترتيله فقالت لو أراد السامع أن يعد حروفه لعدها لا كسردكم هذا.
وفي حديث حفصة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها.
ويصف حذيفة بن اليمان رضى الله عنه قراءته صلى الله عليه وسلم فيقول (صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح بالبقرة فقلت يركع عند المائة ثم مضى فقلت يصلى بها في ركعة فمضى فقلت يركع بها ثم افتتح آل عمران فقرأها يقرأ مترسلا إذا مر بآية فيها تسبيح سبح وإذا مر بسؤال سأل وإذا مر بتعوذ تعوذ) رواه مسلم
المحافظة على قراءة القرآن كل يوم :
وكان صلى الله عليه وسلم حريصا على كثرة قراءة القرآن .. كل يوم , وكيف لا وقد أمره الله بذلك ( إن ما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأن أتلوا القرآن)[النمل 91,92]
لما جاء وفد ثقيف إلى المدينة أنزلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قبة بين المسجد وبين أهله فكان يأتيهم ويحدثهم بعد العشاء , وفى ليلة من الليالي تأخر عليهم ثم أتاهم فقالوا له : يا رسول الله لبثت عنا الليلة أكثر مما كنت تلبث ؛ فقال نعم طرأ على حزبي من القرآن فكرهت أن اخرج من المسجد حتى أقضيه. رواه أبوداود وابن ماجه.
الوصية بالقرآن:
لا عجب إذاً أخي القارئ أن تكون الوصية التي أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته من بعده هي القرآن أورد البخاري في صحيحة عن طلحه قال: سألت عبد الله بن أبي أوفي :أأوصى النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال :لا ، فقلت:كيف كتب على الناس الوصية ؟، أمروا بها ولم يوصىّ ؟ قال : أوصى بكتاب الله .
وهذا يؤكد حرصه صلى الله عليه وسلم على أمته من بعده تلك الوصية بالقرآن ، وكذالك إخباره لنا بأن ستكون هناك فتن ستمر بالأمة ، وأن السبيل الأكيد لتجاوزها ، العودة لما كانت عليه الأمة من مجد وعز ، هو العودة للقرآن.
فقد قال للصحابة في يوم من الأيام :ستكون فتن ،فسألوه وما المخرج منها ؟ قال : "كتاب الله" .. الحديث . رواه الترمذي وغيره .
وعندما أخبر صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان بالاختلاف والفرقة التي ستحدث بعده ، فقال له حذيفة : يا رسول الله فما تأمرني إن أدركت ذلك ؟! قال:تعلم كتاب الله عز وجل واعمل به فهو المخرج من ذالك .
قال حذيفة: فأعدت عليه ثلاثا . فقال صلى الله عليه وسلم : تعلم كتاب الله واعمل به فهو النجاة .
أخى القارئ أخنى القارئة..
هذا القرآن الذي بين أيدينا هو وصية نبيكم , فيه المخرج لهذه الأمة من النفق المظلم الذي تسير فيه. فهل عدنا إليه وتمسكنا به , ودخلنا إلى دائرة تأثير معجزته فيصنع منا جيلا قرآنيا كما فعل مع الجيل الأول ؟
لا يوجد شيء يحول بيننا وبين ذلك إلا أننا نتناول المصحف , ونعطيه الكثير من أوقاتنا ونقرأه قراءة هادئة مرتلة كما كان يفعل رسولنا صلى الله عليه وسلم.
نقرأه بفهم , ونجتهد في التأثر به , لعله – بإذن ربه – يبث فينا روحه , فيخرجنا من كل ظلام نحن فيه على طريق النور .. طريق الله العزيز الرحيم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
.