الحقوق ا لزوجية المشتركة سنذكرها أولاً على طريق الإجمال ، ثم نتكلم على كل حق منها تفصيلاً ، مع ملاحظة أنه نظراً إلى أن الكـلام طويل جـداً عن حـق الاستمتاع ، فسنرجىء تفصيل الكلام عنه - بعد أن نذكره إجمالاً - إلى ما بعد الكلام على الحقوق الأخرى ، وإليك أولاً بيان هذه الحقوق على وجه الإجمال :
الحق الأول : حق الاستمتاع .
الحق الثاني : حسن العشرة .
الحق الثالث : ثبوت نسب الأولاد .
الحق الرابع : التوارث .
الحق الأول : حق الاستمتاع :
لكل من الزوجين الحق في أن يستمتع بالآخـر ، بالنظر ، وباللمس ، والاتصـال الجنسي ويجوز للزوج بلا كراهة أن ينظر إلى فرج زوجته ، وأما الرأي الذي يرى كراهة ذلك فليس له ما يؤيده ، وما رواه ابن عدي في الكامل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :[ إذا جامع أحدكم زوجته أو جاريته فلا ينظر إلى فرجها فإن ذلك يورث العمى ] فلا يحتج به ، لأن في إسناده بقيَّة ، وبقيَّة هذا ضعفّه العلماء، قال ابن حبـَّان : بقيَّة يروى عن الكذابين ، وقد حـكم ابن الجوزي بوضع هذا الحديث ، وللزوج الحق في أن يطلب من زوجته الاتصال الجنسي متى شاء بحسب رغبته وهواه ، إلا إذا وجد مانع شرعي من ذلك ، كوجود الحيض ، أو النفاس ، أو الإحرام بالحج أو العمرة ، أو مرض الزوجة ، أو غير ذلك من الموانع الشرعية .
وقد أجمع العلماء على أن الزوجة لو اشترطت على زوجـها في عقد الزواج أن لا يتصل جنسياً بها لم يجب على الزوج أن يفي بهذا الشرط .
هل للزوج إجبار زوجته على الاغتسال من الحيض ليطأها ؟
بيّن الفقهاء أن للزوج الحق في إجبار زوجته المسلمة على أن تغتسل من الحيض أو النفاس بعد انقطاع الدم عنها ، حتى يستطيع الاتصال الجنسي بها . وعلّلوا رأيهم بأن الاستمتاع حق للرجل ، وعدم اغتسال الزوجة يعد مانعـاً له من الاستمتاع الذي هو حقه لأن الله تبارك وتعالى علق إباحة الإتصـال الجنسي بإنقطـاع الدم واغتسال المرأة ، فقال سبحانه : ( فاعتزلوا النسـاء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن ، فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله ) ، فكان الزوج يملك إجبارها على إزالة ما يمنعه من تناوله لحقه .
واختلف العلماء فيما إذا كان الزوج المسلم متزوجاً بيهودية أو نصرانية ، هل له الحق في إجبارها على أن تغتسل بعد انقطاع دم الحيض حتى يطأها أم ليس من حقه أن يجبرها ؟
فيرى البعض من الفقهاء أن الزوج له الحق في إجبارها على الاغتسال، حتى يحل له وطؤها ، وذلك لأن الله تعـالى قال : ( ولا تقربوهن حتى يطهرن، فإذا تطـهرن فأتوهن من حيث أمركم الله ) ، أي فإذا اغتسلن بالماء ، ولم تخصص الآية المسلمة دون غيرها بالاغتسـال ، فيكون جواز الوطء من الزوج متوقفـاً على اغتسال الزوجة سواء أكانت مسلمة أم غير مسلمة.
وهنا قد يرد سؤال هو : كيف يمكن أن يتصور الإجبار على الاغتسال مع أنه لا يصح إلا بنية من المغتسل ، والنية إذا كانت تصح من المسلمة فلا تصح من غير المسلمة؛ لأنه يشترط الإيمان لصحة النية، فكيف يصح إجبار اليهودية والنصرانية على الاغتسال ؟
والجواب أن الغسل من الحيض فيه حكمان : حكم وضعي ، وحكم تكليـفي ، ففيه حكم وضعي من ناحية أنه شرط في إباحة الوطء ، أي أن الشارع سبحانه وضع الاغتسال من الحيض شرطاً في إباحة الوطء، وفيه حكم تكليفي من ناحية كون الاغتسال عبادة ، وعدم النية يؤثر في عدم صحة الحكم الوضعي .
هذا ، وقد بيّن المالكية أن للزوج إجبار زوجته الممتنعة عن الاغتسـال ، حتى لو ألقاها في الماء قهراً عنها ، ويسوغ له أن يطأها بذلك.
ويرى الحنفية : أنه ليس من حق الزوج أن يجبر زوجته غير المسلمة ، لأن الشريعة تحرم الإضرار بالغير وتأليمه ، وتوجب أن يحترم الإنسان بدن غيره إلا بحقه ووطء الصغيرة ليس من حقوقه المأذون بها له.
الحق الثاني : حسن العشرة
حسن العشرة أحد الحقوق المشتركة لكلا الزوجين ، فيجب على الزوج أن يحسن معاملته لزوجته ، وكذلك يجب على الزوجة أن تحسن معاملتها لزوجها، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى الرجال بالنساء خيراً ، ودعاهم إلى الاحتمال لهن ، والصبر على ما قد يضايق الأزواج من أخلاقهن ، فقال عليه الصلاة والسلام [ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جره ، واستوصوا بالنساء خيراً ، فإنهن خلقن من ضع وإن أعوج شيء من الضلع أعلاه ، إذا ذهبت تقيمه كسرته ، وإن تركته لم يزل أعوج ، فاستوصوا بالنساء خيراً ] .
وأرشد رسول الله صلى الله عليه وسلم الأزواج إلى حسن العشرة ، ونهى الزوج عن أن يبغض زوجته بمجرد أن يكره خلقاً من أخلاقها، فإنها لا تخلو مع هذا عن صفة من الصفات التي يرضى عنها زوجها ، فقال عليه الصلاة والسلام :[لا يفرك مؤمن مؤمنة ، إن كره منهاخلقاً رضي منها آخر ] رواه أحمد ومسلم .
ولا يجوز للزوج أن يسمعها القبيح من الكلام، ولا أن يضرب الوجه : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم الأزواج - إذا اضطروا إلى تأديب زوجاتهم - أن يضربوا وجوههن ، أو أن يسمعوهن ما يكـرهن من لكـلام القبيح ، فقد روى أنه عليه الصلاة والسلام سئل : ما حق زوج أحدنا عليه ، فأجاب صلى الله عليه وسلم : [ تطعمها إذا أكلت ، وتكسوها إذا اكتسيت ، ولا تضرب الوجه ، ولا تقبـح ، ولا تهجر إلا في البيت ] .
الحق الثالث: ثبوت نسب الأولاد
من الحقوق التي يشترك فيها الزوجـان أن يثبت نسب الأولاد إلى كل من الزوج والزوجة ، فالأولاد كما أنهم أولاد الأب فإنهم أيضاً أولاد الأم ، ويثبت لكل من الأب والأم ما يترتب على ثبوت الأبوة أو الأمومة من حقوق ، كالنفقة إذا كان الأب أو الأم مستحقاً لها من مال أولادهما ، والحضانة عند الصغر ، والولاية عند الصغر كذلك ، أو عندما يوجد ما يستدعيها ، والميراث .
الحق الرابع: التوارث
من حق كل من الزوجين أن يرث الآخـر إذا مات قبله ، فالزوجية أحد الأسباب التي تعطي حـق الإرث ، وما دامت الزوجية قائمة إلى حين وفـاة أحد الزوجين فللآخر الحق في ميراثه ، سواء أكانت الزوجية قائمة حقيقة أو قائمة حكماً ، كما في الحالة التي تكون المرأة فيها معتدة من طـلاق رجعي ، مـا لم يكن ثمَّ مانع من الميراث ، كاختلاف الزوجة في دينها عن دين زوجها ، كأن يكون المسلم متزوجاً يهودية أو نصرانية ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيّن أن اختلاف الدين مانع من الميراث ، فقال فيما رواه البخاري :[ لا يرث المسلم الكافر ، ولا الكافر المسلم ] .
وقد بيّنت شريعة الإسلام أن للزوج نصف ما تركته زوجته من ميراث، إذا لم يكن لها فرع يرثها ، سواءً أكان هذا الفرع الوارث ولدها - ذكراً أو أنثى - أو ولـد ابنها وإن سفل ، فقال تبارك وتعالى : ( ولـكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهنّ ولد ) ، وقد أجمع علماء الأمة الإسلامية على أن ولد الإبن مثل الإبن .
وأما إذا كان للزوجة فرع وارث _ سواء أكان من زوجها أم من غيره _فلزوجها الحق حينئذ في أن يرث ربع تركتها لا نصفها ، لقول الحق تبارك وتعـالى : ( فإن كان لهنّ ولد فلكم الربع مما تركن ) .
وللزوجة الحق في أن ترث ربع ما تركه زوجها إذا لم يكن له ولد أو ولد ابن وارث وإن سفل ، ذكراً كان أم أنثى ، منها أو من غيرها .
فإن كان لزوجها ولد أو ولد ابن وارث منها أو من غيرها فلها ثمن التركة حينئذ ، قال الله تبارك وتعالى : ( ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد ، فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم ) .
وإذا كان هناك أكثر من زوجة ، بأن كان للزوج زوجتان أو أكثر ، فيشتركان أو يشتركن في الربع أو الثمن .