اكتب بريدك ثم اضغط على اشتراك ليصلك جديد غرام
بحث مخصص من محرك البحث العالمي قوقل للبحث في غرام
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 21
قديم(ـة) 22-12-2008, 04:45 PM
صورة angel jolly الرمزية
angel jolly angel jolly غير متصل
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: خطوات تغفو على عتبات الرحيل(رائعة الكاتبه ليتني غريبه)


كانوا ثكلة من الممرضين و الأطباء عند باب الطوارئ في انتظارهم اضافة لأبو مايد الذي بدا أنه سبقهم إلى هنا ..في الحال وضع بو نايف على سرير نقال ليختفى به في إحدى غرف الفحص .. مرت ما يقارب الربع ساعة و هم يجلسون هناك بتوتر .. بو مايد يقف قرب باب مدخل قسم غرف الفحص الخاصة بالاسعاف المستعجل .. و عبيد يقطع الممر على قدميه ذهابا و إيابا .. مايد جلس مسترخيا بجاور حور التي كانت تعتصر قبضتيها بخوف .. تسمع المها تتمتم بشيء ما خمنت أنها أدعية .. كان الجو ثقيلا على النفس .. لا تريد أن تجلس هنا في انتظار ان يخرج أحدهم ليخبرهم ما يحدث خلف هذه الأبواب المغلقة .. يفترض بهم أن يكونوا في الداخل .. بجوار ابيها ..
راحت تناجي ربها في صمت أن يكون الأمر غير ذي بال .. و أن يكون والدها بخير .. في غمرة ازدحام حواسها و أفكارها طرأ على بالها أمرٌ ما .. همست لمايد بصوت مرتجف ..
- مااايد ..
التفت لها بسرعة ..
- لبيه ..
ابتلعت ريقها ..
- لبيت في منى .. أبا أصلي العصر ..
هز رأسه موافقا ..
- ان شا الله .. شوفي المها بتسير وياج ..؟؟
رفضت المها التحرك بعد أن قضت صلاتها في البيت قبل الجميع .. و فضلت الجلوس هنا في انتظار خبر عن أبيها ..اختفت حور و مايد الذي راح يدلها على مكان مصلى النساء .. و ثوانٍ قبل أن يظهر مجددا ليجلس بعيدا عنها بخطوات ..
.
.
أفكار مجنونة كانت تقلبها في ذهنها و هي تجلس في مكانها بهدوء .. تدعوا ربها بقوة ..
خيالات فظيعة راودتها و هي تستعيد صورة أبيها و هو مسجى على الأرض بلا حراك ..
وجهه المتعب الذي أشقته أيام العمر المضنية و هي تحتضنه باستمامته .. أرادت أن تبث وجهه الجامد شيئا من الحياة ،، رمق من أدنى أثر لشعوره بمن حوله ..
كان الرعب القاتل يسري في عروقها مع طول انتظارهم .. و تأخر أحدٍ ما في المجيء ..
أغمضت عينيها للحظات تنفي كل فكرة سوداء قد تغرقها .. و تسحبها بيأس إلى الأسفل ..
فتحت عينيها و أدارت وجهها نحو الباب .. خفق قلبها بقوة حين رأت رجلا يرتدي معطفه الطبي كان يقف مع عمها بو مايد يبتعد عنهم نحو ذاك الباب مجددا .. و أبو مايد يضم طرف - غترته - لعينيه ..
كان على ما يبدو أنه يكلم ابنه الأكبر الذي كان يهز رأسه المنخفض بطاعة .. و عبيد يجلس على كرسي قرب الباب و قد أراح رأسه بين كفيه ..
كان المشهد بليغا للغاية .. هناك سوء ما قد أصاب والدها .. متأكدة من ذلك .. هبت على قدميها المرتعشتين .. و عبرة خائفة تقف على أعتاب مقلتها .. تأبى النزول من عليائها .. و كأنما يعني سقوطها .. أوان النهاية ..
تقترب من عبيد الذي بدا أقربهم في تلك اللحظات .. تجر قدميها جرا نحوه ..
لما بدت لها خطواتها تقودها نحو الحتف القريب ..؟!
لماذا راودتها رغبة مخيفة في العودة لمكانها .. و التشبث بذلك المقعد ..
هل عليها أن تهرع لما تحمله تلك الوجوه من وجع منتظر ..؟؟!!
شعر عبيد بوقوفها عند رأسه .. رفع وجهه المحمر نحوها .. عينيه المغرقتان بالدموع .. وجه المبتل ..
.
.
رباه .. هذه العبرات ..!
أيقنت بأن الأمر تجاوز حدود هذا الرجل بالمكابرة .. تجاوز حدود الهدوء ..
حدود التحمل ..
حدود الحياة نفسها ..!
هــل ..؟؟
رفعت يدها لحنجرتها تتحسسها .. تريد التأكد من أن صوتها الذي لا تسمعه ستخطى شفاهها .. و هي تقول له بنبرة غريبة ..
- أباااه مااات ..؟؟
بدت الصدمة جلية على وجهه .. و لم يجبها .. فعادت تسأله بإصرار ..
- أباااه مااات ..؟؟
ازدادت عبراته في التتابع .. و هو يومئ برأسها بايجاب ..
فجأة وصلتها الإجابة ..لقد فارق والدها الحياة .. رفعت عينها بذهول .. كان وقع الخبر أكبر من إدراكها ..
أدارت بصرها في وجوه من حولها .. مايد الذي كان ممسكا بالهاتف يتحدث فيه و هو يبكي .. بو مايد يقف مستندا على الجدار و جسده المسن يهتز بأسى ..
إنهم يبكونه ..!
يبكون فقيدهم .. أباها ..
أباها .. لقد رحل .. تركهم .. لقد أخذوه الأطباء إلى الداخل .. و لن يستطيعوا الآن استرجاعه ..
راحت تنظر للباب البعيد الذي أدخلوه عبره .. و خرج الطبيب منه حاملا خبر رحيله ..
تري ان تصله .. تقتحمه .. تعيد أباها مجددا .. تريد أن ....
في غمرة تلك المشاعر التي بدأت تخنقها .. نسيت قدرتها على التنفس ..
أصبح الهواء لا يصل رئتها حين بدأت تعجز عن الوقوف على قدميها ..!!
.
.
.
.
.
.
.
يلامس جبينها الأرض بخشوع .. تمسك بأطراف الدموع بعيدا عن متناول الهطول .. ليس وقت الضعف الآن ،، حتما سيكون أباها بخير ،، و لا هذا الأمل ارتجفت شفتيها و هي ساجدة .. على وشك البكاء ..
تتوسل الرب من قلبها أن يحفظه لهم .. رباه ليس لنا سواه ..! .. كيف سنواصل العيش إذا أصابه مكروه ما ..!!
كيف لعائلتهن البسيطة أن تتدبر أمورها دونه ..؟! كان هو السند الوحيد لهم ..
ترفع نفسها لتستوي جالسة قبل أن تنهي صلاتها .. توجهت نحو الحمام التابع للمصلى النسائي .. وقفت أمام المرآة العملاقة و هي تضع غطاء وجهها جانبا .. بهدوء .. تدير الصنبور لتتدفق المياه بقوة .. فتجمعها هي بهدوء بين راحتيها ثم تنثرها على وجهها ..
تريد أن تبرد شيئا من حر فؤادها قبل وجهها الذي أحرقته الدموع ..
لا تعرف كيف تخنق خفقان قلبها الخائف .. الأمر كان مرعبا للغاية .. لم يحدث هذا لأبيها من قبل ..!
اتجهت نحو الردهة الواقعة قرب مدخل غرف الفحص حيث تركت البقية ،، ما إن اقتربت من مكانها حتى عقدت جبينها .. لم يكن أحدهم هناك ..!!
مهلا .. هذا بو مايد يقف في الطرف الأقصى .. شعرت بتفاؤل غريب يجتاحها .. لا بد أن أباها استيقظ الآن و البقية يجلسون عنده .. اقتربت من بو مايد الذي كان يدير لها ظهره.. بلهفة و هي تكاد تركض نحوه .. وصلت اليه بسرعة ..
- السلام عليكم و الرحمه ..
رأت ظهره يتصلب وهو يرفع رأسه دون أن يلتفت إليها .. رد سلامها بصوت ضعيف .. قبل أن يلتفت إليها ..
- و عليكم السلام و رحمة ..
أدار وجهه بعيدا عنها و هو ينظر حيث الاستقبال .. تلك النظرة المتألمة لم تخفى عن حور التي وضعت يدها على صدرها بارتياع و كل إحساس جميل راودها للتو ذهب أدراج مخاوفها ..
- عمي سلطان بلاك ..؟؟؟ أبويه فيه شي ..؟؟؟
هز رأسه نفيا بسرعة .. دون أن يجيب .. تهدج صوتها و هي تشعر بأنها على شفير البكاء ..
- دخيلك لا تكذب عليه .. ابويه شفيه ..
.
.
نظر لها و هو يوأد أي إحساس قد يطفو على وجهه .. لن يستطيع تحمل ردة فعلها عند علمها بخبر أبيها .. عبيد ذهب لإعلام أمه و إصطحابها لبيت خالته .. ستقوم هي بابلاغ من في البيت .. مايد في الخارج ينتظر إخوة المرحوم الذين سيكونون على وصول بعد دقائق .. الحقيقة أنه لا زال هو نفسه مهزوزا من هذه الفاجعة التي أصابتهم في ذاك العزيز على حين غرّة .. لا يجد في نفسه القدرة أن يخبر هذه الشابة بذاك النبأ .. فضّل اللجوء للمناورة حتى يأتي مايد .. سيقوم هو بإخبارها .. و امتصاص ردة فعلها و مواساتها .. أَ وَ ليس أخوها .. و الأقرب لها ..؟!
ابتلع كتلة شائكة سدت حلقه بمرارة و هو يتنهد قائلا بهدوء خادع أخفى وراءه صرخات مجنونة لا تسمع ..!
- ما شي بس تروعت ع ختج .. مادري بلاها طاحت علينا مرة وحدة ..
كانت تلك نصف الحقيقة فقط .. و لكن الفزع في صوتها أربكه ..
- المهــــــا ..!!!! بلاها ..؟؟ شوه استوى عليها ..؟؟ وينها الحين ؟؟
- داخت و صك راسها في القاع .. ما ياها غير الكدمة و تقول الدختورة انها بتم ساعة و إلا زود راقدة ..
هزت رأسها بعدم فهم ..
- مايد و عبيد وينهم ..؟؟
تابع كذبته التي بدأت تتمادى الآن ..
- ساروا يشوفون أبوج شوه استوى عليه .. ما تبين تسيرين تشوفين ختج ؟؟ تعالي بوديج غرفتاا ..
تقدمها بهدوء و هي تتبعه نحو غرفة الملاحظة التي وضعت فيها المها تُمَدُّ بمغذٍ و ترتاح إثر صدمتها التي أدت لسقوطها على الأرض الصلبة .. أشار من عند الباب الذي لم يكن يبعد كثيرا عن المدخل ..
- هاي حجرتاا ..
.
.
.
هزت حور رأسها بامتنان و أطرافها ترتجف .. ماذا الآن أباها .. و المها ..!! أخطأت حين وافقت على إحضارها لم تشكْ قط بأنها مرهفة لهذه الدرجة .. أ سيطر الخوف عليها حتى أفقدها الوعي ..؟؟!
ارتعبت حور من الفكرة و دفعت الباب لتدلف بسرعة مغلقة إياه خلفها .. كانت المها تتمدد بهدوء على ذاك الفراش الأبيض الذي التفت حوله ستارة انزاح طرفها لتتبين من خلفها.. حجابها لا زال محكما على رأسها فيما أُلقي غطاء رأسها على الطاولة المجاورة .. و أنبوب طويل راح يمدها عبر الوريد بالسائل المغذي .. فيما هي تسكن عالما غير عالمهم هذا ..
دنت من فراشها بسرعة .. وضعت يدها على جبين المها .. كانوا قد وضعوا شريطين لاصقين أخفا طرفها الحجاب . هناك من فك الحجاب و أعاد لفّه بطريقه محكمة .. بدا وجهها الجميل غارقا في ما تجهل هي .. سحبت كرسيا تقربه من السرير لتجلس عليه .. تمنت أن يأتي عبيد و مايد بأخبار طيبة .. و أنا تستيقظ المها بسرعة .. مضي الوقت هنا أخذ يشعرها بالتوتر .. كانت الثواني تمر ثقيلة للغاية .. مر وقتٌ طويل لم يأتها أحد بخبر .. عليها أن تخرج لترى ما خطبهم .. هل نسوا وجدهن هنا ..؟؟ أم أن ...
تجاهلت أي أفكار سخيفة قد تراودها و هي تسحب الستارة حول سرير المها و تعيد الغطاء على وجهها .. توجهت نحو الباب لتفتحه .. ما إن خرجت من الغرفة ليقع عينها على هذا المظهر الغريب ..!! تراجعت بارتباك للخلف و لكن حركتها كانت قد استرعت انتباه الموجودين .. التفتوا أولئك الرجال الغرباء نحوها فور خروجها .. لتعود إلى الغرفة مجددا .. قلبها يخفق بعنف .. يا إلهي .. أين عمها سلطان و أبناءه ..!!
.
.
.
كانوا موجودين بين الرجال الذين لاحظوا وجودها في تلك البرهة القصيرة دون أن يعرفوها .. تبادل بوسلطان و ابنه مايد نظرة متفهمة .. و هو يقول له بصوت هامس حزين..
- أنا ما خبرتاا .. سير خبرهاا الحين و شوف لو تروم تردها هي و ختها البيت قبل لا يمزرون هلهم المستشفى ..
هز مايد رأسه بسرعة و هو يمسح وجه .. نظر للرجال الذي وقفوا حوله .. بحضورهم المهيب .. بملابسهم الفاخرة .. بالثراء الذي أخذ يلوح ببساطة على كل حركة .. حتى الحزن الذي ارتسم على ملامحهم لم يُزل كبرياء فطرية نُحتت على وجوه بدت له مألوفه ،، ألم يكن ذاك الراحل يملك هذه الملامح ..؟؟ هذا الطول .. و هذه الصلابة .. شعر بالغصة تخنقه و هو يشيح البصر عن أخوان بو نايف الأربعة و ابنهم الأكبر الذي تعرفه مايد ببساطة بما أنه مالك الشركة التي يعمل بها .. و شاب آخر لم يعرفه .. و لكنه تأكد أنه فردٌ من العائلة ..
لم يأتي أبو حمد ..!! لم يُقدم على المجيء معهم ..
توجه بهدوء نحو الغرفة التي رقدت فيها المها .. كيف سيعلم حور ..؟؟ كيف سيحطمها بما يحمل ..
كانت الأنظار تتأمله و هو يقف أمام الباب بعجز .. لا يقوى الدخول .. شعر بأنه أطال الوقوف هنا رفع يده ببؤس يغالب الدمع الذي تدافع لعينيه مجددا .. عليه أن يكون قويا من أجلها ..
دق الباب بخفة عدة مرات قبل أن يدفعه ليجدها واقفة في منتصف الغرفة و قد أسدلت الغطاء على وجهها و أغلقت الستار حول فراش المها .. ما إن تعرفته حتى أزالت غطاءها بسرعة و هي تقترب منه بلهفة ..
- مايد وينك ..؟؟ أبطيت عليّه ؟؟ شوه قالو لكم ..؟؟؟ أبويه شفيه ؟؟
كان مايد قد أخقض رأسه .. هذه اللهفة .. الأمل الذي مسه في كلماتها .. كيف يحرق قلبها ..؟؟ كيف ..؟؟
أي ثقل ألقي على كاهله .. !! أي وجع يفترض به أن يصيبها به ..!!
نظرت له بحيرة .. لماذا يبدو هذا الإنكسار عليهم .. عمها سلطان و الآن مايد ..!! همست بصوت مرتعش حين بدأ الذعر يدب في قلبها ..
- مايد .. بلاك .. أبويه شفيه ..؟؟
رفع رأسه المغرق بالدموع .. و صوته الرجولي بدا ضعيفا و هو يرمي تلك القنبلة مسلما الأمر ..
- أبـــــوج عطاج عمره ..!
لم تفهم ما قال .. تلك الكلمات أبى عقلها الخائف أن يترجمها ..
- هاه ..؟؟ كيف يعني عطانيه عمره ..؟؟
لم يجبها و هو يشيح بوجهه مخفيا تدفق الدموع الذي ازداد مع سؤالها .. عاد صوتها المرتعش يتوسله ..
- مايد ارمس دخيلك .. ابويه شفيه ..؟
التفت لها و هو يقول بألم ..
- حور أبوج متوفي من أربع ساعات ..!!
بدا و كأن مايد لا يتكلم العربية في تلك اللحظات و هي تعقد جبينها دون أن تستوعب ما قال ..
- متوفــــــي ..؟؟!!!
هز رأسه بألم و هي تتلفت حولها بحيرة .. تدور في الغرفة ..
- منوه لي متوفي ..؟؟ أبوية ..
توقفت في مكانها لتلتفت له بصدمة و عيناها تتسعان .. و هي تصيح فجأة بجنون خلع قلب مايد ..
- كذااااااااااااااااااب ..

.
.
.
.
كان يقف مسندا جسده المديد على الجدار يراقب من حوله بصمت .. الألم و الحزن اللذان رآهما في عين أبوه و أعمامه الثلاثة لم يكن يضاهي الوجع الذي لاح على وجه بو مايد و لا على ابنه .. لقد كانوا هم العائلة الوحيدة لحمد منذ سنوات ..! شعر بصعوبة في التعاطف مع أبوه و أعمامه .. و ذاك الشرود الذي بدا على وجه حامد .. ما كان يسحق فؤاده حقا هو ردة فعل جدته .. كيف له أن يبلغها بخبر كهذا .. لم يخبروا أباه سيف حتى الآن .. أتوا إلى هنا على عجل .. كان والده يعيد رأسه للوراء و هو شارد .. نظرة كسيرة تسكن عينيه ..
كبح شعورا ساخرا في غير وقته .. هل شعر والده الآن بالندم لابتعاده عن أخيه كل تلك السنوات ..؟؟ اعمامه هؤلاء .. أي إحساس يسكنهم بفقد أخٍ قد هجروه لسنوات .. و ها هي الأيام تعيدهم للقاءه بعد رحيله ..
سخرية حقّه .. لا يمكن للأمر أن يكون أكثر تعقيدا من هذه الصورة ..
يجلسون هنا في انتظار أن يسمح لهم الطبيب برؤيته .. تحرك من مكانه ليقترب من بو مايد الذي كان واقفا في الطرف البعيد .. و قال بهدوء حالما وصل إليه ..
- كيف مات ..؟؟
بدا السؤال قاسيا .. و لم تبدو المراعاة على وجه غيث الصلب .. الحقيقة أنه لم يكن يشعر بأي رثاء سوى على حال أبناءه .. شعر بالشفقة لمصيرهم بعده .. أين سيؤول بهم الحال يا ترى ؟؟
قال بو سلطان بتعاسة ..
- لقوه عياله راقد عند باب الميلس و ما طاع ينش لهم .. و اتصلت - تردد لبرهة و كأنما لا يريد نطق اسم الفتاة أمام هذا الغريب .. رغم علمه بأنه زوجها !!- آآ حور بمايد و شله هو و عبيد المستشفى .. و .......
بتر كلماته و رأسه يلتفت بقوة مع استدارت الجميع نحو الصيحة التي انطلقت من الغرفة القريبة ..! كانت صرخة الفتاة واضحة ..
- كذااااااااااااااااااااب ..
بدأ الجميع يلتفتون لبعضهم توترا .. أما غيث فقد لمع في رأسه شيء و هو يسأل بحزم ..
- حد من بناته هنيه ..؟؟
هز بو سلطان رأسه و قد شحب وجهه بشدة .. و هو يهمس ..
- هاي حور .. أكيد مايد قال لها عن أبوها ..!
نظر له غيث و هو يعقد حاجبه لوهلة قبل أن يرفع طرفه بكبر .. مايد ؟؟! و ما شانه بها ليخبرها بذلك .. استدار متوجها للغرفة التي خرج منها الصوت .. شيء من الضيق اضطرم في صدره .. على كل حال هذه الفتاة زوجته .. و لا يحبذ وجود رجل غريب لمواساتها في لحظاتها هذه .. طرق الباب ثلاث مرات بخفة قبل أن يدفعه دون انتظار الأذن .. كان مايد يقف قربها .. عرفها .. هي نفسها حور .. عقد جبينه .. مايد الذي التفت له بنظرة أليمة بدا أنه الوحيد الذي شعر بدخوله .. فيما استمرت حور بالنظر لوجه الأخير بشيء من الذهول .. كان وجهها مكشوفا و حجابها قد تراجع للخلف قليلا كاشفا خصلاتٍ انزلقت من تحته على جانب وجهها .. التعبير على وجهها يشبه الصدمة و هي تتوسل بصوت ضعيف ..
- مايد .. حرام عليك .. ليش تتبلى على أبويه .. نحن يبناه هنيه .. سير شوفه .. وين ودوووه .. ؟؟
نظر مايد لغيث بحزن .. و لكن وجه غيث كان قاسيا و هو يشير بيده آمرا أن يخرج .. اتسعت عينا مايد ..
ماذا ..؟؟ أيترك أخته مع هذا الزوج الذي لم تعترف به يوما .. أيتخلى عنها الآن تاركا مهمة تماسكها على عاتق هذا الرجل .. لم يكن لديه الخيار .. كان غيث ينظر له بصلابة منتظرا خروجه .. غيث الذي كان بودّه أن يهشم أنف هذا الشاب الذي يقف متأملا زوجته .. وجهها .. شعرها .. في حين لا تدرك هي ما يجري حقا ..!!
و يقف مترددا في إخلاء الغرفة لهما .. قال ببرود قاتل ..
- تفضل برا .. أنا بتصرف وياها ..
ارتخت كتفا مايد و هو يخرج .. عينا حور تتبعه بحيرة .. مشاعرها متخبطة .. لا تفهم ما قال مايد للتو .. لماذا خرج و تركها .. ؟؟
من هذا ..؟؟ نظرت له .. لا تزال الصدمة على وجهها مما قال أخيها للتو .. تشعر بالضياع .. الأمر ضخم للغاية .. لا تستطيع مشاعرها تفسير ما يقال ..!
.
.
هذا الوجه رأته في مكان ما ،، و لكنها لا تهتم الآن .. بدأت بالتحرك في مكانها .. اقتربت من الستارة التي تقبع المها خلفها .. و لكنها توقفت لتتراجع .. ماذا تريد ..؟؟ والدها هناك في الخارج ؟؟ التفتت مجددا نحو الباب ..
نعم هو هناك ستخرج لتراه جالسا .. لا بد أنه متعب .. متعب كثيرا .. و الا لما سقط هناك .. ستخبره بأن المها هنا مسجاة .. و أنها فقدت الوعي .. ستشكو مايد إليه .. لقد كان يمزح بثقل .. لقد قال أنه ميت .. الأبله .. لا يعلم شيئا ..
لا يمكن لوالدها أن يموت .. تحث الخطى نحو الباب .. أبي في الخارج .. حتما سأجده ..
سرعان ما التفت قبضة قوية على ذراعها تمنعها من الوصول للباب .. التفتت بعينين لا تريان لصاحب اليد الذي سأل بصوت قوي ..
- وين سايرة ..؟؟
بدت تسحب ذراعها .. عقلها المشتت لا يدرك من هذا الرجل الذي يقف هنا .. رأت وجهه في مكان ما .. لا يهم .. تريد الخروج ..
- بسير لأبويه .. بنرد البيت .. بيعصب .. غداه برد .. محد وعاه لصلاة العصر .. ممـ ..
بدت الكلمات تتقطع .. و هي تسحب ذراعها من تلك القبضة المحكمة .. لم تكن ترى شيئا .. ذهنها لم يعد يعي سوى أن عليها الخروج .. ستجد أباها حتما خلف هذا الباب ..
- خوز .. أبا أظهر .. انت .. ما تعرف .. المها طاحت .. كانت خايفة .. ولـ .....
.
.
كانت تهذي .. تجر ذراعها من قبضته .. غير واعية .. لا تزال مصدومة و إلا لما أرادت الخروج بلا غطاء و شعرها ينسدل .. نظرتها الضائعة .. شفقة قوية اجتاحته و هو يرى حيرتها البالغة .. لم تبكي حتى ..!
بدت تجر يدها الآن و صوتها يرتفع ..
- ودرنيه .. أبا أظهر .. ابويه يرقبنا .. يا ويليه لو أبطيت ..
تحاول الإفلات فيما يحكم يده حولها و يمسك ذراعها الأخرى بيده .. و هو ينبهها بهدوء ..
- حور .. حور ..
شعر باسمها غريبا على لسانه ..
لكنها لم تكن تسمع .. تشد نفسها .. تريد أن يتركها .. و صوتها يردد بجنون ..
- بطل ايديه .. بطل ايديه .. ابا أظهر .. هناك .. هناك ..
كان صوتها يرتفع بهستيرية .. بدت على وشك الإصابه بالجنون .. و عينيها المتسعتين تكاد تخرج من محجرها بذهول ..
- أبااااااااااااا .. أظهاااااااااار .. ودرنيييييييييييه ..
كان عليه أن يوقظها مما هي فيه .. أن يعيدها للواقع .. لا يجب أن تصاب بانهيار الآن .. هزها بشيء من العنف و صوته القوي يقول بصرامة ..
- حووور .. بس .. أبوج مات .. ترحمي عليه .. و لا تسوين بعمرج كذيه ..
ما إن ذكر الموت حتى ازداد جنونها و هي تدفعه من صدره بيديها ..
- خوز .. يا الكذاااااااب .. منوه لي مااااااااات .. ودرنيييييييه ..
بدت تضربه الآن بقوة .. قبضاتها تصطدم بصدره القوي .. لم تؤثر تلك الضربات فيه و لم تزعزع ثباته .. شدها فجأة بين ذراعيه متجاهلا صيحاتها الهستيرية و هو يدفن وجهها في صدره .. يخنق صيحاتها في حضنه .. و هو يقول بصوتٍ واضح .. قوي ّ..
ذبحها ..!
- أبوج مات ... مات .. تسمعين .. ؟؟ مات أبوج .. ترحمي عليه ..
تهز رأسها فيما يشد زراعيه حولها ..
- لأ .. لأ .. لااااااااااااااااااااا .. لاااااااااااااااااا ..
بدت تصيح و هي تضربه تحاول الهروب .. لا تريد أن تسمع شيئا من هذه الكلمات و هي تصيح بصوتٍ عالٍ ..
- لاااااااااااااااا .. أبوووووووووووويه مااااااااااااا مااااااااااات .. كذااااااااابين ..
صوتها ينخفض الآن و أنفاسها تتقطع .. ذهنها الذاهل أخذ يرسم الصورة جاهدا .. لقد أتوا بوالدها إلى هنا .. لكنها ستعود دونه ..!
- لااااااااا .. أبوووووووووويااااااه .. أبووووووووووياااااااااه .. لاااااااااا ..
بدت مقاومتها تخمد و هي تتشبث بصدر ثوبه باكيا .. تنتحب بصوت عالٍ كالطفلة .. بدت ذراعيه تلين بعطف .. و هو يربت على ظهرها مواسيا ثم يمسح على شعرها بأسىً على حالها .. صوتها المبحوح إثر صياحها .. يخرج متقطعا من بين شهقاتها المتتابعة ..
- أبووووووووووويااااااااااه ...
غريب كيف أدناه الموت من هذه الغريبة ..!
يشاركها أحزانها و يواسيها ،،
بدت تنزلق جالسة على الأرض و تسقط على ركبتيها .. شعر بالرحمة تسري في عروقه .. و هو يرى وجع قلب هذه الشابة .. لم يفقد أحدا من أحبته .. و لا يتخيل هول ما تشعر به .. لقد أدركت للتو أنها أصبحت بلا أب ..
.
.
يا بوي وينك ..؟؟
صرخة ضاعت بين ونات المواجع ،،
يا بوي وينك ..؟؟
هذي صيحة ما سمعت لها مجيب ..
راح صوتي ..
وين انته يا الحبيب ..؟؟
غاب صوتي عن شعورك ..؟ و إلا سامع ..؟؟
شوف لي عبرة تكابر .. ما تطاوع ..
شوف حالي يوم سمعته هالخبر .. كله كئيب ..
شوف لي شوقٍ ذبحني ..
يرجي حنانك .. قسوتك ..
يرجي ملامح بسمتك ،،
ينتظر منك وجودٍ .. يطفي وسطه هاللهيب ..
ليه عزمت الموادع ..
صار بَعدكْ كل هذا الكون يسعى للمغيب ..
هذي دنيا يغشى ضيّها لون السوادي ،،
هذا يوم أصبح لحاله رمادي ..
وين ألوان الشوارع ..؟!
ليه تغرق عيني عبرة .. يا تكابر ..
أو على خدي سكيب ..؟؟
من يكفكف هالمدامع ..؟؟
وين راعي هالأصابع ..؟
ليه كني بعد يومه .. منحبس و الا غريب ..!!
.
.
لم يدرك غيث جزءا بسيطا مما تشعر به حور في تلك اللحظة .. تجثو على ركبتيها على الأرض .. و تستند بإحدى راحتيها .. و هي تضع يدها الأخرى على صدرها .. ترى إخماد ذاك الوجع .. ذاك الألم الرهيب الذي يمزق فؤادها الآن ..
تنشج باكية بصوتٍ مخيف .. تناديه ..
تردد اسمه ..
أين هو .. ؟؟ كيف له أن يتركهم لوحدهم .. من لهم بعد الآن ؟؟
كانت الدموع تطفح أنهارا .. مع إدراكها لحقيقة هذه الفاجعة .. لن ينتظروه بعد الآن .. لن يأتي متأخرا ليراقبوه و هو يتغدى مصدرا الأوامر ..
لن يجمع لهم الحطب حين يقترب الشتاء ليشعل نارا تدفئهم .. لن يلقي تلك العمامة طالبا منها أن تغسلها ..
أن تضيّع عرقه الذي تحتضنه بحب ..
صورة وجهه الحبيب ترتسم أمام عينيها و هي تصيح بمرارة ..
هذا الأمل رهيب .. رهيب للغاية ..
يمزقها .. يخنقها ..
و جزء من روحها .. لا يريد أن يصدق بعد هذه الحقيقة ..!!
يأبى أن يدرك ..
أنها أصبحت يتيمة ..!!
.
.
راحة ايدٍ تمسح على راسي بحنان ..
صوت حرمة تبكي على حالي الأليمة ..
صوتها شتت كياني ..
تقول مسكينه بنته .. منهو لها بعده .. يتيمة ..!!
كلمة شلّت شعوري ..
يتيمة ..!
لا .. لا ..
ماني يتيمة ..
ولا غريبة و لا وحيدة ..
ماني شريدة ..!
لا ثيابٍ ترتديها .. لا مساكن تحتويها ؟!
لا عيون ترتجيها .. غير قاع ما تبيها ..
أنا بنته .. بنت أبوي ..
بنت رجل لا انتخوا به ما يخيّب من نخاه ..
بنت شيخ ما ملكْ من مال شي و لا له جاه ..
بنت واحد شفته في عيني كبير ..
واحدٍ يسوى فحياتي كل شي .. يسوى كثير ..
ماني يتيمة ..
صيحة تحرق فوادي .. من يبرِّد هالسعير ..؟؟!
ليتني على جنح طير .. ليت أوجاعي بخير ..
ليت حزنٍ يغسله بعد الفجر باقي الندى ..
ليت به من يسمع صرختي و يرد بعدي هالصدى ،،
ليت حلم ما يضيع .. ما يتوه .. ما يروح في بُعد ذاك المدى ..
.
.
رحـــل ،،
لم يعد لهم في هذه الدنيا سوى الأوجاع .. أخواتها .. نايف .. أمها و الطفل المنتظر ،،
روح ستنبلج للدنيا بلا أب ..
ماذا .. هل أضناه التعب .. هل طفح به الكيل من شقاء هذه الدنيا ..
هل أسلم أمره .. و لم يعد في قدرته المواصلة ..؟! أ فضّل المضي إلى ربّه ..
ستريحه أحضان الثرى .. بعيدا عن المواجع .. عن التعب .. عن الركض خلف لقمة العيش تحت قسوة ظروفهم ..!
سيغفو أبدا ..
تاركا خلفه أرواحا لا تزال ظمأه .. بحاجة له .. لوجوده ..
و قوته .. بدا أن هذا الحزن أبدي .. يتملك روحها يلوّعها ..
و هي تبحث باستماتة عن بصيص أمل .. بعودته ..
أي وهم قد يخمد هذه النيران التي تستعر في جوفها .. محرقة كل فرحة ..
تهدم كل ما هو باسم و سعيد ..
لم يعد هناك مأوى إلا للوجع ..!
.
.
ليت ألوان الشوارع ثاني تعود ،،
ليت ضيّ غاب عني يرجع و مرة يسود ..
ليت ضحكة صار مسكنها تراب ..
تنرحم من حر نارٍ تلتهب .. تنشد ذنوب ..
ليت فردوس ندية تحتضن وجهه سعود ..
.
.
شعرت بالحزن يحطمها .. يفتتها .. و انعدام بالشعور بالمكان و الزمان .. لازالت تجثو .. و أنينها يختلط بشهقاتٍ تهز جسدها بقوة ..
و هي تردد اسمه بلا كلل ..
أصبحوا الآن بلا سند .. بلا أمل ..!!
.
.
ابتدت لحظة شقيّة .. و أخنق الدمعة خفيّة ..
ماني ببنته بعد هاليوم العسير ..
أنا يتيمة ..
و أنتفض بردٍ و جوع ..
أغرق الأفراح فيني من بحر تلك الدموع ..
لا لي عون و لا لي عزوة و لا كبير ..
هذا ظهري أصبح الليلة كسير ..
من يداوي خاطري بعده تحطم .. و لا جبير ..
آه لو لا الخوف من ربي ..
قلت ليت لي نفس المصير ..
ليتني جنبه دفينه .. ما أقوى أيامي الحزينة ..
.
.
يقف عند رأسها متأملا .. لم يجد في يده شيئا قد يفعله .. رغم أن منظرها هذا أثر به ..
انحنى بهدوء يساعدها على الوقوف ..
- حور نشي ..
لكنها لم تجبه ..
لم تسمعه أصلا .. لم يعد في أنيها سوى طنين ذاك الوجع ..!
كانت هذه هي المرة الأول في حياتها التي ترى فيها الحزن و تقابله ..
وجها لوجه ..!
.
.
علميني يا سنيني ،، ذكريني يا ترى ..؟!
هي راحت أفراحي و حنيني ..؟؟!
هو ما بقى غير الكرى ..؟ *

* * * * *


  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 22
قديم(ـة) 22-12-2008, 04:46 PM
صورة angel jolly الرمزية
angel jolly angel jolly غير متصل
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: خطوات تغفو على عتبات الرحيل(رائعة الكاتبه ليتني غريبه)


كانت الإضاءة الخفيفة الصفراء .. مصدرها تلك المصابيح الخافتة التي عُلّقت في سقف المكان .. تصلب ظهره .. لم يكن يشعر بالارتياح أبدا .. شيء من البرود لا علاقة له بجو المكان الجليدي .. سرى في جسده و هو يقف عند الباب .. رائحة المطهرات القوية تعبق في المكان .. تتطفل على الأنفاس ..
إحساس الرحيل يلف هذا الهواء الذي يخترق رئته بنفس الهدوء البطيء الذي يستشعره هنا ..!
صمت يجتاحه روحه .. شيء من الإحترام شعر بأن عليه أن يلتزمه .. و هو واقف .. يشعر بأن لمحراب الموت هذا قدسية السكون ..
عينه ترتكز على ظهر الشخص الوحيد هنا .. الرجل الذي وقف دون حراك عند أحد الأسرّة الموزعة على وسع القاعة ..
ظهره المتصلب لا يبدي أدنى إنفعال قد يظهره وجهه الذي يخفيه ..
أدار هو ظهره له .. رغم أنه أصرّ على اصطحابه إلى هنا .. إلا أن شعوره بأنه تطفل على خصوصية ما له ..
منعه من القيام بأدنى حركة ،،
سوى الإنتظار ..!
.
.
.
كانت يده التي تجعد جلدها بقوة تلتف بقبضة قوية حول يد ابنه المسجى ،، لا يعلم حقا أي رغبه تعتريه .. أ ينحني ليطبع قبلة وحيدة و يودعه مديرا ظهره ليخرج من هذا المكان ..؟؟ أيدفن وجهه في صدره و يستنشق رائحته العزيزة للمرة الأخيرة ..؟؟
رغبة وحيدة ملحة أدرك أنها الأقرب لقلبه الآن ..
أراد أن يبكي بصوتٍ عالٍ كطفل صغير .. أراد أن يجد مخرجا لكل هذا الألم الذي يخنقه الآن ..
أراد أن يبرد شيئا من حرّةٍ لفحت قلبه بقسوة ..
أراد أن يستلقي في ذاك الفراش القريب .. و يطلب منهم أن يساق بدلا عنه للحفرة التي هي في انتظاره ..
لكن شيئا من ذاك لم يستطع القيام به .. بدا أن دموعه تعصيه .. تأبى النزول .. و كأنما تحرقه عقابا ..
مر وقتٌ طويل مذ رآه آخر مرة ..!
وقت طويل للغاية .. فمن يراه هنا الآن كان مختلفا تماما عن ذاك الشاب الفتي الذي قام بطرده من البيت ..!
راحت عينه تمسح وجهه بوجع ،، بشرته المسمرة إثر لفح نسائم السموم لها في عز الظهيرة .. وجهه الكالح .. يديه الخشنتين .. و همٌّ لا زال ينعقد على جبينه ..
لا يشبه طفلا بُشَّر ذات يوم بعيد بقدومه لهذه الدنيا .. لا يشبه فتىً لازم نشوءه .. لا يشبه شابا ضاع في غمرة الحياة ..
هذا رجل أضنته معارك الدنيا و كفاحها .. ملَّ قتالا فارغا .. أسقطه ..
هذا رجل غريب تماما هيئة عنه ..
لا يعرفه .. لو كان التقاه في مكان آخر لما قتله هذا الألم ..!
هذا ابنه ..
لكن بينهم سنوات .. بينهم كِبرٌ زائف .. بينهم وقت ضيّعاه .. بينهم قدر أقسم على أن لا يلتقيا إلا أمام رب العباد ..
بينهم برزخ .. إجتازه ذاك راحلا ..
و بقي هو هنا بحسرته .. متندما .. متأخرا ..
أرخى جفنيه الثقيلتين بإحساس معذب .. إنه حتى لم يسترضه ..! قضى وقته في استدراجه عبر ابنته ليحثه على القدوم مجددا .. يلتمس قربه ..
ماذا كان سيضره إن ذهب ببساطة له و مد يده داعيا اياه أن يعود لكنفه ..
لماذا بدا الزمن جائرا في هذه اللحظة .. ألا يمكن له ان يعود للحظات فقط..؟؟
هناك مئات الأخطاء التي هو بحاجة لأن يصلها .. ثغرات يبغي سدّها ..
خطوات أراد أن يعيدها لطرقات يعرفها .. لا تلك المسالك التي غرّبت ابنه لسنوات ..
ينظر لوجه الحبيب .. لازال ذاك العناد يستوطن ملامحه حتى بعد رحيله ..
ابتسامة مرّة غالبت دمعة حارة سالت بطيئة على وجنته المجعدة ..
لقد كان متأخرا .. متأخرا للغاية ..
الآن يفصل بينهما عمر ..
لا يمكن تجاهله ..
قبضته التي تتشبث بيد ابنه الثلجية .. تعتصرها بقوة ..
للمرة الأخيرة .. يقف هنا .. يواجهه ..
للمرة الأخيرة تحتضن عيناه وجهه الذي كان بلا حياه ..!
.
.
للمرة الأخيرة هو راضٍ عنه ،، راضٍ عليه ..
يسامحه ..
ينحني ببطء ليطبع قبله عميقه على جبينه البارد .. أطلقت عبرات تساقطت على وجهه ..
.
.
للمرة الأخيرة يدعو من الله أن يرقد هذا الإبن بسلام ..
مرّ كالدموع طعم الرحيل ..
حين لا تعلم ما كان يحمل ذاك الراحل في قلبه قبل المضي ..!

* * * * *

لم تكن تلك اليلة كغيرها من الليالي ..!
وقع الخبر على عائلة حمد كان مروعا ،، عادت المها و حور للبيت ليجدن أن الحزن قد سبقهن إلى هناك
..
في اللحظة التي دلفن فيه البيت .. حور تسند المها التي كانت تتعثر في مشيتها و صوت شهقاتها يختلط ببكاء حور الخافت ..
عرفت أن الجميع قد علم بالمصيبة تلك .. ازدادت وتيرة بكائها دون أن تستطيع السيطرة عليها ..
أخواتها الصغار و دانة و نورة كانن في حجرة أمهن .. الإنهيار على الوجوه .. و صوت البكاء العالي كان يصم الأذان .. فيما تحاول الخالة عذيجة الموجوعة مواساتهن ... لم يكن أحد ما أكثر تماسكا من أمها ..
أمها التي خافت عليها جدا نظرا لحالتها الصحيّة المتدهورة .. خشيت ما قد يفعله هذا الخبر بها .. و لكنها كانت تبكي بدون صوت جالسة في فرائها و هند و دانة يدفنّ رؤسهن في حجرها باكيات في ما انزوت نورة في طرف الغرفة .. و ضمت عذيجة ابنتة أختها الصغرى إلى صدرها تهدئها ..
كانت الصورة فضيعه للغاية .. شيء يعيد صدى الخبر و كأنها تسمعه للمرة الأولى ..
لم ترى عفرا و لا نايف .. اندفعت تحتضن أمها باكية تتبعها المها .. بدا أن قدومهن فجّر بقية التماسك في أخواتهن ،،
قادت حور المها بهدوء لغرفتهن كي تستلقي في فراشها .. ما إن دلفت الغرفة المظلمة حتى راعها الصوت الأنين الخافت ..
التفتت لفراش عفرا التي استلقت عليه .. دون غطاء و هي متكومة على نفسها ..كانت تنشج ببكاء يمزق نياط القلب .. ساعدت حور المها على الإستلقاء في فراشها .. قبل أن تسحب تلك اللحاف مغطية جسدها و رأسها كاملا ..
ملتفة بأحزانها ..
استدارت نحو عفرا و جلست على طرف فراشها .. تعض شفتيها .. و هي تشعر بالوهن يدب في روحها .. لم تستطع ايقاف سيل دموعها و هي تكتم شهقاتها التي أهلكتها .. تمد يدها لتمسح على شعر عفرا بهدوء .. و تمسح دموعها بقوة .. تنظر حالهم ..
بلا أب ..
انهيارهن جميعا .. خروج نايف الذي لا تعلم أين هو الآن .. أمها المريضة ،،
إلى أين سيؤول بهم الحال ..؟!
كم هو مخيف هذا الشعور بأن الأيام القادمة ستكون خاليــــــة ..!
لا شيء فيها ..
مجهولة ..
شيء يتملكها و هي تواصل مسح شعر أختها بلا شعور .. و عبراتها الحارقة تنزل تباعا على وجنتها ..
لا تستطيع تفسير ما يتملكها بأن هذه هي النهاية ..! و أن عقارب الساعة لم تعد تدور ..
.
.
- حور ..؟
الصوت الهامس المرتجف .. انتشلها من ذاك التيه الذي تخبطت فيه للحظات .. و عفرا ترفع وجهها المنتفخ من البكاء و هي تقول بصوت متهدج ..
- شوه بنسوي عقبه يا حور .. ابويه راااح .. راااح و خلاناا ..
ضمتها حور و هي تبكي ..فلفت عفرا ذراعيها تتشبث بها بقوة .. و بكاءها يرتفع شيئا فشيئا .. كانت حور تشعر بأن ثقلا ما ألقي على كاهلها .. الآن و الجميع قد تداعى تحت وطأة هذا الخبر ..
هذه الفاجعة التي هبطت عليهم فجأة ،، كيف لهم أن يتجاوزوها ..؟؟!
شعرت بأنه يجب أن يكون هناك من هو متعقل منهم .. من هو مستعد للملمة حطامهم ..
من يقع على عاتقه واجب مواساتهم ..
و من غيرها قد يكون الملزوم بهذا .. أ و ليست هي الكبيرة ..؟؟ بعد أمها الضعيفة ..؟
إحساس قاتل راح يسري داخلها و هي تدرك بأن عليها أن تداوي أوجاعهم بصبر .. متجاهلة أوجاعها ..!
عليها أن تصبر .. ان تتماسكْ .. أن تبتلع ألمها .. و إلا من المسؤول عن آلام إخوتها ..؟؟
كان هذا الإدراك يهبط على روحها ثقيلا .. ثقيلا للغاية ..
لا تطيقه النفس ..
رغم ذلك .. تلك الكلمات المواسية تنفلت بقوة من بين شفتيها و هي تمسح دموعها باستماته ..
- ادعيله بالرحمه .. ادعيله ان الله يوسع قبره ..
و راح صوتها يغيب بين شهقاتها ..
يصعب حقا ادِّعاء القوة حين نكون محطمين ..!
.
.
.
كانت الساعة تشير للواحدة و النصف .. الهدوء يغشى البيت التي بدا أن جدرانهم تشاركهم الحداد على فقيدهم ..!
تجلس هي على درجات مدخل المجلس .. المكان الذي غفا فيه أبوها غفوته الأخيرة و لم يستيقظ بعدها ..
تنتظر أن يعود نايف الذي كان قد خرج قبل المغرب و لم يعد إلى الآن .. لم تعرف كيف عليها أن تتصرف .. و ماذا يجب أن تفعل .. تشعر بأنها بطيئة في فعل أي شيء و كأنام تحمل أثقالا من الدموع على ظهرها ..!
أجفلت و هبت واقفة بلهفة مع صوت الخطوات الذي اقترب من باب البيت الموارب .. ما ان دفع القادم الباب حتى بدا الإحباط على وجهها المحمر من فرط البكاء و شفتيها المرتجفتين و هي تكبت شهقة معذبة ..
نظر لها عبيد الذي كان يحمل كتبه و عددا من الملابس بتعاطف ..
- بلاج حور ..؟؟
ارتجف صوتها الهامس ..
تجاهد أن لا تبكي ..
- أرقب نايف .. ظهر يوم .. آآ - لم تستطع التفوه بالكلمة - ... ما رد الين الحين .. الساعة وحدة ..
دلف عبيد الذي كان قد تقرر أنه سيقضي بضعة ليالٍ هنا المجلس و علّق ثيابه و وضع كتبه جانبا .. قبل أن يخرج مجددا و هو يقول بثقة ..
- لا تخافين ما بيسير مكان .. أكيد هنيه في الحارة .. منوه ربعه خبرينيه أنا ظاهر أدور عليه عندهم ..
مسحت دمعة خائفة انزلقت على خدّها ..
- لا عبيد ايلس بنرقبه شويه بعد .. أكيد بيرد الحين ..
نظر لها مترددا قبل أن يطيعها و يجلس إلى جوارها .. لحظات صمت و هما ينظران إلى الأرض قبل أن تسأله بصوت مرتجف ..
- دفنتوه ..؟؟
رفع نظرها لها بدهشة .. و لكنها لم تلتفت إليه .. أصبحت روحها كومة من الفتات لا تريده أن يراها .. صوته الحزين يتدفق قربها ..
- لا بنصلي عليه باكر عقب الظهر و بندفنه في مقبرة العوهة ..
ابتلعت ريقها بحزن فظيع ..
- و العزا ..؟؟
صمت مطولا .. لا يدري حقا إذا كان هذا هو الوقت الملائم ..؟! و لكنها ستعرف إذا على كل حال .. الأفضل أن تكون مستعدة من الآن .. كان صوته حذرا و هو يقول ..
- العزا في بيت يدج العود ..
نظرتها المصدومة و الكلمة التي انفلت برعب من بين شفتيها ..
- شووووووه ..؟؟؟؟؟؟؟
هز رأسه بأسى .. هبت هي واقفة من مكانها ..
كيف ..!!
كيف تجرءوا على فعل هذا ..؟!
شعرت بالحقد يمتزج بالألم في صدرها .. يعتصر روحها ..
الأوغاد لم يورا أحدا منهم طوال حياة والدها .. لم يكن أحدهم يشاركهم الأحزان أو الأفراح ..
لم يعرفوهم قط ..!!
و الآن بعد رحيله يأتون لينتزعوا حق الرحمه ،، المواساة التي يفترض بان تكون لأبناء المرحوم ..؟
يغتصبون حقهم في تقبل تعازي أبيهم ..
شعرت بالدموع الساخنة تغسل وجهها مجدداو هي تبكي ..
- هب ع كيفهم .. يحطون العزا فبيتهم .. نحن عياله و العزا لنا ..
أحاط عبيد كتفها بحنان ..
- لا تضيقين صدرج يا الغالية .. هاييل معروفين و بيونهم العرب من كل بقعة .. و المكان هنيه ما بيسدهم .. و بعدين أبوه يبا عزا ولده يكون فبيته .. و بعدين يدتج ما تروم تتحرك من مكانها ..
لم يفهم ..!
لم يفهم ..!
صاحت بمرارة ..
- ما يهمنيه عزا الرياييل وين يكون .. بس عزا الحريم لازم يكون فبيتناا .. أمايا في العدة .. شووووه ما تبانا نحضر عزا أبويه ..
كان عبيد يقول كلمات و لكنها لم تكن تسمع ..
حتى هذا الحق الضيئل حُرِموا منه ببساطة ،، لم يكونوا هم بحاجة للتعزية ..
فهم لم يتذوقوا المصاب مثلهم ..
لقد تخلوا عن هذا الحق منذ سنوات .. كيف يعودون الآن بعد فوات الآن مطالبين به ..
.
.
كانت كراهية شديدة لهم تمتزج بلوعة غريبة و رثاء بالنفس ..
جعلت حور في ضياع .. لا تدري إلى متى سيستمر هذا الألم ..!
حتما سيقتلها قبل أن يتوقف .. تشعر بذراع عبيد تحيط بها مواسية .. و لكن لا شيء يخمد هذا اللهيب الذي يحرقها ..
صوته و هو يهتف باسم جعلها تنتفض في مكانها ..
- نايـــــــف ..!!!
كان أخوها قد دلف للتو من الباب .. وجهه المنتفخ و عيناه الحمراوين و هو يقف عند الباب ..
ركضت نحوه و هي تنسى كل شيء قبل أن تحتضنه بلهفة باكية ..
- وين كنت ..؟؟. وين روحت يا خويه .. روعتنا عليك ..!
لكن نايف لم يجبها .. بل إنخرط في نشاج عالٍ جعله أقرب للأطفال ..
- أبوووووووووووويه ماااااااااااااات .. ماااااااااااااااات ..
كانت الكلمات تنغرس كالحراب في قلبها و لكنها ضمته أكثر و هي تبكي معه ..
دموعهما تختلط ..
و جسده الصغير يرتعش بين ذراعيها كورقة ذاوية في مهب الأوجاع ..
.
.
ينتحب بقوة .. و هي تشاركه البكاء ..
تبكي مصيرهم المشترك ..
الألم .. الفقد .. اليتم ..
تبكي الخوف الذي راح يغلف كل إحساس فيها ..
مجهول مصير الأيام القادمة ،، لا يعلمون ما تحمل في طياتها ..!

* * * * *

مرر أنامله برقة على وجنتها المجعدة .. ثم إلتقط كفّها الحبيب ليطبع قبلة عميقة قبل أن يعيده برفق إلى جانب جسدها الراقد على ذاك الفراش الضخم الوثير ..
لم يكن ينير الغرفة سوى ضوء مصباح النوم الذي وضع جانب سريرها .. و أضواء تسللت عبر النافذة التي أزاح ستارها للتو .. تلقي بظلٍ خافت في الغرفة ..
استند هو على حافة النافذة العملاقة .. يشيح ببصره في الحديقة الممتدة ..
كان لليوم مذاقا غريبا .. صور تداخلت في ذهنه راحت تدور مرارا و تكرار ..
فيما يقف هو هنا عاجزا عن النوم قبل أن يطمئن إلى أنها بخير ..
لم تتقبل الخبر بصلابة جده .. إنهارت فور علمها بوفاة إبنها ..
أسدل أهدابه و حاجبيه الأسودين ينعقدان بضيق ..
صورتها بذاك الشكل مزقت فؤاده .. ذات الهياج و البكاء و الصرخات .. قبل سقوطها إثر ارتفاع السكّر في دمها .. أوجعه ذاك الألم الذي تجرعته بعد فقدها لإبنها ..
صورتها أمام عينيه تتداخل مع صورة تلكْ التي سقطت راكعة على أرض المستشفى .. وجهها الذي أخفاه شعرها المنزلق من تحت الحجاب .. دموعها التي أغرقت وجهها الصافي ..
شيء غريب و هو يتذكر تلك الصورة .. جعله يحس بأنها تتجرع الألم للمرة الأولى ..!
شتان بين شعوره .. لم يراوده غير الشفقة و الأسى على حالها .. بينما شعر بألم رهيب يعتمر صدره حين أفجعه منظر جدته ..
ربما لأن تلك قضت عمرها كلها معه .. بينما مضت سنوات جدته الأخيرة و هي تتقلب بين الشوق الذي لا يخمد لرؤية ابنها ..!
أجفل فجأة .. و التفت إلى الخلف بقوة . حين ارتفع من الجانب الآخر صوت بكاء منخفض .. علم أنها استيقظت .. اقترب بسرعة من فراشها ليجد جسدها الضئيل متكورا بوهن و هي تبكي ..
لم يفزعه سوى صوت بكاءها الذي بدا كالعويل .. أو كأنين لبوة جريحة .. شيئا جعل قشعريرة من الخوف عليها تسري على ظهره ..
التقط رأسها بين يديه الكبيرتين و هو يجلس على فراشها ليريحه المخدة .. و صوته الحنون يلامس أذنيها ..
- امااااه .. فديتج .. تسمعينيه .. تعوذي من ابليس .. حرام لي يالسه تسوينه .. ترحمي عليه الحين و ادعيله ترا الصياح بيتعبج و لا بينفعه .. ادعيله هو هب محتاي غير لدعواتج .. ادعيله ،،
.
.
لكن الألم كان كبيرا .. فضيعا ..
كان أكبر من حدود قدرتها على الصبر ..
كان يقتلها ببطء و إمعان ..!
تشعر به يخنقها ..
يعذبها ..
هذا البكاء و هذا العويل لا يخرج شيئا مما يختلج حقا في أعماقها ..
كيف لهم أن يفهموا ..؟؟! سنوات كانت تعيش صابرة .. محتسبة .. لمْ تشتكِ قط ..
تبتلع كل ليلة دموعها و حنين مؤلم يجرها لرؤية ابنها .. فلذة كبدها ..
لا يعلمون أي حرقة تسكنها لفراق ولدها منذ سنوات .. و لكنها كانت صابرة ..
يكفيها أنه يسكن أراضٍ قريبة .. ممتنة لأنه لازال قريبا .. تحتضن مخدتها غير الدموع حلما ..
بأنه يوما ما سيدنو منها .. ستعيده خطاه إلى هذه الأراضي مجددا ..
و ستلتقيه ..
كان أمل تحتويه بين أضلعها الواهنة .. يدفعها لمواصلة أيامها ..
و يتفاقم الشوق ..
.
.
و لكن الآن ماذا ..؟؟!
ما هذا الوجع الرهيب الذي يحرق قلبها ..
لم يعد ابنها هنا .. لم يعد يسكن هذه البقاع .. لم يعد يتنفس هواء قد يكون عانق وجهها ذات يوم ..!
لن تعيده الخطوات يوما إلى هنا ..
لن تراه و لن تلتقيه ..
كم هو قاتل إقتلاع الأمل بقسوة الأقدار من أرواحنا ..
فراغ يجتاح الروح الخالية .. شعور قاتل بالاستسلام ..
لن يفهموا الآن معنى أنه رحل دون أن تراه ..
حاملا معه خيوطا كاذبة من الأمل البعيد .. من التفاؤل ..
لن يفهموا ..
كم عذّبها فراقه منذ سنوات ..
ليعود فيفجعها مجددا .. و كأن الموت هو ما تتجرعه ..!
.
.
علِّ روحي ..
و أوجعني حزن هذه الأم ..!

* * * * *
* يا بوي وينك / من بوح قلمي ،،

ان شاء الله اكون كفيت وفيت


  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 23
قديم(ـة) 23-12-2008, 12:03 PM
تربيتك يااابوووي تربيتك يااابوووي غير متصل
عضو موقوف من الإداره
 
الافتراضي رد : خطوات تغفو على عتبات الرحيل(رائعة الكاتبه ليتني غريبه)


[frame="6 80"]اختي جووولي ...

ابدعتي بالبارت هذا ... ونزلتي دموعي فيها ....

وربي عيشتيني مع حوور .. والمهاا .. وعفرا .. ونايف ..ومع الجده بعد ...

حبيبتي لاتطولين علينا ... تراي انتظر التكمله على احر من الجمر ...

اخليج بود ...[/frame]



  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 24
قديم(ـة) 23-12-2008, 04:05 PM
صورة angel jolly الرمزية
angel jolly angel jolly غير متصل
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: خطوات تغفو على عتبات الرحيل(رائعة الكاتبه ليتني غريبه)


الخطـــــــــــــــوة السادســــــــــــــــــــة ◄

║.. خطوات متوجِّعة ،، تواصل .. ║


و أخيرا كانت خيوط ضوء الفجر قد أقبلت باستحياء .. مترددة .. تلامس زوايا بعيدة من أطراف ذاك - الحوش - الضيق ،، و كأنما لا تجد عذرا من أنه يومٌ جديد رغما عن أحزانهم .. و أن الحياة لا تتوقف لمجرد أن رب هذه الجدران العتيقة التي تلوحها بجرأة قد شد الرحيل ،، إلى البعيد ..!
رفعت رأسها الذي كانت تسنده لركبتيها و هي تضمهما لصدرها ،، شعرها الذي تناثر حول وجهها بدا تعيسا هو أيضا و قد فقد شيئا من رونقه .. و هي تجلس على عتبة مدخل الصالة تراقب انبلاج الفجر البعيد ..
لم يغمض لها جفن منذ ليلة البارحة .. شعرت بان لا مخلوقا على وجه الأرض قد يكون مثقلا بالهموم مثلها ،، لا أحد يضاهيها في ذاك الوجع الذي يسكن روحها .. تعلم أن هناك أعينٌ غيرها تجرعت السهاد البارحة ،، واضح من وجوههم حين أيقظتهم لصلاة الفجر أن منهم من أهلكه البكاء ليسقط صريع رحمة النوم ،، و هناك من تجرع دموعه كؤوسا مرّة الليلة الماضية ..
تنهدت بتعب ،، طوال ليلتها الكئيبة .. وجدت أن الأمر عسير على الفهم .. من المستحيل أن يواصلوا حياتهم دون أبيهم ..! كيف لذلك حقا أن يحدث ..؟؟
لا إجابة ترتد صدى لأفكارها ،، سوى صوت إقامة صلاة الفجر دون أن تتردد صوت الطرقات على حجرتهن منبهه للصلاة .. لا يزال حقد عميق يكتنف صدرها لمجرد التفكير بأمر التعازي التي ستقدم في بيت جدّها ..
أنانيون .. انتهازيون ،، اغتصبوا حقّهم في المواساة ..
سنوات لم يروا لهم وجها ..و الآن لم يجدوا وقتا أفضل من هذا للظهور .. لم يكونوا بحاجة للتعزية ..
و ليس لهم حق فيها ..
نهضت من مكانها ببطء متوجه بخطوات متثاقلة للمطبخ عليها أن تحضر الإفطار فهناك من يجب أن يُرغم على تناول الطعام .. أمها تحتاج لتغذية .. إخوتها الصغار ..
يداها تتحرك بآلية لا تشعر بها .. تلهي روحها الممزقة عمّا يسكنها من أحزان ..!
.
.
بعد فطور لم يمس .. انطلق مايد و عبيد مصطحبان نايف للعزاء المقام في بيت الجد ،، و بدأن نساء الجيران و قريبات أمهن يتوافدن للبيت .. فاطمة و أمها كانوا أول الحضور للبيت .. لن تنسى حور كيف احتضنتها فاطمة بشدة و هي تبكي و كأنما فقد أبا هي الأخرى ،، توقفها عن البكاء و كلماتها التي وزعتها عليهن واحدة تلو الأخرى .. مواساتها لهن .. وقفة أمها مع خالتها .. و استقبالهن لنساء الحي و الأقارب ..
كان هناك دعم قوي .. شي من السلوى بثها وجودهن ..
حتى بدأن أخواتها يتمالكن نفسهن ببطء .. توقف النواح .. الصراخ .. و بدأ ذكر الله يلف المكان .. دموع صامتة .. تغرق الوجوه كانت هي الحداد على روح ذاك الراحل ..
وقفت هي تراقب الوضع بهدوء .. و كأنما أسلمن أمرهن .. و رضين بما حملته الأقدار ..
شعرت لوهلة بأن حطامها بالأمس قد جمع .. لا ليجبر .. بل ليتكوم في زاوية من الروح .. بعيدة عن أنظار الآخرين ..
كان وجه أمها المتماسك .. جلدها .. و الصبر الذي لاح على وجهها ،، هي القوة .. و السكينة التي تهبط عليهن .. هدوءها يدفعهن للتماسك .. هي أيضا متألمة ..
و لكنها صامدة .. لأجلهم ..!

* * * * *

المجلس الفسيح المتسع ،، سقفه العالي الذي تدلت منه ثريات ضخمه .. الحضور الذين ازدحموا في المكان ،، و الرجال الذين وقف هو وسطهم .. يرفع رأسه يتمعن في هذه الوجوه الغريبة .. شيء فيها يذكره بأبيه ..
أباه ..!
و ارتجفت شفتيه و هو يمسك دموعه بصعوبة .. آخر ما يرده هو الانفجار بالبكاء في هذه المكان المجهول .. تلفت حوله بذعر .. يبحث جاهدا بين هذه الأجساد الكبيرة .. عيناه المتلهفتين تنبش المكان بحثا عن وجه مألوف ،، أين عمّه سلطان و مايد ..؟؟ أين عبيد الذي أتى برفقته إلى هنا ..
افترقوا عند دخولهم ليتسلمه هؤلاء الغرباء الذين عرف بأنهم أعمامه .. و منذ تلك اللحظة و هو يجلس بينهم يقف ليسلم على طوفان لا ينقطع من المعزين ..
مع مضي الوقت دون أن يظهر في زخم هذه الأوجه أحدٌ يعرفه .. بدا الذعر و الوحدة يدبان في قلبه .. شعر بأنه ممزق .. و تائه ..
أصبح الجو خانقا للغاية حوله .. و عيناه تدوران حوله بجنون ،، يبحث عن طوق نجاة .. عن ملامح لا يجهلها .. عن شيء يتمسك به .. يغيثه ..
أصبحت دموعه تنحدر على وجهه الآن دون أن يشعر ..
.
.
إنه لا يعرف هؤلاء الغرباء .. لا يعرفهم ..
لا يريد أن يكون هنا ..
إنه ضائع ..
يريد أن يعود للبيت حيث أمه و أخواته .. يريد أن يجلس منتظرا عودتهن من مدرسة ليصيح مطالبا للغداء ..
يريد أن يعود أباه لينهره حين يراه جالسا وسطهن ..
يريد أن يعود ليجد أن كل هذا مجرد مزحة كبيرة .. أو خيال ..
يريد أن يكون هذا كابوس .. و أنه ليس هنا حقا ..
ليس واقفا ليمد يده متقبلا كلمات التعاطف من هذه الوجوه المختلفة .. المجهولة ..
شعر بأن المكان يلفه الضباب و أن الصرخات تنطلق من كل مكان ..
أبوه ملقي على عتبات المدخل .. راقدا بهدوء ..
حور تصرخ .. و دانة تبكي ..
أمه لا تتكلم ..
أبوه يخرج من المنزل محمولا بين يدي عبيد و مايد ..
عبيد و مايد اللذان أحضراه إلى هنا .. و لا يجدهما الآن ..
عادا دون أبيه ..!
أيعزمان على الرحيل دونه الآن ..
تبا ..
من هم هؤلاء الناس .. لماذا يحتشدون ..
أين دموع أخواته .. مواساتهن عنه ..
أين حضن أمه .. أين جدران بيتهم المتشققة،،
الدافئة .. المألوفة ..
الأصوات ترتفع حوله .. و يرتفع بكاءه دون مقاومة ..
يصم أذنيه بيديه .. و هو يندفع راكضا .. لم يكترث بمن نظر له متفاجئا أو مشفقا ..
.
.
نظر له بهدوء و هو يتجاوز الباب للخارج .. كان يسترخي في جلسته و هو يسند فكه بيده .. رفع عينه على الفور لوجه جده ليرى الإستياء و الحزن المتكبر يلمع في عينيه و هو يلقي نظرة عتب على ابنه الأكبر علي ،، و كأنما يلومه على ما أصاب الطفل .. عاد ينظر للباب الذي انطلق منه نايف للتو .. شعر برثاء غريب لحاله ..
كيف يجد طفل لم يتجاوز الثالثة عشر من العمر أن يجد نفسه فجأة بين هذا الكم الهائل من الغرباء ،،
رأى حامد الذي كان قد خرج خلف نايف عائدا للمجلس فأشار له بصرامة .. ليتقدم إليه ..
- وينـــــه ؟؟
أجاب حامد بهدوء ..
- شفته و را البيت ،، خله شوي ييلس بروحه .. الصبي متروع من كل شي ..
هز غيث رأسه موافقا .. و هو يسترخي مجددا ،،
.
.
كان الرجل الذي بجانبه انخرط في مناقشة عميقه معه .. و ذهنه المشغول لم يعد يلتقط من كلماته شيئا .. كان يتأمل الباب الذي خرج منه نايف للتو .. و هو يهز رأسه بتركيز محاولا أن يكون لبقا .. شعر بالأسى على حال الطفل .. و عينه تعود لترتكز على ذاك الذي استرخى في جلسته بجانب جده .. تدفقت الكراهية كالعادة في عروقه فور رؤيته له .. كم يكره هذه الملامح المتعجرفة المتبجحة .. كم يكره هذه الثقة و هذه السلطة التي تمنح له دونهم .. ما الذي يميزه عن البقية ..؟؟ أ لأنه أكبرهم فقط ؟؟! لم يكن هذا معيارا للكفاءة .. !
و كأنما شعر به يسلط النظرات عليه .. ارتفعت شفته العليا بشبه ابتسامة ساخرة و هو يتقدم في مقعده للأمام .. قبل أن يدير جانب رأسه نحوه .. و يغشى عينيه الإحتقار العميق ..
شعر فهد بالحقد ينخر قلبه نحو هذا الوجه المتعالي المغرور .. و هو يتوعده في داخله كالعادة ..!
هاتفه الصامت الذي اهتز في جيبه قطع سيل المشاعر السيئة ليلتقطه بحركة سريعة مجيبا بصوت مثقل ..
- مرحب ..
كان صوته أبوه يأتيه آمرا عبر الهاتف و هو يقول بحزم ..
- اظهروا شوفوا الغدا و رتبووه ..
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
كانا يبحثان عنه مذ شاهدوه يخرج من المجلس راكضا .. تقدم الأول بهدوء و هو يراه قد لف ذراعاه حول ركبتيه و هو يدفن وجهه فيها ..
كان منظره موجعا .. يفطر القلب ..
طفل أضاع طريقه .. لم يعد يدرك إلى أين تسوقه أقداره ..!
.
.
منظر صعيب ويقسم القلـب قسميـن
................لا قـام يمسـح دمعـة بكـف يـده

يمش ولا يدري طريقة علـى ويـن
...............لين التعب من كثـر مـا تـاه هـده

اثقل حـروف يشيلهـا فيـة حرفيـن
...............لا أب يـدريـبـة ولا أم تـــرده
.
.
بينما كسا التعاطف وجه الآخر .. اقتربا منه بهدوء فرفع رأسه حين شعر بوقوفهما فوق رأسه .. نظر لهما و وجه المغرق بالعبرات ينظر لهما متسائلا .. جثا الاثنين قربه قبل أن يقول أحمد بهدوء ..
- افاا يا بو حمد .. الرياييل ما يصيحون ..
تدفقت عبراتٌ جديدة على وجه ..يسهل عليه قول هذا .. تبادل الاثنان نظرة شفقة .. قبل أن يمد هزاع يده و يلتقط كف نايف .. و هو يقول بهدوء ..
- انته ما تعرفنا ..؟؟ نحن نعرفك ..!
هز نايف رأسه نفيا .. لا يعرفهم و لا يعرف ما يريدون ،، و لا يهمه هذا في غمرة وجعه ..!
.
.
في خطوته رحلـة ودمعـة وسكيـن
................وحـظ توسـد بالمراسـي مـخـده

جيت اسألـة بالله قللـي ولـد ميـن
...............وبغى يجاوب وختنـق صـوت رده

أنـا يتيـم ومـا لدربـي عنـاويـن
...............وجزر الحزن فينـي يسـاوي لمـده

وطعم الطفولة ما عرفته لهـا لحيـن
.............وثوب السعادة صـرت مانيـب قـده

ابكي إلى من شفت غيـري سعيديـن
................ليـن البكـا فينـي يوصـل لحـده
.
.
و لكن أحمد تبرع بتعريفه على أنفسهم ..
- أنا أحمد ولد عمّك علي ..
و ابتسم له ببساطة .. نظر له نايف من بين دموعه .. كان وجه أحمد مريحا للغاية .. رغم ذلك توجس منه نايف و لم يرد أن يقدم على حركة ..
استمر أحمد في الابتسام و هو يرى نظرات نايف المتمعنة .. ارتاح لأنه انشغل عن البكاء قبل أن يشير لهزاع ..
- هذا هزاع بطيخة ولد عمّك سعيد ..
امتقع وجه هزّاع و هو يسدد لكمه لصدر أحمد الذي قهقه بقوة و هو يتابع لنايف الذي بدأ ينشغل بهم ..
- ههههههه .. الحين يوم بيخوز الغترة شوف كبر راسه .. و بتعرف ليش يقاله بطيخة .. هههه ..
توقف عن الضحك و هو يرى دموع نايف تتدفق مجددا .. شعر بفظاظة و هو يضحك بهذه الطريقة أمامه .. اعتصر كتفه بحنان و هو يعتذر ..
- و الله كلنا زعلانين على عميه الله يرحمه .. بس شوه بنقول .. انته فكر انه الحين مرتاح عن الله .. بيدخل الجنة .. و بيودر الحر و الشغل و التعب ..
شعر بأنه يتلفظ بكلمات بلا معنى .. نظر لهزاع مستنجدا .. فحول ذاك عينه لوجه نايف بقوة و هو يقول بعمق ..
- الحزن في القلب .. هب عيب انك تصيح .. بس هذا ربك كاتبنه .. الحين انت ريّال و لازم تفهم ان خواتك و أمك محتايينك .. لو انته صحت و حطيت ايدك ع خدك امنوه لي بيوقف وياهن .. امنوه بيداريهن هاا ..؟؟
بكى نايف بشدة .. و تبين حقا أمام عينيهما كم هو طفل ..
و ضائع ..!
كان صوته يخرج مخنوقا من بين شهقاته ..
- أنا مـ .. مادري شوه أسوي .. أناا .. أبـ .. أبا أبويه .. ما با تم بروحيه في البيت .. أبا أبوية يرد ..
نظر له الاثنين بتعاطف شديد شعر هزّاع بقلبه يعتصر حزنا عليه .. التفت لأحمد بأسى .. ليصدم بقوة ،،
.
.
كانت دمعة صافية تنحدر على جانب وجهه الأسمر و هو يمسح شعر ذاك الطفل اليتيم بحزنٍ غريب ..!

* * * * *

كان المكان مزدحما للغاية .. الكثير من نظرات الحزن و التعاطف المبالغ فيها .. و تربيتات حنونة .. حقا كان يمكنها أن تترك كل هذه المهزلة و تمكث في بيت خالتها .. بدلا من أن ينتشلها أبوها بحجة القيام بالواجب ..
هه .. أي واجب ..؟؟ إنها لا تعرف المتوفى حتى .. !!
لا تعرف اسم العم و لا يهمها .. رغم شعور خبيث بالشماتة .. راودها لا تدري لما استلذت الحزن الذي أصاب تلك العائلة .. متأكدة بأن تلك الزوجة المهملة قد مزقها الأسى الآن ،،
لن يجد غيث الوقت لمواساتها و المحاباة ..!
تضع ساقا على ساق و هي تنفخ بضجر .. شعرت بأن شيخة تنظر إليها .. فالتفتت لها لترى انعكاس الاحتقار في عينيها .. لتقول بنبرة لاذعة ..
- خير الشيخ ..؟؟ فيه شي ..؟؟
نظرت لها شيخة بتكبر دون أن ترد .. ربتت عوشة على خدّها بأظافرها الطويلة ..
- شوه معجب ..؟؟
تجاهلتها أيضا و أشاحت بوجهها مشمئزة .. لا تريد أن تنحدر الآن لشجار معها كما اعتادتا .. أدارت عينها في المكان .. النساء من مختلف الأشكال و الأنساب و الأعمار يملأن الردهة و المجالس الداخلية .. حقا لا مجال لافتعال شجار هنا .. ابتسمت مفكرة بأن العزاء هذا على الأقل أفسد عطلة عوشة التي بدا الضيق بيّنا على عينيها المثقلتين بالكحل .. وجدت الأمر غريبا أن تتلقى التعازي و المواساة على رجل غريب لم تره في حياتها .. لا تنكر أن قلبها انفطر حال رؤيتها لجدتها .. و لكن شعورها نحو موته لم يختلف .. لا تعرف هذا الرجل البتة .. و لم تره أو تقابله في حياتها .. تعلم أن لها عما .. أ و ليست ابنته الكبرى هي زوجة غيث ..!؟
رغم هذا لم تسمع عنه شيئا لا أحاديث عنه .. لا ذكريات .. و لا حتى قصص قد يرويها أبوها .. أعمامها جميعا لم يذكروا اسمه قط .. و كانت المفاجأة كالقنبلة حين أفصح غيث عن عزمه في التقدم لخطبة ابنته الكبرى ..
من أين يعرفها ..؟؟ كيف علم أنه له ابنه في سن الزواج ..؟؟ كيف استطاع تجاوز خلاف الجد الذي لطالما أرعب ابناءه من ذكر اسم ذاك العم البعيد حتى ..؟! لم يبد في تلك الفترة أن أدنى خلاف قد نشب بينهما .. فآمنت بأن الجد قد استسلم لرغبة غيث الغريبة رغم أنه لم يحضر عقد القران تلك الليلة ..!! لم يذهب أحدٌ منهم سوى أبوها و إخوتها .. و عمّها سعيد و ابناءه ،، رفض عمّها أحمد و ابنه فهد الذهاب استرضاءً لجدها .. عمّها مطر كان مسافرا .. و منعت هي و روضة من الحضور .. لم تذهب أحد من النساء سوى أمها و زوجة عمّها سعيد .. طوال سنوات عمرها لم تشعر بالفضول نحو أولئك الأغراب .. و لم تهتم لأمرهم قط .. و اليوم هي هنا مجبرة على المكوث لمدة ثلاثة أيام تتقبل مواساة هي في غنى عنها .. كان يمكنها أن تشغل وقتها فيما هو مفيد لها حقا ..
تنهدت ببؤس و هي تفكر فيما هو مفيد حقا ..! كان يجدر بها أن تحاول الاتصال براية مئة مرة بدل الجلوس بلا فائدة هنا ..!
و على هذا التفكير أخرجت هاتفها بلهفة .. لن يمنعها الجلوس هنا من محاولة استرضاءها .. راحت تطقطق بأصابعها على أزرار الهاتف بسرعة ،، و كلمات الرسالة النصية تتزاحم على الشاشة الصغير ،،
.
.
( رايــــه يا حبي ،، دخيل قلبج ردي عليّه .. و الله ان حالتيه هب حاله ..عطينيه فرصة أرمسج بس .. حتى لو كانت المرة الأخيرة .. دخيلج راية .. و الله أحبج .. أحبج .. ماروم أعيش من دونج )..
.
.
أرسلتها و هي تتنهد بأمل .. لا تريد أن يكون مصير هذه الرسالة كاللواتي سبقنها .. ترجو بقوة أن تجيب رايه عليها ..
راحت تجيل نظرها فيمن حولها مجددا .. وقعت عينها على روضة التي كانت تجلس في زاوية بعيدة .. وجهها شاحب .. و أنفها محمر .. شعرت شيخة بالحنان .. هذه هي روضة .. لم تعرف ذاك العم يوما .. و لكنها انفجر بالبكاء حال سماعهم للخبر و سارعت لبيت جدها معلنة الحداد عليه .. دوما هي مندفعة بهذا الشكل .. ابتسامة خفيفة اعتلت شفتها قبل أن تتداركها بسرعة .. ليس المكان و لا الظرف مناسبا للابتسام ..

* * * * *

دلفت السيارة الفارهة ذاك الحي المتواضع ،، تقطع شوارعه الضيقة ببطء و أشعة الشمس تنعكس عن سطحها اللماع و نوافذها الداكنه .. لتتوقف أمام ذاك البيت العتيق ..
شدت هي يدها على مقبض حقيبتها و قلبها ينعصر .. طار الاسترخاء في تلك اللحظة و هي تتململ في جلستها .. شيء من التعاسة خالطت الخوف في قلبها و هي تنظر لجدران البيت بالية .. و تمنت لو أنها أصرت على شيخة أكثر بان تأتي برفقتها .. لا تعلم حقا كيف ستتصرف الآن ..
لا زالت نظرتها الكئيبة تنصب على الباب الوحيد للبيت الصغير .. لا شيء يدل على أن العزاء يقامن هنا أيضا .. شتان ما بين هذا الخلو و الإزدحام الفضيع في بيت جدها الكبير ..!
لا شيء يدل على حداد هؤلاء سوى تعاسة تلوح على واجهة البيت العتيق .. و بابه الذي انحلّّ طلاءه .. نظرت مجددا لمرآت السائق الخلفية لتجده ينتظر نزولها .. شدت الغطاء أكثر حول رأسها .. و هي تضم حقيبتها السوداء لتفتح الباب مترجلة من سيارتها .. و هي تقول بصوت مضطرب ..
- خلدون .. سير يوم أخلص بسويلك تييني ..
هز السائق رأسه بطاعة و هي تغلق الباب خلفها بهدوء .. اجتذب نظرها عدة أطفال ارتدوا ملابس بسيطة يقفون معا بأقدامهم الحافية و قد أمسك أحدهم كرة قدم بين يديه .. يتأملون السيارة بعيون مشدوهة .. يبدو أن قدومها قد قاطع لعبهم .. راحت تعب من الهواء بتوتر .. و كتلة من الشوك تسد حلقها .. حزن رهيب جثم على صدرها حتى كاد يخنقها .. و هي تتقدم من البيت كان بابه مفتوحا .. و أحنت رأسها لكي لا تصطدم بقمته المنخفضة .. شعورها المر سببه هذا المكان ..!
كان الذهول يلجم عواطفها .. أيعقل أن يسكن عمّها و أبناءه في هذا البيت بينما يستحلون هم تلك القصور ؟؟ وجدت نفسها أمام مجلسٍ ضيق و قد امتد على يمينها طريق قصير قطعته في خطوتين لتعبر الفرجة في آخره .. فتجد نفسها في باحة ضيّقة للغاية و قد صبّت بالاسمنت القاسي .. أمامها مباشرة كان مدخل للبيت و قد تباينت نساء يجلسن أرضا أمامها و قد لفتهن دخولها ..
لم يعد هناك مجالٌ للتراجع ..!
راحت تدفع خطاها ببطء و يدها المرتعشتين تتقبض كقلبها الذي راح يخفق بجنون .. القدوم إلى هنا مغامرة كبيرة ..! ما الذي يدفعها للاعتقاد بأنهم على استعدادٍ لاستقبالها و أهلها قد أنكروهم لدهور ؟؟!
وصلت للمدخل تخلع حذائها الثمين بجانب الأحذية الملقاة أمام الباب .. و العيون تتحلق حولها .. تقدمت خطوة .. و هي تجلي حنجرتها قبل أن تسلم بصوتٍ مرتعش ..
- السلام عليكم و الرحمه ..
هبن النساء جميعا واقفات في أماكنهن .. لم تجد فرصة للنظر حولها باحثة عمّن قد تكون احدى بنات عمها .. بدأت بالسلام عليهن إمرأة تلو الأخرى .. و ذعرها يتعاظم .. لمن ستقدم تعزيتها و هي لا تعرف أحدا هنا ..؟؟
وصلت فجأة لتجدن نفسها أمام فتاتين متقاربتين من العمر بدا عليهن الشبه .. و قد أبلى الدمع مآقيهن الحزينة .. تأكدت من أنهن بنات عمّها .. شعرت بالدمع يلسع مؤخرة عينها ..
بنات عمّها ..!! مدت ذراعيها لتحتضن الفتاة الأولى بعاطفة شديدة .. لم تكن لتتمنى أن تلتقيهن في هذه الظروف التعيسة .. تهدج صوتها و هي تشعر بحرارة الدموع تتدفق على وجنتيها ..
- أحسن الله عزاكم ..
بكت الفتاة بين ذراعيها دون أن تعترض على هذه الموساة من تلك الغريبة ..
- البقا لله .. أحسنتي ..
رفعت روضة رأسها لتضم الأخرى بحنان و هي تردد عبارات التعزية .. ثم التقت إمرأة بدا عليها التقدم في السن لتسلم عليها بدفء .. المرأة التي كان صوتها حنونا و هي ترى وجه روضة الجميل قد أغرقه الدمع الذاهل .. الحقيقة أنها صدمت للغاية لسوء حالة عمها و أبناءه .. لم تتخيل قط بأن تكون بهذا السوء ..! شدت يد المرأة بحزن ذاهل و المرأة تقول بحنان حين رأت عيناها الحائرتين ..
- مرحبا ينتيه .. قربي يعلنيه فداج .. هاي أم نايف ..
و أشارت لإمرأة تجلس على الأرض نحيلة .. تلبس - البرقع - و ثوبا من القطن .. و قد جلست طفلة على يمينها و فتاة على أعتاب المراهقة من يسارها .. نظرت لوهلة مرّة إليها .. المرأة هذه تعرفها بزوجة عمّها .. علمت إذا أنها لا تعرف أحدا هنا .. لا تعرف أحدا في بيت عمّها ..!!
عجبا ..!
كيف ألقت الأقدار كلٌ منهم في طريق .. حتى التقوا أغرابا ..!
انحنت و دموعها تتدفق و هي تسلم على الطفلة بحنان قبل أن تسلم على أم نايف و تقبل رأسها بأسى .. شدت على يدها و هي تقول بصوت خافت ..
- شحالج خالووه ؟؟ أحسن الله عزاكم ،،
ابتسمت المرأة المسنة قبل أن تقول بصوت هادئ حين انتظرت روضة من المرأة ردا لم يأتها ..
- ما تسمعج فديتج ..
ارتجفت روضة .. حمقاء ..! كيف نسيت ..مدت يدها الناعمة لتشد على قبضت أم نايف الضئيلة و هي تربت عليها .. لم تعرف كيف توصل إليها تعازيها ..!!
سعد أن سلمت على الفتاة المراهقة و النساء المتبقيات .. أوسعت لها المرأة المسنة مكانا بجانبها و هي تشير لها أن تجلس هنا .. جلست روضة دون أدنى ضيق قد يخالجها و هي تجلس في هذا المكان المغاير لطبيعتها .. كانت المرأة عن يسارها و إحدى بنات عمّها اللواتي لا تعرف لهن اسما عن يمينها .. قربت منها إحدى النساء التي بدا أنها وافدة فنجانا من القهوة .. و هي تقول ..
- سمي حبيبتي ..
التقطت روضة الفنجان تشكرها قبل أن تنظر لها المرأة بهدوء ..
- حيا الله من يا ،، شحالج بنتيه .. ربج بخير ..
هزت روضة رأسها و هي تنظر للفنجان .. حقا لن تستطيع ابتلاع شيء .. فغصة كبيرة تسد مجرى الهواء وسطها ..!
- يحييج خالوه - و ارتعش صوته و هي تقول بتعاطف - الحمد الله ع كل حال ،،
هزت المرأة رأسها موافقة ،،
- الحمدالله ع كل حال .. سمحيليه فديتج ما عرفتج .. بنت منوه انتي ؟؟
آن الأوان الآن لتعرف عن نفسها شعرت بالوجوه تنتظر منها تعريف نفسها .. الحقيقة أنها ودّت لو أنها تحتفظ بالاجابة لنفسها .. لا تريد أن يعلم أحد أنها ابنة عائلة لفظت المرحوم خارج حدودها .! ارتعش صوتها و هي تخفض بصرها بألم ،،
- أنا روضة بنت علي بن سيف .. و المرحوم الله يغفر له كان عمّي ..!
بدت الصدمة جلية على وجه العجوز الذي لم تفارقه عيني روضة .. تخشى أن تنظر لأوجه بنات عمها فتجد شيء لا يسرها .. سرعان ما اكتسى وجه المرأة ابتسامة مرحبة و هي تقول بهدوء ..
- مرحبا بج و الله .. حياج يا بنيتي .. أنا عمّتج عذيجة .. يقال لي أم مايد خت حرمة عمّج - و أشارت بيدها للمرأة التي عرّفت عنها مسبقا - هاي عمّتج وديمة .. و هاي بنتاا هند و هاي مزنة ..
نظرت لها الطفلة بعينين متسعتين لا معتين وجهها الحلوة كان حذرا و أهدابها ترف مرارا .. التفتت للخلف نحو الفتيات اللواتي كانت تشير لهن أم مايد ،،
- هاي نورة .. و هاي دانة .. بنات عمّج الله يرحمه ..
لم تكن نورة تنظر إليها بينما قابلتها دانة بنظرة متوجسة و هي ترفع رأسها قليلا .. رغم الحزن الذي يغشى ملامحها إلا أن شيئا غريبا كان ينعكس على وجهها أيضا ..!
نظرت عذيجة لدانة تأمرها بهدوء ..
- سيري ازقري خواتج يسلمن على بنت عمّج ..
أومأت دانه مطيعة و هبت من مكانها لتنفذ ما طلبته خالتها متوجهه الى المطبخ الذي كان بابه يصل للصالة عبر مدخل ضيّق .. دلفت المطبخ لتجد حور و فاطمة يقفن قرب الموقد و المها مشغولة بترتيب شيء ما في الخزانة .. بينما جلست عفرا على أرضية المطبخ بصمت و هي ترتشف كوبا من الشاي الساخن .. الصمت هنا كان لذيذا .. شيئا يغرق الإنسان أحزانه فيه .. قالت بحذر يخالط البؤس الألم في وجهها و هي تجيل بنظرها فيهن حين التفتن اليها فور دخولها ..
- خالوه تزقركن .. تباكن تسلمن على بنت عميه علي ..
وضعت عفرا الكوب أرضا و هي تنظر لها بذهول امتزج بالحزن الذي يسكن ملامحها ،،
- منــــــــــــوه؟
غالبت حور الصدمة قبل أن تعلو وجهها نظرة غضب شديد .. و هي تشد على القفاز الاسفنجي بغضب . فيما التزمت فاطمة الصمت احتراما لنقاشهن .. عادت دانة تقول بهدوء و هي تنظر لحور بإمعان ..
- روضه بنت عمي علي ..
وخرجت لتتركهن متخبطات في صدمتهن ..التفتت عفرا الى حور والمها التي لم تفهم شيئا مما قالته دانه قاطبه جبينها وتهز راسها تسالهن وهي تشير بيدها مستفسرة ... استدارت حور للمغسله لتغسل الصحون التي لم تكن بحاجة لذلك ونظرة الغضب لم تفارقها .. الحقد والغضب يتعاظم في داخلها اتجاه هذه العائله التي سلبتهم ابسط حقوقهم في المرحوم ..وسدت حلقها غصه كبيره حين تذكرت والدها ..في حين راحت عفرا تشرح للمها الأمر بسرعة قبل أن تقول بصوتها المتهدج ..
- يله حور .. خلينا نظهر نسلم عليها ..
تستحثها لترى رده فعلها ..ردت حور دون أن تنظر اليها وهي تشغل نفسها بالغسيل ،،
- سيرن سلمن عليها مابظهر ..
لم تلح عفرا عليها و هي تتبادل نظرة متيقنة مع فاطمة التي قالت بهدوء ..
- أنا بسير وياكن ..
خرجن بهدوء ليصلن إلى الصالة الضيقة .. قبل أن تقع أعينهن على فتاة توسطت أم مايد و دانة .. شابة أنيقة طغت على ملامحها الجميلة علامات الحزن وآثار الدموع ...لفت ذراعيها على عفرا بحنان والدموع تلمع في عينيها و أم مايد تعرفها بهن .. صوتها الهادئ كان مطمئنا ..
-أحسن الله عزاكم ...
ردت عفرا بحيره من هذا التدفق لمشاعر ابنه عمها .. بدت لها الأمر غريبا .. هذه الفتاة حزينة على رجل لم تعرفه يوما ..!
- يزاج الله خير ..أحسنتي
وسلمت على المها وفاطمه التي تشبثبت بها بنفس الطريقه والدموع تسيل على خدها ...تكلمت خالتها لتسالهن
- وينها حور؟
اكتست ملامح روضه الصدمه وهي تنظر الى الفتاه التي لا تشبه الفتيات متسائلة عن هويتها ..!
ردت عفرا وهي تنظر الى خالتها وتشعر باحراج بالغ من النظر الى روضه ،،
- في المطبخ ..
قالت خالتهن بعفويه..
- زقريها تسلم على روضه..
توترت عفرا وهي تنظر الى لفاطمة ..
- تقول مشغوله..
كان الأمر واضحا للغاية و عفرا تجلس في الطرف البعيد مع المها و فاطمة ..فهمت روضه الرسالة و أنها لاترغب بلقاءها ،، لكن ذلك لم يؤثر في عزيمتها .. لقد وصلت إلى هنا .. لا لترتد عند أول محاولة لرفضها .. قالت بابتسامة شاحبة ..
- ما عليه عموووه بسير لها المطبخ ،،
توجهت روضه الى الباب الذي خرجن منه الفتيات منذ برهة .. وطرقته بخفه .. لم تنتظر ردا و هي تدفع الباب للداخل .. دلفت بهدوء و منظر المطبخ الضيق النظيف البسيط يملأعينيها .. فتاة تعطيها ظهرها و هي تقف أمام المغسلة .. غطاء رأسها المنزلق يكشف شعرا أسود ناعم جمع بشكل فوضوي و قد انفلتت بعض الخصلات المتمردة .. ابتلعت ريقها بهدوء .. و صوتها المرتعش يرتد بين جدران المطبخ ..
- السلام عليكم والرحمه....
تصلب ظهر حور دون أن تلتفت .. هذا الصوت الناعم الذي انساب برقة لم تسمعه من قبل .. ما يعني أن .......
استدارت ببطء و هي تمسح يداها في منشفة نظيفة .. و عيناها تستقران على وجه زائرتها الجميل .. اتسعت حدقتا روضة باهتمام .. الحقيقة أن رؤية حور كانت تهمها جدا .. ذهلت بشدّة حين رأتها .. تأملت وجهها الصافي و عينيها المتسعتين ببرود و هي ترد السلام بصوت هادئ لا يكشف شيئا من البراكين التي راحت تغلي في داخلها .. بدت أصغر سنّا مما إعتقدت ..!
- و عليكم السلام و رحمة الله ..
تقدمت روضة خطوتين منها .. تريد أن تسلّم عليها .. لكن وجه حور الجامد كان يصدّها .. و يقلقها .. مدت يديها بتردد قبل أن تضمّها ..
- أحسن الله عزاكم
ذهلت حور لحركتها تلك ،، شعرت بالارتباك لوهلة .. لم تتخيل أن تفضل هذه الغريبة التي بدت عليها معالم الثراء و الأناقة القوم للمطبخ و تقديم التعزية لها بهذه البساطة ..
و كأنها تعرفها مسبقا .. أو كأن مصابهن واحد .. شعرت بأن دموعها توشك على الانهمار مجددا .. فكل مواساة تجدها تذكرها برحيله .. و لكنها أبت أن تبكي هنا ..
لقد شهدوا من حطامها ما يكفيهم .. ألم يشأ ذاك أن يلقاها في ظروف أقل مرارة ..! سحبت نفسا عميقا تصد دموعها ..
- يزاج الله خير ...
كانت روضه تجيل النظر متمعنة في ملامح حور التي يطغى عليها الحزن بشده رغم أنها ليست بذاك الجمال الذي قد يقارن بأخيها .. إلا أن وجهها كان حلوا للغاية .. ذكرتها عيناها بعيني أختها الصغرى التي كانت تنظر لها بحذر .. لن تلومهم .. غريبة هي هنا ..!...
أحست بالم كبير يعتصر قلبها و هذه الفكرة تتردد داخلها .. غرباء يلتقون .. لا يعرف أحدهم الآخر .. رغم رابط الدم الذي بينهم .. هذه الفتاة هي زوجة أخيها و لكنها تراها للمرة الأولى .. رثاء بالغ تملكها و هي تشعر بحرارة الدمعة تدفئ وجنتها .. صوتها يضطرب ..
- سمحوليه كان وديه انيه أيي البارحة لكن يدوه كانت تعبانة و العرب يايين هناك عسب يعزون ..
بدا الفتور جليا في عينيها حالما ذكرت روضة العزاء .. و لكنها لم تغفل عن شعور خائن بدأ يتحرك في داخلها نحو هذه الشابة .. لا تعلم كم عدد أقربائها .. و لكن هذه هي الوحيدة التي فكرت بزيارتهم ..!

* * * * *


  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 25
قديم(ـة) 23-12-2008, 04:06 PM
صورة angel jolly الرمزية
angel jolly angel jolly غير متصل
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: خطوات تغفو على عتبات الرحيل(رائعة الكاتبه ليتني غريبه)


- الحين كلهن حريم و البيت ما فيه ريّال ..
ساد الصمت الرهيب في المجلس الذي خلا في تلك الساعة المتأخرة من الليل بعد مغادرة جميع المعزّين .. تبادل هزّاع و أحمد النظرات بحذر و هما ينظران لغيث الجالس بجانب جدّهم باسترخاء مبتسما لسيف المنفعل بعد أن ألقى كلماته تلك فيما بدا أن لصداها دوى الإنفجار فوق رؤوس الموجودين ،، حقا هذا جانب لم يطرأ ببالهم ..!
كان الجد يلتزم الصمت و شموخ بارد يعلو ملامحه ،، فهد ينقل بصره بين أوجه أعمامه و أبيه ينتظر ردا على ما قيل للتو .. و حامد يجلس و قد عقد ذراعيه و كأن الأمر لا يعنيه البتة ..
قال عمهم مطر أصغر أبناء الجد سنّا بهدوء و هو ينظر لسيف الذي بدا متضايقا للغاية ،،
- أخوالهم عندهم ،،
اتسعت حدقتا سيف بذهول من هذا البرود ،، قبل أن يزم شفتيه و هو يقول بغضب مكتوم ..
- أخوالهم هب ملزومين بهم .. نحن هلهم و نحن أولياهم .. باكر لو يا حد يخطب وحدة من بنات عميه حمد .. تبون لي يناسبكم يخطب عند من ..؟؟ خوالهم و الا انتو ..؟؟
هز بو غيث رأسه بموافقة ..
- سيف ما ياب الا الحق ،، الرمسة هاي المفروض انفكر ابها أول ما توفى حمد الله يرحمه .. - ثم رفع عينه لوالده الذي يكتنف الصمت - شوه الشور يا بويه ؟؟
برهه ثقيلة من السكون قبل أن يرفع الجد عينه لغيث الجالس بجانبه .. فأقام ظهره و هو يستوي في الجلسة قبل أن يقول بصوته الرجولي العميق الذي تردد في المجلس الكبير ..
- الشور إنّا نييب بنات عميه حمد و حرمته عدنا .. نرعاهم و يكونون تحت عينّا .. أمايا نورة تقول تبا عياله عندها .. - ثم التفت لعمّه مطر بشيء من القسوة الباردة - هاييلا عرضنا .. و ملزومين بهن .. بس حاليا ما بيدنا نسوي شي .. حرمة عميه حمد في العدّة ما نروم نييبها هي و عيالها هنيه الين ما تقضي احتجابها ..
ثم ارتفعت شفته العليا لسبب غير معروف بهزل ،،
- يعني أربعة شهور لازم ايتمون هناك ،، و عقبها بنييبهم هنيه البيت العود ،، و في هالمدة من وقت لوقت .. حد يمر عليهم و يشوفهم شوه محتايين و شوه يبون ..
استدارت الأعين للجد متوقعين إعتراضا أو شيئا من هذا القبيل .. و لكن الجد التزم الصمت .. عاد فهد ينظر لغيث مفكرا و هو يقول بخبث ،،
- و تبونهم ايتمون اروحهم في هالاربعة أشهر ؟؟ - ثم قال بنبرة هازئة و عينه ترتكز على غيث - هاييلا عرضنا .. و ملزومين بهن ،،
لكن ابتسامة غيث الهازلة لم تختف عن شفتيه رغم أنها لم تصل لعينيه القاسيتين و هو يقول بلهجة ناعمة خطرة ..
- و شوه تقترح ؟؟
رفع عينيه ممثلا التفكير في حركة ساخرة قبل أن يعود ليقول بنبرة متحمسة مصطنعة لم تقنع الجميع ،،
- و ليش محد منا ييلس عندهم الين ما تقضي حرمة عميه شهور العدّة ؟؟
ساد الصمّت في المكان لبرهه و الفكرة تستقر في رؤوس الجميع قبل أن يقول بو سيف بصوت هادئ ..
- و شوه الفرق بتّم الحرمة في العدّة و محتجبة و أي واحد هناك يمكن يخرق إحتجابها ..
لكن ابتسامة فهد الواثقة لم تفارق وجهه ،،
- هيه هذا لو لي بييلس وياهم واحد منّا .. بس لو كان هالشخص محرم .. ما ظنتيه فيها شي .. و الا شوه الشور ..؟
كان سيف حازما و هو يقاطعه ..
- فهد شوه قصدك ..؟؟
نظر فهد لغيث بلؤم و هو يقول بلهجة مباشرة ،،
- قصديه إن لي بييلس وياهم لازم يكون محرم لها .. و محد محرم لها إلا غيث .. هب ريل بنتها ..؟؟
اتعست الأعين و هي تتسلط بنظرات دهشة على غيث الذي لا يزال مسترخيا في جلسته و هو يقول بلهجة هادئة ،، خطرة ..
- عيل اظهر منها انته .. و خلها علينا .. - ثم ابتسم ببرود - مثل ما قلت .. بنات عميه و أمهن في بيتهن و الدار أمان ما عليهن خوف .. أربعة أشهر و بنييبهن هنيه ،،
ثم استدار لأخيه حامد متجاهلا الجميع يقول بنبرة آمرة و هو يقف ..
- حامد نش ويايه ..
نهض حامد بسرعة يتبعه للخارج .. فيما صر فهد أسنانه بغيض ،، يبدو أن ابعاد غيث مستحيل تقريبا ..
سار غيث و حامد لخارج المجلس متوجهين للبيت الكبير و غيث يملي تعليماته بسلطة ،،
- باكر عقب العزا تخطف ع الجمعية و خذ يواني عيش و طحين و سكر .. و كراتين خضرة .. كثّر من هالسوالف و لا تخلي شي .. ودها بيت عميه حمد .. و تخبرهم كان محتايين شي .. مانبا القصور يي منّا ،،

* * * * *


نظرت لها بحنان مؤلم .. و هي ترى وجهها الصغير قد قفز عّة سنوات و خطوط الهم تغفو بين ثنيات ملامحها .. كانت الوقت يقارب منتصف الليل .. جلست بجانبها بهدوء .. لتلتفت تلك لها فترتسم ابتسامة مهمومة صغيرة .. ذابلة على وجهها .. لتردها تلك بواحدة متوجعة على حالها ..
- حور غناتيه .. ما بتنشين توطين راسج ..؟؟ عنبوه من البارحة ما غمضت لج عين ..
بدت ابتسامتها مثيرة للشفقة وسط وجهها الشاحب .. و هي تقول بمرارة ..
- لاحقين ع الرقاد يا وديمة ..
كان الظلام الدامس يغرق الدنيا و أعمدة النور في الشارع تلقي بشيء من الأضواء داخل الحوش الضيق .. رائحة الهواء المحملة بالرطوبة تبشر بيوم ضبابي .. سكون تام .. لا يقطعه سوى صوت أنفاس حور الثقيلة بعد أن أنهكتها الدموع .. و بوق سيارة قادم من الشارع العام البعيد .. تشعر بمآقيها ساخنة .. و مؤخرة عينها تلسعها .. لم تعد تذرف الدموع ،،
هل استنزفت طاقتها على البكاء يا ترى ؟؟
مدت و ديمة راحة يدها تمسح على شعر حور المنفلت من عقدته .. منسدلا بفوضوية على طول ظهرها .. سألتها وديمة بحنان ..
- تقول أمايا ان بنت عمكم علي يت اليوم هنيه ..
هزت تلك رأسها ببطء .. فقالت وديمة بهدوء ..
- أخت ريلج ..؟
انعقد جبينها بضيق لبرهة .. تسند ذقنها لركبتيها المضمومتين قبل أن تهمس ،،
- هيه ..
نظرت لها وديمة بحذر ،،
- حليلها .. فيها الخير .. احسن عن غيرها ..
صمتت حور دون أن تجيبها .. و هي تستعيد في داخلها ردة فعلها الأولية حين علمت بوجودها ..
- أول ما دريت انها هنيه بغيت أظهر لها و أطردها من البيت ..
ذهلت وديمة ،،
- ليش ..؟؟؟؟؟؟؟!!
نفخت حور بحقد ..
- ما يسد لي سووه أهلها فينا ..؟!
اتسعت عينا أختها بالرضاعه بحيرة
- و شوه سوو - و ضغطت على الأحرف - أهلج ؟؟
التفتت لها حور بقسوة و هي تنكر ..
- هاييلا هب هليه .. ما يسدج العزا لي مسوينه في بيتهم و هم يدرون ان امايا في العدة و انها ما تروم تظهر .. من يابتنيه أميه ما شفت حد منهم ياي بيتنا و الا مسير و الا ذاكرنا بتيلفون .. العيد لي هو عيد ما نعرفهم فيه .. الحين عقب - و تهدج صوتها و هي تكبح دموعها - عين ابويه .. تذكروه .. و يسوون عزا محد من عياله بيحظره .. و ........
بترت عبارتها و هي تتوقف عن الكلام و دموعها تهدد بالهطول .. مدت ظاهر كفّها تمسح عبرة انزلق على خدّها .. شعرت وديمة بالألم يمزّقها .. و لكن الحقد الذي لمسته في صوت حور لم تعرفه فيها قط .. لذلك كان صوتها هادئا ..
- يا حور الانسان ما يحس بقيمة خوه الا لو فقده .. ما فكرتي ان لي تحسين به من حرّة و منقهر يمكن يحسونبه .. عقب ما ضيعوا عمرهم و عمر خوهم في القطاعة .. و بعدين ع العزا انتي ما تحتايين الغرب لي بييونهم من عربهم عسب يعزونهم .. أهم شي أحبابج لي حولج .. و لا تنسين ان أمه ما فيها حيل تظهر من البيت .. العزا حاطينه هناك عشانها ...
بدا أن حور لا تستسيغ ما يقال و هي تشيح بوجهها و تدفق الدموع يزداد .. فيما تابعت وديمة ..
- و حتى لو لي قلتيه كان صح .. بنت عمج ما يخصها .. الله يقول : [ و لا تزر وازرة وزر أخرى ] .. لا تاخذينها بذنب أهلها .. أنا أشوف ان فيها الخير لي ياية الين هنيه و العزا فبيتهم .. مطنشة لي هناك و ساعية للغرب لي هم انتو ...
بدا صوتها قويا و هي تقول بعمق ..
- حور .. الواحد ما يستسلم للوساوس و الشيطان .. كرهج للغير ما بيفيدج بشي .. لكن التسامح بيجنبج المشاعر الخبيثة لي يمكن تحسينبها .. ع العموم أنا ما ضايقنيه غير ردة فعلج ع البنية ..
قالت حور بضعف وسط دموعها .. تشعر بأنها واهنة .. لا تقوى هذا التدفق من الكلمات ..
- لا يا وديمة .. أنا ما أذيت و لا عقيت عليها رمسة ،، رغم كل شي يلست ويانا أربع ساعات حاشمينها و محترمينها .. و قبل لا تظهر اترخصت تيينا مرة ثانية .. و رحبنا بها ،، حتى رقميه عطيتاا اياه يوم طلبتنيه ..
.
.
شعور بالتعب .. بالارهاق ..
انطباع غريبة بأنها تقف على شفير هوّة مظلمة .. تريد أن ترمي بروحها في قعرها ..
أخذ يغزوها .. و الدموع تأخذ طريقها لوجهها من جديد ..
كم سيستمر هذا الوجع يا ترى ..؟؟

* * * * *

كن يجلسن في ردهة المنزل الفسيحة .. و ترفع هي قدميها على طاولة القهوة .. و يداها تعبثان بأزرار هاتفها دون توقف .. حتى حانت منها التفاتة لأختها ..تنصب نظراتها على وجهها الشارد .. بدت من نظرتها للفراغ بأنها ليست على أرضهم هذه .. تبعد عنهم أميال .. لم يكن هذا ما لفتها .. بل نظرة منكسرة في عينها حيّرتها .. أما تزال حزينة على ذاك العم ..؟؟ أم أن هناك سبب آخر ..؟؟
جزء منها كان واثقا بأن الأمر يتعلق بزيارتها لبيت عمّها اليوم .. نادتها بصوت واضح ،،
- روضاني ؟؟
أجفلت روضة و هي تلتفت بعينٍ غائمة لأختها و بريق دمعة بعيدة في أفق العين لا يخبو ..
- هااا ..
عقدت جبينها و صوتها الخشن ينخفض قليلا ..
- بلاج ؟؟
هزت رأسها بحيرة ..
- ما شي ..!
رفعت تلك حاجبها بانكار ..
- مساعة يالسة عندج و انتي هب داريه عنيه .. سرحانة .. شفيج ..
أخفضت تلك بصرها و هي تهمس بصوت ضعيف ..
- أفكر ..!
- فشوه ؟؟!
رفعت نظرها تتأملها لبرهة .. قبل أن تسأل سؤال لا علاقة له بالاجابة المنتظرة ..
- ليش ما ييتي ويايه اليوم يوم قلت لج انيه بسير قدا قوم عميه حمد الله يرحمه ..؟
هزت شيخة كتفيها ..
- مادري بس ما حبيت أسير عند عرب غرب .. ما أعرفهم .. و ثاني يوم في العزا ..!! يعني يا الله يا الله يتعبلون بعمارهم .. هب ناقصيناا نفر عمارنا عليهم في هالمحنة ..
لوحت روضة بيدها بعدم موافقة ..
- عذر غريب الصراحة .. دوري غيره ..!
رفعت شيخة حاجبها ..
- و شوهالغريب فيه أخت روضة ؟؟ - ثم نظرت لها باستفسار - شوه سويتي هناك ؟؟
هزت روضة كتفيها و هي تتنهد بعمق ..
- ما شي .. يلست عندهم ثلاث ساعات .. و عقب صلاة العصر رديت البيت ..
بدأ الفضول يدب داخل شيخة و هي تسأل ..
- شفتي بناتهم ..؟؟
- هيه ..
- كم عددهن ..؟؟
- سبع ..
شهقت شيخة بقوة ..
- أوووووف شبع .. يخرب بيته هالعم ما عنده وقت ..
عقدت روضة جبينها بقوة و هي تقول باشمئزاز منها ..
- صدق انج ما تخيلين .. الريال متوفي .. استحي ع ويهج ..
وضعت يدها على فمها ..
- أوبس .. سوري .. صدق خبرينيه .. كم عمارهن شوه أساميهن .. شفتي حرمة غيث ..؟؟ حلوة ..؟؟ كيف شكلها ؟؟
نظرت لها روضة بحاجب مرفوع ..
- خيييييييييبة شوي شوي علينا .. و بعدين يوم انج مهتمة هالكثر ليش ما خاويتينيه يوم شرت قداهم ..؟؟
- الحين خلينا من هالرمسة .. و ردي عليّه ..
رفعت روضة عينها متذكرة ..
- آممممم .. العودة حور هي حرمة غيث .. عمرها يمكن 23 أو 24 مادري و الله .. بس شكلها يبين أصغر عن كذيه ..!
نفخت شيخة بضيق ..
- وايد صغيرة ع غيث .. أصغر عن العلة عوشوه ..
- لا اله الا الله .. انتي ما تيوزين ..
لوحت شيخة بعدم اهتمام ..
- لا تسوين لنا فيها .. كملي ..
نظرت لها روضة شزرا قبل أن تتابع ..
- تيي عقبها المها .. هاي الصمخة .. بس شوه أقولج .. سبحان الله .. شيخاني أحلى وحدة فخواتاا .. وايد حلوة و نعومة .. مادري كيف حتى ابتسامتاا غير .. خاطريه كان أرمس وياها و الا آخذ و أعطي .. بس ما أعرف كيف أرمسها بالاشارة ..! عمرها حول 19 سنة .. لن خالتهن تقول ان بينها و بين حور 4 سنين .. و الباقيات متّابعات .. يعني عقب المها تيي عفرا .. في الثنوية العامة و عقبها نورة ثاني ثنوي .. خلاف دانة هاي أول ثنوي .. و هند في الاعدادية بس ما أدري أي صف .. و نايف خوهن هذا ما شفته .. بس أكبر من مزنة بـ 3 سنوات .. يعني تقولين عمره 13 سنة .. و آخر العنقود مزنة عشر سنين .. و هاي كافة التفاصيل .. عيبج التقرير أخت شيخة ؟؟
هزت شيخة رأسها بذهول ..
- ما أصدق .. ع قلة فلوسه الا ان عنده 8 عيال .. ما شا الله .. الله و أكبر عليهم .. نحن أكبر عايلة عدنا عايلتنا و بس خمسة نفر .. هاييل وين البيت لي يسدهم ..
انقشعت الراحة المؤقته عن وجه روضة فور تلفظ شيخة بتلك الكلمات .. و كسى ملامحها الجميلة الألم الشديد ..
- يا الله يا شيخة .. لو تشوفين بيتهم تحمدين ربج ألف مرة .. نحن متبطرين ع النعمة و كل يوم تغيير أثاث و ديكور .. و العيشة نفر دبل أكلنا في الكشرة .. و مواتر و طلعات .. و أسواق غير الفلوس لي ما ندري وين نحطها .. و عميه و عياله هب محصلين غير بيت مقسوم .. بثلاث حجر ة مطبخ و حمام .. تخيلي .. انا خطفت على حجرة أول ما حدرت بيتهم تحريتاا ستور .. طلعت ميلس الرياييل و وراها حمام ..!! تخيلي عميه و حرمته و عياله الثمانيه يتشاركون هالحمام .. لو تشوفين صبغ اليدار كيف رايح .. صح البيت نظيف .. بس الفقر في كل مكان .. مادري كيف عميه كان يسد لقمتهم .. مادري كيف بيدبرون عمارهم الحين ..!!
و تهدج صوتها و ألماسة متألقة تنحدر من عينها اليسرة و هي تقول ..
- تمنيت انيه ما دريت ان عنديه عم و لا ييت بيته .. عسب ما أشوف هالشي .. حسيت بالذنب .. كأنيه ظالمتنهم .. مصروفيه في الشهر يي دبل ميزانيتهم أربع مرّات ..
دفنت وجهها بين كفيها و هي لا تقدر على منع دموعها من التسرب ..
- و الله انهم قطعوا فواديه .. كيف بنساعدهم .. كيف ؟؟؟!

* * * * *


كان هذا هو يوم العزاء الأخير و الوقت يقارب العشاء ،، حين توقفت سيارة فارهة لم يعتد هذا الشارع على وجود أمثالها بعد .. و توقفت وراءها شاحنة فان صغيرة ..
ترجل الرجل من سيارته و هو يجيل نظره في الحي .. لم يأتِ إلى هنا مسبقا سوى مرّة واحدة .. و لكنه لا يتذكر أن هذا المكان كان بهذا البؤس ..
وصل للباب المنشود .. قبل أن يطرقه بقوّة .. ثم تنحى منتظرا أن يأتي أحد .. كان يستنشق الهواء مشغولا بالعديد من الأفكار حين وصله صوت حاد خشن ..
- السلام عليكم ..
التفت نحو صاحب الصوت لتقع عينه على ابن عمه الصغير الذي فغر فاهه بعد أن تعرف عليه ..
- و عليكم السلام و الرحمه ..
سلّم نايف عليه رغم أنه كان قد رآها صباحا في ذاك القصر و هو يحاول مراجعة اسمه في ذهنه ..
- و عليكم السلام و الرحمه ،، حييه بو حمد ..
قال نايف بشيء من الخجل ..
- الله يحييك ..
ابتسم الرجل بهدوء و هو يقول ..
- أنا حامد ..
أجاب نايف بسرعة منكرا جهله ..
- أدري ..
- شحالك .. و شحال هلك .. ربكم بخير ..
- يسرك الحال .. الحمد الله .. اقرب
لمع الاعجاب في عيني حامد ..
- قريب .. بس مستعيل و الله .. سير شف ختك العودة قولها انيه هنيه .. برقبكم ..
عقد نايف جبينه ..
- منوه ..؟؟ حور ؟؟ شوه تبابها ..
اتسعت ابتسامة حامد ..
- ريلها مطرشنيه عليها ..
كان الشك يكسو ملامح نايف لبرهة و هو يستعيد في ذهنه صورة - ريلها - قبل أن يقول ..
- لحظة بس ..
و اختفى في الداخل .. و عاد حامد يستند على الجدار .. شعر باختلاف كبير بينهم و بين بيت عمهم هذا .. لم يكن في صغره يعلم ما يعلمه هذا الصبي .. لا بد أن ملازمته لأباه بيد أنه ابنه الوحيد قد أثرت عليه كثيرا .. دقائق طويلة مرت قبل أن يتناهى لمسمعه صوت الأقدام القادمة نحو هذا الباب ابتعد عن الجدار مترقبا القادم .. فجأة وجد نفسه يخفض بصره حال ظهور شابة ترتدي عباءة سوداء و ترد الغطاء على وجهها .. قال بهدوء ..
- السلام عليكم و الرحمه ..
كان صوتها مبحوحا و منخفضا .. جليديا ..
- و عليكم السلام ..
- شحالج يا بنت العم ..
كان برودها مربكا ..
- بخير ..
شعر بتوتر .. لا يدري لما راوده احساس بأنه غير مرحب به هنا ..!
- الله يسلمج هاي شوي أغراض يايبينها للبيت .. و بغيت أشوف كان محتايين شي و الا فخاطركم شي ..
صمت مطبق كان الرد على كلماته .. قبل أن يأتيه صوت الفتاة قويا .. آمرا .. و قاسيا ..
- أغراضك شلها وياك .. نحن هب في حاية شي منك و لا من أهلك .. توكل من هنيه و مرة ثانية هالباب لا تعتبه .. الله يحفظك ..
فغر فاهه مصدوما مما قيل للتو و الباب الحديدي الصغير يرتد بقوة منغلقا في وجهه مصدرا صوتا قويا ..
شعر بالاهانة .. و هو يضم قبضته بغضب .. يكبح رغبة تحثه على تحطيم الباب على رأسها ..

* * * * *

مرت ثلاثة أسابيع بطيئة للغاية عاد الناس يمارسون حياتهم بشكل طبيعي .. و كأن شيئا لم يحدث .. و كأنما يؤكدون بان ارتحال رحٍ الى بارئها لا يعني نهاية العالم ،، جميعنا لنا نفس المصير ذات يوم .. فلماذا نقضي ما تبقى من الوقت في الرثاء على شخص قضى نحبه ،، و لن تعيده الأحزان و ذرف الدموع ..
كان ذاك يقين قاسٍ .. و مؤلم .. و غير مراعٍ لمشاعر الغير التي لا تزال معلنة الحداد على فقدها ..
و لكنها تظل حقيقة .. و لن يجعلها التهوين مختلفة بأي شكل ..
مضت الأيام لتعود الأمور إلى نصابها بالنسبة للجميع ،، باستثناء بيت المرحوم .. بو نايف ... لا زالت تلك الجدران تحتضن مرارة اليتم .. تحوي داخل حدودها من الأنين ما لن يسمع و لا يتجاوز الصدور .. تستر تحت جنح الظلام تلك الدموع الخفيّة ،، حين يسعى كل ساكن في ذاك البيت لإخفاء أوجاعه عن الأعين .. التظاهر بالقوة .. و تجرع حرّ ما يؤلم لوحده ..
بدت الحياة في الأيام الماضية تمشي برتابة بائسة .. عاد أبناء بو نايف لمدارسهم .. يكافح كلٌ منهم أن شيئا لم يحدث و أن الحياة حتما ستعود لطبيعتها بعد بعض الوقت ..
كان مؤلما إدراك بأن الحياة تواصل المسير دون والدهم ..!
.
.
.


  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 26
قديم(ـة) 23-12-2008, 04:07 PM
صورة angel jolly الرمزية
angel jolly angel jolly غير متصل
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: خطوات تغفو على عتبات الرحيل(رائعة الكاتبه ليتني غريبه)


- يا غيث هاي خامس مرة تروغنيه من البيت ..
خرجت العبارة من فمه بضيق و هو يدور في مكتب غيث الواسع .. و الأخير يعيد كرسيّه للوراء بابتسامه هادئة أخفت تحتها غضب مكبوت ..
الحقيقة أنه يصارع رغبة في ترك مكتبه هذا و التوجه لبيت عمّه ليدق عنق تلك الطفلة السخيفة ..إلى ما ترمي برفض كل المعونات التي يحاولون تقديمها و إدعائها بأنهم لا يريدون صلة بهم .. لديه ما يشغله و لا يريد تضييع وقته بألاعيب سخيفة .. كان صوته متحكما و هو يقول بسلطة ،،
- ما عليه يا حامد .. سير لهم بعد هالمرة نحن ملزومين ابهم .. ع الأقل الين ما ألقى وقت و أتصرف أنا في الموضوع ..
كان بامكانه أن ينهي الموضوع ببساطة عبر الهاتف لو لم يكن يرد عليه بمغلق طوال الوقت ..
عقد حامد جبينه بضيق ..
- أقولك رايغتنيه خمس مرّات .. و تقول لو ييتهم المرة الياية بتتصل بالشرطة .. - ثم فتح عينه باستهجان - الشرطة أونه .. بنات عمّك ما فيهن مذهب ..
كان رد فعل غيث فوريا و هو ينهره بصوت مرتفع محذر ..
- حامد ..
احمر وجه حامد فورا وو هو يعض شفته السفلى .. سرت رعشة على طول ظهره .. يبدو أنه أثار أخاه الأكبر .. زلة أخرى و لن يجد ملجأ في مرابع الغفران ..!!
ابتلع ريقه و صوت غيث يتدفق بقسوة ..
- عيدها و ما تلوم الا نفسك .. ثمن رمستك قبل لا تعقها ..
هز حامد رأسه بطاعة .. كان عليه أن يحذر فهو بذلك يمس زوجته أيضا ..! قال بهدوء ..
- اسمحليه يا خويه .. بس و الله من لي فينيه .. شوف كم مرة ساير لهم .. و كل ما ييت تطلع بنتهم و تروغنيه .. ما تقول غير ياي أشحت منهم ..!!
فكرة غريبة راودته و هو يسترخي - بنتهم - و ليست - حرمتك - ،، هه .. لا يشعر احد منهم بذاك الارتباط ..!
حامد يقف بيأس منتظرا ردا على ما قال منذ برهه .. تابع يقول ..
- أنا ما عنديه خلاف مستعد انيه أوصل لهم لي يبونه .. و حتى بنتبادل أنا و أحمد و هزاع .. لكن تفاهم وياهم أول .. ما نبا فضايح يا غيث .. و هاييلا شكلهم ما يدانونا ..
كان وجه جامدا لا يفصح عن شيء ،، و هو يركز بصره على وجه حامد المترقب .. عليه ان ينهي هذه التفاهة بشكل ما .. لا يجب أن يشغل ذهنه بهذه الأمور أكثر من ذلك ..
كان صوته باردا و هو يلوح بيده ..
- أنا ساير البيت لهم الليلة و برتب الموضوع ..
ثم تصلبت عيناه بغضب .. و هو يضمر تأديبها في نفسه ..

* * * * *

تجلس على أرضية الساحة المدرسية و هي تحرك العصير في زجاجته .. و صوت صديقتها يتدفق بهدوء و هي تقلب وريقات في حجرها ..
- يعني الحين ما بنمتحن انجليزي في المدرسة .. بيكون هو و امتحان السيبا واحد و بنمتحن في الجامعة ..
ارتشفت عفرا جرعة من العصير و هي تعقول بتفكير ..
- انزين علايا .. يعني معدل السبا داخل في مجموع الثانوية ..!
- هيه ..
هزت عفرا رأسها بهدوء ..
- أهاا الله يعين عيل .. كان ما بترتفع نسبة الرسوب من التخبيص ..!
نظرت لها عليا بحنان .. تعغيرت كثيرا .. أصبحت أكثر جدية ..
أكثر هدوء ،،،
و حزنا ..
الحقيقة أنها قالت تلك الكلمات بآلية دون أن تشعر .. أفكارها كانت تأخذ منحنا آخر تماما ..
الآن و بعد تغيب اسبوع لما طرأ من ظروف .. شعرت بعرة تسد حلقها .. تخنقها و هي تفكر بالظروف ..!
عادت للمدرسة و متابعة الدراسة هي و أخواتها .. مؤلم أن تنتشل نفسك من أحزانك لتدفع بها في غما رالحياة مجددا فتكتشف بأن شيئا لم يتغير .. و أن الدنيا لا تقف على حدود وجعك ،،
سحبت نفسا عميقا .. ها هي تعود للاجتهدا في الدراسة .. و لكن إلى أين ..؟؟
هذه هي السنة الأخيرة لها في الثانوية .. السنة القادمة ستنتقل للجامعة لمتابعة الدراسة ..؟؟ و لكن لا تظن ..!
منذ بعض الوقت علمت أن لا مستقبل لها في الجامعة ..؟؟ و خصوصا بعد اختلاف الظروف ..
الآن إذا تقدمت للدراسة هناك .. ألن يلزمها الكثير من الملابس .. مصروف ..و أشياء لا تجد الطالبة الجامعية غنى عنها ..!
من أين لها هذا ..؟؟!
يستحيل أن يغطي معاش الشؤون الذي يصرف لوالدتها و التعويض الذي يصرف لأبيها الراحل شيئا ..
بالكاد تكافح حور لسدِّ حاجاتهم .. شيء كدخولها للجامعة لن يفعل سوى نسف مزانيتهم ..
لن تستطيع فعل ذلك بهم .. أبدا ..
ستنجح هذه السنة متأكدة و بتفوق .. و لكنها لن تستطيع المتابعة بعدها ..
عليها أن توئد تلك الأحلام السخيفة .. فرغبتها في العيش .. و سد رغبات إخوتها الذين أكثر احتياجا منها أهم من تلك التفاهات ..
.
.
تودع هذا الهاجس الذي اجتاحها ذات يوم ..
ستكفيها شهادتها الثانوية .. ليست بحاجة لأخرى كي تثبت جدراتها ..
شعرت بدمعة قد أقبلت .. تنشد الحرية .. فكبحت جماحها داخل عينها التي أرخت هدبها بهدوء .. تأسرها مجددا و هي تعيدها لمكانها ..
لا يجب أن يعلم أحدا كم الأوجاع تتكوم هنا ..
ألما على ألم ..
فقط عليها أن تصمد .. حتما سيكون هناك فرج قريب ..
و إلى ذاك الحين لن يضيرها أن تزهق من الأحلام ما تعلم أنه صعب المنال ..!

* * * * *


تمشي في الحرم الجامعي و هي تحمل على ظهرها حقيبة الظهر الرياضية التي امتلأت بكتبها .. علقت على كتفها الآخر حقيبة جهاز حاسوبها المتنقل .. كانت هدى تتكلم دون توقف بسرعة .. فيما لم يخترق ذهنها المشغول شيئا من هذا الحديث .. بدا أن هدى مصرة على ازعاجها .. و اضجارها .. لذلك قاطعتها بملل ..
- هدوي لو سمحتي صخي دقيقة بس .. عنبوه هب لسان عليج رادوو ..
اتسعت عينا هدى بقوة قبل أن تضيقهما بعتب ..
- أخخ .. طاح ويهي ..!! سبالوه اصلا انتي ما تسمعين شوه كنت أقول و الا ما سكتينيه ..
نظرت لها شيخة بنفاذ صبر ..
- لا ما أسمعج شوه كنتي تقولين ..؟
نظرت لها صديقتها شزرا و هي تقول ساخرة ..
- و ليش أقول ؟؟ خلينيه صاخة دقيقة أخيرليه ..
- اففففف .. بتقولين قولي ما بتقولين برايج ..
رفعت هدى حاجبها ..
- أقولج البارحة شفت بنت عمج .. هاييك الغاوية لي دوم أشوفها فبيتكم ..
شخرت شيخة باستهزاء ..
- هه .. منوه .. عوشوه ؟؟ صدق ما عندج سالفة .. وينها هاي و الغوى وين ؟؟
- خافي ربج و الله انها تخبّل .. المهم ما سألتينيه وين شفتاا و ويا منوه ..؟!
- وين شفتيها ؟؟
قالت هدى ببساطة ..
- في المول .. وياها خوها ..
توقفت شيخة عن المشي .. و توقفت هدى هي أيضا .. أخاها ؟؟!اجتاحتها موجة من احساس غريب لم تدري كنهه .. لم ينجب عمّها مطر قبل وفاة زوجته غير عوشة .. أي أخٍ هذا ..
شعرت بذعر خفيف مفكرة بأشياء تفسر هذا .. تبا لذلك .. لا .. لا يمكن أن تكون عوشة من ذاك النوع .. مدللة .. بل مفسدة بالدلال .. تافهة بأفكار سطحية .. و لكنها ليست منحطة .. انتبهت لهدى التي بدأت تنظر لها بغرابة ..
- بلاج ؟؟؟؟
هزت رأسها عاجزة عن الكلام و هي تواصل سيرها بصمت .. هدأت هدى لفترة .. قبل أن تهمس بها بحدّة مشيرة ..
- شيخان .. شوفي راية ..
خفق قلبها بعنف مع سماعها لاسمها .. ترفع عينيها المتلهفتين للبحث عنها .. لتقع عليها واقفة في مسافة ليست ببعيدة عنها .. تحيط بها صديقتين ..انتزعت حقيبة الحاسوب و هي تلقيها على هدى ..
- يودي أنا بزخعها الحين و غصبن عنها برمسها ..
كانت تشعر بقلبها يضرب بسرعة .. و أنفاسها المشتاقة تتسارع .. خطاها تتسابق الى حيث وقفت تلك الفتاة بهيئتها المميزة .. الآن .. أو أبدا ..!
حال وصولها لمكانهن رفعت عينيها لها ثم اتسعتا بصدمة ..
- هاي ..
ردن الفتيات معا و هن ينقلن أبصارهن بين راية وشيخة ..
- أهلين ..
سلّطت هي نظرتها على تلك الجالسة بتوتر و هي تلتف يمنة و يسره .. لا تدري ملا بدت لها خائفة في تلك اللحظة .. كان صوتها حازما و هي تقول ..
- راية لو سمحتي .. أبا أرمسج يمكن خمس دقايق ..؟؟
تجنبت راية النظر لها بتردد .. قبل أن تنهض و هي تقول بصوت منخفض ..
- يمكن ،،
سارت شيخة لمنعزل قريب تتبعها راية إلى هناك .. ما إن اختفين عن أعين الآخرين .. حتى استدارت شيخة بشوق و لهفة و هي تقول ..
- راية حبي .. و الله العظيم انه ما يخصنيه في منى لي شفتيه فهمتيه غلط .. بس كنت أربط خيط تنورتها من ورا .. أدريبها دوم تغايظج و انتي تغارين .. بس و الله انتي بس حبيبتي و روحي و حياتي .. رايه حرام عليج شهرين و انتي ما تردين ع تيلفوناتيه .. أحبج .. ماروم أعيش من دونج .. لا تحرمينيه منج دخيلج و الله انتي ظالمتنيه ..
كانت شيخة تقول هذه الكلمات بسرعة وسط دموعها التي سرعان ما انهمرت ،، دموع وجدت الطريق هنا ،،
.
.
تذهلني قذارة هذه العبرات ،،
لم تكن لتهطل حين آن الرثاء على روح راحلٍ فقدت الحق في بكاءه ..!
.
.
التقطت كف راية و هي تدنو منها أكثر ..
- حبيبتي .. و الله توبة .. ما بتشوفينيه ويا هاللوث منى مرة ثانية .. بس انتي رديليه .. أحس بالموت و انتي بعيدة عنيه ..
ذهلت حين انتزعت راية يدها و هي تضمها الى صدرها .. لاح الخوف على وجهها و هي تقول بصوت مهتز ..
- أنا هب زعلانة عسب منى و الا غيرها .. هالأشكال ما تهمنيه ..
بدا الضياع على وجه شيخة و هي تهمس بوله ..
- عيل ليش ..؟؟ ليش هاجرتنيه من شهرين .. دون سبب ..!!
نظرت لها راية و هي تتظاهر بالثبات .. الحقيقة أنها كانت خائفة من ردة فعلها .. فما الذي يمكن أن تفعله بعد أن تحطمها ..!! كان صوتها ضعيفا و هي تقول بقلق و تراقب وجه شيخة ..
- أبا أقطع علاقتي فيج .. أباج تنسينيه .. أنساج ..
بدت الصدمة جلية على وجه شيخة و هي تقول باستنكار ..
- شوووووه ؟؟ تخبلتي انتي ..؟؟
ارتجفت راية و هي تقول ..
- أنا بعرس ..

* * * * *

الله أكبر الله أكبر ،،
الله أكبر الله أكبر ،،
.
.
كانت أبواب السماء تُشرّع بذاك النداء على اتساعها ،، بعد أن غفت الشمس خلف حدود الأفق منذ ساعتين ..
التقطت دانة بعض أوعية العشاء و هي تقول لهند التي استلقت بجانب نايف و مزنة تحت التلفاز ..
- هند نشي شلي ويايه الصحون عسب نغسلها ..
نظرت لها هند بضجر و هي ترفض ..
- البارحة انا و نورة غسلنا ما يخصنيه خلي عفاري و الا مزنه يساعدونج ..
نظرت لها دانة بغضب ..
- عفاري تخم الخوش .. مزنوووه نشي شلي وياية و ساعدينيه ..
نظرت لها مزنة بعينين متسعتين ..
- أنا ما عرف أغسل .. و اذا شليت الصحون بيتكسرن ..!!
نفخت دانة بغل و هي تقول ..
- بيتكسرن هاا ..؟؟ ما عليه يا مزين .. انا بداويج ..
بدا الخوف على وجه مزنة و هي تشيح به .. قبل أن يفتح باب غرفة أمهم و تطل حور برأسها تنظر لنايف الذي لا يزال مستلقي تحت التلفاز ..
- نايف .. نش صل العشا .. عسب ترد و ترقد .. باكر دوام ..
عقد نايف جبينه بضيق و هو يزيد من غلظة صوته ..
- بصلي و بخطف ع حمّود ،،
نظرتله حور بحزم و هي تأمره ..
- لاحق عليه حمود باكر بتشوفه في المدرسة .. سير صل و رد بسرعة ..
أشاح بوجهه معترضا ..
- هب ع كيفج ..
اتسعت عيناها بذهول قبل أن تنفجر به غاضبة ..
- ولـــــــد .. تأدب .. عين خير و نش صل و رد البيت .. يا ويلك لو دريت انك سرت يمين و الا يسار ..
كانت لا تزال تقف بباب أمها و هي تضع يدها على خاصرتها .. قام نايف من مكانه طوعا .. و هو يتذمر .. تتبعه عيناها .. لا تدري لما يلجأ للتمرد هذه الأيام .. ما الذي جرى له يا ترى ..؟؟!
أصبح كثير الضجر و الاعتراض و المعاندة .. رغم هذا عليها أن تعالج الأمر بحكمة و صبر لا أن تنفجر في وجهه في كل مرّة ..
رأت نورة تحمل ثيابا مكوية لتختفي في الغرفة قبل أن تعود فتخرج بسرعة .. رأت حور لا تزال تقف في مكانها و الشرود يسكن ملامحها .. فلوحت بيدها أمام عينيها ..
- حووووه وين وصلنا ..
هز حور رأسها ..
- و لا مكان ..
- وينها المها ..
- تمسد أمايا ..تقدمت نورة لتجر مخدة فتسند رأسها عليها و هي تقول بتسلط ..
- مزنة نشي قولي لدانة تسوي جاهي ..
هزت مزنة رأسها و هي تنظر لحور باطمئنان ..
- ما يخصنيه .. هاذوه المطبخ سيري انتي قوليلها ..
نظرت لها نورة قبل أن تقول ..
- لا و الله .. أشوفج مستقوية الشيخة مزنة .. أقول نشي الحين لا تييج رفسة تكسر عظامج ..
نظرت لها حور ..
- ها لي قاصر بعد ..
زفرت نورة بحقد ..
- ما عليه يا بشكارتنا دواج عنديه يوم بستفرد بج .. و الله لداويج ..
ثم صاحت بصوتٍ عالٍ ..
- دانوووووووه .. سوي جاهي بنيلس في الحوش ..
صاحت دانة موافقة .. قبل أن تنظر نورة لحور ..
- بلاج واقفة ..
- بسير أصلي عسب نيلس رباعة .. مزنة .. هند .. صلن و أشوفكن في حجرة أمايا رقود .. تسمعن ..؟؟
تجاهلت أصوات التذمر الصادرة منهن و هي تدلف غرفتهن لتصلي بها ..
.
.
.
كانت دانة تسكب الشاي في الأكواب حين جلسن في - الحوش - بعد أن أوت مزنة و هند للفراش و لم يعد نايف من الصلاة بعد.. و هي تقول بهدوء ،،
- علومها فطوم .. مالها شوف هالأيام ..
أجابت حور التي كانت تمسح على شعر عفرا التي استلقت فوق بطانية و ضعتها تحتها و هي تسند رأسها على ركبة حور ..
- فريت على درشتهم حصى و قالت ان أمها ميهوده ..
هزت دانة رأسها ..و هي تناول المها كوبا من الشاي ..
- الله يعينها ..
سألت نورة دون مناسبة و هي تضم كوب الشاي الذي تصاعدت منه الأبخرة ..
- تعالي حور نسيتأسألج .. تعرفين وحدة اسمها .. حمدة حليمة صالح ..؟؟
عقدت حور جبينها مفكرة ..
- حليمة صالح ..؟؟؟! حليمة .. حليمة .. هب غريـ .... - ثم صاحت متذكرة - أوووووه حليمة صالح .. هيه هيه .. تذكرتاا .. كانت فدفعتيه .. ليش ..؟؟
هزت نورة كتفيها ..
- تشتغل عدنا سكرتيرة .. شافتنيه في الادارة مودية أوراق و يودتنيه .. تسألينيه اذا أقرب لج .. قلت ختيه ما تشوفين نفس الشيفة ..
ابتسمت حور ..
- عنلاتج .. انتي وين و أنا وين ..
قالت عفرا بخبث و هي تدير كوبها على الأرض ..
- شياب الثرا للثريا ..
عقدت نورة جبينها ..
- جب زين .. أن أحلى عن حور حمدي ربج انيه شبهتج بعمريه و الا انتي أصلا مستقبلج ضايع .. زين لي لقوا واحد يلصقونج فيه .. مسكين حاله هالولد العم ..
ضحكت دانة هي و نورة و عفرا .. فيما تقلب المها نظرها بينهن بهدوء ،،
لم تسمع ما يقال .. و لكن هذه الضحكات عنت شيء واحد ..
.. ها هم يعودون لسابق عهدهم ببطء ،،
قالت حور بغل ..
- جب زين .. يلصقونيه أونه .. يحمد ربّه و الا وين يطول ظفريه ؟؟!
لوحت نورة بيدها ساخرة ..
- هيه وين يطوله .. المهم ترانيه حذرتاا .. و قلت لو حصلتي كائنين بشريين في المدرسة نفس الديزاين لا تروعين هاييلا خواتيه بعد .. و........
بترت كلماتها و هي ترى نايف يدلف من الباب مسرعا .. وقع ناظره على أخواته اللوتي يجلسن في الحوش .. اقترب بسرعة قبل أن ينظر لحور باهتمام ..
- حور ..
- هاا حبيبي ..؟؟
ألقى بكلماته بسرعة ..
- ريلج يباج ..
فغرت فاهها و هي تنظر له دون أن تفهم ..
- شوه ..؟؟
أشار بيده بلهفة ..
- غيث ولد عميه علي .. في الميلس عدنا .. لقيته في المسيد ياي صوبنا و قربته .. قاليه سير ازقر حور ..
كانت حور مذهولة عاجزة عن الكلام و هي تحدق بوجه أخواتها .. دانة تحتضن وجهها بكفيّها بصدمة .. و عفرا اعتدلت جالسة فورا تنظر لوجه حور .. فيما ضحكت نورة بقوة .. المها تنقل بصرها جاهدة لفهم ما حمل نايف للتو .. كانت نورة تهتز بقوة ..
- ههههههههههههههه .. طريت الأقط قاي ينط .. لو طارين مليون ..
تجاهلتها حور و هي تشعر باللون يهرب من وجهها .. و عينيها الجاحظتين تتسعان بتوتر ..
- هذا شوه يايبنه .. شوه يبا ..؟؟!!
عفرا تضع أناملها على شفتيها و هي ترد بتفكير ..
- أكيد عسب سالفة أخوه لي كل يوم و الثاني و انتي رايغتنيه ..
وضعت حور يدها على صدرها بجزع .. لا تدري لما دب القلق في روحها .. لماذا تتوتر .. هل هي خائفة منه ..؟؟ هل تشعر بأنها تمادت في صد محاولاتهم لتقديم المساعدة .. أم كل هذا لأنها كانت قد اصطدمت بقسوته ذات صدفة ..!
نفضت كل هذا من ذهنها .. و هي تشد من عزيمتها تنظر لعيون اخوتها المتعلقة بوجهها و هي ترفع رأسها بكبرياء .. لن يخيفها هذا الرجل .. و سترد عليه كما ردّت على أخيه مسبقا .. لا حق لهم أبدا في التدخل أو ادعاء القربى . اكتفوا من هجرهم طوال تلك السنوات .. نهضت من مكانها و هي تشعر بارتجاف قدميها لتختفي بالداخل لدقائق قبل أن تخرج و هي تحمل غطاء رأسها .. أمرت نايف بحزم ..
- أنا بظهر له .. سير ارقد باكر دوام ..
شعرت بانها تريد أن تتظاهر بأنها لا تخشى شيئا .. و أنها تسيطر على الأمور .. نظرن لها أخواتها بحذر قبل أن تقول دانة بحذر ..
- تبينيه أيي وياج ..
ابتلعت حور ريقها و هي تقول ..
- ما يحتاي .. أنا بدبره .. دقايق و برد ..
و توجهت نحو المجلس .. شعرت بالمسافة قريبة جدا .. توقفت لبرهة عند الباب و هي تلف غطاء رأسها بإحكام .. فكرت بأن ترده على وجهها كما اعتادت .. لكنها شعرت بسخافة الفكرة .. سيسخر منها حتما أو سيقدم على حركة كريهه كما فعل مسبقا .. سحبت نفسا عميقا و تبعد ذكرى تلك المواجهه .. الحقيقة انها لا تذكر لقاءهما في ذاك اليوم المشؤوم .. كل شيء استحال في ذهنها إلى ضباب لا ينقشع ..
شدت قبضتيها و هي تحاول خنق نبضات قلبها المذعورة .. راحت تدفع قدميها دفعا للدخول الى المجلس .. حال وقوفها بالباب كافحت بشدّة رغبة تدفعها للهرب للداخل .. و هي تراه يجلس أمامها مسترخيا و جسده الطويل يقابلها مشغول بشيء ما في يده .. شعرت بأن الكلمات لا تخرج من حلقها و هي ترفع يدها لتطرق الباب .. و صوتها الهامس بالكاد يسمع ..
- السلام عليكم ..
غبية .. حمقاء .. لماذا ارتعش صوتها هكذا
هل لاحظ كم بدت ضعيفة و متوترة يا ترى ؟؟..
رفع وجهه اليها و عينيه تضيقان بحدة و هو يسلط نظرة متمهلة عليها .. بدا و كأنه يقيّمها ببطء و ابتسامه غريبة تناوش شفتيه و هو يقول يرد ببرود ..
- و عليكم السلام ..
سرت رعشة على طول ظهرها و هي ترى انعكاس الصقيع في عينيه .. لم ترد أن تهزّها هذه النظرة فظلت تقف داخل المجلس قرب الباب .. و هي ترفع أنفها بعنفوان تخفي رعشة يديها و تعقدهما على صدرها .. لا تدري لما هابها مرآه هكذا .. ابتلعت ريقها و و ي تحاول أن تخرج صوتها قويا غير مهتز ..
- نعم ..؟؟.. خير ان شا الله ..؟؟
.
.
يمعن النظر إليها و عيناه المتكاسلتين تجولان على وجهها .. لن يغفل رجفة يديها و لا اضطراب أنفاسها .. لماذا تتظاهر بالقوة في حين ترتعد خوفا ..
أشار برأسه آمرا ..
- يلسي ..
رفت أهدابها بتوتر .. قبل أن تقول بسرعة ..
- ما يحتاي انته ما بتطول .. قول لي عندك و اظهر ..
شعر بظهره بتصلب بقوة .. و عيناه تقسوان و هما ترتكزان على وجهها ..
حسنا حسنا .. ها هي القطة الصغيرة تبرز مخالبها .. فليفسح لها مجالا لمحاولة خدشه قبل تقليم أناملها اللطيفة ..
لم تخبو ابتسامته الجليدية و هو يقول بصوت متسلط ..
- ليش رديتي الأغراض لي مطرشينها لكم .. ؟؟
كان ردّها فوريا و كأنما رددت الكلام مرارا و تكرارا و حفظته عن ظهر قلب ..
- لنا ما نبا شي منكم .. الله يغنينا .. نحن هب في حايتكم .. لو عندك غير هالسالفة قولاه .. و الا توكل على الله ..
احساس بأنها تدوس على لغم سيطر على شعورها و هي ترى وجهه يشتد قسوة .. نفضت الخوف عنها و هي تراه ينهض ببطء من مكانه .. أرعبها مرآه بهذا القرب و جسده الطويل المديد يقترب ببطء .. بدا أن حضوره يملأ المكان .. فبدا المجلس ضيقا كما لم يكن قبلا .. كان يشرف عليها و هي تقاوم كي لا تفر من المكان .. لا زالت تشمخ بأنفها و قلبها يخفق في عنقها بعنف ..
تبا .. لماذا يبدو مخيفا هكذا ..!!!!!
كان صوته هادئا خطرا و هو يسألها بنعومة خطرة ..
- شوه ؟؟! تروغينيه ..!
ارتجفت حور و هي تشد يديها المقودتين .. تحاول أن لا تشيح بوجهها .. ارتجف صوتها رغما عنها و هي تقول ..
- اسمع .. أنا قلت لي عنديه .. نحن ما نبا شي منكم .. و ما نبا علاقة بكم ..- ابتلعت ريقها قبل أن تندفع و تقول بسرعة و صوتها يرتفع - نحن ما شفنا حد منكم طول حياتنا .. الحين بس تذكرتوا .. خلوكم ناسين الين ما نموت ما شي بيظركم .. أصـ ..
بترت كلماتها و هي تشهق بقوة حين مد يده فجأة ليقبض على مؤخرة عنقها ..ارتعشت و هي ترى عيناه تضيقان بقسوة .. بدت مخيفتين في تلك اللحظة و هي تحاول تحريك رأسها يمنة و يسرة لتنفلت من قبضته .. أحنى رأسه و هو يقول بصوت منخفض أخافها ..
- لا .. لا .. وين الأدب .. يوم بترمسين ويايه ما ترفعين حسج تسمعين ..؟!
ابتلعت ريقها دون أن تجيب تحاول جاهدة الاحتفاظ ببقايا قوتها قبل أن تنهار تحت ضغط يده بارتياع .. مد يده الأخرى بتسلط و هو يسحب غطاء رأسها و هي تتشبث به بقوة تحاول التمسك ببقايا شيء من درعها هذا .. و هي تغمض عينيها رغما عنها .. و ترفض بصوت مرتفع ..
- لااا ..
و لكنه كان قد انتزع غطاء شعرها و هو يلف في يده و ينتصب في وقفته ..
- و شعرج مرة ثانية لا تغطينه عنديه ..
رفعت يدها تغطي شعرها بيدها و كأنما تسعى لستره و خصلات خائنة تنزلق على جبينها و جانب وجهها.. شعرت بألم يوخز روحها .. لا تدري لما راودها احساس بأنها جرّدت من كرامتها بهذا الشكل المهين ..
أخفضت بصرها حين شعرت بدموع مذلة تملأ مقلتها .. و صوته الرجولي الغليظ يتدفق لمسمعها ..
- باكر بطرش السامان مرة ثانية و لو رديتيه ما بتلومين الا نفسج .. من اليوم و رايح أي شي ييكم من صوبنا تشلينه .. و بنفتح لكم حساب و بتييج البطاقة عسب لو قصر عليكم شي يكون عندكم لي يسد حايتكم ..
لم يكن يطلب رأيها و لم يكن يطلب منها .. كان يأمرها ..!!
عاد يقول بشيء من البرود ..
- هالشي بتم الين ما تخلص أمج العدة عقب أربع شهور .. خلاف بتنتقلون البيت العود .. و بتسكنون هناك ..
همست دون ادراك ..
- البيت العود ..؟
رفع حاجبه بتحدي ..
- بيت ابويه سيف ..
تدلى فكّها بصدمة و عيناها تتسعان .. لا .. لا يمكن أن تصل الأمور إلى هذا .. شدت قبضتها لصدرها .. و هي تقول بغيظ ..
- و منوه قال لك اننا نبا نعيش وياكم ..
ابتسم بسخرية .. ما بال هذه الطفلة الغبية لا تنفك تصارعه على ما لا حيلة لها فيه ..!
- و منوه قال لج انيه أخيرج ..؟؟
شمخت برأسها و هي تستجمع ما تبقى من قوة في نفسها و تقول ..
- نحن ما بنسير مكان و ما بنشبر من بيتنا .. هذا بيت ابويه الله يرحمه .. ما بنودره ..
نظر لها و كأنما لا يجد معنى لما تقول ..
- لا يا حلوة بتودرونه ..
تمنت لو أنها تحمل حجرا لقذفتها على رأسه المتعجرف .. صاحت بانفعال ..
- هب ع كيفج ..
التفت لها بهدوء أخافها ..
- أنا ما قلت لج لا ترفعين حسج ..؟!
ارتاعت من نبرته و هي تعود خطوة للوراء .. و لكنه أمسك بذراعها بقوة .. و هو يسأل بصوتٍ منخفض ..
- اذا هب ع كيفيه . ع كيف منوه عيل ..؟؟ نسيتي انيه ريلج .. أروم الحين أشلج بيتي و انتي ساكته و محد بيقوليه شي .. شوه بتسوين عقب .. منوه بيتم ويا خوانج و أمج ..؟؟
كان هذا تهديدا سافرا .. الحقير .. جرت ذراعها من قبضته .. لماذا يجد حرية في لمسها هذا الكريه .. لا حق له في رؤيتها ..
لا حق ..!!
رغم كل هذا راحت تكابد رعبا اجتاحها .. و هي تقول بصوت خائف ..
- ما تروم ..
مال برأسه ببرود ..
- جربيني ..
ابتلعت ريقها .. تشعر بأنها محاصرة .. يائسة ..
و مذعورة ..
- نحن ما نريد نعيش وياكم ..
نظر لها بهدوء ..
- بس بتعيشون ويانا ..
نظرت له بتحدي و هي تكشف الورقة الأخيرة ..
- أمايا ما بتخلص العدة عقب أربع شهور .. أميه حامل عدتاا الين ما تربي يعني تقريبا 7 شهور ..
الآن تشعر بانتصار خفيف و الدهشة تغزو محياه لبرهة قبل أن يقسو من جديد و هو يسأل ..
- حامل ..؟؟!!
- هيه ..
نظر لها متمعنا للحظات قبل أن يقول بابتسامة غريبة ..
- و شوه عليه .. نرقبها تخلص العدة عقب 7 شهور..
شعرت بضيق يكتنف صدرها .. و اختناق شديد .. راحت تبلع عبرتها بتخاذل و هو يقول بتعالي ..
- المهم .. أنا ييت و لي عنديه قلته .. مابا عيدها الرمسة لي ياج لا تردينه .. تسمعين ..
ماذا تقول ..؟؟!
عاد يسأل بقسوة و صوته يرتفع ..
- تعسمعين و الا لا ..
همست بصوتٍ ضعيف ..
- أسمع ..
مد يده الكبيرة ليلتقط خصلة من شعرها انفلتت بين أصابعه الطويلة .. لتبعد رأسها بسرعة قبل أن يشدها دون اكتراث .. فتأوهت متألمة .. قبل أن يبتسم برضا و هو يقول ..
- و تيلفونج بطليه .. ماريد أتصل و ألقاه مبند ..
.
.
خرج تاركا اياها واقفة للحظات قبل أن تجلس على الأرض .. حين لم تعد قدماها تقويان الوقوف ..
قلبها يخفق بعنف و دموعها تتزاحم على شفير المقلة بيأس ،، شعرت بالأنفاس لا تصل لرئتها و وحزن رهيب يكتسحها ..
.
.
رباه ..
ماذا كان هذا ..؟!!
ما الذي حدث للتو ..!


  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 27
قديم(ـة) 23-12-2008, 04:10 PM
صورة angel jolly الرمزية
angel jolly angel jolly غير متصل
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: خطوات تغفو على عتبات الرحيل(رائعة الكاتبه ليتني غريبه)


الخطـــــــــــــــوة السابعــــــــــــــــــة ◄

║.. خطوات أضناها المسير ..! ║

ضوء ضئيل يتسرب من بين الستائر ليكشف عن جسدها الذي تكور فوق أريكتها الوثيرة .. و هو يهتز ..
توقفت عن الانتحاب ،، و أصبحت دموعها تسيل بصمتٍ الآن ..
وقع خطوات يقترب من غرفتها قبل أن تتعالى صوت الطرقات على الباب .. يتبعها صوت أمها مناديا ..
- شيخة .. شيخة .. ما تبين غدى يا أميه ..
ازدادت دموعها بالانهمار .. لا تريد الغداء .. تريد أن تموت ..
صوت أمها يعود للنداء مجددا و هي تهوي بقبضتها على الباب بلا رحمة ظنا منها أنها نائمة ..
- شيخة .. شيخة ..
مدت ظاهر كفٍ مرتجفة تمسح شيئا من الدموع التي شقّت طريقا على وجنتيها .. و هي ترفع صوتها المبحوح ..
- ماااباااا الغداا .. أبا أرقد ..
صمت تبع كلماتها .. إذا ذهبت ..!
استوت جالسة في مكانها و هي تضم ركبتيها .. تشعر بأنها محطمة .. لقد أحبتها من كل قلبها .. عشقت وجودها في حياتها .. أمضت ثلاث سنوات معها .. تعيش كل لحظاتها .. كي تأتي تلك الحقيرة الصغيرة .. تلك الخائنة القذرة .. لتقول ببساطة أنها لم تعد تحبها و تنوي الزواج .. اشتدت قبضتها مع انهيار دموعها ..
لماذا ..؟! ما الخطأ الذي ارتكبته لتستحق مثل هذا الألم ..؟ لم تقم بخيانتها قط .. لماذا إذا جازتها بهذا الفعل ..
انهارت أنفاسها و هي تنشج بقوة .. لا تستطيع أن توقف التفكير بالأمر .. تريد إيجاد سبب واحد لما حدث ..
هبت واقفة من مكانها و هي تمشي ببطء شديد كالميتة ،، تصل لطاولة الزينة العملاقة ..
لتفتح درجها بعينين لا ترى .. و الغرفة الكبيرة لا تزال غارقة بالسواد .. تجد غايتها المنشودة لتلتقطها بيد و هي تفلت شعرها باليد الأخرى قبل أن تجره بقسوة .. و عبراتها تتدفق بعذاب .. صوت اصطكاك الحديد الخافت يصل لمسامعها و هي تشعر بالخصلات تنزلق من بين يديها ..
تتهاوى من علو ،، بلا إحساس ..
.
.
كما تفعل هي الآن ..!

* * * * *

- ضاقت يا فاطمة ..!
قالتها تعلن اليأس و قد أسقطت يدها .. مر أسبوع مذ التقته و أفجعها بالحكم الذي أصدر على عائلتها .. و من يومها تخنق هذا الخبر في طيات نفسها .. لم تجد الشجاعة بعد لإعلامهم بالأمر ..
لا تعلم سبب جبنها .. هل هو خوف من أن يوجعهم الخبر كما أوجعها .. أم أنها تخشى خيبة في حماس قد يبدوه نحو أولئك الغرباء ..؟!
لم يبد على أحدهم الرفض حين أتت ابنتهم إلى هنا باستثنائها .. زفرت باختناق و هي تشعر بحدود الكون تتقلص في عينها لم تبدو أبعد من جدار بيتهم هذا و هي تجلس في - الحوش - .. قبل أن تمد فاطمة لتشد على يدها و هي تقول بصلابة ..
- ما ضاقت إلا و فرجت يا حور ..
همست حور ببؤس و هي ترفع نظرها للسماء الصافية ،،
- وينه الفرج ؟؟ كل ما قلت هانت تعاندنيه همومي .. المشكلة انيه ما رمت الين الحين أخبرهم عن شي .. مادري شوه بتكون ردة فعلهم ؟؟ ما يسدهم لي صار ببويه ..! و الله ماروم أقولهم انه عقب ما تربي امايا حسبوا حسابكم بنظهر من البيت لبيت يدكم لي ما قد شفناه ..!ها كله كوم و العله لي يقال له ريلي كوم .. تخيلي الحين غصب كل ما طرشوا شي أخلي هنديهم و الا خوهم ها لي قد رغته يدخلونها ..
عقدت فاطمة جبينها بعدم فهم ..
- أنا مادري ليش انتي خايفة منه ..!!
هزت حور رأسها بقلة حيلة ..
- لنج ما شفتيه و ما قد جربتي تتعاملين وياه .. هذا بس نظراته يوم يطالع روعتنيه .. غير اسلوبه في الكلام .. ما تقولين غير بشكارة أبوه .. يتحكم و يتأمر ع كيفه .. لو غيره كان وقفته عند حدّه .. بس هذا غير و الله انه خوفنيه .. خص يوم قال انه بيشلنيه و محد بيقول له شي .. حسيت انيه انشليت يا فاطمة ..!
ابتسمت فاطمة تطمئنها ..
- و ليش تتروعين ..؟؟ مالت عليج صدق انج مقصة ..! يشلج أونه .. شوه ما وراج ولي و لا والي ..؟؟
صمتت حور لثوانٍ قبل أن تسأل بصوتٍ ضعيف ..
- وينه الولي يا فاطمة ..؟؟
عقدت فاطمة جبينها تتحدها ضعفها ..
- و قوم خالكم أم مايد وين سارو ..؟؟
ابتسم حور بمرارة ،،
- خليها ع ربج .. و الا وين يرومون عميه بو مايد و عياله يحطون راسهم براس هاييلا .. ؟؟ نسيتي هم أعمامنا و ع قولتهم الأولى بنا .. و بعدين أنا ماخذة واحد منهم .. يختي هاييلا مستحيل شي يردهم .. و الا سنين فارين خوهم و هب ناشدين عنه .. لا تنسين انه مايد يشتغل عندهم ..!
عم السكون بعد كلماتها هذه للحظات طالت .. قبل أن تقول فاطمة بحذر ..
- حور ما تلاحظين انج ماخذة موقف منهم ..؟ يعني يمكن نيتهم سليمة و نادمين ع لي استوا و يبون يعوضونكم عن القطاعة عقب عين أبوج ..؟!
التفتت لها حور بجمود .. و صوتها يستنكر ..
- نادمين ...؟؟!!! يختي أولا شوفي حركة العزا .. في ذمتج هاييلا نادمين ..! عنبوه ما حشمو أمايا و لا ظروفهاا .. شوفي ولدهم لي ياي يتعنطز عليناا .. انزين وينهم الأعمام ..؟؟ ما شفنا حد منهم من يوم ما توفى أبويه .. وينه هاليد لي ما نعرفه ..
هزت رأسها ببطء رافضة .. و يقينٌ عميق حفر على وجهها و هي تقول بقوة ،،
- كل شي .. كل شي يا فاطمة بتوقعه الا انهم يكونون نادمين ..!

* * * * *
يجد نفسه عاجزا الآن ،، لا حيلة بيده .. لا يمكنه الاقتراب منها بسهولة ليواسيها .. ليحوي حزنها هذا الذي حفر في محجري العين ..
ليمكنه إيقاف تلك الدموع الجامدة في مقلتها .. لا يمكنه أن يعيد الأيام إلى الوراء ليصحح خطأ سلبها الحياة ..
لم يعد للروح انعكاس في عينها ..! بدت كالميتة .. جسد تحركه الحاجة للاستمرار بالعيش ..
مخطئ .. بل هي الرغبة في الانحدار إلى النهاية .. ليحتضن التراب جسدها كما فعل مسبقا مع ابنها .. عندها ستكون في عالمه على الأقل .. لهما المصير نفسه ..
و لكن الآن ..
و هي تجلس هنا .. عيناها الشاردتين تنظران للأمام دون اهتمام لما ترى .. و لم يعد للحياة بريق ضئيل فيهما ..
وجهها الشاحب لا يعلوه أي تعبير و كأنما لا تراه هنا .. أو لا تريد أن تراه ..؟؟!
لم يكن هذا كله مهما .. المهم هو ذاك الوجع القاتل في روحه قبل روحها .. هو ذاك النصل الذي راح ينحر الروح ببطء مقيت ..
الألم الذي يسكنه أكبر من ألمها .. مات راضٍ عنها و راضية عليه .. و رحل و هو غاضب عليه بعد أن نفاه ..
بعد أن انتزعه من هنا .. من بين أهله .. أمه .. إخوته .. بعد أن حرمه العيش بينهم .. حتى بعد أن فعل ما أراد ..!
كان موته الآن .. دون أن يجد الوقت ليصفي حسابهما .. ليسامحه .. ليغفر كل منهما للآخر ..
دون أن يجد الوقت ليعيده إليه ..
دون أن يمهله الزمن حتى يلتقيه مرة أخيرة .. ليفرغ ما في قلبه .. كم يتمنى لو يعود الزمان للوراء .. ليخمد هذا اللهيب الذي راح يلتهم كل إحساس بالحياة داخله .. ليروي هذا الظمأ الخبيث الذي راح يزداد بعد فقدانه له ..
.
.
لكن الزمن لن يعود ،، و تلك الأفكار السخيفة لن تفعل شيئا ..
ها هي زوجته هنا جسدا و الروح حملها ابنها الميت معه .. و ها هو الحزن يذبحهما ببطء .. هو حسرة .. ندم ..
و هي شوق و حنين للقاء ببارئها و بابنها البعيد ..
فلم تعد تريد من الدنيا سوى فراقها .. لتجد خلف حدود عالم الأحياء مبتغاها ..
أما الآن .. فبينهما برزخ لا يلتقيان .. كان حيّا على الأقل .. و تؤمن بان الأقدار قد تحمل في جعبتها لقاء سيعيدها حيّة ..
سيبثها الروح بعد أن قضت سنوات تتجرع كؤوس الانتظار المرّة بصبر لا ينتهي ..
الآن لم يعد هنا ..
رحل ابنها .. و رحل الصبر .. و رحلت هي أيضا رغم جسدها هذا ..
.
.
كل هذه الخواطر بلا معنى ..
كل هذا الندم لن يفيد ..
هذا الوجع سيستمر أبدا حتى يرحل هو بدوره ..
سيظل متوقدا بلهيب لا يخب ..

وقفن بالباب دون حراك يراقبن الموقف أمامهن .. كن قد وصلن للتو من المدرسة حين وجدن حور ممسكة بنايف في الصالة و مشادة حادة بينهما .. دانة و تعبير غريب يعلو وجهها تتجاهل الأمر و هي تتوجه لغرفتهن فيما ظلت عفرا و نورة واقفات بالباب يتابعن ما يجري ،، حور تهز نايف بعصبية و هي تصيح ..
- شوه سويت ارمس ..
نايف و صوته يعلو على حور تحت نظرات الدهشة من أخواته ..
- أقولج ماااسويت شي ما تسمعين ..
لكن حور لم تهدأ ..
- شوووه ما سويت شي .. و هالاستدعاء ان شا الله ..؟؟ ليش طالبين ولي أمرك ..؟
أشاح بوجهه و هو يرفع رأسه .. قامت حور بضربه بالورقة على كتفه ..
- ارمس يا الله ..
صاح بوجهها بقوة ..
- ما برمس .. تسمعين .. طالبين ولي أمري .. و انتي هب ولي أمري ..
تهدج صوته و هو يسحب الورقة بعنف من يدها و يشقها لنصفين .. و دموعه ترتجف على حدود الهدب ..
- و لي أمري مااااات ..
ثم ركض للخارج تحت صدمتهن .. وضعت حور يدها على رأسها بذهول ... يا الهي .. ما الذي دهاه ..؟؟ أو بالأحرى ما الذي دهاها .. ؟؟ كيف أصبحت بهذه العصبية .. التفكير يوترها و أصبحت تجد في إخوتها و المشاكل متنفسا لضيقها .. أغمضت عينيها و هي تسحب نفسا مرتجفا .. تشعر بدموعها قريبة .. أين ذهب الآن أخوها .. الوقت ظهرا و الحرارة في أوجها .. لم يتناول الغداء حتى ..!شعرت بيد توضع على كتفها .. فتحت عينها لتجد عفرا و نورة قد اقتربن منها .. لتقول الأخيرة ..
- لا تضيقين صدرج يا حور .. نايف ياهل ..
قالت حور بألم ..
- أنا هب زعلانه منه .. زعلانه عليه و على حاله لي انقلب من يوم ما اتوفى ابويه .. غادي متمرد .. ما يبى يسمع شور لحد ..! مادري شوه مشكلته ..مادري ،،
شدت عفرا على كتفها بهدوء ..
- ما عليج أكيد متأزم شوي لنه كان متعود روحاته كلها و يياته ويا أبويه .. و كان الله يرحمه دوم ما يخليه ييلس ويا البنات وايد .. أكيد الحين متضايق لنه يشوف البيت كله بنات ..
ثم همست ..
- بس انتي بعد .. خفي الدوس عليه .. وايد غادية عصبية وياه .. كله صريخ و ظرابه .. ترى الصوت بالصوت ما بيحل شي .. قدري انه الولد يمر بمرحلة حرجة الحين ..
هزت حور رأسها بيأس ..
- أقدر و الله أقدر .. بس هو هب ياي ويايه لا بالشدة و لا باللين .. مادري شوه الحل وياه .. الحين يايبليه ورقة استدعاء ولي أمر من المدرسة عسب مشكلة مسونها هناك .. و ما طاع يقوليه شوه مستوي .. !!
أمسكت بجانب رأسها و هي تشعر بصراع شديد .. أكان صراع .. أم صداع .. لم تعد تدري .. كل ما ترغب به في هذه اللحظات الكريهة هو أن تأوي لفراشها و تتدثر لتنام حتى تتغير الأمور أو تعود لنصابها ...!
- سيرن بدلن .. أنا بحط الغدا و أزقر أمايا و البنات ..
.
.
دلفن للغرفة لتقع عين عفرا على دانة التي كانت تجلس على فراشها و شرود حزين يعلو وجهها .. رمت حقيبتها و راحت تخلع عبائتها و هي تسأل بهدوء ،،
- بلاج ..؟؟

رفعت دانة نظرها و هي تقول بصوت غريب ..
- وايد أشياء تغيرت ..!
تجنبت عفرا النظر اليها فيما توقفت نورة عن إخراج ثوبٍ لها و هي تنصت لدانة .. سألت عفرا مجددا و هي تدير لها ظهرها ..
- مثل ..؟؟
هزت دانة ..
- عصبية حور .. نايف ما كان يطول لسانه و لا يرفع صوته كذيه .. المها كله الحين تيلس عند أمايا .. !!
لم ترد أي منهما على ما تقول .. و ساد صمت صاخب في الغرفة .. لا يقطعه سوى حركتهن فيها ،،
و دانة تحني رأسها ببؤس .. ما لم تشر إليه حقيقة هو تلك الغصة التي تخنقها الآن ..
ذاك الحقير أصبح يتبعهن أيضا لباب البيت .. لم يعد خوفه من أبيهن يمنعه الآن ..!

* * * * *

ابتسمت أمه بحنان شديد و هي تمد يدها بفنجان قهوة .. كان لا يزال يرتدي الملابس الرسمية للشرطة .. و فضل الجلوس معها قبل أن يذهب ليرتاح قليلا .. التقط الفنجان بهدوء و قد بدا عليه التفكير العميق ..
اصبح كثير الشرود و التفكير هذه الأيام ..!
لا يلومنه أحد .. فقد تأخر غيث كثيرا بالرد عليه .. ها هو شهر قد مر مذ أخبره عن رغبته في التقدم لخطبة أخته .. و لكنه لم يرد له جوابا حتى الآن .. !
تنهد بصبر ،، لن يتصله به الآن .. لن يعجزه صبرا .. ما زال الوقت مبكرا على كل حال .. فلم يمر على موت عمه بعد سوى شهر ..!
.
.
- حوووه ،، الحبيب .. وين وصلت ؟؟!
رفع رأسه متفاجئا ليجد أن أخويه يجلسان امامه ،، لم يشعر بهما حتى صاح به هزاع .. الذي تابع هازئا ..
- سلمنا.. و يلسنا و تقهوينا و قلنا قصة حياتنا و انت سرحان .. - ثم غمز بعينه يقول بخبث - لي ماخذه عقلك ..
اهتز الفنجان في يده بارتباك ،، شعر بالذنب الشديد و لا يدري سبب هذا الإحساس .. رفع هزّاع حاجبه بعجب .. و أيقن أنه أصاب سهما في الظلام ..!
لم يشأ أن يحرج أخاه الأكبر لذلك استدار لأمه ..
- يوم الخميس أنا بسير ويا الربع كشته .. و بنتم هناك الين الأحد ،،
رد سيف فورا ..
- كشته وين ..؟ و منوه هالربع ..؟
ابتسم هزاع بمكر .. يبدو أن سيف قد سيطر على الأمر لذلك أجاب ببساطة ،،
- ربعيه لي تعرفهم .. قوم مطر ،، و أحمد طبعا ويانا .. بنسير الشمالية ..
نظر له سيف متمعنا بصمت و بدا أنه يريد قول شيئا و لكنه تراجع أخيرا يلتفت لحارب متسائلا ،،
- كم باقي لكم ع امتحانات آخر السنة ..؟؟
وضع حارب كوب الماء يرفع رأسه لأعلى ..
- باااااقي .. آآممم .. تقريبا شهر و اسبوعين .. الحين يدربوناا ع السيبا ..
تذمر هزاع ..
- يدربونكم ..!! حليلكم و الله .. نحن كانوا يفروناا في قاعات و ما ندري وين الله حاطنا .. كل مدارس العين يلخبطون أسامي طلابها .. و تلقى عمرك اروحك في هالقاعة محد من أخوياك قريب يغشش !! و يحطون دفتر ما تعرف كوعك من بوعك فيه .. حد من الشباب يكتب في الدفتر .. و آخر شي يقولون هذا للأسئلة بس و الحل في الثانية أم دواير ..
ضحك حارب و هو يغمز بعينه لأمه التي كانت تستمع لهم بحب ..
- احلف انك هب الثور لي حليت في ورقة الأسئلة ؟
نظر له هزاع شزرا ..
- تخسي .. انا كنت يالس و ما عنديه وقت في القاعة .. كل ما ييت أبا أحل .. حد دزنيه و الا فر عليه ورقه .. قلم .. جوتي مرات عادي تصير تراها - ثم أخفض صوته مقلدا- هزاع .. هزاع .. غششنيه ..غششنيه ..
- رب ما غششت المساكين ..؟؟ أنا أقول نسبة الرسوب في السيبا مرتفعة في دفعتك ..
رفع هزاع حاجبه ..
- احلف و الله - ثم التفت لسيف الذي عاد للشرود مجددا - لا لا .. يا خويه .. حالتك صعبة و الله .. مالها إلا حل واحد ..
و التفت لحارب بخبث و قد رفع سيف رأسه بهدوء .. ليتابع هزّاع بضحكة ..
- العرس ،،
احمر وجه سيف فورا و هو يقول بحنق ،،
- جب ..

* * * * *

لا يزال أمامه نصف ساعة أخرى قبل انتهاء دوامه .. لذلك تراجع إلى الخلف قليلا عن مكتب الاستقبال الرخامي الأملس و هو يلصق الهاتف في أذنه ،، و يجيبها مطمئنا ،،
- خلاص و لا يهمج ,, أنا برتب أموريه مع حد من لي هنيه عسب أتـأخر باكر و أسير وياه المدرسة .. ما قال لج شوه مسوي ..؟؟
صوتها يصله عبر الهاتف مهتزا ،،
- لا ما قال يا مايد .. نايف هب لولي .. هاي أول مرة ييب استدعاء و الا يكون عنده مشاكل تعرفه هو من الأوائل ..! و دومه شاطر .. بس الحين غير ..
تهدُّج صوتها كان واضحا ..
- من عقب عين ابويه .. و هو ما يمسك الكتاب و غادي أذيه .. و ما يحشم حد .. مادري شوه لي قلب حاله ..!
شعر بقلبه ينغزه من النبرة الكسيرة التي لمسها في صوتها .. بدت عرضة للانهيار أمام ما يواجهها من ضغوط .. أين لفتاة مثلها يلقى على عاتقها بحملٍ مثل هذا مقاومة ..
- ما عليج منه .. أنا أول ما شوفه برمسه .. الحين انتي دوم مبطله تيلفونج ..؟؟
- هيه ،،
اعتذر منها ،،
- أدري انيه مبطي ما ييتكم .. بس الدوام كراف هالايام و أمايا طايحة من هالحمى لي ما ترحم العرب .. أول ما أحصل فرصة بسير عليكم .. اما عن باكر فخليه في البيت يرقبنيه و أنا بخطف عليه أوديه المدرسة و أشوف سالفة الاستدعاء .. انتي بس لا تستهمين ..
.
.
لحظات صمت مطبق قبل أن يأتيه صوتها الهامس بامتنان ،،
- مشكور يا خوي ..
و أيقن أنها تقاوم دموعها ..!

* * * * *

تأكدت من أن الغطاء يلتف جيدا حول رأسها و هي تنزل الدرج العملاق الذي توسط ردهة البيت الرئيسية ترفل في ثوبها الناعم الذي لم يكن يعكس شيئا من حقيقتها أو ما تشعر .. اقتربت ببطء حيث تعالت الأصوات لتجدهم يجلسون جميعا جنبا إلى جنب .. صمتوا حال وصول و هي تسلم بهدوء ..
- السلام عليكم ،،
رد الجميع سلامها و هي تواري وجهها .. تمنت من قلبها أن لا يلاحظ أحدهم احمرار عينيها و انتفاخها .. توجهت رأسا نحو أخاها الأكبر الذي توسط الجلسة بجانب أبيهم .. مر ما يقارب الأسبوعين مذ رأته آخر مرة ..!!
رغم تغيبه عن البيت و حضوره النادر .. إلا أن رهبة تسكنها حالما تقع عينها عليه أو تجلس بوجوده .. تشعر بأنه قد يفضح بعينيه الحادتين شيئا تخفيه ..!
سلّمت عليه بارتباك و جلست بجانب روضة التي تجلس جواره .. رفعت عينها لهم لتصطدم بوجه أباها الذي اعتلاه العتب و هي يقول بابتسامة ..
-أفاا .. السلام لغيث بس ..؟؟!
قفزت من مكانها بتوتر ,, و هي تقترب لتسلم على والدها .. شعرت بالغباء .. لا تدري لما يخالجها الذنب الآن و يدفعها للارتباك ..! تأكدت و هي تعود لمكانها بأن الغطاء ثابت حول رأسها .. آخر ما تريده أن تفجعهم جميعا دفعة واحدة ..!
نظرت لأباها الذي وجه لها الحديث مباشرة و روضة تناولها فنجانا من القهوة ..
- شحالها شيختنا ..
ابتلعت ريقها و هي تتمالك نفسها بابتسامة و تتجاهل حامد الذي شخر ساخرا و همس بشيء ما ..
- بخير فديتك .. شحالك ابويه ..؟
- بخير يعلج الخير ..
نظر لها أخوها الأكبر و صوته الرجولي يرسل الرعشة في أطرافها .. تعلم جيدا أنه سيقتلها إن رأى مظهرها ذاك ..
- شحالج شيخة .. و شوه الدراسة وياج ؟؟
سددت نظرها لصدره متجنبة عينه الثاقبة .. و هي ترد ..
- الحمد الله .. و الدراسة زينة ..
رفع أحمد رأسه من وعاء الطعام الذي كان مستغرقا في الأكل منه و هو يلقي عليها نظرة ساخرة ..
- ما شا الله .. شوه أخت شيخة .. أسلمتي ..!!
ألقى عليه غيث نظرة صارمة ألجمته .. ليعود و يأكل بصمت .. الحقيقة أن تجمعهم كان مربكا نوعا ما و مملا للغاية فقد استغرق غيث و أباها في الحديث مطولا في أمور الأعمال التي يغرقان أنفسهما دوما بها .. لم يعتادوا كثيرا على التجمع معا كعائلة واحدة ..!!
يبدو أن المصادفة وحدها قد قادتهم إلى هنا .. تنهدت بضجر شديد و وقت طويل يمر قبل أن يرفع غيث رأسه لأختها الكبرى و هو يقول بصوت حازم ..
- روضة تعاليه ويايه ،،
انعكس القلق الشديد و الارتباك على وجه روضة الجميل و هي تجيل بصرها في الفضول الذي علا محيا من حولها ..
تأملتها شيخة بهدوء ..
على الأقل تبدو روضة على قدر كبير من الثقة و الشجاعة .. فلو وجه إليها غيث هذه النبرة و الكلمات ..
لإنهارت فورا معترفة بما لم تفعله ..!!

* * * * *


  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 28
قديم(ـة) 23-12-2008, 04:11 PM
صورة angel jolly الرمزية
angel jolly angel jolly غير متصل
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: خطوات تغفو على عتبات الرحيل(رائعة الكاتبه ليتني غريبه)


- انتي تخبلتي ...!!!!!!!!!
صاحت بتلك الكلمات مستنكرة و هي تنظر لوجه أختها الذي بدا مصمما بقوة و تدور في الغرفة الضيقة .. و هي تصر مجددا ..
- لا ما تخبلت .. هالقرار أنا مقتنعة فيه .. حور خلاص أنا صرفت نظر عن الجامعة ..
كانت حور تلهث من الصدمة ..
- هب ع كيفج .. انتي ما تعرفين مصلحتج وين .. تودرين الجامعة و نسبتج ما تقل عن 95 ..!! مينونه انتي .. أنا ما عليه حسافة و الدراسة عايفتنها .. بس انتي .. !!
هزت رأسها برفض قاطع ..
- عفاري .. انتي تدرسين من 12 سنة .. لا تيين عند الأهم و تخلينه .. الجامعة شهادة و مستقبل .. بتنفعج و بتنفعنا ..
و لكن عفرا بدت أكثر من مؤمنة بتلك الفكرة اذ قالت بهدوء تواجه عاصفة رفض حور ..
- أنا ما ريد هالنفعة .. ابا ايلس في البيت ..
نظرت لها حور بقوة ..
- تيلسين في البيت شوه تسوين هاا ..؟؟ تغسلين و الا تنظفين ..؟؟؟
نظرت لها عفرا بغرابة دون أن ترد .. و لكن حور أشارت باصبعها آمرة ..
- دراسة بتكملينها يا عفرا .. و يلسة في البيت ماشي ..
و رفعت رأسها تنتظر اعتراضا .. و لكن صوت عفرا الهادئ صدمها ..
- حور .. بلاج ..؟؟
توقفت عن المشي العصبي .. و هي تلتفت لأختها دون أن تفهم .. و لكن عفرا لم تضف كلمة واحدة .. شعرت حور بالدوار في تلك اللحظة .. شيء ثقيل جثم على أنفاسها و إدراك واحد يترسخ في ذهنها .. أصبحت تتجرد عن نفسها ببطء .. تعالج الأمور بعصبية و قلق .. التوتر يلازمها كل حين .. حتى النوم لم يعد يجد السبيل لعينيها ..!
جلست بتعب على فراشها .. تكبح رغبة عارمة في التدثر بالغطاء و البكاء تحته للأبد ،، لا تعلم حقا ما الذي دهاها .. ما هو هذا الإحساس الذي ينتابها طوال الوقت .. الخوف .. الترقب ..
أم أنها مقاومة .. ؟!
تقاوم ماذا يا ترى ..؟!
هي نفسها لا تعرف .. لا تعرف شيئا .. كل ما تعرفه أن هذا الحمل ثقيل ..
ثقيل للغاية .. و أنها لم تعد تقوى المواصلة .. متأكدة بأنها قريبا ستصل للانهيار ..
ليست صلبة بما يكفي و إلا لتصدت لذاك الدخيل الذي قرر ببساطة سلبهم حقهم في تقرير الحياة .. و أصبح يتسلط بقراراته ،، و يصدر الأحكام كيفما يشاء ..
.
.
فتح باب الحجرة لتطل نورة من خلفه .. تدير عينيها في وجهيهن و هي تقول ..
- زين و الله عفاري بعدج على قيد الحياه ..- ثم التفتت لحور - تحريتج ذبحتي عفرا يوم صخيتن فجأة ..!!
أدخلت دانة رأسها من خلف كتف نورة ..
- حتى أنا ..!! حور .. أم عتيج لي آخر الحارة تسلم عليج و تقول قصري حسج ..
لم تجد حور في نفسها الرغبة في الابتسام ما زال رأسها منخفضا .. حين دلفت نورة و دانة الغرفة تتبعهن و لدهشة حور المها .. قبل أن تسألهن ..
- انتن سمعتن صوتي .. المها شدراها ؟؟
أجابت نورة بسرعة ..
- تراه صريخج وصل لطبلة المها بعد .. المهم .. شوه السالفة الحين ..
تجاهلتهن حور لتلتفت للمها و هي تشير بيدها و تتحدث بصوتٍ عالٍ ..
- عفراااا .. ما تباااه ترووووح .. الجاااامعة .. بتم .. في البييييييت ...
اتسعت عينا المها و هي تضع أناملها على شفتيها بصدمة و شهقت نورة و دانة معا قبل أن تقول الأخيرة بذهول ..
- عفاري صدق ما بتخلصين الجامعة ...!!!!!
هزت عفرا رأسها رفضا و هي تقول بصوت قاطع ..
- هيه .. ما بدرس في الجامعة بخلص الثانوية و بيلس في البيت ..
نظرت لها المها غير مصدقة و هي تدير سبابتها بحركة دائرية قرب صدغها .. لكن عفرا لم تجب .. كانت تحني رأسها بهدوء .. قالت حور بقوة ..
- أكيد مينونه .. و الا علمي و بهالنسبة و تيلس في البيت .. شوه بتسوين .. تضيعين مستقبلج ..
نظرت لها نورة و هي تعقد جبينها و قالت بحذر ..
- انزين حور انتي ليش معصبة ؟؟
نظرت لها حور فورا ..
- يعني شوه تبينيه أسوي حبيبتي .. أدق معلاية و ايلس أرقص .. ختج تبا تهدم مستقبلها ..
ضحكت دانة ..
- حلوة .. بس لا تعيدينها .. عفاري ليش تبين تهدمين مستقبلج .. هب عايبنج الديكور ..
نظرت لها عفرا شزرا ..
- هب وقت سخافتج دندن ..
احمر وجه دانة و هي تصر بأسنانها ..
- دندن فعينج .. حور صادقة .. انتي من يوم يومج تكرفين في المدرسة كراف الويل .. الحين يوم يات على آخر سنة قلتي مابا أدرس ..!!
ضربتها المها على كتفها بخفة .. فالتفتت لها عفرا .. لا تدري لما شعرت في تلك اللحظة أن المها تعاني كثيرا .. فتاة ذكية في مقتبل العمر .. لم تتلقى من التعليم شيئا سوى ما لقنته اياه اختها الكبرى في البيت و ما استشفته من أكوام الكتب تلك التي تغرق نفسها بها ..! أشارت بيدها مستفسرة .. تطالب بإجابة على سؤال إلى الآن تجاهلنه جميعا .. الكل اعترض دون أن يسألها عن سبب القرار ..!
مسحت عفرا وجهها بكفيها .. قبل أن تسند فكها بهما .. و هي تقول ببطء ..
- انزين نفرض سمعت رمستكن .. و سجلت في الجامعة .. و بدت الدوامات .. الجامعة هاي ما يبالها مصاريف ..؟؟ لبس .. و لوازم دراسة .. و مصروف .. و عقب ما أتخصص يباليه جهاز و خط نت .. مادري شوه .. انتن تعرفن خرابيط البنات .. يعني حتى لو حاولت ما أصرف الفلوس .. لازم بيظهرليه شي يباله دفع ..
ثم نظرت لحور التي تدلى فكها من الصدمة .. و هي تقول ..
- الحين من وين لنا فلوس .. ؟؟ شؤون أمايا و تعويض أبويه يا الله يا الله يسدن مصروف البيت .. تبنيه بعد أسحب منه .. شوه بناكل نحن ..؟؟ رودس ..؟؟
وضعت دانة أناملها على خدّها بذهول ..
- صح و الله .. ما فكرنا فيها ..!! يعني أنا و نورة بعد بنيلس عقبج في البيت ..؟!!!
.
.
- لا ،،
التفتن لحور التي وقفت و هي تنفي ذلك بصرامة .. كان في عينها بريق تصميم جعل وجهها يبدو قاسيا و هي تقول بصلابة ..
- كلكن بتدخلن الجامعة و بتخلصن دراستكن و أولكن عفرا .. و الفلوس موجودة .. عدنا خير الحمد الله ..
قالت نورة بهدوء ..
- وين الفلوس يا حور .. انتي تعرفين ان ابويه الله يرحمه ما كان عنده غير معاشه من شغله ..!
نظرت لها حور بثقة ..
- ما عليج الا انج تخلصين الثنوية و تدخلين الجامعة .. الفلوس لي تبينها موجودة ..
نظرت لها دانة بابتسامة ..
- ليكون تعرفين مكان الكنز .. ما ظنتيه بس لو ناوية تصرقين دبي الاسلامي .. ترانا خوات .. ريليه على ريلج في اللين و الشدة .. بس القسمة ففتي ففتي ..
- لا ما بصرق شي - ثم التفتت لعفرا تقول بعتاب - و ماريد أسمع هالرمسة مرة ثانية .. لا تتحرن شي بيتغير علينا عقب ما توفى أبويه .. الحال هو الحال .. بس شدن على عماركن شوي ..
ثم نهضت من مكانها .. و هي تنظر لنورة ..
- امايا وينها ..؟؟
- يالسة في الحوش .. عندها مزنة و هند ..
تنهدت و هي تسأل ..
- و نايف ..؟
أجابتها دانة بدلا عن نورة ..
- بعده راقد في الميلس ..
قالت حور بهدوء ..
- خلاص عيل .. اظهرن يلسن ويا امايا .. و أنا بسير أوعيه قبل المغرب .. الله يعين كانه ما بيرقد الليلة ..!
خرجت من الغرفة متوجهة للمجلس مباشرة فيما خرجن المها و عفرا و نورة و دانة نحو أمهن و الأخيرة تنظر لعفرا و هي تضحك ..
- أونها عفاري مضحية .. وايد مأثرة فيج الأفلام ..
و لكن عفرا لم ترد عليها .. كان ذهنها مشغولا بالطريقة التي قد تعمد إليها حور لإحضار النقود .. بدت واثقة و هي تصر بان إحضارها سهل ..
أمهن تجلس بهدوء على ذاك البساط ممزق الأطراف و يدها كالعادة ترتق أحد ثياب أبناءها أو تخيط شيئا لهم ..و أمامها قد وضعت صينية الشاي التي أعدتها المها مسبقا .. مزنة غارقة في حديث طويل تسهب في سرده على هند الذي بدا جليا أنها لا تستمع لها بل مشغولة بالمجلة الملونة التي بين يديها ..
جلسن جميعا و راحت نورة تسكب الشاي و توزعه و دانة تنظر لمزنة ..
- حوووه يا الحشرة .. صخي شوي ..
نظرت لها مزنة و وجهها الصغير ينعقد .. فتابعت دانة آمرة ..
- سيري المطبخ بطلي الثلاجة بتلقين البسكوت و الكيك لي يابوه هيئة الهلال الأحمر ..
قالت مزنة و هي تضع اصبعا في فمها ..
- من هيئة هلال أحمر ..؟
دفعتها دانة بيدها و هي تقول ..
- عمامج حد غيرهم .. بسرعة .. سيري هاتيه .. و أول وحدة بنعطيها قسمها انتي ..!
اتسعت عينا مزنة و هي تقفز مسرعة للمطبخ .. استلقت نورة على البساط و هي تضع رأسها في حجر أمها التي ابتسمت بحنان و هي تمسح رأسها .. لترد تلك بابتسامة كبيرة ..
- فديتج و الله يا الغالية ..
ثم نظرت للبنات اللواتي بدا على وجوههن الشرود ..
- حوووه .. شعندكن كل وحدة في بلاد .. اسمعن .. ما تلاحظن شي ..؟؟
قالت عفرا بهدوء ..
- لا ما لاحظنا .. لاحظيناا ..
ضحكت نورة ..
- حلوة لاحظيناا .. من زمان ما لعبنا سحب بالخشبة ..
عقدت دانة جبينها ..
- صدق ما عندج سالفة .. منوه لي له نفس يلعب الحين ..؟؟ ما تشوفين ظروفنا هاي ..؟؟ - ثم نظرت لمزنة التي خرجت من الصالة تحمل في يدها كيسا - وين الصحن و السكين ..؟؟
قالت مزنة بدهشة ..
- انتي ما قلتيليه أييب صحن وسكين ..
قالت دانة بثقة ..
- قلت بس انتي ما تسمعين ..
وضعت مزنة الكيس جانبا و هي تجلس جوار هند ..
- لا ما قلتي ..
نظرت لها دانة بتحدي ..
- تكذبينيه ..؟!!!!
قالت هند دون أن ترفع عينها عن المجلة ..
- لا ما تكذبج .. تقول الصدق .. انتي ما قلتي لها هاتي صحن و سكين ..
نظرت لها دانة بضيق ..
- انطبي يا فيلسوفة زمانج .. و يا الله نشي انتي هاتي الصحن و السكين ..
قالت عفرا آمرة ..
- بس دندن .. تراج حشرة .. هندوه سيري هاتي الصحن و السكين حبيبتي ..
نهضت هند بعد أن ألقت نظرة جليدية على دانة التي لوحت بيدها ساخرة .. و التفتت لنورة بلهفة تسألها ..
- صح نوري نسيت أسألج .. شعندهن بنات صفكن .. شوه مسويات بمعلمة العربي ..؟؟ لقيتاا في الادارة تشتكي ..
رفعت عفرا حاجبا بانتقاد ..
- و حضرتج شوه تسوين في الادارة ..؟؟
- أتفقد أحوال الرعية .. هاا نورة شوه مسويات مسودات الويه بهالمسكينة ..
هزت نورة كتفيها ..
- ماشي يا غير حصتين ورا بعض تشرح و محد سوالها سالفة .. لي منهن تلعب .. و لي تسولف .. و لي ترسم .. و لي راقدة ..!
ابتسمت دانة و هي تنظر لعفرا بنظرة خبيثة ..
- و انتي شوه كنتي تسوين ..؟؟!
هزت نورة كتفيها ببساطة ،،
- كنت آكل ..!
نظرت لها عفرا باشمئزاز ..
- امحق طالبات علم و الله ..!!!!
- شوه تبينيه أسوي حبيبتي اذا ما كلت برقد .. أعرف عمريه .. يعني رسم كتابيه كله شخابيط .. لعب و الطاولة ما فيها الا اكس أووو .. و سوالف خلصن .. بس المشكلة هب منا ..
كتفت عفرا ذراعيها ساخرة ..
- لا حشى هب منكم .. من الوزارة .. ليش ما يابت أفلام و ديجي و مجلات و فتحت بوفيه آخر الصف لعيونكن.. تعرفين بعد نحن هنيه نحب نكون على أرقى مستوى ،،
اعتدلت نورة جالسة و المها تراقب النقاش الغير مسموع بصمت ..
- تطنزين ؟؟ لا ما قلنا نبا أفلام و الا بوفيه .. نبا مناهج شرات الخلق .. نبا شي نستفيد منه ندرسه و نتعلمه .. هب حشو ملزومين نصمّه صم و آخر السنة نفر المعلومات و يا الكتب .. لا فهم .. و لا استفادة .. يعني بالله عليج شوه بستفيد من ص1 و س2 في حياتيه ..!! انزين رياضيات بقول ما عليه .. كله خبص و تقديرات ،، تعالي للعربي .. يختي لا تلوميناا ... انتي ما تشوفين المنهج .. كتاب كبر راسج .. هب فاهمة منه شي .. و بعدين من وين يابوا شكسبير هذا يدخلونه في القصة العربية .. يعله العلة ..
- الريال ميت من سنين .. كله الدود ..
ردت بغل ..
- أدريبه ميت .. و الا كان مات من دعاوينا .. انتي هاوية علمي .. فهم و تطبيق .. عسب كذيه ما تحسين بمعاناتيه .. انا أحسنيه قبل بداية كل سنة لازم أسوي رفرش لمخي .. عسب أتأكد ان فيه فراغ للحشو الياي .. أبا أتعلم ..أسعى للعلم .. أستفيد منه يا ناس ..!
هزت دانة رأسها موافقة ..
- صادقة نوري .. المفروض شهادة الثانوية العامة تعادل الشهادة الجامعية ..!
هزت عفرا رأسها بعدم رضا ..
- انتن ميؤوس من حالتكن .. الحمدالله انكن قربتن تخلصن .. شوه لو كنتن دارسات المناهج اليديدة .. !!!
.
.
.
.
.
.
مدت يدها بحنان تمسح على شعره الأسود و قد بدا غارقا في النوم ..جفنيه المتورمين خير دليل على نومه و هو يبكي ..!
ألم شديد يكتسح روحها .. و إحساس غريب بالتشتت يسكنها .. و هي تنظر لوجهه الصغير ..
غدا سيكبر هذا الطفل .. دون أب .. و سيصبح من العسير توجيهه .. !
شعرت بأن كل ما حولها استحال لفوضى عارمة .. هناك صخب صامت فيما حولها يدفعها للجنون ..
تتخبط في ما لا تدري كنهه ..! تدعي القوة دون أن تجد الوقت كي تفرغ شيئا من أوجاعها ..
ان استمرت هكذا ستتهاوى الروح تحت وطأة هذا الحزن العميق الذي يكتنفها .. اعتادت صد الدموع حتى يئست تلك فلم تعد تجد طريقا لمقلتيها ..
الآن و هي تجلس هنا .. تنظر لوجهة أخيها الأصغر .. و الهموم تتراكم على بعضها .. حتى غدت لا تميز أحداها عن الآخر ..
الآن و هي تستنشق هواء العصر الساخن .. تتلذذ بلحظة الخفاء هذه .. ترخي جفنيها .. لتنزوي خلف السواد مختبئة من كل شيء ..
حتى هي ..!
محاولة بيأس أن تنتزع شوكة خفية توجع قلبها ..
غزا روحها شعور بارد بالوحدة .. بدت الأيام القادمة أمام عينيها الحائرتين بلا ملامح ..!
شعرت بازدحام خواطرها يخنقها .. لم تعد تريد شيئا في الكون سوى لحظة هدوء ..
لحظة واحدة .. يتيمة .. كحالها ..!
تريد أن يتوقف فيها الزمن .. لتجد حلا لجميع ما يؤرق إحساسها .. رحيلهم القريب الذي لم يعرف به أحد ..
عزم إخوتها على ترك الدراسة لقلة المال .. و تمرد هذه البراءة التي رقدت بسكون أمامها ..
لم تعد تريد شيئا لنفسها .. لن تجد الوقت لكي ترغب أو لا تفعل .. ستكون دوما لاهثة خلف ما يبغون أحبتها ..
لن تسمح مطلقا أن تُدهس أمنية صغيرة لهم ..
عليها أن تصمد .. فما زال الطريق طويلا أمامها .. هناك من الأوجاع ما سيضطرون جميعا لمجابهته ..
.
.
أحنت رأسها ببطء لتطبع قبلة حنون على جبينه و هي تهز كتفه برقة ..
- نايف ،،، نايف ..!
تحرك لبرهة .. يفتح عينيه ببطء .. نظرة غائمة علت وجهه .. قبل أن ترتجف شفتيه لتلمع عينيه مجددا بالدموع .. أوجعتها هذه العبرات المرتعشة .. لتريح يدها على جانب وجهه .. و غصة كبيرة تسد حلقها .. صوتها المخنوق يهمس مطمئنا ..
- لا تزعل فديتك .. أنا آسفة ..
ازداد انهمار دموعه تلك و هو يشهق بقوة .. بدا أصغر من سنوات عمره الثلاثة عشر و حور تضمه بقوة ليجهش باكيا في حضنها ..
شعرت بشهقاتها تلك تمزق فؤادها .. و هي تهمس قرب أذنه مطمئنة ..
- بس .. خلاص .. يا الله حبيبي .. خلك ريال .. ليش تصيح ..؟؟ باكر مايد بيسير وياك المدرسة و بيخلص الموضوع ..
و لكن نايف كان يبكي بقوة .. راحت تهزه بصبر .. مر وقت طويل قبل أن يهدأ و يمسح وجهه المحمر المنخفض .. هناك نبض في صدغها يكاد ينفجر .. و لكنها تجاهلته و هي تمسك بقبضته في يدها و تسأله بحنان ..
- بلاك ..؟؟!
لم يرفع رأسه .. و عادت الدموع ترتجف على شفير مقلتيه و ارتعشت شفتيه .. بدا أنه سيبدأ البكاء مجددا .. انتظرته قليلا دون أن يجيبها .. ظنت أنه لن يرد .. و لن صوته تسلل لأذنها ..
كان صوته منخفضا .. ضعيفا .. و بالكاد سمعته ..
- أنـــــا خايــــف ..!
أرسل همسه قشعريرة على طول ظهرها .. رفعت عينيها المتسعتين له و هي تهمس بخفوت و يدها تعتصر يده بقوة ..
- من شوه ..؟
.
.
انحدرت دمعة يتيمة على وجنته المبتلة من جديد و صوته يتهدج ،،
- ما دري ..!!
تأملت تلك الدمعة الصافية التي احتضنت وجنته بيأس ،، تكابد داخلها واحدة تشبهها ،،
.
.
هي أيضا مذعورة ..
و لكنها تدري مما ..!


* * * * *


  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 29
قديم(ـة) 23-12-2008, 04:12 PM
صورة angel jolly الرمزية
angel jolly angel jolly غير متصل
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: خطوات تغفو على عتبات الرحيل(رائعة الكاتبه ليتني غريبه)


رغم استسلامها للسواد المحيط بها و انفصالها عمّا حولها .. إلا أن أذنيها التقطتا صوت الباب الذي فتح بهدوء .. ثم تلك الخطوات الواثقة الرشيقة التي تقطع المسافة من الباب إليها ..
لقد ظلّت لسنوات تنصت لهذه الخطوات .. لقومها .. لرحيلها .. لتواترها ..
و لحنينها ..
ها هي تتوقف أمام سريرها مباشرة .. تكاد تجزم بما قد يرتسم على وجه هذا الحبيب ..
كم اشتاقت أن تمد يدها إليه لتحتضن رأسه على صدرها .. لتقبل جبينه بشوق .. لتلاحقه بدعواتها و ابتهالها للرب كي يوفقه ..
و لكن ..
هناك الكثير من الأحلام و الأمنيات التافهة كانت قد رمت بها طي النسيان ..
لم تعد ترغب بشيء الآن .. أضحت تنفر من كل شيء حولها .. من كل شيء ..
ثقل هذه الجدران حولها تجثم على أنفاسها .. تخنقها .. و تخنق تلك الذكريات الصغيرة الباقية داخلها ..
لم تعد تريد شيئا من حاضرها و المستقبل .. تتمنى لو يتركوها و شانها ..
أن تظل لوحدها كي تغرق نفسها فيى زاوية من الروح تزخر بالصور القديمة ..
نقيّة ..
لها رائحة ذاك الزمان الغابر .. الذي حمل في جعبته كل ماهو جميل و أصبح طي الذكرى و الأيام ..
فلم يعد له بقية سوى في أذهان و أرواح من عاشوه .. تكاد تراهم أمامها الآن .. اطفالها صغارا .. جميعهم هنا الآن .. تداعب هذا .. و تصيح بهذا .. و تؤدب هذا ..
و تغسل ذاك .. ثيابهم البسيطة .. أرزاقهم القليلة .. و ألوان باهتة لم يعد لها انعكاس في تلك الصور .. و صدى ضحكات ذاوية .. بعيدة .. تخفت مع ابتعادها ..
و احساس له رائحة التراب المبتل .. بالماء أو الدموع ..
و صرخات أطفال يلعبون ..
و حماس براءةٍ لم يعد لها أثر هنا ..
و وجود ..!
.
.
لامست شفتيه الدافئة جبينها بحب و هو يطبع عليه قبلة عميقة . حملها كل ما يخالجه من شوق .. لتلك الأم التي آمن منذ أيام أن لا أمل قد يعيدها .. و لكن ..
هناك فتيل أشعتله تلك الطفلة الخرقاء بتحدٍ أجوف .. علم أنه بمثل هذا الخبر قد يوقد قابس نور في روحها .. سيحملها للحياة مجددا ..
يوجعه أن يرى أبناء الراحل قد تجاوزا ألمهم بينما لا تزال هي تتذوق الأمرين من حر فراقه ..!
يركع على ركبيتيه و هو يلتقط كفها و تهدج الأنفاس تأثرا دليل على أنها ليس غافية .. هي هنا .. و تشتاق له أيضا ..
و لكن تخنق الاحساس في جوفها .. فلم يعد هناك ما يستحق أن يُشعر به بعد رحيل ذاك الابن و الحرمان ،،
غريب كيف لاقتلاع الأمل من قلوبنا أن يتركنا موتى احساس .. بلا أنفاس .. ممزقين ..!
يدنو من أذنها بحنان و هو يهمس بهدوء ..
- السلام عليج يا أميه ..
و انزلقت تلك العبرة تسيل على جانب وجهها و شفتيها ترتعش .. شعر بشيء كالنار يتقد داخله و هو يلتقط تلك الدمعة بين أنامله ..
- ليش الدموع يا الغالية ..؟!
ازداد تدفق عبارتها تباعا و ارتفعت شهقاتها تهز جسدها الضئيل .. كانت عاجزة عن كل شيء الا البكاء .. عاجزة عن الابتسام .. عن النسيان .. عن مواصلة العيش .. و الحب مجددا ..!!
راح يمسح على شعرها الأبيض التي استباحه الشيب بوقاره .. و هو يقول ..
- الواحد لو مات منا ... ما يبا الا صبر أحبابه و دعواتهم .. و الا الدمع يعذبه و يعذبهم .. و لا به فايدة .. سبحان الله .. هو لي يعطينا .. و هو لي ياخذ منا .. كل شي حق لويهه ..
راح يملس خصلة .. يشعر بان الصورة انقلبت بشكل ما .. أصبح هو الكبير و هذه صغيرته .. أراد باخلاص أن يمسك بكفها هذه التي رسمتها السنون اخاديد عميقة .. ليعيدها لطرقات الأمل مجددا ..
- انتي تعترضين على حكم الله ..أمااه .. الله يهديج .. الله عطاج الولد و خذه .. و عوضج بعياله ..
ثم ابتسم بوجع .. كان ألمها بمزقه .. هو .. الذي اعتاد أن يكون صلبا .. قويا .. لا يقوى رفع رأسه ليجابه دمعة قد تسكن مآقيها الحبيبة ..
- انتي ما تبين تشوفين عياله ..؟! بنييبهم عندج هنيه .. بيتمون تحت عينج .. عيال حمد و بناته .. و عيال عياله بعد ان شا الله ..
أجهشت باكية حال تلفظه بتلك الكلمات و هي تشدبيدها على طر الفراش .. كان صوتها يخرج من بين شهقاتها متقطعا ،،
- عياله مايبوناا .. ما تشوف محد منهم يانا البيت ..؟!
أرخى جفنيه بثقل .. هنا المربط اذا ..! ابتسم بتفاؤل و هو يقول ..
- الله يهديج .. وين ايونج هنيه .. انتي ناسية انهن بنات .. و ما وراهن ريال .. أمهن في العدة و ما يروم يودرنها .. و خوهن ياهل .. أول ما توفي أمهن العدة كلهم بنييبهم هنيه .. حرمة عميه و عياله .. في البيت العود .. ما ينحطهم الا عندج .. شوه تيبن أكثر ..
كان صوتها ممزقا و هي تهمس بيأس ..
- معاد فيها .. لي انكسر انكسر .. عيال ولديه غرب .. لا أعرفهم و لا يعرفونيه .. كبروا بعيد .. و ولديه مات .. مااات ..
و انتفضت بنشيج عالٍ و صوتها يرسل وخزات ألم موجعة في قلبه و هي تقول متلوعة ..
- آآآه ليتني مكانه تحت التراب ..
مسح غيث وجهه بصبر حقيقي و هو ينهرها عن هذا القول ..
- استغفري ربج يا أميه .. انتي انسانة مؤمنه ..
و راح يكشف تلك الورقة الأخيرة .. اليتيمة ..!
- الله يخليج لنا و لعيال حمد .. و لولده لي ياي في الدرب ..
تستمر لوهلة في ذرف الألم من محجريها .. ثم تتوقفها تلك الهمسة ..
لمسة من أنملة أمل .. بارقة من حلم قديم أخذت تنبثق من بين أوجاعها و هي تتأمل وجهه الأسمر القوي و هو ينظر اليها بثقة ..
للحظات لم تعد في الأبجديات أية كلمة قد تتلفظ بها .. لتفجر حيرتها .. دهشتها .. فرحها .. و بكاءها .. املها و يأس استبد بها ..
لم تعد تنطق سوى بأصابع أرهقها الزمن تعتصر قبضته الكبيرة و تشد عليها .. و دموع أخرى ترتجف على عينيها ..
و تتساقط لتروي قلبها غير مصدقة و هو يبتسم لها بشجاعة ..
- حرمة عميه حمد حامل ..
.
.
لم يعد لكل ما مضى قيمة .. و لم تكترث مطلقا لما قد تحمله أيامها القادمة .. تمنت الموت الآن و على خدها دمعة الفرحة هذه .. و هي ترتجف بشدة و تبكي بصوتٍ عالٍ .. هذا أمل ..
هذه حياة ستشهد مولدها و ترعرعها .. ستعيش ما حرمت من ابنها معه ..
ستكون حية لمرّة أخرى .. لترى جزءا من روح ابنها الراحلة .. كان هذا الاحساس اكبر من حدود أوجاعها ..
تحرك بسرعة يضمها لصدره بقوة .. يحوي فرحتها المتفجرة ..
.
.
لم تعد تجد وسيلة للتعبير هذه الأيام سوى ملوحة الدمع ..
أو حلاوته ..!

* * * * *
كان الغد الجديد قد أزف ،،
و هذا هو أول يوم من بقية حياتهم ...!
.
.
أصوات الحافلات المدرسية و ازدحام السيارات القادم من البعيد .. رائحة دخان المركبات تعبق بالجو ..
رغم هذا لا زال تلك النسائم المعتدلة في أول النهار تبرد وجوههم المحمرة حماسا و هم يحملون حقائبهم على ظهورهم متوجهين في مجموعات لانتظار الحافلة عند المواقف ..
ضحكاتهم .. أحاديثهم .. و حتى ألعابهم .. تملأ الطرقات ..
ستقع عينيك على تلك الصور الجميلة .. نشاط يدب في هذه الكائنات الصغيرة و هي تقصد أن تستشف علما ..
أشعة الشمس اللطيفة تداعب الشوراع السوداء .. و بيوت الطين المنتشرة في هذا المكان ..
تجاور المنازل .. و تلاصق جدرانها .. نوافذها القريبة .. أبوابها المنخفضة ..
و هناك تقبع نخلة وحيدة .. او يحتضن السور الضيق أشجارا وضحت قممها ..
ذلك زوج حمام يداعبان بعضهما على سقف منخفض .. أو سربٌ فضل الرحيل فجأة في منظر مهيب أشعل فتيل صيحات طفولية و أنامل صغيرة أشارت له ..
تلك البراءة تختفي في البقالة العتيقة لتخرج منها محملة بقطع الحلوى الصغيرة .. يتقاسمونها ..!
هذه أم تقف ببابها تنتظر وصول الحافلة لتنطلق بابنتها .. و ذاك رب عمل ترك بيته متوجها لطلب الرزق ..
عامل البلدية بلباسه البرتقالي المميز يعلق على كتفه كرتونا كبيرا فارغا يلتقط القمامة من الطريق ليضعها فيه ..
.
.
سحبت نفسا عميقا و ابتسامة غريبة تناوش شفتيها .. رغم أن عينيها الساخنتين تكادان أن تخرجان من محجريها و رأسها أخذ يضج بأصوات لا وجود لها .. ثقل في أطرافها يمنعها من التحرك ..!
رغم سخونة جسدها البالغة .. و شعورها بالبرد .. إلا أن تلك البسمة أبت إلا الظهور ..
هذه الصورة من الجمال بحيث حفرت بالدفء الذي احتوى قلبها الصغير في الذاكرة ..!
لتشد اللحاف حول جسدها و هي تجلس أمام البيت .. و تلوح بيدها لهند التي قادت مزنة نحو موقف الحافلة .. فيردن التلويح بحماس .. قبل أن ترفع رأسها لدانة التي تقف فوقها و تسألها بصوتها المتحشرج بفعل المرض .. و هي تريح جبينها الحر على يدها ..
- متى يي باصكن ..؟؟
أجابتها بتعاطف ..
- عقب ثلث ساعة .. حور حدري .. و الله شكلج تعبانة من الخاطر ..- و مدت يدها تلامس وجنة حور - أووووف .. شابة ضووو .. يوم ما فيج الا العافية ما تظهرين .. الحين يوم انتي رايحة فيها بتطلعين ..؟؟
تأوهت حور و صوتها المخنوق يخرج من حنجرتها المتعبة خافتا ..
- انتي غبية .. أصلا انا ما مرضت الا تضامنا ويا أمايا عذيجة .. الحين مايد بيي و يشجع ..
و ابتسمت برثاء .. جلست دانة جوارها و هي تتنهد ..
- أونها تنكت الأخت .. عاد هاي نكتة محمومة ما تضحك !! ..متى بيظهرن هالعيايز .. ما بقى شي ع الباص .. - أطلت برأسها داخل البيت تصيح - نووووووراااه .. عفراااااااا .. غريبة عفرووه تتأخر أحيدها أول وحدة تظهر فيناا ..
- بلاها عفرا .. سمعتج تسبين ..
قالتها عفرا و هي تنظر لدانة شزرا .. لترد تلك مدافعة ..
- اعوذ بالله .. أحسني الظن يختي .. شعندكن أبطيتن عليه ..!
خرجت نورة خلفها .. و هي تنظر لحور و دانة ..
- عفرا انطر جوتيها .. و لصقناه .. - ثم أضافت ساخرة - تعرفين من كثر الجواتي احتارت أي واحد تلبس آخر شي عز عليها لولي .. - ثم استدركت بعينين متسعتين و هي ترفع الغطاء على وجهها - حوووه نحن في الشارع .. شعندكن كاشفات الشيفة ..
تلفتت عفرا حولها بسرعة ..
- لا تسوين لنا فيها محد هنيه ..
حور ترفع طرف الشيلة لتغطي نصف وجهها بسرعة ..
- صادقة نورة العرب سارحة دوامااتها .. و نحن مبسطات ..
صاحت دانة بحماس و هي تشير لحاوية النفايات القريبة التي كانت ترمي فتاة فيها كيس كبير ..
- ها هب فطوم ..- و صرخت بقوة منادية - فطاامطاام ..
التفتت المقصودة في اللحظة التي قرصت حور أختها بغيض ..
- و الله انج هب صاحية .. يا الخبلة فضحتيناا ..
أدارت دانة عينها ببراءة ..
- الشارع فاضي ..
قالت عفرا بسرعة ..
- حتى لو كان فاضي .. عيب ..! هاي فطوم ياية قدانا ..
وصلت فاطمة و البنات يقفن جميعا ..
- السلام عليكن بنات حمد ..
رحن يسلمن عليها واحدة تلو الأخرى ..
- و عليكم السلام ..
قالت حور بصوت متحشرج بفعل المرض ..
- حيا الله القاطعة ..
توقفت فاطمة تنظر لها متفاجئة ..
- مرحب خويه .. مناك الميلس ..
ضحكت نورة بقوة .. فيما صرّت حور أسنانها بغيظ ..
- سبالووه لا تطنزين ..
خرجت من البيت المها تحمل كوبا تصاعد منه البخار لتدسه في يد حور و هي تبتسم لفاطمة بحب .. سلّمت فاطمة عليها بحبور و هي تقول ..
- هاي شيختكن كلكن و الله .. مادري ليش أحبها ..!
عفرا بسرعة تلتقط حقيبتها عن الأرض ..
- خلاص يوم تكبرين بنيوزج اياها ..
لوحت فاطمة بيدها ..
- و انتي الصادقة بيوزها خوية ..
طفا الاشمئزاز و الكراهية على وجوه الثلاث تباعا و هن يتبادلن نظرة حقد قبل أن تقول نورة بسرعة ..
- ما نيوز مطلقين نبا واحد أعزب .. فرش .. هب مستعمل ..
رفعت فاطمة حاجبها ساخرة ..
- لي يسمعج يقول يالسة أحلف عليج انتي تتيوزينه ..
قاطعتهن دانة بسرعة قبل أن يقال أكثر مما قيل ..
- بس خلاص .. الحين بيي الباص .. يا الله باي ..
قبّلت نورة حور و إحساس غريب يخالجها و عينها على فاطمة ..
- ادعيلناا ..
و وصتها عفرا بإصرار ..
- اشربي مضاد و بندول .. و ارقدي .. ما بيي العصر الا و انتي ترقصين ..
هزت حور رأسها بأسى و هي تشعر بالدوار ..
- خير ان شا الله ..!
بقيت فاطمة تحدّثها لبعض الوقت هي و المها قبل أن تذهب مضطرة لترى أمها .. لحظات قبل أن تدلف المها هي الأخرى .. تاركة حور في انتظار مايد الذي مرّت ثلث ساعة أخرى قبل قدومه .. و هي تحمي وجهها من أشعة الشمس التي راحت تتسلط عليها بلا رحمه ..
في اللحظة التي توقفت فيها سيارته الصغيرة أمام البيت و هو ينزل .. هبت حور واقفة تستقبله .. سلّمت عليه و هو يقول باعتذار ..
- تأخرت عسب ندخل الإدارة سيده و ما نرقب الطابور ..
ردّت عليه بهدوء و هي تشعر بأنها خائرة القوى .. جلوسها هنا لم يساعدها كثيرا ..!
- ما عليه أنا بسير أزقره من داخل و أول ما تخلص أمورك وياهم اتصلبيه و خبرنيه شوه الموضوع ..
أمسك يدها قبل أن تستدير للداخل و هو يسأل فجأة ..
- بلاه صوتج ..شي يعورج ..؟؟
هزت رأسها بسرعة و الغطاء يخفي ابتسامتها المتعبة ..
- ما شي .. بس تعبانة شويه .. يا الله ما بأخرك .. دقيقة بس ..
و دلفت للداخل و عيناه تتبعها ..
بدت غير طبيعيّة تماما ..!

* * * * *

كان يقطع الممر الفاخر المؤدي لمكتبه بخطى واسعة و هو يسأله بصرامة في الهاتف ..
- متى بيكون عندك بريك اليوم ..؟؟!
تدفق صوت أحمد مفكرا و هو يجيبه ..
- آممم .. ع الساعة وحدة و نص ..
تجاوز مكتب بطي ليدلف مكتبه بسرعة مغلقا الباب خلفه .. صوته يتردد بين الجدران .. ىمرا ..
- خلاص مرنيه الشركة بعطيك بطاقة و أوراق الحساب توديها بيت عميه حمد .. انشد عن حور يوم بتظهر لك عطها الأوراق و قلها غيث طرشنيه أعطيج اياها .. فهمت ..؟!
سأله أحمد بفضول حذر ..
- حور .. لي هي حرمتك ..؟؟
أجابه غيث بنعومة خطرة ..
- هيه ..
رد أحمد بطاعة ..
- خلاص أنا بشل بو سلطان ويايه و بنسير رباعة .. و لا يهمك يا خويه ..
.
.
أنهى المكالمة بسرعة و هو يمد يده نحو جهاز الاتصال الداخلي قبل أن يتوقف فوق الزر مباشرة ..
رفع يده و عينيه تلمعان بشيء غريب .. التقط الهاتف المحمول مجددا .. و تلك الفكرة تنبثق في ذهنه من العدم .. عليه أن يتصل بها ليخبرها أنه سيرسل البطاقة مع أحمد ظهرا ..
ابتسامة غامضة ناوشت شفتيه ..
هل هذا هدفه .. أن ينبئها بقوم أخاه .. أم أنه أراد أن يختبر طاعتها ..
يرغب في التأكيد على أنها تسير وفق ما رسمه من منهج لها ..
شيء مجهول يدفعه للمس العناد مجددا و هي تقاوم بيأس ما يفرضه عليها .. يستلذ ذاك التخبط اليائس و محاولتها البحث عن فرجة للانفلات من قبضته ..
راحت أصابعه الطويلة تبحث عن رقمها بسرعة بين الأسماء .. كم سيكون مذهلا أن يجد هاتفها مغلقا بعد أن أمرها بفتحه ..
ستكون حجة لتلقينها الأدب مجددا ..!
لحظات و أعلن الصوت المتقطع توافر الرقم .. و لكنه استمر في الرنين حتى انقطع .. تصلبت ملامحه و حاجبه الأيسر يرتفع ببرود ،،
حسنا مرة أخرى .. و سيرى إذا كان بإمكانها أن تتجاهله أيضا ..
.
.
.
.
.
.
كان الظلام الكثيف يحيط بها .. و هي تشعر بالهواء يضج في أذنيها .. رأسها ثقيل .. و هناك عرق ينبض بجنون في صدغها .. أنفاسها الساخنة تحرق انفها و فمها .. و هي تبتلع ريقها لتبلل حنجرتها الجافة .. رغم جسدها الساخن .. إلا أن الشعور بالبرد يكاد يقتلها و هي تلتف في بطانيتين مثنيتين .. تغرق للحظات في عالم سوداوي مليء بأحلام مزعجة غير مفهومة .. لتجد نفسها ليست نائمة .. بل تهذي ..!
هناك صوت يصيح بجنون عند رأسها .. تريد أن تهوي عليه بقبضتها فتسكته .. و لكنه يخرس لوحده ..
ثانيتين قصيرتين من الراحة قبل أن يعود للصياح قرب أذنها بجنون .. تشعر بأنه يكاد يشل حواها المرهقة .. أ هو الهاتف ؟ .. بالتأكيد ..!
بشكل ما استطاعت التقاطه و الرد عليه .. و رأسها يعود ليغرق في الوسادة .. عيناها مغمضتين .. و صوتها ياتي من غياهب الحمى .. هامسا .. تستميت ليصل إلى أذن من يريدها ..
- ألووه ..!
.
.
.
.
.
.
انعقدا حاجبيه حال تدفق صوتها الرخيم المبحوح عبر الهاتف ليسأل بقسوة ..
- ليش ما رديتي يوم اتصلت ..؟
لحظات صمت ثقيلة تمر دون صدى لإجابة ينتظرها .. ماذا ..! هل أنهت المكالمة ..؟؟ بالتأكيد لا .. يمكنه أن ينصت لأنفاسها المتسارعة ..
و لكن ما أثار دهشته و ألجمه صوتها الحائر و هي تسأل بهمس ..
- منوه ..؟
أبعد الهاتف قليلا .. ماذا ..؟! هل أخطأ في الرقم ..؟؟!
تساءل بهدوء ..
- حور ..؟
عاد صوتها الخافت يتردد في أذنه ..
- هيه .. منوه ..؟
راح يضرب بأنامله سطح المكتب في حركة رتيبة .. هل انتشلها من نومها يا ترى ..؟
- أنا غيث ..
- نعم ..؟
- أنا غيث ..
قالت وصتها الخافت يرتفع أكثر ليبدو مسموعا و هو يتقطع .. حقا يبدو أنه أيقظها .. فلم تبدو في كامل وعيها ..
- ادري انك .. - و صمتت لبرهة قبل أن تتابع - انك .. غيث .. خير شوه تبا ..؟
حسنا .. ألا تبدو أقوى الآن و هي بعيدة عن متناول سلطته و المواجهة ..! قال ببرود ساخر ..
- أبا أسولف وياج ممكن ؟؟..
- فاضي انت ..!
جيد .. تتمادى في تمردها .. سيجد الوقت حتما ليعلمها الخضوع قربه .. و إن قطعت بينهم مسافات .. قال يوجز بعجرفة يعرف أنها ستوجعها بما يكفي حتى يلقاها مجددا ..
- أحمد خوية بيمركم الظهر و بيعطيج البطاقة لي حولت لكم فيها فلوس ..
حالا أتاه الرد و هي تقول بصوت متحشرج ..
- انته ما تفهم نحن ما نبا منك شي ..
أراح يده على الطاولة باستمتاع .. يدرك أنها تتألم لما يفرضه عليها ..
- هب ع كيفج .. البطاقة لي بييبها أحمد شليها أخيرلج لا تخلينيه أييبها أنا بنفسي ..
كانت نبرة التهديد واضحة .. و صوتها الضعيف يردد العبارة متقطعا ..
- ما .. ما تفهم .. ما نبا شي .. منكم .. مانبا شي ..
انقطع الخط بينهما فأدرك بغيظ حقيقي أنها أنهت المكالمة و أغلقت الهاتف في وجهه .. قاوم رغبة مجنونة في أن ينهض من مكانه ليريها حجمها ..
أعاد الهاتف على الطاولة بصبر ..سينتظر إلى أن يرى ما قد تفعله بالبطاقة التي سيحضرها أحمد ..
إذا رفضت .. سيتمتع كثيرا بإجبارها على الإحجام عن المكابرة ..!
.
.
الغريب أن تلك الفتاة التافهة أصبحت تتمعن في إثارة غيظه ..
و هذا ما لن يسمح لها به ..!

* * * * *

- انخطبتي ..!!
نظرت لها روضة بهدوء ..
- لي يشوفج يا رواية يقول أول مرة أنخطب ..!
هزت راوية كتفيها و هي تلتفت حولها لتتأكد من أن انفعالها لم يجذب أيا من أنظار المتواجدات في مقهى الجامعة ..
- لا هب أول مرة .. بس مادري .. قلتي ولد عمج ..؟؟
أومأت روضة بإيجاب و هي تحرك عصيرها ببطء شديد .. لم تكن صدمتها أقل من صدمة صديقتها .. التي تابعت تتساءل ..
- شوه اسمه ..؟
- سيف ..؟
- أكبر عنج ..؟
- بسنتين بس ..
ابتسمت راوية بمكر و هي تتأمل وجهها الهادئ ..
- أهاا .. و شوه .. كشخة ..؟؟
ارتفعت عينا روضة تغشاها الحيرة ..
- هاا ..؟؟
رفعت راوية حاجبها ..
- كشخة .. حلوو .. كيف شكله ..؟
نظرت روضة للأسفل ثانية قبل ان تهز كتفيها بعجز ..
- مادري ..!
شهقت الأولى بصدمة ..
- ولد عمج و خاطبنج و ما قد شفتيه ..!!!!!
هزت روضة رأسها و ذهنها يتشتت .. لم تنتبه يوما لسيف .. لم يخطر لها أن ترى وجهه اذا كان جميلا أو لباسه إذا كان مهندما .. كانت هناك هالة من السلام تحيط به تشغلها عن ذلك .. لقد كان دوما هادئا .. منزويا في اجتماعاتهم المختلطة ..
- لا شفته .. بس مادري .. يعني شوه أقولج .. هو نشوفه بس ما ندقق في ملامحه ..
ضحكت راوية ..
- شوه يستحي ..؟!
ارتشفت روضة عصيرها بشرود ..
- لا بس .. هو ملتزم .. و ييلس بعيد عنّا ..
كان النفور جليا من الفكرة يعلو وجه صديقتها و هي تستنكر ..
- مطوع ..!!!!!
اتسعت عينا روضة باستفسار ..
- هيه مطوع .. ليش .. فيها شي ..؟
صمتت راوية لبرهة قبل أن تقول بصراحة سافرة ..
- لا ما فيها شي .. بس الله يعينج .. الصراحة الريال يوم يكون مطوع يلعوز حرمته .. تشوفينه بس يتأمر .. الا يبا يغير هذا .. و هذا هب عايبنه .. و هذا حرام .. و هذا غير مستحب .. الدين يسر .. بس الرياييل لي كذيه يخلون كل شي ممنوع ..!! يعني بيشد عليج وايد روضاني ..
بدا الكلام قاسيا للغاية و هي تحاول استعادة صورة ابن عمها الطيبة .. تلك الأخلاق العالية .. و ذاك التعامل النظيف لم يبدو لها بهذه الفظاظة أو هذا الجانب الذي صورته صديقتها بإجحاف ..
- و الله الحرام محد يرضاه لا مطوع و لا غيره .. انا نفسيه الحمد الله .. ما قد سويت شي يسحبنيه للغلط .. - ثم نظرت لراوية بشك - أحسج تبالغين ..!
شخرت صديقتها ساخرة ..
- و الله ما أبالغ . هو الموضوع أولا و أخيرا لج و القرار من صوبج .. بس أنا أبين لج جانب لازم تحطينه في بالج .. وحدة من بنات عميه ماخذة مطوع .. و ما نشوفها بالمرة .. و اذا لقيتاا في المناسبات ما يبين عليها الزين .. لا لبس شرات العالم و الناس و لا مكياج .. مادري رويض أحسج انتي بالذات حرام تاخذين مطوع .. يعني بما انج تحبين الكشخة و الطلعات و هالسوالف .. اعرفي ان كله هذا انسيه اذا عرستي بواحد بيشد عليج .. ع العموم هذا راي و انتي سوي لي يريحج ..
الغريب أن صديقتها بدت معارضة للفكرة بقوة .. غير راضية عن زواجها من سيف ..
هي لم تعرف سيف و لم تلتقيه قط ..
سيف رجل مسالم و هادئ .. وجوده في المكان يعطي إحساسا دافئا بالطمأنينة .. و ابتسامته المتواضعة .. ربما لم تلتفت لوجهه يوما .. و لم تفكر به كزوج و لم يخطر لها ما شابه من هذه الأمور..
حاولت اعتصار مخها لتكوين صورة قريبة له .. و لكن لم ترى أمام عينيها سوى وقار لحية سوداء و ملامح مبهمة ..!
و لكن ..
هناك خيط خبيث أخذ يُحبَك في الصورة الجميلة.. ليشوهها .. و كلمات صديقتها ترتطم بصفحة الماء الصافية في ذهنها .. مكونة دوامات كبيرة ..
.
.
دوامات ،،
دوامــــات ..
دوامــــــــات ..!
.
.
كثير من هذه الدوامات في حياتنا .. شيء من المعتقدات السخيفة يخلقها ..
و أشياء خاطئة تجعلنا موقنين بأن هناك جانب أسود للخير .. لن نراه إلا إذا اقتربنا منه ..
عندها لن يكون هناك خير قط ..
سيكون له اسم آخر ..!

* * * * *


  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 30
قديم(ـة) 23-12-2008, 04:15 PM
صورة angel jolly الرمزية
angel jolly angel jolly غير متصل
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: خطوات تغفو على عتبات الرحيل(رائعة الكاتبه ليتني غريبه)


الضيق يكتنف صدرها و هدى تصدر أصوات انفعالاتها المضجرة التي أعلت قلبها ..
- حيوانة .. أنا أقول هالاشكال ما منها أمان .. حبيبتي لا تضيقين صدرج .. بنعرفج على وحدة تسواها و تسوى طوايفها ..
دفنت وجهها بين كفيها .. لا تريد الا أن تتوقف عن الحديث فهي تمعن في غرس ذاك النصل في روحها .. قالت بصوتٍ غليظ تنهرها ..
- بس سدي السالفة .. طاريها يكرهنيه فحياتيه .. ماريد أتعرف على غيرها ..
و بحركة سريعة سحبت غطاء شعرها بخفة لتضعه على كتفيها .. و كأنما بهذه الحركة و ما ظهر وراءها تنهي الحديث ..
شهقة هدى المنبهرة كانت خير دليل على فداحة ما فعلت .. تعلم الآن أن أمها ستقتلها دون شك .. لن يطول بها الأمر قبل أن تكتشف الأمر ..!
- قصيتييييييييه ..!!!!!!
أومأت برأسها و هي تتخلل شعرها القصير الذي يصل لمنتصف رقبتها بأصابعها .. و عيني هدى تضيقان ..
- ليش ..؟؟ أحيدج ما كنتي تبين تقصينه ..!!
هزت كتفيها تقول ببرود يعاكس تلك الحرقة التي تسكن روحها ..
- غيرت رايي ..
.
.
رغم صوتها الواثق إلا أن احساسا انهار بداخلها .. شيء أرادت أن تبكي لأجله ..
شعور قاتل بانها تجاوزت حدا ما .. و لم يعد هناك وازع غيره قد يردعها ..!

* * * * *

تحركت الحافلة منطلقة بعد أن أنزلتهن عند رأس الشارع .. و نورة تتلفت حولها بسرعة و هي تقول بحماس ..
- شرايكن نربع البيت قبل لا يي ويه العنز الحين ..؟!
و كأنما علم بنيتها برزت مقدمة سيارته العتيقة من الشارع المجاور .. تسير بتهالك نحوهن و دانة تقول بحقد ..
- و الله لو راكبة صاروخ بيلحقج الحقير .. الله يغربله ان شا الله .. هذا ما وراه شغله غيرناا ..!!
قالت عفرا بقوة ..
- انطبن و طنشنه شرا كل مرة .. و نورة لا تردين عليه أبدا و لو يلس يسب حتى ..
لوحت نورة بيدها غير مكترثة و هي تقول بكراهية ..
- يخسي و الله أفره بجوتييه لو زودها .. عنلاته ..
كانت السيارة تمشي بمحاذاتهن الآن .. و صوته القذر يرتفع بشوق زائف ..
- يااا الله يا رب .. كم بعيش أنا .. كل يوم و أنا شوف أغصان البان تتمايل .. هيييه .. هيييه .. يا الله .. يسار .. يمين .. آآه يا فواديه ..
همست نورة بمقت ..
- غصن في عينك يا الكلب يعلك العمى .. يعل فوادك العلة .. يا ويه العنز ..
صرت عفرا أسنانها بخفوت ..
- جب ..
كان ألم رهيب يكتنف صدرها .. و كل أملها أن لا يطل أحد من نوافذ البيوت المجاورة ليرى هذا المنظر البمعتاد .. ما الذي قد يقال عنهن ..! كل يوم و هو يقوم بملاحقتهن و لا يردعه التجاهل ..
ليس لهن ظهر يسند اليه حملهن .. هن ،،
فتيات .. لا هم .. و لا فخر .. و لا ثمين لهن .. سوى سمعة ..
قد تلطخ بأدنى قذف يصيبهن ..
لم يجدن الشجاعة ليخبرن أباهن حين كان هنا .. الآن في غيابه تمادى هذا الحيوان .. و أصبح يدنو من افتراس حرماتهم ..
شعرت بالضعف .. باليتم ..
لا أحد قد يتصدى لهذا الحقير .. فها هو يصل لعتبات بيتهم الآن بعد أن كان يهاب اقترابه ..!
من أين لهم أن يأتوا بعزوة .. من أين ..!
.
.
يــابــــوي شــفـت الـــويـل وأنا لحـــالــي
....تـــــركـــتنــي للـــــوقــــت ولضــيــــم الأقـــــــــــــراب
مــــالي عضـــيــد(ن) في حيــاتي مــوالي
.... أنخــــــــاه لاضـــــاقــــــت مــــعــــي كـــل الأســــــباب
أخــــذ بــرايــــه لاتسـكـــــر مجــــالـــــي
...... وفيـــه اعـــــــتزي كــــــــان الــــزمـن كشـــر الــــناب
مــــالي سنـــــد غــــــيرك ولالي ولا لي
......غــــــــــيره ســــــــوى المــعـــــبـود هــــو رب الاربــاب
.
.
.
.
.
.
أخفضت صوت المسجل الذي كان يصدح في السيارة بقوة و هو يقول بضيق ..
- يا خوك ما رمت أقوله ..!
نظر له هزّاع بقوة و هو يقبض على مقود السيارة بعصبية ..
- و الله انك معثور .. ترانيه قلت لسيف انك ظاهر ويانا .. شوه بيقول يعني غيث .. قلّه انيه ساير وياك .. شدراه اننا سايرين سباق .. احمد .. لا تطولها و هي قصيرة ..
أعاد أحمد ظهره للخلف و هو يشير لمقدمة السيارة ..
- انزين طالع قدامك لا تخطف الشارع لي فيه البيت .. بعدين انا تميت ساعة واقف قدامة .. لقيته معصب و يهازب .. ما يتناغى يا رياال .. لو قلتله كان كفخني بشي .. اصبر الين العصر بسير بيت يدي و برمسه هناك ..
ثم قال بهدوء ..
- و بعدين نحن ليش حارقين أعصابنا .. يعني سباق دراجات .. و هب رسمي .. لمة شباب .. لو ما سرنا العافية ..!! أهم شي السباقات العودة لي صدق بتسابق فيها .. - ثم أشار إلى الشارع الجانبي - حول حول .. هذا الفريق ..
أدار هزاع المقود و هو يقول بعناد ..
- حتى و لو .. ياخي خلنا نظهر و نوسع صدورنا .. و لو ما طاع غيث خبرنيه .. بنقردن سيف يرمسه .. أي بيت ..
- آخر واحد الأبيض ويا البني .. الحين سيف لو درا ان غيث ما طاع بيعيد و بيقولك لا ..
صمت لبرهة و عيناه تضيقان مما يرى ..
- هاييلا البنيات هب سايرات قدا آخر بيت ..؟!
احتبست الأنفاس للحظة مع ادراكهم أن صاحب السيارة الذي يلاحق الثلاث فتيات يصل لآخر الشارع الذي لم يعد به بيت سوى بيت عمهم ..
ليضغط هزاع بقوة على دواسة البترول و تنطلق السيارة بسرعة رهيبة للأمام مع صوت أحمد الذي شتم بقوة ..
- ولد الكلب ..!!
للحظات لم يعد يرى سوى اللون الأحمر يغشى كل شيء أمام ناظره .. و مقدمة سيارته الفارهة تقترب بسرعة جنونية من مؤخرة سيارة سالم المهالكة لتصطدم بها من الخلف بصوت مروع قفزت اثره الفتيات اللواتي تجمدن دقيقة في مكانهن مصدومات قبل أن يهرعن للباب الذي كان قريبا ..فتح بابه هو و أحمد بقوة لينزلا راكضين نحو صاحب السيارة الذي كان قد نزل منها مذهولا .. في خطوتين وجد نفسه يقف أمامه يجره من تلابيبه .. و أحمد يسدد لكمة مباشرة لأنفه .. انهالا عليه ضربا و ركلا دون توقف ..
شيء كالسعير كان يحرق جوفه و رغبة عارمة في تمزيق هذا الحيوان بأسنانه ..
لم يكونا يعرفان الفتيات أو أسمائهن .. لا يعرفان عددهن .. و لم يصادفا هن قط .. و لكن يكفيهما بأنه يشار اليهن ببنات عم ..!
و قد تخطى هذا الحثالة حدوده و مس عرضهم .. تعرض لمن تربط بهم صلة قرابة دثرتها السنوات نسيانا ..
رغم هذا كاد يقتله .. كان أحمد يضربه بقوة و حقد غير طبيعيين .. و أدرك بأن الرجل قد يقتل بين يديه .. لذلك راح يشده بقوة للخلف فيما ينفلت مجددا منه ليركله و يبصق عليه .. و هو يشتم عاليا ..
حقا هذا الأمر تجاوز حدود تمالكهما للنفس ..
لم يحدث أن مشت أحد بناتهم في الشارع ليعترضها مثل هذه الحثالة ..
كان موقفا رخيصا .. أصابهم في كرامتهم ..!
.
.
.
.
.
.
- شووووه ..؟؟!
همست بتلك الكلمة بما تملك من بقايا قوة .. و رأسها يثقل ببطء ..
عفرا لا تزال ترتجف و دانة تبكي بخوف .. أما نورة هي من تمالكت نفسها لتدرك الأمر ..
- سالم ولد ييرانا ..؟؟!
ارتعش صوتها و هي تنظر لحور التي راحت تقاوم الارهاق البادي عليها و عيناها تجحظان ..
- هيه .. هوو .. بس مادري منوه راعي السيارة .. قدام البيت يا حور ..
ضغطت حور بيديها على جانبي رأسها و هي تهمس ..
- نايف ..!
التفت اليها و وجه الصغير يتميز غيظا .. همست له ..
- سير شوف شوه السالفة .. بسرعة ..!
قفز بقوة من مكانه و هو ينذرهم ..
- و الله لراويه الحقير .. و الله ما خليها له .. بفلعه بقب .. و الله ليروح دمه اليوم ..
ضغطت حور على عينيها و هي تشعر بأن فقدانها لرشدها دانٍ اليوم .. حقا هذا ما ينقصها .. ابن جيرانهم يعاكس اخواتها .. و أحد ما قام بالاصطدام به ...
.
.
.
مرت دقائق ثقيلة قبل أن يأتي يعود نايف مهرولا و في وجه المتجهم يتصارع قلق و حماس غريبين ..
- هذا أحمد ولد عمي علي و هزاع بطيخة .. دعموا سالم الكلب و ظربوه .. الشرطة يت الحين ..!
.
.
دفنت حور وجهها بين كفيها الحارين .. و هي تشعر بيدي المها التي كانت تقف جانبها تحتضن رأسها بحنان أتعسها ..!
و هي تمسح على ظهرها بهدوء ..
أي احراج .. و أي ضيقٍ و أي فظاعة قد تفوق هذا ..!
شعرت بعينيها الملتهبتين لا تتوقفان عن ادرار الدموع و هي تبلل صدر المها التي بدا لها باردا في تلك اللحظات ،، لا يمكن أن يبلغ بها اليأس قمة أخرى ..!

* * * * *


وقف بجانب ابن عمّه و هما يقفان قرب الباب و أخاه الأكبر يسترخي في المقعد المواجه لمكتب الضابط و كأنما يملك المكان .. كان هادئا للغاية .. و يتحدث بصوت منخفض حازم النبرات .. كان الضابط ينصت له باحترام و اهتمام جلي ..
للحظات فكّر بأنه ربما أخطأ في الاتصال بغيث .. فإذا كان غاضبا الآن و يلجم ثورته .. سيمزقه اربا حال اخلائه به ..
ارتعد للفكرة .. و هو يبتلع ريقه .. نظر لهزّاع بتوتر لينصدم بابتسامة أنيقة تحتل وجهه .. همس بغيظ ..
- شعندك تتضيحك يا الخبل ..!!
نظر له هزاع ببساطة ..
- كيفي عيناوي .. - ثم عاد يتأمل غيث بشيء من الغرور - و الله ان خوك هب هين شوف كيف قلب السالفة عليهم و الحين هو لي يبا يشتكي ..
- حتى لو .. ما تنفع الشكوى و نحن ضاربين الريال .. يعله العوق ان شا الله ..
وقف في تلك اللحظة غيث يصافح الضابط الذي هب هو الآخر باحترام ثم نظر لهما و غيث يوقع ورقة مدّت أمامه بسرعة ..
- تفضلوا وقعوا التعهد يا شباب .. و مرة ثانية ما نبا نشوفكم هنيه ..
ابتسم غيث للضابط مرة أخرى ..
- ما قصرت يا بو عبدالله ..
أومأ الضابط برأسه و هو يتأمل هزاع و أحمد يوقعان واحدا تلو الآخر ..
- حاضرين طال عمرك .. و نشكركم ع التعاون الطيب ..
.
.
بعد تبادل عبارات المجملة الطويلة التي بدت للاثنان كأنما تسرد في حفل عشاءو هما يقفان هناك بثيابهما الممزقة و الملطخة بالدمة ..
خرجا مع غيث الذي كان يتقدمهما بسلطة و ما ان استقلا سيارته التي كانت البديل عن سيارة هزاع التي أُخذت لكراج تصليح السيارات بدل أن تحجز ..حتى تأملهما باشمئزاز و هزاع يشيح بطرف وجهه الذي الذي خُدش .. و أحمد يضع يدا تخفي شفته المتورمة .. و صوته الغليظ يملأجو السيارة ..
- ماريد حد يدري عن لي استوا .. و لا حد حتى اعماميه .. الموضوع هذا لا ترمسون فيه حتى امبينكم .. تسمعون ..
كانا كطالبين مذنبين يتلقيان العقاب من أستاذهما و هما يجيبان ..
- ان شا الله ..
و أردف هزاع بشيء من الحذر ..
- و قوم عمي ..؟!
بدت نظرة غيث أقسى من الجليد و هي تنعكس على المرآة الخلفية و صوته العميق يقول بوعيد ..
- انا بخلص الموضوع ..
.
.
كان يغلي بشدة الآن ..
بدا أنهم بشيء من الاهمال قد فتحوا بابا لن يسد ..!

* * * * *

كانت الشمس قد غفت خلف حدود الأفق منذ ما يقارب الساعتين و سيارته الصغيرة تقطع الشوارع متوجهه لبيت خالته .. ألقى نظرة أخرى عليها ليجدها لا تزال تسند رأسها على زجاج السيارة و يديها المرتخيتين تحتضن كيس الدواء الذي أحضراه للتو من المستشفى ..
صوت أنفاسها يتردد في السيارة بثقل كالخشخشة .. و هي تزفر باستماتة ..شعر بموجة حنان هائلة تجتاحه .. لم يرها قط مريضة بهذا الشكل .. كان هذا الفيروس منتشرا في الهواء و بين الناس بشدة هذه الأيام .. و حين اتصلت به عفرا تخبره بان عليه الحضور لأخذها للمستشفى .. ظن أنها تهول الأمر فقط .. فقد رآها صباحا و لم يكن بها خطب سوى ثقل صوتها و الارهاق ..!
و لكن الآن راعه مظهرها البالي .. و قد أنهكتها الحمى .. ماذا يقال عن رشح الصيف ..؟؟ أ و ليس أحد من السيف ..!!
مد يده ليحتضن كفها الصغيرة و هو يهمس ليتأكد من أنها ليست نائمة ..
- حور ..؟
.
.
كانت قد أسدلت أهدابها .. بتعب .. بحزن .. بيأس ..
خواطر شتى أخذت تتنازعها و هي تشعر بانها ضعيفة كما لم تكن قط ..!
ممزقة للغاية .. و مستنزفة .. لا تدري بالضبط ما الذي عليها أن تفكر به ..
طريقة لجلب المال لدفع اخوتها للدراسة .. أم الحرص عليهن مما قد يواجههن خارج حدوةد البيت كما حدث اليوم .. ام عليها أن تجتهد في مراقبة أخاها الوحيد الذي تبين أن سبب استدعاء ولي أمره لم يكن سوى نتيجة عنفه اتجاه طالبٍ قام بضربه .. في مرحله يحتاج حقيقة الى ارشاد رجل فيها و ليست وقفتها هي ..!
أم يجب أن تهتم بامر أمها المريضة أم إخوتها الصغار .. أم ... أم ...
مئات الأفكار تتزاحم في ذهنها المريض حتى خيل إليها أنها تهذي بصوةتٍ عالٍ أو أنها ترى رؤى أمام عينيها الغائمتين .. رأسها يضج بأصوات لا مصادر لها و لا أساس .. و شريط صور ينزلق أمام عينيها الساخنتين ..
تضم شفتيها و هي تشعر بحرارتها .. برد شديد يحيط بها .. و صوت مايد يأتيها من مقعد السيارة المجاور و يده تحتضن كفها بقوة ..
- حور ..؟؟
قاومت هذا الضباب باستماتة و هي تجيب بصوتها المبحوح ..
- لبيه ..
- لبيتي في منى .. رقدتي ..؟!
هه .. أنى إليها أن تفغو عينيها و أقدار تنهال عليها مرّة واحدة .. أ لك أن توقف الزمن أخي للحظات ..
للحظات فقط ..
تلك استراحة محارب اتلهف اليها .. اريد أن أضع رأسي بعيدا عن كل شيء .. لأنام .. لأموت ... لأغيب فقط ..
للحظات ..
ثم بعدها فليحدث ما يحدث ..!
- لا ما رقدت ..
- انزين وصلنا ..
رفعت رأسها لتجد السيارة قد توقفت أمام البيت .. ليسألها بهدوء ..
- محتاية شي ..
كانت ابتسامتها ميتة و هي تقول بارهاق جعل عينيها الواسعتين تبدوان فجوة بلا قرار ..!
- سلامتك يا الغالي .. سلم على أمايا و عبيد و عمي سلطان ..
- يبلغ .. باكر العصر ان شا الله بخطف عليكم .. و انتي اشربي الدوا و ارتاحي .. تحملي ع عمرج ..
همست و صوته الحاني يدفعها لشفير البكاء .. تشعر بدمعتها المتخاذلة قد أقبلت .. فتتدارك أحزانها و هي تفتح الباب ..
- لا توصي .. و مشكور فديتك ..
لم يتبين ذهنها الغائب ما يقول و هي تغلق الباب بهدوء لينزل زجاج النافذة و يلوح بيده فترد التلويحة بوهن قبل أن ينطلق .. تستدير للبيت و هي تمشي بخطى متثاقلة .. تشعر بان كل خطوة ترتج لها عظامها و المخ بقوة ..
بدا الليل باردا للغاية .. و الباب الذي تدنو منه ببطء بعيدا ..
قبل أن تشهق بقوة و أنفاسها تحتشد في حنجرتها حين أطبقت قبضة حديدية من المجهول على ذراعها الغضة و هي تجرها جرا للداخل ..
لم تستوعب ما يحدث خلال تلك الثواني حتى وجدت نفسها تدفع لمجلس الرجال بقوة جعلتها تتعثرو هي تصر بيدها على كيس الدواء .. التفتت بصدمة نحو هذا الهمجي الذي قام بهذا . لتجده يقف أمامها ملامح وجهه المتصلبة بدت شيطانية للغاية و هو يلهث بفرط ما يخالجه من غضب .. كان صوته مزلزلا و هو يصيح بها بغلظة قبل أن تبدأ بالهجوم ..
- امنووووه هالحيوااااان لي كنتي ويااااه ..؟؟؟!!
انتفض جسدها الضعيف بقوة ذعرا .. بدا مجنونا في تلك اللحظة و أخافها بشدة لم ترى هذه الناحية من قبل .. فكل ما كانت تواجهه مسبقا جبل الجليد ذاك ..! ارتعش صوتها و هي تقول بخوف و تنأى بنفسها عنه ..
- مــ .. ماا .. مايد ..!
تجمد لبرهة في مكانه .. قبل أن يدنو منها .. تراجعت للخلف بسرعة .. بدا مخيفا و هو يشرف عليها بهذا الشكل .. و عاد يصرخ في وجهها مجددا ..
- و شوووه كنتي تسوين وياااه .. انتي ناسية انج ع ذمة ريال .. و الا شفتي الدنيا فالتوووه و قمتي ترتغدين يسار و يمين .. عنبوووه أبوكن ما قد له شهر متوفي و خواتج يرتغدن في الشوارع .. و انتي كل ساع و يا هالسبال .. انا بربيج يا الخايسة و بربيه ..
كان صراخه يصم أذنيها و هي تشعر بالدوار .. حتى بدأ بشتمها .. فانتفضت بغتة و هي تصيح بضعف ..
- انته تخبلت .. ؟؟!!
كان الرد فوريا و هي تشعر بأن الدماء سد مجراها في الذراع ..
- تخبلت يوم انيه ميودنج ظاهرة ويا واحد .. شوه كنتي تسوين وياااه هااا ..؟؟
ارتجفت بشدة و هي تصارع الدموع بقوة .. لم ترد أن تبكي أمامه قط رغم أن صوتها راح يتهدج بوضوح ..
- انا و خواتيه أشرف منك و من لي يابووك .. ماااايد أخوووووية ..
هزها بعنف ..
- هندي تقصين عليه .. أخوج من وين ..؟؟
راحت تقاتل بضعف .. تشعر بانها تستهلك ذرات القوة الأخيرة .. تفني نفسها ..
- خوووية بالرضاااع ..
لحظات طويلة شعرت بانها ستتهاوى خلالها قبل أن يفلت ذراعها .. بدا وجهه مجردا في تلك اللحظة و خاليا من أي تعبير .. لا زال يقف أمامها بجسده الكبير .. و هي تنظر لغطاءها الذي سقط أرضا .. و شعور بالموت يزحف في روحها .. ينهكها .. و يلتهم الاحساس في داخلها .. و هي تقول بصوتها المبحوح ..
- انته شوووه تباا .. شوووه تبووون مناااا ..
هزت رأسها بجنون و خيط التعقل قد انقطع و صوتها يرتفع باستماته إلى ما يقارب الهمس ..
- أنااا ماا اباااك .. طلقني .. فكني من شرك .. طلقني و اظهرووو من حياتنا .. ما نباا منكم شي .. ما نباا فلوووس .. و لا معووونة .. خلووونااا في حالنااا ..
.
.
كانت حدقتيها تتسعان بغرابة و هي تتلفظ بتلك الكلمات بغير ادراك بدت غير واعية لما تقول و هي تتحرك بسرعة لتدفع صدره بيدها .. لم يجد في نفسه الرغبة في الاعتذار حين وبخها على ما اعتقد بأنها تفعله .. و لكن لما بدت هكذا كالميتة .. و هي تنظر اليه بلا هدى و صوتها المبحوح المنخفض يتهدج ..
- ما نباا شي منكم .. اناا بييب فلوس و بخلي عفاري تدرس .. ما نباا صدقة .. انتووه شوه دراكم .. كل واحد لاهي بـ ..- ثم أمسكت رأسها بين يديها و هي تتوجه للباب -.. و نايف بحامي عليه .. أنا ولي أمره .. محد بيروم يأذي خوانيه .. انتووو .. مـ ..
عادت صورتها يوم وفاة والدها لذهنه .. ها هي تهذي الآن .. و لكن,,
كنت تترنح بشدة و بدا أنها على وشك السقوط .. في خطوة واحدة وصل اليها ليمسكها بقوة قبل ان تهوي على الأرض .. وضع يده خلف عنقها لتلذعه حرارة جسدها الساخن .. اتسعت عيناه بقوة ..!
قبل أن يرفعها ببساطة بين يديها ليعيدها من عند الباب إلى داخل المجلس فيمددها بهدوء على الأرض و يجثو قربها ..
وجهها الشاحب و وجنتيها الحمراوين الساخنتين ..و شفتها القرمزية .. بدت كالميتة .. رغم حرارتها .. شعرها المتدلي على جبينها بدا حالك السواد بالنسبة لشحوبها ..
و صدرها يعلو و يهبط في أنفاس متحشرجة ذات صفير غريب .. بدأ نبضه يتسارع بقلق .. أمسك كفها اليمنى لتضيع في يده الكبيرة و راح يضرب خدها بخفة و هو يناديها يقلق ..
- حور .. حور ..
اضطربت أنفاسها .. تسمعه إذا ..!
مسح على رأسها برقة و هو يسالها بعطف ..
- حور بلاج ..؟
شعر بانقباض في قلبه .. شيء كالشلل جمده و هو يرى دمعة صافية .. ساخنة .. تنزلق من جفنيها المطبقين .. و صوتها الهامس يخرج بوهنٍ يقارب الاحتضار و كأنها تسلم بأمرها ..
- انا تعبااااانة ..
سرى ألم غريب يخالطه شفقة .. و قد بدت و هي تستلقي كم استنزفت آخر قواها .. اقترب منها ليقول بشيء من الدفء ..
- انتي مريضة ..؟
لم يكد يقولها .. حتى بدأت تبكي .. كانت تبكي بخفوت و تعب شديدين لتنقل على جانبها .. أوجعه منظرها هذا .. و صوتها المتألم يأتيه من بين أنفاسها المتحشرجة ..
- هييييه .. انا مرييييييضة ..
التفت للوراء و كأنما وعى ذهنه الغائب لشيء ما فتسقط عينه على كيس الدواء الملقى أرضا .. أراد أن يلكم الجدار بكل قوته و هو يشعر باحساس ثقيل و الذنب يكتنفه .. و كل صراخه و عنفه يدور أمام عينه الآن .. لقد هاجمها بهمجية و وحشية في حين كانت خائرة القوى عاجزة حتى عن الدفاع عن نفسها ..!
رفع رأسها عن الأرض و هو يجلسها فيما ارتخت و لا زال صوت نحيبها يتردد بخفوت قرب أذنه ليمزقه باحساس قاتل .. لم يكن قط حقيرا مع من هو أضعف منه ..!
لم يضر إلى استعمال قوته أو قسوته حين بامكانه حل الأمور بغيرها ..
و لكنه الآن دهس هذه الفتاة الهشة حين جرّدت من قوّتها .. ليصدمها بعنف و يفرغ كل غضب يومه ليصب جامه عليها ..!
أسند رأسها برفق لصدره الفسيح .. و هو يتخيل ما قد تقول أمه نورة عن كل هذا .. و عبارات أخرى تمتزج ببعضها في ذهنه ..
تحدثت عن مال و دراسة لفتاة ما .. ! و عن أخاها ..!! هل كانت تواجه ضغوطا ما ..!
شعر بأن حملا ألقي على كاهله و هي تحول بضعف الابتعاد عنه .. و صوت خبيث يتردد في ذهنه ..
.
.
.
((قصديه إن لي بييلس وياهم لازم يكون محرم لها .. و محد محرم لها إلا غيث .. هب ريل بنتها ..؟؟ ))
.
.
.
رغم الحقد الذي تجلى في تلك الفكرة إلا أنها كانت صائبة .. وجودهن هنا دون رجل جعلهن عرضة للأذى ..
الآن و هو يجمع حطامها بين راحتيه .. ادرك أن لا حل لهذا الوضع سوى خطوة واضحة ..
عليه أن ينتقل للعيش هنا حتى يتمكن من نقلهم لبيت جده ..!

* * * * *


الإشارات المرجعية

خطوات تغفو على عتبات الرحيل / الكاتبة : ليتني غريبة

الوسوم
ليتني , الرحيل(رائعة , الكاتبه , تغفو , خطوات , عتبات , غريبه)
أدوات الموضوع
طريقة العرض
مواضيع مشابهة
الموضوع الكاتب المنتدى الردود آخر مشاركة
وقفة أقتران الإيمان بالعمل الصالح في كتاب الله قلب حنان مواضيع إسلامية - فقه - عقيدة 15 17-11-2010 03:40 PM
ادخلو حياكم وشوفو موضوعي عشقي سعودي وحبي اماراتي سجل الأعضاء - للتواصل بين الأعضاء 5 13-12-2009 01:10 AM
خطوات تغفو على عتبات الرحيل للكاتبه ليتني غريبه دلوعه حبيبي ارشيف غرام 8 26-08-2009 03:33 AM
ليتني معتز بإسلامه منقولات أدبية 5 02-03-2008 11:49 PM

الساعة الآن +3: 06:03 PM.
Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, vBulletin Solutions, Inc.
SEO by vBSEO 3.6.1
موقع غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات


تصميم دريم تيم