الطلاق وابل من طلقات الرصاص المعنوي التي لا تضل طريقها إلى قلب المطلقة. نادرا ما تنجو أي سيدة تعرضت للاغتيال بهذه الرصاصات من الوقوف ثانية بسرعة؛ لأن جراح القلب من الصعب اندمالها، أو حتى إخفاء آثارها من نفسية المرأة مهما اجتهدت في إجراء عمليات التجميل، فهي إن نسيت الفشل في العلاقة الزوجية الذي قد لا تكون المسئولة عنه فسيظل المجتمع يحملها الثمن إلى أن توارى الثري.
وفق هذه المعطيات تفتح "شبكة إسلام أون لاين.نت" ملف المطلقات من على شواطئ الأطلسي حيث المملكة المغربية، متناولة العوامل المؤدية للطلاق فيها، وتأثير قوانين الأسرة في المغرب على معدلات الطلاق بها، مع تقديم أطروحات للحد من الارتفاع المتزايد لنسب الطلاق بهذه المملكة العربية.
عوامل الطلاق
الطلاق نتيجة واحدة.. لكن العوامل المؤدية إليه مختلفة في المغرب، وترجع الدكتورة سمية نعمان أستاذة علم الاجتماع بكلية "الآداب بن أمسيك" بالدار البيضاء عوامل الطلاق إلى التطور الذي طال وضعية المرأة ودورها في المجتمع المغربي، باعتبار أنها كانت في السابق تتربى على أساس أنها ستكون ربة بيت فقط، أما اليوم فالفتاة المغربية أصبحت لها استقلالية، وحرية تفكير، ومواصفات خاصة بها لزوج المستقبل بعيدا عن تأثير العائلة. وفق كل هذه الأمور بدأت الفتاة المغربية لا تتحرج في طلب الطلاق في حال اكتشافها افتقاد شريكها للمواصفات التي كانت تريدها من البداية.
وتضيف: وتلعب عملية اختلاف التنشئة الاجتماعية للشاب والفتاة دورا محوريا في حصول الطلاق؛ فنجد الشاب يريد زوجته المستقبلية أن تكون صورة من أمه في سلوكها، وفي نفس الوقت يريدها فتاة عصرية مثقفة وعاملة وواعية، ومن هنا يبدأ صراع الأدوار في البيت، وخصوصا إذا كانت الزوجة عاملة.
وأشارت الدكتورة سمية نعمان إلى أنها قامت بإجراء دراسة اجتماعية حول "مواصفات الزوجة المثالية عند الرجال" فكانت النتيجة الرئيسية متمثلة في "الاحترام وعدم إحداث المشاكل لهم"، وتفسر هذه النتيجة بقولها: معنى ذلك أن الرجل المغربي يريد صوتا واحدا في البيت، هو صوته، وهذه السلطة لم تعد تتقبلها الزوجة المغربية، وهو ما يخلق نوعا من الصراع قد ينتهي بالطلاق.
وتقول "السعدية وضاح" -محامية وعضوة مكتب الجمعية المغربية لمناهضة العنف ضد النساء-: إن من أهم عوامل وقوع الطلاق في المغرب المعاناة التي تعيشها الزوجة المغربية نتيجة العنف المستمر والمتواصل من قبل الزوج ضدها.
وأشارت إلى أن ظاهرة العنف ضد الزوجة لا تقتصر على فئة اجتماعية دون سواها، فمن خلال عدد من الشكاوي الواردة على "مراكز النجدة" التابعة لمنظمة اتحاد العمل النسائي -وهي 5 مراكز للاستماع والإرشاد القانوني للنساء ضحايا العنف- تبين أن العنف يقع في أوساط مثقفة وراقية، وليس مقصورا على الفقراء وحدهم.
مدونة الأسرة
الاستاذة زهور الحر–رئيسة قسم قضاء الاسرة بالدارالبيضاء وعضو اللجنة الملكية للمدونة
رغم أن الإحصائيات الرسمية المسجلة التي أدلى بها وزير العدل محمد بوزبع بمناسبة مرور سنة على تطبيق "مدونة الأسرة المغربية الجديدة" يوم 14 فبراير 2005 تفيد أن عدد حالات الطلاق المسجل هو 26914 مقارنة مع ما تم تسجيله سنة 2003 بـ 44922 رسما للطلاق، أي انخفاض بنسبة 40.09%، فإن تطبيق مدونة الأسرة ما زالت أمامه عقبات وصعوبات تجملها زهور الحر – رئيسة قسم قضاء الاسرة بالدار البيضاء وعضو اللجنة الملكية للمدونة - بقولها: إن من أهم الصعوبات التي تواجه تطبيق مدونة الأسرة عدم الفهم الدقيق والوعي الشامل لبعض القضاة لروح المدونة ومساطرها الجديدة، والتي من الممكن أن تكون سببا في ضياع الحقوق ووقوع الضرر.
وتضيف: "وجدنا عند التطبيق العملي للمدونة أنه من الصعب على القاضي في الطلاق أن يوازي بين تطبيق القانون، وفي نفس الوقت القيام بعملية الصلح التي تحتاج لتقنيات عالية وخبرة واسعة وطول النفس؛ لذلك كنت أفضل أن تكون هناك هيئة أو مؤسسة أخرى تقوم بمهمة الوساطة والصلح بين الزوجين".
وأشارت زهور الحر إلى أن محاكم الأسرة في المغرب غير مستقلة، وأنها مجرد أقسام تابعة لفلسفة رئيس المحكمة وتوجهاته؛ مما يؤدي إلى نوع من البطء في سير الملفات.
"طلاق الشقاق".. مخاوف
قبل تطبيق مدونة الأسرة كان التطليق للضرر أمراً معقداً نظراً لطبيعة المسطرة التي كانت متبعة في إثبات الضرر، والتي كانت تحصره فقط في الضرر المادي مع صعوبة إثباته مقارنة بالضرر المعنوي وإحداث ما يمسى بالتطليق للشقاق الذي يعرف بأنه "كل خلاف عميق ومستمر بين الزوجين يتعذر معه استمرار العلاقة الزوجية".
وتتحدث المحامية نزهة العلوي عن تأثير هذا النوع من الطلاق الجديد على الأسر المغربية بقولها: في السابق كانت هناك ثلاثة أنواع للتطليق هي الأكثر انتشارا في محاكم المغرب، وهي "التطليق للضرر"، و"التطليق لعدم الإنفاق"، و"التطليق للغيبة"، أما اليوم فالطلاق بسبب "الشقاق" أصبح أكثر انتشارا، وهو طلاق اتفاقي بين الزوجين، حل محل "الطلاق الخلعي"، وهو طلاق نهائي لا يقبل الاستئناف.
وتوضح الفرق بين "الطلاق للشقاق الذي يسهل الحصول عليه"، و"الطلاق للضرر" المعقد الإجراءات بقولها: صادفت حالة زوجة طالبت بطلاق الضرر، وكان الضرر متمثلا في اعتقال زوجها بسبب أفعال شائنة، ومع ذلك رفضت المحكمة طلاق الضرر، ولو أنها اختارت طلاق الشقاق لكانت حصلت عليه في أقصى مدة، وهي ستة أشهر غير قابلة للاستئناف".
وترجع زهور الحر الانتشار المتزايد في المغرب على طلاق الشقاق بقولها: ربما لأن له علاقة بعدد من ملفات الطلاق المتراكمة على مر 50 سنة مضت، تعسف فيها الزوج ضد زوجته، وكانت العلاقة الزوجية خلالها مختلة في غياب مسطرة تطليق في متناول المرأة، وبالتالي استخدمته النساء في تصفية حسابات قديمة مع الأزواج. وخاصة أنه يتيح للمرأة حق الطلاق لأسباب تافهة جدا؛ لأن الضرر المعنوي الذي يعتمد عليه طلاق الشقاق تقديري في الأساس، وغير محدد الأطر.
القوانين وحدها لا تكفي
مجلة قضاء الاسرة
وتعتقد زهور الحر أن وجود العدد الهائل من الجمعيات النسائية، والرصيد الكبير من القوانين المنظمة للأسرة في المغرب لا ينأى بالأسرة فيها عن الدمار والتشتت، وفي هذا تقول: يجب أن يكون هناك تنسيق بين كافة الأجهزة المدنية والقضائية والاجتماعية والفكرية والإعلامية في المملكة للحفاظ على الأسرة، مثلما حدث عند كفاحها قبل خروج قانون الأسرة للوجود.
وتتابع: لا بد أن ينطلق الشطر الثاني من الكفاح والمتمثل في ضرورة توعية المرأة بكيفية التعامل مع النظام القانوني الجديد؛ لأنه مع كامل الأسف فهم المرأة المغلوط والمعكوس للأمور يؤدي إلى خراب الأسر، كأن تضع المرأة نفسها ندا للرجل، ما يفعله تفعله، وما من حقه يجب أن يصبح من حقها، فالمدونة جاءت لتحافظ على شمل الأسرة لا لتكون آلة للتعسف. لا بد من توعية النساء بحسن استعمال حقوقهن بعيدا عن الغضب وردود الفعل؛ لأنه بسبب التشريعات الجديدة من الممكن للمرأة أن تتسرع في طلب الطلاق للشقاق بمجرد حدوث خصومة عابرة، وهو الطلاق الذي أصبح في متناولها بسهولة؛ وبالتالي نكون قد ساهمنا في دمار الأسرة لسوء تقديرنا لحقوقنا.
تجربة "الخيط الأبيض"
وتعتبر تجربة "إصلاح المشكلات الزوجية" في قسم قضاء الأسرة في مدينة الدار البيضاء نموذجا رائدا للحد من الطلاق، حيث نجحت هذه التجربة في الانتهاء بالصلح في ما لا يقل عن 50% من ملفات الطلاق الشهرية التي تعرض على هذا القسم وفق ما ذكرته لنا زهور الحر قائلة: أتأسف لغياب ما كنا نسميه بـ "الخيط الأبيض" في حل المنازعات والمخاصمات، والذي كان يتمثل في وسيط يتوسط بين الزوجين للإصلاح بينهما، وكان يمكن أن يكون رجلا في العائلة أو في القبيلة أو الحي.
وتابعت: أما اليوم غاب الخيط الأبيض، وحل محله خيط أسود لا يزيد المشاكل إلا تأزيما. هناك نزاعات عابرة سطحية من الممكن أن تحل بالحكمة والصلح، لكن تدخل بعض الأطراف -ربما يكونون من العائلة- لا يزيد الطين إلا بلة.
الطلاق الناجح
كيف تعود المطلقة مرة ثانية قوية في المجتمع؟ سؤال طرحناه على الخبراء، فرأت زهور الحر أن أول نقطة يجب أن تنتبه إليها المطلقة هي ضرورة المحافظة على "شعرة معاوية" بينها وبين زوجها السابق، بحيث يتعين عليها ألا تحرق كل الأوراق، بل تبقى بينهما على علاقة ودية حضارية يستفيد منها الأطفال بالخصوص، أما ثاني نقطة هي أن يكون للمطلقة شخصية قوية ومستقلة، تؤمن بأن الطلاق ليس نهاية الحياة، حتى تتفوق في عملها، أو في تربية أبنائها، أو في زواج جديد.
ومن جهتها ترى الأستاذة نزهة العلوي أن أقوى سلاح يمكن المطلقة من تجاوز العقبات والصعاب هو وضعها الاقتصادي الذي يدر عليها دخلا مناسبا، يمكنها أن تندمج في مجتمعها بعيدا عن نظرة الشفقة والاستغلال والريبة.
وتضيف: كما أنصح كل مطلقة بأن تستفيد من تجربتها الأولى، وألا تسعى للزواج الثاني بسرعة، وإنما هي في حاجة إلى ترو وإعادة النظر في خياراتها السابقة، والبحث عن أسباب الفشل، لا الهرب من الواقع، والتخلص من نظرة الناس لتقع في الخطأ نفسه