كيف يستمر عملك بعد موتك ؟
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات ، وهو وليُّ الذين آمنوا في الحياة وبعد الممات ، والصلاة والسلام على خير البريَّات ، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله ، وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ،
أما بعد : أريدُ تأمين مستقبلي ! فإذا ما رقَّ عظمي ودقَّ جسمي كان لي من الرِّزق ما يدُرُّ عليَّ مورده ، ويأتي إليَّ مصدره ، فتطيب به نفسي عند ضعفها ، وترتاح به أيامي في أواخرها . تلك إجابةٌ غالبةٌ لمن تراه يلهث خلف حطام الدنيا الفاني ، لا يكاد يجعل لآخرته إلاَّ فضل اهتمامه ، وأقلَّ عنايته ، وأضعف رعايته . فأين أنت عن مستقبلك الحقيقي ؟! يوم تحين ساعة وفاتك ، وتنطفئ شمعة حياتك ، لتقوم قيامتك ، وتبدأ الحياة الآخرة ، فتحصد ثمره زرعك ، وتقطف غنيمة عمرك ، وتجني ما قدَّمته لنفسك ؟! فالعمر ميدان العمل ، والدنيا مزرعة الآخرة ، والعاجلة معبرٌ للآجلة ، والموفق المسدَّد من يشغل كلُّ لحظة في عمره بطاعة ربِّه ، حتَّى إذا انتهت حياته ، وأزف وقت رحيله ، وإذا به قد أخرج ما في جعبته ، وبذل ما في وسعه ، واستفرغ كلَّ طاقته ، في كلِّ عمل صالح قدِرَ عليه وتمكن منه . حتَّى لو قيل له : إن القيامة تقوم غدًا لما استطاع أن يزيد في عمله ، فقد رمى بكلِّ سهم ، وصال في كلِّ ميدان ، وجال في كلِّ مضمار . والعمل الصالح صديقه الذي لا يخون ، وصاحبه الذي لا يغدر ، ورفيقه الذي لا يمكر ، فهو معه في رحلته إلى آخرته ، لا يفارقه أو يهجره أو يتخلَّى عنه .
عن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم :" الأخلاَّءُ ثلاثةٌ ، فأما خليل فيقول : أنا معك حتى تأتي باب الملك ، ثم أرجع وأتركك ، فذلك أهلك وعشيرتك ، يشيعونك حتى تأتي قَبرَك ، ثم يرجعون فيتركونك ، وأما خليل فيقول : لكَ ما أعطيتَ ، وما أمسكتَ فليس لك ، فذلك مالُك ، وأما خليل فيقول : أنا معك حيث دخلت ، وحيث خرجت ، فذلك عمله ، فيقول : والله ! لقد كنتَ من أهون الثلاثة عليَّ " ومن رأى أهوال يوم المحشر ، احتقر ما قدَّم وأخَّر . ومن رأى النعيم المقيم في جنَّات النَّعيم ، صغُر في نظره ما بذل. ومن رأى العذاب الأليم في دار الجحيم ، هان عليه ما عمل .
عن عتبة بن عبد ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم :" لو أنَّ رجلاً يُجرُّ على وجهه من يوم وُلد إلى يوم يموت هرمًا في مرضاة الله ، لحقره يوم القيامة " بل إن عظيم الهمَّة لا يقنع بملء وقته بالطاعات والأعمال الصالحات ، وإنما يفكر فيما بعد موته أن لا تموت معه حسناته . فكم من ميِّت ما زالت حسناته حيَّةً من بعده ، تأتيه في قبره وهو أحوج ما يكون لها وارغب ما يكون فيها .. وفي هذا تفاوتت الهمم وتباينت العزائم ! والعجيب أن تعلم أنَّ بعض الناس يحصد من الحسنات ويحصل على أجور بعض الأعمال الصالحات بعد موته أضعاف أضعاف ما أدركه في حياته . فعمره ـ وإن طال ـ فهو قصير ، وبقاءه في الدنيا ـ وإن امتدَّ ـ فهو إلى نهاية ، وربما يضل عمله الصالح الذي أوقعه في حياته ممتدًا في بقائه مئات أو ألوف السنين من بعد وفاته ، ونهر الحسنات الجاري يصبُّ في ميزان أعماله ، ويكتب في ديوان أفعاله . والموفق من ألهمه الله ، والمسدد من هداه مولاه ! ويزيد بك العجب أن تعلم أن أُناسًا يعملون الصالحات في زمنٍ متأخر تكتب أعمالهم في ميزان حسنات من سبقوهم بقرون من الزمان . ويزيد الأجر ويعظم الثواب كلما اتسعت رقعة الفائدة وعمَّت مساحة الانتفاع . فيا لله كم يسعد أقوام بحسنات غيرهم ! وكم يشقى آخرين بسيئات سواهم ! قال تعالى : ( ولكلٍّ وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أينما تكونوا يأت بكم الله جميعًا ) والأصل عند المسلم ؛ استغلال الحياة في الباقيات الصالحات قبل الممات فيما يُقرَّب من ربِّ الأرض والسموات .
عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : كان رجلان من بلي من قضاعة ، أسلما مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاستشهد أحدهما ، وأُخِّر الآخر سنة ، فقال طلحة بن عبيد الله ـ رضي الله عنه : فرأيت المؤخر منهما أُدخل الجنة قبل الشهيد ، فتعجبت لذلك ، فأصبحت فذكرت ذلك للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو ذُكِرَ لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم : " أليس قد صام بعده رمضان وصلى ستة آلاف ركعة وكذا وكذا ركعة صلاة سُنَّة " وفي رواية ، قال لهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم :" من أيِّ ذلك تعجبون ؟ " فقالوا : يا رسول الله ! هذا كان أشد الرجلين اجتهادًا ، ثم استشهد ، ودخل هذا الآخر الجنة قبله . فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم :" أليس قد مكثَ هذا بعدهُ سنةً ؟ " قالوا : بلى . قال ـ صلى الله عليه وسلم:" وأدركَ بعده رمضان فصام ، وصلى كذا وكذا من سجدةٍ في السَّنَةِ ؟ " قالوا : بلى . قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم :" فما بينهما أبعدُ مِمَّا بين السَّماء والأرض "
وفيما يلي بعض الأعمال التي يجري أجرها بعد الموت :
يتبع