التخدير الموضعي هو الحل الأمثل حتى اليوم

يبدو أنه لا تلوح في الأفق بوادر انفراج حاسم في أزمة من يُعانون من سرعة في القذف. إذْ لم يتوفر بعد حل علاجي فاعل، مثل ذلك الحل الجذري الذي قدمه الباحثون لمشكلة ضعف الانتصاب، من خلال سلسلة من الأدوية كانت بدايتها قبل بضع سنوات بعقار فياغرا المشهور. وقد عاد الباحثون من بريطانيا وبلجيكا يُلقون على مسامعنا فوائد الأدوية التي تُستخدم بشكل موضعي على العضو الذكري، بغية تحقيق تقليل الإحساس في النهايات الطرفية للأعصاب فيه، كوسيلة للحد من فقدان السيطرة لدى البعض على القذف غير المنضبط في وقت مبكر من البدء بالعملية الجنسية. وقالوا في دراستهم المنشورة بعدد فبراير من المجلة البريطانية الدولية لطب المسالك البولية؟، ان من يستخدمون بخاخا من مواد للتخدير الموضعي بإمكانهم تأخير حصول القذف لمدة تبلغ خمسة أضعاف ما لو حصل القذف دون استخدام هذه المواد في بخاخ التخدير الموضعي. وهذا يُعيد الى البحث الطبي مجدداً ضرورة فهم موضوع القذف من أساسه، وهل يعتمد بالدرجة الأولى على الإحساس العصبي الموضعي في الأعضاء التناسلية المتنوعة والتي ثبت ان إثارة أجزاء متنوعة منها يُؤدي الى القذف، أم أن الجانب العصبي في الدماغ هو ما يعتمد الأمر عليه. أي بمعنى أنه إن كان التأخر في القذف أو السرعة فيه هي أمور تحتاج الى علاج عصبي نفسي، فلماذا لا تزال الوسائل الموضعية ذات تأثير فاعل بشكل أكبر في التغلب على المشكلة؟
* تخدير موضعي شملت الدراسة مجموعة صغيرة نسبياً، وتحديداً 54 رجلاً ممن يُعانون من سرعة في القذف. وقال هؤلاء الرجال إنهم عادة ما يبلغون مرحلة القذف في العملية الجنسية خلال ما معدله حوالي دقيقة من بعد الوُلوج. وتم تقسيمهم الى مجموعتين: الأولى استخدم فيها المشاركون بخاخا، من إنتاج إحدى الشركات الإنجليزية، يحتوي على مزيج من عقار ليدوكين Lidocaine وعقار بريلوكين prilocaine . اما الثانية فاستخدم المشاركون فيها بخاخاً مزيفاً لا يحتوي أي مواد فاعلة، وذلك بغية معرفة التأثير بالمقارنة. وطُلب منهم ممارسة العملية الجنسية على الأقل سبع مرات خلال عشرة أسابيع، وهي مدة الدراسة.
وقال البروفسور والسي دينسمور، من مستشفى الملكة فيكتوريا في بلفاست، عن من استخدموا هذا البخاخ انه طالت مدة الجماع لديهم قبل الوصول الى القذف، وبلغ معدل التأخير في تلك المدة حوالي أربع دقائق، في حين أن استخدام البخاخ الوهمي دونما علم بحقيقته، وبكل التأثيرات النفسية له، لم يتجاوز إطالة المدة تلك سوى 40 ثانية، ما يعني كما قال الباحثون، أن بخاخ التخدير الموضعي ذلك ضاعف مدة الجماع قبل القذف بحوالي 4.2 مرة مقارنة بالبخاخ الوهمي، وربما بأكثر من ذلك فيما لو تمت المقارنة مع عدم استخدام أي شيء.
الدراسة شملت أزواجاً طبيعيين من ناحية السلوك الجنسي، أي دونما أي شذوذ في الممارسة الجنسية ويقتصرون على ممارسة العملية الجنسية ضمن نطاق الزوجية. وتراوحت أعمار الرجال فيما بين 18 و75 سنة، ممن تم تشخيص وجود سرعة في القذف لديهم لمدة معدلها حوالي 5.9 سنة مضت.
وشملت كيفية الاستخدام رش البخاخ ثلاث مرات على الحشفة والقضيب نفسه قبل حوالي ربع ساعة من البدء بعملية اللقاء الجنسي، ما يعني وضع حوالي 5.22 مليغرام من عقار ليدوكين وحوالي5.7 مليغرام من عقار بريلوكين. وتم حساب الوقت بدقة فيما بين البدء بالولوج الى حين القذف.
ولم تبد أي تفاعلات عكسية لاستخدامه، لكن ثلاثة منهم أحسوا بتخدير تام للإحساس، ما منع واحداً فقط من تحقيق الانتصاب.
* سرعة القذف وتُعتبر حالة سرعة القذف أو القذف المبكر أكثر مشاكل اضطرابات الأداء الجنسي لدى الرجال شيوعاً، إذْ تشير الإحصائيات في الولايات المتحدة وغيرها من دول العالم، وتحديداً الصادرة عن الرابطة الأميركية لطب المسالك البولية أن حوالي 34 % من الرجال يُعانون منها، بينما لا يتجاوز من يُعانون من ضعف الانتصاب حد 12 %.
وبالرغم من عموميات الوصف لحالة القذف المبكر وخضوعها لتجاذبات مختلفة لدى الرجل وطموحاته ولدى المرأة وتوقعاتها، إلا أن الهيئات الطبية المعنية بالأمر ترى أن ثمة ضوابط لوصف حالة قذف رجل ما بأنها مبكرة أو حصلت بسرعة. وأهم الضوابط هي اعتبار جانب المدة الزمنية من حين وُلوج العضو في المهبل الى حين القذف. وأول ظهور لهذا الضابط كان عام 1994، بغية تقليل الثغرات في التشخيص. وكذلك شعور الرجل بسيطرته على وقت القذف. هذا بالإضافة الى أن جانب رضا الرجل عن أدائه الجنسي ومدى رضا الشريكة بهذا الأداء هو عامل مهم في وصف الحالة، بمعنى أن المدة الزمنية وشعور الرجل بالسيطرة على القذف ومدى الرضا عن الأداء الجنسي هي أسس لا يقل أحدها أهمية عن الآخر. لأن ثمة الكثير من الحالات التي لا يشكو الرجل أو زوجته من مقدار المدة قبل القذف طالما أن ثمة رضا عن الأداء أو شعوراً عارماً بسيطرة الرجل على القذف. والسبب في هذه الضوابط كلها، أن معظم حالات القذف المبكر لا تعكس وجود مرض عضوي وليست بالضرورة مُؤشر على وجوده. ولذا لا يهم من الناحية الطبية، المعنية بالدرجة الأولى بسلامة الأعضاء التناسلية وخلوها من أي إصابات فيها، أن تكون هذه المشكلة موجودة أو غير موجودة طالما لا يشكو الزوجان أو احدهما منها، بخلاف حالات ضعف الانتصاب التي تستأثر اهتماما طبياً ملحوظاً، لأن ضعف الانتصاب من الناحية الطبية اليوم لا يُنظر اليه على أنه ترف في الاستمتاع الجنسي، بل هو ربما أحد مؤشرات وجود أمراض الشرايين القلبية والدماغية والطرفية في الجسم. والشكوى منه تنبه الطبيب على ضرورة أخذ الأمر محمل الجد والبحث عن أسبابه وإجراء فحوصات للاطمئنان على سلامة أعضاء مهمة جداً أخرى في الجسم. وهو أمر كما صرح العديد من الهيئات الطبية العالمية أنه يفرض تدخل طبيب القلب في متابعة مثل هذه الحالات من جوانب تشخيصية وعلاجية شتى.
* تعريف دقيق والتعريف المُعتمد من الرابطة الأميركية لطب المسالك البولية في حالات سرعة القذف هو تلك الحالات التي يتكرر أو يستمر بصفة مزمنة حدوث القذف بشكل أسرع مما هو مرغوب فيه إما قبل دخول عضو الرجل في مهبل المرأة أو بعد ذلك بقليل، وفي الغالب يستغرق الأمر ذلك دقيقتين أو أقل وحينما أيضاً يكون الرجل إما فاقداً للسيطرة أو يملك سيطرة ضعيفة على توقيت القذف. وهو ما يُؤيده تعريف الرابطة الأميركية للطب النفسي المشتمل على نفس الأمور، وبالإضافة إليها تذكر الرابطة أن على الطبيب أن يأخذ بعين الاعتبار طول أو قصر مدة المداعبة والإثارة قبل ولوج العضو الذكري في المهبل، وسن الرجل، ومدى الالتزام بالشريك الواحد، ومدى تكرار ممارسة العملية الجنسية مُؤخراً. وبعيداً عن مدى شعور الشريكين أو أحدهما بالرضا من الأداء في العملية الجنسية ودوافع ذلك، أو مدى الشعور من قبل الرجل بالسيطرة على وقت حصول القذف، فإن جُملة من الدراسات تُشير الى أنه لا توجد مدة يُقال عنها طبيعية في الجماع قبل القذف أو ejaculation latency time (IELT) لكن الغالب هو معدل يُقارب 3.7 دقيقة، وتحديداً يتراوح ما بين 7 الى 10 دقائق في الغالب. ولذا فإن مدة أقل من دقيقتين للجماع والقذف، من حين ولوج العضو الذكري في المهبل، تُعتبر حالة سرعة قذف أو قذف مبكر. وكان ملحق الصحة بـ «الشرق الاوسط» قد عرض في عدد 30 يونيو من عام 2005 دراسة الباحثين من جامعة ويسترن ريزيرف في كليفلند بأوهايو المنشورة في المجلة العلمية الأميركية لطب الجنس. وهي من أهم الدراسات التي وضعت معايير علمية دقيقة في الأخذ بعين الاعتبار مدى رضا المرأة وتفاعلها مع أداء الشريك، إضافة الى مدى شعور الرجل بالرضا من أدائه، وجانب ينافس في الأهمية مسألة المدة الزمنية.
وقال في حينه البروفيسور إلثوب الباحث الرئيس في الدراسة: ان معظم الناس لا يُفكرون في البُعد الزمني لهذه المشكلة الصحية، بينما هذا البحث يُؤكد أهمية العناصر الأخرى كالإحساس بالتحكم والرضا النفسي بعد العملية الجنسية، إذ هما جانبان مهمان يجب وضع الأولوية لهما في العلاج وتقويم مدى نجاحه.