كلام جميل
العالم يتأرجح على حافة حرب نووية قد تقضي على الاخضر واليابس ومع ذلك تستمر ارادة الحياة فينا شبابا وشيوخا. الشوارع مزدحمة بالمارة والمتاجر مزدحمة بالمشترين والمطاعم مكتظة بطالبي الطعام والتليفزيونات العربية، ولا حول ولا قوة الا بالله، لا تهدأ ولا تنام من كثرة الكليبات والايقاعات والراقصات. وفي مكان ما في عالمنا العربي وفي لحظة شديدة الخصوصية كتبت الي شابة لتسألني ما هو الحب؟ فهي تحب وتخاف اذا انكشف السر أن يضيع الامل في الزواج بمن تحب. فهي تعرفه من خلال رسائل تبادلاها على الانترنت وهو يعرفها من خلال اراء وامال واحلام عبرت عنها في الرسائل. وتمنى كل منهما ان يتكلل الحب بالزواج. ولكن كيف يمكن عبور اسوار العرف الذي يحتم على البنت ان تتزوج بابن عمها؟ وكيف تحارب عرفا يعتبر الحب عيبا لأنه عاطفة مكشوفة والكشف عيب؟.
والحقيقة هي ان الحب عاطفة لا ينكرها الدين وليست بمحظورة في الشريعة. وقد ذهب بعض الائمة الى وصف الحب قائلين انه اتصال بين اجزاء النفوس المقسومة في هذه الخليقة من اجل عنصرها الرفيع. أي ان العنصر الرفيع غاية يسعى اليها المحب لكي تكتمل نفسه. وقد قال تعالى في سورة الاعراف: «هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن اليها» (189).
أشد الخطب اذن على قلب المحب ان يقف بينه وبين من يحب عاذل يزجر ويلوم بدون ابداء اسباب مقنعة. تلك هي افة الحب التي اودت بقيس الى الجنون هائما على وجهه في الصحراء يبكي حبه الضائع. وهي الافة التي سببت هزال جميل ومرضه وفي النهاية موته كمدا بسبب حرمانه من الزواج ببثينة. وكانت اسباب الفرقة في كلتا الحالتين هي الاذاعة والكشف وتسور الجهر على الحياء المطلوب مهما كان ذلك الحب عفيفا. هناك قصة تناقلها التاريخ عن جميل وبثينة مؤداها ان جميلا حدث بثينة يوما وشكى لها حبه وقال لها انها تعلم حبه لها وشغفه بها وسألها هل تجزيه؟ فسألته بم؟ فقال بما يكون بين المتحابين. فاستنكرت بثينة طلبه وقالت له: يا جميل اهذا تبغي؟ والله لقد كنت عندي بعيدا منه ولئن عاودت تعريضا بريبة لا رأيت وجهي ابدا. فقال لها: والله ما قلت هذا الا لأعلم ما عندك فيه ولو رأيت منك مساعدة عليه لضربتك بسيفي هذا ما استمسك في يدي ولو طاوعتني نفسي لهجرتك الى الابد. ورغم هذا ولأنه قال فيها شعرا كثيرا زوجها اهلها بغيره رغما عنها لأن تلك كانت عادة قبائل العرب.
عاش كل من جميل وبثينة في العهد الاموي ايام الخليفة يزيد بن معاوية. والعجيب ان تعامل بثينة هكذا في زمن ليس ببعيد عن زمن النبوة رغم انها صانت العفاف ولم ترغب بشيء سوى ان يجمعها الحلال بمن احبت. ومعنى ذلك ان عادات الجاهلية عادت بسرعة وفضل العرب ان يعودوا الى تبجيل عادات مورست قبل الاسلام.
الاسلام هو الدين الذي يحترم العاطفة النظيفة ويعترف بها وينظمها. وليس لمسلم يعرف دينه ان يقود ابنته قسراً الى الزواج بمن لا تريد. وللمسلمة ان تفصم عقدة الزواج اذا اكرهت عليه مهما انفق في سبيله وقد امر الرسول صلى الله عليه وسلم بطلاق امرأة جاءته شاكية من ان اباها زوجها وهي كارهة. وقالت اخرى اجبرت على زواج ابن عمها:
يا عجبا للخود يجري في وشاحها
ان تزف الى شيخ من القوم تنبال
دعاها اليه انه ذو قرابة
فويل للغواني من بني العم والخال
لقد مضى زمن الشعر وحل زمن الانترنت. فماذا فعلنا؟ ما زلنا ننكر ونستنكر من دون ان نفكر في حلول تحفظ العفاف وتحترم ارادة المحبين. ما زلنا نتمسك بعادات الجاهلية وقد تكون نهاية العالم اقرب مما نتصور. فماذا نقول لخالقنا عن اولادنا يوم الموقف العظيم؟