غربه
--------------------------------------
في مسرحية محمد الماغوط “غربة” التي أدى دور البطولة فيها دريد لحام ونهاد قلعي يمضي نهاد وقته في المقهى يضع حقيبته أمامه، وينتظر طائرة تهبط أمام طاولته وتحمله إلى البرازيل. إحساس غريب ذلك الذي ينتابه، كأنه في وطنه “حالة مؤقتة” بحاجة إلى تعديل بالهجرة إلى دولة أخرى. إحساس مماثل ينتاب مئات الآلاف من الشباب الذين يترددون على السفارات الأجنبية يقدمون طلبات للهجرة، وخصوصا إلى الولايات المتحدة، حتى باتت أوطاننا أشبه ما تكون بمحطات قطار مزدحمة بالناس، كل واحد فيها يستقل قطارا ويرحل، وعبثا يبحث “قاطع التذاكر” في ملفاته عن “مذكرات منع سفر” لحجز هؤلاء ومنعهم من المغادرة،
فلا يجد، وكأنما هناك تواطؤ للتستر على عمليات الرحيل.
وفي المحطة، يستقبل قاطع التذاكر الكثير من القطارات القادمة، ولكن أيا منها لا يعنيه، لأن ركابها لا يتعاملون معه. إنهم ينزلون في المحطة، وينتشرون في أرجائها، ويجرون الكثير من التغييرات في ملامحها وتضاريسها، وعندما ينظر قاطع التذاكر في هذه الوجوه القادمة لا يجد فيها وجها يعرفه، ولكنه يعرف أنه مجبر على التعايش مع التغييرات التي أحدثوها في محطته، فيشعر هو أيضا بالغربة. غربة شبيهة بتلك التي دفعت مئات الآلاف من الشباب إلى هجرة الوطن.
والمواطن العربي يعاني من الغربة على كل صعيد، غربة حضارية بسبب التيارات الأجنبية التي تهب عليه، وغربة على صعيد العلاقات الإنسانية وصلت حتى إلى العلاقة بين الرجل وزوجته وأولاده، وغربة على صعيد العلاقات الاجتماعية بينه وبين جيرانه وأصدقائه وزملائه في العمل، وقبل مدة، نشر أحد وزراء التربية العرب السابقين مقالا تحدث فيه عن وجود غربة في المناهج الدراسية التي نعلمها لطلابنا، ربما هي التي جلبت كل الغربات الأخرى إلى حياتنا، فقد قال: “إن المناهج المدرسية لم تجلب العالم إلى المدرسة، ولم تضع المدرسة في وسط العالم”.
غربة، على غربة، يعيشها الفرد العربي، ظلمات بعضها فوق بعض يعاني منها حتى يألفها ويظن أنها الوضع الطبيعي، ومع الزمن، تورث الألفة الكسل الروحي والفكري، والقبول بالأمر الواقع، حتى يخيل له أنه ليس بالإمكان أحسن مما كان، ويحس أنه لو تسلم شخصيا مقاليد هذه الأمة، فإنه لن يسير بها إلا في الطريق الذي تسير به حاليا.
وينظر “قاطع التذاكر” حوله، فلا يجد وجها يعرفه، ولا سلوكا يألفه، مارينز في العراق، وصهاينة في فلسطين، وثقافة غربية في كل جوانب حياتنا ومناهجنا الدراسية وشبكاتنا التلفزيونية، وجينز وهمبورجر في الشارع، ويسمع ما يقال له، فلا يكاد يعرف حتى نفسه، وفي كثير من الأحيان يتساءل: هل ذلك التاريخ الذي أقرأه هو تاريخي، أم أنه تاريخ أمة أخرى، وقد نسبوه إلي؟
ومنذ البداية، اخترنا الغربة الروحية، ونسينا أنفسنا، وكان ينبغي أن نعرف أن الأمر سيصل بنا إلى هذا الواقع المرير.
------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
منقول من جريدة الخليج
للكاتب أبو خلدون
20/04/2007