أخي
سلمت يداك على ما خطته من إبداع
وأتمنى أن يكون ردي دليلا على استيعابي لما سطرته
أنت بدأت موضوعك بالحديث عن نسبية الفكر
وأنا سأستهل ردي بالحديث عن الفكر المطلق
هذا الفكر الذي لا يتفق ولا يتيح مكانا للتعددية الفكرية وبالتالي لا يتفق مع الفكر النسبي
فالفكر المطلق يجسد تلك الثنائية الفكرية
فعلى سبيل المثال
نسبة صفة الجمال التام على شيء ما تعد من الفكر المطلق لأنها بذلك أهملت صفة القبح فيه أو العكس
وكذلك هو الحال بالنسبة للخير والشر والعقل والجنون
فإطلاق الصفة يعني إنكار التعددية والأخد بالثنائية التي لا تقبل بالنسبية
ما يعني تضييق هامش الحرية وتقييد الفكر وحصره في نقيدين اثنين
ومن هنا جاءت الدوغمائية
التي تستند أساسا إلى المثالية في تقييمها للأمور حيث تقسمها إلى أبيض وأسود
وهي متجدرة ومتسلطة على كل التفكير المجتمعي والسياسي نظرا لسيطرة العقل الإيماني المستند إلى اليقينيات
وإلى أفكار كثيرة خاطئة منتشرة ومختلطة بالأوهام والأساطير والخرافات التي ترى كل ماهو خارجها كفرا وإلحادا وإشراكا
فتحدد الفكر وتأسره وتمنع انطلاقه وبذلك يغيب التجديد والخلق والإبداع فيحدث التقوقع والإنغلاق
فهي تستند على التقسيم إلى ثنائيات محددة على شاكلة
من ليس معنا فهو ضدنا
وبالتالي يتم تصنيف الآخرين على أنهم أعداء متآمرون
كما أنها تولد التعصب الأعمى للحق الذي تعتقد أنه حق في مواجهة الباطل الذي تؤمن أنه باطل لأنه لا ينسجم مع أطروحاتها
فترفض كل ما هو على خلاف وبالتالي ترفض مشاركة الآخر أو إشراكه تريد لنفسها حقوقا لا تعترف بها للغير
وعبر التاريخ ظلت العوام لزمن متراكم تحت سلطة دوغمائية متمثلة بالسلطة الدينية المتعسفة التي سادت طوال القرون الوسطى
حتى جاء الشك الديكارتي ليطيح بكل يقينيات المطلق الراسخة في العقول وفعلت مقولته الشهيرة
(أنا أفكر إذن أنا موجود)
مفعول السحر في تمجيد الانسان وتحقيق كينونته وحفزت العقل البشري للسير في الاتجاه المضاد للدوغمائية الدينية
كما أن مقولة هيغل الشهيرة
” إن التناقض يعبد الطريق إلى الأمام “
كانت كشفا هائلا لما استغلق على العقل البشري
إذ سفهت كل مواقف التعصب والتخندق وجعلت من آفاق العقل البشري ساحة واحدة بشتى اتجاهات معارفها وأفكارها
أخيرا وكما قلت أخي
فنسبية الفكر لا تنفي وجود الحقائق لأنه هناك حقائق وجودية وإدراكية مطلقة مرتبطة بعقيدتنا وديننا
ولا نملك إزاءها إلا التسليم والتصديق
أسعدني تواجدي على صفحتك
دمت بود