منتقول.. للكاتب ..على الموسى جريدة الوطن
قبل أن نحمل إدارة الدفاع المدني غطاء المسؤولية على حادثة نفق السويدي دعونا ندرس أبعاد مشكلة "نفق البنات". الذي وضع بناتنا في ذلك النفق ليس إلا الآلاف من أشباه ذلك الأب الذي لم يجد في المشكلة برمتها شيئاً يستحق الغضب في تصريح إلا صراخه المثير في ثنايا مطبوعة رسمية ليستنكر على الشباب فزعتهم في إنقاذ البنات من غرق محتوم. اختصر المسألة كلها في "كسر" للشرف لأنهن البنات طلبن الفرج على أي ذراع تمتد إليهن حين كان الفارق بين الحياة والموت سنتمترات محدودة. كان كمن يتمنى لو أن بنته جاءت إليه في ثنايا كفن, بدلاً من أن تكتب لها الحياة على يد غريب. كان وبالطبع مثله الآلاف يتمنى لو أن السويدي كان قبراً للبنات ومثل هؤلاء: المرأة لديهم لا تعدو أن تكون كفناً يتحرك على الأرض.
الذي وضع بناتنا في ذلك النفق ليس إلا كتائب الإشراف على مدن كاملة مكتملة لا تخضع شوارعها حتى اليوم للأسماء ولا تعرف كل بيوتها الأرقام. نتصل بالدفاع المدني عند حلول الكوارث فندعوه للنجدة بسرعة البرق على عناوين بجوار بناشر الأمل وخلف تموينات السعادة ومقابل حلاق الأندلس وفي ظهر استراحة الوردتين وبعد مطعم أم درمان بثلاثة شوارع إلى اليمن وإلى الدخلة الثانية التي يقع على ناصيتها برميل أزرق للقمامة. نتصل بالدفاع المدني في وقت الكارثة ونتوقع أن يكون رجل الدفاع المدني ملماً بكل مواقع المطاعم والصوالين والبقالات, بل وحتى حاويات القمامة. نحمله وحده مسؤولية الفشل الذريع لنظام البناء العشوائي وتخبط تخطيط المدن التي تعيش كلها على البركة: سبعة ملايين منزل في البلد لا يوجد لواحد منها عنوان بريدي معروف ومع هذا مازلنا نتوقع من سنترال الدفاع المدني أن يحفظ أماكن هذه الملايين من البيوت في ذاكرة عقلية. الذي وضع بناتنا في مأزق النفق ليس إلا الشركة التي صممت المشروع وإن هربت من الخطأ بتبرير هندسي فاللوم بعدها مباشرة على الجهة الإشرافية التي ظنت أن السماء في الرياض لن تمطر والذي وضع بناتنا على مشارف نفق الموت ليس إلا ذلك السائق الذي هرب بجلده فلم يكلف نفسه مشقة الاتصال لأنه يعرف أن الحمولة هذه المرة ليسوا إلا نساءً لا قيمة لحياتهن وبنات سينجون من نفق السويدي ليدخلن إلى النفق الذي يليه مسكينات هؤلاء البنات. كتب عليهن أن يقضين العمر من المهد إلى اللحد يجرين من نفق إلى نفق. الدينا التي يعرفنها جيداً ليست كلها, من أولها إلى آخرها سوى "نفق البنات". ملحظ أخير: لماذا لا نبدأ من الآن مشروع الأسماء وليكن نفق السويدي تحت مسمى "نفق البنات".