**السعادة في تحقيق العبودية لله**
إن أسعد الناس أطوعهم لله وأعبدهم له, وبقدر إخلاص العبد تكون سعادته وأمنه وفلاحه وفوزه وقوته ونصره فأهل التوحيد هم الآمنون في الدنيا والآخرة قال تعالى (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) (سورة الأنعام: 82) وأهل التوحيد والصلاح هم أهل السعادة والحياة الطيبة كما قال تعالى: (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) (سورة النحل: 97).
وأهل التقوى والإيمان هم المنصورون في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد) (سورة غافر: 51).
"والعبد كلما كان أذل لله وأعظم افتقارا إليه وخضوعا له كان أقرب إليه وأعز له وأعظم لقدره, فأسعد الخلق أعظمهم عبودية لله. وأما المخلوق فكما قيل: احتج إلى من شئت تكن أسيره, واستغن عمن شئت تكن نظيره, وأحسن إلى من شئت تكن أميره...
فأعظم ما يكون العبد قدرا وحرمة عند الخلق إذا لم يحتج إليهم بوجه من الوجوه, فإن أحسنت إليهم مع الاستغناء كنت أعظم مايكون عندهم ومتى احتجت إليهم- ولو في شربة ماء- نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم, وهذا من حكمة الله ورحمته ليكون الدين كله لله ولا يشرك به شي...
فالرب سبحانه أكرم ما تكون عليه أحوج ما تكون إليه, وأفقر ما تكون إليه. والخلق أهون ما يكون عليه أحوج مايكون إليهم, لأنهم كلهم محتاجون في أنفسهم فهم لا يعلمون حوائجك ولا يهتدون إلى مصلحتك.. وسعادة العبد في كمال افتقاره إلى الله واحتياجه إليه وأن يشهد ذلك ويعرفه ويتصف معه بموجبه –أي بموجب علمه بذلك- فإن الإنسان قد يفتقر ولا يعلم, مثل أن يذهب ماله ولا يعلم بل يظنه باقيا, فإذا علم بذهابه صار له حال آخر, فكذلك الخلق كلهم فقراء إلى الله, ولكن أهل الكفر والنفاق في جهل بهذا وغفلة منه وإعراض عن تذكره والعمل به, والمؤمن يقر بذلك ويعمل بموجب إقراره وهؤلاء هم عباد الله".
"فالذي يحصل لأهل الإيمان عند تجريد توحيد قلوبهم إلى الله وإقبالهم عليه دون ما سواه –بحيث يكونون حنفاء له مخلصين له الدين, لا يحبون شيئا إلا له ولا يتوكلون إلا عليه, ولا يوالون إلا فيه, ولا يعادون إلا له ولا يسألون إلا إياه, ولا يرجون إلا إياه, ولا يخافون إلا إياه, يعبدونهم ويستعينون له وبه, بحيث يكونون عند الحق بلا خلق, وعند الخلق بلا هوى, قد فنيت عنهم إرادة ما سواه بإرادته ومحبة ما سواه بمحبته, وخوف ما سواه بخوفه, ورجاء ما سواه برجائه, ودعاء ما سواه بدعائه- هو أمر لا يعرفه بالذوق والوجد إلا من له نصيب, وما من مؤمن إلا له منه نصيب".
"فكلما ازداد القلب حبا لله ازداد له عبودية, وكلما ازداد له عبودية ازداد له حبا وحرية مما سواه.
والقلب فقير بالذات إلى الله من جهتين: من جهة العبادة وهي العلة الغائية, ومن جهة الاستعانة والتوكل وهي العلة الفاعلة. فالقلب لا يصلح ولا يفلح ولا ينعم ولا يسر ولا يطيب ولا يسكن ولا يطمئن إلا بعبادة ربه وحده, وحبه والإنابة إليه.. وهذا لا يحصل له إلا بإعانة الله له, فإنه لا يقدر على تحصيل ذلك السرور والسكون له إلا الله فهو دائما مفتقر إلى حقيقة (إياك نعبد وإياك نستعين) (سورة الفاتحة: 5) فإنه لو أعين على حصول كل ما يحبه ويطلبه ويشتهيه ويريده ولم يحصل له عبادته لله فلن يحصل إلا على الألم والحسرة والعذاب, ولن يخلص من آلام الدنيا ونكد عيشها إلا بإخلاص الحب لله بحيث يكون الله هو غاية مراده, ونهاية مقصوده, وهو المحبوب له بالقصد الأول, وكل ما سواه إنما يحبه لأجله, لا يحب شيئا لذاته إلا الله, ومتى لم يحصل له هذا لم يكن قد حقق حقيقة "لا إله إلا الله", ولا حقق التوحيد والعبودية والمحبة لله, وكان فيه من نقص التوحيد والإيمان بل من الألم والحسرة والعذاب بحسب ذلك".
"فليس في الكائنات ما يسكن العبد إليه ويطمئن به, ويتنعم بالتوجه إليه إلا الله سبحانه, ومن عبد غير الله وإن أحبه وحصل له به مودة في الحياة الدنيا ونوع من اللذة, فهو مفسدة لصاحبه أعظم من مفسدة التذاذ آكل الطعام المسموم..
ولو حصل للعبد لذات أو سرور بغير الله فلا يدوم ذلك, بل ينتقل من نوع إلى نوع, ومن شخص إلى شخص, ويتنعم بهذا في وقت وفي بعض الأحوال, وتارة أخرى يكون ذلك الذي تنعم به والتذ غير منعم له ولا ملتذ له, بل قد يؤذيه اتصاله به ووجوده عنده, ويضره ذلك".
"فما حفظت حدود الله ومحارمه ووصل الواصلون إليه بمثل خوفه ورجائه ومحبته, فمتى خلا القلب من هذه الثلاث فسد فساداً لا يجى صلاحه أبداً ومتى ضعف فيه شئ من هذه ضعف إيمانه بحسبه".
لشيخ الاسلام ابن تيمية