اكتب بريدك ثم اضغط على اشتراك ليصلك جديد غرام
بحث مخصص من محرك البحث العالمي قوقل للبحث في غرام

عـودة للخلف   منتديات غرام > منتديات إدارية - يُمنع طرح اقتراحات > ارشيف غرام

الإشعارات
 
أدوات الموضوع طريقة العرض
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 1
قديم(ـة) 24-09-2007, 03:20 PM
Naceur56 Naceur56 غير متصل
©؛°¨غرامي جديد¨°؛©
 
الافتراضي من انجازات التغيير في تونس


انجازات تونس في عهد التغيير
المصالحة الوطنية
شهدت تونس، قبل تحول السابع من نوفمبر، صراعات مختلفة الأبعاد : سياسية وإيديولوجية... أسهمت في إضعاف الجبهة الداخلية، لذلك كانت أولويات نظام السابع من نوفمبر التخلص من كل معوقات المصالحة الوطنية وتمتين الجبهة الداخلية والاستفادة من التجارب السابقة.
وانبنت مقاربة التحول، في هذا المجال، على ثوابت يمكن إجمالها في الأسس الثلاثة التالية: المصالحة التاريخية والمصالحة السياسية والمصالحة الاجتماعية.
- المصالحة التاريخية
كانت الأولوية في مشروع التغيير هي تحقيق المصالحة التاريخية في كل أبعادها وقطع الطريق أمام كل توظيف للهوية باعتبارها قاسما مشتركا بين جميع التونسيين يجعلهم قادرين على مواجهة تطورات الحداثة.
وقد أعاد بيان السابع من نوفمبر الذي أعلنه الرئيس بن علي صبيحة اليوم الأول للتغيير الاعتبار لهوية البلاد وشعبها، وكرسها رافدا أصيلا وعامل إضافة في ترسيخ القيم الانسانية السامية وتثبيت المعاني النبيلة لدى كل أجيال التونسيين في زمن أصحبت فيه العولمة والتعددية الثقافية من أبرز مستجدات القرن الواحد والعشرين.
وقد مثلت إعادة الاعتبارا للذاكرة الوطنية الوجه الآخر لتأكيد شرعية التغيير وتكريسا لمعنى الاستمرارية. فالمشروع التحديثي وازن بين مقتضيات التفتح وخصوصيات الهوية.
ومكن التغيير تونس من وضع حد حاسم لجدل طويل حول الهوية والتاريخ بالتأكيد على الانتماء العربي الاسلامي، والاعتزاز بتاريخ ممتد عبر ثلاث آلاف سنة وإسهامات مثمرة في بناء الحضارة الانسانية. كما تم التأكيد على الانتماء الافريقي ودور تونس العريق المتجدد في محيطها المتوسطي.
ولقد حرص الرئيس بن علي على تأكيد الهوية التونسية بكل مقوماتها، العربية والاسلامية والافريقية والمتوسطية، محددا التوجهات لتأمين عوامل ديمومة الهوية وتوهجها لأنها تمثل أساس تماسك المجتمع ودوافع تطوره.
واستلهم المشروع الحضاري للتغيير حركته الاصلاحية التحديثية لبناء تونس الغد من إسهامات رموز الاصلاح في تونس منذ عهد الأمان سنة 1857 ودستور سنة 1861 وحتى الاستقلال.
كما كانت نضالات الحركة التحريرية السندالمرجعي الأقرب في صياغة الأهداف الوطنية الكبرى التي حملها العهد الجديد. وخير مثال على هذا التوجه الذي ميز حركة الاصلاح والمصالحة تكريم الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، طيلة فترة حياته في العهد الجديد، وما لقيه من حفاوة وتقدير لمكانته ودوره، وكذلك إعادة الاعتبار لزعماء تونس الحديثة أمثال صالح بن يوسف ومحمود الماطري والطاهر صفر...
وقد تزامنت المصالحة التاريخية، في مشروع التغيير، مع مصالحة سياسية وبات من الضروري تحقيقها لتجاوز انسداد الآفاق الذي عاشته تونس في اواسط الثمانينات ولتحقيق القفزة النوعية المنشودة


المصالحة السياسية
انطلق إصلاح الحياة السياسية وتواصل منذ فجر التحول، فتم إخلاء السجون من سجناء الرأي والسياسة وصدر العفو العام في 3 جويلية 1988، وشملت إجراءات العفو واسترداد الحقوق وإعادة الاعتبار حوالي عشرين ألف مواطن، منهم من كان مهددا بالإعدام.
جاء هذا القرار بمناسبة إمضاء الرئيس بن علي على الدستور في صيغته الجديدة، يوم 25 جويلية 1988، بما يعني أنّ النية متجهة نحو فتح صفحة جديدة من تاريخ تونس، ليس على مستوى التشريعات فحسب بل على مستوى تركيبة المشهد السياسي العام والعلاقة بين مختلف مكونات المجتمع السياسي والمجتمع المدني والعلاقة بمؤسسات الدولة.
وفي سياق طي صفحة الماضي وتحقيق شروط المصالحة السياسية تم إلغاء محكمة أمن الدولة، وإلغاء خطة الوكيل العام للجمهورية.
وفتح الرئيس بن علي أبواب الحوار مع أحزاب المعارضة دون شروط مسبقة باستثناء نبذ العنف والالتزام بالولاء لتونس وحدها.
وهو ما ما أفضى إلى تحقيق إجماع وطني لم تعرفه تونس في تاريخها المعاصر، وتعزز هذا الاجماع بمصالحة شاملة تتجاوز حدود النخب في إطار رؤية شمولية جديدة للحياة السياسية، حيث أكد الرئيس بن علي منذ بداية العهد الجديد أن الديمقراطية والمشاركة السياسية عموما ليستا مشغلا نخبويا بقدر ما هما اختيار سياسي اجتماعي استراتيجي يهم جميع شرائح المجتمع كشرط أساسي وحيوي لتحقيق التنمية الشاملة مما يفترض إنجاز مصالحة اجتماعية.
- المصالحة الاجتماعية
تميز المسار الديمقراطي في تونس العهد الجديد بفسح المجال للمشاركة على أوسع نطاق ورفض الإقصاء والتهميش ليشارك الجميع في الشأن الوطني، كل من موقعه، وفي حدود رغبته وقدرته على العطاء.
وشملت المصالحة الاجتماعية رد الاعتبار لمكونات المجتمع المدني التي عانت الحصار والتهميش على امتداد فترة النظام الأحادي وخاصة في الثمانينات عندما تعطل عمل المؤسسات واحتد الصراع حول خلافة الرئيس السابق بورقيبة، إذ رفع الحظر، مثلا، عن منظمة الاتحاد العام لطلبة تونس بعد أزمة دامت أكثر من 15 سنة، وأنجز الطلبة المؤتمر الثامن عشر لمنظمتهم سنة 1988 بعد تأجيل تواصل منذ سنة 1972.
ومنذ بداية التغيير سارع الرئيس زين العابدين بن علي بحل الأزمة النقابية التي استفحلت في أواسط الثمانينات وظلت تهدد الاستقرار الاجتماعي وتنذر بالانفجار. فتمكن الاتحاد العام التونسي للشغل من استعادة نشاطه، وعقد النقابيون مؤتمرهم بسوسة سنة 1989.
وتعددت المبادرات الرئاسية في سنوات التغيير الأولى بتوسيع مجال المشاركة ودفع العمل الجمعياتي وذلك بتحقيق مصالحة اجتماعية بين مختلف الأجيال والشرائح الاجتماعية.
ولقد تكاملت مبادرات المصالحة الاجتماعية مع تجديد الحياة السياسية وفسح مجال المشاركة أمام الجميع
تجديد الحياة السياسية :
ارتكز المشروع السياسي الجديد منذ تحول السابع من نوفمبر على اعتبار الخيار الديمقراطي خيارا لا رجعة فيه انطلاقا من قناعة قيادته بأنّ المجتمع الديمقراطي ضمانة اساسية لإنجاح التنمية الشاملة وبأن من شروط الديمقراطية تكريس مبدإ المشاركة وتوفير التعددية الحزبية في الحياة السياسية وتحقيق التوازن بين مختلف السلطات. فكان المطلوب، في البداية، توفير الإطار التشريعي الضامن لحياة سياسية جديدة قائمة على التعددية والتوازن بين السلطات.
كانت أسابيع قليلة بعدالسابع من نوفمبر كافية لإنجاز مطلب مركزي للنخبة المؤسسة للدولة الوطنية عبرت عنه أثناء مداولات المجلس التأسيسي وظل معطلا أكثر من ثلاثين سنة وهو: إحداث هيئة لمراقبة دستورية القوانين، فأحدث المجلس الدستوري في 16 ديسمبر 1987.
جاء هذا الانجاز قبل تعديل الدستور في 25 جويلية 1988 الذي طال ثمانية فصول من ضمنها الفصل 39 الذي كان يمنح الرئاسة مدى الحياة للرئيس السابق بورقيبة، والفصل 57 الذي أجج، منذ إقراره، الصراعات الشخصية وعمق الخلافات السياسية بمنحه الخلافة الآلية للوزير الأول.
كان الإعلان عن ميلاد المجلس الدستوري نقلة نوعية في التاريخ السياسي التونسي باعتبار أن هذه المؤسسة الضامن الأساسي لعلوية الدستور.
وتجسمت التعددية الحزبية، منذ الفترة الأولى للتحول بفتح مجال المنافسة بين سبعة أحزاب وطنية : التجمع الدستوري الديمقراطي، حزب الأغلبية المضطلع بالحكم ووريث الحزب الإشتراكي الدستوري، وستة أحزاب معارضة بعد أن كانت ثلاثة قبل التحوّل.
وتعدّدت المبادرات السياسية بين سنتي 1988 و1989 لتعزيز التعددية الحزبية حيث تم الاعتراف القانوني بثلاثة أحزاب معارضة بين سبتمبر ونوفمبر 1988 ثم تمّ سنّ قانون الأحزاب في 3 ماي 1988 لتنظيم شروط التأسيس ولتمكين كل الحساسيات السياسية، التي لا تعتمد خطابا دينيا أو عنصريا أو جهويا والتي تقرّ الطابع الجمهوري للدولة التونسية وتعترف بمجلة الأحول الشخصية، من حق النشاط والمشاركة.
كانت الانتخابات التشريعية السابقة لأوانها التي نظمت في العهد الجديد في 2 أفريل 1989 آخر مناسبة تعتمد فيها تشريعات النظام الأحادي في الانتخابات وكان من الطبيعي أن تكون نتائجها إفراز لتشريعات على مقاس نظام أحادي حيث فاز التجمع الدستوري الديمقراطي بمجموع المقاعد ولم تتمكن أحزاب المعارضة مجتمعة من الحصول على أي مقعد بسبب حداثتها وعدم تمكنها من الإقناع ببدائل متكاملة لبرامج التجمع الدستوري الديمقراطي، فضلا عن الحاجز المتمثل في نظام انتخابي يقوم على الأغلبية والاقتراع في دورة واحدة ولا يستفيد منه سوى حزب الأغلبية. لذلك سعى الرئيس زين العابدين بن علي إلى تطوير النظام الانتخابي بتعديله لاحقا لضمان وجود المعارضة الوطنية في مجلس النواب وبقيّة المجالس المنتخبة.
وفي هذا السياق، بادر الرئيس بن علي بإحداث مجلس أعلى للميثاق الوطني، يمثل مختلف الأحزاب السياسيّة لتدارس القضايا المتّصلة بالحياة السياسيّة، وتقديم المبادرات إلى رئيس الجمهورية لتطوير التّشريعات وخاصّة منها المجلّة الانتخابية.
وحرصا على تكريس التعدديّة في المجالس البلدية، خلافا لما شهدته الانتخابات التشريعية من نتائج أبقت على لون واحد داخل المجلس التشريعي في انتخابات 2 أفريل 1989، جاءت مبادرة رئيس الجمهورية لتجاوز هذا الوضع وذلك بإدخال تعديل على النظام الانتخابي، حتى يتمكن مترشحون من غير التجمع الدستوري الديمقراطي من الحصول على مقاعد في المجالس البلدية والمساهمة في تسيير الشؤون المحلية. لذلك أدخل تعديل أول على طريقة الاقتراع في الانتخابات البلدية التي جرت في 10 جوان 1990.
واعتبر استبدال نظام الاقتراع بالأغلبية بنظام النسبيّة المعدلة خطوة هامة على درب تكريس التعددية في المجالس البلدية، حيث مكّن هذا التعديل مترشحين من خارج قائمات التجمع الدستوري الديمقراطي من الحصول على مقاعد داخل بعض المجالس البلدية. ثمّ جاء تعديل المجلة للمرة الثالثة إثر التحول سنة 1993 ليضمن دخول نواب أحزاب المعارضة لأول مرّة في تاريخ تونس إلى مجلس النوّاب في انتخابات 20 مارس 1994.
وتواترت التشريعات والمبادرات، منذ بداية التغيير، لتوفير الأرضية الصلبة لتأسيس حياة سياسية جديدة تقطع مع سلبيات الماضي وتطور المكاسب للانخراط في عصر حقوق الإنسان، في كونيتها وشموليتها، والديمقراطية في إطار الالتزام بالتوجهات الجديدة والقواسم المشتركة وضوابط أخلاقية تلزم الجميع وتمنح الممارسة السياسية التونسية خصوصية تقيها من الارتداد والهزات والشك في الثوابت، فكان "الميثاق الوطني" عقدا اجتماعيا بين كل الحساسيات الفكرية والسياسية والاجتماعية بتونس.
الميثاق الوطني
لضمان دوام المصالحة الوطنية وتأسيس حياة سياسيّة ديمقراطية، سليمة، متطوّرة، كان لا بدّ من تحديد ضوابط العمل السياسي والنشاط الجمعياتي وشروطهما والاتفاق على القواسم المشتركة بين مختلف مكونات المجتمع السياسي والمجتمع المدني التونسي، حرصا من القيادة الجديدة على تجنّب الهزّات المحتملة.
وقد جعل النظام الجديد من الوفاق الوطني أداة لضمان استمرارية الديمقراطية وإطارا لتعبئة الجهود وتشريك الجميع من أجل تحقيق التنمية وتأمين استقلال البلاد وسلامتها. وجاء بيان السابع من نوفمبر متضمنا المبادئ والتوجهات التي كان يتطلع إليها المجتمع التونسي. فتجاوب معه كل التونسيين والتونسيات، في إجماع غير مسبوق.
وإيمانا بضرورة التغيير الجذري في الأذهان، والتمسّك بالمصلحة العليا للوطن والوفاق، تمت المبادرة بالدعوة إلى وضع ميثاق وطني تسهم في صياغته كلّ الاتجاهات الفكريّة والسياسيّة والاجتماعيّة بعد تحقيق المصالحة الوطنية، تكريسا لاعتقاد القيادة الجديدة بأنّ "الميثاق الذي نريده عقد شرف أخلاقي وحضاري بين جميع الأطراف سيكون خير عامل في تهيئة هذا المناخ الملائم حتّى يكتسب التغيير الدّستوري كلّ أبعاده، ويكون مجتمعنا التونسي متناسقا حقّا ومنسجما مع القيم والمبادئ التي ارتضاها، فنقيم الدليل على أنّنا جديرون بالجمهورية نظاما وبالديمقراطية سلوكا في كنف الحرية والنظام واحترام دولة القانون"، كما جاء في كلمة الرئيس زين العابدين بن علي بمجلس النواب أثناء المصادقة على أوّل تعديل للدستور في 25 جويلية 1988، حيث أقرّ بالمناسبة نفسها جملة من الإجراءات لتحقيق المصالحة الوطنيّة أهمها إعلان العفو العام تمهيدا لإنجاز الوفاق الوطني.
وتكريسا لقواعد الوئام بين كل التونسيين، أعلن الرئيس بن علي عن انطلاق الاستشارة الوطنية لإعداد الميثاق الوطني، بعدما توفّرت الأسس الضرورية، وخاصة منها تنقيح الدستور وسنّ قانون الأحزاب ومراجعة قانون الصحافة وقانون الجمعيات، وبعدما تهيّأت الظروف الملائمة من خلال تجاوز الأزمة النقابية التي كان يعيشها الاتحاد العام التونسي للشغل منذ سنة 1984 واتحاد الطلبة منذ 1972، وربط الصلة بالأحزاب، وما إلى ذلك من المبادرات ومنها الدعوة إلى إجراء انتخابات جزئية نظرا إلى ما يمكن "أن يعترضنا من صعوبات في مجال تنظيم انتخابات عامة حرّة ونزيهة"، كما جاء في كلمة الرئيس بن علي قبيل إجراء انتخابات تشريعية جزئية بأربع ولايات في 24 جانفي 1988.
وقد تجدّدت الدعوة إلى وضع ميثاق وطني أثناء مؤتمر التجمع الدستوري الديمقراطي (مؤتمر الإنقاذ) الذي انعقد من 29 إلى 31 جويلية 1988 عندما أعلن الرئيس بن علي "أننا نريد أن يكون مشروعنا حافزا للوفاق وسببا من أهمّ أسبابه في نطاق ميثاق وطني يتميّز بالتعددية في مكوّناته، وبتكريس الديمقراطية في منهجه وبإيجاد سند معنوي لمعالجة أوضاع البلاد وتحقيق مطامح المواطنين. إنّ الميثاق الذي ندعو إليه التزام طوعي بعقد مجتمعي يتوافق عليه كل أفراد الأسرة الوطنية من أجل ابتكار صيغ جديدة لتضامن وطني ناجع دائم".
وتمّ التوقيع رسميا على "الميثاق الوطني" يوم 7 نوفمبر 1988 من قبل سبعة أحزاب سياسية و15 منظمة مهنية وإنسانية ليكون مرجعا للتعامل السياسي والمدني. وانبثق عنه بادئ الأمر المجلس الأعلى للميثاق الوطني، الذي أصبح، لاحقا، اللجنة العليا للميثاق الوطني.
والميثاق "ليس برنامجا حكوميا" ولا خطة ائتلافية، وإنما هو مرجعية حضارية وطنية، في نطاق تصور عام لما تريده القيادة الجديدة لتونس، ولطرق العمل والتنفيذ، ولنوعية العلاقات والمعاملات التي يجب أن تسود بين الجميع دون إقصاء أو احتواء.
وقد تضمّن الميثاق محاور أربعة، تعلقت بالهوية العربية الإسلامية ومتطلبات تجذيرها، وبمقومات النظام السياسي وأسس التعامل الديمقراطي داخله، وبنمط التنمية وسلوكيات التحاور الاجتماعي والتضامن الوطني، وبثوابت سياسة تونس الخارجية.
ولعلّ أهمّ ما أتى به الميثاق الوطني في تونس هو الاتجاه نحو تكريس الحوار بين مختلف الأطراف بشأن المسائل الوطنية الهامة، إذ تقتضي دقّة المرحلة الأخذ برأي كلّ التونسيين، وتعبئة كل الطاقات من أجل بناء المجتمع الجديد وفقا لما يعيشه العالم المعاصر من تثبيت لقيم الحداثة والتقدّم وفي طليعتها الديمقراطية وحقوق الإنسان.
تعزيز حقوق الإنسان
اتجهت عناية العهد الجديد بتونس، منذ البداية، إلى ضمان الحرمة الشخصية للفرد وأمنه وصون كرامته. وتمّ إلغاء محكمة أمن الدولة بمقتضى قانون 29 ديسمبر 1987، كما ألغيت خطة الوكيل العام للجمهورية بمقتضى القانون نفسه. وتمّ التاكيد على استقلال القضاء، وتعديل الإجراءات الجزائية بما يوفّر الضمانات الكاملة للمتهم مع تحديد مدّة الاحتفاظ بأربعة أيام لا تمدّد إلاّ مرة واحدة وبنفس المدّة، وعند الضرورة القصوى بمدّة يومين آخرين فقط. وللمحتفظ به الحق في إجراء فحص طبي بطلب منه أو من أحد أقاربه خلال مدّة الاحتفاظ أو عند انقضائها، والتنصيص على ذلك بالمحضر، مع وجوب تسجيل تاريخ بدء الاحتفاظ ونهايته. أمّا بالنسبة ألى الإيقاف التحفظي فلا يكون إلاّ في حالة الجنايات والجنح المتلبّس بها، أو كلّما ظهرت قرائن قويّة تستلزم الإيقاف من أجل تلافي جرائم أخرى، أو لضمان تنفيذ العقوبة، أو لتأمين سلامة البحث. كما يجب ألاّ تتجاوز مدة الإيقاف الستة أشهر، ولا تمدّد إلاّ بقرار معلل لفترة واحدة بالنسبة إلى الجنحة، ومرتين بالنسبة إلى الجناية على أن لا يتجاوز كلّ تمديد ستة أشهر، هذا إلى جانب فرض الرقابة الطبية والقضائية على إجراءات الاحتفاظ. ويعتبر هذا التعديل ثورة في مجال حماية المواطن بما وفّره من ضمانات وما حقّقه من إحساس بالأمن.
وصادقت حكومة العهد الجديد دون تحفّظ على اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بمناهضة التعذيب والمعاملات القاسية أو المهينة، وذلك بموجب القانون المؤرّخ في 11 جويلية 1988 الذي تلاه منشور وجّهه وزير الداخلية إلى قوّات الأمن (بتاريخ 4 جانفي 1989) يمنع اللّجوء إلى التعذيب. ونشرت الاتفاقيات الأخرى للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان، وأهمها العهدان الدوليان لسنة 1966، حتى يمكن للمواطن المحاجّة بها، والتعرّف على حقوقه كاملة والتمسّك بالتطبيق عند الحاجة. وتجدر الإشارة إلى أنّ الإتفاقيات المصادق عليها بمقتضى قانون، تنزل، في تونس، بمرتبة أعلى من القانون الداخلي.
وانسجاما مع المبادئ الواردة بالمادة العاشرة من الاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية والسياسية التي تنصّ على أن "يعامل جميع الأشخاص المحرومين من حرياتهم معاملة إنسانية مع احترام الكرامة المتأصّلة في الإنسان" وعلى "أن يتضمّن النظام الإصلاحي معاملة السجناء معاملة تستهدف أساسا إصلاحهم وإعادة تأهيلهم اجتماعيّا"، تمّ سنّ أحكام جديدة تحدّ من قسوة العقوبات المحكوم بها وتنظّم السجون مما يجعل أهداف الجزاء الجنائي الإصلاح والتهذيب لا مجرّد الردع. وقد صدر في الغرض القانون المؤرخ في 27 فيفري 1989 المتعلّق بإلغاء عقوبة الأشغال الشاقة والأمر المؤرخ في 4 نوفمبر 1988 المتعلّق بالنظام الخاص بالسجون.
لقد آمنت تونس، منذ تحول السابع من نوفمبر، بأنّ حقوق الفرد المدنية حقوق طبيعية نابعة من صميم إنسانيته، لا تخضع لتقييد ولا لتعليق. وتلتقي تونس في ذلك بأحكام الشرعية الدولية لحقوق الإنسان، التي تعتبر الحقوق المدنية، بخلاف بعض الحقوق الأخرى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، هي في معظمها حقوق مطلقة لا يمكن تضييقها بأي حال من الأحوال.
وقد صدر قانون الأحزاب في 3 ماي 1988 ليسمح للأفراد بالمشاركة في الشؤون العامة للبلاد. وضمانا لدوام الديمقراطية، منع هذا القانون تكوين الأحزاب على أساس العنصر أو اللغة أو الدين أو الجنس أو الجهة. ونص بالمقابل على أن يحترم كل حزب حقوق الإنسان والنظام الجمهوري وكل مكاسب الوطن وخاصة منها السيادة الوطنية ومجلة الأحوال الشخصية.
ولا ريب أنّ هذا القانون يتماشى والأحكام المختلفة للمواثيق الدولية التي تمنع كل تنظيم يدعو إلى الكراهية العنصريّة أو الدينية أو يشكّل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف القائم على أساس الدين على نحو ما جاء به العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وما نصّت عليه كل اتفاقيات عدم التمييز.
وتؤدي الجمعيات، من ناحية أخرى، دورا فاعلا في خلق ثقافة سياسية جديدة، وفي جعل الديمقراطية أوسع وأعمق من المنافسات السياسيّة البحتة وقد تمّ بعد السابع من نوفمبر تعديل قانون الجمعيات لتيسير إجراءات الإنشاء، وأصبح التصريح كافيا لتكوينها، وبلغ عدد الجمعيات في مطلع سنة 1992 حوالي 5000 جمعية.
كما فتحت تونس أبوابها للهيئات الدولية لتعقد على أرضها لقاءاتها ومؤتمراتها وتناقش انتهاكات حقوق الإنسان واساليب حمايتها دون أي تدخل. فتونس تحتضن مقر المعهد العربي لحقوق الإنسان الذي تأسس سنة 1989 باتفاق بين المنظمة العربية لحقوق الإنسان واتحاد المحامين العرب والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان. ويهدف هذا الهيكل أساسا إلى نشر الوعي والمعرفة بحقوق الإنسان ويعمل على حمايتها وتعزيزها في كافة البلدان العربية. واحتضنت تونس، منذ أفريل 1988، الفرع الإقليمي لمنظمة العفو الدولية لتكون بذلك أول بلد عربي يمنح مثل هذه التأشيرة للمنظمة.
ومن المبادرات التي قامت بها القيادة الجديدة في تونس، الإعلان عن إنشاء الهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية في 7 جانفي 1991، وهي لجنة استشارية لدى رئيس الجمهورية يعهد إليها بإبداء الرأي في المسائل المتصلة بحقوق الإنسان والحريات الأساسية، وتقديم الاقتراحات الكفيلة بدعم هذه الحقوق وتطويرها على الصعيدين الوطني والدولي. وتمّ إحداث خطة مستشار أول لدى رئيس الجمهورية مكلف بحقوق الإنسان، يهدف إلى تعميق التفكير في هذه الحقوق تماشيا والتطوّر السياسي والاجتماعي الذي تشهده البلاد.
كما وجّهت عناية متميّزة إلى مسألة نشر ثقافة حقوق الإنسان وتربية الأجيال الجديدة على قيم الحرية والكرامة واحترام حقوق الآخرين.
وتجدر الإشارة خاصة في هذا الصدد إلى تنقية برامج التعليم من إشارات إلى التعصّب والعنف والانغلاق ورفض الآخر، فقد استبدل العديد من النصوص في دروس مختلفة، كدروس اللغة والتربية الدينية والتربية المدنية ودروس التاريخ والجغرافيا.
وعلاوة على ذلك، أصبح الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعديد من العهود الأخرى الدولية تدرس مباشرة في برامج مدرسية مختلفة. وتمّ تركيز كرسي خاص لتدريس حقوق الإنسان في كليات الحقوق الأربع، فضلا عن الطابع الجديد الذي أصبحت تدرس به مواد عديدة، كالقانون المدني والعدالة الجنائية والقانون الإداري والحريات العامة وجل المواد الأخرى ذات الطابع القانوني أو السياسي أو الإجتماعي.
وتجسيدا للاهتمام المتزايد بمسألة تدريس حقوق الإنسان والمعايير الدولية التي تحكمها، للأعوان المكلفين بتنفيذ القوانين، تمّ بالخصوص إدراج حقوق الإنسان ضمن برامج تدريب أعوان قوات الأمن الداخلي.
وأحدثت بوزارات الداخلية والعدل والشؤون الخارجية والشؤون الاجتماعية خلايا تعنى بحقوق الإنسان.
وتقوم الرؤية الجديدة لحقوق الإنسان بتونس على التلازم بين كل حقوق الإنسان، السياسية منها والاجتماعية والاقتصادية، إذ "لا مجال للمفاضلة بين مختلف حقوق الإنسان بتقديم صنف منها على آخر. فكلّ الحقوق متماسكة متكاملة وجهدنا ينصبّ على ضمان الحقّ في الغذاء والعمل وفي الصحّة والتعليم والسكن وفي الضمان الاجتماعي وفي حماية الطفل والأسرة ودعم المعاقين والفئات الضعيفة، بقدر ما ينصبّ على ضمان حرية الرأي والتعبير والإعلام وتأمين المساواة بين الناس وعدم التمييز، والحق في التنظيم الجمعياتي والسياسي"، كما جاء في خطاب الرئيس بن علي يوم 12 ماي 1992.
وفي إطار المفهوم الشامل لحقوق الإنسان، وباعتبار أنّ الإدارة أداة مهمّة في ضمان أسباب الاستقرار والرقي المادي والأدبي، فقد أولى العهد الجديد عناية فائقة لتطويرها وإصلاح هياكلها وتحسين أساليب عملها.
تلك هي أهمّ ملامح توجّهات العهد الجديد في مجال حقوق الإنسان والتحرّرية وما تتميّز به من تكامل وشمولية، بما في ذلك التحررية الاقتصادية
دعم المسار التعددي
تم إثر تغيير السابع من نوفمبر 1987 وما حققه من مصالحة وطنية وتجديد للحياة السياسية بقيادة الرئيس زين العابدين بن علي، إرساء إطار سياسي جديد. وتواصل في التسعينات دعم المسار التعددي وتطوّر التجمع الدستوري الديمقراطي من حزب واحد إلى حزب الأغلبية ممهدا الطريق أمام التعددية السياسية.
- حزب الدستور، من الانفراد إلى التعايش مع المعارضة
كان للحزب الدستوري التونسي موقع متميّز في الحياة السياسية التونسية منذ تأسيسه في 1920، ودور فاعل في مرحلة الكفاح التحريري وبناء دولة الاستقلال.
ومنذ أواخر سبعينات القرن العشرين، تعددت الصعوبات التي واجهها الحزب باعتباره الحزب الحاكم، فتضاءل إشعاعه وانحسرت قواعده، وتأثر سلبا بالصراع على السلطة في الثمانينات. وجاء تحوّل السابع من نوفمبر 1987 ليكون بمثابة بعث جديد للحزب مكّنه من الاضطلاع بأمانة التغيير، وتجديد رسالته من خلال الإصلاحات التي شملته وتحديد علاقته بالدولة والتعايش مع المعارضة.
- من الحزب الاشتراكي الدستوري إلى التجمع الدستوري الديمقراطي : الخطاب الجديد والانفتاح السياسي
أثار بعض المثقفين خيار إنشاء حزب جديد «حزب التغيير»، مباشرة إثر التحوّل، بديلا عن الحزب الاشتراكي الدستوري. غير أن الرئيس زين العابدين بن علي قرر التمسّك بالحزب على أساس تجديده بإعداده للتعايش مع المعارضة في الحياة السياسية للبلاد وذلك بتغيير خطابه وباستعادة بعده الجماهيري بالانفتاح على مختلف النخب والفئات الاجتماعية.
- الخطاب الجديد
بدأ إصلاح الحزب بتغيير تسميته إثر النقد الذاتي الذي شخص ملامح الوهن فيه وأسبابه فكانت التسمية الجديدة : التجمع الدستوري الديمقراطي (فيفري 1988). ويحمل استبدال تسمية «الحزب» بـ «التجمع» دلالة واضحة على فكرة جمع التونسيين والتونسيات حول مشروع مجتمعي جديد، كما يعني التفتّح على كل الشرائح والفئات ومختلف مكونات المجتمع في إطار برنامج السابع من نوفمبر. وهدفت عبارة «الدستوري» إلى المحافظة على عراقة التنظيم، بينما قصدت عبارة «الديمقراطي» التوجه الذي أعلنه بيان السابع من نوفمبر إلى تكريس التعددية في البلاد.
وقد بدأ الإصلاح داخل الحزب بمصالحة مع تاريخه. وسبق أن أقرّ بيان السابع من نوفمبر الدور المتميّز للزعيم الحبيب بورقيبة. وتواصل الاعتراف له بالفضل التاريخي في حياته وعند وفاته (6 أفريل 2000).
وتواصل الإصلاح بتجديد الخطاب السياسي للحزب حتى يواكب تطوّر المجتمع التونسي ويتدارك القطيعة الفكرية التي ظهرت مع النخب والشباب. وتمحور تجديد الخطاب السياسي للتجمع حول مشروع بن علي لإرساء دولة القانون والمؤسسات وتعزيز حقوق الإنسان وتكريس التعددية ودعم المجتمع المدني ونشر قيّم التضامن والتسامح.
- تفتّح التجمع على مختلف الكفاءات والشرائح الاجتماعية
يمثل الانفتاح على الكفاءات ومختلف الشرائح الاجتماعية بعدا عميقا في التغيير داخل الحزب لتدارك الانغلاق الذي كان يعانيه.
وفي سياق هذا التوجه، تمكّن التجمع من استقطاب النخب ومنهم المثقفون والأساتذة الجامعيون بعد أن كانوا في قطيعة تكاد تكون كاملة مع الحزب الاشتراكي الدستوري.
كما انفتح الحزب من جديد على الشباب وخاصة منهم الطلبة بعد أن كان في قطيعة تكاد تكون كاملة معهم في الثمانينات. إذ أحدث التجمع منظمة طلابية جديدة هي «منظمة طلبة التجمع الدستوري الديمقراطي من أجل الديمقراطية والتقدّم».

وتوجّه انفتاح التجمع نحو استقطاب المرأة بدعم حقوقها وبتمييزها داخله بالمكانة الرفيعة. فأحدث خطة أمانة قارة (1992) ثم أمانة عامة مساعدة (2000) مكلفة بشؤون المرأة في المستوى المركزي وخطة كاتبة عامة مساعدة في المستوى الجهوي. وبلغت نسبة العنصر النسائي حوالي ثلث المنخرطين بالحزب.
وتعزز البعد الجماهيري للحزب، فارتفع عدد المنخرطين فيه من حوالي 800 ألف سنة 1987 إلى حوالي 2.500.000 سنة 2004.
وارتفع عدد الشعب من حوالي 5 آلاف شعبة سنة 1988 إلى أكثر من 8 آلاف سنة 2001
نحو التعايش مع المعارضة
أكدت لوائح مؤتمرات التجمع منذ 1988 الالتزام بالمسار الديمقراطي. فساند التجمع المبادرات التي تكرس التعددية ومن ذلك مشاركته في صياغة الميثاق الوطني في أعمال الهيأة العليا للميثاق.
وفي مجال العلاقة الجديدة بين الدولة والحزب التزم التجمع بخيار التغيير لوضع حد للخلط بين أجهزة الدولة وأجهزة الحزب. فمنذ 1988 أقرّ مؤتمر التجمع الفصل بين الخطة الحكومية والخطة الحزبية المباشرة وذلك بإلغاء منصب مدير الحزب الذي كان وزيرا معتمدا لدى الوزير الأول وتعويضه بأمين عام يباشر إدارة التجمع دون أن يكون عضوا بالحكومة.
كما أقرّ الفصل بين العضوية في الديوان السياسي ووزارات السيادة بعد أن كان التلازم آليا.
- تجسيم التعددية في الحياة السياسية
تطوّرت الحياة السياسية خلال التسعينات في إطار تعددي استوجبت تركيزه وتطويره إرادة سياسية ثابتة من منطلق الإيمان بأنها تحمي المجتمع من الفتنة وتجنبه الأزمات السياسية، كما تضمن للبلاد المناخ المناسب للنموّ الاقتصادي المطّرد والرقيّ الشامل في ظل خيار تحرري سياسيا واقتصاديا.
فتدرج الانفتاح السياسي في تونس التسعينات بتطوير التشريعات وإعداد مقومات الحوار والمنافسة وتهيئة البديل التعددي.
أحزاب المعارضة
في البداية، تميّزت في المعارضة السياسية الأحزاب القانونية عن الحركات السياسية غير القانونية، والمحدد هو القانون الجديد للأحزاب السياسية الصادر في 3 ماي 1988 الذي أسس لأرضية الانتقال من الأحادية إلى التعددية. ويحدد هذا القانون ضوابط تواجد الأحزاب على الساحة السياسية. فيشترط أن يلتزم الحزب بالطابع الجمهوري للدولة وبمبدإ سيادة الشعب والمكاسب المتعلقة بالأحوال الشخصية، وأن لا يعتمد برنامجا أو نشاطا على قاعدة دينية أو عنصرية أو جهوية، وأن ينبذ العنف بجميع أشكاله. وترمي هذه الضوابط إلى إبعاد التطرّف عن الحياة السياسية وتأمين المسار التعددي في نطاق الاعتدال بما يسمح بقطع أشواط جديدة على درب التحرر السياسي والتنمية الشاملة.
وتعد «حركة التجديد» أقدم أحزاب المعارضة باعتبارها امتدادا للحزب الشيوعي التونسي الذي أسس في عهد الحماية (1920). وقد حصلت على التأشيرة القانونية في 15 سبتمبر 1993.
أعلنت «حركة التجديد» في 5 جوان 1995 أنها «حركة ديمقراطية وطنية» تريد أن تكون «نواة أولى لحركة أوسع لا يمكن أن تكون إلا تقدمية وعقلانية وعصرية». وللحركة دورية بعنوان "«الطريق الجديد"« ولونها المميّز هو الأزرق. وهكذا، سايرت «حركة التجديد» السياق التعددي في عهد التغيير مع تواصل توجهها نحو اليسار.
أما حزب الوحدة الشعبية فتعود أول نشاطاته إلى بداية السبعينات. ففي سنة 1973، تأسست حركة الوحدة الشعبية في الخارج. وتطوّر فرعها الداخلي بتونس معارضا لسياسة التحرر الاقتصادي، ثم اختلف مع الحركة بالخارج حول المشاركة في الحياة السياسية، فاستقل عنها وتقدّم بطلب التأشيرة القانونية في جانفي 1981. وحظي بالاعتراف به رسميا في نوفمبر 1983.
وقد حافظ حزب الوحدة الشعبية على منزعه الاشتراكي العروبي وتمسكه بالدور التوجيهي للدولة في الحياة الاقتصادية. ومن أهدافه المعلنة في نوفمبر 1992 «العمل على تحقيق الاكتفاء الذاتي لشعوبنا والتقليص شيئا فشيئا من التبعية الاقتصادية التي لا مبرر لها». ويصدر الحزب دورية بعنوان «الوحدة» ولونه المميّز هو الرمادي.
وتأسست حركة الديمقراطيين الاشتراكيين في 10 جوان 1978 وحصلت على الاعتراف القانوني في 19 نوفممبر 1983. وقد بدأت نشاطها في بداية السبعينات في شكل تيار داخل الحزب الدستوري يدعو إلى الانفتاح السياسي. وتركز برنامجها على التحررية والتعددية وتميّزت بتوجهاتها الاشتراكية والعربية. وللحركة صحيفة بعنوان «"المستقبل"« ولونها المميّز هو الأخضر.
ومنحت التأشيرة القانونية، بعد التحوّل، إلى أربعة أحزاب جديدة هي الحزب الديمقراطي التقدمي والحزب الاجتماعي الديمقراطي الليبرالي والاتحاد الديمقراطي الوحدوي والتكتّل الديمقراطي من أجل العمل والحريات.
وقد تأسس الحزب الديمقراطي التقدّمي في 13 نوفمبر 1983 وحصل على التأشيرة في 12 سبتمبر 1988. وهو حزب ذو توجه تقدمي يساري مع ميول عربية ويطمح إلى تجميع تيارات اليسار. ويصدر الحزب صحيفة بعنوان «"الموقف"« ولونه المميّز الأصفر الذهبي.
وحصل الحزب الاجتماعي الديمقراطي الليبرالي على التأشيرة، في 12 سبتمبر 1988. له توجه تحرري شامل. وهو يدعو إلى التحررية وبالتحديد حرية الأعمال والمبادرة الفردية مع مراعاة الجانب الاجتماعي. وللحزب دورية بعنوان «"الأفق»" ولونه المميّز هو البرتقالي.
أمّا الاتحاد الديمقراطي الوحدوي فقد تحصّل على التأشيرة بتاريخ 30 نوفمبر 1988. ويؤكد الاتحاد أن علاقته مع الحركات القومية العربية تدور في إطار «الاستقلالية السياسية والتنظيمية». وللاتحاد الديمقراطي الوحدوي دورية بعنوان «"الوطن"« ولونه المميّز البني.
وحصل التكتّل الديمقراطي من أجل العمل والحرّيات على التأشيرة القانونية في 25 اكتوبر 2002.
الحياة الجمعياتية
تعددت الإصلاحات والمكاسب منذ التحوّل لفائدة الجمعيات وتمثلت في :
- تبسيط الإجراءات الإدارية الخاصة بتكوين الجمعيات وذلك بحذف الترخيص المسبق وتعويضه بتصريح تصنيف الجمعيات حسب نوعية نشاطها وأهدافها وذلك لتيسير مجالات المساعدة التي توفرها مختلف الأطراف وتوضيحها.
- إسناد مسألة حل الجمعيات إلى السلط القضائية بعد أن كانت من مشمولات وزير الداخلية.
- تقنين انتصاب المنظمات غير الحكومية بتونس وتمكينها من حوافز وامتيازات جبائية.
- إقرار يوم وطني للجمعيات وتكريس مبدإ المشاركة الفاعلة للمواطنين عبر مكونات المجتمع المدني وإبراز دور الجمعيات في التنمية.
- إحداث صندوق المساهمة في تمويل مشاريع المنظمات غير الحكومية بهدف دعم المشاريع التنموية الجماعية التي أنجزتها الجمعيات في مناطق التدخل ذات الأولوية.
- إحداث خلايا ضمن مكاتب العلاقات مع المواطن بالوزارات التي لها علاقة شراكة وتعاون وتفاعل مع الجمعيات لتمتين الصلة معها وتوفير التأطير الأفضل لبرامجها وتشريكها في مسيرة القطاع.
- إحداث نظام القروض الصغرى وتكليف الجمعيات التنموية المؤهلة لذلك بإسنادها قصد المساعدة على الإدماج الاقتصادي والاجتماعي للفئات ذات الدخل الضعيف وإحداث موارد الرزق وتحسين ظروف العيش مع إعفاء العمولات وفوائض القروض الصغيرة التي تسندها الجمعيات المرخص لها من معاليم التسجيل والطابع الجبائي إلى جانب مراجعة النصوص القانونية المتعلقة بالصندوق الوطني للضمان لتشمل تدخلاته القروض الصغيرة التي تسندها الجمعيات والقروض التي يسندها البنك التونسي للتضامن.
- تدعيم الجمعيات المسندة للقروض الصغيرة وذلك بتمكينها من منحة دعم موزعة على صنفين :
* «منحة للنشاط» أقصاها 10 آلاف دينار سنويا،
* «منحة للانتصاب» أقصاها 15 ألف دينار.
- دعم المجتمع المدني
سعى العهد الجديد إلى دعم المجتمع المدني حتى يعاضد مجهود الدولة ويكمله. وأسند إليه دورا أساسيا في دفع التطوّر والتنمية بالبلاد.
وبذلك، تغيّر موقف السلطة، بعد التحوّل، من الرفض إلى موقف التشجيع على إحداث الجمعيات وتوسيع الفضاءات المدنية في جميع المجالات الفكرية والرياضية وغيرها. ومع ارتفاع عدد الجمعيات وتزايد نشاطها، ساهم العمل غير الحكومي في نضج ثقافة سياسة جديدة تقوم على نبذ التطرّف وتدعو إلى التفتّح وترسيخ روح المواطنة والحوار.
ودعما لمناعة المجتمع المدني، تم تعديل قانون الجمعيات في 2 أوت 1992 باتجاه فسح المجال أمام مشاركة المواطنين في النشاط الجمعياتي، حيث تم إلغاء التأشيرة القانونية ولم يعد تكوين الجمعيات خاضعا لترخيص مسبق ولم يعد ممكنا لوزير الداخلية أو الولاة حسب الاختصاص إلا الاعتراض على تكوين جمعية إذا ما تبيّن أن أهدافها لا تتطابق مع الدستور أو مقتضيات قانون الجمعيات، بعد أن كان من مشمولات وزير الداخلية فحسب. ومن ذلك أيضا التعديل الذي أدخل على قانون الجمعيات في 2 أفريل 1992 والذي وضع تصنيفا جديدا لها وحدد شروطا جديدة لمسيري الجمعيات ذات الصبغة العامة، إضافة إلى إصدار قانون خاص بالمنظمات غير الحكومية سنة 1995.
كما تم إيجاد الآليات التي تسمح بتطوير عمل الجمعيات، ومن بين هذه الآليات دعم صندوق الجمعيات، وتخصيص خط تمويل لدى البنك التونسي للتضامن لفائدة الجمعيات التنموية التي تتكفل بإسناد قروض صغرى للمواطنين، وإحداث مركز للبحوث والدراسات والتوثيق والإعلام «إفادة» لمساعدة الجمعيات على القيام بمهامها، وتطوير آدائها من خلال تنظيم ندوات للتدريب والتكوين لفائدة منخرطيها وأعوانها، وتسهيل استفادتها من شبكات المعلومات.
وبفضل هذه الإجراءات والمبادرات، ارتفع عدد الجمعيات من أقل من ألفي جمعية سنة 1988 إلى 8348 جمعية سنة 2003
تطوّر الحياة السياسية (أكتوبر 1999 - أكتوبر 2004)
بعد أن كان دستور 1 جوان 1959 محل إجماع التونسيين باعتباره نصّا تأسيسيّا يحدّد هويّة النّظام السياسي ونوعيّة العلاقات الاجتماعية، وله العلوية المطلقة، تحوّل إلي «وثيقة خلافية» خاصّة منذ تعديل الفصل 40 في 19 مارس 1975، الذي يمنح الرئاسة مدى الحياة إلى الرئيس السابق الحبيب بورقيبة، وكذلك بعد التعديل الذي أدخل على الفصل 57 في 8 أفريل 1976 والذي كرّس مبدأ الخلافة الآلية وفتح الأبواب على مصراعيها أمام صراع محموم على الخلافة أضعف مؤسسات الدولة الوطنية وكاد يعصف بكلّ مكاسبها.
لذلك، أقرّ بيان السابع من نوفمبر ضرورة مراجعة الدستور لإنقاذ النظام الجمهوري بعد أن ألغيت الانتخابات الرئاسيّة، وهي أهمّ مميّزات النظام الجمهوري، سنوات 1979 و1981 و1986 وأصبح خليفة رئيس الدولة معيّنا دون أيّ تدخل أو مشاركة من قبل الشعب.
وبادر النّظام الجديد، مباشرة إثر التحوّل، بإجراء تعديل للدستور في 25 جويلية 1988 تكريسا لما جاء في بيان السابع من نوفمبر من أنه «لا مجال في عصرنا إلى رئاسة مدى الحياة ولا لخلافة آلية لا دخل فيها للشعب».
ثمّ جاءت تعديلات أخرى للدستور لتعزّز المسار الديمقراطي، مثل تعديل 27 أكتوبر 1997 الذي وسّع في مجال الاستفتاء وأقرّ التعدديّة الحزبيّة، وتعديل 6 نوفمبر 1995 الذي أدرج المجلس الدستوري ضمن الدستور، وتعديل 2 نوفمبر 1998 الذي أكسب آراء المجلس الدستوري صبغة إلزامية.
ويبقى تعديل 1 جوان 2002 أهم هذه التعديلات على الإطلاق سواء من حيث الشكل أو من حيث المضمون. حيث شمل التعديل 39 فصلا، أي ما يعادل نصف فصول الدستور (78 فصلا)، وتوزّعت هذه الفصول على خمسة أبواب وهي : الباب الأوّل أحكام عامة، والباب الثاني السلطة التشريعيّة، والباب الثالث السلطة التنفيذية، الباب الثامن الجماعات المحلية والباب التاسع المجلس الدستوري.
ويعتبر تعديل جوان 2002 تعديلا جوهريا خلافا للتعديلات السابقة التي كانت إمّا جزئية، تشمل فصلا أو فصلين من فصول الدستور أو بابا من أبوابه، أو ظرفية، وقع إقحامها في الدستور نتيجة ظروف سياسية معيّنة اقتضت مراجعة أحكام الدستور، مثل تعديل 8 أفريل 1976 الذي تمّ بمقتضاه التنصيص على الحكومة ضمن الدستور، وتعديل 25 جويلية 1988 الذي ألغى الرئاسة مدى الحياة والخلافة الآلية بعد تحوّل السابع من نوفمبر.
وتكمن أهميّة التعديل الجوهري الجديد في تكريسه، لأوّل مرّة صلب الدستور ضمن بابه الأول، المبادئ الأساسية التي ينبني عليها المشروع المجتمعي للتحوّل مما جعلها تكتسي قيمة دستورية، وهذه المبادئ هي : شموليّة حقوق الإنسان وتكاملها، ومبادئ دولة القانون والتعدديّة، وقيم التضامن والتآزر والتسامح.
كما تكمن أهميّته في إحداث آليات وتقنيات تسمح بدعم التمثيل وإثراء الوظيفة التشريعية وإدخال ديناميكية جديدة على الحياة السياسيّة، ويتمثل ذلك بالخصوص في إحداث غرفة ثانية وتعزيز رقابة مجلس النواب على الحكومة.
وتكمن أهميّته أيضا في جعل مؤسسة المجلس الدستوري دعامة أساسيّة من دعائم دولة القانون والمؤسسات بتوسيعه في صلاحياتها ودعم حياد أعضائها واستقلاليتهم.
جاء تعديل 1 جوان 2002 استجابة لواقع سياسي جديد، وتمهيدا لفترة سياسية جديدة، دعاها الرئيس بن علي «جمهورية الغد».
ويهمّ الواقع الجديد الأوضاع الداخلية بالأساس، ثمّ الأوضاع الدوليّة نظرا إلى انفتاح تونس على الخارج وتأثرها بمجمل التحولات التي يعيشها العالم، فتضمن التعديل جملة من الضوابط الدستورية الأساسية للتفاعل مع تلك التحولات العالميّة، والتي يمكن حصرها في ثلاثة ضوابط : الالتزام بكونيّة حقوق الإنسان، وإحلالها مرتبة دستورية، وإعلاء مبدإ التسامح إلى مرتبة الدستور، وأخيرا الولاء الكامل لتونس.
كما جاء هذا التعديل ليهيء لمرحلة سياسيّة جديدة، ويؤسّس لـ «جمهورية الغد»، حيث كان التركيز على جملة من الأهداف أهمها : توسيع المشاركة السياسيّة، وتشريك النخب المحليّة في الخيارات الوطنية، والتأسيس على المدى الطويل لتعدديّة حزبية حديثة قائمة على التنافس بين البرامج والأفكار. وتمّ التركيز أخيرا في تعديل الدستور على إخضاع الحكومة للمساءلة الحينيّة.
«جمهورية الغد» وتطوّر الحياة السياسية إلى أكتوبر 2004
تتزامن هذه المرحلة (1999 - 2004) مع تنفيذ برنامج الرئيس زين العابدين بن علي الذي تقدّم به للانتخابات الرئاسيّة التعدديّة الأولى التي شهدتها تونس سنة 1999. وقد تميّز هذا البرنامج بالتمسّك بثوابت العهد الجديد التي جاءت في بيان السابع من نوفمبر وتضمن إضافات تطلّبتها المرحلة الجديدة.
وتواصلا مع ما تمّ تحقيقه من إنجازات في مجال ترسيخ دولة القانون والمؤسسات، وإيفاء بما كان وعد به الرئيس بن علي أثناء حملته الانتخابية الرئاسية لسنة 1999، ولما تضمنه في الغرض برنامجه المستقبلي، فقد عرفت الفترة ما بين سنتي 1999 و2004 استمرار المدّ الإصلاحي الذي شمل مجالات عديدة من بينها خاصة تطوير نظام التمثيل في البرلمان، وتعزيز المجلس الدستوري، ودعم استقلال القضاء وتطوير إدارته، وإثراء المنظومة القانونية عامة ومنظومة العدالة الجزائية على وجه الخصوص بعديد القوانين والنصوص الموفّرة لمزيد الضمانات للمتقاضين.
وانبنت فلسفة تعديل الدستور في 1 جوان 2002، في مجال تفعيل العلاقة بين الحكومة ومجلس النواب، على دفع الحوار البرلماني وتعزيز رقابة مجلس النواب على الحكومة، حيث وقع التنصيص في الدستور على جلسات دورية للأسئلة الشفوية، والأسئلة حول مواضيع الساعة، والحوار بين الحكومة ومجلس النواب بشأن السياسات القطاعية كما تمّ تبسيط إجراءات لائحة اللوم.
أقرّ التعديل الدستوري الجوهري، ولأوّل مرّة، إحداث غرفة ثانية (مجلس المستشارين)، على غرار أعرق الديمقراطيات التي أخذت بنظام المجلسين، استجابة لتطوّر النظرة إلى أشكال تمثيل الشعب بالسلطة التشريعية.
ولقد أوكل الدستور إلى مجلس المستشارين ممارسة الوظيفة التشريعية، مما يجعل القوانين المصادق عليها من قبل السلطة التشريعية معبّرة عن الإرادة العامة للشعب وعن مشاغل مختلف الجهات والقطاعات المهنية والاجتماعية والكفاءات الوطنية.
وفي هذا السياق، صدر القانون الأساسي عدد 48 لسنة 2004، المؤرخ في 14 جوان 2004، المتعلق بتنظيم عمل مجلس النواب ومجلس المستشارين وعلاقتهما ببعضهما لتجسيم التكامل بينهما.
ودعما لدولة القانون أولى تعديل الدستور مكانة متميّزة للمجلس الدستوري، إذ تمّ توسيع صلاحياته، كما تمّ التأكيد على ضمان استقلالية أعضائه وحيادهم.
وقد شمل التوسيع خاصة مرجعية المجلس في مجال رقابة دستورية القوانين، كما أصبح المجلس هيئة قضائية انتخابية.
ومن أهمّ الإضافات التي أتى بها التعديل الدستوري إقرار اختصاص واسع للمجلس الدستوري في مجال الانتخابات، إذ أنه ينظر في الانتخابات التشريعية والرئاسية وفي عملية الاستفتاء، فأصبح بمقتضى التعديل الذي أدخل على الفصل 72 يبت في الطعون المتعلقة بانتخاب أعضاء مجلسي النواب والمستشارين.
وقد دعم التعديل الدستوري استقلال أعضاء المجلس الدستوري من خلال مراجعة طريقة تعيين أعضائه وتحديد مدّة العضويّة والتنصيص على حالات التنافي، إذ أنه لا يمكن لأعضاء المجلس ممارسة مهام حكومية أو نيابية ضمانا لاستقلال المجلس الدستوري تجاه السلطتين التنفيذية والتشريعية، كما أنه لا يمكن لأعضاء المجلس الاضطلاع بمهام قيادية حزبية أو نقابية.
ويتنزّل القانون الأساسي عدد 52 لسنة 2004، الصادر في 12 جويلية 2004، والمتعلق بالمجلس الدستوري في إطار منظومة إصلاحية شاملة ومتكاملة تؤسّس لطور جديد من الإنجازات وتشكل نقلة نوعية في مسيرة الإصلاح لما تضمنته من مبادئ وقيم تكرس الحريات العامة والفردية وحقوق الإنسان والتضامن وترسيخ المسار الديمقراطي التعددي.
وتجسّد دعم دولة القانون والمؤسسات أيضا في تعزيز استقلال القضاء.
إعلام تعددي ومجتمع مدني فاعل
تبوّأ الإعلام منزلة أساسية في البناء الديمقراطي التعدّدي اعتبارا لدوره الحيوي في فسح المجال أمام تنوّع الآراء وحرية التعبير التي يضمنها الدستور. ويمثل القانون الأساسي الصادر في 30 ماي 2001، والمتعلق بتنقيح مجلّة الصحافة، نقلة نوعية في هذا المجال، إذ تركز بالخصوص على تبسيط الإجراءات والتقليص من العقوبات الجزائية أو حذفها من مجلة الصحافة مثل حذف تجريم ثلب النظام العام، وكذلك التقليص في المدّة القصوى لتوقيف الدورية اليومية المحكوم بها من 6 أشهر إلى 3 أشهر، وسحب عدّة فصول من مجلة الصحافة وإدراجها بالمجلة الجنائية وذلك لتعلّقها بأحكام جزائية.
وتتلقّى أحزاب المعارضة تمويلا عموميا لمساعدتها على انتظام صدور صحفها، فبالإضافة إلى المنح العمومية التي أقرها القانون والتي تصرف مباشرة لأحزاب المعارضة فإنّ كل صحيفة من صحفها تستفيد من تمويل عمومي يعادل في مقداره تكاليف إنتاج نشرية أسبوعية ذات 10 صفحات تصدر في 15 ألف نسخة وطباعتها.
وفي موفّى سنة 2004 أصبحت تصدر بتونس 240 صحيفة ومجلة تونسية، ويوجد 973 صحافيا محترفا (مقابل 639 سنة 1990) من بينهم قرابة 35% من النساء و53% من خريجي الجامعات.
ومنذ سنة 2003 فتح الفضاء السمعي البصري أمام إذاعات وتلفزات خاصة، وشرعت أول محطة إذاعية خاصة في تونس «راديو موزاييك FM» في بث برامجها يوم 7 نوفمبر 2003، كما تم بعث محطة تلفزية خاصة «قناة حنبعل» (13 فيفري 2005). وانطلقت المحطة الإذاعية الخاصة الثانية في تونس «إذاعة جوهرة FM في بث برامجها في 25 جويلية 2005.
وتجسيما لما أعلنه في خطابه بمناسبة الذكرى الثامنة عشرة للتحوّل من قرار بمزيد دعم الدولة المادي للأحزاب السياسية ولصحافة الأحزاب السياسية تولّى الرئيس زين العابدين بن علي في 30 نوفمبر 2005 التوقيع على أمرين ينصّ الأول على الترفيع في المنحة السنوية المسندة للأحزاب السياسية عن كل نائب وينص الثاني على الترفيع في المنحة السنوية لدعم صحافة الأحزاب.
وتمّ في 14 ديسمبر 2005 الإعلان عن تركيبة جديدة للمجلس الأعلى للاتصال ليضم إلى جانب الكفاءات المعروفة في هذا المجال شخصيات تعكس تنوع المجتمع المدني والأطراف السياسية وذلك تجسيما لما ورد في خطاب رئيس الدولة بمناسبة الذكرى 18 للتحوّل. ويهدف هذا القرار إلى مزيد تطوير المشهد الإعلامي وإثرائه بما يخدم الخيارات الوطنية ويرتقي به إلى أفضل المراتب.
وتيسيرا لظروف العمل الإعلامي في مناخ من الحرية والشفافية تولّى الرئيس زين العابدين بن علي في 9 جانفي 2006 ختم قانون أساسي يتعلق بتنقيح مجلة الصحافة ويقع بموجبه إلغاء إجراء الإيداع القانوني والعقوبات المترتبة عن عدم القيام به في مجال الصحافة.
كما تولّى رئيس الجمهورية في 15 فيفري 2006 ختم قانون أساسي يتعلق بالتمويل العمومي للأحزاب السياسية ويقضي بالترفيع في الجزء القار للمنحة السنوية التي تسند إليها.
ويندرج هذا القانون في إطار ما جاء في خطاب رئيس الدولة يوم 7 نوفمبر 2005 والذي أعلن فيه عن مزيد دعم الدولة المادي للأحزاب حتى تتوفّر لها قدرات أفضل للعمل والنشاط باعتبار أن دعم الأحزاب والارتقاء بالتعددية السياسية يمثّلان ضمانا لرسوخ الديمقراطية وتعزيز مقوماتها.
تعزيز حقوق الإنسان في أبعادها الشاملة
من منطلق الإيمان بأنّ حقوق الإنسان كلّ لا يتجزأ وأنّ كرامة الفرد لا تكتمل إلاّ بتكريس كافة حقوقه في تلازمها وتكاملها، تميّزت الفترة بين 1999 و2004 بإنجازات وإصلاحات عديدة في مجال تعزيز هذه الحقوق في مفهومها الشامل.
ففي ما يتعلق بالحقوق المدنية والسياسيّة، وفضلا عن الإصلاحات التي جاءت لدعم المسار الديمقراطي التعدّدي وحرية الرّأي والتّعبير، طالت الإصلاحات المنظومة الجزائية.
كما شملت مجال التربية والتعليم بصدور القانون التوجيهي عدد 80 لسنة 2002 المؤرخ في 23 جويلية 2002 والمتعلّق بالتربية والتعليم المدرسي، والذي نص بالخصوص على أن التربية أولوية مطلقة وأن التعليم إجباري من سن السادسة إلى سن السادسة عشرة، وهو حقّ أساسي مضمون لكل التونسيين، لا تمييز فيه على أساس الجنس أو الأصل أو اللون أو الدين، وهو واجب يشترك في الاضطلاع به الأفراد والمجموعة.
ومما ميّز بداية القرن الواحد والعشرين بتونس، تنزيل حقوق الإنسان المنزلة الدستورية، حيث جاء في الدستور بعد تعديله «تضمن الجمهورية التونسية الحريات الأساسيّة وحقوق الإنسان في كونيتها وشموليتها وتكاملها وترابطها»، وبذلك أدرجت لأول مرّة عبارة «حقوق الإنسان» ضمن أحكام الدستور، تجسيدا لمقاربة العهد الجديد في مجال دعم حقوق الإنسان وهي مقاربة تقوم على جملة من المبادئ وهي : الشموليّة والكونية دون إلغاء للخصوصيّة التي تعني مناهج التطبيق وأشكال آليات الحماية وأساليبها، وهي أيضا حماية المعطيات الشخصية، حيث صدر القانون الأساسي عدد 63 بتاريخ 27 جويلية 2004 المتعلّق بحماية المعطيات الشخصية .
كما تأكّدت مقاربة العهد الجديد لحقوق الإنسان بإضفاء الصبغة الدستورية على الضمانات القضائية للاحتفاظ والإيقاف التحفّظي عندما اقتضى تعديل الدستور في جوان 2002 تحجير تعريض أي كان لاحتفاظ أو لإيقاف تعسفي.
ولم يقع التغافل، عند إنجاز التعديل الجوهري للدستور، عن قيم ميّزت الرّؤية الاجتماعية للعهد الجديد منذ فجر التحوّل، وهي قيم التضامن والتآزر والتسامح، فنص الدستور التونسي، في صيغته الجديدة على هذه القيم مما أكسبها قيمة دستورية علاوة على ما مثلته كمظهر لشمولية التنمية في تونس العهد الجديد، وبذلك جعل منها مصدرا للتشريع وسندا للسياسات الرائدة في هذا المجال، ونزّلها منزلة الثوابت في التنظيم الاجتماعي والسياسي.

الاصلاح الاقتصادي
رغم الصعوبات والتقلبات الظرفية الداخليّة والخارجيّة، حقق الاقتصاد التونسي، في عهد التغيير، تحولا هيكليّا توضّحت ملامحه خلال التسعينات بإرساء اقتصاد السوق المنفتح على العالم. واندرجت إجراءات التنمية والعولمة ضمن رؤية اقتصاديّة اختارت التحررية الاقتصاديّة المتضامنة، وأنجزت في مسار خطط حركيّة بنجاعة وعلى مراحل. فتجسمت النقلة الاقتصاديّة بتطوّراتها ونتائجها في تغيّرات هيكليّة أسّست لتنويع الاقتصاد التونسي وتأهيله وانفتاحه.
وقد تمثّلت السياسة الاقتصاديّة، بالداخل، في إصلاحات هيكليّة أسّست لنظام اقتصادي ومالي ناجع ومتطوّر، وعززت دور الجهة في التنمية وكرست التكامل بين الجهات. كما هيأت الأرضية الملائمة لإقامة علاقات الشراكة مع الخارج.
واعتمد إرساء الاقتصاد التونسي المتحرر خلال التسعينات خاصة، إصلاحات هيكليّة ماليّة واسعة وعميقة. وقد تمثّلت هذه الإصلاحات في تعزيز النظام المالي، ودعم المراقبة والمتابعة على مستوى المؤسّسات المصرفية، وتعصير المهن البنكيّة والمالية. وكان الهدف من ذلك تنمية القدرات التنافسيّة للنظام البنكي التونسي حتّى يقوى على تنشيط الاقتصاد الحر في ظل منافسة البنوك الأجنبيّة إثر تحرير الخدمات الماليّة وفقا للاتفاقيّات العالميّة ومنها الشراكة مع الاتحاد الأوروبي.
- اقتصاد متفتّح على العالم
وقد انطلق المخطط العاشر للتنمية (2002 - 2006) في محيط شهد تحولات عميقة على الصعيدين الوطني والعالمي خلال العشرية الأخيرة من القرن العشرين أدت إلى بروز أنماط عديدة من العمل والإنتاج والتعليم واتسمت بتعميق مسار العولمة والتحرر الاقتصادي واقتران ذلك بمزيد انفتاح الأسواق واحتداد المنافسة وتدويل عملية الإنتاج والتشابك بين اقتصاديات مختلف البلدان.
وشهدت البلاد إصلاحات جوهرية شملت مختلف المجالات دعمت مقومات التنمية وأكسبت الاقتصاد الوطني مزيد التنوّع والفاعلية بتركيز آليات السوق ودفع المبادرة الخاصة ودعم القدرة التنافسية وإدماج الاقتصاد في الدورة العالمية كما واكبت هذه الإصلاحات إنجازات هامة في مجال التنمية البشرية تكريسا لتلازم البعدين الاقتصادي والاجتماعي. لكن المستجدات التي طرأت على الاقتصاد العالمي في بداية القرن الواحد والعشرين تطلبت اتخاذ جملة من المبادرات والإجراءات لاتقاء التأثيرات السلبية باعتبار الترابط المتزايد لاقتصاديات البلدان وسرعة التأثيرات المتبادلة وهو ما برز بصفة جلية بداية من سنة 2000.
وقد بادرت تونس بصفة مبكرة باتخاذ الإجراءات الضرورية لتطويق مفعول مختلف هذه المستجدات في إطار خطة وطنية لمساندة القطاعات المتأثرة ومساعدتها على تجاوز الظرف وخاصة منها قطاعي السياحة والفلاحة.
ومن تحديات الشراكة في التحولات العالمية، معالجة الضغوطات الناجمة عن تفكيك المعاليم الديوانية في إطار تنفيذ اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي وعن التقلبات الظرفية التي أصبح البعض منها يكتسي طابعا هيكليا مثل قيمة الدولار وأسعار النفط المرتفعة وتواتر الضغوطات في الأسواق المالية العالمية، بالإضافة إلى اشتداد المنافسة.
ونجحت السياسة الاقتصادية، فيما بين 2002 - 2004، في المحافظة على نسق نموّ مرتفع بتجديد العناية بالقطاع الفلاحي وتحسين القدرة التنافسية للمؤسسات العاملة في قطاع الصناعات المعملية وتعزيز قطاع الخدمات في مجال تكنولوجيات الاتصال والسياحة والنقل.
النتائج العامة
دأبت السياسة الاقتصادية التي انتهجتها تونس منذ التحوّل على اعتبار استقرار الإطار الاقتصادي الجملي إحدى أولوياتها، واعتبار الحفاظ على التوازنات العامّة ضروريا لتوفير الإطار المناسب للمبادرة الخاصة، ولتيسير عملية دخول الاقتصاد إلى السوق المالية العالمية بشروط معقولة قصد تمويل المجهود التنموي الوطني.
ولهذا الغرض، تم إيلاء اهتمام خاص لميزانية الدولة بالعمل على السيطرة على عجزها، دون المساس بالمبادرة الخاصة وبتنمية رأس المال البشري والبنى الأساسية.
ولقد حققت تونس في هذا المجال نتائج ملموسة، إذ انخفض معدل عجز الميزانية من حوالي 5% خلال الفترة 1985 - 1986 إلى 2,5% خلال الأعوام 2000 - 2004.
ورافق السيطرة على هذا العجز تحسّن في العجز الأولي الذي تطوّر من عجز بمعدل 0,7% خلال الفترة 1985 - 1986 إلى فائض بنسبة 0,6% خلال الفترة 2000 - 2004.
ولا بد، من الإشارة في هذا السياق، إلى أن سياسة الميزانية حققت إنجازا هاما آخر خلال هذه الفترة، عبر إدخال إصلاح عميق على الجباية، فسجل الاقتصاد التونسي انخفاضا متواصلا في نسبة الأداءات غير المباشرة من مجمل الموارد الجبائية، كما يدل على ذلك الانخفاض المستمّر في القسط الراجع إليها من تلك الموارد من معدل 80,2% على امتداد 1985 - 1989 إلى 69,1% خلال السنوات 2000 - 2004.
وفي هذا الإطار بالذات مثّل معدل النّفقات الاجتماعية من الميزانية نحو 53,5% خلال الفترة 2000 - 2004، مقابل 48,3% خلال الفترة 1986 - 1989، فيما بلغ معدل هذه النفقات لكل ساكن 611 دينارا سنويا خلال الفترة 2000 - 2004، مقابل 210 دنانير خلال السنوات 1986 - 1989.
وقد تحسنت جل مؤشرات التنمية الاجتماعية، من ذلك تقلّص نسبة الفقر إلى 3,9% سنة 2005 ونسبة المساكن البدائية إلى 0,8% (حسب التعداد العام للسكان والسكن لسنة 2004) واتساع حجم الطبقة الوسطى إلى قرابة 80% من مجموع السكان.
وبصفة أعمّ، مكّنت السياسة المنتهجة في ترشيد الطلب والحفاظ على التوازن الدّاخلي من تسجيل تحسّن واضح في العجز الجاري للميزانية وحصره في حدود مقبولة حيث تراجع من 7,8% سنة 1986 إلى 2% عام 2004.
إنّ الأثر الإيجابي لهذه الجهود في التوازن الخارجي للاقتصاد التونسي والذي ساعدت عليه حركيّة المبادلات التجاريّة، قد عززته سياسة تداين تركزت بالخصوص على هيكلة الدين التونسي التي تسيطر فيها القروض طويلة الأمد والتي تتجاوز مدّة تسديدها 10 سنوات.
وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى تراجع نسبة التداين التي نزلت تحت سقف 50% من الناتج الوطني الإجمالي سنة 2004، مقابل 60,2% سنة 1986، كما انخفضت نسبة خدمة الدّين لتنحصر في حدود 15,5% من الإيرادات الجارية سنة 2004، مقابل 27,3% سنة 1986.
إنّ هذا التحسّن في قدرة تونس على الوفاء بالتزاماتها الخارجيّة قد مكّنها من إحكام تمويل اقتصادها ومواصلة إعادة هيكلته واستحثاث نسق نموّه. ويتجلّى هذا التحسّن من خلال رصيد البلاد من العملة الصعبة الذي ما انفكّ يتزايد ليصل إلى ما يكفي لمواجهة 106 أيام من التوريد في أواسط 2004، مقابل 24 يوما فقط سنة 1986.
هذه النتائج التي أمكن تحقيقها بفضل تنفيذ سياسات ملائمة في ميادين الميزانية والنقد والصرف، سمحت لتونس بتثمين استقرار إطارها الاقتصادي الجملي، وهذا من شأنه أن يعطي حركية للمبادرة الخاصة، ويدعم جهد النموّ الاقتصادي في البلاد ويحسّن ظروف نفاذها إلى السوق المالية الدوليّة.
كما أنّ تحقيق استقرار هذا الإطار الاقتصادي، أصبح واقعا ملموسا ومعترفا به، مثلما يدلّ عليه ترتيب تونس في هذا المجال ضمن تقرير 2005 Œلمنتدى دافوس˜ الذي منحها المرتبة 40 من مجموع 117 بلدا، الشيء الذي يدفعها إلى مزيد الانفتاح على العالم دون خوف على التوازنات العامة
مزيد الانفتاح على الاقتصاد العالمي
إنّ النتائج التي سجلتها تونس في مجال الحفاظ على التوازنات العامة بارزة، سيما وأنها تحققت في سياق تفتّح اقتصادها على العالم واندماجها بشكل تصاعدي في محيط اقتصادي عالمي يتّسم بعدم الاستقرار وبتباطؤ محسوس في النموّ لأسباب عديدة يذكر منها تقلّب الأسواق المالية وأحداث 11 سبتمبر 2001، وحرب الخليج الثالثة.
والملاحظ أن تونس، البلد العضو في المنظمة العالمية للتجارة والشريك كامل الحقوق في مسار برشلونة هي، أوّل بلد من بلدان الضفّة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط وقّع اتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروبي، والأول الذي بادر بالشروع في تفكيك الحواجز الجمركية. وتعتبر تونس الشريك المتوسطي الأكثر اندماجا في المبادلات، بنسبة تفتح تقارب 94% على امتداد الفترة 2000 - 2004.
وفي مجال الاستثمار الأجنبي، تمّ إدخال العديد من الإصلاحات لتحسين جاذبية تونس كموقع اقتصادي. وشمل هذا المجهود تعميق الإصلاحات الهيكلية الرامية إلى تحسين المحيط الاقتصادي، وعمليات مراجعة الإجراءات الترتيبية، وتدعيم برنامج التخصيص، وتوسيع مجالات تدخّل هذا الاستثمار بتشجيعه، مثلا، على التوجّه نحو قطاعات ذات صلة بالبنى الأساسية.
وقد كانت النتائج المسجّلة في هذا الميدان ملموسة، إذ ارتفع حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة من 100 مليون دينار سنويا في بداية التسعينات إلى ما يناهز 900 م.د. سنويا خلال الثلاث سنوات الأولى من القرن الواحد والعشرين. كما ارتفع عدد المؤسسات في تونس بمشاركة رأس مال أجنبي بصفة منتظمة ليصل إلى أكثر من 2.600 مؤسسة مكّنت من بعث أكثر من 234 ألف موطن شغل بينما كان عددها، سنة 1990، لا يتجاوز 800 مكّنت من بعث 85 ألف موطن شغل.
وقد تجسّدت، كذلك، إرادة التفتح والاندماج من خلال نسق تزايد الواردات وارتفاع نسبتها من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة 2000 - 2004.
لقد استطاع الاقتصاد التونسي تحقيق نموّ متواصل، مثلما يتجلّى ذلك من خلال التحسن الملحوظ في نسبة تغطية الواردات بالصادرات، إذ ما فتئت هذه النسبة تتطوّر بشكل إيجابي لتستقر في حدود معدل قدره 92% خلال الفترة 2000 - 2004، بتسجيل نتيجة أفضل ممّا تمّ تحقيقه في الفترتين 1983 - 1989 و1990 - 1999، حيث بلغت هذه النسبة على التوالي، 86,6% و90,9%.
وتأكّد هذا التطوّر الإيجابي على امتداد الفترة 2000 - 2004، بتحقيق معدّل نموّ يقارب 5% مقابل 4,3% في الفترة 1990 - 1999، كما تمكنت تونس بذلك من تسجيل نتيجة باهرة تمثلت في مضاعفة حجم صادراتها ثلاث مرات خلال عشرين عاما.
وفي هذا المجال، تتوجّه المؤسسات بشكل متزايد نحو الأسواق الخارجية، مثلما يدل على ذلك ارتفاع نصيب الصادرات في الناتج المحلي الإجمالي، ورافق هذا التطور الكمّي للصادرات تغيير نوعي في مستوى هيكلة الصادرات، وهو تغيير يظهر، خاصة، من خلال ارتفاع قسط المنتوجات المعملية في صادرات السلع، ليبلغ نسبة تتجاوز 82% في الفترة 2000 - 2004.
وتواصلت المجهودات لدعم مسيرة القطاع السياحي رغم ما اعترى الفترة من تطورات كان لها الانعكاس السلبي على النشاط السياحي في العالم.
وشهدت الفترة وضع برنامج متكامل لتأهيل الوحدات السياحية وتحسين الخدمات بتطوير جهاز التكوين المهني السياحي وإعادة الهيكلة المالية للوحدات الفندقية. ولتحقيق هذه الغاية راهنت الحكومة التونسية على القطاع الخاص وعلى إنجاح عمليّة التأهيل وتسريعها وتوسيع مجالها
تنشيط القطاع الخاص وتسريع عملية التأهيل
استحثت تونس الخطى في التقدّم بعمليّة تأهيل المؤسسة ومحيطها من أجل تحسين قدرتها التنافسية والتموقع التنافسي لمنتوجاتها.
وفي هذا الإطار، يجدر التذكير بعدد من الإجراءات والإنجازات التي تعكس التصوّر التونسي لإصلاح الاقتصاد وإعادة هيكلته، على أساس الاستمرارية، والتناسق في الرؤية، وأخذ متطلبات المرحلة وتطلعات المؤسسة بعين الاعتبار.
ومن هذا المنظور، تميّزت الفترة (1999 - 2004) بتهيئة شبكة الطرقات المرقمة وتطويرها (ما يقارب 1.850 كم)، وتحسين طرقات تونس الكبرى، وإنجاز المحولات وشبكات البنى الأساسية للمدن الكبرى، وإنجاز الطريقين السريعتين تونس - بنزرت وتونس - مجاز الباب، والشروع في إنجاز الطريق السيارة مساكن - صفاقس، والعناية بالبنى الأساسية للموانئ البحرية والجوية (تعصير مطاري تونس - قرطاج وجربة - جرجيس الدوليين وتعزيز طاقتهما، وفتح مطار قابس - مطماطة الجديد)، كما تميزت الفترة نفسها بتركيز الاهتمام على قطاع الاتصالات والتكنولوجيات الجديدة للمعلومات، وذلك من خلال تطوير البنية الأساسية لهذا القطاع بتعميم عمليات التراسل الرقمي، والسماح بالنشاط لمتدخّل ثان في مجال تراسل المعطيات عن طريق السّواتل، وتحسين شبكة تراسل المعطيات، بتشريك متدخل ثان في مجال الهاتف النقّال، وإتمام القسط الرابع من القطب التكنولوجي بمنطقة أريانة من ناحية، والتخفيض في تعريفات تراسل المعطيات وفي معلوم الاشتراك في شبكة الهاتف القار ومعلوم الاشتراك في شبكة الجوال من ناحية ثانية.
كما تميزت الفترة الممتدة بين 1999 و2004 بتعميق إصلاح الجهاز المالي الذي شمل قطاعات البنوك والتأمين وسوق رؤوس الأموال حتّى تكون قادرة على الاضطلاع بدور أكثر حيويّة سواء في تعبئة الموارد الداخلية أو في تمويل الاستثمار على أسس سليمة وتوجيهه نحو الأنشطة الأكثر مردوديّة.
ومن العلامات البارزة الأخرى التي ميّزت الفترة (2002 - 2004)، والتي هي جزء من عملية تأهيل محيط المؤسسة، دعم قدرات الإدارة وتطوير العمل الإداري، من خلال تعميم الإعلاميّة وتكثيف استعمال التقنيات الجديدة بما حقّق تطوّرا ملحوظا لقطاع تكنولوجيات المعلومات والاتصال، من ذلك تركيز المنظومات الوطنية الكبرى وتطويرها وإحداث مواقع الواب العموميّة وتطوير منظومة بوابة الإدارة وإعداد المخطط المديري المشترك للإعلامية بالإدارة لتمكين كل الوزارات من تطبيقة معلوماتية موحّدة ومتكاملة.
كما تمّ اعتماد برنامج نموذجي للخدمات عن بعد ووضع خطّة وزارية لتركيز هذه الخدمات عن بعد على مراحل.
وانطلاقا من الرّؤية الشمولية لنجاعة الاقتصاد، ومن الإدراك العميق لأهمية المعلومة في عالم يعنى أكثر بالذكاء الاقتصادي وأصبحت فيه المعلومة وسرعة الحصول عليها من العناصر الأساسية للقدرة التنافسية للمؤسسات والبلدان، تمّ بذل جهد كبير لتطوير المعلومات ومسالك توفيرها، بما يمكّن المتعاملين الاقتصاديين من أخذ القرارات الملائمة في الآجال المطلوبة.
ومن ناحية أخرى شهدت الفترة 2002 - 2004 تطوّرا لنسق عمليّة التّخصيص، حيث سجل من أواخر 1999 إلى أواسط 2004، ارتفاعا بنسبة 35% مقارنة بالعمليات المنجزة خلال الفترة 1994 - 1998، مع تضاعف نسبة المداخيل المتأتية من ذلك. وتجدر الإشارة إلى أنّ عمليّة التّخصيص شملت عدّة قطاعات كالاتصالات والتجارة والسياحة والقطاع البنكي والفلاحة وصناعة مواد البناء والبلور والصناعات الميكانيكية والكهربائية.
نموّ اقتصادي متواصل
كان معدّل نموّ الاقتصاد التونسي الذي قارب 5% خلال الفترة 1990 - 1999، أحد المعدّلات الأكثر استقرارا ضمن قائمة البلدان ذات الدخل المتوسّط.
وقد بلغ معدّل النموّ، في الفترة 2000 - 2004، نسبة 5,2% دون اعتبار سنة 2002 التي لم تتجاوز فيها هذه النسبة 1,7% بسبب الجفاف الذي شهدته البلاد لثلاث سنوات متتالية، والتطوّر غير الملائم في الظرف الاقتصادي العالمي وبالخصوص في نسق النموّ بمنطقة اليورو التي تتضمّن أبرز الشركاء التجاريين المتعاملين مع تونس.
وتجدر الإشارة إلى أنّ معدّل النموّ الاقتصادي الإجمالي يقدّر بنحو 4,5% على كامل الفترة 2000 - 2004 ويتجاوز معدّل ما حقّقته بلدان منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية وبلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والذي بلغ على التوالي 2,3% و3% خلال الفترة ذاتها.
ومما يزيد في أهميّة هذا الأداء الجيّد للاقتصاد التونسي أنّه تحقّق بفضل تعصير هياكل الإنتاج وتحسين قدراتها التنافسية، وبفضل تنوّع اقتصادي أوسع.
كما تجدر الملاحظة أنّ ما يميّز التجربة التونسية سيظل، دون شك، توفّقها إلى إضفاء بعد إنساني على المنظومة الإنتاجية للاقتصاد الوطني خلافا لكثير من الدول والمناطق الأخرى في العالم، فأدّت هذه النتائج إلى تحسين واضح لمستوى الدخل الفردي رافقه انخفاض هامّ في نسبة الفقر وتغيّر هيكليّة الإنفاق الفردي في اتجاه تزايد الإنفاق غير الغذائي، وهو مؤشّر لطموحات جديدة لدى المواطن التونسي

السياسة الاجتماعية في ظل التغيير
اعتمدت السياسة الاجتماعية، في عهد التغيير، على رؤية جديدة للمجتمع الصاعد مرتكزة على صيانة الحقوق الأساسية للفرد وتعزيز التضامن والوفاق الاجتماعي، كحلول مستديمة تلائم بين النجاعة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية بهدف تطورير المؤهلات الفردية لدى كل مواطن حتى يسهم في تشييد المشروع المجتمعي.
وقد تعدّدت التدخلات الاجتماعية مسايرة للتطورات العامة، وظهرت الملامح السكانية الجديدة للمجتمع التونسي داخل حدود الوطن وخارجها، وتجسمت العناية بالتشغيل وبالشباب. وكان لتلازم مجهود التضامن الاجتماعي مع انعكاسات التطورات الاقتصادية دور في تحسن مستوى عيش التونسيين وتحقيق التقدّم الاجتماعي.
- الخصائص السكانية والجالية التونسية بالخارج
توضحت النقلة النوعية للخصائص السكانية للبلاد التونسية، في عهد التغيير، واتسمت بمسايرتها للتحولات العالمية في البلدان المتقدّمة مثلما تشير إلى ذلك الإحصائيات التي سجلها التعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2004.
ففي أفريل 2004 بلغ العدد الجملي لسكان البلاد التونسية 9,9 ملايين نسمة.
وفيما يتعلق بالتوزيع الجغرافي للسكان حسب الأقاليم، فقد أصبح إقليم الوسط الشرقي مع إقليم تونس من أكبر الأقاليم السكانية (يضم كل منهما أكثر من خمس مجموع سكان البلاد) .
وعرفت الهيكلة العمرية للسكان تغيرا واضحا انعكس على شكل الهرم السكاني الذي تطور من نوع القاعدة العريضة والقمة القصيرة والحادة (وهو الشكل المميز للبلدان السائرة في طريق النمو) إلى نوع القاعدة المتجهة نحو التقلص والقمة العريضة والمرتفعة (وهو الشكل المميز لبعض البلدان المتقدمة عند دخولها النظام السكاني العصري).
وبخصوص الجالية التونسية بالخارج، فإنّ هذه الجالية تحظى لا سيّما منذ التغيير، بعناية مستمرة تقوم على سياسة تستجيب إلى حاجاتها وطموحاتها وعلى رؤية وطنية إنسانية لموقع هذه الجالية بالنسبة إلى الوطن وبالنسبة إلى بلدان الإقامة.
ويبلغ عدد التونسيين بالخارج ما يزيد على 800 ألف مواطن أغلبهم في أوروبا، وأكثر من نصفهم في فرنسا (60%). وبفضل عناية العهد الجديد بالجالية، من خلال توفير التشجيعات والحوافز المختلفة، تضاعفت تحويلات أفرادها بالعملة الصعبة وبالصفة العينية بحوالي 4 مرات، فارتفعت بملايين الدنانير من 403 سنة 1987 إلى 1020 سنة 1999 ثم 1813 سنة 2004.
ومن المعلوم أن مداخيل الشغل أو المدخرات من الأجور التي حولها التونسيون المقيمون بالخارج لها مساهمة مهمة في المدفوعات الخارجية للبلاد التةنسية وبصفة عامة في توازنات ميزان دفوعاتها ومواردها من العملة الصعبة.
وتعدّدت البرامج والأنشطة الموجهة إلى الجالية التونسية في الخارج في اتجاه دعم صلتها بالوطن وصيانة مقومات هويتها التونسية وحماية حقوق أفرادها وتدعيم تغطيتهم الاجتماعية بالإضافة إلى تعزيز الصلة بالنخب والتشجيع على الاستثمار.
وسعت دولة التغيير إلى تعزيز اتفاقيات الضمان الاجتماعي لفائدة الجالية التونسية بالخارج ومراجعة الاتفاقيات مع بلدان الإقامة بما يستجيب إلى متطلبات العيش المتطورة للجالية التونسية. وأهم مراجعة تمّت مع فرنسا التي تستقبل حوالي 60% من مجموع المهاجرين التونسين بتوقيع اتفاقية جديدة في 26 جوان 2003 جاءت بتحسينات وإضافات منها توسيع مجال التغطية الاجتماعية للتونسيين المقيمين بفرنسا لتشمل عدة فئات جديدة، والترفيع في سلم المساهمات الفرنسية في المنح العائلية وسحب هذه المنح على عدة فئات وتحويلها لفائدة أصحابها. كما حصل تحسين جزئي في الاتفاقية المبرمة سنة 2001 في مجال الضمان الاجتماعي لصالح الجالية التونسية المقيمة بهذا البلد.
وعلاوة على الاتفاقيات الثنائية في مجال الضمان الاجتماعي، تمّ بعث نظام خاص لرعاية الجالية التونسية في البلدان التي لم تشملها اتفاقيات. كما ضمن اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، بحرص من الحكومة التونسية، حق التونسيين المقيمين ببلدان الاتحاد في الحماية الاجتماعية ممّا وسّع مجال التغطية الاجتماعية للجالية التونسية حتى في بلدان الاتحاد الأوروبي التي ليس لها مع تونس اتفاقيات ثنائية في هذا الشأن.
وفي الميدان الاقتصادي التنموي، أصبحت تحويلات التونسيين بالخارج تمثل ما يزيد على 5.1 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي. وبفضل التشجيعات المبذولة لهم لحثهم على المساهمة بالاستثمار في مجهود التنمية الوطنية، أصبحت لهم مشاركة ملموسة في هذا المجال.
واتجهت العناية كذلك إلى ربط الصلة بالنخب العلمية التونسية في الخارج وتعبئة قدراتها لدعم التنمية والإشعاع العالمي للبلاد.
وحرصت دولة التغيير على تيسير الاندماج السليم للجالية التونسية بالخارج في بلدان الإقامة حتى تصبح هذه الجالية عنصر تقارب وحوار وتفاهم بين المجتمعات والحضارات، فالجالية التونسية تعتبر من المساهمين في بناء الفضاء الأوروبي المتوسطي.
أولوية التشغيل والشباب
من تطورات الخصائص الاقتصادية للسكان بالبلاد التونسية في عهد التغيير، ارتفاع العدد الجملي للسكان النشيطين من الفئة العمرية 15 سنة فما فوق إلى 3328.6 ألف ناشط سنة 2004، بنسبة زيادة سنوية قدرت بـ 1.85 بالمائة خلال الفترة 1999-2004. ويتوزع النشيطون حسب النسب بين 73.4 بالمائة ذكورا و26.6 بالمائة إناثا مع نسبة زيادة سنوية في عدد الإناث بحوالي 3 بالمائة أي ضعف نسبة الزيادة في الذكور.
ويبلغ عدد العاطلين عن العمل من الفئة العمرية 18 - 59 سنة 432.9 ألفا سنة 2004، أي بنسبة 13.9%. وقد تقلصت هذه النسبة بـ 1.7% من النقاط خلال العشرية 1994 - 2004. ويتوزع عدد العاطلين عن العمل حسب الجنس بنسبة الثلثين من الذكور والثلث من النساء، وتبلغ نسبة البطالة 12.9% لدى الرجال و16.7% لدى النساء.
- سياسة التشغيل
يندرج التحسن الملحوظ في نسبة التشغيل وملامحه ضمن عناية دولة التغيير بهذا القطاع الذي جعلت منه أولوية وطنية. فقد تركزت أولوية الخطة التنموية للتشغيل في التهيئة لإحداث أكثر عدد ممكن من مواطن الشغل وذلك بإقرار الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية المتكاملة. وبالفعل ارتفع معدل الإحداثات السنوية للشغل من 45.3 ألف موطن شغل خلال العشرية 1984 - 1994 إلى 53.4 ألف موطن شغل خلال الفترة 1994 - 2004 بما مكن من الترفيع في نسبة الطلب الإضافي للشغل.
ومن مقومات خطة النهوض بالتشغيل تطوير المبادرة الخاصة وبعث البنك التونسي للتضامن، والرفع من شأن التكوين المهني، وتفتح المعاهد على المحيط والمؤسسات الاقتصادية، ودعم الحوار الاجتماعي، وتطوير مجالات جديدة للعمل والتشغيل، وتكريس مبدإ تكافؤ الفرص أمام طالبي الشغل، وإحداث الصندوق الوطني للتشغيل.
وفي مجال تطوير المبادرة الخاصة، تركز الاهتمام على مساعدة الباعثين الجدد وعلى مساندة المؤسسات أو المهن الصغرى وذلك برعايتهم في مختلف مراحل تركيز المشروع .
ويعتبر بعث البنك التونسي للتضامن من أبرز الإحداثات في خطة النهوض بالتشغيل.

ويندرج الرفع من شأن التكوين المهني ضمن خطة النهوض برأس المال البشري بتحسين كفاءات اليد العاملة ومهاراتها من أجل النمو الاقتصادي ودعم التشغيل المرافق له.
وقد توسع مجال تفتح معاهد التعليم والتكوين على المؤسسات الاقتصادية بالشراكة بين المؤسسة والجامعة من أجل التشغيل.
وكان لتنقية أجواء الحوار الاجتماعي وتعزيز العلاقات المهنية دور مهم في النهوض بالتشغيل في عهد التغيير والمصالحة الوطنية.
وفي هذا المناخ، أفضى الحوار إلى توقيع عدة اتفاقيات قطاعية مشتركة ليبلغ 51 اتفاقية إطارية تأخذ في الاعتبار مراعاة التلازم بين الجانبين الاقتصادي والاجتماعي قصد تحسين ظروف العمل والحياة للأجير مع الحفاظ على مواطن الشغل. كما تمّت مراجعة النظام العام للوظيفة العمومية وعدة أنظمة أساسية للمؤسسات العمومية بالإضافة إلي الاتفاقية الإطارية المشتركة والاتفاقيات القطاعية المشتركة. وانجرّت عن هذه الاتفاقيات والمفاوضات الاجتماعية عدة زيادات متتالية في الأجور، فكان الترفيع دوريا في الأجور الدنيا. وتحسنت ظروف العمل والوقاية من الأخطار المهنية بفضل القانون الجديد الذي أسس للتحسينات في الخدمات وصيغ التعويض عن الأضرار وفي الوقاية ضد الأخطار المهنية.
أما الجديد في تطور مجالات الاقتصاد غير المادي بالبلاد التونسية في عهد التغيير، فهو ظهور مجالات وأشكال جديدة للعمل والتشغيل حيث اتجهت التدخلات نحو دعم التكوين في الاختصاصات المرتبطة بالاقتصاد اللامادي.
والملاحظ، اجتماعيا، في خطة النهوض بالتشغيل، تنامي الحرص على تكريس مبدإ تكافؤ الفرص أمام طالبي الشغل، فقد تعددت التدخلات لفائدة الفئات ذات الاحتياجات الخصوصية ولفائدة الجهات الأكثر احتياجا. فاعتنت برامج التشغيل، خاصة بالعاطلين عن العمل لمدة فاقت السنتين وبالفئات ذات المستويات التعليمية الدنيا وبتشغيل المعوقين وبالإحاطة بفاقدي الشغل لأسباب اقتصادية أو فنية.
أما الحدث البارز في مجال التشغيل، فهو بعث الصندوق الوطني للتشغيل في 30 اكتوبر 1999 الذي عرف بصندوق 21-21. والذي تطوّرت برامجه إلى 35 برنامجا
العناية بالشباب
إن جلّ الخطط والإجراءات التي تمّ تطويرها في العهد الجديد تتجه بشكل أو بآخر نحو تعزيز مكانة الشباب وفتح الآفاق أمامه والحرص على الاتصال به والحوار معه وتوسيع مشاركته.
وفي إطار الإصغاء إلى الشباب والحوار معه، تمّ تنظيم الاستشارة الوطنية للشباب دوريا لتسبق كل مخطط تنموي.
ومن أشكال توسيع مشاركة الشباب في الحياة السياسية، تنقيح المجلة الانتخابية للتخفيض في سن الترشح لعضوية مجلس النواب والمجالس البلدية إلى 23 سنة. وبالإضافة إلى ذلك، تم تمكين الشباب من فرص المشاركة في التعبير عن رأيه عن طريق مؤسسات الإعلام الشبابي وبخاصة قناة وإذاعة الشباب.
وفي نطاق هذا الإهتمام المحوري بالشباب، تتصدّر هذه الشريحة طليعة المستفيدين من ثمار التنمية في جميع الميادين من التشغيل إلى الحياة الرياضية مرورا بالتربية والتكوين والثقافة الرقمية والخدمات الاجتماعية والترفيه.

التضامن وتحسن مستوى الحياة
اعتبارا للدور الحيوي لللأسرة في تكوين النشئ، اتجهت عناية الدولة، منذ فجر التغيير، في الميدان الاجتماعي بصفة خاصة، إلى الأسرة التي تواجه صعوبات. وظهرت هذه العناية خاصة في الإنجازات التي حققها صندوق التضامن الوطني.
كما انتفع ما يزيد عن 114 ألف أسرة بالمساعدات القارة في نطاق البرنامج الوطني لإعانة العائلات المعوزة. والملاحظ أن اعتمادات هذا البرنامج تضاعفت 7 مرات بين سنتي 1988 و2003. كما تسند مساعدات ظرفية إلى العائلات المعوزة أو التي تمرّ بصعوبات مؤقتة وذلك على مدار السنة.
وتركزت السياسة الصحية في خدمة مبدإ "الصحة للجميع" على الاستجابة إلى الطلبات المتزايدة في الميدان الصحي تفاعلا مع تحسّن مستوى عيش التونسيين ورقي مستواهم التعليمي وارتفاع مؤمل الحياة عند الولادة. واتجهت الخطة الصحية في البلاد، نحو تعزيز الوسائل البشرية والمادية في القطاع قصد توسيع التغطية الطبية والارتقاء بنوعية الخدمات الصحية.
وتندرج الرعاية الصحية ضمن سياسة التضامن بين الفئات الاجتماعية التي واكبت تطورا مهما في عهد التغيير في مجال التغطية الاجتماعية نحو الشمولية ونحو تحسين نوعية الخدمات فارتفعت نسبة التغطية الاجتماعية من 54,6 1987 سنة %إلى 87,4% من السكان المعنيين سنة 2004.
وترافق الجهد في تعميم التغطية الاجتماعية القانونية على جميع الفئات العاملة مع إصلاح كافة أنظمة الضمان الاجتماعي وتطويرها.
وتركّز الاهتمام على تحسين نظام التأمين على المرض بإصلاحه في أوت 2004.
ومن الجديد في ميدان الحماية الاجتماعية العناية المتنامية بجميع السكان من ذوي الاحتياجات الخصوصية والفئات الهشة، من خلال سياسة متكاملة للنهوض الاجتماعي بالأشخاص المعوقين ذات ثلاثة محاور أساسية : الوقاية والإدماج، والمساعدة.
وصدر لأول مرّة قانون يتعلق بحماية المسنين قصد تعزيز التآزر الأسري وتحسين خدمات الهياكل المعنية ورعاية المسنين صحيا.
وفي مجال الطفولة، اتصفت سياسة التغيير بحماية حقوق الطفل والارتقاء المستمر بها وبرعايته وتكونت خطة التدخل لفائدة الطفل من مستويين، تعلق الأول بالطفولة بشكل عام وشمل الثاني الطفولة التي تواجه صعوبات والطفولة فاقدة السند.

وفي مجال تحسين ظروف العيش تعددت الحوافز والامتيازات التي منحتها دولة التغيير للنهوض بالسكن خاصة لفائدة الفئات الاجتماعية ذات الدخل الضعيف، ممّا ساهم في تحسّن سكن التونسيين، مثلما دلّ على ذلك التعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2004.
وفي خصوص الربط بشبكة توزيع الماء الصالح للشراب، فقد بلغت النسبة 83,4 % سنة 2004.
كما ارتفع عدد الأسر التي تستعمل التنوير الكهربائي، فأصبح يمثل 98,9% من مجموع الأسر بالبلاد. وتتجسم مؤشرات مستوى عيش الأسر في مدى امتلاكها للتجهيزات المنزلية ووسائل الترفيه. وتبرز نتائج التعداد، في هذه المجالات، تحسن مستوى عيش الأسر التونسية وانتشار الرفاه.

دعم مكاسب المرأة
تتبوأ المرأة التونسية مكانة متميزة وتضطلع بدور مهم في المجتمع المدني وفي دفع مسار التنمية. وقد تأسست هذه المكاسب خلال العشريات الثلاث الأولى للتنمية. وشهدت نقلة نوعية في عهد التحول بفضل المبادرات التي اتخذها الرئيس زين العابدين بن علي والسياسات التي أقرها لفائدة المرأة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية، وفي مجال العناية المركزة بأوضاع الأسرة وتطويرها.
وقد أفردت المرأة بمحور خاص في البرنامج المستقبلي الذي تقدم به الرئيس زين العابدين بن علي إلى الانتخابات الرئاسية سنة 1999 بعنوان "آفاق متجددة أمام المرأة".
وتأكدت مرة أخرى المنزلة المحورية للمرأة في برامج التحول إذ خصّت في البرنامج الانتخابي لسنة 2004 بمحور يجسم طموحات التغيير في مزيد الارتقاء بمكانة المرأة من "المساواة إلى الشراكة الفاعلة".
وارتكزت سياسة الرقي بالمرأة على ثنائية الاهتمام بالمرأة والتنمية والمكاسب القانونية للمرأة.
ويندرج الاهتمام بالمرأة في علاقاتها بالتنمية في إطار العناية بالموارد البشرية ودعم دور المرأة في الأنشطة المنتجة.
وشملت خطة الرقي بالموارد البشرية النسائية في نطاق منوال التنمية الاقتصادية والاجتماعية التونسي ومخططاته التنموية المتتالية، جملة من التدخلات خاصة في مجال التربية والتكوين المهني والصحة والتنظيم العائلي والثقافة والرياضة.
وفي إطار الاهتمام بالجالية التونسية بالخارج، حظيت المرأة المهاجرة بالإحاطة والرعاية الخصوصية. فتم بعث جمعيات و"فضاءات المرأة والأجيال القادمة" للتأطير وتوثيق صلة المرأة المهاجرة بقيمها الثقافية الأصيلة والمساهمة في رعاية الجيل الثالث، بالإضافة إلى الإرشاد الاجتماعي بإشراف الملحقين الاجتماعيين، وبرامج التعليم ومحو الأمية وتنشيط الحياة الاجتماعية والثقافية للجالية.
وشهد عهد التغيير ارتفاعا مهما في عدد النساء النشيطات عامة والمشتغلات خاصة، حيث بلغت نسبة الزيادة السنوية 3 % أي ضعف النسبة الخاصة بالذكور. وتحديدا، ارتفع معدل نسبة الزيادة السنوية في إحداثات الشغل للإناث إلى 3,21 % خلال العشرية 1999-2004 أي بمعدل 19,8 ألف موطن شغل سنويا. فارتفعت نسبة النساء النشيطات بالمجتمع التونسي من 5,5 % سنة 1966 إلى 20,9 % سنة 1989 وتطور مع التغيير إلى 26,6 % سنة 2004.
كما برز دور المرأة في ميدان الاستثمار وبعث المشاريع نتيجة التسهيلات المتوفرة في هذا المجال للصناعيين والمستثمرين للمبادرة الخاصة.
المكاسب القانونية للمرأة
توجه الاهتمام، منذ التحوّل، إلى تعزيز مكانة المرأة وإلى تنمية الرصيد القانوني لحقوقها.
وشهد التشريع المتعلق بحقوق المرأة تطورا كميا ونوعيا في عهد التغيير بإرادة سياسية واضحة تعتبر حقوق المرأة جزءا لا يتجزأ من حقوق الإنسان. فقد صادقت تونس على الاتفاقية الدولية الخاصة بحقوق المرأة، ممّا ساهم في مزيد تخليص التشاريع من رواسب التمييز إزاء المرأة. وتعددت الإصلاحات بما وفر المحيط المناسب لتقدم المرأة ذاتيا واجتماعيا وحضاريا.
ورافق هذه الإصلاحات إحداث وزارة تعنى بشؤون المرأة والأسرة، وبعث المجلس الوطني للمرأة والأسرة، وإنشاء "مركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة" المعروف باسم "الكريديف"، الذي كان له دور بارز في تكثيف أنشطة البحث والدراسات المتعلقة بأوضاع المرأة في كافة الميادين بغية المشاركة في تهيئة المحيط الملائم لرقي المرأة وتنمية تقدمها ومساهمتها في الحياة العامة.
وتمّ تعزيز المجلس الوطني للمرأة والأسرة بثلاث لجان وطنية مختصة وإحداث لجان جهوية تعنى بتنفيذ الخطة الوطنية للنهوض بالمرأة الريفية. وتدعيم مركز "الكريديف" بإحداث مرصد وطني لمتابعة تطور أوضاع المرأة.
وتعزّزت منزلة المرأة في الحياة السياسية بما جعل منها شريكا فاعلا في الحياة العامة إذ تطوّرت نسبة حضور المرأة في الحكومة فبلغت 14,89 % سنة 2004 و22,75 % بمجلس النواب و27,06 % بالمجالس البلدية و18 % في المجلس الاقتصادي والاجتماعي.
وحرص العهد الجديد على دعم وجود المرأة في مختلف مواقع القرار وتشجيعها على المساهمة في الجمعيات والمنظمات غير الحكومية وبالخصوص ذات الصبعة الاجتماعية والمدنية. ساهم كل ذلك في تطوّر الحياة السياسية التونسية.
كما تمّ إرساء خطة إعلامية وتثقيفية تهدف إلى تحسين المحيط الاجتماعي والسياسي للنهوض بمكانة المرأة.
تعزيز حقوق المرأة
في إطار رؤية شاملة للمرأة والأسرة، تطور الرصيد القانوني لحقوق المرأة، في عهد التغيير، سواء على صعيد الأسرة أو على صعيد المجتمع.
ففي ما يخص حقوق المرأة داخل الأسرة، تمّ سنة 1993 تنقيح الفصل 23 من مجلة الأحوال الشخصية المتعلق بالعلاقات الزوجية بتعويض واجب طاعة الزوجة لزوجها بواجب متبادل على أساس مبدإ التعاون والشراكة بين الزوجين. كما تمّ سنة 1993 تنقيح الفصل 153 من المجلة نفسها المتعلق بالترشيد بالزواج، وتنقيح الفصل 6 المتعلق بموافقة الأم على زواج طفلها القاصر، حيث أصبحت موافقتها ضرورية إلى جانب موافقة الولي. وأقرّ تنقيح الفصل 60 من هذه المجلّة، المتعلق بحق النظر في شأن الطفل المسندة حضانته إلى أحد الأبوين، المساواة بين الأب والأم في متابعة شؤون الطفل. كما أصبح للأم المطلّقة حق ولاية محضونها القاصر بموجب تنقيح الفصل 67.
وفي خصوص السكن، ضمن القانون، منذ 1993، للزوجة التمتع بحق البقاء في المسكن في صورة وفاة الأب أو مغادرته محل الزوجية. وبتنقيح الفصل 43 من مجلة الأحوال الشخصية سنة 1993، أصبحت أصول الأم، في حدود الطبقة الأولى، تتمتع كذلك بالنفقة.
أما بالنسبة إلى خلاص النفقة وجراية الطلاق، فقد هدف تنقيح الفصل 53 المتعلق بإيقاف التتبعات العدلية في صورة الخلاص إلى حماية كيان الأسرة وتوفير فرص التصالح. وتجدر الملاحظة أن "صندوق ضمان النفقة وجراية الطلاق" قد تطورت تشريعاته مواكبة لمجمل هذه الإصلاحات. وتعلّق تنقيح الفصلين 2 و28 من مجلة الأحوال الشخصية سنة 1993 باسترداد الهدايا بين الخطيبين وبين الزوجين المفارقين قبل البناء. كما وفّر القانون الصادر في 1998 إمكانية نظام الاشتراك في الملكية بين الأزواج.
وفي سنة 1993، تمّ إحداث مؤسسة قاضي الأسرة الذي يهتم بالجلسات الصلحية بين الزوجين. وتمّ تعميم الشهادة الطبية السابقة للزواج في 1995. وخوّل القانون الصادر في 1998 للأم تمتيع الأطفال المهملين أو مجهولي النسب بلقب عائلي.
وتجدر الإشارة إلى أن مجلة حماية الطفل الصادرة في 1995 قد اعترفت للأب وللأم بنفس الحقوق تقريبا بالنسبة إلى كل ما يهم طفلها.
ومكّن تنقيح مجلة الجنسية سنة 2002 من تفعيل دور الأم في حصول الأبناء على الجنسية في حالة ولادتهم خارج الوطن من أب أجنبي.
وتضمنت مجلة القانون الدولي الخاص الصادرة في 1998 ضمانات لفائدة المرأة التونسية المتزوجة من أجنبي تمتعها بالأحكام الطلائعية للقانون التونسي في مجالات الطلاق والحضانة والنفقة والواجبات الزوجية، ونظام الأملاك، وحقوق الأشخاص، والولاية، فضلا عن منع زواج المسلمة من أجنبي متزوج من غيرها.
أمّا بالنسبة إلى حقوق المرأة في المجتمع خاصة فيما يتعلق بالتربية، فقد أقرّ، قانون النظام التربوي الصادر سنة 1991 والقانون التوجيهي الصادر سنة 202 ضمنيا حق البنت في التربية بإبعاد كل تمييز على أساس الجنس. وفي الميدان الاقتصادي، تمّ بمقتضى القانون الصادر في 1993 تعديل مجلة الشغل بإلغاء التمييز بين الجنسين. كما توسع نظام التغطية الاجتماعية ليشمل عملة المنازل بصدور قانون 2002.
كما أدخلت عدة تعديلات على القانون الجنائي تهدف إلى تدعيم مبدإ المساواة بين الجنسين وإلى حماية ضحايا العنف الزوجي. فتم حذف تجنيح "جريمة الشرف" في سنة 1993 بإلغاء الفصل 207 من المجلة الجنائية. ونصّ القانون الصادر في 1993 على تشديد العقاب في حالة العنف الزوجي مع إيقاف التتبعات العدلية عند التصالح بين الزوجين.
وفي الحياة العامة، أقرّ القانون الدستوري الصادر في 1997 مبدإ المساواة بإثراء منطوق الفصل 8 منه وتدقيقه. كما اعتمد تعديل المجلة الانتخابية في 1998 القانون الدستوري، بالنسبة إلى الترشح لعضوية مجلس النواب، شرط الولادة من أم تونسية إلى جانب شرط الولادة من أب تونسي. وفرض القانون المنظّم للأحزاب السياسية منذ 1988 على الأحزاب احترام "المبادئ المتعلقة بالأحوال الشخصية" والدفاع عنها ونبذ كل أشكال التمييز.
وقد تجسّدت هذه المكاسب القانونية المتعلقة بحقوق المرأة والأسرة من خلال البرامج والإجراءات التي تتابعت خلال العهد الجديد بما حقق الرقي بالمرأة لتصبح، بحق، شريكا فاعلا في مسيرة التنمية والتحديث، ومكنها من النفاذ إلى المراكز الأمامية في مجال صنع القرار ومن المساهمة الفعالة في الحياة السياسية والعامة.
وفتح المجال فسيحا للعمل الجمعياتي النسائي، فارتفع عدد الجمعيات النسائية أو التي ترأسها امرأة في آخر التسعينات إلى حوالي عشرين جمعية. وحققت هذه المبادرات المتاصلة على المستوي التشريعي والمؤسساتي، عموما، تحولا نوعيا لوضع المرأة التونسية ودورها في المجتمع المدني. فارتفعت نسب المشاركة في الانتخابات، وكان للمرأة دور في استبعاد التطرف عن الحياة السياسية.

إرساء أسس مجتمع المعرفة
شمل المشروع المجتمعي أبعاد التربية والتكوين والبحث العلمي والثقافة والرياضة والإعلام، في رؤية متكاملة توسّعت آفاقها استعدادا لدخول القرن 21 وإرساء مجتمع المعرفة. فتواصل الجهد لإصلاح التعليم وتحقيق ازدهار الحياة الثقافيّة والرياضيّة وإشعاعها.
- إصلاح التعليم وتنميته
تجددت العناية بالتعليم، بعد تحول السابع من نوفمبر 1987، فشهد إصلاحات عميقة من حيث البرامج، والمردود، وتعزيز الإقبال على الجامعة ضمن رؤية هادفة إلى إقامة مجتمع المعرفة.
وبدأ إصلاح التعليم بإرساء المدرسة الأساسيّة بقانون 29 جويلية 1991. واستند الإصلاح إلى رؤية واضحة تقوم على اعتبار التعليم حقا من أهم حقوق الإنسان. فأكّد القانون إجباريّة التعليم بين سن السادسة والسادسة عشر.
كما تمّت إعادة هيكلة التعليم الثانوي في أربع سنوات تعليميّة مع إدخال التعديلات المناسبة على المواد العلمية والفنية والأدبيّة، والملاءمة بين التكوين العام والتكوين الشخصي للتلميذ. وتمّ تحسين نظام التوجيه وتنويع وإثراء الشعب المؤدية إلى شهادة الباكلوريا.
وتواصل إصلاح التعليم بقانون 23 جويلية 2002 الذي أرسى منظومة تربويّة متكاملة.
وقد ارتفعت نسبة تمدرس الأطفال ما بين 6 و14 سنة في عهد التغيير، من 75.9% سنة 1984 إلى 86.2% سنة 1994 ثمّ إلى 95.1% سنة 2004.
كما ارتفعت نسبة التمدرس بالمرحلة الثانية من التعليم الأساسي وبالتعليم الثانوي من 37.7% سنة 1984 إلى 64.7% سنة 1997 ثمّ 75.7% سنة 2002.
- تطوّر التعليم العالي والبحث العلمي
شهد التعليم العالي، في عهد التغيير، تحوّلات جذريّة وكمية بفعل الإرادة السياسيّة الداعمة للجامعة والهادفة إلى تركيز مجتمع المعرفة.
وتمثّلت أهمّ الإصلاحات في إرساء مرحلة أولى في التعليم العالي موجهة إلى تكوين الإطارات المتوسطة. وتجسّمت أهمّ الإنجازات في توفير الإمكانات لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الطلبة وتعزيز اللامركزيّة. هذا بالإضافة إلى النهوض بالبحث العلمي وخاصة إعادة الاعتبار للبحوث ذات الصلة بالتنمية.
وقد مكّنت الإنجازات في مجال التعليم العالي من استقبال الأعداد المتزايدة من الطلبة المقبلين على الجامعة حيث تضاعف عدد الطلبة المسجلين ثلاث مرات خلال عشرية واحدة فبلغ 155 ألف طالب سنة 1998 مقابل 41 ألف طالب سنة 1986. وخلال السنة الجامعيّة 2004 بلغ عدد الطلبة 312 ألف طالب، وسيظلّ هذا العدد في ازدياد إلى حدود سنة 2011 نظرا إلى متوقّع خصوصيّات النموّ السكاني للبلاد. وقد بلغ، عدد المؤسّسات الجامعيّة العموميّة 162 مؤسّسة سنة 2004 إلى جانب 17 مؤسسة جامعيّة خاصة. وارتفع عدد المدرسين الجامعيّين إلى 14 ألف مدرس وباحث.
وشهد قطاع البحث العلمي إصلاحا شاملا لهياكله، من أهدافه إضفاء أوفر عوامل النجاعة على أنشطته في البلاد، وخاصة إرساء توازن مفيد بين البحث الأساسي والبحث التطبيقي. وذلك لتيسير التفتح وتبادل الخبرات بين أوساط البحث وعالم المؤسّسات الاقتصاديّة نظرا إلى أهميّة البحوث ذات الصلة بالتنمية والمواكبة للتطوّر العالمي. وهكذا، شملت أنشطة القطاع البحوث الأساسيّة والبحوث التطبيقيّة والتنمويّة وبرامج الشراكة بين المختصّين في مختلف مجالات التدخل.
فمن مكوّنات منظومة البحث العلمي والتكنولوجيا، تظهر الأقطاب التكنولوجيّة ومحاضن المؤسّسات التي يرتفع عددها باطراد. ومن الأقطاب التكنولوجيّة المنجزة قطب الاتصالات الذي دخل طور الاستغلال سنة 2001.
ومن أبرز دعائم خطة البحث العلمي تشجيع الباحثين على استغلال نتائج بحوثهم بالشراكة مع المؤسّسات الاقتصاديّة، وتركيز بنك معلومات يتضمن حاجات المؤسّسات الاقتصاديّة في مختلف ميادين النشاط، وتركيز بنك معلومات لرسائل الدكتوراه والبحوث العليا.
وبرزت، في عهد التغيير، إرادة سياسيّة لمواكبة هذه التحوّلات بإقرار الاختيار الاستراتيجي في تشييد "مجتمع المعرفة". وقد بلغت تونس درجة من النضج تمكنها من الأخذ بهذه المعرفة التي أصبحت من المقوّمات الأساسيّة للنمو الاقتصادي والاجتماعي ومن أهم أسباب تقدم الشعوب وازدهارها وإشعاعها الحضاري. فاعتمد الخيار التونسي المعرفة عنصرا أساسيا للتنمية المستديمة ولتكوين الفرد وتشييد المجتمع الجديد على قيم التسامح والتجذر في الهوية الوطنيّة والانخراط في الحداثة والإيمان بالاختلاف والتفتح على الثقافات الأخرى متفاعلا معها ومؤثّرا في الحضارة العالميّة.
وفي إطار هذا التوجه، تمّ الترفيع في الاعتمادات المخصصة للبحث العلمي والتجديد التكنولوجي إلى 1% من الدخل الإجمالي للبلاد في حدود سنة 2004 وفق ما أقره البرنامج الانتخابي الذي تقدم به الرئيس زين العابدين بن علي إلى الانتخابات الرئاسيّة سنة 1999. وانجرّ عن هذه الزيادة ارتفاع عدد الباحثين ووحدات البحث العلمي ومخابره وعلاقات الشراكة الدوليّة فيه وتعدد الأقطاب الجامعيّة مع اللامركزيّة في توزيعها على مختلف مناطق البلاد وتعميم معاهد الدراسات التكنولوجيّة وغير ذلك من الإنجازات في قطاع التعليم العالي والبحث العلمي والتكنولوجيا.
وشهد الفضاء الاتصالي التونسي تقدما سريعا في عهد التغيير. فتم دعم البنية الأساسيّة لتكنولوجيا الاتصال والمعلوماتيّة بالبلاد مع تواصل الإصلاحات الهيكليّة المناسبة. وبذلك، ارتفع عدد مستخدمي شبكة الانترنت إلى ما يساوي 905 ألف مستعمل، في جويلية 2005 وبلغ عدد المراكز العموميّة للانترنت 300 مركز موزعة على كافة أنحاء البلاد. هذا بالإضافة إلى التجهيزات الحاصلة بالإدارات والمؤسّسات والمعاهد.
وبصفة عامّة، شهدت البلاد تطوّرا ملحوظا في امتلاك الأسر التونسيّة لتجهيزات تقنيات الاتصال الحديثة. كما ارتفعت نسبة الأسر التي لديها هاتف قار بـ 20 نقطة لتبلغ 35.6% سنة 2004 بعد أن كانت في حدود 15.2% فقط سنة 1994. وبذلك، تضاعفت النسبة خلال العشريّة. وارتفعت نسبة الأسر التي يمتلك أحد أفرادها هاتفا جوالا في سنوات قليلة لتبلغ 46.1% سنة 2004. وبلغت نسبة الأسر التي تمتلك حاسوبا 7% سنة 2004 بفضل تعدد برامج تيسير اقتناء الحاسوب العائلي.
إشعاع ثقافي ورياضي
حظيت الثقافة بعناية دولة الاستقلال وازداد الاهتمام بها في عهد التحول باعتبارها سندا للتغيير. فمشروع الرئيس بن علي هو في جوهره مشروع تحديثي يوازي بين مقتضيات التفتح وخصوصيات الهوية التونسيّة العربية الإسلاميّة الضاربة في أعماق التاريخ. وقد كرّس هذا المشروع هذا التوق التونسي المتأصل نحو الحداثة، والذي يعتبر سمة من سمات هذا البلد الإفريقي المتوسطي ذي المكانة الخاصة في محيطه الجغرافي.
وقد جاء مشروع التحول ليعيد إلى المبدع اعتباره فاتحا أمامه مسالك الإبداع في كنف الحرية والاطمئنان مجذرا لديه الإيمان بدور الثقافة في دفع الطاقات الإبداعيّة وتثبيت الأسس الحضارية للمجتمع وضمان نموه الاقتصادي وتوازنه الاجتماعي وتدعيم مقوّمات هويته الوطنيّة.
واعتمدت الحياة الثقافيّة على ثوابت جسمت مرتكزات الثقافة التونسيّة، فظهرت خصوصيات تونسيّة في الإبداع الفني سايرت، في عديد المجالات، المستويات العالميّة. وقد حظيت الرياضة بتشجيعات هامة توجت بالتظاهرات الإقليميّة والدوليّة. وكان للثورة الاتصاليّة والإعلام دور السند للإشعاع الثقافي والرياضي لتونس.
- ثوابت الحياة الثقافيّة
للثقافة التونسيّة ثوابت تعود جذورها إلى الرصيد الإصلاحي التحديثي، وهو رصيد يحظى بالإجماع الوطني منذ عهود. فالفكر الثقافي التونسي، في جوهره، فكر تحديثي يسعى دائما إلى التوفيق بين مقتضيات التفتح وخصوصيات الهويّة التونسيّة المتأصّلة في أعماق التاريخ والمتعلّقة بذاتيها العربية والإسلاميّة.
واعتمد المشروع الثقافي للتغيير على هذا العنصر الجوهري، وحرص على تحرير الثقافة من أسر الفكر الأحادي والتهميش فأعاد الاعتبار للمبادرة وللإبداع في مسايرة التحوّلات العالميّة. كما حرص على إدراج الثقافة في المنظومة المجتمعيّة والتنمويّة العامة باعتباره سندا للرقي والتنمية.
ومن القرارات الحضاريّة في عهد التغيير في مجال دعم الحياة الثقافيّة السعي إلى الترفيع في ميزانيّة وزارة الثقافة والمحافظة على التراث لتبلغ 1.5% من الميزانيّة في أفق 2009 بعد أن بلغت 1% في سنة 2004. أمّا في مجال التشريعات الثقافيّة، فتجدر الإشارة إلى حماية الملكيّة الفكريّة والفنية وما سنه نظام التغيير من نصوص قانونيّة للحفاظ على التراث.
"وقد حظيت المدن التونسيّة العتيقة، باعتبارها متاحف مفتوحة ذات قيمة معماريّة وتاريخيّة، برعاية الهياكل المركزيّة المتخصّصة واهتمام جمعيات صيانة المدينة التي ارتفع عددها وتكثف نشاطها وتدعم دورها في الحفاظ على التراث. وقد سجلت المنظمة الأمميّة للتربية والعلوم والثقافة )اليونسكو( العديد من المدن التونسيّة ضمن التراث الإنساني.
وفي نطاق دعم الإنتاج الثقافي، تعدّدت الإجراءات، في عهد التغيير، بكيفيّات مختلفة، منها إقرار يوم وطني للثقافة، وشهر للتراث، ومنح المتميّزين من أهل الثقافة جوائز تشجيعيّة وأوسمة رفيعة، وتشجيع الاستثمار الثقافي مع تيسير الحصول على القروض، وإقرار جملة من الإعفاءات الديوانيّة لتشجيع الاستثمار في القطاع الثقافي، وصرف منح للمشاريع الكبرى في مجال السينما والمسرح.
ونتيجة لهذه المبادرات والإجراءات والتشجيعات، نشطت الحياة الثقافيّة، واتسم المشهد الثقافي التونسي بالتنوع والثراء مع بروز عدد من المجالات الفنية التي أشعت خارجيا بخصوصياتها وعالميتها.
وتحظى كل الفنون بدعم مادي هام من لدن الدولة. ومن المهرجانات الكبرى المشعة خارجيّا مهرجان قرطاج الدولي ومهرجان الحمامات ومهرجان الجم للموسيقى )السيمفونية( ومهرجان تستور للموسيقى العربية ومهرجان الصحراء بدوز والقصور الصحراويّة بتطاوين ومهرجان )الجاز( بطبرقة ومهرجان الفيلم غير المحترف بقليبية ومهرجان المبدعات العربيات بسوسة ومهرجان ربيع الفون الدولي بالقيروان... كما تستفيد الحركة الثقافية والفنية من التظاهرات الكبرى مثل أيّام قرطاج السينمائيّة والمسرحيّة، وتنظيم الأسابيع الثقافيّة التونسيّة بعدة بلدان بالخارج، والمشاركة التونسيّة في عدة معارض دوليّة. وفي كل هذا تعريف بالثقافة التونسيّة في الخارج ودعم لإشعاعها ولعلاقات الشراكة والتعاون على المستوى العالمي.
ومن أوجه الاعتراف الأممي بمكانة تونس وقدرة أبنائها على الإضافة إلى الحضارة الإنسانيّة، اختيار المنظمة الأممية للتربية والعلوم والثقافة )اليونسكو ("تونس عاصمة ثقافيّة " لسنة 1997. وأكّد المدير العام لهذه المنظمة أنّ الاختيار يكتسي " بعدا عالميّا ودلالة ثقافيّة واسعة، فهو من قبيل الاعتراف بجهة شهيرة جدا لا بفضل تراثها فحسب... إنّما أيضًا إشعاعها الثقافي".
ويعتمد الإسهام الثقافي في الإشعاع التونسي في الخارج على الثروة الاتصاليّة التي انخرطت فيها تونس مبكرا. وهو تحول صهر المجالات الثلاثة للاتصالات والحقل السمعي البصري والإعلامي في بعد ثقافي وإعلامي متميّز استخدمته تونس داخليّا في خدمة الثقافة والإعلام، وخارجيّا في التعريف بالبلاد وإسهاماتها في الحضارة الإنسانيّة.
فبداية من 7 نوفمبر 1992، أصبحت قناة "تونس7" التونسية والإذاعتان الوطنيّة والدوليّة تبث، بواسطة القمر الصناعي، التظاهرات الرياضيّة الوطنيّة الكبرى، كما تمّ البثّ على شبكة الانترنت منذ سنة 1998.
وأحدثت الوكالة التونسية للاتصال الخارجي سنة 1990 بهدف تعزيز الحضور الإعلامي التونسي والتعريف بالسياسة التونسيّة في جميع الميادين خدمة للإشعاع الخارجي.
وبصفة عامة، تميّز الإعلام، في عهد التغيير، بالتعدد والكثافة. فتطوّرت مؤسسة الإذاعة والتلفزة التونسيّة هيكليّا في 1997 بالفصل بين الإذاعة والتلفزة من ناحية، وبين ميداني الإنتاج والبث من ناحية أخرى. وبعثت في 7 نوفمبر 1995 "إذاعة الشباب" فضلا عن إذاعتي قفصة والكاف سنة 1991 وإذاعة تطاوين سنة 1993. كما أحدثت قناة تلفزيّة خاصة وإذاعتان خاصتان.
النهوض بالرياضة
في نطاق العناية المحوريّة للعهد الجديد بالشباب، اعتمدت السياسة الرياضيّة على برنامج متكامل وشامل في تكوين النشء رياضيّا وتشجيع الرياضيّين، منذ حداثة سنهم، بالإضافة إلى الإحاطة المركزة بالنخبة منهم. وحظيت التظاهرات الرياضيّة بالعناية المناسبة لما توفره من مجال فرجوي ترفيهي في المجتمع ومن تجذير للانتماء الوطني وتربية على القيم الإنسانيّة وتعريف بتونس بالخارج. فتمّ دعم الرياضة المدرسيّة والجامعيّة ورعاية الرياضات الفرديّة.
وتطوّرت البنية الأساسيّة للتجهيزات الرياضيّة في كافة الجهات. ومن أبرز الإنجازات تشييد مدينة 7 نوفمبر الرياضيّة برادس والقرية المتوسّطيّة والقاعة متعددة الاختصاصات بها.
واستضافت تونس عديد التظاهرات الدوليّة والإقليميّة التي تميّزت بحسن التنظيم. وقد بلغ عددها 14 سنة 2004.
ومن أبرز التظاهرات الرياضيّة الإقليميّة والدوليّة التي استضافتها تونس الألعاب المتوسّطية لسنة 2001، وكأس إفريقيا للأمم لكرة القدم لسنة 2004 وكأس إفريقيا للأمم لكرة اليد سنة 2005 اللتين توجتا بإحراز تونس التاج الإفريقي في هاتين المسابقتين القارتين.
وقد انتظمت "الألعاب المتوسّطية تونس 2001" بين 2 و15 سبتمبر وتحصل الرياضيّون التونسيّون خلالها على مجموع 58 ميداليّة منها 19 ذهبيّة و12 فضية و27 برونزيّة.
العلاقات الخارجية
أعلن بيان السابع من نوفمبر 1987 الاختيارات الأساسيّة للسياسة الخارجية التونسيّة في عهدها الجديد. فالتزم بالتعهدات الخارجيّة في نطاق ثوابت العلاقات الدوليّة لتونس، كما أعلن العزم على دعم عدد من التوجّهات الرئيسيّة.
ومن خصوصيّات السياسة الخارجيّة التونسيّة بعد السابع من نوفمبر 1987 تعزيز علاقاتها بالفضاءات المغاربيّة والعربيّة والإسلاميّة والمتوسّطيّة وإقامة شراكة مع الإتحاد الأوروبي.
وقد التزمت تونس بالعمل المغاربي وبناء اتحاد المغرب العربي كخيار استراتيجي، وبالشراكة مع الاتحاد الأوروبي وتوسيع مجالات التعاون الدولي. وحققت تونس إشعاعا عاليا برز في مناسبات متعددة منها قمة تونس العربية وقمّة 5 زايد 5 الأورومتوسطيّة والقمة الإفريقيّة وما اتخذته من مبادرات ومواقف على المستوى الدولي.
- الشراكة الدوليّة
بدخول القرن 21 ومواكبة للتحوّلات العالميّة وانسجاما مع منوال التنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة، تصدرت الشراكة الدوليّة اهتمامات السياسة الخارجيّة التونسيّة، وتركزت على الإسهام في البناء المغاربي والانخراط في الفضاء الأورومتوسطي، وتوسيع مجالات التعاون الدولي بصفة عامة على الصعيد الأممي والعربي والإفريقي.
- دعم موقع تونس في فضاءات انتمائها
سعت تونس التغيير إلى تعزيز موقعها في فضاءات انتمائها الحضاري مغاربيا وعربيا وإسلاميّا وإفريقيّا. كما عرفت بدورها النشيط في هذه الفضاءات بدءا ببناء الاتحاد المغاربي.
وقد اتخذ العهد الجديد من بناء اتحاد المغرب العربي خيارا استراتيجيّا لا رجعة فيه، وسعى، باستمرار، إلى دفع هذا المسار في ظل بروز مجموعات دوليّة وتكتّلات اقتصاديّة يقتضي التعامل معها بنجاعة وحدة الصف المغاربي.
أمّا على المستوى العربي، فقد أكدت تونس أهمية قيام تكتل اقتصادي عربي، وانضمت إلى اتفاقيّة منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى. وقد أنجزت الخطوات الأولى المبرمجة في هذا المشروع. كما اتفقت على التبادل الحر مع عدد من البلدان العربيّة وهي المغرب ومصر والأردن والعراق وسوريا.
وقد عرفت تونس بمواقفها الثابتة في خدمة الوئام العربي ومناصرة قضايا الحق والعدل بالمنطقة العربيّة. وكان لها دورها المهم في دفع مسار السلام بالشرق الأوسط على أسس عادلة تعيد للشعب الفلسطيني حقه المشروع في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلّة على أرضه.
وساهمت تونس في دعم التعاون بين البلدان الإسلاميّة. وكان لها دور نشيط في منظمة المؤتمر الإسلامي وفي السعي إلى توجيه الرؤية الإسلاميّة نحو التسامح والانفتاح على الآخر.
أمّا على الصعيد الإفريقي، فقد عرفت تونس التحول بوفائها الراسخ لانتمائها الإفريقي. وعملت، بإصرار، على ترسيخ تعاونها وتوسيعه مع شعوب القارة السمراء في إطار نظرة إستراتيجية تحتل فيها إفريقيا مكانة متميّزة. كما ساهمت تونس في تأسيس منظمة الوحدة الإفريقيّة وفي إقامة الاتحاد الإفريقي سنة 2000.
الشراكة مع الاتحاد الأوروبي
تجمع تونس بأوروبا الغربية، وخاصة فرنسا، علاقات تاريخيّة واقتصاديّة مهمة. فالتعاون مع الاتحاد الأوروبي خيار ضروري باعتباره الشريك الاقتصادي والمالي الأول لتونس. فهو يستأثر، في بداية تسعينات القرن العشرين، بثلثي تجارتها الخارجيّة وثلاثة أرباع مداخيلها السياحيّة والاستثمارات الأجنبيّة بها.
وتنزل تونس هذه العلاقات في إطارها الأورومتوسطي، وهو فضاء يجسد الانتماء إليه أحد ثوابت سياستها الخارجيّة. وقد أبرمت تونس اتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروبي في 17 جويلية 1995، وهو أول اتفاق من نوعه بين الاتحاد الأوروبي وبلد من جنوب المتوسط. ويفتح هذا الاتفاق آفاقا واسعة أمام الاقتصاد التونسي في إطار التعاون والتنمية المشتركة.
- توسيع مجالات التعاون الدولي
ربطت حركة التحرير التونسيّة ومن بعدها دولة الاستقلال علاقات وثيقة مع منظمة الأمم المتحدة. وتعتبر تونس عضوا فاعلا في المحافل الأمميّة. وقد نشطت الدبلوماسيّة التونسيّة إثر التحول من أجل تعزيز الشرعيّة الدوليّة وتعددت مبادراتها في مجال العلاقات الدوليّة.

وكان للدبلوماسيّة التونسيّة في القمم الإفريقيّة دور في توفير الظروف الملائمة للحوار الإفريقي وفي تأسيس الاتحاد الإفريقي سنة 2000. بالإضافة إلى تعدد مساهمات تونس في العمل الإفريقي المشترك في عدة محافل منها "اللقاء الأوروإفريقي" ومؤتمر "طوكيو" لتنمية إفريقيا (TICAD) و"المنتدى الإفريقي الصيني" وغيرها من برامج التعاون والتنمية.
وبوجه عام، حرصت الدبلوماسيّة التونسيّة على تنمية العلاقات مع الدول الصديقة وتوسيعها عالميّا. ومن بينها العلاقات الممتازة القائمة على الاحترام والتعاون مع فرنسا والولايات المتحدة الأمريكيّة والتي تدعمت بالزيارات الرئاسيّة إلى فرنسا 1988 و1991 وإلى الولايات المتحدة الأمريكيّة 1990 و2004.
كما وسعت تونس علاقاتها مع البلدان الآسياويّة وهي بلدان ازدادت أهميتها على الصعيد العالمي خاصة في الميدان الاقتصادي. فانطلق تكثيف علاقات للتعاون مع الصين باللقاءات الرئاسيّة في الصين (1991) ثمّ في تونس (1992). وكانت الزيارة الرئاسيّة إلى اليابان في 1996 الأولى من نوعها إلى هذا البلد. كما كانت الزيارة الرئاسيّة إلى الأرجنتين في 1997 الأولى من نوعها إلى أمريكا الجنوبيّة. وفي 1989، فتحت سفارة تونس بالبرازيل، ثمّ فتحت سفارة تونس بالأرجنتين سنة 1992.
ومن تطوّرات أشكال العمل الدبلوماسي في عهد التحول، اعتماد طريقة تنظيم بعثات متجولة تزور بعض البلدان التي لا توجد فيها ممثليات تونسيّة قارة.
وبذلك، تحققت الإحاطة الدبلوماسيّة الكاملة عالميا في خدمة العلاقات الخارجيّة التونسيّة. وتعزز، على أساس مجمل هذه الحركيّة الدبلوماسيّة، وإشعاع تونس العالمي.

الاشعاع العالمي
تجلت خصوصيات إشعاع تونس العالمي، في لقاءات القمّة سواء لدفع العمل العربي المشترك أو على صعيد الفضاء الأورومتوسطي، أو في المبادرات المتعلّقة بالمجتمع الدولي وذلك من منطلقات حضاريّة لمشروع التغيير في اتجاه التضامن والتعاون والتسامح.
- لقاءات القمّة
مرحلة جديدة في مسار إفريقيا: قمّة تونس 1994 تجلت مساهمة تونس في توسيع مجالات التعاون الإفريقي من خلال دورها في القمّة الثلاثين لمنظمة الوحدة الإفريقيّة بتونس في جوان 1994 برئاسة الرئيس زين العابدين بن علي، ومبادراتها وإنجازاتها أثناء رئاستها للمنظمة في 1994 - 1995 بما مثل منطلقا جديدا في التعاون الإفريقي. وتميّزت قمّة تونس بالحضور المكثف والقياسي للقادة الأفارقة، واعتبرت بداية مرحلة جديدة في حياة القارة السمراء.
- دفع العمل العربي المشترك
بعد أن قبلت تونس احتضان مقر جامعة الدول العربية واضطلعت بمسؤوليّتها، لم تعترض على إرجاع مقر الجامعة إلى القاهرة بمصر سنة 1990 لما أجمعت الدول العربية على رجوع مصر إلى الحضيرة العربيّة. وفي الوقت نفسه، أصبحت تونس مقرا دائما للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم )الألكسو(.
وتواصل الجهد التونسي في سبيل تفعيل دور جامعة الدول العربية ودعم مؤسّساتها المختصة، وفي سبيل تعزيز العمل العربي المشترك وتنقية الأجواء العربيّة والتركيز على التعاون والتضامن. وتمّ، على الصعيد العربي، اعتماد المقترح التونسي بخصوص انتظام القمم العربية ودوريتها، فكانت قمة عمان في 2001 فاتحة لذلك.
واحتضنت تونس القمة العربية في دورتها العادية السادسة عشرة يومي 22 و 23 ماي 2004 برئاسة الرئيس زين العابدين بن علي. وأرادت تونس لهذه القمة أن تكون منعطفا مهما في مسيرة الجامعة العربيّة بإصلاح منظومة العمل العربي المشترك وبتجسيم تطلعات الأمة العربيّة إلى الإصلاح والتحديث.
- دور تونس في الساحة الأورومتوسّطية- قمّة 5 زائد5
تتنزل الساحة الأورومتوسطية في الرؤية التونسيّة ضمن ثوابت سياستها الخارجية وحرصها على إعطاء بعد إنساني لهذا المشروع المشترك. وقد سبق أن نادى الرئيس زين العابدين بن علي أمام البرلمان الأوروبي بسترازبورغ في 22 جوان 1992 بإبرام عقد تقدم وتضامن، ووضع آليات تعاون تقوم على أساس الشراكة السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة بين بلدان ضفتي المتوسط. وشاركت تونس في اللقاء الذي جمع دول المغرب العربي مع السوق الأوروبيّة المشتركة ببروكسيل (سنة 1990) وفي لقاء المغرب العربي مع البلدان الأوروبيّة الخمسة في الحوض الغربي المتوسطي المعروف بلقاء خمسة زائد خمسة (البلدان المغاربية هي تونس وليبيا والجزائر والمغرب وموريتانيا، والبلدان الغربية المتوسطية هي البرتغال وإسبانيا وفرنسا وإيطاليا ومالطة) في روما (سنة 1990) ثمّ في الجزائر (سنة 1991).
ويمثل برنامج العمل الثنائي الذي تم اعتماده بين تونس والاتحاد الأوروبي في إطار السياسة الأوروبيّة للجوار خير دليل على تمسك تونس بالخيار الاستراتيجي الذي يترجم إرادتها القويّة في إرساء شراكة قوامها الشموليّة والتنوع مع نظائرها الأوروبيين.
وعلى الصعيد المتوسطي، أسهمت تونس في تأسيس مسار لقاء برشلونة )إسبانيا( منذ 1995، وسعت إلى توجيه العناية، بالإضافة إلى البعدين الاقتصادي والأمني، إلى الأبعاد الاجتماعيّة والثقافية والعلميّة. كما تميّزت المساهمة التونسيّة في هذا الإطار بالدعوة إلى انتهاج مقاربة جديدة لموضوع الهجرة حتّى تصبح هذه الظاهرة عامل منفعة مشتركة في فضاء متكامل.
واحتضنت تونس قمّة خمسة زائد خمسة يوم 5 ديسمبر 2003 برئاسة الرئيس زين العابدين بن علي. وتمثل هذه القمة محطة بارزة في مسار الحوار بين بلدان غرب المتوسط بضفتيه الشماليّة الأوربيّة والجنوبيّة المغاربيّة. وجسمت الاقتراحات التونسية في هذه القمة الرؤية الشاملة للشراكة المتضامنة في الساحة الأورومتوسّطية. ومن أبرز هذه المقترحات إنشاء منتدى سنوي للاستثمار المشترك يضطلع فيه القطاع الخاص بدوره في التعاون الاقتصادي والتنمية. ومقترح تعزيز القدرات المغاربيّة على التشغيل من ناحية، ورعاية الجاليات المغاربيّة المقيمة في أوروبا من ناحية ثانية، بالإضافة إلى توفير الحظوظ المناسبة لحوار الحضارات والتسامح. وهذا المقترح أصبح من ثوابت دبلوماسيّة عهد التحول وإسهامه في المجتمع الدولي.
- إسهام فاعل في العلاقات الدوليّة
عكست مبادئ التحول وطموحاته سياسته الخارجيّة وإسهاماته في المجتمع الدولي. ويتجلّى ذلك في كثافة المبادرات والجهود الدبلوماسيّة التي تمحورت حول العمل على تقليص الفوارق القائمة بين الدول وإقامة نظام عالمي يقوم على العدالة والتكافل والتعاون والتنمية المتضامنة والتسامح.
وأكدت تونس التحول في قمّة الألفية وقمّة مجلس الأمن في سبتمبر 2000 على تمسكها بمنظمة الأمم المتحدة ودعت إلى تحقيق النقلة المرجوة في العلاقات الدوليّة. وكانت مساهمتها نشيطة خلال عضويتها في مجلس الأمن سنتي 2000 و 2001 ورئاستها لمجلس الأمن في شهر فيفري 2001. وساندت فكرة تطوير منظمة الأمم المتحدة بما في ذلك مجلس الأمن فيما يتعلق بمهامه وتركيبته.
وقد ضاعفت تونس جهودها من أجل حوار الحضارات وإشاعة قيم التسامح. فشدّدت على ضرورة معالجة أسباب الإرهاب واعتماد مدونة سلوك دوليّة تحت إشراف منظمة الأمم المتحدة لمكافحته في نطاق مناهضة مختلف مظاهر العنف والتطرف والتعصب والعنصريّة. وأدانت أحداث 11 سبتمبر 2001 التي تعرضت لها الولايات المتحدة الأمريكيّة.
وتكثف الحضور التونسي وأصبح متميّزا بمبادرات في المحافل الدوليّة العديدة. من ذلك، قمّة الدول غير المنحازة سبتمبر 1989، ورئاسة مجموعة الـ 77، وقمّة ريودي جنيرو حول المحيط والتنمية (جوان 1992)، ومؤتمر (كوبنهاجن) حول التنمية الاجتماعيّة، ومؤتمر (بيكين) حول المرأة والأسرة...
وتكريسا للرؤية التونسيّة الشاملة لتطوير العلاقات الدوليّة، اقترحت تونس مشروع قرار أممي يقيم حق الشباب في ممارسة الرياضة والتربية البدنية في ظروف اجتماعيّة وتربويّة مناسبة، وذلك نظرا إلى دورها في التنمية الشاملة والتنشئة على ثقافة السلم والتسامح. فصادقت الجمعيّة العامة للأمم المتحدة بالإجماع على هذا المقترح في 3 نوفمبر 2003، كما صادقت على المقترح التونسي الرامي إلى إعلان سنة 2005 سنة دولية للرياضة والتربية البدنيّة كوسيلة لتعزيز التعليم والصحة والتنمية والسلام.
وقد سبق أن حظيت مبادرة الرئيس زين العابدين بن علي من أجل إنشاء صندوق عالمي للتضامن ومكافحة الفقر بمصادقة الجمعيّة العامة للأمم المتحدة بالإجماع في 20 ديسمبر 2002. وتجسّد هذه المبادرة الرؤية التونسية من أجل إرساء علاقات دوليّة أكثر عدالة وتضامنا ومكافحة الفقر والإسهام في تقليص الفوارق بين الشعوب وتعزيز الأمن والاستقرار في العالم.
وعمل الرئيس زين العابدين بن علي منذ 1989 على لفت نظر المجموعة الأممية إلى خطر الهوة المتزايدة الفاصلة بين البلدان الثرية والبلدان الفقيرة مناديا بشراكة عالميّة من أجل نمو عالمي متضامن.
وقد أفادت التجربة التونسية في مجال التنمية المتضامنة عدة بلدان إفريقيّة في إرساء آليات تدخل مشابهة لصندوق التضامن الوطني التونسي وللبنك التونسي للتضامن.
وأمام التطور السريع لتقنيات وسائل الاتصال والمعلوماتيّة وما أحدثه من فجوة رقميّة هائلة بين البلدان المصنعة والبلدان النامية، بادرت تونس سنة 1998 في مينابوليس بالولايات المتحدة الأمريكيّة بالدعوة إلى تنظيم قمّة عالميّة حول مجتمع المعلومات تحت راية الأمم المتحدة، وقد احتضنت جنيف مرحلتها الأولى في ديسمبر 2003، واحتضنت تونس مرحلتها الثانية في نوفمبر 2005.
وقد لعبت البلاد التونسيّة دورا متميّزا في أشغال القمّة وجاءت نتائجها مكرسة لرؤيتها وحرصها على المضي قدما في تأهيل مبادئ الشراكة الإستراتيجيّة والمتضامنة في مفهومها الشامل بين الدول المتقدّمة والدول النامية، باعتبار أنّ الثقافة الرقميّة أصبحت عاملا أساسيّا في التقريب بين الشعوب وثقافاتها المختلفة، وتعزيز فرص التعايش السلمي والتفاهم والحوار البناء بينها.


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 2
قديم(ـة) 24-09-2007, 05:43 PM
رَذَاْذ رَذَاْذ غير متصل
سيّدةُ المَاء
مستشــ¸.·* غرام *·.¸ـــاري
 
الافتراضي رد : من انجازات التغيير في تونس


-:: O ::-


يعطيك ربي العافيه اخوي
اسمح لي بنقل الموضوع للارشيف
لتكرار طرحه على الرابط التالي :
من انجازات التغيير في تونس المصالحة الوطنية
شاكره لك مجهودك
بانتظار جديدك

-:: O ::-



الرد باقتباس
Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, vBulletin Solutions, Inc.
SEO by vBSEO 3.6.1
موقع غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات


تصميم دريم تيم