المجلس السادس عشر
" أن تتحول المحنة إلى منحة .. "
صباحكم / مساءكم
أيامكم طاعة ..
كلماتي اليوم ستكون عن موضوع أعددناه أنا ورفيقتي
كلمات .. نرفع بها همم مرضانا
وأحببت أن أضع لكم بعضا من أفكارها ,, مع بعض التعديلات
لعل الله أن ينفعنا بها جميعا ..
" كيف نحول المحن إلى منح " ؟!
بداية
كلنا نمر بمحن
مرض .. صعوبة ما .. مصيبة
أيا كانت المحنة
فهي شئ ربما يضايقنا
و يدخل الكدر إلى أنفسنا
مهما كان مقدارها ..تبقى محنة
فكيف نحول هذه المحنة إلى منحة ؟!
*الإيمان و الرضا و التسليم
بماذا نؤمن ؟
نؤمن بأن الله يحبنا
و أنه ما خلقنا ليعذبنا
و إنما هذه المحن ابتلاءات من الله لنا
فيها رفعة درجات و فيها تكفير ذنوب
و فيها اختبار لدرجة صبرنا
وأنها تطهير لنا
فكيف نريد دخول الجنة ؟
ألم نستمع لقوله تعالى في سورة البقرة : {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ }
و قوله تعالى في سورة آل عمران : {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ }
وقوله صلى الله عليه وسلم : "ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله [ به] سيئاته كما تحط الشجرة ورقها"
أن نؤمن أن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا وما أخطئنا لم يكن ليصيبنا
أن نؤمن أن لله حكمة في قدره
فقد روي أنه كان لأحد الملوك وزير حكيم وكان الملك يقربه منه ويصطحبه معه في كل مكان.
وكان كلما أصاب الملك ما يكدره قال له الوزير "لعله خيراً" فيهدأ الملك.
وفي إحدى المرات قُطع إصبع الملك فقال الوزير "لعله خيراً"
فغضب الملك غضباً شديداً وقال ما الخير في ذلك؟!
وأمر بحبس الوزير.
فقال الوزير الحكيم "لعله خيراً"
ومكث الوزير فترة طويلة في السجن.
وفي يوم خرج الملك للصيد وابتعد عن الحراس ليتعقب فريسته، فمر على قوم يعبدون صنم فقبضوا عليه ليقدموه قرباناً للصنم ولكنهم تركوه بعد أن اكتشفوا أن قربانهم إصبعه مقطوع..
فانطلق الملك فرحاً بعد أن أنقذه الله من الذبح تحت قدم تمثال لا ينفع ولا يضر وأول ما أمر به فور وصوله القصر أن أمر الحراس أن يأتوا بوزيره من السجن واعتذر له عما صنعه معه وقال أنه أدرك الآن الخير في قطع إصبعه، وحمد الله تعالى على ذلك.
ولكنه سأله عندما أمرت بسجنك قلت "لعله خيراً" فما الخير في ذلك؟
فأجابه الوزير أنه لو لم يسجنه.. لَصاحَبَهُ فى الصيد فكان سيُقدم قرباناً بدلاً من الملك... فكان في صنع الله كل الخير
أن نؤمن أن بعد العسر يسرين كما قال تعالى : "إن مع العسر يسرا , إن مع العسر يسرا "
وأن نرضى و نسلم لأمر الله و قضاءه
فما أجمل حياتنا إذا كنا راضيين
وقتها سنكون سعداء .. لأن الرضا معناه سعادتنا الداخلية
التي بها نرى الدنيا من حولنا سعيدة وهانئة ..
*الصبر واحتساب الأجر :
وما أدرانا ما الصبر
ولو أردنا التحدث عن الصبر بإسهاب لما كفانا الوقت هنا
يكفينا قوله تعالى في الآيات الكريمات
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ }البقرة153
{ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ }آل عمران146
{إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (الزمر:10
َوَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ{155} الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ{156} أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ{157}البقرة
{إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (هود:11
أرأيتم معي ..
إن الله معهم
يحبهم
يبشرهم بصلوات منه و رحمة
فما أعظم هذا الأجر
وما أصغر المصائب في أعيننا إن علمنا أن هذا ماخلفها من الخير الكبير إن صبرنا ..
*التوكل :
التوكل هو الثقة بالله. وصدق التوكل أن تثق في الله وفيما عند الله فإنه أعظم وأبقى مما لديك
كما وقع لإبراهيم الخليل عليه السلام لما قذف في النار فقد روى أنه أتاه جبريل ، يقول : ألك حاجة ؟ قال : "أما لك فلا و أما إلى الله فحسبي الله و نعم الوكيل " فكانت النار برداً و سلاماً عليه ، و من المعلوم أن جبريل كان بمقدوره أن يطفئ النار بطرف جناحه ، و لكن ما تعلق قلب إبراهيم – عليه السلام – بمخلوق في جلب النفع و دفع الضر .
و نفس الكلمة رددها الصحابة الكرام يوم حمراء الأسد – صبيحة يوم أحد – يقول تعالى: ( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ ) " سورة آل عمران : 173 – 174 " .
و لما توجه نبي الله موسى – عليه السلام – تلقاء مدين ( وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) " سورة القصص : 23 – 24 " أوقع حاجته بالله فما شقي ولا خاب ، و تذكر كتب التفسير أنه كان ضاوياً ، خاوي البطن ، لم يذق طعاماً منذ ثلاث ليال ، و حاجة الإنسان لا تقتصر على الطعام فحسب ، فلما أظهر فقره لله ، و لجأ إليه سبحانه بالدعاء ، و علق قلبه به جل في علاه ما تخلفت الإجابة ، يقول تعالى: ( فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ ) " سورة القصص : 25 " وكان هذا الزواج المبارك من ابنة شعيب ، و نفس الأمر يتكرر من نبي الله موسى ، فالتوكل سمة بارزة في حياة الأنبياء – عليهم السلام – لما سار نبي الله موسى و من آمن معه حذو البحر ، أتبعهم فرعون و جنوده بغياً و عدواً ، فكان البحر أمامهم و فرعون خلفهم ، أي إنها هلكة محققة ، و لذلك قالت بنو إسرائيل: إنا لمدركون ، قال نبى الله موسى : (كلا إن معي ربى سيهدين) قال العلماء : ما كاد يفرغ منها إلا و أُمر أن أضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ، فكان في ذلك نجاة موسى و من آمن معه ، و هلكة فرعون و جنوده ، و لذلك قيل : فوض الأمر إلينا نحن أولى بك منك ، إنها كلمة الواثق المطمئن بوعد الله ، الذي يعلم كفاية الله لخلقه: ( أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ) " سورة الزمر : 36 "
و في الحديث :" لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً و تروح بطاناً " رواه أحمد و الترمذي و قال: حسن صحيح . و كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه و سلم :" اللهم أسلمت وجهي إليك و فوضت أمري إليك و ألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك ".
وكلنا نعلم أن التوكل يختلف عن التواكل
قال صلى الله عليه وسلم : " إعقلها و توكل "
* شكر الله عز وجل
على ماذا تشكر الله وقت مصيبتك ؟
أشكره على أن هذه المصيبة ليست في دينك
أشكره على أن هذه المصيبة ,, وليست أعظم منها
أشكره على أنها كانت سببا في قربك أكثر من الله عز وجل
أشكره على أنه رغم مصيبتك هذه مازلت تذكر الله , مازلت تستطيع فعل الكثير مما لا يستطيعه غيرك
أشكره أنه ألهمك التوجه إليه
إذ ورد في إحدى الأحاديث أن الله عز وجل عندما يشتاق لمناجاة عبده له يبتليه
ليعود إليه , فيناجيه ويدعوه
يا الله
ما هذا الفضل وهذه المحبة؟
الله عز وجل يبتلينا لأنه يحبنا ويريد أن يسمع أصواتنا وقلوبنا تلجأ إليه ؟
ما أكبر هذا الفضل
نعمة .. نستحق شكر الله عز و جل عليها
قال تعالى : { وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ }آل عمران145
وفي قصة الصحابي الجليل عروة بن الزبير رضي الله عنه أكبر موعظة
فقد كان عظيم الصبر على البلاء، وما قصة بتر ساقه إلا ذليل هذا الصبر، فلم يد ينتهي من دفن ولده حتى أصيب بداء يتآكل منه قدمه تدريجيا فتورمت ساقه واخذ الورم يمتد بسرعة فائقة فاستدعى الخليفة الأطباء من كل مكان وحثهم على معالجة عروة بكل وسيلة ممكنة لكنهم قرروا ألا مفر من بتر الساق قبل أن يسري الورم إلى الجسد كله ويكون سببا في موته، فوافق عروة على بتر ساقه ولما حضر الجراح واحضر معه ما يشق به الجلد والمنشار الذي ينشر العظم قال الطبيب لعروة حتى لا تشعر بآلام القطع الشديد نشقيك جرعة من مسكر فقال عروة لا استعين بمسكر على ما ارجوه من العافية فقال الطبيب: إذن نسقيك المخدر فقال عروة: لا أحب أن أسلب عضوا من أعضائي دون أن اشعر بألمه و أحتسب ذلك عند الله، ولما هم الجراح بقطع الساق تقدم نحو عروة عدد من الرجال فقال: ما هؤلاء ؟؟فقيل له جئنا بهم ليمسكوك فلربما اشتد عليك الألم فتجذب قدمك جذبة تضرك، فقال: ردوهم، ولا حاجة لي بهم، سأستعين بذكر الله وبالتسبيح، أقبل عليه الطبيب فقطع اللحم بالمبضع ثم وضع المنشار لينشر العظم وعروة يقول: لا اله إلا الله والله اكبر..الجراح ينشر وعروة يهلل ويكبر حتى قطعت الساق ثم وضع زيت على النار في إناء من حديد وغمست فيه ساق عروة ليقف تدفق الدماء فأغمي على عروة إغماءة طويلة حالت دون أن يقرأ الأجزاء التي يقرؤها يوميا من كتاب الله. ولما حمل عروة إلى المدينة وأدخل على أهله قال لا تحزنوا لما ترون، فقد وهبني الله أربعة من البنين ثم أخذ منهم واحدا وأبقى ثلاثة فله الحمد وأعطاني أربعة من الأطراف ثم أخذ منها واحدا وأبقى ثلاثة فله الحمد، لئن أخذ الله مني قليلا فلقد أبقى لي كثيرا، ولئن ابتلاني مرة فلطالما عافاني مرات.
فما أعظم هذا الصحابي ,, صبر و شكر ,,
فاللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك و لعظيم سلطانك

*النظر إلى الأمر من نواحيه الإيجابية ,, ومحاولة استغلال الوضع والوقت
إن كانت مصيبتك مرض أقعدك بالمشفى
فأنظر إلى الأمر من نواحيه الأخرى
كل الأمور التي ذكرناها سابقا
بالإضافة إلى وقت الفراغ الكبير الذي ستقضيه هناك
سيكون لديك وقت كبير , تتقرب فيه إلى الله عز و جل
سيكون لديك الوقت لتفكر في حياتك بهدوء
لتحسن علاقتك مع الآخرين
لتقرأ القرآن , لتحفظه , لتستمع إلى إذاعة القرآن و الأشرطة الدينية
لتراجع خطط حياتك وتعيد النظر و الترتيب لبعضها
أحبائي ,, قوي الهمة لا يعجزه شيء لا المرض و لا غيره
مهما كانت مصيبتك
حاول إيجاد منافع تخرج بها في محنتك هذه
ولا تدع هذه المحنة تضعفك و تهدك
كن قويا
قال صلى الله عليه وسلم : " المؤمن القوي خير و أحب إلى الله من المؤمن الضعيف "
فكر معي في مصيبتك هذه .. كيف سأخرج منها منتفعا ؟
كيف ستتحول محنتي إلى منحة وهبة و نعمة ؟
بيدك أخي / أختي تحويلها
فقط حاولوا ...
أسأل الله أن يرزقنا الثبات
الشهيدة
