أمامي نسخ عدة لحقيقة واحدة ماتت بعد الإنجاب و رضيعها المسكين.. على وشك اللحاق بها لقلة الأكل و الشراب و الجماهير الكريمة ..تشاهده في موجز الأخبار بعد العشاء فيبدؤون في الصراخ و البكاء " يا إلهي ما بال هدا الزمان ؟؟" بعدها يطلقون عواصف الوعيد و الأقسام " لا لم ننسى ..لن تهون .." و تنتهي الأخبار و بدوره ينتهي الكلام و يخلدون للنوم كالدجاج كل يحتضن صغاره و يبتسم أما الرضيع..وحيد وسط الظلام و قرقعة السلاح يحتضن أضلعه و يهذي وضعت عليه السلطات الحصار بدعوى تعكير صفو العلاقات الدولية و استمالة قلوب الزوار ..و لحل النزاع القائم عليه أعلنت أن هدا الرضيع ..لقيط .. لا أصل له ..لا انتماء يمنع الاقتراب منه ..يمنع السؤال و من فعل هدا ..يخالف أوامر النظام و نشرت تصريحها هدا وسائل الإعلام و علا التصفيق و الهتاف حتى عم كل أنحاء البلاد حمدا لله ..عادت المياه لمجاريها إلا عقول الناس.. تاهت لكثرة الإعلانات و الأنباء فقامت السلطات ببيان تهدئ به الناس ..تخدرهم تعلمهم أن العقول لا فائدة منها و أن هدا خير ما وقع للبلاد و تأكيدا على هدا أقامت الأفراح و الأعراس مضت عشرون سنة و لازالت الأفراح و الأعراس قائمة و الذي كان رضيعا فيما مضي صار شابا متفردا ..مستحيلا يمضي قي طريقه مرفوع الراس لم يعش يوما ذليلا يبتعد الناس من أمامه يتهامسون..يتغامزون أصبحت رؤيته فألا سيئا كالمرآة المكسرة و القطة السوداء و هو لا يبالي بتعويذاتهم يسخر منهم في الأعماق يا لسذاجة ..يا للغباء امتهنت السلطات مهنة الخطابة فلحنت الجرائد و غنت وسائل الإذعان كل يوم تأتي بمرسوم جديد ينفي الذي سبقه.. كل يوم تأتي بخطاب جديد مليء بالسخط و الوعيد تنفخ به صدور الناس صارت خطاباتهم كقصص ما قبل النوم بعدها يغط الجميع في سبات و يعلوا الشخير.. في آخر ظهور لها على التلفاز أعلنت أن دلك الرضيع الذي صار شابا مرفوع الراس.. مستحيل مطلوب بتهمة خرق النظام لأنه ملك عقلا و ضر بمصلحة البلاد ووضعت مكافئة على رأسه عبارة عن رغيف خبز و قطعة ثياب مكافئة حلم بها سنينا كل الجياع بحثوا عنه في كل الأنقاض قلبوا الزوايا و الأركان لم يجدوه .. اختفى و علت الأصوات و النواح "لقد كسر الجدار ..الحصار و مضى بعيدا.. قريبا هناك..هنا" يرون طيفه في الظلام..في الضياء ..نسجوا عنه الأقاويل و الأساطير قالوا.. و قد قيل الكثير أنه كان هناك صور عتيد خلفه كان الذي كان رضيعا قبل عشرين سنة عاش ولم ينكسر يوما خالف النظام و لم يتكلم يوما تضور جوعا..عطشا و لم يسألنا رغيف خبز يوما كان له عقل و لم يكن لنا نحن يوما فجأة مثل الضباب اختفى ..مثل القدر حطم الحصار ..ورحل للقمر و من يومها يا أبنائي منعت السلطات النظر للقمر فقط كي أوهم نفسي بأني لم أقف مكتفة اليدين أمام ما حصل بقلمي