النازلة الخامسة: استعمال المنظفات المعطرة للمحرم.
أنواع الصابون الموجود في السوق والشامبوهات ونحوها أكثرها يكون معطراً حتى أنه يكتب عليه صابون معطر؛ معطر بالورد معطر بالياسمين إلى آخره. فما الحكم بالنسبة للمحرم؟ هل يجوز له أن يستعمل هذه المنظفات في رأسه أو في يديه أو في جسمه أو نحو ذلك حال إحرامه؟ وقبل أن نتحدث عن حكم استعمال هذه المنظفات نريد أن نقدم لذلك بأمور.
أولها: أن المحرم ممنوع من استعمال الطيب وقد وردت في ذلك أحاديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فمن ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين الذي مر معنا وفيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال ولا ثوباً مسه ورس أو زعفران. والزعفران نوع من أنواع الطيب يوضع مع الطيب والخلوق ونحو ذلك. ومن ذلك حديث يعلى بن أمية رضي الله عنه في الصحيحين الذي مر معنا قبل قليل أيضا. وفيه أن ذلك الأعرابي قال يا رسول الله ما تقول في رجل أحرم في جبة وتضمخ بطيب؟ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أما الطيب فاغسله ثلاثاً". ومن الأحاديث الدالة على أن المحرم ممنوع من الطيب حديث ابن عباس رضي الله عنهما في الصحيحين في قصة الرجل الذي وقصته راحلته وهو واقف بعرفات. فإن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "قال اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تخمروا رأسه ولا تحنطوه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا". فقوله ولا تحنطوه يعني لا تضعوا فيه الحنوط. والحنوط هو أخلاط من الطيب توضع على أجزاء الميت ومنافذه ونحو ذلك. فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يجنب الحنوط وعلل ذلك -صلى الله عليه وسلم- بأنه يبعث يوم القيامة ملبيا فمن خلال هذه الأحاديث قال أهل العلم أن المحرم ممنوع من الطيب. وهذا كله بعد الإحرام. أما قبل الإحرام فإن من السنة كما هو معروف أن يتطيب الإنسان في بدنه لا في ثوبه. فإن عائشة -رضي الله عنها- تقول كنت أطيب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت، وكانت تقول -رضي الله عنها-كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ. متفق عليه
يعني المسك الذي يذر ترى لمعانه على مفارق النبي -صلى الله عليه وسلم- وعلى شعر رأسه. فقبل الإحرام يسن أن يتطيب الإنسان في بدنه حتى لو بقي الطيب إلى ما بعد الإحرام. لكن الممنوع هو أن يتطيب الإنسان بعد الإحرام بطيب سواء في بدنه أو في ثوبه لمجموع هذه الأحاديث.
الأمر الثاني الذي ينبغي أن نشير إليه قبل أن نصل إلى مسألتنا هو. هل المحرم ممنوع حال إحرامه من كل رائحة طيبة؟ أو أنه ممنوع من الطيب الذي يتخذه الناس طيبا؟ الأصل أن المحرم يباح له كل شيء ولا يمنع إلا بما وردت الأدلة بمنعه منهُ هذا هو الأصل.
فالأدلة وردت بمنع المحرم من أشياء معينه من الطيب فالنبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن ثوب مسه الزعفران وقال لمن تضمخ بطيب اغسله ثلاثاً. وقال في الميت المحرم ولا تُحنطوه. وهذه كلها مما يتخذها الناس طيباً وعطراً فنتوقف عند النصوص ولا نتجاوزها نقول إن المحرم ممنوع من الطيب الذي يتخذه الناس طيباً. وليس ممنوعا من كل رائحة طيبة لا يتخذها الناس طيباً. فأنتم تعرفون مثلاً أن النعناع رائحته طيبة والريحان رائحته طيبة والفواكه رائحتها طيبة والأترج رائحته طيبة وأشياء كثيرة جدًّا لها راحة طيبة من المأكولات والمشروبات وغيرها لها روائح طيبة. فالمحرم ليس ممنوعا من كل رائحة طيبة، إنما هو ممنوع بموجب هذه الأحاديث من الطيب الذي يتخذه الناس طيباً. إذاً الآن عرفنا أن المحرم ممنوع من الطيب، وليس ممنوعا من الروائح الطيبة التي لا تعد طيباً ولا يتخذها الناس طيبا.
الأمر الثالث الذي نريد أن نتحدث عنه قبل أن نصل إلى المسألة التي نحن بصددها هو:
الحكمة من تحريم الطيب على المحرم؟ ما هي الحكمة التي من أجلها حرم الشارع الطيب على المحرم؟ الحكمة والله سبحانه وتعالى أعلم كما ذكر ذلك جمع من أهل العلم هي أن الطيب من دواعي النكاح والمحرم ممنوع من النكاح ودواعيه. فإن الله سبحانه وتعالى يقول "الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ". قال أهل العلم الرفث هو النكاح ومقدماته. كل ما يدعوا إلى النكاح فإنه من الرفث ولو جلس اثنان يتكلمان في حال الإحرام في أمر النساء، قلنا: قد رفثتما. فالحديث في شأن النساء رفث، ولو أن إنساناً مس زوجته حال الإحرام بشهوة، قلنا: هذا من الرفث. ولو قبلها، قلنا: هذا من الرفث، فالطيب من دواعي النكاح ولهذا نقول إنه من الرفث ومما يدل على أن هذه هي الحكمة و الله سبحانه وتعالى أعلم أن المرأة تمنع من المرور على الرجال إذا تطيبت كقول النبي -صلى الله عليه وسلم- "أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ" رواه مسلم. فالمرأة إذا تطيبت منعت من المرور أو القرب من الرجال، لأن هذا مما يدعو أو يفتن الرجال بها. فالطيب في حال الإحرام هو مما يدعو للنكاح ويذكر به ويهيج الشهوة ويجعل الإنسان أقرب إلى طلب المتعة واللذة والحياة الدنيا، والإنسان في حال الحج مأمور بالانقطاع عن كل ما يدعو إلى الدنيا، وبالإقبال على الله سبحانه وتعالى، ومن المعروف أن من أعظم دواعي الدنيا وشهواتها النساء ومن أجل ذلك فإن الجماع هو أعظم محظورات الإحرام، ولا يبطل الحج و العمرة محظور من المحظورات إلا الجماع. لأن الجماع يخالف تماماً حال العبودية التي ينبغي أن يكون عليها الحاج في أثناء التلبس بالنسك كما أن الإنسان في حال الصلاة إذا ضحك قلنا بطلت صلاته. لماذا؟ لأن الضحك ينافي ماينبغي أن يكون عليه المصلي تماما. فالمصلي مأمور بأن يكون خاشعاً مقبلاً على الله عز وجل متصلاً به فإذا ضحك قلنا إن هذا أبعد ما يكون عن هذه الحالة فحينئذ تبطل صلاته، فالجماع في حال الحج هو من أعظم الشهوات التي تجعل الحاج أبعد ما يكون عن حال المتلبس بالنسك، ومن أجل ذلك حرم الجماع وحرمت دواعيه ومن دواعيه الطيب.
بعد ذلك نرجع إلى حكم هذه المسألة وهي حكم استعمال المنظفات المعطرة؟ فنقول المنظفات المعطرة تنقسم إلى قسمين: