الجوال الكاميرا آفة أم حاجة ؟
يجمع المتابعين للتطورات التقنية في عالم الإتصالات ان الجدال عن الجوال وضرورته باتا وراء ظهرنا ، إذ يصعب تجاهل السرعة التي انتشرت بها تلك الأدوات ، المتعددة الالوان والاحجام. فقد صارت رؤية الجوال بين أيدي الصغار والكبار وهم يتحدثون من خلاله أمرا مألوفا . وحتى رناته التي تشبه الاغاني كثيراً، حيث أضيفت سيمفونية جديدة الى موسيقى حياتنا اليومية المميزة والمقتبسة من غنج نانسي عجرم ودلع هيفاء وهبي ورومانسية أليسا وغيرهن. قبل أن يزيد من رونقه تطور تقني آخر ويثير حوله زوابع نقاش من نوع آخر. حيث أصبح بإمكانه أن يلتقط من الصور ما لا يخطر على البال.
يصف بعضهم كاميرا الجوال بانها " آفة التقنية "، خصوصاً في المجتمعات العربية ، حيث اثار الجوال المزود بالكاميرا جدلاً واسعاً في المجتمعات المسلمة والمحافظة، طاول الأبعاد الاجتماعية والأخلاقية لثورة التقنية والاتصالات ، مثل تمكّن محترفي استخدامه من التّجسس على الاخرين، والتلصص على خصوصياتهم. وأحياناً يبدو الامر وكأنه انتهاك لحرمات معينة، مثل التلصص على التجمعات النسائية في الاعراس والاسواق، والتقاط الصور في غفلة من بعض الجميلات، ثم نشرها على الانترنت.
عندما يتحول الجوال إلى بندقية بالرغم من الإعتراضات العديدة التي رافقت قرار السماح إلا أنه في المقابل إرتفعت العديد من الأصوات الداعمة والمؤيدة له حيث اعتبر الكثيرون أن قرار السماح باستيراد جوال الكاميرا وبيعه في الأسواق السعودية هو قرار منطقي ومتوقع، والعبرة دائماً ليست في الوسيلة ولا الأداة، بل في ما تحمله من مضامين، وما تستخدم فيه، والقضية الأساسية هنا هي وجود تنظيمات وتشريعات يجب أن تسبق القرار بالسماح، فمن يخطئ يتحمل خطأه. ولكن هذا لا يعني انه لن يكون هناك أثارا سلبية من جراء استخدام هذه التقنية، حيث حلت كاميرا الجوال في الأعراس محل البندقية ، وحلت صوره محل الرصاصات التي كانت تطلق في الهواء ابتهاجا بالأفراح ، وكما قد تصيب أحيانا رصاصة طائشة أحد الحضور وتقضي على حياته ، تصيب كاميرا الجوال صميم أحد الحضور وتقضي على مستقبله وأمله بعد نشر صوره على الملأ .هذا ما دفع الكثيرون إلى العزوف من حضور حفلات الأعراس خوفا من صورة مقصودة يطلقها مصور مهوس تنال منهم .
وفي حين تزدحم الصالات والاستراحات بمناسبات الافراح وبينما يستعد الأهالي للفرح فإن هناك من اصبح هاجسه هو الخوف على محارمهم واسرهم من التصرفات الغريبة لهاويات التصوير بالجوال.
مما خلق مشاكل عائلية وأسرية كثيرة ، خصوصا بعد نشر بعض الصور على مواقع الإنترنت وبعضها بوضعيات غير لائقة بعد تركيبها على صور بنات عاريات.
لا يخفي عبدلله العنتلي (مدرس ) امتعاضه من هذه "الحركات" ويعتبره افة غاية في لبخطورة لا تنم عن ايمان .." فمن يخاف الله لا يكشف عورات الغير وبأساليب بشعة، هناك أشرطة توزع في كل مكان ، وتباع من أجل استغلالها في الأرباح المادية وذلك على حساب حرمات الناس".
ومن جهته يحمل منصور الغامدي أصحاب الصالات مسؤولية حماية ضيوفهم فيقول : "يجب ان يكون هناك امانة صادقة من اصحاب الصالات والاستراحات ومراعاتهم مشاعر وحقوق الناس الذين يقيموا افراحهم واهاليهم في اماكن وأياد مفترضة ان تكون حريصة وامينة ، وغير مكشوفة ، ومؤهلة لحفظ وستر النساء والمحارم..أما محمد العتيبي( موظف بنك ) فيدعو إلى ضرورة وضع مفتشات تكون من الجهة المسؤولة مزودة باجهزة كاشفة لجوالات الكاميرا تمنع أي امرأة أو فتاة من دخول الصالات والاستراحات إلا بعد وضعها ذلك الجهاز خارج الصالة وذلك لحماية "أعراض الناس من براثين تلك الكاميرا" .
ويؤيد عبد الرحمن الحربي (صاحب محل إلكترونيات ) ، محمد في موقفه ويدعو الجهات المسؤولة بضرورة تفقد الصالات والاستراحات للتأكد من عدم وجود أي كاميرات موضوعة في أماكن مختلفة من قبل البعض. مضيفا : "وعليهم ردع كل من تسول له نفسه العبث بأعراض الناس ، ومعاقبته بأشد العقوبات ، حتى يتعظ غيره .ومن جهة ثانية يؤكد أحمد الجاسمي على أهمية توجيهات أولياء الأمور المستمرة لأبنائهم وبناتهم ولنسائهم بالحذر الشديد من التصوير، وعدم الاستهانة بذلك ، والتبليغ مباشرة على الفتيات اللواتي يقمن بالتصوير .وهكذا حولت كاميرا الجوال الأماكن الخاصة بالنساء إلى أماكن خطرة تهدد مستقبل الأبرياء، الذين يبحثون عن لحظة فرح وبسمة تزين فضاء روتينهم اليومي .فهل يكون الحل كما اقترحه البعض بتذيل بطاقة الدعوة بعبارة (ممنوع اصطحاب جوالات الكاميرا ).
القضاء على السوق السوداء
وكان العديد من الدراسات قد أثبت عدم جدوى منع هذه الجوالات لأن الشركات المصنعة في حالة تصنيع أجهزة خاصة للسعودية دون تزويدها بالكاميرا، فإن ذلك، سيؤدي ـ إن تم ـ إلى رفع أسعارها بشكل كبير لتغطية تكاليف التصنيع ويرهق مستخدم الجوّال السعودي. كما ستؤدي إلى تشجيع عمليات التهريب وتفقد الميزانية السعودية إيرادات كان من المفترض أن تجنيها كرسوم جمركية، بحكم أن المستخدم النهائي يتواجد فيها. أمام ذلك ووفقا إلى مصادر في سوق الاتصالات انخفضت أسعار الأجهزة الجوّالة المزودة بالكاميرا بعد السماح بها بما لا يقل عن 15%. وقد جاء قرار السماح بادخال اجهزة الجوال المزودة بكاميرا لان انظمة وخدمات الجيل الثالث من الجوالات تتركز على هذا النوع من الاجهزة وان منعها يعني عدم الانتفاع من بعض الخدمات الجديدة. وذكر القرار ان عدم استخدام ذلك النوع من الجوالات يعني وقف استخدام الشبكة الا من خلال الاجهزة القديمة لان الاجهزة الجديدة اعتبارا من العام المقبل سوف ترتبط جميعها بخدمات نقل الصور كونها تقنية تم اعتمادها عالميا في خدمات الاتصالات المتنقلة. وجاء في القرار أن السماح للمؤسسات النظامية في المملكة ببيع واستيراد تلك الاجهزة يقضي على السوق السوداء القائمة على تهريبها وما يترتب على ذلك من حرمان السوق السعودية ومصلحة الجمارك من دخل كان بالامكان الاستفادة منه عبر القنوات النظامية ، وقد قدرت مصادر عاملة في استيراد
وبيع الهواتف الجوالة ، تجاوز حجم التهريب المليار ريال .
يشار إلى أنه تم في وقت سابق تشكيل لجنة من عدة وزارات وإدارات معنية أوصت بالسماح بتداول أجهزة الجوال المزودة بكاميرا بحكم أنه تقنية لا يمكن تجاهلها وإن تم استغلالها من بعض ضعاف النفوس بصورة سيئة..وقدّرت مصادر في سوق الاتصالات حجم استيراد السعودية لأجهزة الهاتف الجوّال بنحو 6 ملايين جهاز سنويا، حيث يغير 70 % من المستخدمين جوّالاتهم بشكل مستمر ما ساعد على ازدهار هذه السوق بشكل كبير. وتجدر الإشارة هنا إلى أن حجم مبيعات
الجوال الكاميرا يبلغ أكثر من 300مليون جوال حول العالم، وتتوقع الدراسات أن ترتفع تلك المبيعات مع نهاية عام 2008م إلى 658مليون جوال. وقد أصبح التطور الذي تشهده الصناعة الخاصة بهذه التقنية تفرض عدم إغلاق الأبواب أمام دخول ذلك التطور، وضرورة نقل التقنية الحديثة في مجال الاتصالات والتركيز في استخدامها على الجوانب الإيجابية حيث أصبحنا نعيش في خضم سباق مع هذه الخدمة التي تتطور يوماً بعد يوم. ومما لا شك فيه أن هناك البعض ممن يسيء استخدامها مما يجعل استخدام هذا الجهاز تهمة تمسهم ولكن هؤلاء لا بد من رادع قوي يوقفهم عند حدودهم ، ووضع الضوابط والعقوبات الصارمة ضد من يتاجر بأعراض الناس، بدلا من مقاطعة التقنية الحديثة نتيجة ما يفعله بعض المنحرفين باستخدامهم السلبي لهذه التقنية .
لخدمتنا وليس التلصص علينا
ويبقى أن مواكبة التطور في كل المجالات امر مشروع. فمن منا لا يتمنى لنفسه التقدم في ما هو جديد ومفيد؟ ولكن العيب في هذه المسألة يتمثل فقط في أن قلة من الشباب تستخدمه بطريقة مسيئة، لذا كان لا بد قبل طرحه في الاسواق من تهيئة مسبقة من جانب الجهات الاعلامية والامنية.ولا يعقل أن يكون الحل في منع هذه التقنية إنما يجب أن توضع الضوابط المنظمة لهذا الجهاز بالاضافة الى وضع عقوبات رادعة لكل من تسول له نفسه استخدام هذا الجهاز الاستخدام السيء. ان هذه التقنية موجودة في جميع دول العالم ولا خطر من استخدامها ولكن هنا في السعودية يوجد حساسية زائدة ضد كل ما هو جديد ثم تنجلي بعد أن يمر الوقت. حيث ان اغلب الشباب يتبعون كل ما هو ممنوع مرغوب فهل ممكن أن تنتهي مشاكل الجوال بعد السماح ببيعه وشرائه واستخدامه؟ هذا ما ستجيب عليه الأيام القادمة.