التطهير العرقي
أنت تعرف المثل الشهير الذي يقال بخصوص حسم النقاش الدائر حول موضوع ما "نقطع عرق ونسيح دم".. هنا عرق.. وهنا عرق.. لكن التطهير العرقي الذي سنتحدث عنه لا يعني بأية حال من الأحوال حسم النقاش.. إنه يلغي أساسا فكرة النقاش؛ لأنه يقوم على ما هو أشد وأكثر حسما.. اجتثاث الأرواح..!
ماذا يعني..؟
غرض التطهير العرقي هو استئصال الجماعات العرقية المرتبطة بالمقاومة أو الجماعات الإرهابية أو الهادفة إلى تغيير الأوضاع السياسية أو التي تتبع أسلوب حرب العصابات وفي أحيان كثيرة يكون التطهير العرقي مدفوعا بعقيدة تعتبر الجماعة العرقية المستهدفة كيانا قذرا ينبغي التخلص منه "كما حدث مع اليهود في القرون الوسطى في أوروبا" وذلك بهدف ضمان فرض السيطرة الكاملة على المنطقة.
يصاحب التطهير العرقي في الأغلب إزالة أية آثار مادية ترتبط بالجماعة العرقية، مثل تدمير الرموز الثقافية والأعمال الفنية وكذلك الأماكن الدينية، ويتم ذلك بتكتيك وحشي يصاحبه إراقة الدماء على نطاق واسع ويمثل التطهير العرقي موقعا وسطا بين التهجير والإبادة الجماعية وهو ما يجعله يصنف في القانون الدولي ضمن جرائم الحرب.
يؤدي التطهير العرقي في أحيان كثيرة إلى خلق مشاكل سياسية على المدى البعيد؛ لأنه يمنع الجماعات التي تم طردها من العودة إلى أوطانها كما هو الحال حاليا مع اللاجئين الفلسطينيين الذين ترفض إسرائيل عودتهم مرة أخرى إلى بلادهم.
وظهر مصطلح التطهير العرقي لأول مرة عام 1990 عندما استخدمه رجال الجيش اليوغسلافي لوصف العمليات الحربية التي يقومون بها داخل مناطق محددة يتحصن بها الأعداء، وكان التطهير العرقي وقتذاك مقتصرا على العسكريين فحسب، ثم استخدمت وسائل الإعلام اليوغسلافية هذا المصطلح لوصف الحرب اليوغسلافية الدائرة هناك.. وهكذا شاع استخدام المصطلح في وسائل الإعلام العالمية منذ عام 1992،
وهو العام الذي بدأت فيه الحرب الصربية ضد المسلمين في البوسنة، والتي استمرت من عام1992 إلى عام 1995 خاصة أن الجيش الصربي كان يمارس أفظع الوسائل والأساليب مع المسلمين للدرجة التي جعلت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة "مادلين أولبرايت" تقول في شهادتها أمام محكمة العدل الدولية إن ما كان يحدث في البوسنة رعب يفوق الخيال وأن كل تلك الجرائم، كانت تبدو -من كثرتها- كأنها تحدث على نحو متعمد، وليس مجرد حوادث عشوائية، بل عملية منظمة للتخلص من جماعات من البشر".
حرب البوسنة خلفت وراءها أكثر من ربع مليون قتيل و150 مقبرة جماعية "لايزال العدد قابلا للزيادة؛ لأنه يتم اكتشاف المزيد منها بين الحين والآخر" وما يقرب من20 ألف امرأة تم اغتصابهن..!!
البوسنة لم تكن وحدها التي عانت من ويلات التطهير العرقي، بل إن هناك العديد من الجماعات البشرية التي عانت ولاتزال تعاني حتى الآن من هذا الداء الشرير.. دعونا نفتح بعض صفحات..
أنت أسود..لابد أن تكون عبدًا..أو ميتا..
في عام 1815 أصبحت جنوب إفريقيا -رسميا- مستعمرة بريطانية، ومع تزايد أعداد القادمين الجدد من الإنجليز والهولنديين إليها اتسعت عمليات تسخير الأفارقة السود للعمل في مزارع المستوطنين البيض بعد ما أخذت هذه المزارع في النمو والاتساع وقد لجأ البيض -إضافة إلى ذلك- إلى جلب أرقاء آخرين من مناطق أخرى، في عام 1910 تم إنشاء نظام برلماني لدولة جديدة باسم اتحاد جنوب إفريقيا مقتصرة على البيض فقط وقد بدأ النظام الجديد يفرض سياسة متشددة للعزل العنصري وأخذ يطبق سياسة "الآبارتيد" بكل قسوة خاصة مع استلام الحزب الوطني للسلطة في عام 1948 الذي اتبع أسلوبا قاسيا في سحق معارضيه غير البيض الذين اضطروا لمواصلة نضالهم منذ عام1960، فعلى الصعيد السياسي،
استبعد غير البيض من كل مشاركة في الشئون الوطنية أو المحلية منذ عام1936، وعلى الصعيد الاجتماعي فرض قانون 1953 فصلا تاما بين البيض وغير البيض في كل ال***نة وعلى جميع الأصعدة التي يمكن أن يقوم فيها اتصال بين إنسان وآخر: ال***نة العامة، وسائل النقل، ***نة التسلية، الرياضة، الفنادق، إلخ
وقبل ذلك جاء قانون 1950 ليحدد مكان إقامة المجموعات، كل مجموعة ضمن حدود جغرافية معينة
وفي الحياة الاقتصادية والمهنية، خضع كل نزاع مهني، أطرافه من غير البيض، لإجراءات خاصة يعود القرار النهائي فيها للمسئولين البيض ونتيجة لهذه السياسة وقعت جنوب إفريقيا في عزلة دولية لم يخرقها إلا دول غربية قليلة إضافة إلى "إسرائيل" التي أقامت مع جنوب إفريقيا العنصرية أمتن العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية منذ قيامها في فلسطين عام 1948 وإلى انتهاء نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا عام 1994 بتولى "نيلسون مانديلا" رئاسة البلاد..
إلا أن إسرائيل أثبتت أن التلميذ يمكن أن يتفوق على أستاذه بل ويعطيه دروسا أيضا....!
الصهيونية.. دروس خصوصية في التطهير العرقي..!
يقوم المشروع الصهيوني الهادف إلى إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين على تصفية كل ما هو غير يهودي فيها؛ لأن إسرائيل يجب أن تكون كيانا يهوديا خالصا وهكذا كان الإبعاد والنفي وسيلة مهمة لتحقيق هذا الهدف العنصري، وكان النفي خارج الوطن للفلسطينيين وسيلة للصهيونية العنصرية، في حين يمثل النفي داخل الوطن اتجاها آخر أشد قسوة وضراوة،
عن طريق سياسة التمييز العنصري المدروسة تجاه فلسطينيي 1948 داخل إسرائيل، "وهم ما يطلق عليهم عرب إسرائيل" وذلك من خلال عدة قوانين مرتبطة بالهجرة والأرض والملكية والتخطيط والبناء والأوقاف الإسلامية والمؤسسات القومية اليهودية، والمواطنة والمشاركة السياسية تشكل في مجملها وسيلة للخنق ولشل أية قدرة للفلسطينيين على ممارسة حياتهم بآدمية.
إلا أن التطهير العرقي الذي قامت به إسرائيل لم يقتصر على سياسة الإبعاد فحسب، بل كانت التصفية الجسدية هي الوسيلة الأولى وبدأ ذلك حتى قبل إعلان الدولة الإسرائيلية في مايو 1948 حيث عمدت العصابات الصهيوينة قبل ذلك إلى تنفيذ العديد من المذابح في حق الفلسطينيين التي تهدف إلى القتل والترويع، ومن ثم الإجبار على ترك البلاد. وأشهر هذه المذابح "دير ياسين" التي وقعت في التاسع من أبريل عام 1948م، أثناء الانتداب البريطاني على "فلسطين".. وقتها قامت عصابتا "الأرجون" و"شتيرن" الصهيونيتان بمهاجمة سكان قرية "دير ياسين"،
وفتكتا بهم دون تمييز بين الأطفال والشيوخ والنساء، ومثلتا بجثث الضحايا، وقامتا بإلقائهم في بئر القرية، وكان أغلب الضحايا -الذين وصلوا إلى ثلاثمائة ويشكلون نصف سكان القرية- من النساء والأطفال والشيوخ، وانتشر الرعب والفزع في القرى العربية جميعها، وأصبح الناس يهجرون قراهم، وهو الأمر الذي طال أكثر من 520 قرية ومدينة فلسطينية تم تهجيرها أو حمل أهلها على النزوح منها خلال حرب 1948، وغدت بأملاكها ومزارعها جزءا من الدولة اليهودية الجديدة واستمرت إسرائيل في سياسة القتل والطرد والتهجير المنظم للفلسطينيين عبر السنين حتى بلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين المحرومين من العودة إلى بلادهم ما يقرب من 7 ملايين شخص..
هل عرفتم من أكثر تفوقا... الأستاذ أم التلميذ..؟!
يتبــع --- >