استطلاعات الرأي العام
لتعريف "استطلاعات الرأي العام" لازم نتعب شوية ونقسم المصطلح إلى جزأين:
• "استطلاعات" ومعناها سهل وممكن أن يتلخص في إنه "استكشاف أو معرفة أمر ما"... أما الجزء الثاني "الرأي العام" يحمل الكثير من الصعوبة في تعريفه، وذلك لأن الرأي العام -أي رأي الناس عموماً- بيختلف تقييمه من مكان للتاني وفقاً لوجهات النظر الاجتماعية والسياسية أو مدى الإيمان برأي الناس كعامل مهم ورئيسي في إطار العمليات السياسية....
وبسبب هذا الاختلاف في التقييم، ظهر أكثر من تعريف لـ"الرأي العام" ومنهم:
1. الحكم الذي تصل إليه الجماعة في مسألة ذات اعتبار عام بعد مناقشات علنية وافية.
2. الرأي السائد بين أغلبية الشعب الواعية بالنسبة لموضوع أو أكثر يمس مصالح هذه الأغلبية مسا مباشراً، أو يشغل بالها ويحتدم فيها الجدل والنقاش في فترة معينة.
يمكن أن يكون هناك تشابه واضح بين التعريفين، ويمكن أن نستخلص منهما حقيقة مشتركة وهي أن "الرأي العام هو رأي أغلبية الشعب تجاه مسألة عامة مثارة، طابعها الجدل واختلاف تعدد الأراء".
كان يا مكان زمان...
قصة بدايات "استطلاعات الرأي" لا تعتبر قديمة لدرجة كبيرة فهي تعود قبل أوائل القرن العشرين بقليل؛ حيث أجريت بعض المحاولات في عام 1824. أما في بدايات القرن العشرين وتحديداً في 1916 فقد كانت الريادة لجريدة Literary Digest الإنجليزية في استخدام استطلاعات الرأي العام...
الميلاد الحقيقي...
علىالرغم من توالي نجاحات جريدة Literary Digest فإنها فشلت في التنبؤ بنتيجة الانتخابات الأمريكية سنة 1936 رغم اعتمادها على رأي أكثر من 2.400.000 شخص. في الوقت الذي نجح فيه الأمريكي "آرتشببولد كروسلي" (Archibald Crossley) والأمريكي "إلمو روبر" (Elmo Roper) والأمريكي "جورج جالوب" (George Gallup) وهم متخصصون في تحليل استطلاعات الرأي في التنبؤ بنتيجة هذه الانتخابات، والتي انتهت بفوز الرئيس "روزفلت" على الرغم من أنهم لم يوجههوا أسئلتهم إلا لعدد يقدر بحوالي أربعة إلى خمسة آلاف شخص فقط.
سر الانتصار العظيم...
السؤال الآن.. ما الأسباب التي تقف وراء انتصار المحللين الثلاثة على Literary Digest؟...
الأسباب ببساطة هي أن Literary Digest اعتمدت بالفعل على عدد كبير من الأشخاص في الاستطلاع، ولكن كانوا ممن يمتلكون تليفونات في منازلهم أو من لديهم سيارات أي أنهم يمثلون الفئة الأغنى في المجتمع الأمريكي، والتي لم تكن بطبيعتها تؤيد الرئيس "روزفلت".
أما في محاولة المحللين الثلاثة فقد تجاوزوا هذا الخطأ من خلال إجراء الاستطلاع على عينة صغيرة من المجتمع تمثل كافة الفئات، وبالتالي استطاعوا الحصول على نتائج منضبطة إلى حد بعيد... وبالتالي يكونوا قد وضعوا حجر الأساس الجوهري لقواعد علمية سليمة لاجراء استطلاعات الرأي العام وكلمة السر لضمان نجاحها فيها هو تكوين عينة من الأشخاص تمثل المجتمع بكافة فئاته ومجتمعاته.
مراحل استطلاعات الرأي العام
استطلاعات الرأي تمر بالعديد من المراحل من الناحية الإجرائية وتتمثل هذه الإجراءات في التالي:
1. تحديد المشكلة أو القضية وينبغي أن تكون مثاراً للجدل وتكون حائزة على اهتمام الرأي العام.
2. يقوم الباحث المتخصص بإعداد استبيان أو استمارة تحوي عدداً من الأسئلة ويكون للمختص طريقته الخاصة في كتابة هذه الأسئلة تتسم بالمصداقية والبعد عن التحيز بهدف معرفة توجهات الرأي العام، من خلال إجاباتهم حول القضية المطروحة والتوصل لاستجابات مفيدة.
3. تحديد العينة المستهدفة التي سيتم تطبيق الاستطلاع عليهم ويفضل دائماً أن تكون عينة عشوائية ولكن تمثل المجتمع بكافة فئاته ومجتمعاته.
4. يبدأ الآن العمل الميداني للحصول على الاستجابات على الاستمارة أو الاستبيان الذي تم إعداده. وذلك يتم بطرق مختلفة فمثلاً هناك دول تعتمد على المقابلة الشخصية مع الأشخاص مثلما يحدث في الدول النامية، وهناك دول تعتمد على الاتصالات التليفونية للحصول على نتائج سريعة، وهناك دول متقدمة تعتمد على الدمج بين "الكمبيوتر" و"التليفون" للحصول على نتائج دقيقة وسريعة مثلما يحدث في أمريكا.
5. بعد الحصول على الاستمارات يتم "تكويدها" (وضع كود لكل استمارة) وإدخالها للكمبيوتر وتحليلها من خلال برنامج إحصائي يعرف ببرنامج ” SPSS".
الديمقراطية والتقدم...
هناك ارتباط بين تطور استطلاعات الرأي والدول الديمقراطية المتقدمة والأسباب هي:
أن حرية إبداء الرأي في تلك الدول تساعد على بلورة أو تكوين رأي عام واضح.
توافر الجو المناسب في هذه الدول لعمليات القياس السليمة وتحليل تلك النتائج مهما كانت صعوبة القضية محل الاستطلاع
الدول النامية والتأخر...
تعاني الدول النامية من تدهور في عمليات استطلاعات الرأي ويرجع ذلك للأسباب التالية:
البناء الاقتصادي والاجتماعي والثقافي لهذه الدول، علاوة على الأوضاع السياسية، لا يساعد على تشكيل رأي عام، وبالتالي تخلو معظم الدول النامية من مراكز علمية لقياس الرأي العام أو على الأقل فإن عددها قليل للغاية وتتبع الحكومات في معظم الأحوال.
للأسف يسود أغلبية الدول النامية حالة من "التشكيك" الواضح في نوايا ووطنية القائمين على هذا النوع من الاستطلاعات.
المشكلة أكبر بكتييييير...
المشكلة في الدول النامية أكبر بكثير من أن تصفها كلمات، ولكن يمكن تبسيطها في الشكل التالي..
غياب أية دراسات دقيقة لاتجاهات المواطنين إزاء قضايا مجتمعهم يؤدي الي أن يصبح المثقف والسياسي وصانع القرار في تلك الدولة في حالة من الضبابية تجاه ما يشعر به الناس إزاء السياسات المختلفة وتجاه الأوضاع العامة في البلاد...
أن صانع القرار قد يجد نفسه غير متأكد من فاعلية السياسات التي يراها مناسبة وغير متأكد من موقف المواطنين منها واستجابتهم لها يؤدي الي أن تظهر فرصة ذهبية لأطراف المجتمع السياسي لادعاء ما يشاءون حول شعبية أو عدم شعبية سياسات معينة
تفويت فرصة ترقية مستوى الحوار العام على قاعدة من المعرفة الصحيحة بعيداً عن الانطباعات والمزايدات.
إشارة حمراء... خلي بالك
صانع القرار لا يتحتم عليه أن ينساق دائماً وراء استطلاعات الرأي العام فحتى الدول الديمقراطية المتقدمة لا تفعل ذلك.. ولكن ما تخرج به استطلاعات الرأي تضع ما يمكن تسميته "بالخطوط الحمراء" لا يستطيع أن يتجاوزها صانع القرار أو على الأقل عليه أن يدرك أن تجاوزه لتلك الخطوط تعني أن عليه أن يكون مستعدا لتحمل المسئولية كاملة عن هذا القرار وما يترتب عليه من نتائج.
يتبــع --- >