الســلامـ عـليـكمـ ورحمـة اللهـ وبركـاتهـ ..
موضوعي اليوم عبارة عن رواية .. هي أكثر من انها تكون قصة .. وأقل من أنها تكون رواية ..
وهي أول كتاباتي الراوئية .. بقلمي ..
ياليت ألقى منكم تشجيع وتقييم .. لأنها قصيرة .. وحابة آخذ رايكم ..
ما أطول عليكم ..
------------------------
كان الجو دافئاً ، والظلام حانكاً ، وكان كل ما حولي ساكناً ، فأخذتني فكرة الذهاب إلى البحر..
لآخذ قليلاً من حكمته ،، وأستفيد من رأيه ..
وصلت إلى هناك .. وقفت أمام هذا البحر الهائج.. على الرمال الرطبة المحيطة بي من كل ناحية ، نسيت سبب قدومي .. فأخذت أتأمل ما حولي .. أخذتني الذكرى إلى تلك الأيام الجميلة ،، التي قضيتها هنا مع اهلي وصحبتي .. تلك اللحظات التي هنئت فيها بالعيش ،، كان العالم كله ملكي ،، كنت احظى بأصحابي من حولي ، وأهلي برعايتهم لي من خلفي ..
أخذتني الذكرى .. فوجدت عيني تذرف دمعاً ،، ما أروع تلك الأيام التي عشتها بكل براءة ..
لم أكن وقتها أحمل هموماً ثقيلة كما أفعل الآن .. فأنا أحمل على كاهلي حملاً ثقيلا لا أعلم إلى متى يمكنني حمله وكتمانه ..
آآآآآآآآآآآآه .. ياليتني أعود طفلة ..
حتى أعود لأبني ذلك القصرالجميل الذي كنت أبنيه من الطين ، ومن ثم أسمع مديح الناس لي عليه ..
حتى أعود لأغمس رجلي في رطوبة الرمل ونعومتها مدعيةً اختفائها وغرقها ..
حتى أعاود النظر إلى السماء وتبدأ مخيلتي برسم صوراً للغيوم الكثيفة البيضاء ..
حتى أعودَ جبانة ،، لا أكادُ أجرُؤُ على النزول إلى البحر ، فقط أقفُ على شواطِئِهِ ليلامس الموج أطرافي ، فأشعر وقتها بأنني قد حققت إنجازاً كبيراً جداً ..
آآآه .. مع كلِ ذكرى جميلة كنت أتذكرها .. كانت تصحبها دمعة أذرفها ..
أردت تأكيد الذكريات بفعلها مجدداً .. فانحنيت بركبي على الأرض وبدأت أبني قصريَ المعهود ،فإذا به ينهد .. لقد فقدت قدرتي على البنيان ، ليس هذا هو قصري الجميل ..
حزنت ،، ولكنني قمت بغمس رجلي بالطين ليعود لي ذلك الشعور الجميل ،، إلا أنه اسُتـبدِلَ بشعورٍ من الألمِ والإحباط ..
حاولت إعادة النظر إلى السماء لتبدأ مخيلتي بالرسم كسابق عهدها ،، فإذا بي أُشاهدُ الغيوم على هيئتها وخيالي عاحزٌ عن التصوير ..
أصابني اليأس، وكان آخرُ أملي أن أقِفَ على الشاطئ كما كنت أفعل ليعاود الموج ملامسة أطرافي من جديد ،
مصطنعةً عدم الجرأة على النـزول ،، فإذا بقدماي يحملانني لأجد نفسي في عرض البحر ..
هنا أدركت بأن الماضي لن يعود .. وهنا وقفت حائرة ،، متألمة ،، منكسرة ..
سقطت وأخذت أضرب البحر بـيدي بقوة لأعكر صفوه وسكونه ..واصلت ذلك الضرب .. واصلت البكاء .. واصلت استرجاع الذكريات .. لأجد صوتاً منادياً قائلاً : " مالذي أتى بكِ إلى هنا ؟ "
وقفت مذهولة ، أنظر إلى ماحولي لأبحث عن المصدر، لم يوجد هناك أحد ، استغربت وخُيل لي بأن خيالي بدأ يلعب بي ، إلا أن الصوت نادى مرة اخرى بالسؤال ذاته .. وقفت ومسحت دموعي ثم جاوبته قائلة : " لقد أتيت للاستفادة من حكمة البحر والتعلم منه ، ولكنني انجرفت وراء ذكرياتي ، فمن تكون ؟ "
فرد قائلاً " أنا هو البحر " ....
قلت له وبحماس : " يا عم ، لقد قصدتك لترحيني من هذا الهم الذي يسكنني ، وتخفف من العناء الذي يملؤني ، حتى أحكي لك بعضاً من أسراري لتحفظها .. وأستمد القليل من حكمتك ،، وأرتاح بالنظر إلى سكونك . "
فأجابني قائلاً : " يا بنيتي ، قد أكون ساكناً أحياناً لتستمتعي بالنظر إلي ، ولتشعري بالراحة و الأمان ، ولكنني متقلب المزاج ، كُلي مداً وجزراً ،، وسكوني لا يدوم ...
وقد أكون واسعاً إلى حد مجهول ، وعميقاً إلي درجة ٍ كبيرة يمكن للشخص فيه بأن يرمي ما يشاء من هموم متأكداً من عدم عودتها ورجوعها ،، ولكن اعلمي بنيتي بأنني لست بصادقاً ولا بوفياً ، فالغدر من أبرز صفاتي ، فمهما قلتي من أسرار ، ومهما رميتي من هموم ، تأكدي من أن مصيرها العودة والخروج إلى الشاطئ ، فأنا لا أحفظُ سراً .."
وقفتُ متعجبة وقلت له : " مالذي تقصدُه ..؟ هل تقصدُ بأنني لا أستطيع ائتمانك بأي سر ؟ ولا أستطيع أن أبوح لك عن أي هم .. ؟؟ لقد عهدتُ فيكـ حسن الاستماع ...
لقد كُنتَ ملجئي الأول عندما تضيقُ بي الدنيا من كلِ ناحية .. كنت دائماً آتي لأرمي بعضاً من همومي في مداك .. ليسحبه مدُك وجَزْرَك ومن ثمَ يُغرقـهُ في قاعكـ ....
ولم أتخيل للحظة بأن سوف يأتي الوقت الذي لن أجد فيه من يسمعني ومن يواسيني ..لقد قصدتك يا عم دوناً عن البشر ، لأنني كنت دائماً ما أبحث عن الوفي الصادق منهم ، ولكنني لم أجده .. فقدمت إليك علني أرى فيكَ هذه الصفات .. "
أكمَلتُ كلامي مع فيضٍ من الدموع قد تكونت في عيني ..
فأجابني البحر قائلاً " أعلم ذلك ، لقد كنتي دائماً تأتين إلي وتجلسين على الشاطئ ، تبقين ساكنةً في مكانك ، مصدومةً منكسرةً حزينة ،،، كُنتُ أراقبكِ وأنا ألمح بريق الدموع في عينيك على وشك المسيل ، كنتِ دائماً تأتين ومعكِ عُلبةً زجاجية بداخلها ورقة تكتبين فيها كل مايضيق في نفسك وما يُؤلمك ، ومن ثم ترمينها علي ، موهمةً نفسك بأنكـِ قد تخلصتي من هذا الهم .. ولكنكـِ لا تعلمين بأن كل مارميتيه يعود مرة أخرى إلى الشاطئ .. وأن همك مازال موجوداً وإنما قدومك هو راحة فقط ..ولكن اعذريني ،، فالغدر غريزة فيني يصعبٌ تغييرها وإزالتها .."
حاولتُ حينها حبس دموعي التي تطلب مني وبشدة أن أفرج عنها لتسقط وتصبح حرة على خداي ..
لأرد على البحر وأقول : " لقد صدمتني ولدي ما يكفي من الصدماتـــ ...
أحزنتني وأنا الحزنُ غالباً علي في الأصل ...
ولكنني لن أكون ناكرةً للمعروف يا عم ،، فأنا أعترف بأنك قد أمددتني بالراحة والطُمأنينة في كثيرٍ من الأيام المؤلمة .. وأنك قد أزلت التعب عني في كثيرٍ من اللحظات الصعبة ..
أشكر لك ذلك ياعم ، ولو أنني الآن لن أجد من آتي إليه بهمومي وآلامي لأرميها عليه .. بعد أن سئمت العالم أجمع يرمي بهمومه علي أنا .. ولكن لن تكون هذه هي اللحظة الأخيرة .. فلي معكَ لقاءٌ آخر بلا شك ، ولكنني لن أعاود إتيانك بهمومي .. بل سأحاول جاهدة أن آتي إليك بوجهٍ بشوشٍ سعيد ، حتى وإن اضطررت إلى اصطناع ذلكـ ....."
----------
بقـلـمـي ..