عرض مشاركة واحدة
 
 
قديم 25-03-2008, 11:07 AM رقم المشاركة : 2 (الظهور أولاً )
معلومات العضو
صمت { البوح..}
[ .. مَلَائِكِيَّة آلْقَلَائِد .. ]
مشـ© الصحة ©ـرفة

الصورة الرمزية صمت { البوح..}

إحصائية العضو








صمت { البوح..} غير متصل

إحصائيات الترشيح

عدد النقاط : 34698753
صمت { البوح..} has a reputation beyond reputeصمت { البوح..} has a reputation beyond reputeصمت { البوح..} has a reputation beyond reputeصمت { البوح..} has a reputation beyond reputeصمت { البوح..} has a reputation beyond reputeصمت { البوح..} has a reputation beyond reputeصمت { البوح..} has a reputation beyond reputeصمت { البوح..} has a reputation beyond reputeصمت { البوح..} has a reputation beyond reputeصمت { البوح..} has a reputation beyond reputeصمت { البوح..} has a reputation beyond repute

 


Post رد : وجوب الإيمان بعذاب القبر ونعيمه وفتنته

بعض الأسئلة والاجوبة عن القبر وعذابه ونعيمه وفتنته

كيفية سؤال الميت في القبر
سؤال:
هل سؤال الميت في قبره حقيقي وأنه يجلس في قبره ويناقش ؟.

قال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله :
" سؤال الميت في قبره حقيقي بلا شك والإنسان في قبره يجلس ويناقش ويسأل .
فإن قال قائل : إن القبر ضيق فكيف يجلس ؟!

فالجواب :
أولاً :
أن الواجب على المؤمن في الأمور الغيبية أن يقبل ويصدّق ، ولا يسأل كيف ؟ ولم ؟
لأنه لا يسأل عن كيف ولم إلا من شك ، وأما من آمن وانشرح صدره لأخبار الله ورسوله ، فيسلّم ويقول : الله أعلم بكيفية ذلك .

ثانياً :
أن تعلق الروح بالبدن في الموت ليس كتعلقها به في حال الحياة، فللروح مع البدن شؤون عظيمة لا يدركها الإنسان ، وتعلقها بالبدن بعد الموت لا يمكن أن يقاس بتعلقها به في حال الحياة ، وهاهو الإنسان في منامه يرى أنه ذهب ، وجاء ، وسافر ، وكلم أناساً ، والتقى بأناس أحياء وأموات ، ويرى أن له بستاناً جميلاً ، أو داراً موحشة مظلمة ، ويرى أنه راكب على سيارة مريحة ، ويرى مرة أنه راكب على سيارة مقلقة كل هذا يمكن مع أن الإنسان على فراشه لم يتغير ، حتى الغطاء الذي عليه لم يتغير ومع ذلك فإننا نحس بهذا إحساساً ظاهراً ، فتعلق الروح بالبدن بعد الموت يخالف تعلقها به في اليقظة أو في المنام ولها شأن آخر لا ندركه نحن، فالإنسان يمكن أن يجلس في قبره ويسأل ولو كان القبر محدوداً ضيقاً .
هكذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فمنه البلاغ ، وعلينا التصديق والإذعان قال الله تعالى : ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً ) النساء / 65 "
مجموع فتاوى ابن عثيمين 2/34 .



طبيعة الحياة في القبر
سؤال:
السؤال : إذا قيل إن الميت يحيا في القبر ، فهل هي نفس حياته الأولى ، وكم حاسة ترجع إليه ، وإلى كم تبقى حياته في القبر ، وإذا كان الميت تُسأل جثته ، فما مصير الذين يحرقون مثل الهندوس واليابان وغيرهم ، وأين يتم سؤالهم ؟ إن الطبيب عندما يجري العملية يبعد الحواس لدى الإنسان عنه بمخدر .. أما هذا الموت فإني أتساءل كيف هو؟. ا

الجواب :
الحمد لله
أولاً :
ينبغي أن يعلم أن الواجب على كل مؤمن ومؤمنة : التصديق بما أخبر الله به في كتابه ، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من جميع الأمور المتعلقة بالآخرة والحساب والجنة والنار ، وفيما يتعلق بالموت والقبر وعذابه ونعيمه ، وسائر أمور الغيب مما جاء في القرآن الكريم أو صحت به السنة المطهرة ، فعلينا الإيمان والتسليم والتصديق بذلك ، لأننا نعلم أن ربنا هو الصادق فيما يقوله سبحانه وفيما يخبر به جل وعلا ، لقوله تعالى : ( ومن أصدق من الله قيلاً ) النساء/122 ، وقوله سبحانه : ( ومن أصدق من الله حديثاً ) النساء /78 .
ونعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصدق الناس ، وأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ، فما ثبت عنه في الأحاديث الصحيحة ، وجب التصديق به وإن لم نعرف حقيقته . فالواجب علينا أن نصدق بما جاء به من أمر الآخرة وأمر الجنة والنار ، ومن نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار وكون العبد في القبر يعذب أو ينعم ، وترد إليه روحه , كل هذا حق جاءت به النصوص ، فعلى العبد أن يسلم بذلك ، ويصدق كل ما علمه من القرآن , أو صحت به السنة أو أجمع عليه علماء الإسلام .
ثم إذا من الله على المؤمن والمؤمنة بمعرفة الحكمة في ذلك والأسرار ، فهذا خير إلى خير ، ونور على نور وعلم على علم ، فليحمد الله وليشكره على ما أعطاه من العلم والبصيرة في ذلك التي من الله بها عليه حتى زاد علمه , وزادت طمأنينته .
أما ما يتعلق بالسؤال في القبر ، وحال الميت فإن السؤال حق ، والميت ترد إليه روحه ، وقد صحت بذلك الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وحياة الميت في قبره غير حياته الدنيوية ، بل هي حياة خاصة برزخية ، ليست من جنس حياته في الدنيا التي يحتاج فيها إلى الطعام والشراب ونحو ذلك , بل هي حياة خاصة يعقل معها السؤال والجواب ، فيسأله الملكان من ربك ؟ وما دينك ؟ ومن نبيك ؟
فالمؤمن يقول : ربي الله ، والإسلام ديني ، ومحمد نبيي هكذا يجيب المؤمن والمؤمنة , ويقال له : ما علمك بهذا الرجل ؟ ( محمد صلى الله عليه وسلم ) فيقول : هو رسول الله ، جاءنا بالهدى فآمنا به وصدقناه ، واتبعناه ، فيقال له : قد علمنا إن كنت لمؤمناً ، ويفتح له باب إلى الجنة ، فيأتيه من روحها ونعيمها ، ويقال : هذا مكانك حتى يبعثك الله إليه ، ويرى مقعده من النار ، ويقال له : هذا مكانك لو كفرت بالله ، أما الآن فقد أعاذك الله منه وصرت إلى الجنة .
أما الكافر فإذا سئل عن ربه ودينه ونبيه ، فإنه يقول : هاه هاه لا أدري ، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته ، فيضرب بمرزبة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين : يعني الجن والإنس ، وتسمعها البهائم ، فيفتح له باب إلى النار ، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه ، ويكون قبره عليه حفرة من حفر النار ، ويفتح له باب إلى النار يأتيه من سمومها وعذابها : ويقال : هذا مكانك حتى يبعثك الله إليه ، ويفتح له باب إلى الجنة فيرى مقعده في الجنة ، ويقال له : هذا مكانك لو هداك الله .
وبذلك يعلم أن القبر إما روضة من رياض الجنة أوإما حفرة من حفر النار . والعذاب والنعيم للروح والجسد جميعاً في القبر ، وهكذا في الآخرة في الجنة أو في النار .
أما من مات بالغرق أو بالحرق أو بأكل السباع : فإن روحه يأتيها نصيبها من العذاب والنعيم ، ويأتي جسده من ذلك في البر أو البحر ، أو في بطون السباع ما شاء الله من ذلك ، لكن معظم النعيم والعذاب على الروح التي تبقى ؛ إما منعمة وإما معذبة ، فالمؤمن تذهب روحه إلى الجنة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن روح المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة ، يأكل من ثمارها ، والكافر تذهب روحه إلى النار ) .
فالواجب على كل مسلم ومسلمة الاطمئنان إلى ما أخبر به الله عز وجل ، وأخبر به رسوله عليه الصلاة والسلام ، وأن يصدق بذلك على الوجه الذي أراده الله عز وجل ، وإن خفي على العبد بعض المعنى ، فلله الحكمة البالغة سبحانه .
كتاب مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله . ص / 338



هل نعيم القبر وعذابه على الجسد والروح أم على أحدهما دون الآخر
سؤال:
كل إنسان مسئول عن أعماله يوم القيامة ، وقبل هذا اليوم يبدأ العقاب في القبر. فما هي حال الروح أثناء هذه الفترة ؟
وإذا كان عذاب القبر وارداً وصحيحاً ، فهل يُعذب الإنسان بجسده وروحه على أعماله داخل قبره ؟.

الجواب:
الحمد لله
لا شك في ثبوت عذاب القبر ونعيمه كما دلت على ذلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية واتفاق سلف الأمة . .
و أما كون العذاب على الجسد والروح جميعا أو على أحدهما دون الآخر ؟
فالأصل أن العذاب والنعيم في القبر يكون على الروح ، وقد تتصل الروح بالبدن فيصيبه شيء من العذاب أو النعيم .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :" فَلْيُعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ " سَلَفِ الأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا " أَنَّ الْمَيِّتَ إذَا مَاتَ يَكُونُ فِي نَعِيمٍ أَوْ عَذَابٍ وَأَنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ لِرُوحِهِ وَلِبَدَنِهِ وَأَنَّ الرُّوحَ تَبْقَى بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْبَدَنِ مُنَعَّمَةً أَوْ مُعَذَّبَةً وَأَنَّهَا تَتَّصِلُ بِالْبَدَنِ أَحْيَانًا فَيَحْصُلُ لَهُ مَعَهَا النَّعِيمُ وَالْعَذَابُ . ثُمَّ إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ الْكُبْرَى أُعِيدَتْ الأَرْوَاحُ إلَى أَجْسَادِهَا وَقَامُوا مِنْ قُبُورِهِمْ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ . وَهَذَا كُلُّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ" إ.هـ .

وَالأَحَادِيثُ التي تدل على هذه الْمَسْأَلَةِ كَثِيرَةٌ منها ما رواه أبو داود ( 4127 ) وصححه الألباني في صحيح أبي داود عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنْ الأَنْصَارِ . فَانْتَهَيْنَا إلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحَدْ ، فَجَلَسَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرُ وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ الأَرْضَ ; فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ : اسْتَعِيذُوا بِاَللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا . وَذَكَرَ صِفَةَ قَبْضِ الرُّوحَ وَعُرُوجِهَا إلَى السَّمَاءِ ثُمَّ عَوْدَهَا إلَيْهِ . إلَى أَنْ قَالَ : وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ إذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ حِينَ يُقَالُ لَهُ يَا هَذَا مَنْ رَبُّك ؟ وَمَا دِينُك ؟ وَمَنْ نَبِيُّك ؟ . وَفِي لَفْظٍ : { فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ وَيَقُولانِ لَهُ : مَنْ رَبُّك ؟ فَيَقُولُ : رَبِّي اللَّهُ . فَيَقُولانِ لَهُ : مَا دِينُك ؟ فَيَقُولُ دِينِي الإِسْلامُ . فَيَقُولانِ . مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي أُرْسِلَ فِيكُمْ ؟ قَالَ : فَيَقُولُ . هُوَ رَسُولُ اللَّهِ . فَيَقُولانِ : وَمَا يُدْرِيك ؟ فَيَقُولُ : قَرَأْت كِتَابَ اللَّهِ وَآمَنْت بِهِ وَصَدَّقْت بِهِ فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ : ( يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ) قَالَ : فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ السَّمَاءِ أَنْ صَدَقَ عَبْدِي فَافْرِشُوا لَهُ فِي الْجَنَّةِ وَأَلْبِسُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إلَى الْجَنَّةِ قَالَ : فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا قَالَ : وَيُفْسَحُ لَهُ مَدَّ بَصَرِهِ قَالَ : وَإِنَّ الْكَافِرَ فَذَكَرَ مَوْتَهُ . وَقَالَ : وَتُعَادُ رُوحُهُ إلَى جَسَدِهِ فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولانِ لَهُ : مَنْ رَبُّك ؟ فَيَقُولُ هاه هاه لا أَدْرِي . فَيَقُولانِ لَهُ : مَا دِينُك ؟ فَيَقُولُ : هاه . هاه لا أَدْرِي فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ عَبْدِي فَافْرِشُوا لَهُ مِنْ النَّارِ وَأَلْبِسُوهُ مِنْ النَّارِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إلَى النَّارِ قَالَ : وَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا قَالَ : وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلاعُهُ قَالَ : ثُمَّ يُقَيَّضُ لَهُ أَعْمَى أَبْكَمُ مَعَهُ مِرْزَبَّةٌ مِنْ حَدِيدٍ لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ لَصَارَ تُرَابًا قَالَ : فَيَضْرِبُهُ بِهَا ضَرْبَةً يَسْمَعُهَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ إلا الثَّقَلَيْنِ فَيَصِيرُ تُرَابًا . ثُمَّ تُعَادُ فِيهِ الرُّوحُ } .
فَقَدْ صَرَّحَ الْحَدِيثُ بِإِعَادَةِ الرُّوحِ إلَى الْجَسَدِ وَبِاخْتِلافِ أَضْلاعِهِ وَهَذَا بَيِّنٌ فِي أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى الرُّوحِ وَالْبَدَنِ مُجْتَمِعَيْنِ .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( إن المؤمن إذا قبض أتته ْمَلائِكَةُ الرحمة بِحَرِيرَةِ بَيْضَاءَ . فَيَقُولُونَ : اُخْرُجِي إلى رَوْح الله فتخرج كَأَطْيَبِ رِيحِ مِسْكِ حَتَّى إنَّهُ لَيُنَاوِلُهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا يشمونه حَتَّى يَأْتُون بِهِ بَابَ السَّمَاءِ . فَيَقُولُونَ : ما هذه الريح الطيبة التي جاءت من َالأَرْضِ ؟ ..حتى يَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ فَلَهُمْ أَشَدُّ فَرَحًا بِهِ مِنْ أهل الغائب بِغَائِبِهِم؟ ..وَأَما الْكَافِرَ فيأتيه مَلائِكَةُ الْعَذَابِ بِمَسْح ( قطعة من الصوف الغليظ ) فَيَقُولُونَ : اُخْرُجِي مَسْخُوطًا عَلَيْك إلَى عَذَابِ اللَّهِ فَتَخْرُجُ كَأَنْتَنِ جِيفَةٍ } رواه ابن حبان ( 7/ 284 ) وقال محققه إسناده صحيح .
( فَفِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ وَنَحْوِهَا اجْتِمَاعُ الرُّوحِ وَالْبَدَنِ فِي نَعِيمِ الْقَبْرِ وَعَذَابِهِ وأَنَّ الرُّوحَ تُنَعَّمُ مَعَ الْبَدَنِ الَّذِي فِي الْقَبْرِ - إذَا شَاءَ اللَّهُ - .
وَأَمَّا انْفِرَادُ الرُّوحِ وَحْدَهَا بالعذاب أو النعيم ، فَقَدْ تَقَدَّمَ ما يدل على ذلك وفي سنن النسائي ( 2073 ) عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : { إنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يبعثه الله إلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ } وصححه الألباني في صحيح النسائي .
وَقَوْلُهُ " يَعْلُقُ " أَيْ يَأْكُلُ .
فقد دلت هذه الأَحَادِيثِ على أَنَّ الْأَبْدَانَ الَّتِي فِي الْقُبُورِ تُنَعَّمُ وَتُعَذَّبُ - إذَا شَاءَ اللَّهُ ذَلِكَ - كَمَا يَشَاءُ ؛ وأن الروح تُنَعَّمُ فِي الْجَنَّةِ وَحْدَهَا وَكِلاهُمَا حَقٌّ . و دلت كذلك على أَنَّ الأَرْوَاحَ بَاقِيَةٌ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْبَدَنِ َمُنَعَّمَةً أوَمُعَذَّبَةً .

وسئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : هل عذاب القبر على البدن أو على الروح
فأجاب :
الأصل أنه على الروح ، لأن الحكم بعد الموت للروح ، والبدن جثة هامدة ، ولهذا لا يحتاج البدن إلى إمداد لبقائه ، فلا يأكل ولا يشرب ، بل تأكله الهوام ، فالأصل أنه على الروح ، لكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية إن الروح قد تتصل بالبدن فيعذب أو ينعم معها .... فبناء على ذلك قال العلماء إن الروح قد تتصل في البدن فيكون العذاب على هذا وهذا ، وربما يستأنس لذلك بالحديث الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن القبر ليضيق على الكافر حتى تختلف أضلاعه ) فهذا يدل على أن العذاب يكون على الجسم لأن الأضلاع في الجسم . مجموع فتاوى ابن عثيمين (1/25)
والله تعالى أعلم .
انظر (مجموع فتاوى شيخ الإسلام 4/ 282 ـ 299 ) والقيامة الصغرى للشيخ عمر الأشقر( 107 ).



هل حوسب بعض الناس وأدخلوا الجنة أو النار ؟
سؤال:
متى يبدأ الحساب ، أهو عند نزول القبر أم يوم القيامة ، وقد علمنا أن هناك بعض الأشخاص دخلوا الجنة أمثال ماشطة بنات فرعون وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة ، وأن هناك بعض الأشخاص دخلوا النار ، فكيف يكون ذلك ونحن نعلم أن أول من يدخل الجنة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

الجواب:
الحمد للَّه
أولا :
يجب على كل مسلم أن يعتقد أن الحساب بعد الموت حق ، وأن الجزاء يكون بعد الحساب ، قال تعالى : ( فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) الحجر/92-93 ، وقال سبحانه : ( فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ) الأعراف/6

ثم إن هذا الحساب يكون على مرحلتين :
المرحلة الأولى : فى القبر بعد الموت : وذلك حين يأتيه الملكان فيسألانه عن ربه ودينه ونبيه ، كما جاءت بذلك الأحاديث المتواترة ، وهي فتنة القبر التي أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نستعيذ منها .

عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
( أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُم تُفتَنُونَ فِي القُبُورِ ) رواه البخاري (1049) ومسلم (584)
يقول ابن حجر رحمه الله في "فتح الباري" (1/165) :
" أصل الفتنة الاختبار والامتحان " انتهى .

ونقل المناوي في "فيض القدير" (6/234) عن بعض أهل العلم قولهم :
" يحاسب المؤمن في القبر ليكون أهون عليه في الموقف ، فيمحص في البرزخ ، فيخرج وقد اقتص منه " انتهى .
ويكون بعد هذا الحساب جزاء أيضا ، فمن فاز أتاه من النعيم والسرور في قبره ، ومن خسر أصابه من العذاب والشقاء .
وكل ذلك في القبر أو في حياة البرزخ ، أما الجنة والنار فلا يدخلها أحد دخولا تاما إلا بعد المرحلة الثانية من الحساب ، وهي حساب الآخرة .
ولكن قد تدخل بعض الأرواح الجنة ، فيصيبها بعض نعيمها ، كرامة منه سبحانه وتعالى .
يقول النبي صلى الله عليه وسلم :
( إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَيْرٌ يَعْلَقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ )
رواه مالك في الموطأ (1/240) وصححه ابن عبد البر في "الاستذكار" (2/614)
نسمة المؤمن : روحه . يعلق : أي يأكل ويرعى .
يقول ابن القيم رحمه الله في كتابه "حادي الأرواح" (48) :
" وهذا صريح في دخول الروح الجنة قبل يوم القيامة " انتهى .
كما قد تُعرض بعض الأرواح على النار ، فيصيبها من حرها وعذابها .
يقول سبحانه وتعالى :
( النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ) غافر/46
ومن تجاوز حساب القبر هان عليه حساب الآخرة .عن هَانِئ مَوْلَى عُثْمَانَ قَالَ : كَانَ عُثْمَانُ إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ بَكَى حَتَّى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ ، فَقِيلَ لَهُ : تُذْكَرُ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَلَا تَبْكِي ، وَتَبْكِي مِنْ هَذَا ! فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ ، فَإِنْ نَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ ، وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ )
رواه الترمذي (2308) وحسنه ، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي .
المرحلة الثانية من الحساب : بعد البعث في الآخرة ، وهو الحساب العظيم الذي يميز فيه بين أهل الجنة وأهل النار ، ويتقاص العباد فيه المظالم بينهم ، وسمي ذلك اليوم بيوم الحساب .
يقول سبحانه وتعالى :
( هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ ) ص/53
وقال سبحانه :
( وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ) غافر/27
ولا يدخل أحد الجنة أو النار إلا بعد هذا الحساب ، فمن الناس من يحاسب حسابا يسيرا ، ومنهم من يحاسب حسابا عسيرا ، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو أول من يدخل الجنة الدخول الحقيقي التام في الآخرة .
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
( آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتَفْتِحُ ، فَيَقُولُ الْخَازِنُ : مَنْ أَنْتَ ؟ فَأَقُولُ : مُحَمَّدٌ . فَيَقُولُ : بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ ) رواه مسلم (197)
ثانيا :أما ما جاء من الأحاديث التي يذكر فيها النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى أحدا في الجنة أو في النار ، فهي على أحد وجهين :
1- إما أنها في رؤيا المنام : كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ : ( يَا بِلَالُ حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الْإِسْلَامِ فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ )يقول الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (3/35) :
" قال الكرماني : ظاهر الحديث أن السماع المذكور وقع في النوم ؛ لأن الجنة لا يدخلها أحد إلا بعد الموت . ويؤيد كونه وقع في المنام ما سيأتي في أول مناقب عمر من حديث جابر مرفوعا : ( رأيتني دخلت الجنة فسمعت خشفة ، فقيل هذا بلال ، ورأيت قصرا بفنائه جاريه فقيل هذا لعمر ) الحديث وبعده من حديث أبي هريرة مرفوعا : ( بينا أنا نائم رأيتني في الجنة ، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر ، فقيل : هذا لعمر ) الحديث فعرف أن ذلك وقع في المنام ، وثبتت الفضيلة بذلك لبلال ؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي ، ولذلك جزم النبي صلى الله عليه وسلم له بذلك " انتهى .
2- يكشف الله للنبي صلى الله عليه وسلم ما سيكون في الأخرة حتى يراه رأي عيان أو رأي قلب ، ومنه ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج من أمور في الجنة وفي النار .
يقول الحافظ النووي رحمه الله في "شرح مسلم" (6/207) :
" قال القاضي عياض : قال العلماء : تحتمل أنه رآهما رؤية عين ، كشف الله تعالى عنهما ، وأزال الحجب بينه وبينهما ، كما فرج له عن المسجد الأقصى حين وصفه .
قالوا : ويحتمل أن يكون رؤية علم وعرض وحي ، باطلاعه وتعريفه من أمورها تفصيلا ما لم يعرفه قبل ذلك .
قال القاضي : والتأويل الأول أولى وأشبه بألفاظ الحديث ، لما فيه من الأمور الدالة على رؤية العين كتناوله صلى الله عليه وسلم العنقود ، وتأخره مخافة أن يصيبه لفح النار " انتهى .
والله أعلم .



ما هو البرزخ
سؤال:
ما هو البرزخ ؟ أرجو أن توضح ذلك بالتفصيل . وأيضا، فأنا أريد أن أعرف ما هي أنواع العقوبات على الذنوب ؟.
الجواب:
الحمد لله
المراد بالبرزخ هو ما بين أن يموت الإنسان إلى أن يبعث يوم القيامة ، فمن مات على الإسلام والطاعة نُعّم
ومن مات على الكفر أو المعصية عُذّب ، قال تعالى : ( النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشدّ العذاب ) .
والعقوبات تتنوع بحسب الذنوب وقد ورد حديث في صحيح البخاري يبين عذاب البرزخ الذي يقع على بعض مرتكبي الكبائر فعن سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ لِأَصْحَابِهِ هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيَا قَالَ فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُصَّ
وَإِنَّهُ قَالَ ذَاتَ غَدَاةٍ إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي وَإِنَّهُمَا قَالَا لِي انْطَلِقْ وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا وَإِنَّا أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ وَإِذَا هُوَ يَهْوِي بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ فَيَثْلَغُ رَأْسَهُ فَيَتَهَدْهَدُ الْحَجَرُ هَا هُنَا فَيَتْبَعُ الْحَجَرَ فَيَأْخُذُهُ فَلَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ حَتَّى يَصِحَّ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمَرَّةَ الْأُولَى قَالَ قُلْتُ لَهُمَا سُبْحَانَ اللَّهِ مَا هَذَانِ قَالَ قَالَا لِي انْطَلِقْ انْطَلِقْ قَالَ فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ وَإِذَا هُوَ يَأْتِي أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاهُ وَمَنْخِرَهُ إِلَى قَفَاهُ وَعَيْنَهُ إِلَى قَفَاهُ قَالَ وَرُبَّمَا قَالَ أَبُو رَجَاءٍ فَيَشُقُّ قَالَ ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالْجَانِبِ الْأَوَّلِ فَمَا يَفْرُغُ مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ الْجَانِبُ كَمَا كَانَ ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمَرَّةَ الْأُولَى قَالَ قُلْتُ سُبْحَانَ اللَّهِ مَا هَذَانِ قَالَ قَالَا لِي انْطَلِقْ انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى مِثْلِ التَّنُّورِ قَالَ فَأَحْسِبُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فَإِذَا فِيهِ لَغَطٌ وَأَصْوَاتٌ قَالَ فَاطَّلَعْنَا فِيهِ فَإِذَا فِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ وَإِذَا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَوْا قَالَ قُلْتُ لَهُمَا مَا هَؤُلَاءِ قَالَ قَالَا لِي انْطَلِقْ انْطَلِقْ قَالَ فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ حَسِبْتُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ أَحْمَرَ مِثْلِ الدَّمِ وَإِذَا فِي النَّهَرِ رَجُلٌ سَابِحٌ يَسْبَحُ وَإِذَا عَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ حِجَارَةً كَثِيرَةً وَإِذَا ذَلِكَ السَّابِحُ يَسْبَحُ مَا يَسْبَحُ ثُمَّ يَأْتِي ذَلِكَ الَّذِي قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ الْحِجَارَةَ فَيَفْغَرُ لَهُ فَاهُ فَيُلْقِمُهُ حَجَرًا فَيَنْطَلِقُ يَسْبَحُ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ كُلَّمَا رَجَعَ إِلَيْهِ فَغَرَ لَهُ فَاهُ فَأَلْقَمَهُ حَجَرًا قَالَ قُلْتُ لَهُمَا مَا هَذَانِ قَالَ قَالَا لِي انْطَلِقْ انْطَلِقْ قَالَ فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ كَرِيهِ الْمَرْآةِ كَأَكْرَهِ مَا أَنْتَ رَاءٍ رَجُلًا مَرْآةً وَإِذَا عِنْدَهُ نَارٌ يَحُشُّهَا وَيَسْعَى حَوْلَهَا قَالَ قُلْتُ لَهُمَا مَا هَذَا قَالَ قَالَا لِي انْطَلِقْ انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَوْضَةٍ مُعْتَمَّةٍ فِيهَا مِنْ كُلِّ لَوْنِ الرَّبِيعِ وَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَيْ الرَّوْضَةِ رَجُلٌ طَوِيلٌ لَا أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ طُولًا فِي السَّمَاءِ وَإِذَا حَوْلَ الرَّجُلِ مِنْ أَكْثَرِ وِلْدَانٍ رَأَيْتُهُمْ قَطُّ قَالَ قُلْتُ لَهُمَا مَا هَذَا مَا هَؤُلَاءِ قَالَ قَالَا لِي انْطَلِقْ انْطَلِقْ قَالَ فَانْطَلَقْنَا فَانْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ عَظِيمَةٍ لَمْ أَرَ رَوْضَةً قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهَا وَلَا أَحْسَنَ قَالَ قَالَا لِي ارْقَ فِيهَا قَالَ فَارْتَقَيْنَا فِيهَا فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ وَلَبِنِ فِضَّةٍ فَأَتَيْنَا بَابَ الْمَدِينَةِ فَاسْتَفْتَحْنَا فَفُتِحَ لَنَا فَدَخَلْنَاهَا فَتَلَقَّانَا فِيهَا رِجَالٌ شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ وَشَطْرٌ كَأَقْبَحِ مَا أَنْتَ رَاءٍ قَالَ قَالَا لَهُمْ اذْهَبُوا فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهَرِ قَالَ وَإِذَا نَهَرٌ مُعْتَرِضٌ يَجْرِي كَأَنَّ مَاءَهُ الْمَحْضُ فِي الْبَيَاضِ فَذَهَبُوا فَوَقَعُوا فِيهِ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْنَا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ فَصَارُوا فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ قَالَ قَالَا لِي هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ وَهَذَاكَ مَنْزِلُكَ قَالَ فَسَمَا بَصَرِي صُعُدًا فَإِذَا قَصْرٌ مِثْلُ الرَّبَابَةِ الْبَيْضَاءِ قَالَ قَالَا لِي هَذَاكَ مَنْزِلُكَ قَالَ قُلْتُ لَهُمَا بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمَا ذَرَانِي فَأَدْخُلَهُ قَالَا أَمَّا الْآنَ فَلَا وَأَنْتَ دَاخِلَهُ قَالَ قُلْتُ لَهُمَا فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ عَجَبًا فَمَا هَذَا الَّذِي رَأَيْتُ قَالَ قَالَا لِي أَمَا إِنَّا سَنُخْبِرُكَ أَمَّا الرَّجُلُ الْأَوَّلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ وَيَنَامُ عَنْ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إِلَى قَفَاهُ وَمَنْخِرُهُ إِلَى قَفَاهُ وَعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ فَيَكْذِبُ الْكَذْبَةَ تَبْلُغُ الْآفَاقَ وَأَمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ الْعُرَاةُ الَّذِينَ فِي مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ فَإِنَّهُمْ الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يَسْبَحُ فِي النَّهَرِ وَيُلْقَمُ الْحَجَرَ فَإِنَّهُ آكِلُ الرِّبَا وَأَمَّا الرَّجُلُ الْكَرِيهُ الْمَرْآةِ الَّذِي عِنْدَ النَّارِ يَحُشُّهَا وَيَسْعَى حَوْلَهَا فَإِنَّهُ مَالِكٌ خَازِنُ جَهَنَّمَ وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّا الْوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ قَالَ فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ وَأَمَّا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنًا وَشَطْرٌ قَبِيحًا فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُمْ . رواه البخاري برقم 6525
الشيخ وليد الفريان



الحكمة من إخفاء عذاب القبر عن البشر
سؤال:
هل عذاب القبر من أمور الغيب أو من أمور الشهادة ؟ وما هي الحكمة من جعله من أمور الغيب ؟. :

الجواب
الحمد لله
قال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله :
" عذاب القبر من أمور الغيب ، وكم من إنسان في هذه المقابر يعذب ونحن لا نشعر به ، وكم جار له منعم مفتوح له باب إلى الجنة ونحن لا نشعر به، فما تحت القبور لا يعلمه إلا علام الغيوب ، فشأن عذاب القبر من أمور الغيب ، ولولا الوحي الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام ، ما علمنا عنه شيئاً ، ولهذا لما دخلت امرأة يهودية إلى عائشة وأخبرتها أن الميت يعذب في قبره فزعت حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم ، وأخبرته وأقر ذلك عليه الصلاة والسلام ، ولكن قد يُطلِعُ الله تعالى عليه من شاء من عباده ، مثل ما أطلع نبيه صلى الله عليه وسلم على الرجلين اللذين يعذبان ، أحدهما يمشي بالنميمة ، والآخر لا يستنزه من البول .
والحكمة من جعله من أمور الغيب هي:
أولاً : أن الله – سبحانه وتعالى – أرحم الراحمين فلو كنا نطلع على عذاب القبور لتنكد عيشنا، لأن الإنسان إذا اطّلِع على أن أباه ، أو أخاه ، أو ابنه ، أو زوجه ، أو قريبه يعذب في القبر ولا يستطيع فكاكه ، فإنه يقلق ولا يستريح . وهذه من نعمة الله سبحانه .
ثانياً : أنه فضيحة للميت فلو كان هذا الميت قد ستر الله عليه ولم نعلم عن ذنوبه بينه وبين ربه عز وجل ثم مات وأطلعنا الله على عذابه ، صار في ذلك فضيحة عظيمة له ففي ستره رحمة من الله بالميت .
ثالثاً : أنه قد يصعب على الإنسان دفن الميت كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام : " لولا ألا تدافنوا لسألت الله أن يسمعكم من عذاب القبر" رواه مسلم 2868 .
ففيه أن الدفن ربما يصعب ويشق ولا ينقاد الناس لذلك ، وإن كان من يستحق عذاب القبر عذب ولو على سطح الأرض ، لكن قد يتوهم الناس أن العذاب لا يكون إلا في حال الدفن فلا يدفن بعضهم بعضاً.
رابعاً: أنه لو كان ظاهراً لم يكن للإيمان به مزية لأنه يكون مشاهداً لا يمكن إنكاره ، ثم إنه قد يحمل الناس على أن يؤمنوا كلهم لقوله تعالى : ( فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده ) غافر / 84 ، فإذا رأى الناس هؤلاء المدفونين وسمعوهم يتصارخون آمنوا وما كفر أحد لأنه أيقن بالعذاب ، ورآه رأي العين فكأنه نزل به .
وحِكَم الله سبحانه وتعالى عظيمة ، والإنسان المؤمن حقيقة هو الذي يجزم بخبر الله أكثر مما يجزم بما شاهده بعينه ؛ لأن خبر الله عز وجل لا يتطرق إليه احتمال الوهم ولا الكذب ، وما تراه بعينيك يمكن أن تتوهم فيه ، فكم من إنسان شهد أنه رأى الهلال، وإذا هي نجمة ، وكم من إنسان شهد أنه رأى الهلال وإذا هي شعرة بيضاء على حاجبه وهذا وهم ، وكم من إنسان يرى شبحاً ويقول:هذا إنسان مقبل، وإذا هو جذع نخلة ، وكم من إنسان يرى الساكن متحركاً والمتحرك ساكناً ، لكن خبر الله لا يتطرق إليه الاحتمال أبداً.
نسأل الله لنا ولكم الثبات ، فخبر الله بهذه الأمور أقوى من المشاهدة ، مع ما في الستر من المصالح العظيمة للخلق . والله أعلم ."
مجموع فتاوى الشيخ بن عثيمين رحمه الله 2/32 .



أسباب عذاب القبر
سؤال:
أريد أن أسأل عن الذنوب التي يعذب من فعلها عليها في القبر .
الجواب:
الحمد لله
الأسباب التي يعذب بها أصحابها في القبور كثيرة ، وقد جمعها ابن القيم رحمه الله فقال : " وقد يتساءل البعض عن " الأسباب التي يُعذب بها أصحاب القبور ؟
وجوابها من وجهين :

مجمل ومفصل :
أما المجمل فإنهم يعذبون على جهلهم بالله وإضاعتهم لأمره ، وارتكابهم لمعاصيه ، فلا يُعذب الله روحاً عرفته وأحبته وامتثلت أمره واجتنبت نهيه ، ولا بدناً كانت فيه أبدا ؛
فإن عذاب القبر وعذاب الآخرة أثرُ غضبِ الله وسخطه على عبده ، فمن أغضب الله وأسخطه في هذه الدار ثم لم يتب ومات على ذلك كان له من عذاب البرزخ بقدر غضب الله وسخطه عليه ، فمستقل ومستكثر ، ومصدق ومكذب .
وأما الجواب المفصل : فقد أخبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الرجلين الذين رآهما يعذبان في قبورهما ، يمشى أحدهما بالنميمة بين الناس ، ويترك الآخر الاستبراء من البول ، فهذا ترك الطهارة الواجبة ، وذلك ارتكب السبب الموقع للعداوة بين الناس بلسانه وإن كان صادقا ..
وفي هذا تنبيه على أن الموقع بينهم العداوة بالكذب والزور والبهتان أعظم عذابا ..
كما أن في ترك الاستبراء من البول تنبيها على أن من ترك الصلاة التي الاستبراء من البول بعض واجباتها وشروطها فهو أشد عذابا ، وفي حديث شعبة : ( أما أحدهما فكان يأكل لحوم الناس )
فهذا مغتاب ، وذلك نمام .
وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه في الذي ضُرب سوطا امتلأ القبر عليه به ناراً ، لكونه صلى صلاة واحدة بغير طهور ، ومر على مظلوم فلم ينصره .
وفي حديث سمرة في صحيح البخاري في تعذيب من يكذب الكذبة فتبلغ الآفاق ..
وتعذيب من يقرأ القرآن ثم ينام عنه بالليل ولا يعمل به بالنهار ..
وتعذيب الزناة والزواني ..
وتعذيب آكل الربا كما شاهدهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في البرزخ .
وفي حديث أبى هريرة رضي الله عنه الذي فيه رضخ رؤوس أقوام بالصخر لتثاقل رؤوسهم عن الصلاة ..
والذين يسرحون بين الضريع والزقوم لتركهم زكاة أموالهم ..
والذين يأكلون اللحم المنتن الخبيث لزناهم ..
والذين تقرض شفاههم بمقاريض من حديد لقيامهم في الفتن بالكلام والخطب ..
وفي حديث أبى سعيد عقوبة أرباب تلك الجرائم ، فمنهم من بطونهم أمثال البيوت وهم أكلة الربا ..
ومنهم من تفتح أفواههم فيلقمون الجمر حتى يخرج من أسافلهم وهم أكلة أموال اليتامى ..
ومنهم المعلقات بثديهن وهن الزوانى .
ومنهم من تقطع جنوبهم ويطعمون لحومهم وهم المغتابون ..
ومنهم من لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم وهم الذين يقعون في أعراض الناس ..
وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن صاحب الشملة التي غلها من المغنم أنها تشتعل ناراً في قبره ، هذا وله فيها حق ، فكيف بمن ظلم غيره ما لا حق له فيه .
فعذاب القبر عن معاصي القلب والعين والأذن والفم واللسان والبطن والفرج واليد والرجل والبدن كله :
فالنمام والكذاب والمغتاب وشاهد الزور وقاذف المحصن والموضع في الفتنة والداعي إلى البدعة والقائل على الله ورسوله ما لا علم له به والمجازف في كلامه .
وآكل الربا وآكل أموال اليتامى وآكل السحت من الرشوة ونحوها .
وآكل مال أخيه المسلم بغير حق أو مال المعاهد وشارب المسكر .
والزاني واللوطي والسارق والخائن والغادر والمخادع والماكر .
وآخذ الربا ومعطيه وكاتبه وشاهداه ، والمحلل والمحلل له والمحتال على إسقاط فرائض الله وارتكاب محارمه .
ومؤذي المسلمين ومتتبع عوراتهم .
والحاكم بغير ما أنزل الله والمفتي بغير ما شرعه الله والمعين على الإثم والعدوان .
وقاتل النفس التي حرم الله ، والملحد في حَرَم الله ، والمعطل لحقائق أسماء الله وصفاته الملحد فيها ..
والمقدم رأيه وذوقه وسياسته على سنة رسول الله .
والنائحة والمستمع إليها ، ونواحو جهنم وهم المغنون الغناء الذي حرمه الله ورسوله والمستمع إليهم .. والذين يبنون المساجد على القبور ويوقدون عليها القناديل والسرج ، والمطففون في استيفاء ما لهم إذا أخذوه وهضم ما عليهم إذا بذلوه .
والجبارون والمتكبرون والمراءون والهمازون واللمازون والطاعنون على السلف .
والذين يأتون الكهنة والمنجمين والعرافين فيسألونهم ويصدقونهم .
وأعوان الظلمة الذين قد باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم .
والذي إذا خوفته بالله وذكرته به لم يرعو ولم ينزجر , فإذا خوفته بمخلوق مثله خاف وارعوى وكف عما هو فيه .
والذى يُهدَى بكلام الله ورسوله فلا يهتدي ولا يرفع به رأسا , فإذا بلغه عمن يحسن به الظن ممن يصيب ويخطئ عض عليه بالنواجذ ولم يخالفه .
والذي يقرأ عليه القرآن فلا يؤثر فيه وربما استثقل به فإذا سمع قرآن الشيطان ورقية الزنا ومادة النفاق طاب سره وتواجد وهاج من قلبه دواعي الطرب وود أن المغنى لا يسكت .
والذي يحلف بالله ويكذب فإذا حلف بشيخه أو قريبه أو حياة من يحبه ويعظمه من المخلوقين لم يكذب ولو هدد وعوقب .
والذي يفتخر بالمعصية ويتكثر بها بين إخوانه وأضرابه وهو المجاهر .
والذي لا تأمنه على مالك وحرمتك , والفاحش اللسان البذيء الذي تركه الخلق اتقاء شره وفحشه .
والذي يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها وينقرها ولا يذكر الله فيها إلا قليلا , ولا يؤدى زكاة ماله طيبة بها نفسه , ولا يحج مع قدرته على الحج ولا يؤدى ما عليه من الحقوق مع قدرته عليها .
والذي لا يتورع في نظره ولا لفظه ولا أكله ولا خطوه ولا يبالي بما حصل من المال من حلال أو حرام .
ولا يصل رحمه ولا يرحم المسكين ولا الأرملة ولا اليتيم ولا الحيوان البهيم , بل يَدُعُّ اليتيم ، ولا يحض على طعام المسكين ، ويرائي للعالمين ، ويمنع الماعون ، ويشتغل بعيوب الناس عن عيبه , وبذنوبهم عن ذنبه .
فكل هؤلاء وأمثالهم يعذبون في قبورهم بهذه الجرائم بحسب كثرتها وقلتها وصغيرها وكبيرها .
ولما كان أكثر الناس كذلك كان أكثر أصحاب القبور معذبين والفائز منهم قليل .
فظواهر القبور تراب وبواطنها حسرات وعذاب .
ظواهرها بالتراب والحجارة المنقوشة مبنيات .
وفي باطنها الدواهى والبليات ، تغلى بالحسرات كما تغلي القدور بما فيها ، ويحق لها وقد حيل بينها وبين شهواتها وأمانيها .
تالله لقد وَعَظَت فما تركت لواعظ مقالا .
ونادت : يا عمار الدنيا ، لقد عمرتم دارا موشكة بكم زوالا ، وخربتم دارا أنتم مسرعون إليها انتقالا .
عمرتم بيوتا لغيركم منافعُها وسكناها ، وخربتم بيوتا ليس لكم مساكن سواها .
هذه دار الاستباق ومستودع الأعمال وبذر الزرع ، وهذه محل للعبر ، رياض من رياض الجنة ، أو حفر من حفر النار .." انتهى من كتاب الروح (95) بتصرف يسير .
الإسلام سؤال وجواب



"أسئلة القبر الثلاثة
سؤال:
ما هي الأسئلة التي يواجهها الإنسان في القبر والتي نتعوذ منها ؟.
الجواب:
الحمد لله
أولاً :
إذا مات ابن آدم وخرجت روحه ووضع في قبره فإنه عندئذٍ سيكون في أول مراحل الآخرة لأن القبر هو أول منزل من منازل الآخرة .
عن هانئ مولى عثمان بن عفان قال : كان عثمان بن عفان إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته فيقال له : قد تَذكر الجنَّةَ والنَّار فلا تبكي وتبكي مِن هذا ؟ فيقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن القبر أول منازل الآخرة فإن نجا منه فما بعده أيسر منه وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه "، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما رأيت منظرا إلا والقبر أفظع منه " . رواه الترمذي ( 2308 ) وابن ماجه ( 4567 ) . وحسَّنه الألباني في " صحيح الجامع " ( 1684 )

ثانياً :
يأتيه الملكان الموكلان به يسألانه عما كان يؤمن به في الدنيا عن ربه وعن دينه وعن نبيِّه ، فإن أجابهم بخيرٍ فذلك خيرٌ ، وإن لم يجبهم فإنهم يضربونه ضرباً شديداً أليماً .
وإن كان من أهل الصلاح جاءه ملائكة بيض الوجوه ، وإن كان من أهل الفساد جاءه ملائكة سود الوجوه ، وهذه هي فتنته التي يُفتن بها .
عن عائشة أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : " اللهمَّ إنِّي أعوذ بك من الكسل والهرم والمغرم والمأثم ، اللهمَّ إني أعوذ بك من عذاب النار وفتنة النار ، وفتنة القبر وعذاب القبر وشر فتنة الغنى وشر فتنة الفقر ومن شر فتنة المسيح الدجال ، اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد ونق قلبي من الخطايا كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب " .
رواه البخاري ( 6014 ) .
قال ابن حجر:
قوله : " ومن فتنة القبر " هي سؤال الملكين .
" فتح الباري " ( 11 / 177 ) .
وقال المباركفوري :
" وفتنة القبر " أي : التحير في جواب الملكين .
" تحفة الأحوذي " ( 9 / 328 ) .

ثالثاً :
أمَّا ما هو السؤال الذي تسأله الملائكة في القبر فهو مبين في الحديث الآتي :
عن البراء رضي الله عنه قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطير وفي يده عود ينكت به فرفع رأسه فقال : استعيذوا بالله من عذاب القبر ، ثلاث مرات ، - أو مرتين - ثم قال : إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا و إقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس حتى يجلسون منه مد البصر معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة يجيء ملك الموت فيقعد عند رأسه فيقول أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فإذا أخذوها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط فيخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض فيصعدون فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا : ما هذا الروح الطيب ؟ فيقولون: هذا فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا فيستفتح فيفتح لهم فيستقبله من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهي به إلى السماء السابعة ، قال : فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين في السماء السابعة وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيُجلسانه فيقولان له : من ربك ؟ فيقول : ربي الله ، فيقولان له : ما دينك ؟ فيقول : ديني الإسلام فيقولان له : ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ فيقول : هو رسول الله صلى الله عليه وسلم . فيقولان : ما عملك ؟ فيقول : قرأت كتاب الله وآمنت به وصدقت به فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة فيأتيه من طيبها وروحها ويفسح له في قبره مد بصره ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول : أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد ، فيقول : ومن أنت ؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير فيقول : أنا عملك الصالح ، فيقول: رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي . وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح حتى يجلسون منه مد البصر ثم قال : ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول : يا أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط الله وغضبه قال : فتفرق في جسده ، قال : فتخرج فينقطع معها العروق والعصب كما تنزع السفود من الصوف المبلول فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في تلك المُسوح فيخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على ظهر الأرض فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا : ما هذا الروح الخبيث ؟ فيقولون : فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهي به إلى سماء الدنيا فيستفتحون فلا يفتح له ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط } ( الأعراف / 40 ) ، قال : فيقول الله عز وجل : اكتبوا كتاب عبدي في سجين في الأرض السفلى وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى فتطرح روحه طرحا وقال ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : { ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق } ( الحج / 31 ) ، قال : فيعاد روحه في جسده ويأتيه الملكان فيجلسانه فيقولان له : من ربك ؟ فيقول : هاه هاه لا أدري ، فيقولان له : وما دينك ؟ فيقول : هاه هاه لا أدري ، قال : فينادي مناد من السماء أفرشوا له من النار وألبسوه من النار وافتحوا له بابا إلى النار . قال : فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف عليه أضلاعه ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول : أبشر بالذي يسوؤك هذا يومك الذي كنت توعد ، فيقول : من أنت ؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر ، فيقول : أنا عملك الخبيث ، فيقول : رب لا تقم الساعة رب لا تقم الساعة ".
رواه أبو داود ( 4753 ) وأحمد – واللفظ له – ( 18063 ) .
صححه الألباني في " صحيح الجامع " ( 1676 ) .
فالصحيح أن الملكين لا يسألان الميت في قبره إلا عن أمور التوحيد والعقيدة ، وهو واضح بيِّن .
والله أعلم .



شدائد القبر تكفّر عن المؤمن من سيئاته
السؤال :
هل يستفيد المسلم من فتنة القبر بتخفيف سيئاته أو محوها ؟.

الجواب :
من فضل الله تعالى على هذه الأمة أن جعل قبل الحساب مكفِّرات لذنوبها ، وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله عشرة مكفِّرات ، ومنها : عذاب القبر . قال رحمه الله :
ما يحصل للمؤمن في الدنيا والبرزخ والقيامة من الألم التي هي عذاب : فإن ذلك يُكفِّر الله به خطاياه ، كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا حزَن ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفَّر الله به من خطاياه .
" مجموع الفتاوى " ( 24 / 375 ) .
قال رحمه الله :
السبب الثامن : ما يحصل في القبر من الفتنة والضغطة والروعة ، فإن هذا مما يكفّر به الخطايا . " مجموع الفتاوى " ( 7 / 500 ) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضا في " منهاج السنَّة " ( 6 / 238 ) أن مما يكفِّر السيئات : ما يُبتلى به المؤمن في قبره من الضغطة ، وفتنة الملَكين . والله تعالى أعلم .
الشيخ محمد صالح المنجد



القبر ليس هو المثوى الأخير
سؤال:
يكثر في الصحف والأخبار قول إذا مات شخص ودفن ، يقولون : انتقل إلى مثواه الأخير . فهل القبر هو المثوى الأخير ؟.

الجواب:
الحمد لله
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في "تفسير جزء عم" (ص 117) :
القبور ليست آخر المنازل ، بل هي مرحلة ، سمع أعرابي رجلاً يقرأ قول الله تعالى : ( أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ) التكاثر/1-2 . فقال الأعرابي : والله ما الزائر بمقيم .
فالأعرابي بفطرته عرف أن وراء هذه القبور شيئاً يكون المصير إليه ، لأنه كما هو معلوم الزائر يزور ويمشي ، وبه نعرف أن ما نقرؤه في الجرائد "فلان توفي ثم نقلوه إلى مثواه الأخير" أن هذه الكلمة غلط كبير ، ومدلولها كفر بالله عز وجل ، وكفر باليوم الآخر ، لأنك إذا جعلت القبر هو المثوى الأخير فهذا يعني أنه ليس بعده شيء ، والذي يرى أن القبر هو المثوى الأخير وليس بعده مثوى كافر ، فالمثوى الأخير إما جنة وإما نار اهـ .
الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في "تفسير جزء عم" (ص 117)



ما حالُ الطفلِ الذي لم يبلغْ في قبرِه إذا مات ؟
سؤال:
إذا ماتَ صبيٌّ صغيرٌ لم يصِل إلى سِنِّ التكليفِ ، أي أنَّ عمرَه حوالي ما بين 10 إلى 11 سنةً ، ما هو مصيرُه في الحياةِ البرزخيةِ من النواحِي التاليةِ :
هل يتعرَّضُ لفتنةِ القبرِ ( سؤالِ منكَر ونكير ) ؟
هل يتعرَّض لعذابِ القبرِ ؟
هل بالفعلِ أنَّ هذا الطفلَ يشفعُ لأهلِه في دخولِ الجنةِ ؟
سمعتُ أنَّ نبيَّ اللهِ إبراهيمَ عليه السلام هو المسئولُ عن رعايةِ أطفالِ المسلمينَ الذين ماتوا في هذا السن ، والذي أعرفُه أنَّ سيدَنا إبراهيمَ موجودٌ في السماءِ السابعةِ ، فهل هذا يعني أنَّ الطفلَ الميِّتَ يعيشُ في السماءِ السابعةِ أم في القبرِ تحتَ الأرضِ ؟
وهل ضغطة القبرِ لا ينجو منها حتى الأطفالُ ؟.

الجواب:
الحمد لله
أولاً :
ضمَّةُ القبرِ هي أوَّلُ ما يلاقيه الميتُ حين يوضعُ في قبرِه ، وقد جاءَ في النصوصِ ما يدلُّ على أنَّها عامةٌ لكل من يوضعُ في القبرِ ، ولا ينجو منها أحدٌ ، واللهُ المستعان .
روى أحمد (6/55، 98) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إِنَّ لِلْقَبْرِ ضَغْطَةً ، فَلَو نَجَا أَو سَلِمَ أَحَدٌ مِنهَا لَنَجَا سَعدُ بنُ مُعاذ ) وقال الألباني في الصحيحة (1695) : وجملة القول أن الحديث بمجموع طرقه وشواهده صحيح بلا ريب ، فنسأل الله تعالى أن يهون علينا ضغطة القبر إنه نعم المجيب .
وعن أبي أيوب رضي الله عنه : أن صبيًا دُفنَ ، فقالَ صلى الله عليه وسلم : ( لَوْ أَفْلَتَ أَحَدٌ مِنْ ضَمَّةِ القَبْرِ لأَفْلَتَ هَذَا الصَبِيُّ ) رواه الطبراني المعجم الكبير (4/121) وصححه الهيثمي (3/47) ، والألباني في السلسلة الصحيحة (2164) .

ثانيًا :
اختلفَ العلماءُ في الأطفالِ ، هل يسألون في قبورِهم ؟ على قولَين :
القولُ الأولُ : أنَّهم يُسألون ، وهو قول ُبعضِ المالكيةِ وبعض الحنابلة ، واختاره القرطبيُّ ، واختارَه أيضاً شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية كما نقلَه عنه في الفروع .
انظر : "الفروع" (2/216) ، "شرح الزرقاني" (2/85) .
قال ابنُ القيِّمِ رحمه الله في "الروح" (87-88) :
" وحجةُ من قالَ إنَّهم يُسأَلون :
أنَّه يُشرَعُ الصلاةُ عليهم ، والدعاءُ لهم ، وسؤالُ اللهِ أن يقيَهم عذابَ القبرِ وفتنةَ القبرِ .
كما ذُكر عن أبي هريرة رضي الله عنه : أنَّه صلَّى على جنازةِ صبِيٍّ ، فسُمع مِن دُعائِه : اللهم قِهِ عذابَ القبرِ . رواه مالك (536) وابن أبي شيبة (6/105) .
واحتجُّوا بما رواه عليُّ بنُ معبد عن عائشةَ رضي الله عنها : أنَّه مُرَّ عليها بجنازة صبيٍّ صغيرٍ ، فبكت ، فقيلَ لها : ما يُبكيك يا أمَّ المؤمنين ؟ فقالت : هذا الصبيُّ ، بكيت له شفقةً عليه من ضمةِ القبرِ .
قالوا : واللهُ سبحانه يُكمِّل لهم عقولَهم ليعرِفوا بذلك منزلَهم ، ويُلهمون الجوابَ عما يُسأَلون عنه " انتهى .
القولُ الثاني : أنَّهم لا يُمتحنون ولا يُسأَلون في قبورِهم . وهو قولُ الشافعيةِ ، وبعضِ المالكية والحنابلة .
قالَ ابنُ مفلح في "الفروع" (2/216) :
" وهو قولُ القاضي ، وابنُ عقيل " انتهى .
أما حجَّةُ هذا القول ، فيوضِّحُها ابنُ القيم رحمه الله ، ويبدو أنَّه يميلُ إليها ، حيث يقولُ في "الروح" (87-88) :
" قالَ الآخرون :
السؤالُ إنَّما يكونُ لِمَن عَقَلَ الرسولَ والمرسِلَ ، فيُسأَل هل آمن بالرسولِ وأطاعَه أم لا ؟ فيُقال له : ما كنت تقولُ في هذا الرجلِ الذي بُعِثَ فيكم ؟
فأمَّا الطفلُ الذي لا تمييزَ له بوجهٍ ما ، فكيف يقالُ له : ما كنتَ تقولُ في هذا الرجلِ الذي بُعِثَ فيكم ؟ ولو رُدَّ إليه عقلُه في القبرِ , فإنَّه لا يُسأَل عمَّا لم يتمكن من معرفتِه والعلمِ به ، ولا فائدةَ في هذا السؤالِ .
وأما حديثُ أبي هريرة رضي الله عنه ، فليس المرادُ بعذابِ القبرِ فيه عقوبةَ الطفلِ على تركِ طاعةٍ أو فعلِ معصيةٍ قطعًا ، فإنَّ اللهَ لا يعذِّبُ أحدًا بلا ذنبٍ عمله .
بل عذابُ القبرِ : قد يُرادُ به الألمُ الذي يحصل للميتِ بسببٍ غيرِه ، وإن لم يكن عقوبةً على عَمَلٍ عَمِلَه ، ومنه قولُه صلى الله عليه وسلم : ( إنَّ الميتَ ليعذبُ ببكاءِ أهلِه عليه ) أي : يتألَّمُ بذلك ويتوجَّعُ منه ، لا أنّه يعاقَبُ بذنبِ الحيِّ .
ولا ريبَ أن في القبرِ من الآلامِ والهمومِ والحسراتِ ما قد يسرى أثرُه إلى الطفل ، فيتألَّمُ به ، فيُشرَعُ للمصلي عليه أن يسألَ اللهَ تعالى له أن يقيَه ذلك العذابَ ، والله أعلم " انتهى .

ثالثاً :
أما عن مكانِ من تُوُفِّيَ من الأطفالِ ، هل هم في السماءِ السابعةِ مع إبراهيمَ عليه السلام ، أم في قبورِهِم ؟
فالذي ورد في ذلك حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه قال : كانَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِمَّا يُكثِرُ أن يَقُولَ لأَصحَابِهِ : هَل رَأَى أَحَدٌ مِنكُم مِن رُؤيَا ؟
قالَ : فَيَقُصُّ عَلَيه مَنْ شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُصَّ .
وَإِنَّه قَالَ ذَاتَ غَدَاةٍ : إِنَّه أَتَانِي الليلَةَ آتِيَانِ ، وَإِنَّهما ابتَعَثَانِي ، وَإِنَّهُما قَالا لِي : انطَلِق ، وَإِنِّي انطَلَقتُ مَعَهُمَا . . . فذكر أشياء رآها ثم قال :
فانطَلَقنَا ، فَأتَينَا عَلَى رَوضَةٍ مُعتَمَّةٍ ، فِيهَا مِن كُلِّ لَونِ الرَّبِيعِ ، وَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَي الرَّوضَةِ رَجُلٌ طَويلٌ لا أَكادُ أَرَى رَأسَهُ طُولًا فِي السَّماءِ ، وإِذَا حَولَ الرَّجُلِ مِن أَكثَرِ وِلدَانٍ رَأيتُهم قَطُّ ، . . . ثم كان مما عبره له الملكان :
وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّويلُ الذي فِي الرَّوضَةِ فَإِنَّه إبراهيمُ ، وَأَمَّا الوِلدَانُ الذِينَ حَولَه فَكُلُّ مَولُودٍ مَاتَ عَلَى الفِطْرَةِ ، فَقَالَ بَعضُ المُسلِمِين : يَا رَسُولَ اللهِ وَأَوْلادُ المُشْرِكِين ؟ فَقَالَ : وَأَوْلادُ المُشرِكِين . رواه البخاري (7047) .
فهذا الحديث يدل على أن من مات وهو قبل البلوغ يكون في الجنة في كفالة إبراهيم عليه السلام ، لا أنه يكون في السماء السابعة .
وانظر : "شرح مسلم للنووي" حديث رقم (2658) .

رابعاً :
جاءت الأحاديث المتكاثرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في شفاعة الصبيان في آبائهم يوم القيامة ، ومن ذلك :
عن أبي حسان قال : قلتُ لأَبِي هُرَيْرَةَ : إنَّه قَدْ مَاتَ لِي ابنانِ ، فَمَا أَنْتَ مُحَدِّثِي عَنْ رَسُولِ اللهِ بِحَدِيْثٍ تُطَيِّبُ بِهِ أَنْفُسَنَا عَنْ مَوْتَانَا ؟
قالَ : نَعَمْ ، صِغَارُهُم دَعَامِيْصُ الجَنَّةِ ، يَتَلَقَّى أَحَدُهُم أَبَاهُ - أَوْ قَالَ أَبَوَيْهِ - فَيَأْخُذُ بِثَوْبِهِ ، - أَوْ قَالَ بِيَدِهِ - كَمَا آخُذُ أَنَا بِصَنَفَةِ ثَوْبِكَ هذا ، فَلا يَتَنَاهَى حتى يُدخِلَه اللهُ وَأَبَاهُ الجَنَّةَ . رواه مسلم (2635) .
والله أعلم .


المصدر
الإسلام سؤال وجواب




آخر تعديل صمت { البوح..} يوم 25-03-2008 في 11:17 AM.
رد مع اقتباس