من المسلمين من لا يتورع عن الحديث في المجالس ، واللقاءات الخاصة والعامة والإذاعات ، والفضائيات إذا أتيحتله الفرصة في الحديث ، فهو مبتلى بشهوة الكلام في السياسة والاقتصاد والفلسفة والآداب ، أما الفتوى الشرعية فهو أسرع إليها من الماء المتدفق من أعلى جبل لأسفله ، وهذه بلوى اصيبت بها الأمة الإسلامية في السنوات الأخيرة ، منذ أن أصبح هم وسائل الإعلام أن تملأ " فراغ " أربع وعشرين سنة بكل ما هب ولم يهب ، ودب ولم يدب من الأقوال والأفعال التي يقل فيها الحق ، ويكثر فيها الباطل.
رجال مسلمون ونساء مسلمات يتكلمون بكلام لو كان بإمكان عباراته أن تبرأ مكنهم لتبرأت ، ومع ذلك فهم يتكلمون ، وهن يتكلمن ، وعامة المسلمين " المستمعين والمشاهدين والقارئين " يعانون هذا الهذر الذي لا ينقطع ، وهذا الغذاء الذي يتكاثف ، وهذا الزبد الذي يعلو ، صحيح أن الزبد يذهب جفاء كما قال الله عز وجل ولكن ضرورة علاج هذه الحالة مسؤولية مشتركة ، لأن المتحدثين أصبحوايرتكبون أخطاء جسيمة ، ويصادمون مشاعر الأمة مصادمة عنيفة ، ويؤيدون الباطل وأهله تأييداً مؤذياً ، قال لي صاحبي : والله لقد شعرت بالغثيان من برنامج في قناة مفيدة بالوهم مع أنها تدعي أنها " حرة " يتحدث فيه دكتور مسلم ودكتورة مسلمة أحاديث لو سئل عنها مسؤول لأنكروها لما فيها من الباطل الذي لا يمكن أن يقبله عقل ، مهما كان صاحب العقل ظالماً معتدياً.
أين أثر هوية هذين المتحدثين الإسلامية ؟
أين أثر الشهادتين العلميتين اللتين يحملانهما؟
أين أثر الوعي الثقافي الذي يجعل صاحبه قادراً على تحديد معالم الخطأ والصواب؟
لقد تخيت أن وزيرة الخارجية الأمريكية ستقول لهما - لو سمعتهما - لا ، ليس إلى هذا الحد من التمجيد لنا بكلام لا يصدقه العقل ، ومن تبرئة ساحة المعتقل الرهيب الذي يتفق العالم كله على سوئه المطلق ، لأن للكلام حدوداً لا بد من الوقوف عندها.
قلت لصاحبي : هون عليك فهذه موجة إعلامية هادرة لا تحمل إلا الغثاء ، وإنما ألوم الإنسان المسلم الواعي الذي يخاف على مصيره في الآخرة قبل دنياه ، كيف يسمح لنفسه بالانحدار إلى هذا المستوى؟
ما أجمل السكوت إذا لم نستطع أن نقول خيراً ، أو أن ننطق بحق! وما أجدر كل مسلم ومسلمة أن يتورعوا عن إلقاء الكلام على عواهنه في المجالس العامة والخاصة ! إلا إذا كانوا على علم بقول كلمة صادقة ، يظهر فيها الحق ، ويتجلى فيها الصدق .
إنها دعوة إلى السكوت الذهبي الذي يسلم به الإنسان من عقاب ربه الذي قال : " ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد " .
ما أجمل السكوت لافتة يحسن بنا أن نعلقها في عنق كل ثرثار مهذار.
وفي الأحداث موعظة وذكرى يواجهها بحكمته الأريب