غرام
اكتب بريدك ثم اضغط على اشتراك ليصلك جديد غرام
بحث مخصص من محرك البحث العالمي قوقل للبحث في غرام
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 1
قديم(ـة) 31-03-2008, 02:26 PM
صورة مناف الجشعمي الرمزية
مناف الجشعمي مناف الجشعمي غير متصل
©؛°¨غرامي فعال ¨°؛©
 
الافتراضي السياسه والدين ايهما يقود الثاني


«السياسة والدين .. أيهما يقود الحياة؟».
أننا لا بد في البداية، إذا أردنا محاولة الإجابة على السؤال، أن نحدد مقصودنا بكل من مصطلحي «السياسة»،و«الدين».
ربما نستطيع أن نعرّف السياسة بأنها «رعاية شؤون المجتمع، ضمن حركة ذات خطة مدروسة مسبقة تضع في حسابها احتمالات المتغيرات، وتملك مرونة التكيف مع المتغيرات المحسوبة وغير المحسوبة، وتوظـّف الممكنات باتجاه تحقيق التطلعات، مستهدفة تحقيق أكبر قدر ممكن من المصالح، ودرء أكبر قدر ممكن من المفاسد للمجتمع، معتمدة الصدق والمبدئية والحكمة والواقعية».
أما الدين فلعلنا يمكن أن نعرّفه بأنه «منظومة العقائد والأخلاق والأحكام التي تحدد علاقة الإنسان بالله، وعلاقته على ضوء تلك العلاقة بأخيه الإنسان فردا ومجتمعا، وعلاقته بالطبيعة والكون، أو هو الرؤية التي تجيب الإنسان على أسئلته الثلاث الأساسية؛ من أين وجوده، إلى أين مآله، وأين يكون مساره بين تينك النقطتين، نقطتي المبدأ والمعاد».
هل إلهية الدين وبشرية السياسة تستلزم حاكمية الدين على السياسة؟
مقولة إلهية مصدر الدين، وبشرية مصدر السياسة، وأن الحقيقة الإلهية التي تصوغ الدين مطلقة وحق في كل الأحوال، بينما التجربة الإنسانية التي تصوغ السياسة نسبية، وبالتالي تحتمل الصواب والخطأ، والحق والباطل على حد سواء. وحيث أن اعتماد ما لا يحتمل الخطأ مقابل ما يحتمله هو أصلح للإنسان فردا ومجتمعا، دنيا وآخرة، لا سيما في القضايا الكبرى، وإن السياسة التي ترعى الشأن الاجتماعي لا بد أن تعتبر من القضايا الكبرى، لا بد على ضوء ذلك من أن يكون ما هو إلهي ومطلق ذا حاكمية على ما هو بشري ونسبي، ومن هنا لا بد من حاكمية الدين على السياسة؛ هو الذي يقودها، ويقومها، ويرسم لها طريق السير نحو مرضاة الخالق وسعادة المخلوق.
هذا الكلام يبدو في الوهلة الأولى للبعض أو لعله لكثيرين صحيحا وحقا بالضرورة، ولكن عندما نتأمله جيدا سنجد أن فيه الكثير من التبسيط والتجريد والمثالية المحلقة بعيدا فوق أرض الواقع، والكثير من الثغرات في الفهم والتفسير. فمن التبسيط والتجريد القول بإطلاقية الدين ونسبية السياسة. فالواقع أن كلا منهما؛ السياسة والدين على حد سواء نسبيان وبشريان. هذا ليس تجنيا على الحقيقة الإلهية التي لا بد لها وبضرورة العقل أن تكون مطلقة. نعم، الحقيقة الإلهية كحقيقة مجردة هي مطلقة بالبداهة، وحق لا يخالطه الباطل، وصواب إلهي لا يعكر صفوه الخطأ البشري. ولكن هذه الحقيقة نفسها هي - منظورا إليها من زاوية أخرى - نسبية. نسبيتها تتأى من حقيقة أنها مطلقة فقط بالنسبة لمن يؤمن بإطلاقيتها كحقيقة إلهية، والدليل على ذلك تعدد مصاديق هذه الحقيقة بتعدد العقائد والأديان والملل والفلسفات، فلا يمكن بالتالي اعتبار المتعدد غير المتطابق دائما كله حقا مطلقا، لأن الحق المطلق في كل شيء لا بد أن يكون واحدا، ولا يجوز بحال من الأحوال تعدده. وعلى فرض وحدة الحقيقة الإلهية من خلال وحدة العقيدة لشعب ما، فإن تعدد صور فهم هذه الحقيقة التي يفترض بها أنها مطلقة وواحدة؛ هذا التعدد في صور الفهم يجعل ما هو مطلق في عالم التجريد نسبيا في فهم الإنسان، فالحقيقة هنا إلهية مطلقة في عالم التجريد، لكنها بشرية ونسبية في واقع الحياة الإنسانية، باعتبار أن الإنسان مهما تزكى وتعلم، يبقى بنسبة ما ظلوما جهولا، فتحتم جهوليته وقوعه من الناحية النظرية في الخطأ حتى فهم ما هو مطلق وحق وصواب، كما وتحتم ظلوميته وازدواجيته وقوعه في خلل الأداء من الناحية التطبيقية. فالنسبية تتكرر مرتين؛ نسبية الفهم بسبب نسبية العلم والذكاء عند الإنسان، ونسبية الأداء بسبب الازدوجية والأهواء البشرية، فهي إما أزمة ثقافة ومعرفة، أو أزمة أخلاق وتقوى، اللتان تحولان حتى الدين على فرض مطلقيته إلى حقيقة نسبية في عالم الإنسان. إذن حتى عندما تكون الحقيقة بذاتها مقدسة، فإنها تفقد قدسيتها بتلوثها في عالم الإنسان، أي عندما تدخل في ذهنه فهما يستلزم القصور، وفي عاطفته هوى يستلزم التقصير، وفي حركته ممارسة تكون انعكاسا للقصور بنسبة ما من جراء جهله النسبي مهما عَلِم وتعلـّم، والتقصير بنسبة ما من جراء ظلمه النسبي مهما زكى وتزكى، وهذا ما يعرف بالزدواجية الملازمة بنسبة ما لمعظم أفراد النوع الإنساني، أو ما يعرف بالمسافة بين النظرية والتطبيق، وبين المثال والوقع.
صحة حاكمية الدين على السياسة
من زاوية ما يكون الجواب على السؤال صحيحا، أن الدين حاكم على السياسة، ولكن بشرط التقوى والعلم والصواب والعقلانية، وكل ذلك نسبي وغير مضمون التحقق بالدرجة التي تؤهل دين عالم الواقع لا عالم التجريد، والذي هو بالضرورة بشري الفهم والأداء، وبالتالي نسبي الفهم والأداء، أن يكون حاكما على الشأن الاجتماعي ألا هو شأن السياسة. وإذا قيل أن من يؤمن بالحقيقة الإلهية يحاول أن يصوغ سلوكه على ضوئها، لا بد أن يملك قسطا أكبر من صواب الفهم واستقامة الأداء، ممن لا يملك أي قسط من تلك الحقيقة، أو لا يلتزم بتبعات الإيمان بها. يجاب هنا بأن المشكلة تكمن أن الخطأ والخلل فيما يعتقد ببشريته يمكن بسهولة تشخيصه ونقده والدعوة إلى تصحيحه، بينما الخطأ والخلل فيما يعتقد بإلهيته تتسلط دعوى قدسيته ومطلقيته سيفا على من يشكل عليه من خلال ممارسة الإرهاب الفكري بإشهار تهمة التكفير المرعبة خاصة في المجتمعات ذات الميل الديني، حتى لو كان تكفيرا ضمنيا غير صريح، أو تكفيرا أو تفسيقا جزئيا، بالتلميح، وأحيانا التصريح بإخراج صاحب موقف الإشكال والنقد والمعارضة وحتى التساؤل إما من دائرة الإيمان، أو من دائرة التدين، أو من دائرة الانتماء إلى المذهب والطائفة، أو من صفة الإسلامية بالمصطلح السياسي، أو من صفة الأصالة والاستقامة أو غيرها. وهذه القداسة المدعاة تجعل محاولات الإصلاح شبه مستحيلة، وخير شاهد على هذا هو ممارسات إسلام السلطة عبر قرون طويلة من الزمن، كـُفـِّر فيها كل من خرج على السلطة، فالخارج على الخليفة خارج على الإسلام، وخارج على الله بالضرورة. دعوى القداسة ودعوى احتكار الحق والشرعية انتقلت في عصرنا، عصر ما سمي بـ (الصحوة الإسلامية) من موقع الخلافة (السلطة المستبدة باسم الدين) إلى موقع الحزب الإسلامي والقائد الإسلامي والمرجع أو الرمز الديني. وإضفاء هذه القداسة المبالغ بها ينعكس ضررا كبيرا على السياسة كشأن عام يهم كل أفراد ومكونات المجتمع، وينعكس قبل ذلك ضررا وإساءة وهدما للدين ونقائه وقيمه، إذ يدفع الدين ضريبة خطأ الفهم وخلل الأداء للمُضفين على أنفسهم قدسية الدين اشتباها في أحسن الأحوال أو كذبا في أسوئها، وما أكثر الثانية. من هنا نجد مشكلة كبيرة في منح الدين، وأعني الدين في فهم المتدينين، لا في عالم التجريد، دور الحاكمية على الشأن السياسي، والقيادة له. دون أن يعني ذلك الدعوة إلى منع أي تأثير للدين في الشأن السياسي، بل الدين ضروري للسياسة، إذا كان يعني إضفاء شيء من روحانية ونقاء وصدق وإنسانية الدين على الحياة السياسية لتنقى من كل تلوثاتها، أما أن يتلوث الدين بها، فالكارثة مزدوجة على السياسة وعلى الدين، وبالتالي على الصالح العام للأمة.
صحة حاكمية السياسة على الدين
ومن زاوية أخرى يكون الجواب على السؤال صحيحا، أن السياسة باعتبارها تمثل شأنا اجتماعيا والجامع للمجتمع، حاكمة على الدين، باعتباره شأنا شخصيا يتفاوت الأفراد وتتفاوت المجموعات في مدى وصور الإيمان به، وفي مدى وصور الالتزام بأحكامه. ولكن حاكمية السياسة على الدين لا بد أن تكون مشروطة بشرط الديمقراطية. ولكن حتى الديمقراطية نسبية الفهم والأداء، وبالتالي يكون هنا الإشكال على جواز حاكمية ما هو قطعي النسبية والبشرية، على ما هو – في أقل التقديرات - ظني المطلقية والإلهية، وهذا الإشكال صحيح، إلا إذا قلنا أن الحاكمية إنما تتخذ مشروعيتها من خلال الديمقراطية، وبمقدار ما تفرضه الديمقراطية، باعتبارها العقد الاجتماعي الذي يجعل حتى الدين الالتزام به واجبا شرعيا على من يدين به، ذلك من خلال وجوب الالتزام بالعقود والمواثيق، ولكونها شرطا للسلام الاجتماعي، الذي يمثل فرضا دينيا، كقاعدة لا يطرأ عليها الاستثناء، إلا إذا كان الاستثناء يمثل الخيار الوحيد الذي لا خيار غيره في ظرف ما. ثم حاكمية السياسة كمشترك اجتماعي، على الدين كشأن شخصي، محدود فقط فيما له تأثير على الشأن الاجتماعي، ولا يمكن أن يكون مسموحا به خارج هذا الإطار، أي فيما يمثل شأنا شخصيا في تحديد الفرد لعلاقته بربه، أو تبنيه للعقيدة التي يختارها، ويلتزم بلوازمها، إلهية كانت أو بشرية. إذن إذا اعتبرنا الدين شأنا شخصيا، والسياسة شأنا اجتماعيا، وحيث أن المجتمع متعدد الفهم والقناعة والعقيدة والالتزام، لا يمكن تحكيم ما لا إجماع عليه، بل لا بد من البحث عما يمثل مساحة مشتركة، ألا هي السياسة بشرط الديمقراطية.
كل من مشكلة السياسة ومشكلة الدين
في كل من السياسة والدين ثمة مشكلة. وأعني هنا بالذات المشكلة الكامنة في كل من السياسة المنتزع منها روح الدين والأخلاق، وفي الدين المسيس. مشكلة السياسة فيما يفهمها أكثر الناس، لا فيما يجب أن تكون عليه، هي ما يسمى بالدهاء السياسي المقـترن بالمراوغة والخداع والكذب والزيف والمزايدات غير الصادقة والازدواجية. وشبهة وجوب اتصاف السياسة بهذه الصفات تمثل مبررا إضافيا لدعوة إبعاد الدين عن السياسة، كي لا يتلوث طهر ونقاء وسمو الدين بقذارة ووساخة ودناءة السياسة. أما مشكلة الدين، لا فيما هو، بل فيما هو فهم معظم المتدينين ومعظم من يُسمَّون بالإسلاميين من العاملين في سلك السياسة للدين؛ هذه المشكلة للدين تكون عندما يـُقحَم في السياسة أكثر مما تتحمله السياسة، وأكثر مما يتحمله الدين، وذلك لقدرة الدين المسيس على ممارسة الإرهاب الفكري، من خلال دعوى إضفاء القداسة لا على الدين كدين، بل على حملته من السياسيين، رغم أن معظمهم لم يفلحوا في أن يحصنوا أنفسهم من التلوث بلوثات السياسة التي مر ذكرها. والمشكلة كل المشكلة تكمن عندما يضفي السياسي (المتدين) أو (الإسلامي) على كذبه وزيفه السياسي شرعية من خلال مفاهيم دينية مقلوبة، كالتقية، والتورية، وشرعية مقابلة المكر بالمكر، والمؤامرة بالمؤامرة، لا سيما إذا اقترن ذلك بمرض الاستغراق في نظرية المؤامرة وتعميمها وإطلاقها، وفهم كل آخر مختلف على أنه آخر متآمر، لا بد أن ترد مؤامرته بمؤامرة بالمقابل، وخير المؤامرة الوقائية هي المؤامرة الاستباقية، أو من خلال ما يدعي هذا السياسي (المتدين) أنه يمثل الحكمة والواقعية السياسيتين، فتتلاشى الخطوط الفاصلة بين الحكمة والكذب، وبين السكوت عن بعض القناعات، أو النطق بما يناقض القناعات الذاتية طمعا في كسب سياسي، وذلك كالتاجر الغشاش والمخادع، الذي يظن أن نجاحه التجاري الوهمي متوقف على إتقانه لفن الكذب والغش والخداع التجاري، فيستعجل هذا التاجر وذلك السياسي قطف الربح العاجل الزائل، التجاري هنا والسياسي هناك، مُفرِّطا بالربح الآجل الدائم، من خلال صدقه وأمانته. فالصدق الذي قال عنه أمير المؤمنين علي (ع) أنه رأس الدين، هو في نفس الوقت رأس السياسة، ورأس التجارة، ورأس المعاملة على جميع الصُعُد.
والمشكلة كل المشكلة تكون عندما تجتمع المفسدتان؛ لوثات السياسة ودعوى قداسة الدين المسيَّس؛ فهنا تكون الكارثة المزدوجة على السياسة وعلى الدين، والمفسدة الثانية أدهى وأكثر قدرة على الهدم والإفساد، فهي كارثة على مصالح الأمة، وعلى أخلاقها، وعلى عقيدتها، وقيمها، وعلى كل مفاصل حياتها، وعلى مستقبلها. ولا أغالي إذا قلت أن العلماني الصادق أشد إسلامية من الإسلامي الكاذب، وغير المتدين العادل أشد تدينا من المتدين الظالم، وإن لمن الإسلاميين من هم أشد على الإسلام من أشد الناس عداوة للإسلام، لأنهم قالوا فيه ما ليس منه، وذلك بتطرفهم ودعوى القداسة لأنفسهم ولأحزابهم ورموزهم وقادتهم ومراجعهم ورؤاهم السياسية، ولتحول الدين من رسالة إنسانية إلى عنصر من عناصر الذات، يُـتعصَّب له، كما يُـتعصَّب للقبيلة والعرق، عندما يتحولان إلى عنصر من عناصر الذات الفردية أو الجماعية. وإن الإسلامي المرن المعتدل هو الأشد إسلامية من الإسلامي المتشدد، لأن الإسلامي المتشدد في إسلاميته مع محيطه، إنما يتـشدد من حيث يشعر أو من حيث لا يشعر لذاته الفردية أو ذاته الجماعية على الإسلام، ولا يتـشدد للإسلام. ثم إن الإسلامي المرن والمعتدل إنما ينطلق في مرونته واعتداله من شدة ثـقـته بإسلامه، بينما المتـشدد إنما يتـشدد لتزعزع ثـقـته بإسلامه، أو هو يختزل إسلامه في شخصه أو حزبه أو ولائه أو فهمه، ويختزل زمن الرسالة والدعوة في عمره، لذا يستعجل قطف ثمار النصر، لأنه لا ينظر إلى الرسالة في مداها الزمني الحقيقي الممتد على ضوء حسابات الله عز وجل، وإنما في مدى عمره المحدود على ضوء حساباته المحدودة، وعصبياته المتصلبة، وأفقه الضيق، وهو غالبا عندما يدعو الآخرين إلى إسلامه، فليس من موقع حب الخير لهم، بمقدار عصبيته التي تجعله متأزما نفسيا تجاه كل من يختلف معه في القناعات والولاءات، التي غدت عناصر ذاتية لشخصه أكثر مما هي عناصر رسالية لمشروع الرسالة، مما يجعله يريد أن يصبغ الحياة كلها بألوان تلك العناصر، لعدم قدرته على رؤية لون غير لونه الفكري والولائي.
مدى شرعية إقصاء الدين عن السياسة
بقي هل يعني هذا كله إقرار وشرعنة الدعوة إلى إقصاء الدين والمتدينين عن الشأن السياسي؟ هذا أمر غير مقبول حتما، لأنه نقيض مبادئ الدين ونقيض مبادئ الديمقراطية التي هي شرط وأم السياسة بوجهها الإيجابي. بل الذي نحتاجه هو القيام بثورة ثقافية وإعادة صياغة شجاعة لثقافتنا الدينية وتنزيهها وتنقيتها من كل ما تلوثت به عبر التراكمات الثقافية الموروثة عبر قرون من الزمن من خلال صياغة هذه الثقافة على أيدي إسلام السلطة والتسلط، لا إسلام الدعوة والرسالة، إسلام الرحمة والعقلانية والوسطية والقيم الإنسانية.
ثم لنطرح نحن الإسلاميين السؤال الشجاع على أنفسنا، أي مبرر بقي لدينا في نعت أنفسنا بالإسلاميين، ما زلنا تخلينا عن هدف الدولة الإسلامية، ليس نزولا عند ضغوطات الأمر الواقع، بل لإيماننا أن الدولة الإنسانية التعددية هي أصلح للسياسة والمجتمع والدين. نعم ما زال لدينا مشروعنا الإسلامي لصياغة الحياة، ولكن على ضوء التزامنا بالتعددية الواسعة غير المضيقة، وغير المشروطة لا بشروطنا، ولا بشروط غيرنا، وبالديمقراطية، السياسية، والثقافية، والاجتماعية، والدينية. إذن يمكن القول ألا تناقض بين إسلامية الإسلامي وتدين المتدين وإيمان المؤمن من جهة، وبين قبوله الدولة العلمانية أو ربما دعوته إليها، إذا فهمت العلمانية لا على أنها خصومة – ولا أقول عداوة - مع الدين، بل عدم إقحام الدين إقحاما تعسفيا، لا سيما إقحام دين الناس بشكله، لا دين الله بجوهره، لنسبية دين الناس وتلوثه بدنياهم، ويبقى غير الملوث والمنزه تماما هو دين الله في عالم التجريد، وهذا ما لا يحق لأي أحد دعوى احتكار امتلاك مفاتحه وأسراره. هذا لا يعني أني من دعاة الدولة العلمانية، بمعنى إقامة ديمقراطية مشروطة دستوريا بشرط العلمانية، بل إني من دعاة الدولة المحايدة أي غير المؤدلجة دستوريا، والتي تسمح بالتأدلج برلمانيا وحكوميا بمقدار ما تقرره الأكثرية ودون تحويل الأدلجة من متغير برلماني/ حكومي، إلى ثابت دستوري، وبشرط قبول أدلجة المتغير بكل الاتجاهات التي تختارها الأكثرية، علمانية كانت أو إسلامية، وما مبدأ التداول السلمي للسلطة كشرط أساس من شروط الديمقراطية إلا القول بقبول أدلجة المتغير (البرلمان – الحكومة – القانون) ورفض أدلجة الثابت (الدولة – الدستور)؛ هذا بلحاظ مراعاة حقيقة أن الثابت إنما هو ثابت نسبي، كما وأن المتغير هو متغير نسبي.
عدم التدخل المتبادل بشأن الآخر
خلاصة فهمي لهذا السؤال هو عدم قيادة السياسة للدين، إلا بمقدار ضبط حركة الدين قانونيا ديمقراطيا كي لا يقحم في السياسة بالمقدار الذي يربك السياسة كشان عام، وعدم قيادة الدين للسياسة، إلا بمقدار ضبط حركة السياسة قانونيا وديمقراطيا كي لا تقحم في الدين بالمقدار الذي يربك الدين كحق أساس من حقوق المواطنة في الدولة الديمقراطية، والتي من لوازها حرية الاعتقاد بأي دين أو فلسفة، وحرية الدعوة إلى أي دين أو فلسفة، وحرية ممارسة الطقوس والشعائر الدينية؛ هذه الحرية التي كنت أتمنى أن تقنن دستوريا بشرط ألا تتعارض مع الصالح العام، ومع الذوق العام، ومع لوائح حقوق الإنسان، بما في ذلك مع قوانين رعاية الطفولة وغيرها.
التدخل المشروط
ولكن من زاوية أخرى يمكن أن أتبنى مقولة أن الدين – إمكانا وجوازا، لا لزوما ووجوبا، وطوعا واختيارا، لا كرها وإجبارا - هو الذي يقود السياسة، وهو الحاكم عليها. وهذا كما سأوضح مبدأ من مبادئ الديمقراطية إذا ما فهمناه ومارسناه بشكل صحيح. ولكن مبدأ حاكمية الدين على السياسة مبدأ خاص ونسبي، وليس مبدأ عاما ومطلقا. وأعني بذلك بأنه حاكم نسبة لمن يؤمن بحاكميته، دون جواز تعميم الإلزام على الأمة، إلا بمقدار ما تقرره أكثرية الأمة ديمقراطيا، وبشرط عدم الخلط بين الثابت والمتغير من عناصر الدولة كما مر. هذه الحاكمية النسبية مبنية على قاعدة الإلزام الصادقية، أي أن يُلزَم كلٌ بما ألزم به هو نفسه، أو ما يمكن أن نستوحي منه ما يناسب موضوعنا من مبدأ حق التزام كل بما يلزم به نفسه، دون فرض التزاماته على عموم الأمة، إلا بمقدار ما يمارس من دعوة بالحكمة والموعظة الحسنة وترويج لأفكاره بالأساليب الديمقراطية السلمية العصرية. وهذا لا يختلف عما يقوم به غيره من أصحاب العقائد الأخرى، أو الإيديولوجيات السياسية الأخرى، وحتى أصحاب الفلسفات المادية على ضوء القاعدة الأخلاقية بوجوب معاملة الآخر بما يحب كل أن يعامل به. وهنا تكمن شبهة عند الكثير من الإسلاميين، حيث يتصور هؤلاء أن ما يجب عليهم الالتزام به من خلال قاعدة «وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم» وقاعدة «وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا»، وبين شبهة التكليف الشرعي الواقع عليهم في إلزام الأمة بما التزموا به، غافلين عن قاعدة «لا إكره في الدين»، وقاعدة «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة»، وقاعدة «أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين»، وغيرها، أي عن قاعدة الموازنة بين الصلابة مع الذات، والمرونة مع الآخر، أو لنسمها الأصولية مع الذات، والليبرالية مع الآخر، وهي قاعدة الإلزام العقلانية والعادلة التي أسسها الصادق عليه السلام.

  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 2
قديم(ـة) 31-03-2008, 02:37 PM
lovewave lovewave غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد : السياسه والدين ايهما يقود الثاني


اقتباس:
المشاركة الأساسية كتبها مناف الجشعمي مشاهدة المشاركة
«السياسة والدين .. أيهما يقود الحياة؟».
أننا لا بد في البداية، إذا أردنا محاولة الإجابة على السؤال، أن نحدد مقصودنا بكل من مصطلحي «السياسة»،و«الدين».
ربما نستطيع أن نعرّف السياسة بأنها «رعاية شؤون المجتمع، ضمن حركة ذات خطة مدروسة مسبقة تضع في حسابها احتمالات المتغيرات، وتملك مرونة التكيف مع المتغيرات المحسوبة وغير المحسوبة، وتوظـّف الممكنات باتجاه تحقيق التطلعات، مستهدفة تحقيق أكبر قدر ممكن من المصالح، ودرء أكبر قدر ممكن من المفاسد للمجتمع، معتمدة الصدق والمبدئية والحكمة والواقعية».
أما الدين فلعلنا يمكن أن نعرّفه بأنه «منظومة العقائد والأخلاق والأحكام التي تحدد علاقة الإنسان بالله، وعلاقته على ضوء تلك العلاقة بأخيه الإنسان فردا ومجتمعا، وعلاقته بالطبيعة والكون، أو هو الرؤية التي تجيب الإنسان على أسئلته الثلاث الأساسية؛ من أين وجوده، إلى أين مآله، وأين يكون مساره بين تينك النقطتين، نقطتي المبدأ والمعاد».
هل إلهية الدين وبشرية السياسة تستلزم حاكمية الدين على السياسة؟
مقولة إلهية مصدر الدين، وبشرية مصدر السياسة، وأن الحقيقة الإلهية التي تصوغ الدين مطلقة وحق في كل الأحوال، بينما التجربة الإنسانية التي تصوغ السياسة نسبية، وبالتالي تحتمل الصواب والخطأ، والحق والباطل على حد سواء. وحيث أن اعتماد ما لا يحتمل الخطأ مقابل ما يحتمله هو أصلح للإنسان فردا ومجتمعا، دنيا وآخرة، لا سيما في القضايا الكبرى، وإن السياسة التي ترعى الشأن الاجتماعي لا بد أن تعتبر من القضايا الكبرى، لا بد على ضوء ذلك من أن يكون ما هو إلهي ومطلق ذا حاكمية على ما هو بشري ونسبي، ومن هنا لا بد من حاكمية الدين على السياسة؛ هو الذي يقودها، ويقومها، ويرسم لها طريق السير نحو مرضاة الخالق وسعادة المخلوق.
هذا الكلام يبدو في الوهلة الأولى للبعض أو لعله لكثيرين صحيحا وحقا بالضرورة، ولكن عندما نتأمله جيدا سنجد أن فيه الكثير من التبسيط والتجريد والمثالية المحلقة بعيدا فوق أرض الواقع، والكثير من الثغرات في الفهم والتفسير. فمن التبسيط والتجريد القول بإطلاقية الدين ونسبية السياسة. فالواقع أن كلا منهما؛ السياسة والدين على حد سواء نسبيان وبشريان. هذا ليس تجنيا على الحقيقة الإلهية التي لا بد لها وبضرورة العقل أن تكون مطلقة. نعم، الحقيقة الإلهية كحقيقة مجردة هي مطلقة بالبداهة، وحق لا يخالطه الباطل، وصواب إلهي لا يعكر صفوه الخطأ البشري. ولكن هذه الحقيقة نفسها هي - منظورا إليها من زاوية أخرى - نسبية. نسبيتها تتأى من حقيقة أنها مطلقة فقط بالنسبة لمن يؤمن بإطلاقيتها كحقيقة إلهية، والدليل على ذلك تعدد مصاديق هذه الحقيقة بتعدد العقائد والأديان والملل والفلسفات، فلا يمكن بالتالي اعتبار المتعدد غير المتطابق دائما كله حقا مطلقا، لأن الحق المطلق في كل شيء لا بد أن يكون واحدا، ولا يجوز بحال من الأحوال تعدده. وعلى فرض وحدة الحقيقة الإلهية من خلال وحدة العقيدة لشعب ما، فإن تعدد صور فهم هذه الحقيقة التي يفترض بها أنها مطلقة وواحدة؛ هذا التعدد في صور الفهم يجعل ما هو مطلق في عالم التجريد نسبيا في فهم الإنسان، فالحقيقة هنا إلهية مطلقة في عالم التجريد، لكنها بشرية ونسبية في واقع الحياة الإنسانية، باعتبار أن الإنسان مهما تزكى وتعلم، يبقى بنسبة ما ظلوما جهولا، فتحتم جهوليته وقوعه من الناحية النظرية في الخطأ حتى فهم ما هو مطلق وحق وصواب، كما وتحتم ظلوميته وازدواجيته وقوعه في خلل الأداء من الناحية التطبيقية. فالنسبية تتكرر مرتين؛ نسبية الفهم بسبب نسبية العلم والذكاء عند الإنسان، ونسبية الأداء بسبب الازدوجية والأهواء البشرية، فهي إما أزمة ثقافة ومعرفة، أو أزمة أخلاق وتقوى، اللتان تحولان حتى الدين على فرض مطلقيته إلى حقيقة نسبية في عالم الإنسان. إذن حتى عندما تكون الحقيقة بذاتها مقدسة، فإنها تفقد قدسيتها بتلوثها في عالم الإنسان، أي عندما تدخل في ذهنه فهما يستلزم القصور، وفي عاطفته هوى يستلزم التقصير، وفي حركته ممارسة تكون انعكاسا للقصور بنسبة ما من جراء جهله النسبي مهما عَلِم وتعلـّم، والتقصير بنسبة ما من جراء ظلمه النسبي مهما زكى وتزكى، وهذا ما يعرف بالزدواجية الملازمة بنسبة ما لمعظم أفراد النوع الإنساني، أو ما يعرف بالمسافة بين النظرية والتطبيق، وبين المثال والوقع.
صحة حاكمية الدين على السياسة
من زاوية ما يكون الجواب على السؤال صحيحا، أن الدين حاكم على السياسة، ولكن بشرط التقوى والعلم والصواب والعقلانية، وكل ذلك نسبي وغير مضمون التحقق بالدرجة التي تؤهل دين عالم الواقع لا عالم التجريد، والذي هو بالضرورة بشري الفهم والأداء، وبالتالي نسبي الفهم والأداء، أن يكون حاكما على الشأن الاجتماعي ألا هو شأن السياسة. وإذا قيل أن من يؤمن بالحقيقة الإلهية يحاول أن يصوغ سلوكه على ضوئها، لا بد أن يملك قسطا أكبر من صواب الفهم واستقامة الأداء، ممن لا يملك أي قسط من تلك الحقيقة، أو لا يلتزم بتبعات الإيمان بها. يجاب هنا بأن المشكلة تكمن أن الخطأ والخلل فيما يعتقد ببشريته يمكن بسهولة تشخيصه ونقده والدعوة إلى تصحيحه، بينما الخطأ والخلل فيما يعتقد بإلهيته تتسلط دعوى قدسيته ومطلقيته سيفا على من يشكل عليه من خلال ممارسة الإرهاب الفكري بإشهار تهمة التكفير المرعبة خاصة في المجتمعات ذات الميل الديني، حتى لو كان تكفيرا ضمنيا غير صريح، أو تكفيرا أو تفسيقا جزئيا، بالتلميح، وأحيانا التصريح بإخراج صاحب موقف الإشكال والنقد والمعارضة وحتى التساؤل إما من دائرة الإيمان، أو من دائرة التدين، أو من دائرة الانتماء إلى المذهب والطائفة، أو من صفة الإسلامية بالمصطلح السياسي، أو من صفة الأصالة والاستقامة أو غيرها. وهذه القداسة المدعاة تجعل محاولات الإصلاح شبه مستحيلة، وخير شاهد على هذا هو ممارسات إسلام السلطة عبر قرون طويلة من الزمن، كـُفـِّر فيها كل من خرج على السلطة، فالخارج على الخليفة خارج على الإسلام، وخارج على الله بالضرورة. دعوى القداسة ودعوى احتكار الحق والشرعية انتقلت في عصرنا، عصر ما سمي بـ (الصحوة الإسلامية) من موقع الخلافة (السلطة المستبدة باسم الدين) إلى موقع الحزب الإسلامي والقائد الإسلامي والمرجع أو الرمز الديني. وإضفاء هذه القداسة المبالغ بها ينعكس ضررا كبيرا على السياسة كشأن عام يهم كل أفراد ومكونات المجتمع، وينعكس قبل ذلك ضررا وإساءة وهدما للدين ونقائه وقيمه، إذ يدفع الدين ضريبة خطأ الفهم وخلل الأداء للمُضفين على أنفسهم قدسية الدين اشتباها في أحسن الأحوال أو كذبا في أسوئها، وما أكثر الثانية. من هنا نجد مشكلة كبيرة في منح الدين، وأعني الدين في فهم المتدينين، لا في عالم التجريد، دور الحاكمية على الشأن السياسي، والقيادة له. دون أن يعني ذلك الدعوة إلى منع أي تأثير للدين في الشأن السياسي، بل الدين ضروري للسياسة، إذا كان يعني إضفاء شيء من روحانية ونقاء وصدق وإنسانية الدين على الحياة السياسية لتنقى من كل تلوثاتها، أما أن يتلوث الدين بها، فالكارثة مزدوجة على السياسة وعلى الدين، وبالتالي على الصالح العام للأمة.
صحة حاكمية السياسة على الدين
ومن زاوية أخرى يكون الجواب على السؤال صحيحا، أن السياسة باعتبارها تمثل شأنا اجتماعيا والجامع للمجتمع، حاكمة على الدين، باعتباره شأنا شخصيا يتفاوت الأفراد وتتفاوت المجموعات في مدى وصور الإيمان به، وفي مدى وصور الالتزام بأحكامه. ولكن حاكمية السياسة على الدين لا بد أن تكون مشروطة بشرط الديمقراطية. ولكن حتى الديمقراطية نسبية الفهم والأداء، وبالتالي يكون هنا الإشكال على جواز حاكمية ما هو قطعي النسبية والبشرية، على ما هو – في أقل التقديرات - ظني المطلقية والإلهية، وهذا الإشكال صحيح، إلا إذا قلنا أن الحاكمية إنما تتخذ مشروعيتها من خلال الديمقراطية، وبمقدار ما تفرضه الديمقراطية، باعتبارها العقد الاجتماعي الذي يجعل حتى الدين الالتزام به واجبا شرعيا على من يدين به، ذلك من خلال وجوب الالتزام بالعقود والمواثيق، ولكونها شرطا للسلام الاجتماعي، الذي يمثل فرضا دينيا، كقاعدة لا يطرأ عليها الاستثناء، إلا إذا كان الاستثناء يمثل الخيار الوحيد الذي لا خيار غيره في ظرف ما. ثم حاكمية السياسة كمشترك اجتماعي، على الدين كشأن شخصي، محدود فقط فيما له تأثير على الشأن الاجتماعي، ولا يمكن أن يكون مسموحا به خارج هذا الإطار، أي فيما يمثل شأنا شخصيا في تحديد الفرد لعلاقته بربه، أو تبنيه للعقيدة التي يختارها، ويلتزم بلوازمها، إلهية كانت أو بشرية. إذن إذا اعتبرنا الدين شأنا شخصيا، والسياسة شأنا اجتماعيا، وحيث أن المجتمع متعدد الفهم والقناعة والعقيدة والالتزام، لا يمكن تحكيم ما لا إجماع عليه، بل لا بد من البحث عما يمثل مساحة مشتركة، ألا هي السياسة بشرط الديمقراطية.
كل من مشكلة السياسة ومشكلة الدين
في كل من السياسة والدين ثمة مشكلة. وأعني هنا بالذات المشكلة الكامنة في كل من السياسة المنتزع منها روح الدين والأخلاق، وفي الدين المسيس. مشكلة السياسة فيما يفهمها أكثر الناس، لا فيما يجب أن تكون عليه، هي ما يسمى بالدهاء السياسي المقـترن بالمراوغة والخداع والكذب والزيف والمزايدات غير الصادقة والازدواجية. وشبهة وجوب اتصاف السياسة بهذه الصفات تمثل مبررا إضافيا لدعوة إبعاد الدين عن السياسة، كي لا يتلوث طهر ونقاء وسمو الدين بقذارة ووساخة ودناءة السياسة. أما مشكلة الدين، لا فيما هو، بل فيما هو فهم معظم المتدينين ومعظم من يُسمَّون بالإسلاميين من العاملين في سلك السياسة للدين؛ هذه المشكلة للدين تكون عندما يـُقحَم في السياسة أكثر مما تتحمله السياسة، وأكثر مما يتحمله الدين، وذلك لقدرة الدين المسيس على ممارسة الإرهاب الفكري، من خلال دعوى إضفاء القداسة لا على الدين كدين، بل على حملته من السياسيين، رغم أن معظمهم لم يفلحوا في أن يحصنوا أنفسهم من التلوث بلوثات السياسة التي مر ذكرها. والمشكلة كل المشكلة تكمن عندما يضفي السياسي (المتدين) أو (الإسلامي) على كذبه وزيفه السياسي شرعية من خلال مفاهيم دينية مقلوبة، كالتقية، والتورية، وشرعية مقابلة المكر بالمكر، والمؤامرة بالمؤامرة، لا سيما إذا اقترن ذلك بمرض الاستغراق في نظرية المؤامرة وتعميمها وإطلاقها، وفهم كل آخر مختلف على أنه آخر متآمر، لا بد أن ترد مؤامرته بمؤامرة بالمقابل، وخير المؤامرة الوقائية هي المؤامرة الاستباقية، أو من خلال ما يدعي هذا السياسي (المتدين) أنه يمثل الحكمة والواقعية السياسيتين، فتتلاشى الخطوط الفاصلة بين الحكمة والكذب، وبين السكوت عن بعض القناعات، أو النطق بما يناقض القناعات الذاتية طمعا في كسب سياسي، وذلك كالتاجر الغشاش والمخادع، الذي يظن أن نجاحه التجاري الوهمي متوقف على إتقانه لفن الكذب والغش والخداع التجاري، فيستعجل هذا التاجر وذلك السياسي قطف الربح العاجل الزائل، التجاري هنا والسياسي هناك، مُفرِّطا بالربح الآجل الدائم، من خلال صدقه وأمانته. فالصدق الذي قال عنه أمير المؤمنين علي (ع) أنه رأس الدين، هو في نفس الوقت رأس السياسة، ورأس التجارة، ورأس المعاملة على جميع الصُعُد.
والمشكلة كل المشكلة تكون عندما تجتمع المفسدتان؛ لوثات السياسة ودعوى قداسة الدين المسيَّس؛ فهنا تكون الكارثة المزدوجة على السياسة وعلى الدين، والمفسدة الثانية أدهى وأكثر قدرة على الهدم والإفساد، فهي كارثة على مصالح الأمة، وعلى أخلاقها، وعلى عقيدتها، وقيمها، وعلى كل مفاصل حياتها، وعلى مستقبلها. ولا أغالي إذا قلت أن العلماني الصادق أشد إسلامية من الإسلامي الكاذب، وغير المتدين العادل أشد تدينا من المتدين الظالم، وإن لمن الإسلاميين من هم أشد على الإسلام من أشد الناس عداوة للإسلام، لأنهم قالوا فيه ما ليس منه، وذلك بتطرفهم ودعوى القداسة لأنفسهم ولأحزابهم ورموزهم وقادتهم ومراجعهم ورؤاهم السياسية، ولتحول الدين من رسالة إنسانية إلى عنصر من عناصر الذات، يُـتعصَّب له، كما يُـتعصَّب للقبيلة والعرق، عندما يتحولان إلى عنصر من عناصر الذات الفردية أو الجماعية. وإن الإسلامي المرن المعتدل هو الأشد إسلامية من الإسلامي المتشدد، لأن الإسلامي المتشدد في إسلاميته مع محيطه، إنما يتـشدد من حيث يشعر أو من حيث لا يشعر لذاته الفردية أو ذاته الجماعية على الإسلام، ولا يتـشدد للإسلام. ثم إن الإسلامي المرن والمعتدل إنما ينطلق في مرونته واعتداله من شدة ثـقـته بإسلامه، بينما المتـشدد إنما يتـشدد لتزعزع ثـقـته بإسلامه، أو هو يختزل إسلامه في شخصه أو حزبه أو ولائه أو فهمه، ويختزل زمن الرسالة والدعوة في عمره، لذا يستعجل قطف ثمار النصر، لأنه لا ينظر إلى الرسالة في مداها الزمني الحقيقي الممتد على ضوء حسابات الله عز وجل، وإنما في مدى عمره المحدود على ضوء حساباته المحدودة، وعصبياته المتصلبة، وأفقه الضيق، وهو غالبا عندما يدعو الآخرين إلى إسلامه، فليس من موقع حب الخير لهم، بمقدار عصبيته التي تجعله متأزما نفسيا تجاه كل من يختلف معه في القناعات والولاءات، التي غدت عناصر ذاتية لشخصه أكثر مما هي عناصر رسالية لمشروع الرسالة، مما يجعله يريد أن يصبغ الحياة كلها بألوان تلك العناصر، لعدم قدرته على رؤية لون غير لونه الفكري والولائي.
مدى شرعية إقصاء الدين عن السياسة
بقي هل يعني هذا كله إقرار وشرعنة الدعوة إلى إقصاء الدين والمتدينين عن الشأن السياسي؟ هذا أمر غير مقبول حتما، لأنه نقيض مبادئ الدين ونقيض مبادئ الديمقراطية التي هي شرط وأم السياسة بوجهها الإيجابي. بل الذي نحتاجه هو القيام بثورة ثقافية وإعادة صياغة شجاعة لثقافتنا الدينية وتنزيهها وتنقيتها من كل ما تلوثت به عبر التراكمات الثقافية الموروثة عبر قرون من الزمن من خلال صياغة هذه الثقافة على أيدي إسلام السلطة والتسلط، لا إسلام الدعوة والرسالة، إسلام الرحمة والعقلانية والوسطية والقيم الإنسانية.
ثم لنطرح نحن الإسلاميين السؤال الشجاع على أنفسنا، أي مبرر بقي لدينا في نعت أنفسنا بالإسلاميين، ما زلنا تخلينا عن هدف الدولة الإسلامية، ليس نزولا عند ضغوطات الأمر الواقع، بل لإيماننا أن الدولة الإنسانية التعددية هي أصلح للسياسة والمجتمع والدين. نعم ما زال لدينا مشروعنا الإسلامي لصياغة الحياة، ولكن على ضوء التزامنا بالتعددية الواسعة غير المضيقة، وغير المشروطة لا بشروطنا، ولا بشروط غيرنا، وبالديمقراطية، السياسية، والثقافية، والاجتماعية، والدينية. إذن يمكن القول ألا تناقض بين إسلامية الإسلامي وتدين المتدين وإيمان المؤمن من جهة، وبين قبوله الدولة العلمانية أو ربما دعوته إليها، إذا فهمت العلمانية لا على أنها خصومة – ولا أقول عداوة - مع الدين، بل عدم إقحام الدين إقحاما تعسفيا، لا سيما إقحام دين الناس بشكله، لا دين الله بجوهره، لنسبية دين الناس وتلوثه بدنياهم، ويبقى غير الملوث والمنزه تماما هو دين الله في عالم التجريد، وهذا ما لا يحق لأي أحد دعوى احتكار امتلاك مفاتحه وأسراره. هذا لا يعني أني من دعاة الدولة العلمانية، بمعنى إقامة ديمقراطية مشروطة دستوريا بشرط العلمانية، بل إني من دعاة الدولة المحايدة أي غير المؤدلجة دستوريا، والتي تسمح بالتأدلج برلمانيا وحكوميا بمقدار ما تقرره الأكثرية ودون تحويل الأدلجة من متغير برلماني/ حكومي، إلى ثابت دستوري، وبشرط قبول أدلجة المتغير بكل الاتجاهات التي تختارها الأكثرية، علمانية كانت أو إسلامية، وما مبدأ التداول السلمي للسلطة كشرط أساس من شروط الديمقراطية إلا القول بقبول أدلجة المتغير (البرلمان – الحكومة – القانون) ورفض أدلجة الثابت (الدولة – الدستور)؛ هذا بلحاظ مراعاة حقيقة أن الثابت إنما هو ثابت نسبي، كما وأن المتغير هو متغير نسبي.
عدم التدخل المتبادل بشأن الآخر
خلاصة فهمي لهذا السؤال هو عدم قيادة السياسة للدين، إلا بمقدار ضبط حركة الدين قانونيا ديمقراطيا كي لا يقحم في السياسة بالمقدار الذي يربك السياسة كشان عام، وعدم قيادة الدين للسياسة، إلا بمقدار ضبط حركة السياسة قانونيا وديمقراطيا كي لا تقحم في الدين بالمقدار الذي يربك الدين كحق أساس من حقوق المواطنة في الدولة الديمقراطية، والتي من لوازها حرية الاعتقاد بأي دين أو فلسفة، وحرية الدعوة إلى أي دين أو فلسفة، وحرية ممارسة الطقوس والشعائر الدينية؛ هذه الحرية التي كنت أتمنى أن تقنن دستوريا بشرط ألا تتعارض مع الصالح العام، ومع الذوق العام، ومع لوائح حقوق الإنسان، بما في ذلك مع قوانين رعاية الطفولة وغيرها.
التدخل المشروط
ولكن من زاوية أخرى يمكن أن أتبنى مقولة أن الدين – إمكانا وجوازا، لا لزوما ووجوبا، وطوعا واختيارا، لا كرها وإجبارا - هو الذي يقود السياسة، وهو الحاكم عليها. وهذا كما سأوضح مبدأ من مبادئ الديمقراطية إذا ما فهمناه ومارسناه بشكل صحيح. ولكن مبدأ حاكمية الدين على السياسة مبدأ خاص ونسبي، وليس مبدأ عاما ومطلقا. وأعني بذلك بأنه حاكم نسبة لمن يؤمن بحاكميته، دون جواز تعميم الإلزام على الأمة، إلا بمقدار ما تقرره أكثرية الأمة ديمقراطيا، وبشرط عدم الخلط بين الثابت والمتغير من عناصر الدولة كما مر. هذه الحاكمية النسبية مبنية على قاعدة الإلزام الصادقية، أي أن يُلزَم كلٌ بما ألزم به هو نفسه، أو ما يمكن أن نستوحي منه ما يناسب موضوعنا من مبدأ حق التزام كل بما يلزم به نفسه، دون فرض التزاماته على عموم الأمة، إلا بمقدار ما يمارس من دعوة بالحكمة والموعظة الحسنة وترويج لأفكاره بالأساليب الديمقراطية السلمية العصرية. وهذا لا يختلف عما يقوم به غيره من أصحاب العقائد الأخرى، أو الإيديولوجيات السياسية الأخرى، وحتى أصحاب الفلسفات المادية على ضوء القاعدة الأخلاقية بوجوب معاملة الآخر بما يحب كل أن يعامل به. وهنا تكمن شبهة عند الكثير من الإسلاميين، حيث يتصور هؤلاء أن ما يجب عليهم الالتزام به من خلال قاعدة «وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم» وقاعدة «وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا»، وبين شبهة التكليف الشرعي الواقع عليهم في إلزام الأمة بما التزموا به، غافلين عن قاعدة «لا إكره في الدين»، وقاعدة «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة»، وقاعدة «أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين»، وغيرها، أي عن قاعدة الموازنة بين الصلابة مع الذات، والمرونة مع الآخر، أو لنسمها الأصولية مع الذات، والليبرالية مع الآخر، وهي قاعدة الإلزام العقلانية والعادلة التي أسسها الصادق عليه السلام.
لكل زمان ومكان ظروفه السياسيه التي تفرض عليه اتباعها....
مشكور على طرحك النير والمفيد .....


  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 3
قديم(ـة) 01-04-2008, 07:05 PM
صورة مكنوز الرمزية
مكنوز مكنوز غير متصل
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد : السياسه والدين ايهما يقود الثاني


::

أخي الكريم

أسمح لي في البداية أن الخص وأحدد النقاط الأساسية التي وردت في هذا المقال
كون أن الكاتب في مقاله عمد إلى التكرار والتلميح وعرض نفس الأفكار بصيغ مختلفه
وتكاد تكون الفكرة الاساسية من هذا المقال هي ( فصل الدين عن الدولة )
وذكر الكاتب عدة أسباب وأسهب في تفصيلها
وأسمح لي أخي الكريم أن أقتبس هذه الأسباب كخطوط عريضة وخلاصة لهذا المقال الطويل

وأولها : هو أن الدين لله والوطن للجميع
كون أن الدين علاقة الفرد بربه اياً كان معتقده <-- ويجب أن ينحصر الدين في هذا النطاق الفردي فقط
معللاَ ذلك بأن تطبيق شريعة الدين وأحكامة لا تتوافق مع جميع المعتقدات
وأن القوانين الوضعية الإنسانية والتي تعتمد على العقل الإنساني وإدراكة للمصلحة العامة من شأنها أن تساوي بين الجميع في حقوقهم كمواطنين خاضعين للقانون الذي يكفل للجميع حقوق المواطنة والتعايش السلمي

وهنا ينتقل الكاتب للنقطة التالية ويبرر وجوب فصل الدين عن السياسة ( أو تسييس الدين )
مبرراً ذلك اولاً أن بعض الجماعات والأحزاب السياسية اتخذت من الدين وسيلة لنيل بعض الأطماع السياسية ( متخذتاً من التكفير والتفسيق سلاحاً فعالاً وورقة رابحة )
وأن مثل هذه التوجهات السياسية المغلفة بغلاف ديني لها عواقب وخيمة تطال أثارها الجميع
ومنها تحول مثل هذه الأحزاب من احزاب سياسية تمارس العمل السياسي إلى منظمات رادكالية متطرفة ترفض الحوار والتعايش السلمي مع الآخر
وتدعي أمتلاكها للحقيقة المطلقة في حين أن الكاتب يرى أن الحقيقة نسبية
وفي ظل التعددية الدينية فأن لا احد يستطيع الجزم بصواب معتقده إستناداً على مبدأ أن رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب

وإن كنتُ أخي الكريم اتفق كثيراً مع ما ورد في هذا المقال
إلا أن هناك ثوابت لا يمكن لنا كمسلمين نعيش في دولة إسلامية ونحتكم فيها إلى كتاب الله وسنة المصطفى عليه الصلاة والسلام أن نتنازل عنها أو نحيد عنها قيد أنلمة
فالأسلام حقيقة مطلقة ودين توحيد ألوهية الله وأخلاص العبادة لله سبحانة وتعالى
ومن يشكك في ذلك فكأنما يشكك بوحدانية الخالق عز وجل
والاسلام علاقة الإنسان بربة وعلاقتة بنفسة وعلاقتة مع الآخر
وهناك أحكام وشرائع نص عليها الدين الحق بنصوص صريحه في كتاب الله وسنة المصطفى لا يجوز إستبدالها بالقوانين أو تعطيلها

اقتباس:
قاعدة الموازنة بين الصلابة مع الذات، والمرونة مع الآخر، أو لنسمها الأصولية مع الذات، والليبرالية مع الآخر، وهي قاعدة الإلزام العقلانية والعادلة التي أسسها الصادق عليه السلام
كما ذكرت لك أخي الكريم في السابق
أننا نعيش في دولة مسلمة وليس لنا أن نساير على حساب الدين أو أن نتخلى عن الثوابت بأي شكل من الأشكال
ولكن هذا لا يمنع أن تحضى الأقليات بحقوق المواطنة كمواطنين شرفاء
واستبدال ثقافة الكراهية ونبذ الآخر بثقافة الأحتواء ، وأن نتجاوز الأختلاف وليس الخلاف بالأتفاق على مبدأ المواطنة ومصلحة الوطن

فنحن بحق أخي الكريم نعيش في دولة واحدة ونحمل نفس الجنسية ولكن الآمر لا يخلوا من الكراهية والعداء والبغض والقمع والتهميش والإظطهاد ( والتكفير والتفسيق )

فجميل ان نتحلى بمبادى الليبرالية مع الآخر ، هذه لا شك أنها دعوة مطلوبة وحاجة ملحة لنتعامل مع بعضنا البعض كمواطنين أو مقيمين

والأجمل أن لا نتحول إلى دولة ديمقراطية كنسخة كربونية مكررة لكثير من الدول
فنحن لسنا بحاجة إلى مشرعين بقدر ما نحن بحاجة إلى مؤسسات الدول الديمقراطية التي من شأنها أن تحافظ على المبادى والثوابت والقيم الأسلامية بشكل ٍ عادل ودون أن تسمح لأي ٍ كان أن يتجاوزها وهذا ما يجعلنا ننعم بالعدالة والمساواة وحفظ حقوق الأقليات


:

مناف الجشعمي

شكراً لك أخي الكريم على نقل هذا المقال
متمنياً منك التواصل والتفاعل وطرح وجهة نظرك الخاصة
دمت بكل الخير

::


  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 4
قديم(ـة) 09-06-2008, 02:00 AM
صورة مناف الجشعمي الرمزية
مناف الجشعمي مناف الجشعمي غير متصل
©؛°¨غرامي فعال ¨°؛©
 
الافتراضي رد: رد : السياسه والدين ايهما يقود الثاني


شكرا لك اخي العزيز ولذوقك الرائع
بس حبيت انقل وجهت نظري
انا ضد ان تكون للدين السلطه في السياسه
لان السياسه كلها مكر وخداع واذا كذب الدين قلت هيبته
هذا رايي مع كل احترامي لاراء الغير
مع شكري وتقديري


موقع غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات


youtube

SEO by vBSEO 3.6.1