غرام
اكتب بريدك ثم اضغط على اشتراك ليصلك جديد غرام
بحث مخصص من محرك البحث العالمي قوقل للبحث في غرام
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 1
قديم(ـة) 24-12-2005, 02:42 PM
الأمـــاكـــن الأمـــاكـــن غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي سيرة بطل الملك عبدالعزيز


السلام علينم

اقدم لكم اليوم سيرة بطل من ابطال الجزيرة ان الامام الموحد عبدالعزيز بن عبدالرحمن
___

المراحل الأولى من حياة الملك عبدالعزيز
1. نسبه
هو عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل بن تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود بن محمد بن مقرن بن مرخان بن مانع بن ربيعة المريدي من المردة وهم من المصاليخ من المنابهة من بني وهب من ضنا مسلم من قبيلة عنزة، من بكر بن وائل بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان.
والملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن، هو الحاكم الثالث عشر من آل سعود.

أ.
أبوه هو: الإمـام عبدالرحمن، أصغر أبناء الإمام فيصل بن تركي بن عبدالله آل سعود (توفي عام 1282هـ/ 1866م). وقد ولد عبدالرحمن بن فيصل في الرياض عام 1268هـ/ 1852م، وتوفي بها في 22 ذي الحجة 1346هـ/ 11 يونيه 1928م، وعمره 76 عاماً.

ب.
أمه هي: سارة بنت أحمد بن محمد السديري من أهل بلدة الغاط في سدير، بجوار الزلفي. كانت سارة السديري صاحبة عقل وتدبير. ويروى لها شعر شعبي من" الملحون أو النبطي". توفيت في أواخر عام 1327هـ/ 1910م في الرياض. وكان أبوها ممن حارب إبراهيم باشا، وقد ولاه القائد المصري خورشيد باشا، في فترة حكم خالد بن سعود بن عبدالعزيز سنة 1254هـ/ 1838م، إمارة الأحساء، فاستمر فيها إلى أن توفي سنة 1277هـ/ 1860م. ويقال له أحمد الكبير، واشتهر بخدمته وتفانيه في الإخلاص لآل سعود. وكان لأحمد السديري ثلاث بنات: نورة تزوجها جلوي بن تركي بن عبدالله، والد عبدالله بن جلوي، وفلوة تزوجها الأمير محمد بن فيصل بن تركي، عم الملك عبدالعزيز، وسارة تزوجها عبدالرحمن بن فيصل وأنجبت له فيصلاً وعبدالعزيز ومنيرة وهيا وسعداً. وكان خاله أحمد السديري من قادة السرايا الذين ساهموا في توحيد نجد.

ج.
أعمامه: وكانوا ثلاثة هم الإمام عبدالله بن فيصل (توفي عام 1306هـ/ 1889م) وسعود بن فيصل (توفي عام 1291هـ/ 1874م)، ومحمد بن فيصل (توفي عام 1311هـ/ 1893م).

2. تاريخ مولده
أورد المؤرخون عدداً من الروايات حول تاريخ مولد الملك عبدالعزيز، منها أنه ولد في ذي الحجة عام 1297هـ / ديسمبر 1880م، ومنهم المؤرخ الأديب خالد بن محمد الفرج الذي وضع حساباً لهذا التاريخ، بالحروف الأبجدية، على طريقة حساب الجمّل، وهو:
"الإمام عبدالعزيز بن الإمام عبدالرحمن الفيصل آل سعود".
وجاء مجموع القيمة العددية لهذه الحروف 1297. وقويت هذه الرواية بما نُقل على لسان الملك عبدالعزيز، من أنه كان غلاماً، حينما خرجت أسرته من الرياض سنة 1308هـ/1891م، ملفوفاً في كساء أشبه بالخُرج.
غير أن المتصلين بالملك عبدالعزيز منذ زمن طويل، يذكرون أنه، بما جُبل عليه من حيوية، كان يكره أن يُشعر نفسه بالاقتراب من سن الشيخوخة أو دخولها، فما زال يكرر أنه، يوم هجرته مع أبيه من الرياض، كان ابن إحدى عشرة سنة، حتى صدق هو نفسه.
ونُقل على لسان الأستاذ الشيخ محمد نصيف قوله: أخبرني الملك بأن ميلاده كان سنة 1285هـ/ 1868م. والحوادث لا تؤيد هذا.
وثمة رواية أن مولده كان في ليلة العاشر من ذي الحجة 1299هـ/ 21 أكتوبر 1882م.
ويقول الزركلي:
"على أني بعد وفاة الملك عبدالعزيز، رجعت إلى أديب آل سعود وعالمهم الأمير عبدالله بن عبدالرحمن، أخي الملك، فسألته، فأجاب: "كان رحمه الله يود أن يقال إن مولده سنة 1297هـ، ولكن الصحيح، أنه ولد في أواخر عام 1293هـ/1876م".
ويضيف الزركلي: "ورأيت في قيود عندي أنه لما ولد كان أبوه عبدالرحمن في بلدة ضرما، وبُشر بولادته ليلة 19 ذي الحجة عام 1293هـ، فأضفت هذا إلى ذاك، ورجحت أنه الصواب".

3. نشأته
ولد الأمير عبدالعزيز بن عبدالرحمن، في قصر الإمارة والإمامة بالرياض، وكان في سن الصبا طويل القامة، عريض المنكبين، بارز الصدر، حادّ العينين، دقيق الخصر، ضامر البطن، مفتول الساعدين والساقين، رشيق الحركة.
عهد به أبوه ـ الإمام عبدالرحمن بن فيصل آل سعود ـ إلى شيخ (مطوّع) من أهل الخرج، كان مقيماً في الرياض، اسمه القاضي عبدالله الخرجي. فتعلم على يديه مبادئ القراءة والكتابة، وحفظ سوراً من القرآن، وقرأه كاملاً. ثم تلقى بعض أصول الفقه والتوحيد على يد الشيخ عبدالله بن عبداللطيف آل الشيخ، في كراسة صغيرة أعدها خصيصاً له. إلا أنه لم يكن في طبعه الصبر على الدرس، فلم يلبث أن انصرف عن مقاعد الأطفال، إلى محاكاة الرجال.
ونُقل عنه: أنه أحسن وهو في سن الصبا استعمال البندقية، وركوب الخيل، كأحد الفرسان. وأنه كان في السابعة، حادّ الطبع، دائم الحركة، لا يستطيع الاستقرار في مكان واحد، فترة طويلة.
ويشير بعض من كتب عن الملك عبدالعزيز، إلى ما كان لوالدته سارة بنت أحمد بن محمد السديري، من فضل في توجيهه.
حمل عبدالعزيز السيف، ولعب به، وركب الخيل وامتطى الإبل. والتف حوله رفاق له، فكان المتقدم عليهم في ألعابهم والزعيم فيهم. وعوّده والده أن يستيقظ قبل الفجر للصلاة، ووجهه إلى الرياضة، وأدبه بآداب آل سعود. وشهد في صباه عاقبة الخصومات والمعارك، بين عميه عبدالله بن فيصل، وسعود بن فيصل. وأدرك ما كان من توسع نفوذ آل رشيد، في الاستيلاء على بلاد نجد، وضياع ملك آل سعود، أصحاب تلك البلاد وسادتها.
وخرج الأمير الصغير من الرياض، مع عمه محمد بن فيصل، والشيخ عبدالله بن عبداللطيف، لمفاوضة الأمير محمد بن رشيد، وعقد الصلح معه، في أوائل سنة 1308هـ /1890م، وهي مشاركته السياسية الأولى في مثل هذا الاجتماع الخطير. يقول فؤاد حمزة: سألتُ الملك عبدالعزيز إن كان قد قابل ابن رشيد فقال: نعم، قابلته، وعزاني في أخي فيصل، وقال لي عسى أن يجعلك الله عوضاً عنه. والله قد جعلني عوضاً عنه".
قال حافظ وهبة:
"سمعت من بعض أصدقائي الكويتيين، الذين عاصروا عبدالعزيز ورافقوه في طفولته، أنه كان يفوقهم نشاطاً وذكاء، وأنه كان يتزعمهم دائماً في الألعاب المألوفة، لمن كان في سنه، وأنه كان دائماً يميل إلى سماع تاريخ جده الإمام فيصل ومغامراته، من بعض الشيوخ المسنين بالكويت".
وروى خالد الفرج، ما خلاصته:
أراد الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، حاكم البحرين، أن يلاطف الفتى عبدالعزيز. فسأله: قطر أحسن أم البحرين؟ فأجابه عبدالعزيز على الفور: الرياض أحسن منهما. فقال عيسى: سيكون لهذا الغلام شأن. وأضاف خالد إلى هذه القصة: سمعتها من الشيخ عيسى بنفسه، وهو يقصها في مجلس نزهته العصرية في بستان "ريا" في البحرين، وذلك بمناسبة تسليم جدة سنة 1344هـ/1926م.
ونقل الزركلي عن محمد بن بلهيد القصة الآتية، قال:
في أثناء تغرّب الإمام عبدالرحمن الفيصل عن الرياض، جلس، عشية يوم، وحوله بعض خاصته، فجرى الحديث عن أبنائه، فتكلم الحضور، وبينهم مانع بن جمعة العجمي، من رجالات العجمان، لم يتكلم، فقال له الإمام: ما ترى يا مانع؟. فقال: إذا أراد الله عزاً للمسلمين، فهو على يد عبدالعزيز. قال عبدالرحمن: وما يدريك؟ قال: رأيت فتيان الحيّ يتهيأون ليلعبوا لعبة "اللحي" وقد انقسموا فريقين، فسمعت أكثرهم ـ ومنهم بعض أبنائك ـ يقول: من أنا معه؟ وسمعت عبدالعزيز يقول: من هو معي؟.

4. رحلة الاغتراب، والاستقرار في الكويت
بعد تغلب ابن الرشيد على آل سعود، واستيلائه على الرياض عام 1309هـ/ 1891م، اتجه الإمام عبدالرحمن الفيصل بأسرته، إلى البادية، يلتمس مأوى ينأى به وبمن معه، عن يد ابن رشيد.
ولما صار في عرض الصحراء، استشعر من القبائل الضاربة في المناطق القريبة من الرياض، ذعرها من ابن رشيد وتخوفها من بطشه، إن هي آوت كبير آل سعود. فانطلق بمن معه موغلاً في منازل آل مرة والعجمان، بين يبرين والأحساء.
وعلم المتصرف العثماني، في الأحساء آنذاك، عاكف باشا، بقرب الإمام عبدالرحمن منها، فأرسل إليه مندوباً اجتمع به في عين نجم قرب المبرز (على بُعد ميلين شمالي الهفوف)، فعرض عليه ولاية الرياض، على أن يعترف بسيادة الدولة العثمانية، ويدفع خراجاً سنوياً قد لا يزيد على ألف ريال. فاعتذر الإمام عبدالرحمن بأنه يخشى أن ينقلب عليه أنصاره. ولم تكن حياة البادية وشدائدها، مما تحملته سيدات الرياض وسدير، وقد آذاهن ما لقين في الحل والتِّرحال، وما في اختراق صحراء الدهناء، من عناء. فنادى الإمام عبدالرحمن ابنه عبدالعزيز، وقال: "امض يا بني إلى ابن خليفة (الشيخ عيسى بن علي آل خليفة شيخ البحرين) وحدثه بما نحن فيه، واستأذن لنسائنا بالإقامة في جواره، ولا ضير عليه من ابن رشيد، ما دمنا نحن بعيدين عن البحرين". وكانت هذه أول مهمة يكلفه بها والده.
فانطلق الأمير عبدالعزيز إلى البحرين، وعاد بعد أيام مستبشراً، يحمل إذن ابن خليفة للنساء. ومضين في هوادجهن إلى ميناء العقير ـ جنوبي القطيف ـ حيث ركبن السّفن الشراعية إلى البحرين، ومعهن عبدالعزيز وأخ له يليه في السن، اسمه محمد.
وكان على الأمير عبدالعزيز، بعد استقرار الأسرة في البحرين، أن يعود إلى مضارب أبيه في الصحراء، فامتطى الذلول بعد ركوب البحر، وأقبل يطوي البيد.
وأرسله أبوه إلى الهفوف، مركز الأحساء، وكانت تابعة للدولة العثمانية، ليفاوض الترك علّهم يسمحون له ولرجاله بالإقامة فيها، أو في جوارها. فلم تفلح سفارة الأمير عبدالعزيز هذه المرة، وأبى الترك إيواءهم.
وضاق رحب الصحراء في وجه الإمام عبدالرحمن. وكان بين قبيلة العُـجمان، التي تسيطر على تلك المنطقة، أنصار لابن رشيد؛ فأزمع الإمام عبدالرحمن الرحلة إلى الكويت. ولكن محمد بن صباح، أميرها يومئذ، لم يجرؤ على الجمع بين مناوأة ابن رشيد ومخالفة سياسة الترك، فاعتذر عن قبول الإمام عبدالرحمن ضيفاً عليه، فعاد إلى الصحراء.
وامتدت إقامة عبدالرحمن وابنه عبدالعزيز ومن معهما، هذه المرة حوالي سبعة أشهر في قفار تقطن بعضها قبائل من آل مرة، وبعضها الآخر قبائل كثيفة من العجمان، ليست بعيدة عن الأحساء كل البعد.
وفُرِجَ الكرب على يد شيخ قطر، قاسم بن ثاني، وكان أريحياً جواداً.
كتب إليه الإمام عبدالرحمن، يصف ما هو فيه، وأجابه ابن ثاني مرحباً. وانتقل الجمع إلى قطر. وفي دليل الخليج أن عبدالرحمن أقام في ضيافة شيخ الدوحة في قطر، من أغسطس إلى نوفمبر 1892م، (أي من صفر إلى جمادى الأولى 1310هـ)، ولحقت به أسرته التي كانت في البحرين.
وكانت الدولة العثمانية تود عقد اتفاق مع الإمام عبدالرحمن بن سعود، لتأمن تحركاته، فأرسل إليه متصرف الأحساء، حافظ باشا، يستدعيه. فأجاب الدعوة وقدم من قطر إلى الأحساء. وتم الاتفاق بينهما على أن يقيم هو وأسرته في الكويت، وكانت لا تزال عثمانية، وتدفع له الدولة ستين ليرة شهرياً. وكان هذا المخصص يدفع أحياناً، وأكثر الأحيان لا يدفع. وقبل ابن صباح، إذ ذاك، أن يتوطنوا بلاده، وعين للإمام عبدالرحمن مرتباً من الأرزاق، ولكنه قطعه بعد تخصيص المرتب من الدولة العثمانية.
وأتاحت له الإقامة في الكويت، أن يكون على اتصال دائم بأهل نجد ورؤسائهم، خصوصاً أهل القصيم، لقربها من الكويت واتصالها بها اقتصادياً.
وفي دليل الخليج أن والي البصرة التركي، دعا عبدالرحمن للاستقرار في الأحساء (كذا، والصواب: في الكويت) وجعل له راتباً شهرياً قدره 33 ليرة عثمانيةضمنها له الباب العالي فانتقل إليها في جمادى الآخرة 1310هـ/1892م.


___

حياته في الكويت
أدرك الأمير عبدالعزيز في طفولته، بقايا عهد النعيم، في الرياض، وذاق ألم الجهد وعنف الحياة في شمالي الربع الخالي، حول واحة يبرين، وتفتحت عيناه فرأى العالم في الكويت. وقد جاءها بنساء الأسرة من البحرين، ومعه أخوه محمد، وابن عمه الذي لم يكن يفارقه، عبدالله بن جلوي، في منتصف سنة 1310هـ/1892م، ونزل معهن ـ قبل حضور أبيه ـ في دار أعدها ابن صباح، مؤلفة من ثلاث غرف، لا تقاس بجانب من قصرهم في الرياض، ولكنها إذا قيست برمال الدهناء والصمّان ويبرين، فهي مأوى رضيّ. قضى فيه الأمير عبدالعزيز حوالي عشر سنين من عنفوان حياته.
ويشاء الله أن يشهد الأمير عبدالعزيز، وهو لا يزال في مطلع شبابه، حادثاً جديداً في الكويت، فيه دم وقسوة، من نوع ما تركه في الرياض، إلاّ أنه أشد وأفظع.
ذلك أن بيت آل صباح، كان عماده ثلاثة أخوة، هم: محمد، ومبارك، وجراح. وكان الحاكم منهم في الكويت كبيرهم محمد، وهو الذي نزل الأمير عبدالعزيز، مع أبيه وأهله، في ضيافته، تبعاً لما اقتضته سياسة الدولة العثمانية في ذلك الحين. وكان الأمير عبدالعزيز يرى محمداً بين وقت وآخر، ويشعر بشيء من الميل إليه، ويعجبه فيه تأنقه واستقباله أباه ـ عبدالرحمن ـ بما يليق من التكريم، عند زيارته له.
واستمر ذلك عامين وبعض الثالث، وإذا بالأخ الأوسط مبارك وابن له، يثبان على كبير البيت محمد، في 25 ذي القعدة سنة 1313هـ/1896م، فيقتلانه وأخاه الأصغر جراح بن صباح، وينفرد مبارك بالحكم في الكويت.
ويرى أكثر من كتبوا عن الأمير عبدالعزيز، أن الكويت كانت مدرسته، التي تلقى فيها فن السياسة العملية. وأن أيام الشيخ مبارك، المليئة بالمناورات والمحاورات، كانت تنطبع مقدماتها ونتائجها، في ذهن الأمير عبدالعزيز. وقد اشترك في بعضها، حين آنس فيه مبارك صفات الألمعي اللبق، فقرّبه منه، وأفسح له المجال لحضور مجالسه، والاستماع إلى أحاديثه، مع ممثلي الحكومات الإنجليزية والروسية والألمانية والتركية.
ويذكر بعض المؤرخين، كذلك، أن كبرى شقيقات الأمير عبدالعزيز، نورة، كان لها فضل في تشجيع أخيها،
بقولها:
"لا تندب حظك كالنساء، إن خابت الأولى والثانية، فسوف تظفر في الثلاثة. ابحث عن أسباب فشلك واجتنبها. لا تكثر من إقامتك عند امرأتك أو في بيت أمك، فالرجال لم يخلقوا للراحة".
ونورة هذه هي أخت عبدالعزيز الشقيقة، ولدت في الرياض عام 1292هـ/1875م، وتكبر شقيقها بسنة. تزوجت عام 1322هـ/1905م، من سعود بن عبدالعزيز بن سعود بن فيصل (ولد عام 1299هـ/ 1882م، وتوفي في شعبان عام 1378هـ/1959م)، الذي كان على خلاف مع أخيها الأمير عبدالعزيز والمعارضين له. وبعد زواجه منها انضم سعود إلى الملك عبدالعزيز، وصار فيما بعد من المقربين إليه.
وكان الملك عبدالعزيز يعتز بها، ويهتف باسمها في الحروب، أو في مواقف النخوة، فيقول: أنا أخو نورة، أنا أخو نورة العنزي! وعاشت عمرها وهي أقرب الناس إليه. وكانت تعينه في حل المشكلات الداخلية في قصره ـ بعد المُلك وقبله ـ يستشيرها في أمور الأسرة، ويزورها كل يوم. توفيت عن سبعة وسبعين عاماً في شوال عام 1369هـ/ يوليه 1950م. وبلاد المملكة تستعد للاحتفال بالذكرى الذهبية لمرور خمسين عاماً على فتح الرياض، ودفنت في مقبرة العود.
كانت نورة تشجع عبدالعزيز في الكويت، وتشحذ همته، والنار بالنار تذكى، كما يقال.

____________

القسم الثاني

قصره وديوانه
يصف محمد المانع قصر الملك عبدالعزيز في الرياض، في الثلاثينات من القرن العشرين، فيقول:
كان قصر الملك أكبر بناية في الرياض. وكانت مساحته حوالي ثمانية آلاف متر مربع. وكان، كغيره من بيوت المدينة، مبنياً من اللبن والطين. وكان القصر ذا طابقين، وأربعة أجنحة، تمتد من وسطه إلى الجهات الأربع. وكان كل جناح مكوناً من غرف واسعة، وقاعات، ودرج، وباحات. وكان الجناح الشمالي أوسعها. وكان في الطابق الأرضي منه، مخازن مملوءة بالأطعمة المختلفة، خاصة الأرز والتمر، اللازمة لتموين الملك وجيشه. وكان عند نهايته مطبخ كبير، يتم فيه إعداد الطعام لمن في القصر، ولجماهير الزائرين من البدو. وكان فيه قدور، يبلغ علو كل واحدة منها بين ثمانية وعشرة أقدام، وتتسع لطبخ بعير كامل. وكان الطباخون يعدون كل يوم الوجبات التقليدية من الأرز المسلوق واللحم، لما لا يقل عن مائة ضيف بدوي. وكان هؤلاء يتناولون الطعام المقدم لهم في دكة واسعة، فوق المطبخ مباشرة.
أما الجناحان الجنوبي والشرقي من القصر، فكان فيهما مكاتب ومستلزمات الشؤون الداخلية للخاصة الملكية، وإدارة الجيش، ومساكن لخمسين أو ستين زنجياً، كانوا خدماً وحراساً للقصر. وكان في داخل القصر وخارجه دكاك عديدة من الطين، يجلس عليها طيلة النهار، جمهور غفير من رجال القبائل الزائرين وغيرهم، ممن لهم حاجة عند الملك أو ديوانه.
أما ديوانه فكان في القصر نفسه، ويقع في الطابق الأول من الجناح الشمالي، الذي كانت فيه غرفة لبلاط الملك، ومجلسه الخاص والعام، وغرفة للهيئة السياسية، ومكاتب أصغر حجماً لموظفي الديوان. وكان هناك رواق يؤدي إلى مسجد القصر، الواقع في الجناح الغربي. وكان فوقه قاعة، يصلي فيها الملك وحده.
وكان في الجناح الغربي، أيضاً، غرف الملك الخاصة وأماكن للنساء العاملات في بيته، وغالبيتهن من أفريقيا. وكان بعضهن خادمات في القصر، وبعضهن زوجات للذكور من الخدم.
وكان أعظم معالم القصر أبراجه الأربعة، التي لم يكن الغرض منها دفاعياً إلا بصورة جزئية. وكان كل واحد منها مقراً لزوجة من زوجات الملك. والواقع أن ثلاثة منها فقط كانت مشغولة في وقت واحد. أما الرابع فكان دائماً شاغراً ليكون للزوجة الجديدة، إذا ما رغب الملك أن يتزوج.
لم يكن القصر يحتوي على أكثر من التسهيلات البدائية، التي لا بد أن تكون في قصر للحكم، قبل مائتي سنة أو أكثر. فلم يكن فيه ماء جارٍ ولا مجار متقدمة، ولا كهرباء. وقد كادت إحدى وسائل الترف القليلة فيه، أن تتسبب في موت الملك، الذي أخفق كل أعدائه في القضاء عليه، فقد كان في غرف الملك الخاصة، حمام في داخله غلاية (سماور)، يُسخّن ماؤها بالفحم. ودخل الملك للاستحمام ذات يوم، ولم يخرج دخان الفحم بطريقة سليمة، فملأ المكان، فغشي جلالته، وكاد أن يموت، لولا أن أدركت خادمة سريعة التفكير، عدم وجود صوت في الحمام، فدقت جرس الإنذار فوراً".
وتروى قصة طريفة عن إدخال الكهرباء إلى القصر بالرياض، مما أورده محمد المانع أثناء وصفه القصر الملكي بالرياض، قائلاً: "ثم بدأت وسائل الراحة الحديثة تأتي تدريجياً، من الحجاز إلى الرياض. وفي سنة 1928م تقريباً أرسل مسلم من بورما مهندساً هندياً، اسمه محمد رفيق، لتشغيل مولدات الكهرباء في الحرم المكي وصيانتها. وكان رفيق مهندساً قديراً جداً، فأصبحت المولدات بإشرافه تعمل بأفضل ما يمكن من كفاءة. وقد أعجب الملك بعمله، فرأى أن الوقت قد حان ليكون في الرياض تسهيلات مماثلة. وأرسله من الحجاز سنة 1930م ليشتري مولدات وآلات جديدة، ويبعثها إلى الرياض لإنارة القصر الملكي. فاشترى ثلاث مكائن وأرسلها بالشاحنات إلى الرياض حيث وصلت إليها سليمة بأعجوبة. ثم قدم محمد رفيق وبعض مساعديه إلى الرياض، بعد ذلك بقليل. وحين عاد جلالته إلى الرياض كان القصر يموج بالعمل. إذ كان رفيق ورجاله يحومون فيه كعناكب مجنونة، يمدون شبكة الأسلاك في كل أرجائه.

ويقول المانع:

وكان رفيق لا يتكلم العربية. ولأني كنت أتكلم الأردية بطلاقة؛ فقد كان يطلب مني أحياناً أن أترجم له، في المواقف الحرجة التي كانت تنجم، خلال مده للأسلاك حول الغرف الخاصة في القصر.
وقد أفرغت حجرة واسعة، في الطابق الأرضي من القصر، ليضع فيها رفيق مولدات الكهرباء. وجاء اليوم العظيم الذي صارت فيه الكهرباء جاهزة للعمل. وكان الجميع ينتظرون اللحظة الباهرة بشوق. لكنها لم تحدث. وعندما حل الظلام أتى إليّ أحد خدام الملك، وقال إن جلالته يريد أن يراني في غرفة مكائن رفيق. فذهبت فوراً إلى هناك، ووجدت المسكين رفيق يحاول إصلاح المكائن، والملك بشخصيته العظيمة، واقف عنده ينتظر بدء إنارتها بفارغ الصبر. وقد حاول رفيق عدة مرات تشغيل المكائن، ولكنها في كل مرة تعطي ضوءاً قليلاً، ثم لا تلبث أن تحدث صوتاً مزعجاً وتنطفئ. وكانت مهمتي أن أترجم أوامر الملك لرفيق بأن يضاعف جهوده ليجعل المكائن تبدأ الإنارة، وتأكيدات رفيق المتكررة بأن كل شيء سيكون على ما يرام، في بضع دقائق.
ولم يتمكن المسكين محمد رفيق أبداً من تشغيل مكائنه. فغادر الرياض بأسرع ما يستطيع، مدعياً بأنه سيحضر قطعة غيار من جدة. ومرت بقية السنة من دون أن يعود. وحينئذ علمنا أنه أقنع الشيخ عبدالله بن سليمان وزير المالية، بأن يسمح له بالذهاب إلى مصر ليشتري ماكينة جديدة. وأخيراً عاد رفيق إلى الرياض سنة 1931م، ومعه تلك الماكينة الجديدة الغالية. ولحسن حظه استطاع من دون مشقة أن يشغل الكهرباء، وأصبح القصر يزدان بأنوارها. أما الزوار من البدو، الذين لم يروا هذه العجائب من قبل، فكانوا كثيراً ما يسألون الملك عن ماهية الكهرباء وكيف تعمل. وكان يجيبهم إجابة من لا يريد مزيداً من المناقشة بقوله: "لاشيء. مجرد ماكينة وأسلاك".
وفي الحجاز، كان السلطان عبدالعزيز يتنقل بين مكة المكرمة وجدة والطائف. وخلال السنوات الأولى من حكمه لتلك المنطقة، لم يكن له محل إقامة محدد في جدة. وكثيراً ما كان يسكن في بيت الشيخ محمد نصيف المريح ذي الطوابق الأربعة. وهو أول بيت نزله السلطان عبدالعزيز عند دخوله جدة عام 1344هـ/1926م. وكان إذا أتى الملك ليقيم في بيت الشيخ محمد، سكن هو وأسرته وخدمه في الطابق الأعلى من البيت، وترك الطوابق الثلاثة للملك. ورغم التغييرات الكبيرة التي حدثت في جدة فإن البيت، بمكتبته، لا يزال موجوداً حتى الآن.
وأحياناً كان ينزل بناية الحامية التركية القديمة المسماة (الحميدية). ثم بدأ يسكن في بيت فخم ذي طابق واحد يسمى الكندرة. وكان من البيوت المشهورة، التي بنتها أسرة السقاف، ويقع في محل فندق الكندرة كونتننتال بجدة. وكانت أسرة السقاف من الأسر الثرية، التي تملك ثروة ضخمة. وقد أُنفقت معظم هذه الثروة في إنشاء أبنية بديعة في مكة المكرمة وجدة، ووضع الملك يده على عدد منها لاستعماله الخاص، بعد أن دفع تعويضات كبيرة عنها إلى أسرة السقاف. وبذلك ضمن، كعادته، أن الأسرة لن تخسر شيئاً، من جراء تصرفه.
ولم يُبْن قصر خاص للملك عبدالعزيز في جدة، إلا في منتصف الثلاثينات من هذا القرن. ولم يبنه الملك، وإنما بناه تاجر نجدي ثري من سكان تلك المدينة، وأهداه إليه. وقد أصبح يعرف باسم (القصر الأخضر)، لأن مادة بنائه كانت خضراء إلى حد ما. وبعد ذلك شيد الملك قصر خزام بالنزلة اليمانية بجدة، وأقام به في أواخر عام 1351هـ/ربيع 1933م. أما في الطائف فقد اتخذ الملك قصراً كبيراً يسمى شبرا. وكان هذا القصر للشريف عبدالله باشا، الذي كان أميراً على مكة، قبل الشريف حسين بن علي. وكان القصر نسخة من بناية في حي شبرا بالقاهرة، خلبت لب الشريف. ويقال إنه جلب آلاف الأطنان من المرمر والمواد اللازمة لبنائه، قطعة قطعة من مصر، ليطمئن بأنه سيكون صورة مطابقة لبناية شبرا الأصلية. وفي مكة اتخذ الملك عبدالعزيز لنفسه قصوراً شيدت فيما بعد. وكان مقر الديوان العالي في أجياد بمكة، وكان يقيم بقصر بالمعابدة، ينزل فيه أيام الحج، ويقيم فيه حفلة الحج السنوية لكبار الحجاج.
1. تشكيلات ديوان الملك عبدالعزيز
كان الملك عبدالعزيز نفسه، هو الذي نظم الديوان الملكي بالطريقة المريحة التي سار عليها. وكان الديوان يتكون من شعبتين، إحداهما تهتم بالشؤون الخارجية، والثانية تعني بالأمور الداخلية. وكانت هناك وزارة خارجية منفصلة عن الديوان، ومكتملة التنظيم. وكانت شعبة الشؤون الخارجية في الديوان، مكونة من رئيس الديوان، ورئيس المترجمين، ومحرر للرسائل، وطابع على الآلة الكاتبة. وعندما توفي الملك سنة 1373هـ/ 1953م، لم تكن هذه الشعبة أكثر من ذلك. أما الشعبة التي كانت تعني بالأمور الداخلية، فلها رئيس وخمسة أو ستة كتاب. وكانوا قد وزعوا العمل بين ما هو خاص بحاضرة وسط الجزيرة العربية، وما هو خاص بالقبائل البدوية. وكان هناك، كذلك، بضع كتاب صغار، وموظف مسؤول عن دراسة العرائض المرسلة إلى الملك وتلخيصها، هو حمد المضيان.
وفي أول الأمر، لم يكن بين موظفي الديوان من يتسلم راتباً منتظماً. كان جلالته يدفع ما يراه مناسباً للعاملين معه مثلما كان يدفع لجنوده من البادية، على شكل منح، وهدايا دورية، من النقود والملابس. وعند نهاية كل سنة تُعطى هدية إضافية من النقود. إضافة إلى ذلك كان يكسو أسر موظفي الديوان الملكي على نفقته الخاصة. ولم يكن ذلك الأسلوب متبعاً في الحجاز، لأن الموظفين هناك كانوا يتسلمون رواتب منتظمة، كما كانت عليه الحال زمن حكم الأشراف. وذات يوم تقدم بعض الموظفين إلى الملك، ورجوه أن يدفع لهم رواتب منتظمة، بدلاً من الهدايا والمنح، فوافق على ذلك.
وكان من عادة الملك عبدالعزيز السنوية، أن يكسو جميع رجاله وحاشيته وموظفيه، ليلة العيد، كل حسب درجته. ولما تكاثر عدد الموظفين، اقتصر الكساء على كبارهم. وكانت هذه الكسوة تعني العباءة، والثوب، والغترة (عمامة الرأس)، والعقال. ثم أدرك الملك أن تكرار هذا النوع من الكساء، يزيد عن حاجة المكسو، فأمر بإرسال قطع من الجوخ توزع سنوياً على كبار الموظفين، وعدد ممن دونهم. ثم حوّل ذلك إلى نقد سنوي بما يساوي الكسوة أو يزيد عليها. واستمر هذا إلى آخر أيامه.


_____________

وكان ديوان الملك عبدالعزيز، في الرياض، يشتمل على ما يأتي:
المجلس الخاص: ويسمى أعضاؤه بالجماعة، أو الربْع، وينعقد مرتين في اليوم، قبل الظهر وبعد العصر، برئاسته. وفي مقدمة من كان يحضره أخوه الأمير عبدالله بن عبدالرحمن، وولي عهده، ثم حاملو لقب وزير الدولة، والمستشارون. وينضم إليهم من يكون في الرياض من وزرائه وسفرائه، ووزرائه المفوضين.
الشعبة السياسية: اختصاصها في الشؤون الخارجية للدولة، وترتبط بوزارة الخارجية.
الديوان الملكي: اختصاصه في الشؤون الداخلية، ومنه تصدر جميع المعاملات والخطابات الخاصة والعامة، ماعدا الشؤون السياسية.
شعبة الشفرة والبرقيات: أو الشعبة السّرية، ومنها تصدر الأمور المستعجلة والسرية، وترفع منها البرقيات وتستقبلها.
شعبة البادية: أو الشعبة الداخلية، اختصاصها داخلية نجد.
الزكاة وبيت المال.
شعبة المحاسبات والأعطيات.
شعبة الوفود والضيافة: اختصاصها استقبال الضيوف، والسهر على راحة الوفود، والإشراف على القصور الملكية، المخصصة لضيوف الملك. وهي ثلاثة أقسام: مضيف الوفود الممتازة، ومضيف الحضر، ومضيف البدو.
الخاصة الملكية: اختصاصها ما يتعلق بشؤون القصر الملكي.
شعبة أهل الجهاد: اختصاصها النظر في شؤون الجند غير النظامي.
شعبة الخزينة الخاصة.
شعبة المخازن الخاصة (المستودعات).
رئاسة الحاشية: وتشمل العبيد والأخوياء (المرافقون) وحرس القصر.
رئاسة الخيل: اختصاصها الإشراف على خيول الملك.
رئاسة الجيش (الإبل): اختصاصها النظر في إبل الخاصة الملكية .
شعبة السّيارات.
شعبة الإذاعة: تكونت بعد وصول الراديو إلى البلاد العربية. اختصاصها تلقف الأخبار من إذاعات العالم، ليلاً ونهاراً، وإعداد أهم ما فيها لتلاوته بين يدي الملك، وهي قسمان: العربي، لالتقاط ما تذيعه المحطات المختلفة باللغة العربية، والأجنبي، لأخذ المهم من الإذاعات غير العربية، وترجمته.
الحرس الملكي.
الشعبة الصحية: اختصاصها طبابة القصر الملكي

2. النيابة العامة في الحجاز
كان أول ما عُني به الملك عبدالعزيز، بعد استصفائه الحجاز، والدخول في طور الاستقرار، تنظيم الدولة، وتوزيع المسؤوليات. فأسند إلى ثاني أنجاله الأمير فيصل، رئاسة الحكومة بمكة، وأقامه نائباً عاماً عنه في الحجاز سنة 1344هـ /1926م. ثم أضاف إلى مهامه رئاسة مجلس الشورى سنة 1345هـ /1927م، ثم وُلي وزارة الخارجية، في رجب 1349 هـ/نوفمبر 1930م، وهي أول وزارة أحدثت في الحكومة العربية السعودية بصفة رسمية. وظل الفيصل محتفظاً بها حتى وفاته.
وأضيفت إلي الأمير فيصل رئاسة مجلس الوكلاء، فكان يُخاطب بلقب (النائب العام)، حين يكون والده الملك عبدالعزيز في نجد. وبلقب (رئيس الوكلاء) حين يكون الملك في الحجاز. ووزير الخارجية في كل ما يتعلق بهذه الوزارة في داخلها، وفي الشؤون الخارجية كافة.
وربطت بالنيابة العامة أو رئاسة مجلس الوكلاء، شؤون الحجاز الداخلية، وعسير، والقضاء، والشورى، والمعارف، والبريد. أما وزارة الخارجية، فكان ارتباطها به شخصياً، بصفته وزيرها.

3. ديوان النيابة العامة في الحجاز
كان للنيابة العامة ديوانها، يجمع بين أعمالها الكثيرة، وأعمال مجلس الوكلاء. ولا صلة له بأعمال مجلس الشورى، أو وزارة الخارجية، إلا فيما يكون من المعاملات بينه وبين الدواوين الأخرى.
وكان ديوان النيابة مؤلفاً من:
أ) المكتب الخاص، لتلقي مكاتبات النائب العام السرية والخاصة، والإجابة عنها.
ب) مكتب النيابة، لتلقي المعاملات والأوراق الرسمية وعرضها عليه، واستيفاء ما يتعلق بها.
ج) مكتب اللجنة الدائمة لمجلس الوكلاء.
د) شعبة الحاشية والضيافة.
هـ) شعبة اللوازم الخاصة.
و) شعبة الخيل.
ز) شعبة البادية.
ح) شعبة الجيش (أي الإبل).
ط) شعبة السيارات.
وكان مقر ديوان النيابة العامة الدائم، في مكة المكرمة.
4. الملك عبدالعزيز في مجالسه العامة والخاصة
أ. المجلس العام
كانت للملك عبدالعزيز أوقات مخصصة لمجلسه العام، يدخله كل قادم عليه. ويمتلئ كثير من مقاعد المجلس، بمن يحضر من اخوته وأبنائه ومستشاريه وخاصته. يجلس آل سعود عن يمينه أو يساره، في صف واحد، وفي نظام ثابت محكم، حسب أعمارهم، الأكبر فمن يليه. ويفسح كل منهم المكان لمن هو أسن منه، ولو بأيام، يفعلون ذلك في حركة سريعة. ومن لم يكن من آل سعود، يجلس في صف آخر إلى جانب الملك، عن يمينه أو عن يساره. ويظل عن يمين الملك فراغ لبضعة أشخاص، قد يحضرون أو يحضر بعضهم، من ضيف كبير أو ذي شخصية مرموقة. فإذا دخل أحد الضيوف، وقف الملك له، ووقف الجميع، ومد يده لمصافحته، وأشار إليه بالمكان، الذي ينبغي أن يجلس فيه، إلى جانبه، أو قريباً منه، أو بين (الجماعة)، الذين هم المستشارون والخاصة، فمن يليهم.
فإذا كان الداخل على المجلس لا يريد أن يكلف الملك القيام، والسّلام باليد، أو تقبيل يده، يقف في مدخل المجلس، ويرفع صوته قليلاً بتحية الملك: صبّحك (أو مسّاك) الله بالخير، ويجلس حيثما يجد فراغاً في المكان. وإذا كان الملك مشغولاً بحديث مع أحد القريبين منه، أو بقراءة ورقة، أو بإملاء كلمة، أو بشاغل ما، دخل القادم بهدوء إلى حيث ينتهي به المجلس، أو إلى مكانه المعتاد جلوسه فيه، ويجلس مترقباً انتهاء الملك من عمله فيقف، رافعاً صوته بالتحية. وقد يجيب الملك بهز رأسه، أو تحريك شفتيه، أو بلفظ "بالخير". وإذا أراد أحد الجالسين الانصراف، انسل بحركة خفيفة، لا سلام معها ولا كلام.
و يستطيع كل من يريد أن يحضر المجلس العام. وكان المجلس يضم، عادة، ما بين ثمانين وثلاثين ومائة رجل. وكان يبدأ بتلاوة آية من القرآن الكريم وتفسير لها. ثم يتحدث عن موضوع ذي أهمية وطنية، ويطلب من الحاضرين أن يناقشوه فيما يودون مناقشته. وكان الأمر يتم بطريقة أشبه ما تكون بالمؤتمر الصحفي، إلاّ أنها أقل رسمية.
وإذا تكلم الملك في مجلسه العام، أنصت الجميع بطبيعة الحال. فإذا سكت أو انتهى من حديثه، فلكل شخص من الجالسين، كبيراً كان أو صغيراً، أميراً أو موظفاً أو زائراً، أن يتكلم موجهاً خطابه إلى الملك، ولا يقاطعه أحد مهما تكن مكانته، إلاّ من كان من المعبرين، عادة، عن رأي الملك، أو من معارض له يريد مناقشته. والمبدأ العام هو حرية القول لمن شاء الكلام، عندما يصغي الملك أو يصمت. وأكثر ما تكون مجالس الملك العامة، قبل الظهر، وبعد صلاة العصر.
ب. مجلس الدرس
وهناك مجلس يومي آخر، هو بين الخاص والعام، يشبه الجلسة المفتوحة غير الرسمية. يبدأ بعد صلاة العشاء، وينتهي بانقضاء سهرة الملك. وقلّما يحضره أحد من الأمراء السعوديين. ويقتصر، في الغالب، على كبار الموظفين، وبعض الأعيان، والضيوف غير الأجانب. وكان الجو السائد في المجلس المسائي، دائماً، أكثر اتساماً بالانبساط والراحة، من جو مجلس العمل الصباحي. وهذا المجلس، عادة، تناقلها حكام آل سعود عن أسلافهم. وتُتلى فيه مختلف أنواع المعارف. يُفتتح هذا المجلس، عادة، بقراءة قارئ الملك الخاص، عبدالرحمن القويز، جزءاً من السّيرة النبوية لمدة نصف ساعة، ثم يفتح المجال، لمن يريد أن يطرح موضوعاً للمناقشة.
يقول الزركلي:
"كانت تتلى فيه مختلف الأنواع، بين تفسير للقرآن، سمعت فيه فصولاً من (تفسير القرطبي). وبين نظرة في كتب التاريخ، سمعت فيها صفحات من (البداية والنهاية) لابن كثير. وبين إلمامه بالأدب والأخبار، حضرت منها شيئاً من ( الآداب الشرعية ) لابن مفلح. وقد قرأت له هذه الكتب الثلاثة، وغير القليل من أمثالها، من بدايتها إلى نهايتها، في زمن امتد من بدء إمارته، إلى ختام حياته. وكانت الطريقة في هذا الدرس اليومي، أن يجلس القارئ، وهو موظف رسمي، من رجال العلم بهذا الشأن، في أقصى مقعد عن يسار الملك، وأمامه مصباح كهربائي، ويدير زره فيضيء. ويفتح كتاباً فيقرأ منه فصلاً، بعد الفصل الذي قرأه في الدرس السابق. ثم يغلقه، ويقرأ فصلاً آخر من كتاب آخر. والعادة أن يبدأ بتفسير القرآن، ويثني بالتاريخ، ولا تزيد المدة عن نصف ساعة. ويختم الدرس بإغلاق الكتاب وإطفاء المصباح، وانسحاب القارئ بهدوء. وليس من عمل القارئ أن يشرح أو يزيد شيئاً على تلاوة المتن. وفي أكثر الأيام تعلق في ذهن الملك آية يستشكل تفسيرها، أو حديث نبوي أو موعظة أو حادثة من التاريخ تستحق التعليق عليها، فيتساءل، أو يتحدث بما يخطر بباله في الموضوع. ويتناول أهل المعرفة (وسواهم) من الجالسين، الآية أو الخبر ـ تاريخياً أو أدبياً، وربما كان بيتاً من الشعر ـ بتعليقاتهم.
وكثيراً ما يدور الحديث حول خبر جديد، مما يلتقطه موظفو الاستماع إلى مختلف الإذاعات. وهؤلاء يدخل أحدهم مجلس الملك العام، أو شبه الخاص، ويتلو ما تجمع لديه، ولدى زملائه، من أخبار، وهو واقف، بصوت يسمعه كل من في المجلس. فإن كان في ملتقطاته جديد دار الحديث حوله. وقد يتكرر الدرس مرتين في اليوم، والإذاعة مرتين أو أكثر.
وبعد فراغ القارئ من قراءته، كان يؤتي عادة بإناء كبير مملوء بحليب النوق، فيشرب منه الملك، ثم يناوله إلى ضيوفه فيشربون منه واحداً بعد الآخر.
وكان الملك عبدالعزيز، في أعوامه الأخيرة، إذا انقضى الدرس، أخرج الجلوس عن صمتهم بخبر سمعه، وترك لهم مجال التعليق. وقد يناقشهم ويناقشونه، حتى إذا سكنت حدة النقاش، هدأت أعصاب الملك، وغفا اغفاءات خفيفة، بينما يتهامس جلساؤه، كل متجاورين فيما بينهما. وإذا صمت الجميع وساد السكون، فتح الملك عينيه وقال: ما يخالف! (أي: لا بأس) امضوا في أحاديثكم كما كنتم. وكأنه بهذا يأنس بسماع الحديث، ويظل بين النائم واليقظان. ثم ينظر في الساعة، فإذا حان موعد انفضاض المجلس، قال: هاتوا الحصان! ويعني بالحصان الكرسي الذي أهداه إليه الرئيس الأمريكي روزفلت، حينما التقيا في البحيرات المرة، عام 1364هـ/1945م، ويسرع بعض الخدم بتقديم الكرسي ذي الدراجات الأربع، فينهض الملك متثاقلاً من مجلسه، ويعتلي الكرسي، فيدفعه الخدم إلى جهة غرف أسرته.
وفي العادة، حين يغادر هؤلاء الضيوف، يقوم الملك بجولة في الديوان، حتى ينتهي غالباً عند الشعبة السياسية حيث ينتظره مستشاروه، لمناقشة بعض الأمور المهمة. وقبل أن يذهب إلى غرفه الخاصة، يقوم بزيارة أخيرة لمكتب ديوانه، ليرى إن كان هناك ما يتطلب عنايته الشخصية. وكان مستعداً دائماً للاستماع إلى أية مشكلة، مهما كانت صغيرة، وإبداء النصح والتوجيه.
ج. المجلس الخاص
كانت مجالس الملك عبدالعزيز الخاصة، جلها للعمل، ويحضرها أخوه الأمير عبدالله بن عبدالرحمن، وولي عهده الأمير سعود، وبعض مستشاريه، ورئيسا الديوان والشعبة السياسية، ومساعد رئيس الشعبة. ويُسمي الجميع (الربع)، يجلسون متربعين بين يديه، كالحلقة، وهو على كرسيه، ينحني عليهم، ويمتد عنقه فوقهم. ويبدأ رئيس ديوانه تلاوة ما عنده من برقيات. ويُملي عليه الملك أجوبتها. وكثيراً ما ينظر في وجوه "الربع" عند إملاء الأجوبة، فإن كان لأحدهم رأي، طُرح للبحث. ثم يأتي دور مساعد رئيس الشعبة السياسية فيقرأ خلاصات للرسائل والعرائض الواردة. ويجيب الملك على كل منها بإيجاز يصوغه الكُتّاب فيما بعد. وقد يعاد عرض المهم منها عليه، قبل إنفاذه. وهناك ما يأتي من سفاراته في البلاد الأجنبية، كالتقارير السياسية وأمثالها، كان يقرأها بنفسه، ويملي الإجابة على بعضها، كما يملي التعليمات والأوامر، بالنص، ولا يأذن لأحد من كتابه بزيادة فيها أو نقصان. واستمر على هذا الحال إلى أن ضعف بصره في العامين الأخير، قبل وفاته، ولكنه يرعى بسمعه وببصره أية ملحوظة يبديها أحد الجلوس لديه، في الموضوع.


____________

. البرنامج اليومي لعمل الملك عبدالعزيز
كان موظفو الديوان الملكي يقولون، إنهم يضبطون ساعاتهم على تنقلات الملك وأعماله اليومية المعتادة، كخروجه من قصره الداخلي، وعودته إليه، وجلوسه للنظر في الأعمال، وقيامه للنزهة، وابتدائه السهرة، وغير ذلك. فهو من أشد الناس محافظة على برنامج عمله، حتى في أسفاره، أيام كانت مطاياه ظهور الخيل والإبل.
اعتاد أن يستيقظ قبل الفجر بنحو ساعة، أي في الثلث الأخير من الليل، فيقرأ سوراً من القرآن الكريم، ويتعبد ويتهجد، وكثيراً ما يُـسمع له نشيج. ويستمر إلى أن يؤذن الفجر، فيصلي الصبح مع الجماعة، ويسبّح، ويقرأ ورد الصباح. ويدخل فيضطجع إلى أن تشرق الشمس. ثم ينهض فيغتسل، ويلبس ثيابه ويتناول طعام الإفطار. وفي الثامنة صباحاً يخرج إلى المجلس الخاص، فتُعرض عليه مهام الحكومة في فترة غير طويلة، يأذن بعدها بالمقابلات الخاصة لكبار الزوار، كما يقابل شيوخ البدو، ويسمع شكوى المشتكي ونصح الناصح، ويتباحث مع زواره في شؤونهم.
ثم ينتقل إلى المجلس العام، حيث يدخل كل من يريد مقابلته. ويقضي في ذلك نحو ساعة، يمضيها في حديث أشبه بخطابة، فيما يهم أمر الدين والدنيا. فإذا اقترب وقت الظهر، نهض للغداء، ومنه إلى القصر فيستريح قليلاً، ثم يصلي الظهر مع الجماعة، ويعود إلى مجلسه الخاص، فيعرض عليه ما تجدد من الشؤون العامة، إلى صلاة العصر. ويجلس بعدها لإخوانه وأولاده وأقاربه وكبار الموظفين، يسامرهم. ثم يخرج بسيارته إلى ظاهر المدينة للرياضة، ويعود بعد صلاة المغرب.
وبعد العشاء يجلس في مجلس شبه عام. وهناك يحضر القارئ، فيتلو فصولاً من كتب مختلفة، في الحديث والتفسير والتاريخ والأدب، كما تقدم. وبعد قليل، يدخل قارئ الإذاعة العربية، فيتلو ما التقط من محطات الإذاعة الشرقية من متنوع الأخبار. ويأتي بعده قارئ الإذاعات الأجنبية، علي النفيسي، وقد ترجم أهم ما أذيع. ويتكرر دخول قراء الإذاعات في الضحى، وبعد العصر، والهزيع الأول من الليل.
وفي نحو الساعة الرابعة بالتوقيت العربي، (العاشرة زوالية) مساء، ينفض المجلس بنهوض الملك عائداً إلى داخل القصر، بعد أن يتلطف بكلمات يختمها بتحية الجميع: السلام عليكم.
وكان هناك أفراد قلائل من الخاصة، في مقدمتهم عبدالله السليمان، لم يكونوا يحجبون عن الدخول عليه في أوقات راحته وتهجده، قبل الفجر، وبعد صلاة الصبح، يعرضون ما يعن لهم من أنباء أو مقترحات أو همسات، وهو يصغي، ويستوعب ما يقال، وربما كان بين النائم واليقظان.
وهذه صورة أخرى لبرنامج عمل الملك يرسمها المانع:
وكان الملك يبدأ عمله اليومي في القصر حوالي الساعة الثامنة صباحاً، حيث يقدم له رئيس التشريفات، إبراهيم بن جميعة، أسماء الذين يودون مقابلته ذلك اليوم. وكان على من يرغب أن يرى الملك، أن يرتب ذلك مع إبراهيم، ولكن الملك كان من الناحية الواقعية يرى تقريباً كل إنسان يود مقابلته. وكان يبدأ بمقابلة من لديهم أمور مهمة، في مجلس خاص، حيث يقدمون له واحداً بعد آخر طبقاً لأسبقيتهم ومكانتهم. فإذا أخذ عدد هؤلاء في التناقص، بدأ بتصريف الرسائل اليومية. وكان من المألوف أن تراه يتحدث إلى أحد زعماء البادية، وهو يملي رسالتين في وقت واحد.
وكان للملك قدرة فذة في فهم النّقاط المهمة، في أية قضية يُسأل عنها. كما كان قادراً، دائماً، على إعطاء إجابة فورية كاملة، بعبارات موجزة مختارة. وبهذه الطريقة كان كل من يشهد مجلسه يغادره وهو مرتاح، لأنه قد نال من جلالته اهتماماً شخصياً. ونادراً ما كان المجلس العام يدوم أطول من أربعين دقيقة، لكن كمية العمل، التي كانت تنجز فيه، مدهشة.
وكانت فترة عمل الملك الصباحية تنتهي، عادة، بنهاية مجلسه العام. ثم يتناول غداءه ويستريح لدى أهله، حتى أذان الظهر. وبعد الصلاة، يجتمع بالشعبة السياسية، التي كانت وظيفتها إبداء المشورة للملك، من دون أن تكون لها أية سلطة تنفيذية. وكان بعض أعضائها رجالاً أقوياء ومهمين. وكان الملك يطرح الموضوع الذي يود أن يستشير الأعضاء فيه، فيناقش مناقشة عامة يبدي خلالها كل عضو رأيه الحقيقي بحرية، ويقدم ما يراه من اقتراحات. ثم يُنهي الملك المناقشة حين يظن أن الأمر نال ما يستحق من نقاش، ويتخذ قراره الخاص تجاهه. ولم يكن أحد من أفراد الشعبة يفكر أبداً، في اقتراح موضوع للمناقشة بمبادرته الشخصية، لأن ذلك كان خاصاً بالملك وحده.
وبعد أن يُنهي الملك اجتماعه بمستشاريه، يخرج وعدد قليل من حاشيته، بجولة في السيارة في ضواحي المدينة، حتى قرب غروب الشمس. وكان الملك يحب التجول في السيارة. وكانت لذلك فائدته، إذ يتيح لشعبه أن يراه يومياً. وكان أحياناً يذهب مسافة قصيرة في الصحراء، حيث يؤدي صلاه المغرب قبل أن يعود إلى القصر، لتناول العشاء. وكان أحد الأمكنة الأثيرة لديه في الصحراء تلاً ـ اسمه أبو مخروق ـ ذا سمة مميزة، إذ يوجد في أعلاه قوس طبيعي متكون من الصخر ذاته. ومع نمو الرياض في السنوات الأخيرة أصبح هذا التل في حي الملز، ضمن المدينة. ولأهميته لدى الملك، حوفظ عليه بعناية، وجعل تذكاراً وطنياً.
واستمر روتين ديوان الملك كما هو، سواء كان في مكة المكرمة أو في الرياض. ولم يكن عمل المرء في خدمة الملك، بأية حال، عملاً مستقراً في المدينة دائماً. ذلك أن من سمات الديوان الفريدة، أن كل أفراده، تقريباً، كانوا يسيرون مع الملك أينما سار

______________

لقسم الثالث

صفاته وخصاله

يختلف الملك عبدالعزيز، في عاداته وأطواره، عن معظم الملوك والأمراء في زمانه، لأن للبيئة العربية الصحراوية، التي نشأ فيها، أثر في تكييف عاداته، خصوصاً أنه لم يغادر بلاده إلاّ إلى الكويت والبصرة والبحرين ومصر. ولم يزر البلاد الأوربية، ولم يقرأ كتب الأوربيين ومؤلفاتهم، ولم يطلع على أخلاقهم وعاداتهم.

1. صفاته الجسمية
جـاء وصف الأمير عبدالعزيـز بن سعود في جريدة (الإجيبشن ميل)، الصـادرة بالإنجليزية في 27 نوفمبر عام 1916م، على النحو التالي:
"لا يكاد ابن سعود يبلغ الأربعين من عمره الآن، على أن هيئته تدل على أكثر من ذلك. تركيبه الجسماني متناسق، طوله يزيد على ستة أقدام، يدل مظهره على أنه من الذين تعودوا الزعامة، ضخامة بنيته لا توجد في البدوي العادي، فيه كذلك المزايا التي يمتاز بها العربي الأصيل، وهي استقامة جانب طلعته، ولحامة خيشومه، وظهور شفتيه، وطول ذقنه الرقيقة. يداه نحيفتان وأصابعه لطيفه، وتلك سمة تكاد تكون عامة بين أبناء القبائل العربية الأصيلة، خطواته الواثقة، حركته الرزينة الهادئة، وابتسامته الحانية المشرقة، ونظراته العميقة المتأملة، وكلها سمات تخالف سمات الرجل الغربي، ذي الشخصية القلقة، مما زاد في وقاره ومنظره المهيب".
ووصف أمين الريحاني السلطان عبدالعزيز بن سعود عام 1341هـ/1922م، وكان يومئذ في السابعة والأربعين من عمره، بقوله:
"السلطان عبدالعزيز طويل القامة، مفتول الساعد، شديد العصب، متناسق الأعضاء، أسمر اللون، أسود الشعر، له لحية خفيفة مستديرة، وشارب يأخذ منه حسبما ورد في السنة المطهرة، له من السنين سبع وأربعون".
وفي جسمه كثير من الندوب، من أثر ما أصابه في المعارك من الجروح، وفي يده إصبع مشلول. ولما تقدم في السن تغيرت بعض ملامحه، وأصاب الرمد عينه اليسرى، فكان يضع نظارة يستعين بها في القراءة. ثم ازداد ضعف عينه اليسرى، وذهب نورها. ولذلك كان يدني الورقة أو الكتاب من عينيه ليتبينه جيداً.

2. كنية الملك عبدالعزيز وألقابه
كان للملك عبدالعزيز كُنى وألقاب رسمية، وغير رسمية:
أولاً: غير الرسمية وهي: أبو تركي، طويل العمر، محفوظ، سُعِّيد، ابن سعود، ابن السعود، الشيوخ، الإمام، وذلك كالتالي:
كان أحب الكنى لعبدالعزيز، أن يقال له: أبو تركي (وهو ابنه البكر)، يدعوه به رجال القبائل. وكانوا، في أحيان أخرى، يكنونه ببعض أبنائه الآخرين. وكلهم حبيب إليه، أثير عنده.
أما توجيه الخطاب إليه بطويل العمر، فهذا يشاركه فيه أكثر الناس في المملكة، عندما يتحدث أحدهم إلى الآخر. وكان أحب إليه من دعوته بعظمة السلطان، أو جلالة الملك.
وكان البدو يخاطبونه بقولهم: "يا محفوظ".
وكان المنادي يتقدم ركب الملك عبدالعزيز، عندما يسير بالإبل، حتى إذا سمعه أحد البدو أو الحضر يقصده مسرعاً وينادي على الملك، ليقضي له ما يريد من حاجة، بقوله: "يا سُعَيِّد".
ولم يكن يرتاح إلى تعريفه "بابن سعود" أو "ابن السعود"، في الكتابة عنه أو الحديث إليه، مع أنهما أشهر ما عرف به من كناه وألقابه، في الشرق والغرب.
وإذا قيل في حاشية الملك عبدالعزيز، وبين رجاله القريبين منه أو البعيدين عنه، (حضر الشيوخ) أو (فعل الشيوخ)، كان هو المعني بذلك، حتى في أيام أبيه. لأن لأبيه لقباً آخر يعرف به، هو الإمام. ولقب "الشيوخ" شائع في جزيرة العرب، لكل ذي سلطان أو رياسة. يطلق عليه في ديرته وما يتبعها، تمييزاً له عن غيره من شيوخ القبيلة أو رؤسائها. وقلما يجري لفظ "الشيوخ"، على ألسنة غير النجديين منهم. ومن نطق به من أهل الحجاز أو نزلاء بلاده، إلا القبائل، فهو مقلد يتشبه بهم أو يجاريهم.
وهناك اللقب الشرعي الخاص، لقب الإمامة، آل إليه بعد وفاة أبيه. وكان أسلافه، من عهد محمد بن سعود المتوفى سنة 1179هـ /1765م، يقرن اسم كل منهم بالإمام، كما هو معروف. وللإمامة في أعناق المسلمين حقوق، في الطاعة والأحكام، وكان لقب الإمام، منذ دعي به عبدالعزيز، أحب ألقابه إليه.
ثانياً: ألقابه الرسمية، مما خاطبته به الحكومات وبعثاتها، في مكاتباتها وعلى ألسنة ممثليها ووفودها وما ورد في صحفها، وما كان يقترن به اسمه في المعاهدات الدولية وما يشبهها من عقود ورسائل، وهي: أمير نجد ورئيس عشائرها، الباشا والي نجد وقائدها، سلطان نجد، عظمة سلطان نجد وملحقاتها، جلالة ملك الحجاز ونجد وملحقاتها، صاحب الجلالة ملك المملكة العربية السعودية. وذلك كالتالي:
أول ما عرف به من الألقاب أيام اشتغاله بتوحيد أجزاء نجد، والقضاء على الفتن فيها، ومعاركه مع ابن رشيد وغيره، هو: "أمير نجد ورئيس عشائرها".
وبعد أن حُوّلت نجد إلى ولاية ومنح لقب باشا، كتب إليه الترك بلقب: "والي نجد وقائدها عبدالعزيز باشا".
ولما عقد مؤتمر الرياض سنة 1339هـ /1921م، وحضره علماء البلاد ورؤساؤها، تقرر أن يكون لقبه "سلطان نجد"، وكذلك لقب من يخلفه بعده. واعترفت الحكومة البريطانية له، ولمن يخلفه من ذريته بهذا اللقب، في27 ذي الحجة 1339هـ /22أغسطس 1921م، فجعلت تنعته بـ (صاحب العظمة سلطان نجد).
ولما ضمت إمارة آل عائض في تهامة عسير، وإمارة حائل في الشمال إلى سلطنة نجد سنة 1340هـ /1922م سميت بلاده سلطنة نجد وملحقاتها، وجعل لقبه: "عظمة سلطان نجد وملحقاتها".
وبعد دخوله جدة سنة 1345هـ /1926م اجتمع أعيانها وأعيان مكة وبايعوه ملكاً على الحجاز، فأصبح لقبه: "جلالة ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها"، وأُبلغ ممثلو الدول الأجنبية ذلك فاعترفت به.
وفي 25 رجب 1345هـ/ 19يناير1927م بايعه أهل نجد، في الرياض، ملكاً لنجد، فأصبح لقبه: جلالة "ملك الحجاز ونجد وملحقاتها".
وفي 17 جمادى الأولى 1351هـ صدر مرسوم ملكي في الرياض، بتوحيد أجزاء المملكة الحجازية والمملكة النجدية وملحقاتها، وتسميتها جميعاً المملكة العربية السعودية ابتداء من يوم الخميس 21 جمادى الأولى 1351هـ /22 سبتمبر 1932م، فأصبح لقبه الرسمي من هذا اليوم: صاحب الجلالة "ملك المملكة العربية السعودية".
وبهذا اللقب دعي الملك عبدالعزيز بين رجاله وفي خاصته، ثم في مختلف أوضاعه السياسية وعلاقاته الخارجية رسمياً.

3. تدينه وتقواه
كان الملك من بداية حياته حتى نهايتها، مسلماً تقياً ورعاً، يتبع أوامر الشريعة. فهو من أسرة حاربت طوال قرنين من الزمان من أجل العقيدة السلفية الصحيحة، وإرشاد الناس، ومحاربة البدع والخرافات. ومع أنه لم ينل قسطاً وافراً من التعليم، في صباه وشبابه، لكن ذلك لم يمنعه من أن يقف على معاني آيات القرآن الكريم ويفهم الكثير من الكتب الدينية. وكان يخصص نصف ساعة في اليوم لقراءة القرآن، ويحافظ على تلاوة الأوراد والأذكار. وكان نادراً ما يتحدث أحد من دون أن يستشهد بآية من القرآن الكريم، الذي كان يستقي منه فيضاً لا ينضب، من الحكمة والإلهام. وغني عن القول، أنه لم يشرب الخمر أو المسكرات، ولم يدخن. وكان يؤمن أن ما أصابه من توفيق، فهو من الله وحده. ولما بسط سلطانه على الحجاز عظمت مسؤولياته الدينية، وأصبح مسؤولاً عن تأمين الحج، وتوفير الراحة للحجيج، وخدمة الحرمين الشريفين.
وقد منحته معتقداته الدينية قوة في مختلف الأحوال. من دون أن يكون مختالاً فخوراً بنفسه، بل متواضعاً بسيطاً.
تعلم الملك عبدالعزيز من دينه نظاماً دقيقاً لحياته، في بلاده الصحراوية القاسية. وكانت أعمال الملك اليومية وأوقاتها، ترتبط بأوقات الصلاة، التي تبدأ بصلاة الفجر، وتنتهي بصلاة العشاء.
وفي أسفاره في الصحراء، كان ينطلق بعد ساعة ونصف من شروق الشمس، ويتوقف عند وقت الصلاة، ثم يتابع سيره حتى قبيل غروب الشمس.
ولمّا سافر من جدة إلى مصر، على ظهر الطراد الأمريكي، أخذ يسأل عن جهة القبلة، ولم يترك فروض الصلاة وهو على ظهر الفلك. ولم يتمكن تشرشل من إشعال سيجاره الشهير في حضرة الملك، لعلمه بمدى التزامه بحرمة التدخين.
وربما كان أعظم مكاسبه من استيلائه على الحجاز، أنه تمكّن من أداء الحج كل سنة. وكان الملك يقيم احتفالاً في مساء اليوم الثالث عشر من ذي الحجة، لكل زعماء العالم الإسلامي، الذين أدوا الحج. وكان يلقي قبل المأدبة خطاباً يشتمل، عادة، على نصيحة طيبة وتوجيه ديني سليم. وكان هذا الاحتفال، أو المؤتمر الإسلامي العالمي، مفتوحاً لكل الحجاج البارزين. وكانت الجموع الغفيرة تزدحم لسماع كلمات جلالته. وبعد أن يلقي خطابه يفتح المجال لكل زعيم، يريد أن يعبر عن رأيه في الأحداث الجارية

_____________

برّه بوالده وبأسرته
كان الأمير عبدالعزيز، بعد أن تولى الإمارة في الرياض، يزور أباه الإمام عبدالرحمن في قصره، صباح كل يوم. ويزوره والده بعد صلاة الجمعة من كل أسبوع. وعندما يصل الإمام عبدالرحمن ، ينهض الأمير عبدالعزيز من مكانه، فيستقبله، ويقدمه إلى صدر المجلس، ويجلس بين يديه مع الأخوياء (المرافقين)، أو بين الزوار. وكان حين يخاطب أباه، يجعل لنفسه صفة المملوك، ويجلس بين يديه صامتاً، ينتظر ما يأمره به.
ويروي أحد مرافقي الملك، عن تأدبه مع أبيه قائلاً: "أذكر يوماً وقد عدنا من مكة إلى الرياض، في ركاب الملك عبدالعزيز، وكان الإمام عبدالرحمن حياً، فوصلنا إلى بلدة مراة، فبعث يستأذن أباه في دخول الرياض، وعين الوقت الذي يمكن أن يصل فيه إلى الرياض. وفي صباح اليوم التالي مشى حتى بلغ أسوار المدينة قبل الميعاد الذي حدده بخمس وأربعين دقيقة. ولم يشأ أن يدخل المدينة حتى بعث يستأذنه مرة أخرى. وقصد بيت أبيه، فسأل عنه، فقيل له إنه لم يجلس بعد. فجلس في فناء الدار ما يقرب من عشر دقائق. ولما نزل الإمام عبدالرحمن إلى مجلسه، جاء الخادم، وأخبر الملك بإذن والده بالدخول عليه، فدخل، وقبّل رأس أبيه، وجلس على الأرض، ووالده على أريكة، ويده على ركبة أبيه. قال المتحدث: لم يكن عبدالعزيز في ذلك الموقف ملكاً، وإنما كان في مظهر المتأدب المخلص المطيع. شأنه معه في سائر المواقف، طاعة وحباً".
وكان يرجع إلى أبيه، في كل ما يهم من أمور الدولة. وقلما يعقد أمراً ذا بال، إلاّ بعد استشارته واستئذانه. وكلما وردت عليه رسالة، لها أهمية خاصة، أرسلها إلى والده ليطلع عليها، أو ليبدي فيها رأيه.
وعندما أراد عبدالعزيز السفر من الرياض إلى الحجاز، في أواخر سنة 1346هـ/ 1927م، دخل على أبيه يودعه. وكان يخشى أن يكون الوداع الأخير، فكان يقبل يديه ويسأله: هل أنت راض عني؟ فيجيبه الإمام، وهو جلد صبور: "لا شك". فيعود إلى يديه يقبلهما، ويعيد السؤال: والدي هل أنت راضٍ عني؟ فيجيبه: لا شك في ذلك. وما زال يكرر السؤال، ووالده يجيبه من صميم قلبه برضاه؛ حتى شفى نفسه. وكان ذلك آخر لقاء له بأبيه، وصوت رضاه الأبوي يرن في أذنه، حتى هذه الساعة.
اعتاد الملك عبدالعزيز، أن يطلع أباه على كل ما يريد توجيهه إلى حكام العرب، والأجانب، من الرسائل، لمعرفة رأيه، ولإحاطته علماً بما فيها. ولكن أباه كان يردها مع الرسول كما هي.
قال حافظ وهبة: لاحظت ذلك في إحدى زياراتي للإمام عبدالرحمن، فقلت له: إن عبدالعزيز أرسلها إليكم، لترشدوه برأيكم، إذا رأيتم فيها خطأ. فقال: "عبدالعزيز موفق، خالفناه في آرائه كثيراً، ولكن ظهر لنا بعد ذلك أنه هو المصيب، ونحن المخطئون. إن نيته مع ربه طيبة لا يريد إلا الخير للبلاد وأهلها، فالله يوفقه ويأخذ بيده، و إن تنصروا الله ينصركم".
أشار سانت جون فيلبي إلى المرة الأولى التي رأى فيها الأمير عبدالعزيز سنة 1333هـ/1915م، فقال ما خلاصته:
دخلت الرياض، ومعي الكولونيل كانليف أوين، وجندي من الخدمة، وقد ارتدينا الملابس العربية، وكان في استقبالنا إبراهيم بن جميعة، فدخل بنا القصر، إلى غرفة كان فيها شيخ ضئيل الجسم، في نحو السبعين من عمره. سلمنا عليه، ودعانا إلى الجلوس، وجيء بالقهوة، وهو يسأل عن أحوالنا ويلاطفنا.
قال فيلبي: وبينما كنت أقول في نفسي: من هذا؟ وأين ابن سعود؟ إذا بالشيخ ينهض متمهلاً، ويقول: مرحباً بكم، حديثكم مع الابن عبدالعزيز… وما كاد يتوارى، حتى انتصب من زاوية المجلس عملاق أقبل علينا، فعرفناه أنه سيد الجزيرة. وكان منطوياً على نفسه تأدباً، في حضور أبيه، فكأن عيني لم تقع عليه.
قال أحمد حمدي الطاهر صاحب كتاب (الحجاز مهبط الوحي):
"حدثني شيخ كبير من علماء مكة، قال:
لما استقرت الأمور للملك عبدالعزيز في الحجاز، حضر والده الإمام عبدالرحمن بن فيصل آل سعود من الرياض، ليؤدي فريضة الحج، فدخل المسجد الحرام يطوف بالبيت العتيق، ومعه ابنه الملك عبدالعزيز. فطاف الوالد والولد. ولكن الأب كان قد جاوز المئة (؟) من العمر، ضعيفاً لا يقوى على المشي والتعب، فأدركه الإعياء فهبط على الأرض بعد ثلاثة أشواط من الطواف. فما كان من ابنه الملك، الذي يمكنه أن يصدر الأوامر إلى خدمه وعبيده بأن يحملوه على أكف الراحة، إلاّ أن حمل والده على مرأى من الناس جميعاً ! وأتم بقية الأشواط.
وكان الملك عبدالعزيز بعد وفاة أبيه، لا يذكر اسمه إلا ترحم عليه، وطلب له الغفران. ولا تكاد تعرض مناسبة، إلا أشاد بما كان لوالده ووالدته من فضل في تربيته وتوجيهه. وكان يكثر من زيارة قبر أبيه، الزيارة الشرعية، حينما يكون في الرياض.
وإلى جانب بر الملك عبدالعزيز بأبيه، كان عظيم البر بأسرته، يسأل يومياً عن الجميع. ومن لم يتيسر له أن يزوره منهم، يحدثه بالهاتف، وله مجالس خاصة بالأسرة، لا يحضرها إلاّ أفرادها.
وكانت تلك المجالس أعظم مسرات الملك الخاصة. فكان يحب أن يحيط به أكبر عدد من أقربائه. وكان يعقد في الساعة السابعة صباحاً في أغلب الأيام مجلساً خاصاً يحضره كبار العائلة وأبناؤه وأقاربه، ويتناقشون في أية مشكلة من مشاكلهم، أو يكتفون بالسلام عليه. وكان يجتمع كل أسبوع بكل رجال أسرته، ويجتمع كل أسبوعين تقريباً بكل نسائها على انفراد. وكن يأتين بحجابهن الشرعي، إلا النساء من محارمه فيأتين بغير حجاب. وكان، غالباً، ما يوصي وكلاءه في بومباي ودمشق بشراء أشياء ثمينة ليهديها إلى أفراد أسرته. وكان شغوفاً بأبنائه الصغار، الذين كانوا يجرون في القصر بحرية تامة، ويزورونه في أي مجلس من دون إذن خاص.

5. أعمال البر والإحسان ومبراته الرسمية والخفية
كان الملك عبدالعزيز ينفق من ماله الخاص، على أصحاب الحاجات، ومن يمرون بضائقة، أو المنقطعين، وأبناء السبيل. ويخصص لذلك أموالاً وأرزاقاً تصرف خفية. وقد تناثرت الأخبار في جريدة أم القرى، عن دعمه للمجاهدين في الشام وفلسطين والحجاج، الذين تحول الظروف المادية دون عودتهم إلى ديارهم. ومن ذلك خبر عن قيام الملك عبدالعزيز بتأمين عودة 200 فرد من الحجاج الأفغان والهنود والبخاريين، نفد ما معهم من مال، ورحلوا بالباخرة على نفقة خزينته الخاصة.
وكان في الميزانية العامة للدولة السعودية، باب خاص بأُعطيات الملك ومبراته، مقسم إلى خمسة أقسام: إعانة المؤسسات الخيرية، وأعطيات ملكية مقررة، وأعطيات ملكية غير مقررة، وبدل كساوي، وصدقات.


أما مبرته الخفية، فيقول عنها الزركلي:

وقع نظري عليها وأنا أقلب صفحات كتاب، طبع حديثاً، قدم لها مصنف الكتاب بما خلاصته أنه كان في سنة 1926، سكرتيراً عاماً لجمعية إعانة المنكوبين في البلاد السورية. سافر مع وفد، إلى الحج لجمع ما يتبرع به حجاج بيت الله الحرام. ثم يقول ما نصه:
في الوقت المعين 13 يونيه 1926م، تشرفنا بزيارة الملك عبدالعزيز آل سعود، ونقلنا لجلالته ما حل بالبلاد السّورية من النكبات، فرد علينا بكلمات ملؤها العطف والتأثر. وحبذ حصر التبرع بجلالته وبالمقيمين في مكة المكرمة من السوريين وغيرهم من المحسنين، من دون الحجاج. ثم قال: أنا رهين رغبتكم في ذلك، وأنا ألبس ما تفصلون. ولو شئت أن أستشير أحداً لما وجدت من هو أفضل منكم. وأنا مستعد لكل ما تريدون . فشكرناه وضاعفنا الثناء على لطفه. وأجبناه: إن الأمر يعود لجلالتكم، وسنكون من الشاكرين، قل ما تجودون به أو كثر. ولما لم يعفنا من أن نقترح، راعينا ظروفه وكانت صعبة، وذلك لأن جلالته لم يضم الحجاز إلاّ منذ سنتين فقط، وكانت النفقات التي يتكبدها في الظرف الحاضر غير قليلة. فوفود المؤتمر الإسلامي المنعقد في مكة ضيوف على جلالته، ومثلهم الصحفيون العديدون، الذين وفدوا لحضور المؤتمر، وأهله وذووه الذين قدموا إلى مكة، لأداء فريضة الحج، يبلغون مع أسر ابن رشيد وابن عائض، الذين كان قد ضم بلادهم، يبلغون ألفي نسمة، حتى إن الإبل التي كانت تنقل النساء تزيد على الأربعمائة، وكل ذلك على حساب جلالته. ولهذا رأينا ألا نثقل عليه بأكثر من ألف ليرة عثمانية ذهباً، ولكن كم أكبرنا روح جلالته عندما قال: طيب! هذا باسمي وأما باسم نجد؟ فسررنا لهذا العطف بمثل هذا اللطف وأجبناه: وكذلك نجد. فقال: الحقيقة إن هذا قليل، وهذا قليل. فليكن المبلغ ألفين وألفين. ولو كان الظرف مساعداً لما اكتفيت بذلك. ثم أردف يقول: وعلى كل حال، من المستحسن أن يشار إلى أن هذا المبلغ جمع من المحسنين على يد الشيخ عبدالله الفضل ـ وكان حاضراً ـ وأمره بدفع المبلغ.
هذه نتف من أخباره في الكرم، شهدت بعضها. أما عطاياه للوافدين عليه، ولبعض خاصته في المناسبات، فلو كان من المفيد جمعها لجاءت أخبارها في كتاب. وناهيك بما كان يكرم به زعماء القبائل وشيوخها، من مال ومبرة وأكسية، لهم ولأفراد قبائلهم. وما من أحد منهم دخل قصر عبدالعزيز، أو أدى له خدمة، أو أكل على مائدته، إلا انتظر (الشرهة) وهي ( العطية) في لغة البادية .

--
يتبع

  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 2
قديم(ـة) 24-12-2005, 02:45 PM
الأمـــاكـــن الأمـــاكـــن غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي


6. شجاعته ومعاركه
لم يخلد عبدالعزيز بن عبدالرحمن إلى الدعة والسكينة منذ أن أصبح قادراً على تقلد الحسـام وامتطاء الجواد. فقد أمضى ثلاثين عاماً يخوض المعارك، في أرجاء نجد كلها، حتى أصبح محارباً وقائداً، لا يجاريه أحد في معارك الصحراء. ونفخت فيه تلك المعارك روحاً من الجرأة والشجاعة والإقدام، وصهرته أهوال القتال.
كانت الشجاعة أبرز صفات الملك عبدالعزيز. فقد اشتهر بالجرأة والبسالة في الحروب، وكان دائماً في طليعة جيشه. وتروى قصص كثيرة عن شجاعته. ويتحدث الناس عن شجاعته في تحمل آلام الجراح، التي حدثت له في معاركه. فذات مرة تحمل جرحاً خطيراً في معدته، طوال مدة الحملة التي استمرت ستة شهور، قبل أن يُعالج علاجاً طبياً وافياً.
ويُروى عنه قوله: "لو كانت الحروب العربية كالحروب، التي نسمع عنها في البلاد الأجنبية، ملوكها وقادتها يرتبون خطة الحرب،وهم جلوس في منازلهم، والناس ينفذون أوامرهم، لهانت الحرب. ولكني في حروبي على خلاف ذلك، لقد كنت في أكثر المعارك في طليعة القوة المهاجمة. وبهذا كنت أرى استبسال من معي في القتال غير بسالتهم لو كنت وراءهم".
و لم تكن شجاعة الملك عبدالعزيز اندفاعاً أو تهوراً، يعميه عن الأخطار المحيطة به، بل كانت لديه، بجانب الشجاعة، صلابة هادئة، لرجل يدرك بوضوح الخطر المحدق في خضم الحدث، فيواجهه مواجهة صحيحة. فشجاعته مبصرة وليست عمياء. ولعله في موقفه هذا ما يذكِّر بقول المتنبي:
الرأي قبل شجاعة الشجعان *** هو أول وهي المحل الثاني
ولم يفتخر ابن سعود يوماً من الأيام ببطولته، بل لم يكن يرى في نفسه أنه بطل من الأبطال. يقول الزركلي: قال (الملك) لي مرة: "إن ما وهبني الله لم يكن بسبب قوتي، بل بسبب ضعفي، وحاجتي إلى قوته سبحانه". وكان شعوره بذلك هو الذي حثه على ما تحلى به من شجاعة وإقدام. ولم يكن يشعر أنه أشجع من الآخرين. لكن الله منحه موهبة خاصة؛ إذ كانت ردود فعله في الأوقات الحرجة، من السرعة والذكاء بحيث تمكنه من التصرف بطريقة أفضل من غيره. وكان يؤمن أن الله قد أنعم عليه بحظ عظيم. ويقال أن سعود بن عبدالعزيز بن سعود، ابن عم الملك وزوج شقيقته، الذي كان معارضاً له، افتخر ذات مرة، في لحظة من لحظات غضبه، بأنه أشجع كثيراً من الملك. وحين بلغ الملك ذلك لم ينزعج، وإنما ابتسم ابتسامة عريضة وقال: "إن ما ذكره سعود صحيح. فهو أشجع مني، لكني أعظم حظاً منه". وقال مرة: "إن أنعم الله على أولادي بحظ، مثل الذي أنعم به عليّ، فسيكونون قادرين على حكم العالم العربي كله".
قاتل قبيلة العجمان، وقتلوا أخاه سعداً، وجرح هو في تلك الوقعة، وفي غيرها حتى صارت الندوب في جسمه دلالة واضحة على شجاعته. ولم يكن يخشى اغتياله، حتى أنه كان يطوف في الحرم من دون حراسة مشددة، فتعرض لاعتداء من بعض اليمينيين، كما سيأتي.
وكان يتندر بالمواقف، التي اضطر فيها للنجاة بنفسه، فقد رُوي عنه أنه كان مع اثنين من أصحابه، أحدهما فيصل الدويش، وخرجت عليهم الخيل، فهلع قلبه، ولكنه تجلد مخافة العار. وعندما رأى صاحبيه قد لويا عنان فرسيهما، تبعهما (منحاشاً) أي فاراً، مبتعداً. ويقول: لو فررت قبلهما لفضحاني بين العرب

______________

وعندما آخذه قادة الإخوان على طول انتظارهم، وهم يحاصرون جدة، بقولهم: ما هذه الجبانة يا عبدالعزيز؟ أجابهم: الرأي، الرأي، الأناة، الأناة.
المعارك التي شارك فيها
خاض الأمير عبدالعزيز بن عبدالرحمن أول معركة، عندما اشترك مع والده الإمام عبدالرحمن، في الحملة التي أعدها الشيخ مبارك بن صباح، لقتال ابن رشيد المسيطر على نجد، والتقت قواته في الصريف، قرب الطرفية بالقصيم في26 ذي القعدة عام 1318هـ/ 17 مارس 1901م. ولكن عبدالعزيز ترك الحملة، ومعه فرقة من جنوده، واتجه إلى الرياض، وهاجم البلدة في مجازفة خطيرة، ودخلها. واضطر لترك البلدة بعد أن وجد مقاومة عنيفة ممن تحصنوا بالحصن. كان ابن رشيد قد هزم قوات ابن صباح في تلك الموقعة المسماة: "الصريف".

وعندما آخذه قادة الإخوان على طول انتظارهم، وهم يحاصرون جدة، بقولهم: ما هذه الجبانة يا عبدالعزيز؟ أجابهم: الرأي، الرأي، الأناة، الأناة.
المعارك التي شارك فيها
خاض الأمير عبدالعزيز بن عبدالرحمن أول معركة، عندما اشترك مع والده الإمام عبدالرحمن، في الحملة التي أعدها الشيخ مبارك بن صباح، لقتال ابن رشيد المسيطر على نجد، والتقت قواته في الصريف، قرب الطرفية بالقصيم في26 ذي القعدة عام 1318هـ/ 17 مارس 1901م. ولكن عبدالعزيز ترك الحملة، ومعه فرقة من جنوده، واتجه إلى الرياض، وهاجم البلدة في مجازفة خطيرة، ودخلها. واضطر لترك البلدة بعد أن وجد مقاومة عنيفة ممن تحصنوا بالحصن. كان ابن رشيد قد هزم قوات ابن صباح في تلك الموقعة المسماة: "الصريف".
وخاض الملك عبدالعزيز بعد ذلك غمار معارك وغزوات عديدة، وغارات خاطفة، حقق في أغلبها انتصارات حاسمة، ومن هذه المعارك والغزوات:

1-استرداد الرياض من يد ابن الرشيد (1319هـ/ 1902م ).
2-الدلم والسالمية قرب الخرج: ضد عبدالعزيز بن متعب ابن رشيد (ربيع الأول 1320هـ/ يونيه 1902م).
3-غزوة "جوّ لبن": ضد قبيلة مطير (1321هـ/ 1903م ).
4-السر (وقعة حسين بن جراد): ضد قوات ابن رشيد (18 ذي الحجة 1321هـ/ 5 مارس 1904م).
5-البكيرية: ضد ابن رشيد والأتراك ( ربيع الثاني 1322هـ/ 15 يونيه 1904م).
6-الشنانة: ضد ابن رشيد والأتراك (18 رجب 1322هـ/ 29 سبتمبر 1904م).
7-روضة مهنا: ومقتل خصمه عبدالعزيز بن رشيد فيها (18 صفر 1324هـ/14 أبريل 1906م).
8-الطرفية: ضد ابن رشيد (5 شعبان 1325هـ/ 14 سبتمبر 1907م). وفيها كبا جواد الأمير عبدالعزيز فوقع على الأرض، وجرح، وكسر عظم في كتفه الأيسر، فأغمي عليه.
9-الصباخ: ضد ابن رشيد ( شعبان 1325هـ/ سبتمبر 1907م ).
10-هاجم بريدة للمرة الثانية، واستولى عليها، وأخرج منها محمد أبا الخيل (20 ربيع الثاني 1326هـ/21 مايو 1908م).
11-الأشعلي قرب حائل: ضد حمود بن سلطان بن رشيد (5 ربيع الأول 1327هـ/ 28 مارس 1909م).
12-هدية: مع ابن صباح ضد ابن سعدون شيخ المنتفق ( ربيع الأول 1328هـ/ مارس 1910م).
13-وقعة الحريق: عندما ثار الهزازنة مناصرين العرائف، وهم حفدة سعود بن فيصل (1328هـ/1910م ).
14-فتح الأحساء: وتخليصها من الأتراك ( أواخر جمادى الأولى 1331هـ/ مايو 1913م).
15-جراب: ضد ابن رشيد (7 ربيع الأول 1333هـ/ 24 يناير 1915م).
16-كنزان: قرب الهفوف ضد العجمان (14 شعبان 1333هـ/ 28 يونيه 1915م). هُزم فيها، وجُرح، وقُتل أخوه سعد.
17-حاصره العجمان في الكوت: بالأحساء في ( رمضان 1331هـ/ يوليه 1915م).
18-معركة ياطب، بالقرب من حائل ضد ابن رشيد، وانتصاره فيها (1336هـ/ 1917م ).
19-فتح حائل: واستخلاصها من يد ابن الرشيد (29 صفر 1340هـ/ 3 نوفمبر 1921م).
20-حصار جدة وفتحها: بعد موقعة الرغامة ضد الأشراف ( استمر الحصار قرابة سنة، بدأ من جمادى الآخرة 1343هـ حتى جمادى الأولى 1344هـ/ يناير 1926م).
21-معركة السبلة: ضد زعماء الإخوان (19 شوال 1347هـ/30 مارس 1929م).
22-حشوده ضد تمرد الدويش في سهل الدبدبة: تعد معركته ضد تمرد زعماء الأخوان، آخر المعارك التي خاضها الملك عبدالعزيز بنفسه. وقد حشد قواته ضد فيصل الدويش ورفاقه، الذين تجمعوا عند الحدود بين نجد والعراق. ولكن لم يقع قتال، بل انتهت بتسليم الإنجليز فيصل الدويش واثنين من رفاقه إلى الملك عبدالعزيز في شعبان 1348هـ/ يناير 1930م. وما بين المعركة الأولى والأخيرة مضت ثلاثون عاماً خاض فيها غمار معارك عدة، وجرح في القتال حتى امتلأ جسمه بالندوب.

________________

القسم الرابع

هيئته ومتاعه ومعيشته
1. نومه
كان الملك عبدالعزيز، قليل النوم، قد لا ينام أكثر من ست ساعات في اليوم. ويقسم أوقات نومه إلى ثلاثة أقسام: ليلاً نحو أربع ساعات، وساعة صبوحاً، وهو المسمى بالصفرة، من بعد صلاة الفجر إلى شروق الشمس. وساعة في القائلة، وهو بعد الغداء. وقد مكنه هذا النظام، مع ما كان يتصف به من قوة جسمانية، من اتباع جدول عمل قاس في المدينة والصحراء. وعندما تأخذه سنة النوم ينام في موقعه، فقد ينام في السيارة، أوعلى ظهر الذلول. ولا يستعمل السرير إلا نادراً، ويفضل النوم على فراش ممدود على الأرض. وإذا وضع رأسه على الوسادة فهو سريع الإغفاء. وكانت أدنى حركة من حوله توقظه، فيهب فزعاً.

2. ثيابه
كانت ملابس عبدالعزيز غاية في البساطة. فهي في الصيف، ثوب من القماش القطني، أو الكتاني الأبيض، تعلوه عباءة رهيفة. وفي الشتاء يلبس قميصاً من الصوف، تحت الثوب الخارجي، وهو من الصوف كذلك، أو قنابيز من الجوخ تحت عباءة بنية.
وكان يرتدي، عادة، عباءة بنية في الصباح، ورمادية في الظهيرة، وسوداء في الليل. لكنه كان يرتدي الملابس البيضاء في يوم الجمعة، ويضع على رأسه العمامة الحمراء (شماغ) وفوقها عقال مقصب.
ويرجح نوعاً من القماش يسمى "ريزة" أو "طرابزون"، وأيام الجمع يلبس عباءة بيضاء ومثلها غترة. ولا يلبس الثياب المطرزة بالقصب، بل يلبس الشال الكشمير أو السليمي. ويحتذي النعال في الصيف. والكندرة (الحذاء) في الشتاء. وكان لا يلبس جوارب قط، مكتف بالخف يلبسه في رجله على طريقة أهل الحجاز ونجد. وقد ينزعه عند ركوبه الخيل.
وكان من عادته أن يبدل ثيابه عدة مرات في اليوم. ويندر أن يعود فيلبس رداءً نزعه.
وألبسته غالباً تنسج وتخاط في دمشق وترسل إليه. ونوه بعض المراسلين الصحفيين بمعمل خاص، قيل إنه أنشئ في دمشق، لصنع ملابس الملك عبدالعزيز وأنجاله وخاصته وبعض هداياه، كان يشتغل فيه مئات من العمال. وقدر المراسل ما ينفق سنوياً على صنع هذه الملابس بثلاثة عشر ألف جنيه ذهب.

3. حمّامه
كان يكثر من الاغتسال في الصيف والشتاء، خاصة في أيام القيظ. ولا يقل استحمامه عن مرتين كل يوم، حتى في الشتاء، إلا لسبب صحي.

4. عصاه
اعتاد الملك عبدالعزيز، في أول عهده بالحكم، أن يحمل عصا طويلة من الشوحط، وهو شجر ينبت في غربي نجد، وتتخذ منه القسي. وكان يستعين بهذه العصا في الإفصاح عن آرائه، وتشكيل كلماته ـ إذا صحت الاستعارة ـ فيضرب بها السجادة أو يربت بها على رقبة بعيره. يقول الريحاني عن الملك عبدالعزيز: إذا ضرب الأرض بعصاه مرة، يلمس القلب منك عشر مرات. وقد يتسرع في الكلام أحياناً.

5. خاتمه
وكان يتختم بخاتم فضي، له فص من العقيق، نقش عليه اسمه ـ بشكل طغراء ـ كما يأتي: (عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل السعود)، ويختم به جميع الرسائل، والأوامر الصادرة منه.
وله خاتم آخر فيه كسر قليل من جانبه، إلا أنه قلما كان يستعمله.
ولما مرض الملك مرضه الأخير، أراد أطباؤه إجراء تخطيط كهربائي لقلبه، فاضطروا إلى إبعاد كل جسم معدني عنه، واستأذنوه في نزع خاتمة الفضي، فابتسم وقال: هذه أول مرة أنزع فيها هذا الخاتم من أصبعي. فتأثر الأطباء لهذه الكلمة تأثراً كبيراً.

6. نظارته
وكان يضع النظارات على عينيه، لأنّ في عينه اليسرى بياضاً خفيفاً، يضعف الرؤية، ولكنه يقرأ بلا نظارات. وفي نظره إلى البعيد، خاصة، حدة شديدة.

7. مقاعده
وكان له في كل غرفة اعتاد دخولها، من غرف ديوانه، مقعد خاص (فوتي أو كنبة)، لا يجلس عليه أحد غيره، في حضوره أو غيابه. وهو لا يختلف عن سواه من مفروشات الغرفة. وقد يجلس عليه أحد الزوار الجدد، فيشير إليه مدير المكتب بلطف أن هذا مقعد الملك، فينتقل إلى غيره.
وجُدد فرش الصالون في القصر الملكي بجدة، وأقبل الملك عبدالعزيز، فجلس على المقعد الخاص به. وهو كرسي ضخم عليه طراحة منفصلة، وأظهر سروره من حسن صنعه. وكان فيلبي حاضراً، فشارك في استحسان الكرسي، وقال: هذا عرش!
غير أن الملك تحرك قليلاً إلى الأمام، فتحركت الطراحة تحته، فاستنكر ذلك، ونهض مسرعاً إلى مقعد آخر، وهو يقول مبتسماً: لا! لا أحب العرش المتقلقل.
وعلى الأثر، طلب مقعده القديم، فجاءه به الخدم. وجلس عليه مطمئناً. فأخذ يمر بيده على متكأ المقعد، ويقول: حملتني سنوات، فلا تفارقني. وأمر بأن يبقى المقعد في القصر، حتى بعد إصلاح الجديد.

8. سيوفه
كانت للملك عبدالعزيز عناية فائقة بالسيوف، وخبرة في أنواعها، ومعرفة بتواريخها. وقد أمر بالمحافظة على السيوف القديمة، التي اشتهرت في الأسرة السعودية، واهتم لجمع ما تفرق منها في حوادث الفتن الأهلية وغيرها، فتم له ما أراد. ويقول فؤاد حمزة: سمعته يذكر أن هنالك سيفاً مشهوراً واحداً، من سيوف آل سعود الأولين، لم يزل مفقوداً.
وكان يرى السيوف الفارسية القديمة أفضل من الهندية، ويفضل الهندية على السيوف اليمانية.
ويحب السيوف الفارسية القديمة، ولا سيما الصنف المسمى (خريسان)، والصنف المسمى (دابان)، وقد انعدمت صناعتهما من مئات السنين، والموجود منها الآن نادر جداً.
وأكثر السيوف القديمة الموجودة في الأسرة السعودية، من الصنف الثاني (دابان)، ومنه السيوف الآتية: رقبان، وكان من أحب سيوفه إليه، وصويلح وثويني وياقوت.

9. بنادقه
كانت للملك عبدالعزيز بندقية موزر أيام حروبه وغزواته. ولكنه أطلق عليها اسم (عوافية)، وذلك أنه قلما استعملها في الحروب لاستغنائه بالسيوف عنها، ولم يذكر أنه استعملها في حرب.

10. خيوله
كان الملك عبدالعزيز، من بدء حياته، وإلي ما بعد استعمال السيارات والطائرات، كثير العناية بالخيول الأصلية. وكانت اصطبلات خيوله الخاصة في الرياض، كما وصفها خبير بالخيل سنة 1355هـ / 1936م، تحوي أشهر المرابط، وقدر عددها يومئذ بنحو ألف فرس، قال: إنها ترعى في أنحاء مختلفة من الصحراء، منها 200 اختصها الملك بالتفضيل على سواها، لأن معظمها من خيول أجداده، فوضعها في واحة الخرج، حيث تجد كفايتها من البرسيم الحجازي، وتشرب من المياه الجارية من ينابيع الخرج.
وكان من أجود خيله في حروبه الأولى، فرس يفضلها لركوبه، اسمها (منيفة)، قتلت في إحدى المعارك، بينما كان يركبها أحد رجاله. واستعاض عنها بفرس أخرى تسمى (الصويتية).

11. سياراته
لا يعلم على وجه الدقة، متى امتلك الملك عبدالعزيز أول سيارة، ولكنه في وقت مبكر من دخوله الحجاز كان يملك عدداً من السيارات، ابتاع عدداً منها من مصر. وقد أوفد رئيس السائقين عنده، صديق الهندي، إلى أوروبا، لشراء عدداً من السيارات للديوان الملكي، وأوصى بأن تصنع له سيارتان خصيصاً، إحداهما مرسيدس والأخرى رولزرويس، تقويان على السير في الصحراء والمناطق الوعرة، نظراً لعدم توفر طرق معبدة ومسفلتة في المملكة آنذاك. ولما تأخر وصول السيارات، ابتاع سيارات من التجار في جدة وبلغ عددها 22 سيارة.
وقد أهدى إليه رئيس الوزراء البريطاني، تشرشل، سيارة رولزرويس مجهزة للسير في الصحراء والمناطق الوعرة، ولكنه أهداها لأخيه الأمير محمد بن عبدالرحمن، لأنه وجد مقود السيارة على اليمين، مما يضطره للجلوس على يسار السائق وهذا ما لا يطيقه اتباعاً للسنة النبوية، بالتيامن في كل شيء.
وكان رئيس السائقين الهندي صديق، قد لازمه فترة طويلة من الزمن. كما كان يعمل لديه عدد آخر من السائقين والفنيين من الإندونيسيين.
ولما كثرت موارد البلاد أصبح عدد سياراته كبيراً، من صناعات أمريكية مثل كاديلاك وهدسون ودودج وشيفروليه، وألمانية مثل مرسيدس. وظل يستخدم السيارة حتى حلت محلها الطائرة، في أواخر عمره.

12. طائرته
أهدى الرئيس الأمريكي، فرانكلين روزفلت، طائرة إلى الملك عبدالعزيز، عقب لقائهما في البحيرات المرة، بقناة السويس في 15 فبراير 1945م، ولكنها لم تصل إلا بعد وفاة الرئيس الأمريكي. وكانت من نوع دوجلاس دي. سي3. ووصلت في يوم السبت 2 جمادى الأولى 1364هـ/ أبريل 1945م مطار جدة، مجهزة بمقاعد وثيرة، وبأحدث الوسائل الفنية. وقدمها الكولونيل وليم إدي الوزير المفوض الأمريكي، لدى المملكة العربية السعودية. واشترك معه في التقديم كل من: الكولونيل ماكين والكولونيل هويت، والكولونيل أولدريش، واللفتنانت كولونيل كد. وتسلمها وكيل نائب الملك في الحجاز، الأمير منصور بن عبدالعزيز. وقال الوزير المفوض الأمريكي: "إن قوات الطيران في جيش الولايات المتحدة، قد أعدت هذه الطائرة الأمريكية، للخدمة في بلادكم العظيمة، التي أتشرف بتقديمها لسموكم بوصفكم نائباً لجلالة الملك". ورد الأمير منصور بخطاب موجزه: "أتقبل باسم جلالة والدي الملك عبدالعزيز هذه الهدية الثمينة التاريخية، المهداة من الراحل العظيم فرانكلين روزفلت، تلك الهدية التي ترمز في نظرنا لأمرين عظيمين: الأول، ذكرى الاجتماع التاريخي، والثاني رمز الصداقة بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة. وقد أصبح لهذه الطائرة مكانة خاصة سيحتفظ بها كذكرى خالدة في هذه البلاد، للزعيم الذي كان زعيماً إنسانياً عالمياً، كما كان زعيماً بحق للولايات المتحدة".
وأول مرة ركب فيها الملك عبدالعزيز الطائرة، كان في رحلة من عفيف إلى الحوية في الطائف في شوال 1364هـ/ أكتوبر 1945م، وكان مسروراً بذلك.

13. أوسمته
أ. من بريطانيا العظمى:
الوشاح الأكبر من وسام الحمام العالي الشأن.
الوشاح الأكبر من وسام نجمة الهند.
ب. من الجمهورية الفرنسية:
الوشاح الأكبر من وسام جوقة الشرف.
ج. من إيطاليا:
الوشاح الأكبر من وسام سان موريس ولازار.
الوشاح الأكبر من وسام تاج إيطاليا.
د. من مملكة العراق:
الوسام الهاشمي.
الوشاح الأكبر من وسام الرافدين.
هـ. من هولندا
الوشاح الأكبر من وسام الأسد الهولندي.
و. وهناك أوسمة ونياشين أهديت له من قبل الدولة العثمانية قبل زوالها

_______________

لقسم الخامس

طعامه ومائدته

1. طعامه
كان الملك عبدالعزيز قليل الطعام، مقارنة بحجمه، وكان ذلك ديدنه منذ شبابه. وكانت شهيته للأكل في تناقص على مر السنين، حتى ليعجب الإنسان كيف يمكن أن يكفى هذا الطعام القليل، جسم الملك الفارع المتين. كان يأكل ثلاث مرات في اليوم، وتكاد أنواع الطعام التي اعتادها لا تتغير، متشابهة في كل الأحوال. ويذكر د.عبدالوهاب عزام أنه، على كثرة ما كان على مائدة الملك عبدالعزيز من أصناف وألوان، كان يأكل من طعام واحد. وقال له إن طعامه، في الغداء والعشاء الخبز والحساء واللبن.
ففطور الصباح، ويسمونه (الريوق)، يتألف من الخبز والعسل واللبن الرائب. والغداء وموعده وقت الضحى، يكون من الأرز واللحم مطبوخين معاً، وإلى جانبهما نوع من المرق المعمول بالخضار. وقد يكتفي باللحم، مشوياً أو مقلياً. ومثله العَشَاء، ويكون بعد العصر قبيل الساعة العاشرة (بالتوقيت العربي)، الرابعة بعد الظهر (زوالية)، ويزاد فيه شيء من الحلوى. وكان يكثر من شرب حليب النياق.
وكان يكثر من أكل التمر، كما كان يأكل الفواكه، إن وجدت، وكانت قليلة في نجد والحجاز في ذلك الوقت، قلة الخضار، وتأتي من الطائف، أو وترسل من السويس إلى مكة، فيتناول منها إبان إقامته في مكة.
والماء المفضل عنده، ماء بئر (الجعرانة)، يحمل إليه شرابه منها يومياً، حين يكون في مكة أو قريباً منها. أما حين يكون في الرياض، فإن ماء الجعرانة من هدايا خاصته إليه، معبأ في ثلاجات. وهذه البئر، تاريخية، من قبل عصر النبوة، على بُعد 18 كيلومتراً من مكة. وفي نجد كان يشرب من بئر حصى في وادي حنيفة، على بعد بضعة أميال من الرياض.
ويحب المباسطة على المائدة، خلال تناوله الطعام، ويمازح جلساءه، ورجال خاصته، ويحادثهم أحاديث طلية، ويعاملهم معاملة لا أثر فيها للكلفة. وهم يحبونه حباً جماً، ويتفانون في سبيله.

2. قهوته
كان الشيء الوحيد الذي يكثر منه شرب القهوة بالهيل، حتى أصبح خبيراً بها. وكان عدد من الخدم في القصر، مهمتهم صنع القهوة له، ويسافرون معه أينما ذهب، لهذا الغرض. وكان عمل القهوة يتطلب كثيراً من الدقة. وكان من يعملونها يحتفظون بسر إتقانها، احتفاظ الغيور على فنه. ويضاف إلى القهوة كثير من الهيل وبعض الزعفران. وقلما يطلب أو يشرب الشاي.
وكان يسترعي انتباه ضيوفه الجدد، سماعهم في مجالسه العامة، كلمة لها دوي، بين الفينة والفينة، فإنه حين يريد القهوة، يقول بصوت خافت: اقْهُوَة!. وكانت من عاداته أنه حين يحتدم غيظاً يطلب القهوة. وعندما يطلبها يردد الأخوياء (الخدم والمرافقون) الجالسون في أقصى المجلس: اقهوة.. وتتعالى الأصوات بها حتى خارج المجلس، فيسمع السقاة، ويأتي بها ثلاثة منهم أو خمسة، حسب عدد من بالمجلس الحاضرين، وبأيديهم اليسرى أباريق القهوة، وباليمنى ما لا يقل عن ستة فناجين منهم، بعضها فوق بعض.
ويتقدم أحد السقاة فيصب للملك. ويبدأ الثاني والثالث معاً، عن يمين الملك ويساره، بحركة سريعة يسمع فيها رنين الفناجين، فيسقون من في المجلس. ومن لا يريد أن يشرب، يشير إلى الساقي بكلمة (بس) فيتجاوزه. ويعودون فيجمعون الفناجين. ومن ترك بقية في فنجانه، كبها الساقي على الأرض المفروشة بالسجاد العجمي. ومن أراد الزيادة رد الفنجان إلى الساقي، فيصب له ثانية وثالثة ورابعة إلى أن يرتوي. ومن اكتفى، هز الفنجان عند تسليمه إلى الساقي، أو رده إليه مقلوباً، أو غطاه ببعض أصابعه، أو قال له: بس!
يقول الزركلي: حدثني أحد السفراء أنه في زيارته الأولى للملك عبدالعزيز، أديرت القهوة، وكان لا يستسيغها إلا بالسكر. فشربها حياء كما يشرب الدواء. ورد الفنجان إلى الساقي، فملئ، وأعيد إليه، فشربه مكرهاً. وتكرر ذلك، فقال للساقي: أرجوك.. بزيادة .. (وهو تعبير في بلاد الشام، يراد به كفى)، فظنه يطلب الزيادة، فأتحفه بها.. وحار في أمره، فتنبه له أحد الحضور، وأخرجه من المأزق.

3. مائدته
يجلس على مائدة الملك عبدالعزيز كل يوم، عشرات من الناس، غداء وعشاء. وإن كان عنده ضيف، جعله أقربهم إليه، على يمينه. ويصطف الأمراء حسب أعمارهم، على يساره. و يقابلهم إلى يمينه ووزراؤه ومستشاروه وكبار الدولة. ثم يجلس من يليهم على الجانبين من دون ترتيب.
ولا تقييد في وقت دخول الآخرين، فقد يجئ أحد الكتاب، أو صغار الموظفين العسكريين، أو الملكيين، أو بعض رؤساء البدو، في منتصف الطعام، أو أواخره، فيجلس حيث ينتهي به المجلس. وإن كان من الحاشية الملكية، دخل متسللاً، ولاحظ إن كان بين الجالسين من أقرانه، مكان خال، وإلا جلس في الأواخر. ولا يتخلى أحد لآخر عن مكانه خلال الطعام.
وإذا شبع أحد الآكلين، انسحب. وقد ينصرف نصفهم أو أكثرهم، والملك يتحدث مع من حوله أو مع أحد البعيدين عنه، ويتمهل إلى أن يشعر بأن الجالسين اكتفوا، فينهض.
وإذا قام الملك، قام معه جميع الآكلين، حتى الذين جاءوا متأخرين. ويتجه إلى غسل يديه بالطست والإبريق والصابون. وكذلك يفعل من شاء منهم، والطسوت تتعدد إذا كثر الطاعمون.
ثم يأخذ زجاجة، فيها عطر الورد، فيتطيب. ويتهافت عليه من حوله، فيمس كل منهم مرود الطيب. وتدور القهوة، وينصرف من أراد، ولا استئذان في الانصراف.
ولم تجلس امرأة على مائدة الملك عبدالعزيز، مع الرجال، طول حياته، إلا امرأة واحدة، هي الأميرة البريطانية أليس، قرينة حاكم كندا، الإيرل أوف أثلون. وكانت مع زوجها في ضيافة الملك، عندما قدما ليعبرا الجزيرة العربية، من جدة إلى العقير. وجلست الأميرة أليس مع زوجها إيرل أوف أثلون في مأدبة عشاء علنية، أقامها الملك عبدالعزيز لهما في جدة يوم 28 ذي الحجة 1356هـ/ 1938م، وكانت تلبس أزهى الثياب العربية، وعلى وجهها شبه قناع.
سأل الزركلي يوسف ياسين: أكانت هذه المرة الأولى؟ فقال: نعم، والأخيرة.

4. كرهه التدخين
وطبقاً لما نشأ عليه من تعاليم الدعوة الإصلاحية في نجد، التي تحرم التدخين، كان الملك عبدالعزيز يكره التدخين ورائحة التبغ، ويشمئز منها. يروي خير الدين الزركلي: أن الحديث جرى بين الملك عبدالعزيز والاقتصادي المصري المعروف، طلعت حرب باشا، في أثناء زيارته للمملكة عام 1354هـ/ 1935م. وسأل طلعت حرب الملك، عن تحريم التدخين في المملكة، فقال الملك: بكم يدخّن أفقر إنسان عندكم يومياً؟.
فقال طلعت: بقرشين.
ـ كم عدد الذين يدخنون، على أقل تقدير؟.
ـ خمسة بالمائة.
ـ كم تخمن عدد سكان بلادنا؟.
ـ حوالي خمسة ملايين.
ـ إذا لم ننظر إلى ناحية التحليل والتحريم، وأُبيح التدخين، فكم ينفق المدخنون عندنا على هذا القياس؟.
قال طلعت حرب: فأخذت قلماً، وعملت الحساب، فوجدت أن عدد المدخنين سيكون 250 ألفاً، ينفقون خمسة آلاف جنيه في اليوم.
فقال الملك: ما عندنا دخان، ولا ورق للدخان، ولاشيء من آلاته، كله يأتي من الخارج، تريد أن نرسل، مع فقرنا، خمسة آلاف جنيه، هدية للخارج كل يوم، مقابل ما ننفخه في الهواء!.
قال طلعت حرب، وهو يحدث الزركلي ورفاقه: في الناس من يقول إن لي شيئاً من العلم بالاقتصاد، ووالله لقد كان صاحبكم أعلم به مني. وألجم لساني فما نطقت بحرف.
قال فيلبي في كتابه " قلب البلاد العربية ":
كنت أنا ورفيقاي ندخن ذات ليلة، وكانا مثلي ضيفين في القصر، إذ دخل علينا "عبد" يعلمنا بقدوم الشيوخ. وكانت الغلايين وعلب التبغ مبعثرة على الديوان، فخبأناها مسرعين، وفتحنا الشبابيك كلها. إلا أنه عندما دخل السلطان (الملك عبدالعزيز فيما بعد)، كان الدخان لا يزال منتشراً في الغرفة. فجلس، وجاء أحد العبيد تواً بالمجمرة، وفيها الطِيب، فقدمها إليه، ودار بها علينا مراراً. ثم تركها على السجادة في وسط القاعة تطهيراً للهواء. ومع أن دخان الغلايين كان أكره شيء لدى السلطان، فقد تجاهل ما كان، وظل ظريفاً على عادته. ولكنها كانت زيارته الأولى لضيوفه في منزلهم والأخيرة!. وكان إذا علم أن من سيزوره من الناس من المدخنين، أرسل إليه قبل ذهابه من يحمل البخور لتطهير الحجرة أو الخيمة التي هو فيها.
ولقد روى من حضر اجتماع الملك عبدالعزيز، مع الملك فيصل بن الحسين ملك العراق، في الطرادة البريطانية لوبن، أن فيصلاً تضايق من الامتناع عن التدخين في أثناء الحديث، فاستأذن من الملك عبدالعزيز، فأجابه: اصعد إلى فوق. (إي إلى ظهر السفينة).
وجامل الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت الملك عبدالعزيز، عندما التقيا بمصر عام 1945م، واحترم تقاليده، ولم يدخن في حضرته، في داخل السفينة، وبينما هو في طريقه إلى قاعة الطعام، أوقف المصعد، ليدخن سيجارتين، قبل أن يلتقي مع الملك في القاعة. وفي تلك الزيارة كذلك لم يتمكن رئيس وزراء بريطانيا، ونستون تشرشل، من إشعال سيجاره الشهير في حضرة الملك لعلمه بمدى التزامه بحرمة التدخين

__________

القسم السادس

خطب الملك عبدالعزيز وثقافته ومعارفه


1. موضوعات خطبه
إذا خطب الملك عبدالعزيز في حشد من الناس يرسل الكلام إرسالاً، من دون أن يتقيد بأساليب البلغاء، أو بقواعد اللغة، بل يخطب بلهجة أهل نجد، وتغلب على خطبه المسحة الدينية، وكثيراً ما يستشهد بآيات قرانية وأحاديث نبوية.
لم يكن يهيئ الخطبة كما يفعل أكثر الناس، وفيهم من يكتبها ويحفظها. ويكاد سامعه لا يعرف أنه يخطب، إلا من ارتفاع صوته هادراً، ومن ابتدائه ـ حين يريد الاسترسال والتوسع ـ بحمد الله، ثم بالصلاة على نبيه كما يفعل السلف.
يتحدث حين يخطب، منطلقاً على سجيته، غير متأنق ولا متكلف. فيفيض في الشطر الأول من خطبته ـ أو من حديثه ـ يما تمليه عليه ذاكرته من عظات يستمدها، أو يستمد معاني أكثرها من آيات كتاب الله، ومن الحديث النبوي. ويأتي بالشواهد، وقد يتمثل بالبيت من الشعر أو بالشطر، يرد في كلامه عرضاً، لا على أنه قول ينشد، ولكن على أنه كلام محكم يورد.
ويتناول الموضوع، فإن كان عادياً، كافتتاح مجلس أو شروع في تنفيذ مشروع، أو تحدث إلى فريق من الناس، تكلم هادئاً متمهلاً، تتخلل قوله ابتسامة خفيفة تجتذب إليه قلوب سامعيه، وإن لم تكن الابتسامة، فليس هناك عبوس ولا تجهم، ولا يلمح على وجهه في أي حال ما يعلو وجوه معظم الخطباء من تحديق، في قريب أو بعيد، ومن اصطناع للجد. لا أثر للنكتة في خطاباته ولا توقف لمعرفة رأي السامع فيما يقول.
وتجدر الإشارة، إلى أنه كانت له كذلك، خطب وتصريحات، رسمية أو شبه رسمية، كان يملي الفكرة فيها، على بعض كتابه، فتصاغ الصياغة الأنيقة، ولا يلقيها هو، وإنما يتلوها بالنيابة عنه أحد مستشاريه أو وزرائه. ولا يكون عبدالعزيز هو المتكلم إلا إذا تحدث، أو ارتجل واستثير.
من عادته أن يخطب وهو جالس، يشير بسبابته اليمنى، ويستعين بها أو بقضيب صغير يحمله في يده، على أداء ما في فكره.
وكانت ذاكرة الملك مثيرة للإعجاب. فقد كان يحمل في رأسه كثيراً من المعلومات. وكانت لديه موهبة التذكر الفوري. فكان ـ مثلاً ـ عالماً بكل قبائل مملكته، وبطونها، وأفخاذها، وتواريخها وتقاليدها. وكان يستطيع في بضع ثوان من بدء حديثه، مع أي بدوي، أن يعرف من طريقة كلامه، القبيلة التي ينتسب إليها، والفرع الذي ينحدر منه.
وكان متحدثاً ومجادلاً بارعاً، كما كان بليغاً في خطبه. وكانت سيطرته على نفسه من القوة، بحيث لا يتكلم بكلمة في غير محلها، أو زائدة عن المقصود. ولم يقل شيئاً ندم على قوله فيما بعد أو ود لو لم يقله. وهو مشهور بالإفاضة في الحديث. فإذا بدأ بموضوع لا يتركه قبل أن يلم به من جميع نواحيه، ولا يدع زيادة لمستزيد. فإذا قاطعه جليسه أو محدثه مستدركاً على شيء، أو مبدياً رأيا لاح له أو فكرة مرت بخاطره قال: "اسمع أنا أعلّمك" أي أخبرك، أو: "اسمع، اسمع الله يهديك " أو "ما تسمع الله يسلمك". ويردد هذه الجمل كثيراً في محادثاته اليومية.
وكان يخاطب كل جماعة بما يناسبها، لأهل الحضر لغة، ولأهل البادية لغة، وللعلماء لغة. وكان فصيح اللسان، سريع الخاطر، لطيف الجواب.
وكان كلامه العادي مليئاً بالمجازات الذكية، والحكم والأمثال، التي تجعل سامعه يود لو أنه لا يتوقف عن الحديث. وكان دائماً يجد الملاحظة الدقيقة، والمثل المناسب لأي موقف. من ذلك أنه تحدث مرة مع عبد الوهاب كاتب الحرم، أحد وزراء الشريف حسين السابقين. ولدى مصافحة عبدالوهاب له، علق على نعومة يدي السلطان عبدالعزيز، معبراً عن دهشته أن تكونا لمحارب مثله. ولم ينزعج الملك أو يحرج، بل ابتسم، واستشهد ببيت الشعر المشهور:

إن الأفاعي وإن لانت ملامسها *** عند التقلب في أنيابها العطب

2. أسلوبه ولهجته
ومن مزايا الملك عبدالعزيز الحميدة، اعترافه بأنه لم يتلق العلوم، ولم يرزق حظ الإحاطة بها. ويكرر ذلك في معظم المناسبات ويقول: "حنّا ( نحن) ما تعلمنا، فيجب على الذين تعلموا أن يساعدونا ويرشدونا".
ولذا، كان يعتذر عن أخطائه الكتابية إذا كتب بنفسه. وكان يتكلم بالعامية النجدية، ولا يبالي بقواعد النحو والصرف مادام يُعْرِب عن قصده، ومادام أمره يفهم وينفذ. وكان أهل الحجاز ومصر، والحجاج من بعض الأقطار العربية لا يكادون يستوعبون ما يقول، إذا خطب فيهم، لكثرة استخدامه للألفاظ النجدية الدارجة، التي لم يألفوها.
وفي أول اجتماع بين الملك (أو السلطان آنذاك) عبدالعزيز، والشيخ محمد مصطفى المراغي، شيخ الأزهر الذي جاء موفداً من الملك فؤاد ملك مصر، ليتوسط في مسألة حصار جدة عام 1925م، تحدث الملك بلهجته النجدية، وتعذر على الشيخ المراغي فهمها، ووجد صعوبة في الرد على أسئلة الملك. فاحتال حافظ وهبة، المستشار المصري لدى الملك، لتأجيل الحديث إلى اليوم التالي، تاركاً للشيخ المراغي فرصة للتفكير. وقد أنقذ حافظ وهبة الشيخ المراغي من هذه الورطة. وحدث الشيء نفسه عندما زار الملك فاروق، ملك مصر، الملك عبدالعزيز، والتقيا على سفح جبل رضوى قرب ينبع في 10 صفر 1364هـ/ 25 يناير 1945م. فكان بعد كل حديث للملك عبدالعزيز، يقول لعبدالرحمن عزام باشا: ترجم يا عزام.
ويروي حافظ وهبة: أنه في أول عهده بالعمل عند الملك عبدالعزيز، أملى عليه عبدالعزيز مذكرة طويلة، عن بعض غزوات عشائر العراق على عشائر نجد. وبعد الانتهاء من الإملاء، طلب حافظ وهبة منه مهلة، لكي يضع المذكرة في قالب عربي. فاستشاط السلطان غضباً، وصاح في وجه مستشاره: هل نحن عجم؟ .
وقد عانى المترجمون الأجانب، كذلك، من صعوبة فهم لهجة الملك عبدالعزيز، ولذا كانت تفوتهم أجزاءً مهمة من حديثه.
وكان الملك يجد صعوبة في نطق الكلمات الغريبة والأجنبية، وكان يتغاضى عن بعضها أو يتصرف فيها. مثلاً موسوليني يصبح ميسولوني، والإنجليز، تصبح الإنجلايز. حتى الكلمات العربية غير المعتادة، كان يتصرف فيها، فكان لا يجري على لسانه السّكون في أواخر الأسماء المنتهية بالتاء المربوطة، مثل مدحت أو حكمت أو طلعت فيجعلها هاء ساكنة: مدحه، حكمه، طلعه. وينادى طبيبه الخاص الدكتور مدحت شيخ الأرض بـ (مدحه). واستثقل لقب مستشاره الليبي خالد القَرْقَني، فدعاه بأبي الوليد، فكان يقال له خالد أبو الوليد.
وكانت له لازمة في لهجته، وهي الإكثار من استخدام كلمة: (ترى الصحيح)، بمعني (في الحقيقة أو في الواقع)، وذلك للفت انتباه السامع والمخاطب.

3. إكباره للعلماء وأساليبه في الإقناع
كان لعلماء الدين المقام الأول عند الملك عبدالعزيز. يقدمهم على إخوانه وأبنائه وكبار جلسائه. يُصغي إلى آرائهم، ويعمل بمشورتهم، ويبالغ في إكرامهم. وقلّ أن يجادلهم في أمر يرون فيه ما لا يرى، قبل أن يفسح المجال لهم ليناقشوا الأمر فيما بينهم. فإن انفرد بعضهم أو أحدهم بما يوافق رأيه، لم يعجل في الأخذ بما قال، وتريث إلى أن يقتنع الآخرون.
وعودهم إذا بدا لهم أمر، ورأوا فيه النصيحة له، أن يكتبوا له فيه خطاباً، ثم يحضرون لمقابلته، أو يكلفون واحداً منهم أن يعرضه عليه، بالنيابة عنهم، فيرى فيه رأيه. (والشيوخ أبخص)، كما يقول جمهور النجديين، أي: الملك أدرى. وكان لكبارهم هيبة في نفسه، لا يصطنعها ولا يتعمْلها. ولا سيما آل الشيخ، حفدة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، الذي قامت على دعوته دعائم الدولة السعودية، في سابق عهدها.
سُمع الملك عبدالعزيز ذات مرة يقول: ما لقيت الشيخ ـ يعني عبدالله بن عبداللطيف ـ إلا تصيب العرق من إبطي.

4. عنايته بالأخبار
كان الملك عبدالعزيز يعتني بالأخبار عن البلاد المجاورة. وتنقل إليه الأخبار عن طريق جهاز استعلامات منظم، فلا يكاد يفوته شيء مما يقع من حوادث. ويوافيه أمراء المناطق في بلاده بالأخبار، في تقارير برقية بشكل يومي. وقد ساعدت أجهزة اللاسلكي والمبرقات، في سرعة وصول الأخبار إليه. وبعد توفر أجهزة التقاط الإذاعات، كان يكلف من يعرض عليه تلخيصاً يومياً، لِما تبثه الإذاعات العربية والأجنبية، من أخبار.
ويحكي أمين سعيد: أنه دخل على الملك عبدالعزيز، وكان يومئذ في مكة سنة 1930م، فبادره الملك بقوله: اليوم انقطعت المفاوضات بين النحاس باشا والمستر هندرسن، وغادر الوفد المصري لندرة (لندن) من دون الوصول إلى اتفاق. ودخل عليه ذات مرة، فقال له: لقد أعلن المسيو بونسو الدساتير في سورية.
وكانت له عناية بالصحف العربية، خاصة المصرية، ويقرأ ما تكتبه عن بلاده بإمعان. وتُرفع إليه قصاصات من الصحف العربية. ويتولى قلم الترجمة في ديوانه، ترجمة المقالات الخاصة ببلاد العرب في الصحف الأجنبية، مثل التايمز، والنيرإيست، وكذلك ما يكتب في الصحف الهندية عن الحجاز.

5. عنايته بنشر الكتب ومساعدة ناشريها
أحيا الملك عبدالعزيز تراث السلف الصالح، بالعناية بطباعته، خاصة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، فانتشرت في مختلف الأمصار. كذلك، ووجه عناية خاصة إلى كتب العلوم الإسلامية المخطوطة، فأمر بطبع طائفة منها وتوزيعها مجاناً. وبلغ ما طبعه منها نيف ومئة مجلد. كما طُبعت على نفقته كتب كثيرة، في الهند ومصر، لم يذكر عليها اسمه، إلاّ ما جاء على بعض مطبوعاته في الهند من أنها (طبعت على نفقة من قصده الثواب من رب الأرباب).
وهناك عشرات من كتب التفسير والحديث والتاريخ والأدب، القديمة والحديثة، أمر بشراء مجموعات منها، كبيرة وصغيرة، لتوزيعها مجاناً.

6. معرفته بطب البادية
كان للملك عبدالعزيز "سفوفاً" مما يستعمله أهل البادية للتداوي، وهو مزيج من خشب العود والصبر والمصطكا، ممزوج بالتساوي. ويأخذ الملك منه يومياً، على الريق، في حضره وسفره.
وكان له إلمام بشيء من طب البادية، أخذه عن أهلها في حياته بينهم. كما كانت لأبيه الإمام عبدالرحمن معرفة، كذلك، في هذا العلاج المستمد من كتب الطب القديم، مثل القانون لابن سينا وتذكرة داود. وكان يرجع إليه في بعض الأمراض، فيصف لها ما يعرفه من دواء. وورث الملك عبدالعزيز بعض هذه المعارف من والده.
ويروي الزركلي: أصيب طفل للملك عبدالعزيز، بحمى طال أمدها، فأرسله إلى القاهرة. وعالجه فيها كبار الأطباء، على غير جدوى. وأبرقنا إلى الملك بذلك، فجاءنا منه:
"إذا كان عندكم الكناكينا فليعالج بها".
ولم يعرفوا "الكناكينا"، وهي نوع من الكينا (Cuinine)، كان يجلب إلى جزيرة العرب من الهند. ويئس الأطباء، ولم يبالوا ببرقية الملك، فطلبوا منا أن نبرق إليه برأيهم في سفر الأمير إلى بلاده. وقال لي أحدهم: لأن يموت بين أهله أفضل من أن يموت هنا!. وأبرقنا إلى الملك، فأرسل طبيه الخاص، وهو يؤمئذ الدكتور رشاد فرعون، فأخذ الأمير إلى الرياض، وعالجه "بالكناكينا" فشفي.


_____________
يتبع

  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 3
قديم(ـة) 24-12-2005, 02:47 PM
الأمـــاكـــن الأمـــاكـــن غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي


القسم السابع

أسفاره ورحلاته

كان الملك عبدالعزيز يتنقل بين الرياض والطائف، ومكة المكرمة وجدة، ليرعى شؤون مملكته. ولمّا كانت الأمور بسيطة، في بداية تأسيسه المملكة، والجهاز الإداري ضئيل الحجم، كان ينقل معه الديوان ومستشاروه وحاشيته، في كل رحلاته أو حملاته.
يقول المانع: لم نكن نصحب الملك في ذهابه إلى الحج وعودته منه فحسب، بل نرافقه في كل حملاته العسكرية، وجولاته السياسية. وكان هذا شبيهاً، إلى حد ما، بوضع ملوك أوروبا في القرون الوسطى، الذين كان رجال بلاطهم يصحبونهم في كل رحلاتهم. وكان عدد من يسافرون مع الملك من رجال الديوان، حوالي اثني عشر كاتباً، وستة خدام. وكنا نأخذ معنا كل التجهيزات المطلوبة من طعام وسلاح، كما كنا نأخذ معنا كل السِّجلات والأضابير والمراسلات الموجودة في الديوان. وكانت هذه تشحن في صناديق كبيرة من الخشب، وتحمل على ظهور الإبل، ثم على السيارات في السنوات الأخيرة، عبر آلاف من الأميال، تتجه مع قافلة الملك أينما اتجهت. وكان محتماً أن تزداد صعوبة ترتيب هذه الكمية من الأوراق كل سنة، حتى صار حجمها أكبر من أن يُستطاع التصرف فيه. ونتيجة لذلك أصبحت الأضابير الأساسية فقط، هي التي تُحمل معنا. أما بقية الأوراق فتبقى في الرياض.
وكان يسافر مع الملك ثلاثة موظفين وثلاثة خدام، من قسم رئيس التشريفات في الديوان. كما يسافر معه ثلاثة من خدمه الخاصين، ليعتنوا بملابسه ومتطلباته الشخصية. إضافة إلى هؤلاء كان يسافر معه اثنان أو ثلاثة من الطباخين، الذين يساعدهم، عادة، عدد من الجنود. وكان يأخذ معه حرسه الخاص، ويبلغ عددهم خمسين أو ستين رجلاً، من أسر الرياض المشهورة بولائها له. وكان يأخذ معه جماعة مسلحة، مكونة من ثلاثين أو أربعين رجلاً من حرسه السّود الموثوق بهم. وإلى جانب هؤلاء وأولئك، كان يرافقه جنود آخرون. وبوجه عام، كانت حاشية الملك تشتمل على ما يقرب من مائتي رجل مسلح. وكان لا يصطحب معه أية امرأة في حملاته العسكرية، ولكنه كان يأخذ معه إلى الحج بعض زوجاته وبناته وخدمهن. في سنة 1926م بدأ يستخدم السيارات كثيراً. وكانت هناك خمس عشرة أو عشرون سيارة تحمل الملك ورجال ديوانه وبعض حرسه الشخصيين. أما بقية من يسافرون معه، فيتبعونه على ظهور الإبل. وكان لديه سيارة مرسيدس رائعة، مخصصة لاستعماله الخاص. أما السيارات الأخرى، فكانت خليطاً من سيارات فورد وشفروليت وبويك وهدسون. وكانت هناك سيارتا فورد مخصصتين لموظفي الشعبة الخارجية في الديوان، إحداهما لرئيس الديوان واثنين من موظفيها، والأخرى لبقية الموظفين. وكان عدد السيارات يزداد كل سنة، حتى اختفت الإبل في عام 1935م، من قافلة أسفار الملك، وأصبحت كل القافلة تتكون مما يربو على خمسين ومائتي سيارة. ولم تكن هناك طريق معبدة بين الرياض ومكة المكرمة. بل لم تكن هناك طريق معبدة، في أي مكان من المملكة. وكان السفر يتم بمساعدة الأدلاء المحليين، الذين يعرفون أحسن الطرق عبر مناطقهم. وكثيراً ما كانت السيارة تصاب بعطل في تلك الظروف الصعبة، وكان يصحب القافلة حوالي عشرة من الهنود، أو الإندونيسيين، الذين يجيدون قيادة السيارات وهندستها. وقد أصبح هؤلاء خبراء، في الإصلاح المؤقت لها.
ويضيف المانع: كنا إذا توقف الركب ليلة في الصحراء، أقيمت خيمة كبيرة للملك، يستقبل فيها من كان يصاحبه من أسرته ومستشاريه. وكانت تقام بالقرب منها خيمة صغيرة، تستعمل لخدمه الشخصيين، كما تستعمل مخزناً للأطعمة التي يحتاج إلى طبخها. وكان من يسافرون معه ينامون فوق الأرض في العراء، على طريقة البدو. وكان الطباخون يعدون طعام الملك وحده. أما بقية من كانوا يسافرون معه، فكان كل واحد منهم يحمل طعامه الخاص، ويكمله باللحم وغيره مما يشتريه من البدو الموجودين في طريق القافلة. وكانت نيران المخيم تلمع في الصحراء، ولكن لا يسلم أحد من لدغات حشرات الصحراء، التي تجعل الحياة بالغة الصعوبة، لأؤلئك الذين لم يعتادوا على النوم في الهواء الطلق.

1. اصطيافه
وكان الملك عبدالعزيز يفضل الابتعاد عن الرياض، في الصيف، لشدة حرها، ولا يطيق حر مكة أو رطوبة جدة. يقول الزركلي: كتب إليّ يوسف ياسين في 27 محرم 1355هـ/ 21 أبريل 1936م، من جدة: "سافر الملك اليوم إلى عشيرة ، وسيقيم فيها مدة شهر، لأن مكة أصبح حرها لا يطاق. وهو لا يحب الطائف، لأن هواءها لا يروق له".
وسبب عدم ارتياحه لهواء الطائف، على الرغم من اعتداله صيفاً، أن ارتفاع البلدة فوق مستوى سطح البحر يؤثر فيه، خاصة وأنه لم يألف الحياة في قمم الجبال.
ويضيف الزركلي: وقد ألِف الاصطياف، بعد ذلك، في الحوية، على مقربة من الطائف. ويُلاحظ أن مناخ الطائف شديد الجفاف، والحَوية ألطف جواً منها. وكان يذهب كذلك إلى سهل (ركبة) بجوار الطائف للصيد والقنص. وإلى عشيرة وسامودة، قرب الطائف.
وفي الطائف اتخذ الملك قصراً كبيراً، يُسمى شبرا. وكان هذا القصر للشريف عبدالله باشا، نسخة من بناية في مصر قد خلبت لبه.
وكان الملك عبدالعزيز ولوعاً بجدة، وفي ذلك يقول المانع: لا زلت أذكر رؤيته مرة أو مرتين، في لحظة نادرة من لحظات الانفراد والطمأنينة، وهو جالس في قاعة أحد أماكن إقامته، يتأمل ألوان البحر الأحمر المتغيرة دائماً تحت أشعة شمس الأصيل.
وكان من عادته بعد الانتهاء من اصطيافه في الحوية، أو في الطائف، أو خروجه من مكة لركوب الطائرة إلى الرياض، أن يجعل (أم السّلم) محطة له، قبل دخول جدة.
ويعلم أعيان جدة وكبار الموظفين فيها بسفره من مكة، فيسرعون إلى أم السّلم لاستقباله والسلام عليه. وقد يبطئ بعضهم، فيتكتلون جماعات، ويقفون في الطريق، فيراهم وهو قادم بموكبه، فتتوقف سيارته ويجيئونه يسلمون عليه واحداً فآخر.
ويقول الزركلي:
تأخرت عن إدراك الملك، قبل قيامه من أم السّلم. وكنت أقود سيارتي، فرأيت الموكب قادماً. فترجلت. ووقفت منفرداً. ورآني فاستوقف سيارته. والملك كعادته جالس إلى جانب السائق. ومن خلفه أخوه الأمير عبدالله بن عبدالرحمن، ونجله النائب العام الأمير فيصل. وأسرعت فسلمت. وسألته عما يجب أن أعرفه، ولا سيما مقابلة السلك السياسي له، فأجاب، وضرب لهم وعداً ضحى الغد وانحرفت، فاستعرضت الموكب، وهو في نحو 200 سيارة ".
ويشبه ما تقدم، ما أورده عبدالوهاب عزام، الذي عمل وزيراً مفوضاً لمصر في المملكة:
خرجنا ضحى الخميس 15جمادى الأولى 1367هـ/ 26 مارس 1948م، نؤم بعض البساتين، في الرياض. وبينما نحن نسير على الطريق، الذي يمر بالقصور الملكية، توقف السائق قائلاً: الشيوخ!. ورجع القهقرى. فعلمنا أن الملك عبدالعزيز مجتاز. وانحاز السائق عن الطريق، فنزلنا. ومر الملك فرآنا، فسلم. وأمر فوقفت السيارة، فأسرعت وسلمت عليه. فقال: من أين؟ قلت: من دار الضيافة إلى خارج البلد. فقال: اليوم الخميس، وهو يوم العلماء، وأنا ذاهب للقائهم. وقال: جولوا حول البلد، هذا بلدكم. وأمر من معنا أن يذهب بنا إلى بستان الأمير سعود، وبساتين أخرى.
وكان الملك عبدالعزيز، أثناء رحلاته في البادية، قبل اتخاذ السيارة والطائرة، ينام على الفراش والسجادة في الليل، ويضعهما تحته على الكور، في سفره على الراحلة. ولا يحمل في جيبه شيئاً، لا ساعة ولا قلماً ولا ذهباً ولا فضة. وقد لا يكون في ثيابه جيوب البتة.
إلا أنه يحمل ساعة في الخُرج عند السفر، ويضعها تحت الوسادة عندما يقيم في مكانه. وهي في صندوقها، الذي جاءت فيه من المصنع.
ويحمل ناظوراً كبيراً لا غني له عنه. فهو كثيراً ما يراقب من مجلسه حركات رجاله وخدامه وغيرهم. ولا تكاد تمر غيمة في الأفق، إلاّ رفع إليها الناظور متيقناً متثبتاً.
ثم كان من عادته ـ بعد استعمال السيارة والطائرة ـ إذا ترك الرياض، أن يأمر بالإبراق إلى من لا يكون معه، من كبار أبنائه ومستشاريه وسفاراته، من أي مكان يستقر فيه. وإذا كانت رحلته إلى الصيد والقنص، صدرت البرقية من البر عن "الشنطة" أي حقيبة اللاسلكي.
وفي رحلته الأولى إلى الحجاز بعد فتحهـا، خرج موكبه من الرياض في ربيع الثاني 1343هـ/ 11 نوفمبر 1924م، وفيه عبدالله بن أحمد العجيري ، وهو راوية محاضر، نجدي من الحوطة. يحفظ كثيراً من الشعر، من دواوين فحول الشعراء، والنوادر والقصص من التراث العربي، من كتب الأغاني لأبو الفرج الأصفهاني، والكامل للمبرد والبيان والتبيين للجاحظ وديوان الحماسة لأبي تمّام وغيرها. وكان السلطان عبدالعزيز يطلبه في ساعة من الليل قائلاً: وين العجيري؟، ليقص عليه من القصص والروايات ما يسليه. وينشد ما قاله فيه شعراء نجد من فصيح أو عامي. وكان الملك ومن معه على ظهور الإبل، والعجيري على راحلته، يحاضرهم كل ليلة ساعة أو ساعتين. استمر على ذلك ثلاث وعشرين ليلة، لم يُعد العجيري في ليلة ما ذكر قبلها.
ومن عاداته في رحلاته أن يقف اثنان من رجاله، وبيد كل منهما بندقية، على درجة سيارته، هذا من اليمين وذاك من الشمال، خوف وقوع حادث مفاجئ. وتكون إلى جانبه في السيارة بندقية خاصة به. ويضع سائق سيارته، وهو هندي مضى على وجوده عنده سنوات عديدة، بندقية في جانبه.
ويسير، حيثما سار، شاب أسود اللون، تسلح بالبندقية والمسدس والجنبية والخنجر، فيرافقه في زياراته، وفي ذهابه إلى الولائم الخاصة، وإلى المسجد، وإلى كل مكان. ولا يتركه إلا بعد دخوله غرفته الخاصة في القصر. ويقف وراءه إذا صلى، ولا يصلى معه بل ينتظر ختامها ليصلي.
وقد انتقلت هذه العادة إليه من أمراء آل سعود السابقين، بعد مقتل الإمام سعود بن عبدالعزيز بن محمد بن سعود عام 1218هـ، وهو يصلي بمسجده في الدرعية.

2. رحلاته إلى النزهة والصيد
كان الملك عبدالعزيز يمارس الصيد ـ هوايته المفضلة ـ في فترات راحته القصيرة للغاية. وكان يذهب في الشتاء، أحياناً، مع عدد قليل من أصحابه ليصطاد أنواعاً من الصيد، خاصة الظباء. وكانت الحباري تطير خلال الشتاء فوق نجد متجهة نحو مأواها الشتوي في اليمن. وعندما يقترب الربيع تعود من هناك وتواصل طيرانها متجهة، فيما يبدو، إلى سيبيريا ومنشوريا. وكان عدد منها يقع ضحية بندقية الملك. وقد أصاب ذات مرة طيراً كان على عنقه طوق نحاسي، فيه كتابة صينية أو يابانية. وطلب من مترجمه محمد المانع أن يقرأ تلك الكتابة، لكنه مع الأسف لم يعرف لغتها.
وكان يذهب، أحياناً، إلى مكان خارج الرياض يسمى (الخفس). تجتمع فيه مياه الأمطار. وكان أكثر طراوة وخصباً من الصحراء المحيطة به. وكان يصحبه، أحياناً، كبار مستشاريه ورؤساء كتابه للنزهة هناك. وإذا وصلوا "الخفس"، نسوا كل ما يتعلق بأعمالهم المكتبية، وتمتعوا بالراحة والطعام اللذيذ. وكان معروفاً عن الملك أنه يستروح في تلك النزهات، فيأخذ معه خادماً لديه موهبة خاصة في الفكاهة. وكان مما يقوم به ذلك الخادم طرح أسئلة حمقاء على ضيوف الملك. وإذا لم يجب الضيف عنها فوراً إجابة في مستواها عوقب. وكان يستظرف عدداً من مرافقيه مثل ماجد الخثيلة، ومطلق الجعبا، وسلطان المنديل، لما يضفونه على مجلسه من المرح والدعابة.
وكانت هذه الدعابات تتم، بطبيعة الحال، بعيداً عن أعين العامة، لأن الملك كان من الحكمة بحيث لا يُسقط الحواجز بينه وبين رعاياه تماماً، بل يُبقي مسافة من الاحترام والتقدير قائمة.

________________

أسفاره إلى الخارج
أ. زيارته الكويت والبصرة
سافر الأمير عبدالعزيز إلى البحرين في صباه، عندما كانت أسرته تبحث عن مأوى، وعاش عشر سنوات من صباه ومطلع شبابه، في الكويت.
وبعد فتح الرياض، وتوليه الأمر، سافر إلى البصرة في صفر 1335هـ/ نوفمبر 1916م، ماراً بالكويت، وقدم التعزية للشيخ جابر بن مبارك ولآل الصباح في وفاة كبيرهم الشيخ مبارك. وكان قدومه البصرة بدعوة من السير برسي كوكس، الذي كان يعمل آنذاك في وظيفة كبير الضباط السياسيين، في الحملة البريطانية في العراق. ونزل في ضيافة ذلك القائد. ويقول فيلبي: إن هذه أول مرة يسافر فيها الأمير عبدالعزيز إلى بلد أجنبي. وقد تأثر عند رؤيته العدد الوافر من المعدات الحربية الحديثة. وربما استخف بالإنجليز حين رأى أعظم مضيفيه مكانة بينهم، "امرأة" تُدعى "جرترود بل".
ب. لقاؤه ملك العراق فيصل الأول، في عرض الخليج العربي
سافر الملك عبدالعزيز إلى خارج بلاده في رحلة بحرية، عندما ذهب للقاء الملك فيصل بن الحسين ملك العراق. وقد جرى اللقاء في عرض الخليج العربي، على ظهر البارجة البريطانية (لوبين)، في 27 فبراير 1930م. وكانت بريطانيا رتبت لقاء ودياً بين الزعيمين، لإزالة ما بينهما من عداء. واستقل الملك عبدالعزيز السفينة التابعة لشركة كيبل آند وايرلس، من ميناء رأس تنورة على الخليج العربي، ومخرت به إلى عرض الخليج، حيث كان الملك فيصل على ظهر السفينة (نرجس). واجتمعا بحضور القنصل البريطاني في العراق. وقد انفعل الملك فيصل لدى رؤيته الملك عبدالعزيز ورجاله وحراسه السعوديين، وتحركت فيه ذكريات حروبه مع لورنس في الصحراء، ولم يتمالك نفسه قائلاً: إني أشعر بالفخر والابتهاج أن أكون بين جنود عظماء كهؤلاء". فأجابه الملك عبدالعزيز بسرعة بديهته المعروفة قائلاً: "مادام بلدانا صديقين فإن هؤلاء الجنود جنودك، كما أنهم جنودي".
ومن طرائف هذه الرحلة، أنه خلال اجتماع الملكين، أراد الملك فيصل تأكيد أمر ما، فقال للملك عبدالعزيز: وحياة رأسك!. فنظر إليه الملك عبدالعزيز، وقال: قل والله. أي لا تقسم بغير الله.
ج. زيارته البحرين
وبعد اللقاء اتجهت السفينة، التي تقل الملك عبدالعزيز إلى الأحساء. ولكنه في طريقه قرر أن يزور صديقه القديم الشيخ عيسى بن علي آل خليفة (توفي في شعبان عام 1351هـ/ ديسمبر 1932م)، شيخ البحرين. وكان الشيخ عيسى قد نُحي، آنذاك، عن المشيخة لتقدمه في السن، وتولى مكانه ابنه الشيخ حمد بن عيسى. وكان الشيخ عيسى قد بذل مساعدته وحمايته للإمام عبدالرحمن الفيصل وأسرته، حيث آواهم في فترة اغترابهم عن الرياض.
واتجهت السفينة إلى ميناء المنامة، وفي الصباح الباكر نزل الملك وحاشيته إلى الشاطئ، واستقبله أبناء الشيخ عيسى، الذي كان مريضاً. وقد سُرّ الشيخ عيسى برؤية الملك عبدالعزيز، بعد هذه السنوات التي مرت على آخر لقاء بينهما. وقال الملك للشيخ عيسى: "إنه ليس لدي من أستشيره، بعد وفاة والدي، سواك". وبعد عدة ساعات تناقشا فيها، فيما يخص بلديهما من شؤون، تناول الملك غداء خفيفاً مع الشيخ وأسرته، ثم زار بلدة الرفاع في جزيرة المحرق الصغيرة. وهناك تناول الملك طعام العشاء مع وكيله في البحرين، التاجر النجدي المشهور، عبدالرحمن القصيبي. وحين أراد الملك مغادرة البحرين، حضر الشيخ حمد بن عيسى إلى شاطئ الزلاق، حيث كانت سفينة الملك تنتظره، وودعه. وكان الشيخ حمد بن عيسى كبير السن، ولم يؤد فريضة الحج بسبب حدس منجم قال له أنه سيموت إذا أداها. وكان هذا نوعاً من الخرافات والاعتقادات الباطلة، التي تحاربها دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب. لذا، قال الملك عبدالعزيز للشيخ حمد: "إني لن أكون مسروراً ما لم أرك في مكة". وبعد سفر قصير وصل الملك إلى ميناء العقير على الشاطئ السعودي.
ثم زار الملك عبدالعزيز البحرين ثانية، وهي زيارة رسمية، بدعوة من أميرها الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة، في يوم الثلاثاء 12ربيع الأول 1358هـ/2 مايو 1939م. ورافقه فيها ولي العهد الأمير سعود وعدد من أبنائه، واستقبلوا من قبل شيوخها وأهلها أروع استقبال. وقد عاد الملك إلى الخبر فالظهران يوم الأحد 17ربيع الأول 1358هـ.
د. زيارتاه لمصر
لم يسافر الملك عبدالعزيز خارج شبه الجزيرة العربية، إلا مرتين إلى مصر؛ الأولى للاجتماع مع الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، على ظهر الطراد (كونيري) في البحيرات المرة، بقناة السويس، في2 ربيع الأول 1364هـ/ 15 فبراير 1945م، ولمقابلة رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، في بلدة الفيوم، في 17 فبراير 1945م. وكانت تلك الزيارة عظيمة الفائدة، حيث أتاحت له الالتقاء بزعيمي دولتين، من الدول العظمى.
(1) الزيارة الأولى
رغب الرئيس الأمريكـي فرانكلين روزفلت، وهو في طريـق عودتـه من مؤتمر مالطـه، فـي يناير 1945م، في مقابلة الملك عبدالعزيز والاجتماع به في مياه قناة السويس. ووافق الملك على ذلك لِما فيه من مصلحة لبلاده، وللقضايا العربية، وعلى رأسها قضية فلسطين. وأرادت الحكومة الأمريكية أن تكون المقابلة سرية، وبالغت في طلبها كتمان خبر الرحلة، ووجهة الملك وغايته، حرصاً على سلامة الرئيس الأمريكي، وخوفاً من تسرب الأنباء، عن مكان الرئيس روزفلت، فيصبح طراده البحري عرضة للقصف من الطائرات الألمانية. وكان الرئيس الأمريكي لا يرغب، في أن يعلم رئيس الوزراء البريطاني بهذه المقابلة.
وأقبل الملك عبدالعزيز من الرياض إلى جدة بالسيارات، وكانت إحدى المدمرات الأمريكية، وتحمل اسم "مورفي"، تنتظره في جدة. وخرج أعيان الحجاز وكبار الموظفين إلى ميناء جدة، يحيطون بالملك عبدالعزيز، وهم يحسبونه سيقوم بزيارة للطراد الأمريكي. وفي 12 فبراير 1945م، ركب الملك، ومعه 48رجلاً، في مقدمتهم أخوه الأمير عبدالله بن عبدالرحمن، وابناه الأمير محمد، والأمير منصور وزير الدفاع، ووزير المالية عبدالله السليمان الحمدان، ووزير الخارجية بالنيابة يوسف ياسين، والوزير المفوض بلندن حافظ وهبة، وطبيبه الخاص الدكتور رشاد فرعون، وبشير السعداوي مستشاره الخاص، ورئيس الخاصة الملكية عبدالرحمن الطبيشي، وماجد الخثيلة، من أتباع الملك. وركب معهم سانت جون فيلبي. كما رافقهم الوزير الأمريكي المفوض في جدة، وليم إدي. وهو يحسن التحدث باللغة العربية. وانطلق الطراد وغاب عن الأنظار. وسرى الذعر والتساؤل في الجموع بجدة: أين ذهب الطراد بالملك؟. على أن شخصين اثنين كانا، من دون سائر الناس، عالمين بالرحلة والغرض منها، هما الأمير سعود والأمير فيصل، رآهما المتسائلون مطمئنين، فخف ما بهم. ووصل الطراد إلى البحيرات المرة حيث كان الرئيس الأمريكي ينتظره على سطح الطراد "كونيري". ومد بين الطرادين جسر مشى عليه الملك وبعض ممن معه، فكان الاجتماع قبيل الظهر من يوم الخميس 2 ربيع الأول 1364هـ/ 15 فبراير 1945م. ورحب الرئيس الأمريكي، الذي لم يكتم إعجابه، بالملك عبدالعزيز حين تلاقيا، وأبدى سروره بلقائه. وكان يترجم بينهما الكولونيل وليم إيدي، وإلى جانبه بعض العارفين بالإنجليزية من رجال الملك، مثل عبدالله بالخير. واستمر الحديث أربع ساعات، تناول الوفدان خلالها طعام الغداء. وكان الرئيس الأمريكي يتنقل بكرسيه المتحرك

___________

وأهدى الملك عبدالعزيز إلى الرئيس الأمريكي سيفين مرصعين، أحدهما مجوهراً والآخر ذهباً، وأهداه كذلك كسوة عربية مكونة من بشت وغترة وعقال، وثلاث كساوي يحتوي كل منها على بشت وعقال وغترة وخنجر ذهب. ثم أربع كساوي يشتمل كل منها على بشت وعقال وغترة وساعة جيب ذهبية. عدا صرتين كبيرتين، أعطيتا لمن كان مع الرئيس في المقابلة. كما أهدى الرئيس الأمريكي كرسيه المتحرك للملك عبدالعزيز، وصار يتنقل به في قصره وفي ديوانه ويطلق عليه اسم "الحصان". كما أمر الرئيس الأمريكي بإهداء الملك طائرة، من نوع دي سي.
(أ) لقاء تشرشل والملك عبدالعزيز في الفيوم
بعد انتهاء الملك عبدالعزيز من مقابلة روزفلت، على الطراد (كونيري)، انتقل إلى المدمرة التي كان عليها. وجاء دور مقابلته للمستر ونستون تشرشل، رئيس الوزارة البريطانية. ومازال موعد الاجتماع به، ومكانه مجهولين.
يروي الزركلي، الذي حضر تلك الزيارة، قائلاً:
كنت في ضحى ذلك اليوم، 2 ربيع الأول 1364هـ/ 15 فبراير 1945م، في مقر وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة، أحضر اجتماعاً لمجلس جامعة الدول العربية. وكلمني متحدث بالهاتف يقول إنه من السفارة البريطانية، وأن في السفارة "شخصاً" يود أن يستقبلني بها في أقرب فرصة. ولم أهتم للأمر، ووعدت المتكلم بأن أزور السفارة بعد انقضاء الجلسة. وذهبت إليها بعد الظهر. فكان النبأ أخطر مما يمكن أن أتوقع. علمت من ذلك الشخص، أن الملك عبدالعزيز سيصل في هذا الصباح، وقد وصل، إلى قرب مياه الإسماعيلية، وأنه أمر بذهابي لمقابلته في الطراد الذي هو عليه، وألا يعلم بهذا الأمر أحد قط.
ومضيت في الحال. وبلغت الإسماعيلية، وقد أظلم الليل. وطال بحثي عن مكان الطراد. وبعد جهد وتعب، اهتديت إليه، وصعدته فسلمت على الملك، واستبشرت بأن رأيت إمارات الارتياح بادية على وجهه.
ولبثت بعض الوقت، أصغي إلى ما كان يتحدث به، ثم إلى ما أخذ يوجهه إليّ خاصة. وقد قرر المبيت تلك الليلة 2 ـ 3 ربيع الأول في منطقة البحيرات المرة، على الطراد، وعليّ أن أرجع، ثم أعود إليه في الصباح، بما يبني عليه خطته.
وبعد ساعة من وصولي، نهضت مسرعاً إلى القاهرة، أحمل منه رسالتين سريتين شفويتين: إحداهما إلى الوزير البريطاني المفوض بجدة (المستر جوردن)، وكان تلك الليلة في القاهرة. والثانية إلى الملك فاروق.
وبلغت القاهرة بعد الساعة الثانية بعد منصف الليل. وقابلت جوردن فأبلغته محتوى الرسالة، على لسان الملك عبدالعزيز. ونهضت لإبلاغ الرسالة الثانية إلى الملك فاروق الساعة الثالثة، بعد نصف الليل، فإذا هو قد خرج بعد انقضاء حفلة ساهرة أقيمت في قصره تلك الليلة، للترحيب برئيس الجمهورية السورية شكري القوتلي، وكان قد حل مصر منذ يومين.
ولم يسعني إلا أن أترك للفاروق ـ في القصر ـ رسالة يقرأها عند العودة من سهرته، أخبرته فيها بأن الملك عبدالعزيز في المياه المصرية. ويود أن يراه في فرصة قريبة، وليكن هذا سراً، ما دام الرئيس الأمريكي في مياه البحر الأبيض المتوسط.
وعدت إلى البحيرات بما يهم الملك أن يعلم به. وبلغت الطراد بعد شروق الشمس، والملك عبدالعزيز جالس. وحدثته بما كان: لقد هيأ البريطانيون كل شيء، ليكون الاجتماع بين جلالتكم وتشرشل سراً، في فندق الفيوم. ووصل المندوب البريطاني، الذي أخبرت الملك بأنه سيعرض البرنامج. وتحرك الطراد، عند أذان الظهر يوم الجمعة 3 ربيع الأول، متجهاً إلى الإسماعيلية، فبلغها في أقل من ساعة، ونزل الملك ومن معه في مينائها، وقد أُخلي الميناء من كل إنسان، إلا من ينقلون الأمتعة، ولا أدري من أي نوع من رجال البوليس السري كانوا. وكلهم مصريون.
واصطف على مقربة من الشاطئ، رتل من السيارات الرملية اللون، أعدته القيادة العسكرية البريطانية، لركوب الملك وحاشيته.
وحول الساعة الثانية بعد الظهر، انطلقت السيارات على مهل، ودخلنا القاهرة ليلاً، فاخترقنا شوارعها إلى طريق الفيوم الصحراوي، ولا يعلم أحد بنا. وكان النزول والمبيت في فندق "الأوبرج"، على بحيرة قارون، وليس فيه إلا مديره والموظفون والخدم، فقد أخلي من نزلائه في صباح ذلك اليوم. وأحيط بحرس من رجال البوليس.
وفي الساعة الرابعة بعد الظهر، من يوم السبت 4 ربيع الأول 1364هـ/ 16 فبراير 1945م، أقبلت على الفندق بضع سيارات، تقل أولاها الملك فاروق والزعيم السوري شكري القوتلي. وتلقاهما الملك عبدالعزيز معانقاً، واستمر اجتماع الثلاثة قرابة خمس ساعات.
وفي ضحى الأحد 5 ربيع الأول، وصل إلى الفندق المستر ونستون تشرشل، يصحبه، المستر أنطوني إيدن وزير الخارجية، وآخرون من كبار السياسيين والقواد العسكريين. فاستقبلهم الملك عبدالعزيز. وانفرد بتشرشل نحو ساعة. وتناول الجميع طعام الغداء على مائدة الملك.
(ب) العودة إلى المملكة
في صباح الاثنين، أُبلغ الملك أن الرئيس الأمريكي روزفلت، قد اجتاز منطقة الخطر في عودته إلى بلاده. فرُفع حجاب الكتمان عن وجود الملك، في الديار المصرية، وأصبح في الإمكان أن يستمتع أياماً برؤية وادي النيل. غير أنه آثر الإسراع في العودة إلى بلاده، لتهدئة النفوس المضطربة، قلقاً عليه.
وغادرت السيارات فندق الأوبرج بالفيوم، صباح الاثنين 6 ربيع الأول، تقل الملك عبدالعزيز وحاشيته. ومر بالأهرام، فالجيزة، فميدان عابدين. وهنا توقف الركب قليلاً، وبعث الملك أحد مستشاريه "خالداً القرقني"، برسالة شخصية إلى الملك فاروق، يشكره بها ويودعه، ويعده بزيارة خاصة له ولمصر. وتابع الركب رحلته بالسيارات إلى الإسماعيلية، حيث كان الطراد الأمريكي قد عاد من رحلته، وأقبل ينتظر. وأبحر في اليوم نفسه إلى جدة.
(د) من طرائف الرحلة
أورد خير الدين الزركلي، الذي كان ضمن الوفد السعودي المرافق للملك في مصر، طرائف من رحلة الملك عبدالعزيز. فينقل الزركلي عن الكولونيل وليم إدي، المفوض الأمريكي في بجدة، الذي رافق الملك على ظهر المدمرة "مورفي"، من جدة إلى البحيرات المرة، أنه أثناء الرحلة عُرض على الملك عبدالعزيز فيلم تعليمي، عن حاملة طائرات أمريكية وعن دورها في الحرب. فأُعجب جلالته به، ولكنه علق عليه قائلاً: إني أشك في إمكان السماح لشعبي برؤية هذه الأفلام المدهشة. لأنها قد تقوي فيهم الميل إلى اللهو، وقد تصرفهم عن ذكر الله، وعن واجباتهم الدينية.
(هـ)حقيبة العلاج
عندما وصل الركب الملكي إلى الفيوم، أخذت، مع وزير المالية عبدالله السليمان، نعمل في إحلال رجال الحاشية في غرفهم. إلى أن بلغت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، فتناولنا قليلاً من الطعام، وذهب كل منا إلى غرفته للنوم. ولم يكن قد أغمض لي جفن في الليلة السابقة. ولكن لم يكد الكرى يأخذ بمعقد جفنيّ، حتى نهضت مذعوراً، على قرع عنيف لباب غرفتي. وكان على الباب عبدالله السليمان ويوسف ياسين.
وقبل أن أسألهما بادراني قائلين: يريدك (أي الملك). وأردت أن أضع شيئاً على رأسي، فقالا: كما أنت. وذهبت مسرعاً إلى غرفة الملك، وهو في سريره، فلما رآني قال: تكفى يا خيري! قلت: سمعاً. قال: حقيبة أدويتي. نسيها المهبول أمين، في المركب. ولا أعرف الراحة بدونها. قلت: أبشر. قال: لا يستطيع غيرك أن يعود إلى القاهرة، ما دمنا في كتمان سيرنا. قابل الأمريكي "الكولونيل إيدي" واحضر اجتماع مجلس الجامعة. قلت سأذهب حالاً. وخرجت، فقابلني طبيبه الدكتور رشاد فرعون. وقال: بينما تعاد الحقيبة، ائتنا بهذه الأنواع من العلاج في طريقك. وركبت سيارة عسكرية يقودها جندي بريطاني، وقلت: إلى القاهرة. وقبل طلوع الفجر أيقظت الأمريكي "وليم إدي" فقال: إن الطراد الذي كان عليه الملك في البحيرات المرة، قد أبحر. وسأبرق إلى أول شاطئ يمر به، فتحمل الحقيبة إلينا طائرة عسكرية، قبل سفر الملك. وكان ذلك. ووسائل الحرب تأتي بما يشبه المعجزات.
(و) سؤال عن الأهرام
وفي أثناء مرورنا بأهرام الجيزة وأبي الهول، في طريقنا من الفيوم إلى القاهرة، قال لي الملك عبدالعزيز، وكنت معه في سيارته: ترى ما كان رأي الصحابة الذين دخلوا مصر ورأوا هذه الآثار؟ قلت: كان أكثرها مغموراً بالرمال، ولاسيما أبا الهول. وكان يظهر منها هرمان ينسب بناؤهما إلى النبي إدريس. قال: ومتى ظهر أنها قبور؟. قلت: من عهد قريب يا طويل العمر. فزال عجبه.
(ز) إسراف
وقبل أن نصل إلى الأهرام صعد إلى إفريز السيارة الملكية، أحد تراجمة السياح، يشرح للملك شيئاً عن الأهرام وأبي الهول. وأشار إليّ الملك أن أكرمه بعشرين جنيهاً. فمددت يدي بها إليه. فامتنع عن قبولها ونزل. وكان على جانبي الطريق بعض رجال الأمن، والسيارة ماضية في سيرها. فألقيت العشرين جنيها إلى الرجل، وسقطت على الأرض فأسرع بعض من كان هناك إلى التقاطها. وما كدنا نجتاز القاهرة حتى كان أناس يقولون: الجنيهات ينثرها الملك عبدالعزيز على جانبي الطريق من الفيوم إلى قصر عابدين، يا له من إسراف!
(ح) على رافعة الأثقال
لم يتسع وقت الطراد لإقامة ممر ثابت متين، بينه وبين الميناء، في الإسماعيلية، فكنا نقفز على خشبات وضعت، لا يمكن أن تحمل الملك عبدالعزيز، ولا يمكن أن يسير عليها. فما العمل؟
جيء برافعة أثقال، وجلس الملك عبدالعزيز في شيء أشبه بصندوق كبير، فكانت أعيننا وقلوبنا معه، في صعود الرافعة ونزولها، إلى أن استقرت على الطراد.


____________

واروجو ان ينال الموضوع على اعجابكم
وان يتم نقله الى المواضيع الممتميزة

الاماكن

  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 4
قديم(ـة) 24-12-2005, 03:44 PM
صورة ســ الأحزان ــر الرمزية
ســ الأحزان ــر ســ الأحزان ــر غير متصل
©؛°¨غرامي ماسي ¨°؛©
 
الافتراضي


تسلم اخي الكريم

على هالمعولمات الرائعة

عن هالشخصية العظيمة

وربي يعطيك الف عافية..


  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 5
قديم(ـة) 24-12-2005, 04:11 PM
صورة HAJAR الرمزية
HAJAR HAJAR غير متصل
مستشــ¸.·* غرام *·.¸ـــاري
 
الافتراضي


[ALIGN=center]شخصية عظيمة,,فليرحمه الله,,
وتمنيت التعرف عليها,,
فأتحت لي الفرصة,,
خصوصا,,
عندما شاهدت الحزن الكبير على فراقه,,
من لدن شعبه....

فشكرا أخي,,على الموضوع

تحياتي
[/CENTER]

موقع غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات


youtube

SEO by vBSEO 3.6.1