منتديات غرام رمضانيات غرام الواحة الرمضانية - غرام ضوابط الاستمتاع بالزوجة في رمضان
NFNF ]~شـُمُوخـٌ يـُعـانِقُ الثـُريَـا~[

ضوابـــــط الاستمتـــاع بالزوجة في رمضان


الفصل الأول



المبحث الأول

حكم الاستمتاع بالزوجة في الصيام بالوطء

الفرع الأول: حكم المجامع العامد.

الفرع الثاني: حكم المجامع الناسي.

الفرع الثالث: حكم المجامع المخطئ.

الفرع الرابع: حكم المجامع المكره.



المبحث الثاني

كفارة الواطئ عن عمد في نهار رمضان








المبحث الأول

حكم الاستمتاع بالزوجة في الصيام بالوطء وكفارته.

الفرع الأول: حكم المجامع العامد



أجمع أهل العلم على بطلان صوم من تعمد الوطء في الفرج انزل ، أو لم ينزل ، أو دون الفرج إذا أنزل .

قال ابن قدامة: «لانعلم بين أهل العلم خلافاً في أن من جامع في الفرج ، فأنزل ؛ أو لم يُنزل ، أو دون الفرج ، فأنزل أنه يفسد صومه إذا كان عامداً»(1).



وذلك للأدلة التالية:

1. قوله سبحانه وتعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون}(1)

روى البخاري عن البراء بن عازب أنه قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائماً ، فحضر الإفطار ، فنام قبل أن يفطر، ولم يأكل ليلته ، ولا يومه حتى يمسي، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائماً، وكان يعمل بالنخيل في النهار ، فلما حضر الإفطار أتى امرأته، فقال لها أعندكِ طعامٌ؟ قالت: لا ؛ ولكن انطلق فأطلب لك ، وكان يومه يعمل فغلبته عيناه ، فجاءته امرأته ، فلما رأته قالت: خيبة لك ، فلما انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية «أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم» ففرحوا فرحاً شديداً، فنزلت «وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود»(2)



2. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هلكت يا رسول الله . قال : وما أهلكك ؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان . قال هل تجد ما تعتق رقبة ؟ قال: لا . قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ قال: لا. قال: فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً ؟ قال: لا. قال: ثم جلس ، فأتى النبي r بعرق فيه تمر، فقال تصدق بهذا، قال: أفقر منا ، فما بين لا بيتها أهل بيت أحوج إليه، فضحك النبي صلى الله عليه وسلمحتى بدت أنيابه ، ثم قال: اذهب ، فأطعمه أهلك»(3).

وقد بوب الإمام مسلم رضوان الله عليه هذا الحديث بباب تغليظ تحريم الجماع في شهر رمضان على الصائم ، ووجوب الكفارة الكبرى فيه ، وبيانها ، وأنها تجب على الموسر ، والمعسر ، وتثبت في ذمة المعسر حتى يستطيع.



3. حدثنا ربيع المؤذن ، قال: ثنا شعيب ، قال: ثنا الليث ، عن بكير بن عبد الله بن الأشج ، عن أبي مرة مولى عقيل ، عن حكيم بن عقال أنه ، قال: سألت عائشة رضي الله عنها ما يحرم علي من امرأتي ، وأنا صائم ، قالت: فرجها»(1).

وجه دلالة هذا الحديث أنه يدل بمنطوقه على حرمة الاستمتاع الزوج بفرج زوجته في الصيام .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية فيما يفطر الصائم : « وهذا نوعان: منه ما يفطر بالنص والإجماع وهو الأكل والشرب والجماع . قال تعالى: فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم ، وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، ثم أتموا الصيام إلى الليل»(2).



والجدير بالذكر أن الوقت المباح به للمجامعة ، وغيرها في الصيام هو من غروب الشمس ، وحتى طلوع الفجر لما روى عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغابت الشمس من ههنا ، فقد أفطر . ويجوز أن يأكل ، ويشرب ، ويباشر إلى طلوع الفجر»(3).

الفرع الثاني

حكم المجامع الناسي في نهار رمضان



اختلف الفقهاء في الحكم على المجامع الناسي إلى عدة اجتهادات نوردها فيما يلي:



الاجتهاد الأول:

لا قضاء ، ولا كفارة على المجامع الناسي في نهار رمضان ، وهو رأي الحسن ، ومجاهد، والشافعي ، وأبي حنيفة ، وابن تيمية(1).



الاجتهاد الثاني:

وجوب القضاء دون الكفارة ، وهو رأي مالك ، والأوزاعي ، والليث(2).



الاجتهاد الثالث:

وجوب القضاء ، والكفارة ، وهو المشهور عن الإمام أحمد بن حنبل(3).



سبب الخلاف:

اختلافهم في قياس المجامع الناسي على الآكل ، والشارب ، واختلافهم على مدلول الآية 286 من سورة البقرة،واختلافهم على مفهوم ومدلول الأحاديث المتصلة بهذا الموضوع.


الاجتهاد الأول

لا قضاء ولا كفارة على المجامع الناسي في الصيام



قال أصحاب هذا القول: إن المجامع الناسي لا يجب عليه قضاء ، ولا كفارة إذا كان ناسياً صومه.

وحجة أصحاب هذا الرأي ما يلي:

1. قوله سبحانه وتعالى: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا}(1).

البيان الإلهي بين عدم المؤاخذة في حال الخطأ ، والنسيان مهما كان الفعل المرتكب ، وعليه لا يفسد صوم من جامع ، وهو ناس لصومه.

2. القياس: روي عن أبي حنيفة النعمان أنه قال: لا قضاء على الناسي للأثر المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : «من نسي وهو صائم أو شرب فليتم صومه إنما أطعمه الله وسقاه»(2)

على هذا الأثر اعتمد الإمام أبو حنيفة أن لا قضاء ، ولا كفارة على المجامع الناسي لصومه .

3. قال رسول الله : صلى الله عليه وسلم «إن الله رفع عن أمتي الخطأ ، والنسيان ، وما استكرهوا عليه»(3).
4. عن سهل بن سعد قال : أنزلت{ وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود}. ولم ينزل من الفجر ، و كان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض ، و الخيط الأسود ، و لا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما ، فأنزل الله بعده من الفجر، فعلموا إنما يعني الليل من النهار0 (4)

وثبت في الصحيحين أن طائفة من الصحابة كانوا يأكلون حتى يظهر لأحدهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ، وقال النبي لأحدهم إن وساءك لعريض إنما ذلك بياض النهار ، وسواد الليل ولم ينقل أنه أمرهم بقضاء ، و هؤلاء جهلوا الحكم ، فكانوا مخطئين»(1).و مع هذا لم يأمر الرسول الكريم أحدهم بالقضاء.



مناقشة الاجتهاد:

ذهب أصحاب هذا الاجتهاد إلى القول بأن المجامع الناسي لصومه ليس عليه قضاء ، ولا كفارة لنسيانه للصيام ، واحتجوا بعدة أدلة أوردناها فيما سبق .



الآية التي بينت عدم المؤاخذة على الخطأ ؛ والنسيان ، وهي قوله تعالى: «ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا».

فالبيان الإلهي يبين عدم المؤاخذة بالخطأ ، والنسيان ، وبالتالي رفع القضاء ، والكفارة عمن جامع زوجه نتيجة لنسيانه صيامه .

احتج ابن تيمية بهذه الآية في عدم وجوب القضاء ، والكفارة على الناسي ؛ والمكره . بيد أن الشافعية وأبي حنيفة احتجا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم«من أكل ناسياً أو شرب ناسياً فلا يفطر فإنما هو رزق رزقه الله تعالى».

فقاسا الأكل ، والشرب على الجماع ، فرفعوا الحرج على الناسي ، ولم يوجبا عليه القضاء ولا حتى الكفارة .

وخالف هذا الاجتهاد كل من عطاء ، والثوري ففرقا ما بين الأكل ، والشرب ، والجماع ناسياً . فقالا: يفسد صومه في الجماع ، ولا يفسد في الأكل والشرب ، لأن القياس يقتضي الفساد في الكل لفوات ركن الصوم في الكل إلا أنا تركنا القياس بالخبر لورود أثر في الأكل ؛ والشرب ، فبقى الجماع على الأصل(1).

فرد أصحاب هذا الاجتهاد على هذه الشبهة بقولهم: «إنا نقول نعم الحديث ورد في الأكل ؛ والشرب ، لكنه معلول بمعنى يوجد في الكل ، وهو أنه فعل مضاف إلى الله تعالى على طريق التمحيص بقوله، فإنما أطعمه الله ، وسقاه قطع إضافته عن العبد لوقوعه فيه من غير قصده ؛ واختياره ، و هذا المعنى يوجد في الكل ، والعلة إذا كانت منصوصاً عليها كان الحكم منصوصاً عليه ، ويتعمم الحكم بعموم العلة…»(2).



الاجتهاد الثاني
وجوب القضاء دون الكفارة على المجامع الناسي للصوم



ذهب الإمام مالك ، والأوزاعي(3)، والليث ، وأبي ثور(4) إلى وجوب القضاء دون الكفارة على المجامع الناسي للصوم .



وحجة هذا القول ما يلي:

1. قوله سبحانه وتعالى: «وكلوا اشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل»(5).

البيان الإلهي يبين بمنطوقه ، ومفهومه أن الأكل ، والشرب ، والجماع مباح حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر . فمن جامع ناسياً وقت طلوع الفجر ، ثم طلع عليه الفجر ، وهو على هذه الحال ، فعليه القضاء دون الكفارة لمفهوم الآية الكريمة .

2. ما روي عن أسماء ، قالت: أفطرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم غيم ، ثم طلعت الشمس، قيل لهشام –أحد رواة الحديث- فأمروا بالقضاء ؟ قال : لابد من قضاء»(1).

الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أمر من أخطأ في غروب الشمس بالقضاء فقط، ويقاس على هذا الحكم من جامع ناسياً.


مناقشة الاجتهاد

ذهب أصحاب هذا القول إلى أن المجامع الناسي للصوم يجب عليه القضاء دون الكفارة ، وذلك لقوله سبحانه وتعالى: «وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر»

ولأمر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بالقضاء لمن أفطر في رمضان في يوم غيم عندما طلعت عليهم الشمس .

يرد على هذا الاجتهاد بما يلي:

لقد نص الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم على عدم مؤاخذة الناسي ، والمخطئ ، وبالتالي فالمجامع الناسي غير مؤاخذ ، ولا يجب عليه أي القضاء ، أو كفارة . لدلالة منطوق الآية السابقة ، ومفهوم قول الرسول الكريم r : «من نسي وهو صائم أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه».

يبين حكم الرسول الكريم بعدم فساد صوم من أكل ، أو شرب ، و عدم فساد من جامع ناسياً صيامه لوحدة العلة ، وعموم الحكم يكون بعموم العلة .

الاجتهاد الثالث

وجوب القضاء والكفارة



ذهب الإمام أحمد ، وابن ماجشون من المالكية إلى وجوب القضاء ، والكفارة معاً لمن جامع ناسياً صومه في رمضان ، وكان دليل هذا القول الحديث النبوي التالي:

حدثنا يحيى ، وأبو بكر بن أبي شيبة ، وزهير بن حرب ، وابن نمير كلهم ، عن ابن عينية قال : يحيى أخبرنا سفيان بن عينية ، عن الزهري ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال : هلكت يا رسول الله . قال : وما أهلكك . قال : وقعت على امرأتي في رمضان . قال : هل تجد ما تعتق رقبة ؟ قال : لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ قال : لا. قال : فهل تجد ما تطعم به ستين مسكيناً ؟ قال: لا. قال: ثم جلس. فأتي النبي r بعرق تمر. فقال : تصدق بهذا . قال : أفقر منا ، فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا ، فضحك النبي r حتى بدت أنيابه ، ثم قال : اذهب ، فأطعمه أهلك(1).

ورواه ابن حبان على الشكل التالي:

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا سفيان بن عينية ، عن الزهري ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فقال : هلكت يا رسول الله. قال: وما أهلكك ؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان. فقال النبي صلى الله عليه وسلم أعتق رقبة. قال : لا أجد . قال: صم شهرين متتابعين . قال: لا أطيق. قال: أطعم ستين مسكيناً. قال: لا أجد. قال: اجلس. فبينما هو كذلك إذ أتى بمكتل يدعى العرق ، فقال: اذهب فتصدق به. قال: يا رسول الله ، والذي بعثك بالحق ما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا0

حدثنا عبد الجبار بن عمر حدثني يحيى بن سعيد عن ابن المسيب عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ، فقال: وصم يوماً مكانة»(1)

ورواه ابن حبان بزيادة لفظ «خذه واستغفر الله ، وأطعمه أهلك»(2)

ووجه دلالة هذه النصوص ، وفق رأي هذا القول: وجوب القضاء ، والكفارة على المجامع في نهار رمضان ، ولو كان ناسيا لدلالة منطوق تلك الروايات على وجوب القضاء و الكفارة معا .
مناقشة الاجتهاد :

اعتمد أصحاب هذا القول على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم سالف الذكر الذي يوجب القضاء ، والكفارة على المجامع في نهار رمضان سواء أكان عامداً ، أو ناسياً ، وفق رأي أحمد ، وابن ماجشون من المالكية .

يرد على هذا القول: بأن قرينة حال الصحابي تدل على أن الجماع كان عن عمد ، وليس عن نسيان ، وبالتالي ، فإن هذا الحديث لا يشمل حكمه من جامع ناسياً في نهار رمضان . بل هو خاص بالجماع عن عمد، والله أعلم .



الترجيح بين الاجتهادات :

بعد أن بينا أقوال أهل العلم في هذه المسألة نلاحظ أن الراجح القول القائل بعدم القضاء ، أو الكفارة على المجامع الناسي في نهار رمضان. لدلالة الكتاب والسنة .

فمن فعل محظوراً ناسياً لم يؤاخذه الله بذلك ويكون بمنزله من لم يفعله ، فلا إثم عليه ، ومن لا إثم عليه لا يكون عاصياً ، ولا مرتكباً لما نهي عنه ، ومثل هذا لا يبطل صومه، والله أعلم.


الفرع الثالث

حكم المجامع المخطئ في نهار رمضان



اختلف أهل العلم بالحكم على المجامع المخطئ إلى عدة أقوال نوردها على النحو التالي:



الاجتهاد الأول:

عليه القضاء لا غير وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وزفر(1) ورواية عن الإمام أحمد(2).



الاجتهاد الثاني:

عليه القضاء والكفارة وهو عن الإمام أحمد(3).



الاجتهاد الثالث:

لا قضاء ولا كفارة على المجامع المخطئ ، وهذا اجتهاد ابن تيمية ، وكثير من السلف الصالح كسعيد بن جبير ، ومجاهد ، والحسن ، وإسحاق ،وداود(4).




الاجتهاد الأول

على المجامع المخطئ القضاء دون الكفارة



قال أصحاب هذا الاجتهاد بوجوب القضاء دون الكفارة على المجامع المخطئ في رمضان .

و اعتمد أهل هذا القول على الدليل التالي:

* روي عن حنظلة رضي الله عنهما أنه قال : كنا في المدينة في شهر رمضان ، وفي السماء شيء من السحاب ، فظننا أن الشمس قد غربت ، فأفطر بعض الناس ، فأمر عمر رضي الله عنه من كان أفطر أن يصوم يوماً مكانه»(1).

وجه دلالة هذا الأثر أن الفاروق رضوان الله عليه أمر من أفطر ظاناً أن الشمس قد غربت بالقضاء ، دون أن يفرض عليهم أية كفارة.



مناقشة الاجتهاد:

ذهب أصحاب هذا الاجتهاد إلى القول بأن المجامع المخطئ يجب عليه القضاء ، دون الكفارة ، وذلك بالاعتماد على أمر الفاروق عندما أمر من أفطر خطأ أن يقضي يوماً مكانه .

يرد على هذا القول:

بأن هذا الاجتهاد مردود لورود العديد من الأدلة النقلية التي تثبت عدم صحته ، ومن هذه الأدلة قول الله سبحانه وتعالى: «ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا» .

البيان الإلهي جمع ما بين الخطأ ، والنسيان مما يعني تساويهما بالحكم ، وقد ثبت في الصحيح أن الصحابة أفطروا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم طلعت الشمس ، ولم يذكروا في الحديث أنهم أُمروا القضاء.

وثبت أيضاً في الصحيحين أن طائفة من الصحابة كانوا يأكلون حتى يظهر لأحدهم الخيط الأبيض من الأسود ، فقال النبي r : لأحدهم إن وسادك لعريض ، إنما ذلك بياض النهار ، وسواد الليل ، ولم ينقل أنه أمرهم بالقضاء .

«وثبت عن عمر بن الخطاب أنه أفطر ، ثم تبين النهار ، فقال : لا تقضي ، فإنا لم نتجانف لإثم . وروي عنه أنه قال : تقضي ، ولكن إسناد الأول أثبت وأصح»(1).



الاجتهاد الثاني

على المجامع المكره القضاء و الكفارة



أوجب أصحاب هذا القول على المجامع المخطئ القضاء ، و الكفارة ، وكان دليلهم على ذلك حديث رسول الله r الذي أورده أصحاب السنن:

«عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هلكت يا رسول الله. قال: وما أهلكك قال: وقعت على امرأتي في رمضان. قال : هل تجد ما تعتق رقبة ؟. قال: لا . قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟. قال: لا . قال: فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً ؟. قال: لا. قال: ثم جلس ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر، فقال : تصدق بهذا. قال: أفقر منا ، فما بين لا بيتها أهل بيت أحوج إليه ، فضحك النبي r حتى بدت أنيابه ، ثم قال: اذهب فأطعمه أهلك»(2) «وصم يوماً مكانه»(3).

وجه دلالة هذا الحديث أن الرسول الكريم أوجب على المجامع القضاء والكفارة، دون أن يفرق ما بين المجامع العامد ، أو المخطئ .
مناقشة الاجتهاد :

ذهب أصحاب هذا القول إلى أن المجامع المخطئ يتساوى مع المجامع عن عمد ، وبالتالي عليه القضاء ، والكفارة ، وذلك لحديث المجامع «إذ أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالتكفير من غير تفريق ، ولا تفصيل ، ولأنه أفسد صوم رمضان بجماع تام »(1) .

يرد على هذا القول:

بأن هذا الاستنباط مخالف لقول النبي صلى الله عليه وسلم «إن الله تعالى رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه».(2)

ولقول الله سبحانه وتعالى: «ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا».

فالله سبحانه وتعالى عفا عن الخطأ ، والنسيان ، وأباح الأكل ، والشرب ، والجماع حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود ، والشاك في طلوع الفجر يجوز له الأكل ؛ والشرب ؛ والجماع بالاتفاق ، ولا قضاء عليه إذا استمر الشك(3).

الاجتهاد الثالث

لا قضاء ولا كفارة على المجامع المخطئ في نهار رمضان



ذهب كثير من السلف الصالح ، وشيخ الإسلام ابن تيمية رضوان الله عليهم أجمعين إلى أن المجامع المخطئ في الصيام ليس عليه قضاء ، ولا كفارة ، لأنه لم يتجانف لإثم .

واعتمد أصحاب هذا الرأي على كثير من الأدلة النقلية نوردها فيما يلي:

أدلة الاجتهاد:

1. قوله سبحانه وتعالى: «ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا» .

وجه دلالة هذه الآية أن الله سبحانه ، و تعالى لا يؤاخذ على الخطأ ، أو النسيان ، وبالتالي لا يحبط العمل إذا كان مشوباً بالخطأ ، أو النسيان.

2. عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»(1).

وجه دلالة هذا الحديث إن الله سبحانه ، وتعالى قد وضع عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم الخطأ ، والنسيان ، وما استكرهوا عليه، وبالتالي ، فإن المجامع المخطئ لا يحبط عمله ، ولا يفسد صومه ، ولا يوجب عليه أي قضاء ، أو كفارة .

3. عن سهل بن سعد قال : وأنزلت وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ، ولم ينزل من الفجر، وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض ، والخيط الأسود ، ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما ، فأنزل الله بعده من الفجر ، فعلموا أنما يعني الليل من النهار»(2)

دل هذا الأثر الشريف على أن بعض الصحابة قد أخطاؤوا بفهم معنى الخيط الأبيض من الخيط الأسود ، فلم يأمرهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بأي قضاء ، أو كفارة . مما يدل على أن المخطئ ليس عليه قضاء ، أو كفارة .
مناقشة الاجتهاد:

اعتمد أصحاب هذا المذهب على العديد من الأدلة النقلية في مقدمتها الآية الكريمة : «ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا».

البيان الإلهي أظهر بهذه الآية عدم مؤاخذة المخطئ ، أو الناسي ، وبالتالي ، فالمجامع المخطئ لا يفسد صومه ، ولا يجب عليه أي قضاء ، أو كفارة .

يرد على هذا القول :

إن المؤاخذة في هذه الآية لا تعني ما استنبطه أصحاب هذا القول بل تختلف المؤاخذة ، فيما يتعلق من أحكام بحسب الوقائع ، فقسم لا يسقط باتفاق أهل العلم كالغرامات ، والديات ، والصلوات المفروضة . وقسم يسقط باتفاق أهل العلم كالقصاص ، والنطق بكلمة الكفر، وقسم ثالث يختلف فيه كمن أكل ناسياً في رمضان ، والآية الكريمة لا تنص على رفع القضاء ، والكفارة على المجامع المخطئ ، أو الناسي .الآية دعاء ، وربما لم يستجب هذا الدعاء .

يرد على هذه الشبهة:

إن الآية الكريمة تصرح برفع المؤاخذة على المخطئ ، والناسي ، وصحيح أن الآية دعاء ، بيد أنه دعاء مستجاب ، وإلا كان الدعاء تحصيل حاصل.

أيضاً مفهوم الآية الكريمة يُعززه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله وضع عن أمتي الخطأ ، والنسيان ، وما استكرهوا عليه».





ويرد على هذا القول:

بأن هذا الحديث الذي تحتجون به ضعيف ، ولا يصح الاحتجاج به ويرد على هذه الشبهة:

بأن الحديث مروي عن طريق ابن عباس ، وأبي ذر الغفاري ، وثوبان ، وأبي الدرداء وابن عمر وأبي بكرة رضوان الله عليهم أجمعين.

أما حديث ابن عباس ، فأخرجه ابن ماجه في سننه ، عن الأوزاعي ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إن الله وضع عن أمتي الخطأ ، والنسيان ، وما استكرهوا عليه. وروى هذا الحديث ابن حبان في صحيحه ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن عبيد بن عمير بن عباس مرفوعاً ، وكذلك الحاكم في المستدرك ، وقال : حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه .

أما حديث أبي ذر الغفاري ، فرواه ابن ماجه أيضاً ، عن إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي ثنا أيوب بن سويد ثنا أبو بكر الهذلي عن شهر بن حوشب عن أبي ذر الغفاري مرفوعاً.

أما حديث ثوبان ، فرواه الطبراني في معجمه ، ولفظه «إن الله تجاوزعن أمتي ثلاثة الخطأ ، والنسيان ، وما أكرهوا عليه» .

أما الحديث المروي عن أبي الدرداء ، فرواه الطبراني مرفوعاً ، ولفظه إن الله تجاوز لأمتي عن النسيان ، والخطأ ، وما أكرهوا عليه.

أما حديث ابن عمر ، فرواه أبو نعيم في الحلية ، وقال عنه غريب من حديث مالك تفرد به بن مصطفى عن الوليد.

أما حديث أبي بكر ، فرواه بن عره في الكامل.

قال الإمام الشوكاني عليه رحمة الله في أسانيد هذا الحديث: «في هذه الأسانيد مقال ، ولكنها يقوي بعضها بعضاً ، فلا تقصر عن رتبة الحسن لغيره»(1).

وعليه فإن هذا الحديث حسن لغيره يحتج به ، ولا مجال لرده مهما طعن فيه. وخصوصاً إذا سانده حديث مثبت في الصحيحين ، وهو الحديث الذي يروي أن طائفة من الصحابة كانوا يأكلون حتى يظهر لأحدهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أمرهم بالقضاء ، أو بالكفارة .
الترجيح بين الاجتهادات :

بعد أن بسطنا القول وبينا أدلة كل مجتهد نلاحظ أن أدلة القائلين بعدم القضاء والكفارة على المجامع المخطئ وهو الاجتهاد الأقوى لصحة أدلته ووضوحها وسلامة استنباط أحكامها والله أعلم.


NFNF ]~شـُمُوخـٌ يـُعـانِقُ الثـُريَـا~[

الفرع الرابع

حكم المجامع المكره في الصيام



اختلف أهل العلم بما يجب على المجامع المكره في نهار رمضان إلى مذهبين أحدهما ، قال : بوجوب القضاء دون الكفارة ، وآخر فال : بوجوب القضاء والكفارة.

وكل من الاجتهادين له حججه وأدلته ، وعليه هناك اجتهادان:

الاجتهاد الأول:

يرى وجوب القضاء دون الكفارة ، وهو قول الشافعية ، والمالكية ، والحنفية ، وابن عقيل من الحنابلة(1).

الاجتهاد الثاني:

يرى وجوب القضاء ، والكفارة معاً ، وهو قول ثان للحنابلة ورأي أبو حنيفة النعمان(2)عليه رحمة الله.



الاجتهاد الأول:

وجوب القضاء دون الكفارة على المجامع المكره في رمضان.



قال جمهور العلماء: بوجوب القضاء دون الكفارة على المجامع المكره في نهار رمضان . مستندين في ذلك على عدة أدلة منها :





أولاً – القرآن الكريم :

قال الله سبحانه ، وتعالى: {{لا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ، ومن يكرهن ، فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم}.

أحكام هذه الآية في الأفعال المحرمة لحق الله فيها ، والصيام لا يتعلق به إلا حقاً لله سبحانه وتعالى .



ثانياً – السنة النبوية الشريفة:

1. ما روي عن أسماء ، قالت: أفطرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم غيم ، ثم طلعت الشمس . قيل لهشام –أحد رواة الحديث- فأمروا بالقضاء . قال: لابد لنا من قضاء»(2)

يدل منطوق هذا الحديث على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر من أخطأ في غروب الشمس بالقضاء ، ويقاس على ذلك من جامع بالإكراه ، أي على المجامع بالإكراه في نهار رمضان القضاء دون الكفارة .

2. ما روى عن حنظلة رضي الله عنه ، قال: كنا في المدينة في شهر رمضان ، وفي السماء شيء من السحاب ، فظننا أن الشمس قد غربت ، فأفطر بعض الناس ، فأمر عمر رضي الله عنه من كان أفطر أن يصوم يوماً مكانه»(3).
3. عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ ، والنسيان ؛ وما استكرهوا عليه»(1)

وجه دلالة هذا النص أن الله تعالى وضع عن هذه الأمة أي فعل نتج عن خطأ ، أو نسيان ؛ أو إكراه. وعليه تسقط كفارة المجامع بالإكراه في نهار رمضان استنادا إلى هذه النصوص الشريفة .



مناقشة الاجتهاد:

قال أصحاب هذا الرأي : بوجوب الكفارة ، دون القضاء للمكره على المجامعة في نهار رمضان.

وذلك لقوله تعالى: «ولا تكرهوا فتيانكم على البغاء إن أردن تحصناً لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرهن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم».

وللآثار التي أوردناها فيما سلف.

يرد على هذا القول:

بأن الجماع بالإكراه شأنه شأن العمد يوجب القضاء ، والكفارة لحديث أبي هريرة المتفق عليه الذي أوجب على المجامع القضاء مع الكفارة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل من الأعرابي ، ولو اختلف الحكم لاستفصل ، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز(2).

فردوا على هذه الشبهة بأن قالوا: إن الله تعالى رفع الإثم عن المكره ، والناسي المخطئ ، وذلك ظاهر في حديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم : «إن الله وضع عن أمتي الخطأ ، والنسيان ، وما استكرهوا عليه » .

أيضاً الأثر الوارد ، عن الفاروق ينص على القضاء دون الكفارة.

أما حديث الأعرابي ، فيدل حاله على الفعل العمد فقط ، لذلك أوجب الرسول الكريم عليه القضاء ، والكفارة ، والله أعلم .

الاجتهاد الثاني

وجوب القضاء والكفارة على المجامع المكره في نهار رمضان.



قال أبو حنيفة النعمان ، وأحمد بن حنبل(1) رضوان الله عليهما : أن المكره على الجماع في نهار رمضان يجب عليه القضاء ، والكفارة للأدلة التالية:

1. عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: هلكت يا رسول الله . قال: وما أهلكك ؟ . قال: وقعت على امرأتي في رمضان. قال هل تجد ما تعتق رقبة؟. قال: لا . قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ قال: ل.ا قال: فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً ؟ قال: لا. قال: ثم جلس. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر، فقال تصدق بهذا . قال: أفقر منا فما بين لا بيتها أهل بيت أحوج إليه فضحك النبي صلى الله عليه وسلمحتى بدت أنيابه ، ثم قال: اذهب فأطعمه أهلك»(2) «وصم يوماً مكانه»(3).

وجه دلالة هذا الحديث ، أنه يدل بمفهومه على وجوب القضاء ، والكفارة على المجامع المكره .

2. قول ابن عباس: «إنما التقية باللسان»(4) .

لأن الأفعال يثبت حكمها بدون القصد حتى من المجنون ، وغيره بخلاف الأقوال ، فإنه يعتبر فيها المقصد ، والجماع هنا ، وإن كان بالإكراه يثبت حكمه دون النظر إلى النية . وعليه وجوب القضاء ، والكفارة على المجامع المكره في نهار رمضان .



مناقشة الاجتهاد:

ذهب أصحاب هذا القول إلى أن المجامع المكره يجب عليه القضاء ، والكفارة لحديث أبي هريرة الذي ينص على وجوب القضاء ، والكفارة على المجامع . أما كون الساهي ، أو الناسي كالعامد في ظاهر المذهب ، والمكره كالمختار ، والنائم كالمستيقظ ، فذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل من الأعرابي ، ولو اختلف الحكم لاستفصله ؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ، والسؤال معاد في الجواب كأنه، قال: إذا واقعت في صوم رمضان ؛ فكفر، لأنه عبادة يحرم الوطء فيه ، فاستوى عمده وغيره.

أما وجوب الكفارة في حالة الإكراه، فذلك لأن الإكراه على الوطء لا يمكن إلا بالانتشار ، والانتشار لا يكون إلا عن شهوة . وبالتالي لا يوجد هنا إكراه بالمعنى الحقيقي .

يرد على هذا القول:

بأن هذا الرأي ضعيف ذلك أن حديث الأعرابي يدل حاله على أن المجامعة كانت عن عمد ، وليست عن إكراه ، أو خطأ ؛ أو حتى نسيان. لذلك أوجب الرسول صلى الله عليه وسلم عليه القضاء والكفارة.

الترجيح بين الاجتهادات:

بعد أن بسطنا قول كل من الاجتهادين ، وأوردنا أدلتهما نلاحظ أن الرأي القائل بوجوب القضاء ، دون الكفارة على المكره هو الأقوى ، والأرجح .

لكن هناك ملاحظات لا بد منها:

لاحظنا فيما سبق أن المجامع المخطئ ، والناسي ليس عليهما أي قضاء ، أو كفارة وفقاً للرأي الذي رجحناه ، وذلك بالاستناد إلى الأدلة التالية:

1. قوله سبحانه وتعالى: «ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا»(1) .

والشاهد في هذه الآية قوله تعالى: «ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به».

فالله سبحانه تعالى رفع المؤاخذة عن جميع الأعمال التي ليس لنا طاقة في دفعها ، ولا جرم أن الإكراه الملجئ يدخل ضمن أحكام هذه الآية الكريمة.

2. قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه».

وجه دلالة هذا الحديث أن منطوقه يدل على أن الله سبحانه ، وتعالى قد رفع عن أمة محمد r الخطأ ، والنسيان ، والإكراه أيضاً ، فلماذا نأخذ بحكم الخطأ ، والنسيان ، ولا نأخذ بحكم الإكراه.

3. الحديث الوارد عن سهل رضي الله عنه الذي يدل على أن الصحابة الذين أخطأوا في تفسير معنى الخيط الأبيض ، والأسود لم يأمرهم الرسول الكريم r بأي قضاء ، أو كفارة .

لماذا لم نوجب القضاء ، أو الكفارة على الناسي المخطئ بينما أوجبنا القضاء على المكره فقط . مع أن الأدلة الواردة في الخطأ ، والنسيان تشمل الإكراه .

لذلك نرى – والله أعلم - أن المكره إكراهاً ملجئاً مع النفور من هذا الفعل الشنيع ليس عليه أي قضاء ، أو كفارة إذا أكره على الجماع في نهار رمضان ، والله أعلم .

المبحث الثاني
كفارة الواطئ عن عمد في نهار رمضان



اتفق معظم أهل العلم على أن الواطئ في غير شهر رمضان ليس عليه أي كفارة ، أو قضاء سواء كان هذا الوطء عن عمد ، أو نسيان ، أو غيره ،.

أما الواطئ في شهر رمضان عن عمد ، فيجب عليه القضاء ، والكفارة مع الإمساك بقية اليوم بالشروط التالية:

1. أن يكون على نية صحيحة ، كأن ينوي الصوم ليلاً.
2. أن يكون متعمداً للجماع مختاراً له لا مكرهاً ، ولا ناسياً ، ولا مخطئاً.
3. أن يكون عالماً بالتحريم، فلا كفارة على جاهل بالتحريم لقرب إسلامه ، أو بعده عن أهل العلم.
4. أن يحدث الجماع في نهار رمضان: فلا كفارة على جماع مفسد في غير رمضان من نفل أو نذر أو قضاء…الخ .
5. أن يفسد الصوم بالجماع وحده ، فإن أكل ، ثم جامع ، فلا كفارة عليه .
6. أن يكون آثماً بهذا الجماع: فلا كفارة على صبي ، ولا على صائم مسافر ، أو مريض جامع بنية الترخص ، أو بغيرها على الأصح لإباحة الإفطار له.
7. أن يكون معتقداً صحة صومه: فلا كفارة على من جامع عامداً بعد الأكل ناسياً ، وظن أنه أفطر بهذا الأكل ، وإن كان الأصح بطلان صومه بهذا الجماع .
8. أن لا يكون مخطئاً ، أو ناسياً، أو مكرهاً .
9. ألا يجن ، أو يموت بعد الوطء في النهار الذي جامع فيه قبل الغروب: فلا كفارة على من جن ، أو مات حينئذ لعدم الأهلية، فحدوث الجنون ، أو الموت يسقط الكفارة قطعاً .
10. أن يكون الوطء منسوباً إليه: فلو علته امرأة ، وأنزل بالإدخال ، فلا كفارة عليه، إلا أن يكون أغراها بذلك .
11. أن يكون الجماع بإدخال الحشفة، أو قدرها من مقطوعها، فلا كفارة على من لم يتحقق منه الإيلاج بالقدر المذكور، ولكن يجب عليه الإمساك.
12. أن يتم الجماع في الفرج ، ولو في الدبر : فلا كفارة على من وطء في غير الفرج.
13. أن يكون واطئاً لا موطوءاً: فلا كفارة على المفعول به مطلقاً، وإنما الكفارة على الفاعل ، وتلزم المرأة بالقضاء فقط .

وحدوث السفر ، أو المرض ؛ أو الإغماء ؛ أو الردة بعد الجماع لا يسقط الكفارة لتحقق هتك حرمة الصوم قبل ذلك ، لأن المرض ، والسفر لا ينافيان الصوم ، فيحقق هتك حرمته . وأما طروء الردة ، فلا يبيح الفطر ، ويجب عليه قضاء اليوم الذي أفسده على الصحيح مع الكفارة ، وتتعدد الكفارة بتعدد الفساد ، فمن جامع في يومين لزمه كفارتان، لأن كل يوم عبادة مستقلة، فلا تتداخل كفاراتهما كحجتين جامع فيهما ، ولو جامع في جميع أيام رمضان لزمه كفارات بعددها ، والله أعلم .






الفصل الثاني

حكم وحدود الاستمتاع بالزوجة في الصيام بالقبلة و المباشرة .



المبحث الأول:

حكم الاستمتاع بالزوجة في الصيام بالقبلة.





المبحث الثاني:

حكم الاستمتاع بالزوجة في الصيام بالمباشرة.










المبحث الأول:

الاستمتاع بالزوجة في الصيام بالقبلة



اختلف أهل العلم في حكم الاستمتاع بالزوجة في الصيام بالقبلة إلى عدة أقوال نصنفها على النحو التالي:



الاجتهاد الأول:

القبلة رخصة للشيخ دون الشاب.



الاجتهاد الثاني:

القبلة مكروهة مطلقاً.



الاجتهاد الثالث:

القبلة سنة وقربة.



الاجتهاد الرابع:

القبلة محرمة مطلقاً.



الاجتهاد الخامس:

القبلة مباحة لمن يملك نفسه.





سبب الخلاف:

1. اختلافهم في تفسير قول أم المؤمنين (و أيكم أملك لإربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم) .
2. اختلافهم في صحة الأحاديث المعتمد عليها.
3. عدم جمعهم ما بين الأحاديث الصحيحة.


الاجتهاد الأول

القبلة رخصة للشيخ دون الشاب



قال بهذا القول الإمام مالك ، والإمام الشافعي ، والإمام أبو حنيفة النعمان رضوان الله عليهم أجمعين .

واستند أصحاب هذا القول إلى العديد من الأدلة النقلية ، والعقلية نوردها فيما يلي :

أولاً- الأدلة النقلية:

1. عن عائشة رضوان الله عليها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل ، ويباشر ، وهو صائم ، وكان أملككم لإربه »(1).
2. مارواه البيهقي بإسناد صحيح ، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في القبلة للشيخ ، وهو صائم ، ونهى عنها الشاب ».
3. حدثنا أبو نعيم حدثنا زكريا ، عن عامر، قال: سمعت النعمان بن بشير . يقول: سمعت رسول الله r يقول: الحلال بين ، والحرام بين ، وبينهما شبهات لا يعلمها كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه ، وعرضه ، ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه ألا ، وإن لكل ملك حمى ألا إن حمى الله في أرضه محارمه ألا ، وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا ، وهي القلب »(2).

يدل هذا الحديث بمفهومه على أن القبلة هي حرم حول الجماع ، فمن قبل يوشك أن يقع في محظور الجماع ، لذلك فالقبلة رخصة للشيخ دون الشاب.

4-عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما سئل ، عن القبلة للصائم ، فرخصها للشيخ ، وكرهها للشاب(1).

4. عن هشام بن الغاز، قال: سمعت مكحولاً ، وأتاه رجل شاب، فقال إني أقبل في شهر رمضان ، وأنا صائم، فقال: يا بني أما أنا فأفعل ذلك ، وأما أنت ، فلا تفعله»(2).



ثانياً – الدليل العقلي :

إن الشيخ معروف عنه انكسار شهوته ، وضبطه لمشاعره بحيث يستطيع أن يقبل ، دون أن يثار إثارة شديدة تؤدي به إلى الجماع .

أما الشاب ، فمعروف عنه شدة شهوته ، واندفاعه أكثر بكثير من الشيخ ، لذلك يرخص للشيخ دون الشاب.

مناقشة الاجتهاد:

ذهب أهل هذا الاجتهاد إلى جعل القبلة للصائم رخصة للشيخ دون الشاب ، واستندوا في ذلك إلى العديد من الأدلة النقلية الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم .

الحديث الذي رواه البيهقي بإسناد صحيح عن عائشة أن رسول الله r رخص في القبلة للشيخ ، وهو صائم ، ونهى عنها الشاب .

والحديث الذي رواه الترمذي يثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقبل ، وهو صائم ، ولكن كان أملكنا لإربه . مما يعني أن القبلة مرخصة لمن يملك إربه . وهو الشيخ دون الشاب.

أيضاً الأثر المروي ، عن ابن عباس ، و مكحول واضح الدلالة على أن القبلة مرخصة للشيخ دون الشاب.

يمكن الرد على هذا القول بما يلي :

1. إن القبلة مكروهة للشيخ والشاب معاً، فهي لا تدعو إلى الخير، لأنها من مقدمات الجماع ، فمن حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه.

يرد على هذه الشبهة بأن القبلة مكروهة للشاب فقط ، لأن الشاب عادة قوي الشهوة يمكن أن يقع بالجماع 0 أما الشيخ ، فهو ضعيف الشهوة ، ولا يمكن أن يقع في مفسد من مفسدات الصيام.

2. إن القبلة محرمة للشاب ، والشيخ معاً ، وليست رخصة للشيخ دون الشاب ، وذلك للأدلة الكثيرة الدالة على التحريم منها:

ما روي عن عمر أنه كان ينهى عن القبلة للصائم.

وروي عنه أنه قال: «لئن أعض على جمرة أحب إلي من أن أقبل وأنا صائم».

وما روي عن سعيد بن المسيب في الرجل يقبل امرأته ، وهو صائم ، فقال يقضي صومه».

هذه الآثار ، وغيرها تدل دلالة واضحة على حرمة القبلة مطلقاً.





يرد على هذه الشبهة:

إن هذه الآثار أقوال مروية عن بعض الصحابة ، وإن صحت هذه الآثار ، فهي معارضة لأقوال أخرى واردة عن بعضهم الآخر ، وبالتالي لنا أن تختار من أقوالهم ما هو مطابق لروح الشريعة و نصوص الكتاب و السنة .

بالإضافة إلى أن هذا القول مخالف مخالفة صريحة لأحاديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم القائلة برخصة القبلة للشيخ دون الشاب.

3. إن القبلة سنة ، وقربة ؛ وليست رخصة لقول عائشة رضوان الله عليها لابن أخيها عبد الله بن عبد الرحمن ، وهو أشب ما كان . ألا تقبل زوجتك وتلاعبها ؟. فقال: إني صائم . فقالت: لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل ، وهو صائم .

يرد على هذه الشبهة:

إن قول عائشة رضي الله عنها مردود بما روى عنها من أحاديث صحيحة تبين أن القبلة رخصة للشيخ دون الشاب.



الاجتهاد الثاني
القبلة مكروهة مطلقاً



ذهب أصحاب هذا المذهب(1) إلى القول : بأن القبلة للصائم مكروهة مطلقاً ، ولم يفرقوا ما بين الشيخ ؛ والشاب ، واستندوا في ذلك إلى العديد من الأدلة :



أدلة الاجتهاد:

1. عن عائشة رضي الله عنها، قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل ؛ ويباشر ، وهو صائم ، وكان أملككم لإربه»(2).

وجه دلالة كلام أم المؤمنين «وكان أملككم لإربه» على أن القبلة مكروهة مطلقاً للشيخ والشاب معا ، لعدم ملك الإرب.

2- عن عامر ، قال : سمعت النعمان بن بشير يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الحلال بين ، والحرام بين ، وبينهما شبهات لا يعلمها كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه ، وعرضه ، ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه . ألا ؛ وإن لكل ملك حمى . ألا إن حمى الله في أرضه محارمه . ألا ؛ وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله . ألا ، وهي القلب»(3).

وجه دلالة هذا الحديث : أن مفهومه يدل على أن القبلة للصائم مكروهة مطلقاً ، فالمقبل يحوم حول الحمى ، ويوشك أن يقع في المجامعة ، ولا فرق بين الشيخ ، والشاب في ذلك .



مناقشة الاجتهاد:

ذهب أصحاب هذا الاجتهاد إلى اعتبار القبلة للصائم مكروهة مطلقاً ، ولم يفرقوا ما بين الشاب ، والشيخ في الكراهة باعتبار أن النهي في جميع النصوص التي استند إليها أهل هذا الرأي.

منها الحديث المروي عن عائشة رضوان الله عليها ، والذي تقول فيه: «وأيكم أملككم لإربه» ، فاستدلوا بذلك على الكراهة المطلقة ، واعتبروا أن الذي يقبل في الصوم يحوم حول الحمى يوشك أن يقع في الجماع المفسد للصيام .

يرد على هذا القول:

بأن هناك أحاديث كثيرة ، وصحيحة تدل على أن القبلة غير مكروهة بالمطلق ، لذلك لا يصح هذا القول لمعارضته لكثير من الأدلة الصحيحة ، والصريحة التي تقول غير هذا القول.

الاجتهاد الثالث
القبلة للصائم سنة وقربة



ذهب الإمام ابن حزم(1) عليه رحمة الله إلى اعتبار القبلة للصائم سنة ، وقربة إذا أراد بها اتباع المصطفى r ، واستند في رأيه هذا إلى العديد من الأدلة النقلية من القرآن المجيد والسنة النبوية الشريفة.

أدلة الاجتهاد:

آ- القرآن الكريم:

قال تعالى: «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً»(3)

تأمر الآية الكريمة المؤمنين باقتداء الرسول الكريم r لمن كان يرجو الله ، واليوم الآخر. والرسول الكريم كان يقبل ، وهو صائم، لذلك على المؤمنين الاقتداء به ، وتقبيل أزواجهم وهم صيام قربة لله .

ب- السنة النبوية الشريفة:

1. عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أن عمر بن عبد العزيز أخبره أن عروة بن الزبير أخبره أن عائشة أم المؤمنين أخبرته أن رسول الله r كان يقبلها وهو صائم.(3).



2. عن عطاء بن يسار، قال أخبرني: رجل من الأنصار أنه قبل امرأته على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرها أن تسأل النبي صلى الله عليه وسلم فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم:إن رسول الله يفعل ذلك ، فأخبرته امرأته، فقال لها: إن النبي صلى الله عليه وسلم رخص له في أشياء ، فارجعي إليه فرجعت إليه ، فذكرت له ذلك ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنا أتقاكم ، وأعلمكم بحدود الله(1) .
3. عن عمر بن أبي سلمة المخزومي أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيقبل الصائم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم سل هذه –يعني أم سلمة- فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ذلك، فقال : يا رسول الله قد غفر لك من ذنبك ما تقدم ، وما تأخر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ، والله إني لأتقاكم لله ، وأخشاكم(2).
4. عن عائشة أم المؤمنين ، قالت: أهوى النبي صلى الله عليه وسلم ليقبلني، فقلت إني صائمة، فقال : وأنا صائم ، فقبلني . وكانت عائشة إذ مات عليه الصلاة والسلام بنت ثمان عشرة سنة(3).

تدل جميع هذه الآثار الشريفة بمنطوقها ومفهومها –وفق ما يرى ابن حزم- أن القبلة للصائم سنة وقربة.

مناقشة الاجتهاد:

ذهب الإمام ابن حزم عليه رحمة الله إلى القول: بأن القبلة للصائم سنة ، وقربة، وليست مكروهة مطلقاً ، و لا هي رخصة للشيخ دون الشاب ، أو هي محرمة كما قال المخالفون.

واستند ابن حزم في رأيه إلى ظواهر النصوص التي أوردها في المحلى([1]) ، والأحكام(2)نعرضها على النحو التالي:

إن قبلة للرجل مع امرأته سنة حسنة استحبها ابن حزم للصائم شاباً كان أم كهلاً ، ولم يبال ابن حزم إذا أدت القبلة إلى الإنزال.

واستند في قوله هذا على العديد من الأدلة التي ذكرناها فيما سبق.

قال ابن حزم عن هذه الآثار: إنها قد رويت بأسانيد كالذهب ، وهي في غاية الصحة. ثم عاب على المخالفين القائلين : بأن القبلة مباحة للشيخ دون الشاب ذلك إن هذه الدعوى لا يمكن الادعاء الإجماع عليها، لأن ابن عباس ، وغيره كرهوا مباشرة الحائض جملة، وإن مباشرة الحائض لأشد غرراً ، لأنه يبقى عن جماعها أياماً وليالي فتشتد حاجته إليها.

أما الصائم فالبارحة وطئها والليلة يطؤها ، فهو بشم من الوطء.

ثم روى ابن حزم أثراً أثبت به خطأ اجتهاد من قال بأن القبلة رخصة للشيخ ، دون الشاب .

عن عمر بن أبي سلمة المخزومي أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيقبل الصائم ، فقال له رسول الله r سل هذه – يعني أم سلمة - فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ذلك .

ثم روى أثراً آخر عن عائشة أم المؤمنين رضوان الله عليها يثبت أن رسول الله r كان يقبلها وهو صائم وكانت عائشة إذ توفى الرسول صلى الله عليه وسلم بنت ثمان عشرة سنة.

أما الأحاديث الواردة في كراهة القبلة للشاب دون الشيخ فهي أحاديث رويت عن ابن لهيعة وهو لاشيء وقيس مولى نجيب وهو مجهول ولا يدري من هو والآخر عن طريق إسرائيل وهو ضعيف عن أبي القبس ولا يدري من هو الأعز عن أبي هريرة في كليهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص في قبلة الصائم للشيخ ونهى عنها الشاب، فسقطا جميعاً.



يرد على قول ابن حزم بما يلي:

فقد ورد عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: قال عمر*: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام ، فرأيته لا ينظر فيّ ، فقلت : يا رسول الله ما شأني، فقال: ألست الذي تقبل ، وأنت صائم قلت : فو الذي بعثك بالحق لا أقبل بعدها ، وأنا صائم»

هذا الأثر يثبت أن القبلة منهي عنها ، وليست سنة أو قربة.

رد ابن حزم على هذه الشبهة بقوله: «إن الشرائع لا تؤخذ بالمنامات لا سيما ، وقد أفتى رسول الله r عمر في اليقظة حياً بإباحته القبلة للصائم؛ فمن الباطل أن ينسخ ذلك المنام ميتاً – نعوذ بالله - ويكفي من هذا كله أن عمر ابن حمزة** لاشئ»(1).


NFNF ]~شـُمُوخـٌ يـُعـانِقُ الثـُريَـا~[

الاجتهاد الرابع
القبلة محرمة مطلقاً



ذهب أصحاب هذا القول إلى أن القبلة محرمة للصائم مطلقاً شاباً كان ، أو شيخاً. بل جعلوها مفطرة ، وواجبة للقضاء.

واستندوا في ذلك إلى العديد من الروايات:
أدلة الاجتهاد(1):

أولاً- القرآن الكريم:

قوله تعالى: «فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر».

وجه دلالة الآية الكريمة حرمة القبلة للصائم إلا في الليل.

ثانياً – الآثار:

1. عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه».

وجه دلالة هذا الحديث حرمة القبلة على الصائم لعدم ملكه لإربه.

2. عن شريح قال: سئل عن القبلة للصائم، فقال: يتقي الله ولا يعود(2).
3. حدثنا إسرائيل ، عن زيد بن جبير ، عن أبي يزيد ، عن ميمونة مولاه النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صائم قبل ، فقال: أفطر(3).
4. عن ميمونة بنت سعد قالت: سئل النبي r عن القبلة للصائم ، فقال: أفطرا جميعاً».
5. حدثنا علي بن شيبة، قال : ثنا اسحاق بن إبراهيم الحنظلي ، قال: قلت لأبي أسامة أحدثكم عمر بن حمرة، قال: أخبرني سالم بن عمرو رضي الله عنهما ، قال بن عمرو : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ، فرأيته لا ينظر فيّ، فقلت يا رسول الله ما شأني، قال: ألست الذي تقبل ، وأنت صائم، فقلت : والذي بعثك بالحق إني لا أقبل بعد هذا ، وأنا صائم ، فأقربه ، ثم قال: نعم».
6. حدثنا ابن مرزوق ، قال : ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ، قال: ثنا شعبة ، عن منصور ، عن هلال بن يسار ، عن هاني - وكان يسمى الهزهاز – قال : سئل عبد الله عن القبلة للصائم، فقال: يقضي يوماً آخر.
7. روى عن عمر أنه كان ينهي عن القبلة للصائم.
8. عن عمران بن مسلم عن زاذان قال: قال عمر : لأن أعض على جمرة أحب إلي من أن أقبل ، وأنا صائم.
9. عن سعيد بن المسيب في الرجل يقبل ، وهو صائم ، فقال : ينقض صومه.

تدل جميع هذه الأدلة بمنطوقها ، ومفهومها على أن القبلة محرمة للصائم ، وهي مفسدة لصيامه ، وموجبة للقضاء.
مناقشة الاجتهاد:

ذهب أصحاب هذا الرأي إلى القول بأن القبلة محرمة للصائم ، وهي مفسدة لصيامه ، وموجبة للقضاء . واستندوا في ذلك إلى العديد من الأدلة الموافقة لقولهم متجاهلين كل النصوص المخالفة.





يرد على هذا الاجتهاد :

إن المنع المقصود بالآية هو الجماع فقط ، وليس القبلة ، وقد صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم، و صحابته الكرام أنهم كانوا يقبلون ، وهم صيام ، ولم يرد نص صحيح يقول إن القبلة محرمة ، ومفسدة للصيام.

أما عن تفسيرهم لقول عائشة «كان أملككم لإربه» ، فقد وردت أحاديث صحيحة السند ، والمتن تثبت خطأ تفسيرهم هذا.

من هذه الأحاديث الحديث المروي ، عن عمر بن أبي سلمة أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيقبل الصائم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: سل هذه –أم سلمة- ، فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ذلك، فقال : يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك ؛ وما تأخر، فقال له رسول الله : والله إني أتقاكم لله ، وأخشاكم له»(1).

وعن ابن عمر رضي الله عنه ، قال: هششت يوماً ، فقبلت ، وأنا صائم ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له : صنعت اليوم أمراً عظيماً قبلت ، وأنا صائم، فقال رسول الله r : أرأيت لو تمضمضت بماء ، وأنت صائم. قلت: لا بأس بذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: ففيم.».(2)

أما الأثر الوارد عن عمر أنه رأى الرسول صلى الله عليه وسلم في منامه ، وكان لا ينظر إليه ، فقال له: ما شأني، فقال: ألست الذي تقبل وأنت صائم……» .

فهذا الأثر مروي عن طريق حمزة ، وهو لاشئ ، هذا بالإضافة إلى أن الأحكام لا تؤخذ بالمنامات لاسيما ، و قد صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم بسند صحيح حكماً مخالفاً لهذا الأثر. ومن الباطل أن ينسخ حديث صحيح في حياة الرسول الكريم بمنام لا نعلم أهو رؤيا حق أم حلم .
الاجتهاد الخامس
القبلة مباحة لمن يملك نفسه



ذهب الإمام الشافعي ، وأبو حنيفة النعمان ، والثوري ، و الشوكاني(1) ، ومحمد بن الحسن ، والإمام أحمد على رواية(2) إلى القول أن للصائم أن يقبل إذا ملك نفسه عن الجماع ، فإن خاف أن لا يملك نفسه ، فالكف أفضل .

أدلة الاجتهاد :

1. عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم »(3)
2. عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل ، وهو صائم ، ويباشر ، وهو صائم ، ولكنه كان أملككم لإربه)(4).
3. عن عمر بن أبي سلمة أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيقبل الصائم ، فقال له: سل هذه –أم سلمة- فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك ، فقال : يا رسول الله قد غفر لك الله ما تقدم من ذنبك ، وما تأخر، فقال له: أما ، والله إني لأتقاكم لله ، وأخشاكم له»(5).

وجه دلالة هذه الأحاديث أنها تدل بمنطوقها على أن للصائم أن يقبل إذا ملك نفسه ، فإن لم يستطع ذلك ، فالكف أفضل .





مناقشة الاجتهاد:

ذهب الإمام الشافعي ، والإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان ، وغيرهما إلى القول أن للصائم أن يقبل زوجته إذا ملك إربه ، فإن خاف أن لا يملكها ، فالكف أفضل .

واستندوا في رأيهم هذا إلى الجمع ما بين الأدلة المروية عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وتفسير قول عائشة : «كان أملككم لإربه» أن من يملك إربه يباح له أن يقبل زوجه ، ومن خاف أن لا يملكها ، فالكف أفضل .

يرد على هذا القول:

بأن هناك أحاديث كثيرة تحرم القبلة للصائم مروية في شرح معالم الآثار(1).

فرد أصحاب هذا الاجتهاد على هذه الشبهة بأن قالوا: إن جميع هذه الآثار ضعيفة ، ولا ترقى إلى مرتبة الحجة بالإضافة إلى ورود أحاديث كثيرة تصرح بالمنطوق ، والمفهوم بصحة ما قلنا .



الترجيح بين الاجتهادات:

بعد أن عرضنا لععظم أقوال العلماء نرى – والله أعلم - أن الاجتهاد الخامس القائل بأن القبلة مباحة لمن يملك نفسه، هو الراجح ، وذلك للأسباب التالية:

1. لاستناده إلى الأحاديث الصحيحة.
2. للجمع ما بين الروايات الصحيحة.
3. لأخذه بسد الذراع ، فقال بالكف لمن لا يملك إربه .








المبحث الثاني

الاستمتاع بالزوجة بالمباشرة في الصيام



عرف ابن منظور(1) المباشرة في لسان العرب ، بقوله: «باشر الرجل امرأته مباشرة ، وبشاراً: كان معها في ثوب واحد ، فوليت بشرته بشرتها…ومباشرة المرأة: ملامستها…… ومعنى المباشرة في قوله تعالى: «ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد». الجماع. وكان الرجل يخرج من المسجد وهو معتكف فيجامع ثم يعود إلى المسجد.

أما معنى المباشرة في حديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم «أنه كان يقبل ، و يباشر ، وهو صائم». فهو لمس بشرة الرجل بشرة المرأة .

اجتهادات أهل العلم في حكم وحدود مباشرة الزوجة في الصيام:



الاجتهاد الأول:

المباشرة مكروهة لمن تحرك شهوته ، ولا يملك إربه ، فيقع في المجامعة ، وقال بهذا القول الإمام الشافعي ، والإمام أحمد في رواية ، والإمام أبو حنيفة النعمان ، والشوكاني ، وسفيان الثوري ، وأبو ثور ، والأوزاعي .



الاجتهاد الثاني:

المباشرة رخصة للشيخ دون الشاب ، وهو رأي ابن عباس ، وقول ثان للإمام أحمد.

الاجتهاد الثالث:

المباشرة محرمة مطلقاً، وهو قول بعض أهل العلم.

الاجتهاد الرابع:

المباشرة مكروهة مطلقاً، وهو المشهور عند المالكية ، وهو قول ثالث عن الإمام أحمد ، و قول ابن عمر ، وابن شهاب ، وعطاء بن أبي رباح رضوان الله عليهم أجمعين .



سبب الخلاف:

1. اختلافهم في معنى قول عائشة: «كان أملككم لإربه منكم».
2. اختلافهم في صحة الأحاديث المعتمد عليها.
3. عدم الجمع ما بين الأحاديث الصحيحة.



الاجتهاد الأول

مباشرة الزوجة في الصيام رخصة لمن يملك نفسه



ذهب جمهور العلماء إلى أن مباشرة الزوجة في الصيام رخصة لمن يملك نفسه ، عن الوقوع في الجماع ، وأصحاب هذا الاجتهاد هم: الإمام الشافعي(1)، وقول للإمام أحمد(2)، والحنفية(3)، وأبي ثور(4)، وابن خزيمة(5)، والأوزاعي ، والشوكاني(6)، وابن مسعود ، وأبي إسحاق(7).

أدلة الاجتهاد:

1. عن إبراهيم عن الأسود، قال: انطلقت أنا ، ومسروق إلى أم المؤمنين نسألها عن المباشرة ، فاستحيينا، قال: قلت جئنا نسأل عن حاجة ، فاستحيينا ، فقالت : ما هي سلا عما بدا لكما، قال: قلنا النبي r يباشر ، وهو صائم، قالت : قد كان يفعل ، ولكن كان أملككم لإربه منكم(8)»
2. عن عائشة رضي الله عنها، قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل ، وهو صائم ، ولكنه كان أملككم لأربه».(9)
3. عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يباشرهن ، وهو صائم(1).
4. عن حكيم بن عقال، قال : سألت عائشة رضي الله عنها، ما يحرم عليّ من امرأتي ، وأنا صائم ، قالت : فرجها»(2).
5. عن مسروق سألت عائشة ما يحل للرجل من امرأته صائماً، قالت : كل شيء إلا الجماع(3).
6. عن أبي النصر أن عائشة بنت طلحة أخبرته أنها كانت عند عائشة ، فدخل عليها زوجها ، وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، فقالت له عائشة: ما يمنعك أن تدنو من أهلك، فتلاعبها ؛ وتقبلها، قال: أأقبلها ، وأنا صائم، قالت نعم».(4)
7. عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، عن سالم الأوسي، قال: قال رجل لسعد يا أبا إسحاق أتباشر ، وأنت صائم، قال : نعم ، وآخذها بجهازها(5).
8. عن ابن مسعود ، قال: كان يباشر امرأته بنصف النهار ، وهو صائم(6).

تدل جميع الآثار بمفهومها ، ومنطوقها على أن المباشرة رخصة لمن يملك إربه.

مناقشة الاجتهاد:

ذهب أصحاب هذا القول إلى أن المباشرة للصائم رخصة ما دام يملك نفسه عن الجماع، واعتمد أهل هذا الاجتهاد على العديد من الأدلة المنثورة في كتب الحديث ، وشروحه . ذلك أن جميع هذه الأحاديث تدل بمفهومها ، أو منطوقها على رخصة المباشرة للصائم الذي يملك إربه.

واعترض غير واحد من أهل العلم على هذا الرأي بقولهم إن المباشرة للشيخ دون الشاب ، وذلك للأحاديث الصريحة بهذا القول.

يرد على هذا القول بما يلي:

فقد ورد أكثر من حديث صحيح يدل دلالة صريحة على أن من يملك إربه ترخص له المباشرة ، ولعل خير دليل على ذلك حديث أبي النضر أن عائشة بنت طلحة أخبرته أنها كانت عند عائشة ، فدخل عليها زوجها ، وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، فقالت له عائشة: ما يمنعك أن تدنو من أهلك ، فتلاعبها ، وتقبلها ، قال : أقبلها ، وأنا صائم، قالت : نعم».

أيضاً الخبر الوارد عن أبي إسحاق عندما سأل رجل يا أبا إسحاق أتباشر ، وأنت صائم. قال: نعم ، وآخذها بجهازها .

واعترض على هذا الاجتهاد بعض أهل العلم القائلون بأن المباشرة مكروهة مطلقاً ، وليست رخصة لمن يملك نفسه لورود أحاديث تصرح بذلك ، فقد نقل عن ابن عمرو ، وابن عباس أنهما كانا ينهيا الصائم ، عن المباشرة ، لأنها تستدعي الشهوة ، و المذي ، والمني.

يرد على هذه الشبهة:

بأن المباشرة عامة لجميع الأزواج الذين يملكون أنفسهم ، وليست خاصة بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ويدل على ذلك الأحاديث المروية عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، والتي فيها سؤال الصحابة للرسول عن المباشرة ، ولم يرد في جواب الرسول صلى الله عليه وسلم أي نهي عنها بل ورد عكس ذلك عن عائشة ، وغيرها كما روينا سالفاً ، والله أعلم .

الاجتهاد الثاني

المباشرة رخصة للشيخ دون الشاب



ذهب الإمام أحمد في قول ، وابن عباس ، وابن عمر رضوان الله عليهم أجمعين إلى القول بأن المباشرة رخصة للشيخ دون الشاب.

أدلة الاجتهاد:

1. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المباشرة للصائم ، فرخص له ، وأتاه آخر، فسأله فنهاه ، فإذا الذي رخص له شيخ ، وإذا الذي نهاه شاب»(1).
2. عن ابن عباس قال: رخص للكبير الصائم في المباشرة ، وكره للشاب»(2) .
3. عن ابن عباس رضي الله عنه ، قال: لا بأس للشيخ أن يباشر يعني ، وهو صائم»(3).
4. عن وبرة قال: جاء رجل إلى ابن عمر. قال: أباشر امرأتي ، وأنا صائم، فقال : لا . ثم جاء آخر، فقال: أباشر امرأتي وأنا صائم، فقال: نعم، فقيل له : يا أبا عبد الرحمن قلت لهذا نعم، وقلت لهذا لا فقال: إن هذا شيخ ، وهذا شاب، قال: اعفوا صومكم»(4)

تدل هذه الآثار بمنطوقها ، و مفهومها على أن المباشرة مباحة للشيخ دون الشاب.

مناقشة الاجتهاد:

ذهب الإمام أحمد في قول إلى اعتبار المباشرة للصائم رخصة للشيخ دون الشاب ، ذلك أن الآثار المروية تبين تبياناً واضحاً على ذلك.

يرد على هذا القول:

بأن المباشرة رخصة لمن يملك إربه سواء كان شيخاً ، أو شاباً. أما رخصة الرسول r للشيخ دون الشاب ، فكان من قبيل المثال ، وليس الحصر. فهناك آثار كثيرة مرفوعة ، وموقوفة تبين ذلك .

وقال بعض المخالفين: إن المباشرة مكروهة مطلقاً للصائم ، وليست رخصة للشيخ ، دون الشاب ، ويد ل على ذلك قول عائشة «كان أملككم لإربه» أي إن الذي يملك شهوته هو الرسول صلى الله عليه وسلم ، لأنه معصوم عن الوقوع في أي خطأ .

وهناك آثار كثيرة مروية ، عن ابن عمر تثبت صحة هذا القول.

يرد على هذه الشبهة: بأن الأحاديث الصحيحة التي رويناها تدل دلالة واضحة على أن المباشرة هي رخصة للشيخ ، دون الشاب . أما الآثار التي اعتمدتم عليها ، فهي آراء مروية في حال صحتها ، عن بعض الصحابة ، وهناك أقوال مخالفة لهذه الروايات تدل على أن المباشرة رخصة لمن يملك نفسه .





الاجتهاد الثالث

المباشرة محرمة مطلقاً

ذهب ابن قتيبة ، ومن قال بقوله إلى اعتبار المباشرة محرمة على الشيخ ، والشاب معاً ، واعتبارها خاصة بالرسول r دون أمته .

أدلة الاجتهاد:

أولاً: القرآن الكريم:

قوله سبحانه وتعالى: «أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم، فتاب عليكم وعفا عنكم، فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم»(1).

تدل هذه الآية على حرمة المباشرة في الصيام للشيخ ، والشاب معا ، و لا تجوز إلا في الإفطار فقط .

ثانياً- الآثار:

1. عن إبراهيم ، عن الأسود ، قال: انطلقت أنا ، ومسروق إلى أم المؤمنين نسألها عن المباشرة ، فاستحيينا. قال: قلت جئنا نسأل حاجة ، فاستحيينا ، فقالت: ما هي ؟ سلا عما بدا لكما، قال: قلنا كان النبي r يباشر ، وهو صائم ، قالت : قد كان يفعل ، ولكنه كان أملككم لإربه منكم»(2).
2. عن الأسود قلت لعائشة أيباشر الصائم ، قالت: لا. قلت: أليس كان رسول الله r يباشر ، وهو صائم. قالت: إنه كان أملككم لإربه»(3).
3. وجه دلالة هذين الأثرين أن المباشرة هي رخصة للرسول الكريم r دون أمته .

مناقشة الاجتهاد:

ذهب ابن قتيبة ، ومن قال بقوله إلى أن المباشرة محرمة مطلقاً على الصائم ، وأن جميع الآثار الواردة ، عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم التي تنص على مباشرته عليه السلام هي من الأفعال الخاصة به عليه السلام.

وكانت حجة ابن قتيبة في ذلك أن المباشرة تفسد الصوم، لأنها تبعث الشهوة ، وتستدعي المذي ، والمني.

أما مباشرة الرسول ، وتقبيله ، فهما من الأفعال الخاصة به عليه السلام كتقبيل الوالد لولده ، والأخ لأخيه ، ويدل على ذلك قول عائشة رضي الله عنها ، وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله r يملك إربه.

قال ابن قتيبة: إن القبلة للصائم تفسد الصوم ، لأنها تبعث الشهوة ، وتستدعي المذي ، وكذلك نقول في المباشرة، فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه معصوم ، وتقبيله في الصوم أصله كتقبيل الوالد لولده ، والأخ لأخيه ، ويدل على ذلك قول عائشة رضي الله عنها ، وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك إربه.

وكذلك نقول في نوم رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه لا يوجب الوضوء لقوله: إن عيني تنام ، ولا ينام قلبي ، ولذلك كان ينام حتى يسمع فحيحه ، ثم يصلي من غير أن يتوضأ ، وأحكام رسول الله صلى الله عليه وسلم تخالف أحكام أمته في غير موضع»(1).

يرد على هذا القول:

بأن القبلة ، والمباشرة ليستا من الأشياء الخاصة بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بل هي رخصة لمن يملك إربه ، ويدل على ذلك الأحاديث المرفوعة ، والمروية التي تدل على أن المباشرة رخصة لمن يملك نفسه عن الوقوع في الجماع.

أما عن قول عائشة رضي الله عنها عندما سألها الأسود أيباشر الصائم ، قالت: لا. فقال لها: أليس كان رسول الله r يباشر ، وهو صائم. فقالت: كان أملككم لإربه.

فهذين الأثرين – في حال صحته - اجتهاد منها عليها رحمة الله بالإضافة إلى وجود أثر آخر مخالف لهذا القول .

عن أبي النضر أن عائشة بنت طلحة أخبرته أنها كانت عند عائشة ، فدخل عليها زوجها ، وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، فقالت له عائشة: ما يمنعك أن تدنو من أهلك ، فتلاعبها ، وتقبلها ، قال: أقبلها وأنا صائم، قالت : نعم»(1).

والقبلة أخص من المباشرة ، وهو من ذكر العام بعد الخاص بالإضافة إلى ورود كثير من الأحاديث ، والآثار المروية عن كبار الصحابة التي تثبت رخصة المباشرة للصائم عندما يملك نفسه.

عن سالم الأوسي قال: قال رجل لسعد : يا أبا إسحاق أتباشر ، وأنت صائم قال : نعم، وآخذ بجهازها.

وعن ابن مسعود قال: كان يباشر امرأته بنصف النهار ، وهو صائم.

هذه الآثار المروية ، وغيرها تدل على بطلان هذا القول ، والله أعلم.



الاجتهاد الرابع

المباشرة مكروهة مطلقاً(1)



ذهب الإمام مالك في المشهور عنه(2): إلى كراهة المباشرة للصائم ، وكان يعتمد في فتواه على العديد من الأدلة .

أدلة الاجتهاد:

1. عن إبراهيم عن الأسود ، قال: انطلقت أنا ، ومسروق إلى أم المؤمنين نسألها عن المباشرة ، فاستحيينا. قال: قلت جئنا نسأل حاجة فاستحيينا ، فقالت: ما هي سلا عما بدا لكما؟. قال: قلنا كان النبي صلى الله عليه وسلم يباشر ، وهو صائم، قالت: قد كان يفعل ، ولكنه كان أملككم لإربه منكم»(3).
2. عن ابن عمر أنه كان يكره القبلة ، والمباشرة للصائم(4).
3. عن حماد سألت عائشة عن المباشرة للصائم ، فكرهتها(5).
4. عن شعبة مولى ابن عباس حدث أن ابن عباس كان ينهى الصائم عن المباشرة(6).

وجه دلالة هذه الآثار كراهة المباشرة مطلقا لمن يملك نفسه ، ولمن لا يملكها ، و كذلك هي مكروهة للشيخ ، و الشاب مطلقا .

مناقشة الاجتهاد:

ذهب الإمام مالك رضوان الله عليه إلى أن المباشرة في الصيام مكروهة مطلقاً للشيخ ، والشاب سواء كان مالكاً لشهوته أم لا.

وكانت أدلته في هذا الرأي كثيرة تدل جميعها بظاهرها على الكراهة المطلقة.

يرد على هذا القول بما يلي:

1. إن المباشرة رخصة لمن يملك إربه ، وذلك للأدلة الكثيرة التي تدل دلالة المنطوق ، أو المفهوم على ذلك.

أما عن قول عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يباشر ، ولكنه كان أملككم لإربه ، فهذا القول اجتهاد منها رضوان الله عليها، وقد ورد عنها رأي آخر مخالف لهذا القول أخرجه الإمام مالك في الموطأ، وهذا نصه:

«عن أبي النضر أن عائشة بنت طلحة أخبرته أنها كانت عند عائشة ، فدخل عليها زوجها ، وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، فقالت له عائشة: ما يمنعك أن تدنو من أهلك ، فتلاعبها ؛ وتقبلها قال :أقبلها، وأنا صائم، قالت نعم».

2- هناك أحاديث كثيرة ترخص القبلة للشيخ دون الشاب ، ومن هذه الأحاديث الحديث الوارد «عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المباشرة للصائم ، فرخص له ، وأتاه آخر، فسأله فنهاه . فإذا الذي رخص له شيخ ، وإذا الذي نهاه شاب».

الترجيح بين الاجتهادات:

لعل الرأي الراجح هو الرأي القائل بأن المباشرة في الصيام رخصة لمن يملك نفسه سواء كان شيخاً كبيراً، أو شاباً صغيراً.

لكن يجب أن لا يفهم أن المباشرة المرخصة هي المباشرة الفاحشة ، فقد روى الحسن ، عن أبي حنيفة أنه كره المباشرة الفاحشة للصائم ، وكذلك كأن يعانقها ، وهما متجردان ، ويمس ظاهر فرجه ظاهر فرجها»(1).

فعليه شروط رخصة المباشرة في الصيام ما يلي:

1. الورع.
2. الملك النفس.
3. عدم المباشرة الفاحشة.

والله أعلم ، وأحكم .


الخاتمة :



بعد أن انتهيت من هذا العمل ، لابد من طرح تساؤل مهم حول النتائج التي يمكننا استخلاصها من هذا الكتاب ؟

ما هي أهم النتائج المستخلصة ؟.

النتائج الممكن استخلاصها من هذا البحث تظهر في النقاط التالية :

1. أجمع أهل العلم على بطلان صوم من تعمد الوطء في الفرج في نهار الصيام
2. ليس على المجامع الناسي لصومه قضاء ، ولا كفارة .
3. ليس على المجامع المخطئ قضاء لصومه ، و لا كفارة عن فعله .
4. ليس على المجامع المكره إكراها ملجئا قضاء لصومه ، و لا كفارة .
5. إن القبلة مرخصة في الصيام لمن يملك نفسه ، سواء كان شيخا ، أو شابا .
6. إن المباشرة مرخصة في الصيام لمن يملك نفسه ، سواء كان شيخا ، أو شابا .

أسأل الحي القيوم أن يلهمنا رشدنا ، و يسدد خطانا ، و يوفقنا لصالح الأعمال ، و الأقوال ، والنفوس ، و أن يجعلنا ممن يستمعون القول ، فيتبعون أحسنه.

\\
اعتذر عن الاطالة للفائدة

المصـــــــــدر




ضوابط الاستمتاع بالزوجة

في الصيام

في الفقه الإسلامي المقارن


تأليف

المحامي الشيخ الدكتور

مسلم محمد جودت اليوسف

مدير معهد المعارف لتخريج الدعاة في الفلبين سابقاً

و الباحث في الدراسات الفقهية والقانونية


تقبلوا تحياتي


nfnf


شوق التلاقـي ©؛°¨غرامي ذهبي¨°؛©

جزاك الله خير

وجعلها في ميزان حسناتك

ويعطيك العافيه على التوضيح

لكـ ودي


ريانه وللدلع مياله ©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©

جزاااك الله خير

يعطيك العافيه

نـادرة الـوجـود ♥الــحــرف الــتــاســع والــعــشــريـن ♥

وعليكم السلام

جزاك الله خير

تسلم الايادي ولاهنت

المعذره منك ينقل للقسم ألأنسب

وماننحرم من جديدكـ

ودي

غـيد الأماليد ©؛°¨غرامي ماسي ¨°؛©

جزاك الله خير
ينقل للواحه الرمضانيه
وبانتظار جديدك


عين الحب والصدق موصوف ©؛°¨غرامي فضي¨°؛©

جزاك الله خير

NFNF ]~شـُمُوخـٌ يـُعـانِقُ الثـُريَـا~[

اسعدني

تواجدكم


\\\



شاااااااكرة لكم

أدوات الموضوع البحث بهذا الموضوع
البحث بهذا الموضوع:

بحث متقدم
طريقة العرض

موقع و منتديات غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات
جميع الحقوق محفوظة منتديات غرام
iTraidnt by ROMYO
جميع الحقوق محفوظة منتديات غرام
iTraidnt by ROMYO

SEO by vBSEO 3.6.1