وردة الإسلام ©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©

هـــــــــــــــــــــــــدف الـــــــــــــــــــــموت






الجزء الرابع عشر






كانت شهيناز عائدة إلى البيت و سمعت هاتفها الجوال يرن نظرت إلى الاسم و بفرحة كبيرة ردت:



_ أهلا أمل، كيف حالك؟



أجابت أمل:



_ أنا بخير، و أنت؟ لقد اشتقت إليك كثيرا، ما هي أخبارك؟



قالت شهيناز:



_ أنا بخير أيضا، و أنا اشتقت إليك كثيرا عزيزتي، ليس لدي أخبار، أسكن الآن مع ثلاث فتيات و الحمد لله هن رائعات جدا.



بينما كانت شهيناز تواصل حديثها مع أمل، رولا كانت تراقبها و تتساءل مع من تتكلم شهيناز و فجأة تذكرت أن شهيناز لا تترك جوالها في غرفة الجلوس أو المطبخ مطلقا لعلها تجد فيه معلومات مهمة.



لا تدري إلى أين سيصل الأمر و لكنها مصرة أن تكشف المستور، إنها تشعر بقهر شديد لأن شهيناز تخفي عنها شيئا و المفروض أن تكون واضحة قبل السكن معهن و هي لن تقبل أن يستغفلها أحدا مهما كان.



وصلت شهيناز أمام العمارة و هناك وجدت رولا تنظر إليها و تبتسم، توترت قليلا و سلمت عليها فسألتها رولا:



_ أين كنت؟



تمتمت شهيناز قائلة:



_ ذهبت أتمشى قليلا.



ابتسمت رولا و دخلت معها المصعد و هناك وجدت جارهم عمر فقالت له:



_ كيف حالك عمر؟



ابتسم الأخير بفرح و قال:



_ الحمد لله، كيف حالك أنت؟



أجابت رولا:



_ بخير، شكرا، أقدم لك شهيناز ، إنها تسكن معنا.



ابتسمت شهيناز بسرعة و هي تشعر بنظرات هذا الشاب و تشعر بالخوف كلما رأته بعد الكلام الذي قاله لها ، لا تدري كيف تعرفه رولا و لكنها لا تريد أن تتحدث معه كثيرا.





دخلت شهيناز غرفتها محاولة تمالك نفسها فنظرات الشاب أزعجتها جدا و عودة رولا المبكرة أثارت في نفسها الريبة و الحيطة، هي تحبها كثيرا حتى أكثر من ميادة و حفصة و لا تريد أن يكشف سرها أمامها هي بالذات، ألقت بجسدها المتعب على السرير و هي تفكر في عمر ذلك الشاب المزعج الذي تخاف منه فلم يلبث معها إلا دقائق و أحس أنها غير طبيعية و هي الآن تخاف أن يحدث رولا عن هذا الأمر فترتاب هي الأخرى منها.



أغمضت عينيها و حاولت أن تبعد كل الأفكار المزعجة و تريح عقلها قليلا، فجأة بدأت تسمع صوت الانفجار و الطائرات الحربية التي تحوم حولها من كل جانب فرأت الناس حولها يصرخون و يركضون في كل جانب في محاولة بائسة للهرب من الموت المحتم، كانت تركض هي و والدها لما دخلا منزلا لا تعرفه حاولا الاختباء فيه و لكن هناك امرأة رأتهم ففزع والدها و أمرها أن تدخل إحدى الغرف و ذهب هو في الاتجاه الآخر و لما تفرقا و دخلت الغرفة وجدت شخصا طويلا أسمر البشرة يرتدي ملابسه و فزع بدخولها عليه فنظر إليها بنظرات ثاقبة جعلها ترتجف خوفا اقترب منها و قال:



_ من أنت؟



ردت و هي تبلع ريقها بصعوبة:



_ أنا شهيناز..



أشارت بإصبعها نحو السماء و أكملت بخوف و هي تستمع إلى دوي الطائرات و الموت الذي يحارب الناس بشراسة كبيرة خارج هذا البيت الهادئ وأصحابه الهادئين و كأنهم لا يعيشون معهم فقالت:



_ هناك طائرات، موت، انفجار..



اقترب منها أكثر و قال:



_ لا تخافي، أنت في مأمن هنا.



لمس يدها و ضغط عليها و هو يحاول أن يهدئها، ابتعدت شهيناز بسرعة و نظرت إليه فرأته يبتسم لها و أكمل ارتداء ملابسه و لما أحس أن أحدهم قادم إلى غرفته أمرها أن تختبئ سمعته يتكلم مع أحدهم ثم أقفل الباب و قال لها:



_ كانت أختي تسأل إن كنت بخير، سننزل إلى القبو أظن أن الحرب ستكون قاسية جدا و يجب أن نحمي أنفسنا، تعالي.



قالت شهيناز بحزن:



_ لكن والدي؟



سألها بحيرة:



_ أين هو؟



أجابت بسرعة:



_ ذهب إلى البيت المجاور.



قال و هو يخرج و يجرها معه:



_ تعالي لنبحث عنه، فالموت لا ينتظر أحد.



ذهبت برفقته و هي تشعر بخوف لم تعهده في حياتها من قبل و خطواتها أصبحت ثقيلة جدا رغم أن الذي تبحث عنه عزيز عليها كيف لا و هو والدها و لكن في هذه الظروف تشعر أنها تريد العودة و الذهاب إلى القبو و تدعو له الله أن يكون بخير، أحست بضعف الإنسان لما يدركه الخوف و يكبله الموت من كل جانب، لما اقتربا من البيت رأت ظل أحدهم في الشرفة فمسحت دموعها و حاولت أن تركز في وجه الشخص فإذا به والدها قالت بفرح:



_ إنه هناك.



نظر الشاب إليها ثم نظر إلى الطائرة التي تحوم فوق البيت و قال:



_ لا أظن أنها فكرة جيدة أن ندخل، أظن أن هذا البيت سينفجر في أية لحظة.



و لما رأى وميض ضوء ساطع مسك يدها و ركض إلى الجهة الأخرى عائدا إلى بيته و ظلت شهيناز تنظر وراءها و عندما شعرت بتوقفه نظرت إليه و رأت علامات غضب و هو يقول:



_ يجب أن نبتعد قدر الإمكان، ستنفجر هذه المنطقة في أية لحظة، لا تنظري خلفك.



ثم صرخ و قال:



_ هل فهمتي؟



أومأت شهيناز رأسها و ركضت معه و هي تحاول لململة نفسها و عدم التفكير إلا في النجاة و فجأة سمعت صوت انفجار كاد يصم أذنيها فلم تشعر بشيء بعدها، و لما استيقظت وجدت النظرات الثاقبة و الوجه الأسمر ينظر إليها بخوف حاولت أن تتكلم فسمعته يقول:



_ لا تتحرك، و حاولي أن تنامي قليلا أنت في أمان الآن.



نظرت إليه و قالت بصوت ضعيف:



_ من أنت؟



قال لها:



_ أنا فارس.



و أغمضت عينيها من جديد و نامت...



استيقظت شهيناز على صوت رولا التي تقف أمامها مستغربة و هي تحاول أن توقظها:



_ شهيناز، ما بك؟ هل حدث لك شيء؟



قالت شهيناز:



_ لا، أنا بخير



قالت رولا بعتاب:



_ كيف بخير؟ و ما هذه الدموع؟ هل كنت تحلمين؟



ارتبكت شهيناز و قالت:



_ أظن ذلك.



ابتسمت رولا و قالت:



_ حسنا، ارتاحي أنت و أنا سأعد الغداء.



لما خرجت رولا جلست شهيناز على السرير و هي تتذكر ذلك الوجه الأسمر و انفجرت بالبكاء و هي تتمنى أن ما حدث معها لم يكن سوى كابوس و كم تريد أن تصحا منه قريبا و تنسى كل شيء...



انتهى الجزء الرابع عشر بعون الله تعالى...


وردة الإسلام ©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©

هــــــــــــــــــــــدف الــــــــــــــموت


الجزء الخامس عشر


أغلقت رولا باب الغرفة برفق و هي تبتسم و تنظر إلى الرقم الذي سجلته في هاتفها و تتساءل من تكون أمل، ثم وضعت هاتفها في جيبها و ذهبت لتحضر الغداء و بينما كانت تجهز الطعام سمعت صوت شهيناز تصرخ و تكسر كل شيء في غرفتها، أسرعت رولا إلى غرفتها و وجدتها في حالة انهيار كبيرة جدا.
هبت نسمة ذكريات أليمة جدا و عصف قلب رولا و هي تتذكر زوجها الراحل الذي لطالما عانى من هذه الانهيارات و هنا تأكدت أن هناك شيئا كبيرا حدث لهذه الفتاة، استطاعت أن تهدئها و عندما وضعتها في سريرها أصيبت بصدمة كبيرة و هي ترى أثار حرق واضحة على يديها، شل جسدها و وقفت لبرهة و هي تتذكر أن شهيناز كانت طوال الوقت ترتدي ملابس ذات أكمام طويلة حتى في الشقة, بعد أن غطتها عادت لغرفتها و هي تنتفض من هول ما رأت، إنه شيء يقشعر منه البدن و كأنها تشوهت و لا تدري إلى أي حد تصل تلك البقع و الحرقة، أحست بدمعات حارقة تنزل من عينيها و مشاعر مختلطة تتدفق داخلها و كأنها بركان على وشك الانفجار: إنه الغضب و الحزن و الذكريات الأليمة التي تشعلها شهيناز في قلبها و تفجرها كإعصار لا يقبل التحدي أبدا.
نظرت إلى السقف و هي تحاول تمالك نفسها، و تذكرت كلام حفصة أن عليها أن تصلي عندما تشعر بضيق شديد فالله وحده يكشف الضر عن عبده الفقير، ذهبت لتصلي ركعتين دعت ربها ثم ذهبت لتكمل تجهيز الطعام، لا تدري كيف أكملته و لكن النار في قلبها تزيد انشعالا كلما نظرت إلى غرفة شهيناز، هي تشعر بالأسف عليها و لكن أن استغفالها يغضبها كثيرا و أن تفجر فيها صفحات الماضي الأليم يزيد من قهرها و انفعالها.
عندما تعود الذكريات القاسية يصبح الإنسان ضعيفا لا يستطيع فعل شيء ينزع عنه الألم الفظيع الذي يكبله تماما.
إنها كالوباء القاتل الذي يحاصرك داخل الحزن و الألم.
هل من سبيل للنجاة منه؟ هذا ما يصعب اكتشافه لما تسجنه ذكريات الماضي الأليم.
زفرت رولا بتعب شديد ثم ذهبت إلى غرفتها و تنفست بعمق و أخذت هاتفها المحمول و اتصلت بأمل، انتظرت قليلا ثم جاءها صوت يسلم فردت عليها السلام و قالت:
_ أنا صديقة شهيناز...
و لم تكمل كلامها و قاطعتها أمل بخوف:
_ هل هي بخير؟ هل حصل لها مكروه؟ أعلم أن حالتها خطيرة لكنها اتصلت بي اليوم و كانت بخير، ماذا حصل؟
ابتسمت رولا بقهر و قالت:
_ لا تخافي إنها بخير، لا تقلقي.
زفرت أمل براحة و قالت:
_ الحمد لله، تعلمين الحالات النفسية القوية تكون صعبة جدا و خاصة لما يكون الشخص كتوما جدا.
قالت رولا:
_ صحيح، و لذلك اتصل بك، أريد منك أن تساعديني حتى أستطيع أن أساعد شهيناز.
قالت أمل:
_ و كيف ذلك؟
ردت رولا:
_ كما تعلمين في بعض الأحيان تنهار شهيناز و لا أدري ما العمل و تقول كلاما لا أفهمه و أريدك أن تنصحيني ماذا أفعل في هذه الحالة؟ لعل تلك الكلمات تذكرها بشيء فهل يجب أن أخبرها بها أم ماذا أفعل؟
قالت أمل:
_ كلامك معقول جدا، لكن هي لم تنسى كل شيء فهي تتذكر جيدا أيام الحصار و الحرب و لكن كيفية قدومها من فلسطين و ماذا حصل في آخر الأيام لا تتذكرها أبدا و كأنها تتهرب منها و كأنها تخافها، عندما تنهار حاولي أن تتصلي بالدكتور إبراهيم فهو الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يساعدك.
بعد فترة صمت قالت أمل:
_ هل تسمعيني؟
استيقظت رولا من صدمتها و قالت:
_ أسمعك جيدا، آسفة الطعام يحترق، يجب أن أذهب الآن، شكرا لك على كل حال.
قالت أمل:
_ أرجوك لا ترددي أبدا إن احتاجت شهيناز أي شيء.
ردت رولا:
_ حسنا لا تقلقي، في أمان الله.
أقفلت رولا الهاتف و جلست على السرير و حاولت أن تستوعب كلام أمل، و هي تتمتم بصوت خافت:
إذا شهيناز فلسطينية، و جاءت من غزة و هي لاجئة، لماذا قالت أردنية، لكن هي لم تقل، هذا ما فهمناه، عاشت فترة الحرب، أهلها ماتوا هناك، إذا من فارس؟ هي لا تنفك عن ذكره في الليل عندما تحلم، يا إلهي أشعر أن عقلي سينفجر، كيف يخبئون عنا كل هذا، إنها مريضة نفسية قد تكون خطيرة علينا هنا، كيف يسمحون بحدوث هذا...
مسكت جبينها و هي تحاول تهدئة نفسها و تفكر هل تخبر حفصة و ميادة أم لا و ماذا ستفعل الآن بعد أن عرفت كل شيء.
سمعت رولا صوت الباب فعرفت أن حفصة و ميادة عادتا، و لكنها لم تستطع أن تتحرك، تريد أن تفكر في شيء تفعله و لكنها غير قادرة، سمعت اسمها فذهبت إليهما بصعوبة بعد أن مسحت دموعها و حاولت أن تكون طبيعية، دخلت المطبخ و وجدت حفصة تجهز المائدة و ميادة تغير ملابسها، سلمت رولا على حفصة و عندها دخلت ميادة مبتسمة كعادتها المرحة و سلمت عليها و قبلتها ثم دخلت شهيناز، لم ترها رولا فسمعت ميادة تسألها:
_ لماذا تغيبت اليوم عن الجامعة؟ أين ذهبت منذ الصباح؟
التفت رولا و قالت و هي تنظر إلى شهيناز التي ارتبكت:
_ كنت أقوم ببعض الأعمال المستعجلة.
شعرت شهيناز بخوف شديد من نظرات رولا الغير مفهومة بالنسبة لها، نظرات جديدة، غضب و كره و قهر، شعرت بتوتر شديد و سمعت ميادة تواصل التحقيق:
_ أية أعمال تجعلك تتغيبي دون إخباري؟
قالت رولا بنبرة حادة:
_ و هل يجب أن أخبرك بكل شيء؟
نظرت إليها ميادة باستغراب فتكلمت شهيناز دون أن تشعر بنفسها لتخفف من حدة الموقف:
_ أكيد لم تقصد رولا عدم إخبارك، لكنــــ...
قاطعتها رولا بغضب و صرخت قائلة:
_ لا دخل لك أنت؟ أنت آخر شخص يتكلم هنا، هل فهمت؟ تدعين البراءة، يجب أن تنزعي هذا القناع عن وجهك.
و خرجت مسرعة و هي في قمة الغضب
قالت ميادة بهمس:
_ هذه أول مرة أراه بهذه الحالة بعد موت زوجها رحمه الله، غريب ماذا حصل لها؟
قالت حفصة بقلق:
_ لم أراها أبدا هكذا.
ردت ميادة:
_ أنت تعلمين عند وفاة زوجها لم تبكي يوما و لم تقم بردة فعل أبدا، لقد قلقت عليها جدا في تلك الفترة حتى أني استشرت إحدى الأطباء و قال لي حاولي أن تغضبيها و هكذا ستنفجر و لكن لم أفلح واليوم...
سكتت ميادة و هي تشعر بقلق شديد على صديقتها رولا و خاصة أنها تجهل ما بها.
بعد أن خرجت مسرعة من البيت، و قد عزمت أمرها لتضع حدا لكل هذا و اتجهت نحو....

انتهى الجزء الخامس عشر عون الله تعالى...


وردة الزيزفون
✿ إدارة الإقسام ✿

تفتح بطلب من الكاتبة

وردة الإسلام ©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©



هــــــــــــــــــــــدف الــــــــــــــموت


الجزء السادس عشر


سكتت ميادة و هي تشعر بقلق شديد على صديقتها رولا و خاصة أنها تجهل ما بها.
بعد أن خرجت مسرعة من البيت، و قد عزمت أمرها لتضع حدا لكل هذا و اتجهت نحو عيادة الدكتور إبراهيم, كانت تشعر بغضب شديد و قهر كبيرين, لم تكن ترى أمامها تريد أن تضع حدا لكل هذا الغموض و الأسرار الخطيرة التي أخفتها عنهم, رن هاتفها فرأت ميادة تتصل بك ترددت في الرد عليها ثم قررت أن ترد عليها لأنها لن تتوقف عن الاتصال إن لم تفعل:
ــــ ماذا هناك يا ميادة؟
جاءها صوت ميادة:
ــــ أين أنت؟؟ أنا لم أقصد أن أزعجك بسؤالي، أنت تعرفيني جيدا.
ردت رولا بهدوء:
ــــ لا عليك حبيبتي، أنت تعرفين أني لا أغضب منك أبدا لكني لا أشعر أني لست بخير هذه الفترة، أريد أن أتنفس قليلا و أسير في المدينة و سأعود لا تقلقي علي.
ثم أغلقت الهاتف دون أن تترك لها مجال الرد عليها، و بعد فترة سير وصلت أخيرا إلى العمارة، دخلت و استقبلها السكرتير فسلمت و قالت:
ــــ أريد أن أقابل الدكتور إبراهيم، أخبره أن الموضوع يخص مريضة له اسمها شهيناز.
نظر إليها بتجهم و قال:
ـــ هل هناك موعد؟؟
صرخت رولا و ضربت الطاولة و هي تقول:
ــــ قلت لك أن تخبره أن الموضوع بخصوص مريضة له، أتدري لست بحاجة إليك..
و دخلت مسرعة إلى المكتب فنظر الدكتور إبراهيم باستغراب إلى رولا و إلى السكرتير الذي كان يعتذر منه فأشار له أن يذهب، و دخلت رولا و جلست ثم قالت:
ــــ هل تذكرتني؟؟
نظر إليها الدكتور عن كثب و هو يحاول أن يتذكرها و لكنه لم يقدر.
ابتسمت رولا بحزن و قالت:
ــــ أنا مالكة الشقة التي تسكن فيها مريضتك شهيناز..
سكتت قليلا و أضافت و هي تكز على أسنانها:
_ و أنا زوجة ماهر ***، هل تذكرت الآن؟!
ابتسم الدكتور بأسف شديد و قال:
_ نعم السيدة رولا ***، أهلا بك، و تعرفين أني متأسف جدا لما حدث مع زوجك!
قالت رولا بنفاذ صبر:
_ لم آتي لأتحدث عن زوجي، جئت لأتحدث عن الكاذبة التي تسكن في شقتي و التي أتيت بها أنت!
نظر إليها الدكتور بحيرة فأكملت و هي توضح له الرؤية:
_ أتكلم عن شهيناز.
تمتم الطبيب بحزن:
_ نعم، نعم صحيح تذكرت كنت موجودة لما أحضرتها مع علي، لكن هذا جيد فأنت قد مررت بظروف مشابهة و تستطيعين مساعدتها و..
قاطعته بغضب و قالت:
_ هل تسخر مني؟؟ أنا لن أساعد أحد، هل فهمت!، لقد كذبت علينا و أخفيت عنا حقيقتها و أنت تعرف جيدا أن حالتها خطيرة!
تنهد الطبيب بأسف و قال:
_ أفهم جيدا غضبك لكن هي لم تكذب عليكم، هل سألتموها سؤالا مباشرا و كذبت؟؟
ارتبكت رولا و قالت:
_ لا و لكن ...
قاطعها الطبيب بحزم و هو يقول بهدوء:
_ ليس هناك لكن هذه حياتها الخاصة و هي حرة إن أرادت أن تخبر أحدا بها أم لا، كما أن حالتها ليست خطيرة من المنظور الذي ترينه أنت، صحيح إنها مريضة نفسية لكنها ليست مجنونة أو أنها ستضر أحدكم، كما أني أفهم سبب غضبك، إنها تذكرك بنفسك و بزوجك و بمعاناتك، أنت لست غاضبة منها إنما غاضبة من نفسك لأنك لم تتمكني يوما من تجاوز ما حدث لزوجك و ترفضين مواجهة الأمر و عندما ترينها تعاني و أكيد هي أكثر منك فما عشته لا يساوي ما مررت به أنت تشعرين أنك تودين قتلها و صفعها حتى تستفيق و لا تكون نهايتها كزوجك و لا أن تصبح باردة مثلك تماما!
سكت الطبيب و تركها تستوعب ما قاله و هو يرى قطرات الدمع التي تجمعت ف عيني رولا
و هي تنظر إليه بدهشة كبيرة و غير قادرة على النطق بكلمة واحدة و أحست و كأنه صفعها صفعة أليمة و قوية، مسكت حقيبتها بقوة و كأنها تريد الاختباء فيها حتى لا تواجه المشاعر الأليمة القاتلة المدمرة و وقفت بصعوبة على قدميها و خرجت مسرعة و كأنها تحاول أن تهرب من الواقع الأليم الذي واجهته منذ دقائق.
توجهت مباشرة نحو البحر المكان الذي ينعش روحها و ينشطها محاولة منها لتنسى ما حدث و تستجمع قوتها...
تأملت البحر بعينين دامعتين و هي تفكر في كلام الطبيب الذي أصبح مثل الخنجر الحاد الذي ذبح عقلها و قلبها معا...
إنها حبيسة الماضي، نعم حبيسة الماضي الأليم، تريد بكل قوتها مغادرته و التخلص من براثينه القاتلة و لكنها لا تقدر، تشعر بألم يهز كيانها، نعم هي لا تحبها تكرهها ترى فيها حياتها، تراها سلبت منها حياتها دون أن ترحمها لا تدري لم تشعر بهذا لكن هذا ما تشعر به و هذا يقتلها، لماذا عليهم أن يفرحوا وهي لا يحق لها ذلك؟؟
تود الانتقام و المحاربة من أجل إعادة صفاء ذهنها و روحها التي لوثتها الذئاب!!
هل يجب أن تصرخ بكل قوتها ليعلم الكل أنها بركان على وشك الانفجار ف أي لحظة ليدرك أنها تتألم أنها تقاتل الآلام حتى لا تعصف بها و تدمرها، هل يجب أن تستمر ف معاقبة روحها الميتة أكثر من ذلك؟!!!
إلى متى؟؟!!إلى متى ستترك الصمت يعبر عن حالها و ترسم الابتسامات الكاذبة و تقرأ الروايات الخادعة لتغيب عن مواجهة آلامها و حياتها و حبها و قسوة ما عانته و عاشته!
أين سيستقر بها الحال ؟؟! أين سترسى سفينتها؟؟! ألم تتعب من السفر الطويل و الصمت القاتل؟؟! ألم تتعب من الغلاف الذي تصنعه أمام الناس و روحها تتلوى داخلها من الألم!
ماذا تنتظر؟ هل تنتظر أن تقتل نفسها و تريحها؟ أن ترتكب الحماقات و الحماقات و تكون نهايتها حزينة؟!!
إنه الغضب نعم الغضب القاتل الذي تشعر به الآن!
إنه دمار قادم لا محالة! عليها أن تستعد لكن ليس لديها الوقت للاستعداد لكل ذلك!
إنها تشعر بالتعب الشديد، تشعر بالظلم، بقسوة الحب الذي أخذ منها حبيبها إلى الأبد!
هل هو حبيبها فعلا؟! هل مازلت تحبه؟! هل تعشقه لدرجة أن تنسى خالقها و كل شيء و تضرب بكل مبادئها عرض الحائط!!!!
لا! إنه وباء لعنة عليها مقاومتها، تريد التخلص منها بكل ما تملك من قوة و لكن الغضب، الانتقام، الألم، إنها مشوشة جدا!
لا تدري كيف تفكر أو أنها لا تقدر أصلا على التفكير السليم، الألم القاتل يذبحها بقوة بلا رحمة.
فجر الدكتور حقيقة خشيت مدة طويلة أن تراها أمامها و لكن ما العمل الآن.
مسحت دموعها بقسوة و كأنها تريد أن تتخلص منهم للأبد.
نظرت إلى يدها التي تحمل خاتم زوجها، تنفست بعمق و أشاحت بصرها إلى البحر و قد احمرت ببريق الدمع و الغضب الشديد و ألتفت و سارت بخطوات ثابتة و قد أوشك البركان على الانفجار،قادت سيارتها بهدوء و كأن الهدوء الذي يسبق العاصفة، و توجهت نحو الشقة و هي تتمنى أن لا تجد ميادة و حفصة هناك.



















وردة الإسلام ©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©


الفصل السابع عشر و الأخير


نظر الدكتور علي إلى صديقه و هو يسأله بقلق:
_ هل ستخبر شهيناز؟
أجابه الدكتور إبراهيم:
_ لا، لن أخبرها بشيء.
أسرع الدكتور علي يقول:
_ لكن رولا لن تسكت! أنا شبه متيقن أنها ستكون كالإعصار الجارف.
تنهد الدكتور إبراهيم و قال بثقة:
_ نعم هذا أكيد و هذا هو المطلوب للاثنتين، هي بحاجة للانفجار و شهيناز بحاجة لمواجهة هذا.
سكت الدكتور علي يفكر في كلام صديقه و قد فهم قصده.
و فعلا هذا الذي حدث، لقد انفجرت رولا أول ما رأت شهيناز في الشقة وحدها فقالت لها
كيف لك ان تخفي أمرا كهذا عنا؟؟
أحست شهيناز بأن الأرض تدور من حولها، مشاعر قوية اجتاحتها في هذه اللحظة، و كأنه نزعت عنها لباسها لترى رولا كل أسرارها دفعة واحدة، تمتمت قائلة
_ لم أفهم عن ما تتحدثين؟
زاد جنون رولا و صرخت قائلة:
_ هل تصرين على التجاهل ام ماذا؟ لماذا لم تخبرينا أنك ترين طبيب نفسي و أنك قادمة من فلسطين؟؟
_ احم، لم اقصد اخفاء الامر عنكم، لم تأتي فرصة لأخبركم.
نظرت رولا بغضب
_ و هذا أمر يخفى، كيف استطعت فعل ذلك؟ كان لا بد ان تخبرينا خاصة أن كانت حالتك خطيرة و كان يمكن أن تؤذي احدنا أو تؤذي نفسك..
نزلت دموع شهيناز و هي تشعر بالحزن و الألم و أحست ان رولا تكبر الموضوع اكثر من حقه و قالت
_ لا أظن أنه لا بد ان تعرفوا عن حياتي الخاصة كل شيء..
زفرت رولا و قالت:
_ كان لا بد أن تخبرينا لما رأيتنا أننا ظنناك من بلد أخر، انت لم تصححي لنا و جعلتني نعتقد أمرا خاطئا.
ارتبكت شهيناز أكثر و بدأت تشعر بالحر الشديد و وجهها تبلل بدموعها و هي تنظر إلى سهام الغضب التي تتطاير من عيني رولا.
_ لماذا أنت تكبرين الموضوع؟ لو كنت اشكل خطرا ما كان الطبيب سمح لي بالعيش معكن، كل ما هنالك اني مازلت اجهل بعض الأحداث التي حدثت لما قدمت من غزة، صدقيني لا أشكل خطرا مطلقا..
حاولت رولا أن تهدئ من نفسها و هي بدأت تشعر و كأنها ترى ذكريات مريرة تود لو انها نستها و لكن في الاخير لا ذنب لشهيناز بهذا الامر، هي مشكلتها لأنها لا تود ان تتذكر شيئا مما حدث مع زوجها لقد اشتاقت له و لحياتها القديمة...
_ ما كنت لأقبل بمكوثك معنا لو عملت بالأمر
قالت شهيناز بحيرة
و لكن لماذا؟
صرخت رولا بدون وعي:
_ لأنك تذكريني بزوجي، لأنك فتحت جرحا ينزف كنت أود أن لا أتذكر منه شيئا مطلقا، لقد مات و تركني سجينة أسيرة هذا العالم، و قد مر بكل ما تمرين به و أكثر من ذلك بكثير، لقد رحل بعد طول عناء و عذاب و أنت بكل بساطة أتيت لتجعلي دوامة من رياح الآلام تعصف روحي و تجعلني أتذكر كل لحظة مرت..
دارت رولا حول نفسها و هي تواصل كلامها و هي تحاول ان تخرج كل الآهات التي دفنتها داخل روحها منذ رحيله و هي تتصنع القوة
_ أنت اجرمت بحقي، أنت ذكرتني لكلامه، بنوباته الليلة، بحديثه عن معذبيه، برعشات جسده، من كان يساعدك كل ليلة لما تحلمين، كنت أنا أدخل عليك و انا اسمعك تتكلمين و تهتفين بأسماء احبابك و عائلتك و طبعا فارس الذي فلقت رأسي به كل ليلة، هل تفهمي لقد مات و تركني و انت بكل سفاقة جئت لتذكريني به.
أخذت رولا تلهث و هي تحاول التقاط أنفاسها المبعثرة و هي تنظر إلى شهيناز و قد زاد احمرار وجهها و قالت و كأنها الآن استوعبت
_ نعم لقد مات، نعم لقد سال الدم من رأسه و غسلت دمائه الطاهرة و اختلطت بالتراب فزينتها وصارت لها قيمة..
أحست رولا أن شهيناز في عالم ثان، عضت شفتها السفلى و هي تشعر بالندم، كيف لها أن تكون عديمة القلب و هي تنفجر أمام إنسانة عانت معاناة حبيبها و هي تدرك تماما ما هي نتائج تلك الآلام فمسكت يد شهيناز و هي تحاول أن تسكتها قائلة
شهيناز، اهدئي، أنا رولا، عما تتحدثين؟ من الذي مات؟
قالت شهيناز:
صحيح لقد مات، انظري إنه ملقى على الأرض، لقد كان يحاول حمايتي لأنجو بحياتي و تركني و رحل، و ما طعم الحياة دونه، لماذا ذهب؟ لا أريده أن يذهب؟ لقد سكت قلبه عن الكلام و صارت روحه خارج جسده و كل ذلك من أجل أن ينقذ حياتي، لقد تلقى الطعنات و احترق جسده أمامي، حاولت ان أطفئه بيدي لكني لم استطع لأن الألم الذي أحسست به جعلني استسلم و أغط في نوم عميق استيقظت بعدها لأدرم حقيقة لم أشأ أن أذكرها و اختار عقلي الطريق الأسلم ألا و هو نسيانها...
ثم صرخت شهيناز بقوة
لاااااااااا
و غابت عن الوعي، هنا أحست رولا بالعجز و اتصلت بالطبيب الذي ترك كل شيء و أخذ شهيناز للمستشفى حتى يرى ما هو وضعها بعد استعادتها لذاكرتها و قد شعر أن هذا أول طريق الشفاء لشهيناز و أن المرحلة الخطيرة قد مرت بسلام و أن عليها الآن أن تواجه ذكرياتها و أن تبدأ حياتها من جديد و تلملم نفسها من جديد..
رأت رولا الطبيب فاعتذرت منه أولا ثم قالت له
_ لقد أحسست أن الغضب قد سيطر علي حتى رأيتها تنهار أمامي، خفت عليها فعلا و انا مزعوجة مما حصل معي و كيف اني لم أساعدها
فقال لها
_ بالعكس مواجهتكما لما تشعران به كان كفيلا لأن يجعلها تواجه أخر الاحداث التي ظلت تهرب منها لأنها تؤلمها، انت ساعدتيها دون شعور منك.
ابتسمت رولا و قد شعرت بالراحة و قالت
_ يعني المرحلة الصعبة قد مرت الحمد لله، سأهتم بها إن شاء الله و سأساعدها لتعود لدراستها و لتبدأ حياتها من جديد، و أكيد ميادة و حفصة سيساعدنني..
تبقى الآلام في زمن الماضي سجينة لا تتبخر و تنسى إلا بالتوكل التام على الله سبحانه
و يبقى الأمل لغد مشرق مليئ بالعمل الصالح إلا بالدعاء الخالص للمجيب الدعاء..
و شهيناز هي حالة صغيرة من حالات عديدة عنوانها الآلام و المعاناة المتواصلة و المستمرة
مع أمل رؤية الفرج و النصر قريبا من رب العالمين...
لا ننسى ابدا أخوتنا في تلك الأرض المقدسة التي ملأ القلب شوقا لسجدة على اراضيها و في قدسنا المحررة قريبا ان شاء الله...
انتهت بفضل الله
أراكم مع رواية جديدة ان شاء الله




Marie.g ©؛°¨غرامي فعال ¨°؛©

6جمييل واصل/ي

Marie.g ©؛°¨غرامي فعال ¨°؛©

إضغط على الصورة لمشاهدتها بالحجم الطبيعي

أدوات الموضوع البحث بهذا الموضوع
البحث بهذا الموضوع:

بحث متقدم
طريقة العرض

موقع و منتديات غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات
جميع الحقوق محفوظة منتديات غرام
iTraidnt by ROMYO
جميع الحقوق محفوظة منتديات غرام
iTraidnt by ROMYO

SEO by vBSEO 3.6.1