غرام
اكتب بريدك ثم اضغط على اشتراك ليصلك جديد غرام
بحث مخصص من محرك البحث العالمي قوقل للبحث في غرام
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 11
قديم(ـة) 29-12-2010, 06:53 PM
صورة ! XoxO ! الرمزية
! XoxO ! ! XoxO ! غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية أنثى العنكبوت / للكاتبة قماشة العليان


متى الجزء الــــ7ــــآآآآبع ؟؟

الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 12
قديم(ـة) 29-12-2010, 07:34 PM
صورة بنـ آلسلطنہ ــوتہ الرمزية
بنـ آلسلطنہ ــوتہ بنـ آلسلطنہ ــوتہ غير متصل
©؛°¨غرامي فضي¨°؛©
 
رد: رواية أنثى العنكبوت / للكاتبة قماشة العليان


الجزء السابع

قالت صباح ضاحكة:
- غريبة... ألا تلاحظن التغير الذي حدث لي... ملابسي الجديدة... ابتسامتي المثيرة... وجهي المشرق... تباً لكن من نساء لا يهمهن إلا الطبخ والنفخ...
التفت الجميع إليها... قالت فوزية وظل ابتسامة يتراقص على شفتيها:
- بالطبع نحن نلاحظ كل شئ... لكنك كما أنت دائماً صفراء ذابلة كورقة شجرة في الخريف... لم يتغير فيك شئ سوى هذا القميص الجديد... من أين ابتعته؟
التقطت صباح كوباً ورقياً من السفرة الممتدة وعليها بعض المعلبات والمأكولات البسيطة لتقذف به فوزية التي تفادته في اللحظة الأخيرة قبل أن تقول:
- ألم أقل إنكن تافهات... ألا يهمك سوى هذا القميص ابحثي عما وراء القميص...
قالت فاطمة إحدى زميلاتنا ضاحكة:
- وما يكون وراء القميص؟ إنه جسد أعجف أعوج ليس فيه ما يغري حتى على النظر إليه...
قالت عواطف جادة:
- ماذا هناك يا صباح؟ هل هناك خبر جديد...
ابتسمت صباح بعذوبة وهي تهتف:
- لقد خطبت البارحة... تقدم صديق أخي لخطبتي والزواج في الإجازة الكبيرة.
صرخت إحدى الزميلات:
- أخيراً تحقق حلمك يا صباح... العقبي لنا إن شاء الله.

تلقت صباح التهنئة من الزميلات... بينما كنت صامتة واجمة... فقد كانت آثار الضرب المعنوية لا تزال تدمي قلبي وتجرح روحي وإحساسي... أبي يتجرأ ويضربني وأنا في هذا السن... شابة... متعلمة... وأعمل ... لمجرد أنني قد نطقت بكلمة حق؟ إنها آلام لا أقوى على احتمالها...

تعاودني الذكرى البشعة نهاري وليلي... في غدوي ورواحي... وبدرية شقيقتي وزوجة أبي يحاولن إلى فراش وتهدئتي رغم أنني كنت صامتة تماماً بلا حركة ولا نظرة ولا صوت، فالتمزقات داخلي، أصمت أذناي عن سماع أي شئ يحدث حولي...

أفقت على ضحكات الزميلات ونظراتهن المرحة نحوي... قالت صباح:
- ألم تسمعيني... لقد قلت لماذا لم تهنئيني يا أحلام... أم إنها غيرة النساء؟
ابتسمت مرغمة وأنا أبارك لها الخطوبة...
ضحكت صباح بجذل قائلة:
- العقبي لك يا أحلام... سأعزمك على حفل زفافي وإياك أن تتخلفي عن الحفل، فأنا لا أسامح الغيورات. ثم سأقنع زوجي بعد حفل الزفاف أن ينقلني إلى الرياض، فهو كما أخبرني أخي علاقاته كثيرة ووساطته جيدة فأبتعد عنكن إلى الأبد...
تابعت وهي تقهقه:
- أتخيلكن في رحلة الذهاب والإياب اليومية بدوني... وأنا في مدرسة إلى جوار منزلي عش الزوجية السعيد...
قالت فوزية ساخطة:
- هذا إن استطاع نقلك... وضعي تحت إن عشرة خطوط حمراء لأنه لن يستطيع...
وقبل أن يتسنى لصباح الرد عليها التفتت إلي فجأة قائلة:
- ما بك يا أحلام... تبدين شاحبة واجمة... هل أنت بخير؟
كادت الدموع تطفر من عيني لكنني تماسكت بصعوبة وأنا أنهض قائلة:
- لا شئ يا فوزية... مجرد تعب بسيط سيزول إن شاء الله...

خرجت إلى فناء المدرسة الطيني... كان الجو غائماً والأرض موحلة إثر سقوط الأمطار ليلة البارحة على القرية كما علمت... بعض الطالبات يتفرقن في الفناء فرادى ومجموعات...

وقفت أستشعر غربة شديدة تهز كياني بعنف... أين أنا؟ وما الذي جاء بي إلى هنا؟ وإلى أين أسير؟ من غربة إلى غربة... من بيت أفتقد فيه نفسي ولا أشعر بالحنان أو الرعاية أو الانتماء إلى هجرة بعيدة لا تشبهني ولا تمت لي بصلة...روابط هشة مع الزميلات... شفقة مع قليل من الحنان للتلميذات...مقت شديد للمكان والرغبة في الفرار بأسرع وقت وبأية وسيلة... لكن متى وكيف؟ وأبي أهدر إنسانيتي وذبح كرامتي من أجل كلمة حق، إذن ماذا سيفعل حين أطلب منه أن يتوسط لنقلي من هذا المكان؟ أن يرحم غربتي وعذابي... وأخطار الطريق اليومية مع جميع الاحتمالات، لكنه لا يشعر ولا يحس سوى بزوجته وأطفاله منها... هذا إذا كان لدية ذرة إحساس...

- أبله ... لقد جلبت لك ما وعدتك به...
انتبهت على تلميذتي وضحى واقفة أمامي وفي يدها مظروف كبير...
- أهلا وضحى... وكيف حال أمك؟
- الحمد لله ... أمي تسلم عليك كثيراً... هل نسيت يا أبله؟
- ماذا يا وضحى...
- لقد وعدتك بأن أهديك كتب أخي سعد... إنها معي ... تفضلي يا أبله...

أخذتها منها بيد مرتجفة ... المفروض ألا يراني أحد من زميلاتي وأنا آخذ شيئاً من تلميذاتي فربما يفسرنه أي تفسير عدا الحقيقة... طويتها بسرعة أسفل ذراعي وأنا أمشي نحو الفصل... لقد نسيت أن أشكر وضحى على هديتها... اكتشف هذا متأخراً...
حينما غدوت وحيدة في فراشي سألتني زوجة أبي عما إذا كنت أريد شيئاً. نفيت أي حاجة لي وأنا أنفرد بنفسي في الحجرة...

فتحت المظروف لتطالعني الأغلفة الملونة للكتب... ثلاثة دواوين شعر" عينيها" ... اسم الديوان... ترى عيني من يقصد سعد؟ هل توجد فتاة في تلك القرية تستحق أن يتغزل أحد بعينيها... ضحكت في سري وأنا أتخيل تلميذاتي واحدة واحدة... عبطا بعينيها الكبيرتين الفارغتين في غباء شديد... الشقحاء بعينيها المملوءتين دوماً بالقذى، منيرة إنها مصابة بالحول... والجازي، العنود، حصة وجواهر و... ليست هناك واحدة تملك عينين ملهمتين... فكيف بشاعر مثل سعد أن يكتب شعراً دون ملهمة... دون أساس من الواقع. ربما قد اختار عيني إحدى الممثلات أو المطربات المشهورات... لكنه قد عاش فترة في مدينة الرياض ربما رأى خلالها إحدى فتياتها الجميلات...

حانت مني التفاتة نحو المرآة الكبيرة في حجرتي... تساءلت هل عيناي تعدان من العيون الملهمة... ولم لا؟ لأول مرة أرى جمالي في عيون ذاتي... نعم إنني أملك عينين رائعتين حالكتي السواد ورموشاً طويلة غزيرة وجسداً رائعاً فتاناً وشعراً أسود مسترسلاً.. لقد كانت أمي جميلة.. جميلة رغم جنونها وأورثتنا الجمال الذي لم تتمتع به بينما قتلها جنونها الذي انتقل إلى ندى شقيقتي الراحلة... دمعت عيناي لذكراهما ... سقطت دمعة على الكتاب الذي نسيته في حضني... تناولته من جديد " عينيها" قلبت الكتاب في يدي ففوجئت بصورته على الغلاف الأخير... إنه وسيم ... لا يشبه وضحى سوى في الأنف المستقيم فقط... ملامحه تشي بالطيبة والوداعة... نصف ابتسامة توحي بالغموض توجت شفتيه... تناولت الكتاب الثاني.. " صدى الوجدان" اسم الديوان الثاني... اسم جميل يعكس مشاعر طافحة بالحب والخير والأمان ... " إليك أنت" الديوان الشعري الثالث... أغلفة براقة لامعة بخط كوفي جميل بنفس الصورة الخلفية للشاعر... الكتاب الرابع يحمل عنوان " التفاؤل والتشاؤم" كتاب من القطع الصغير بغلاف عادي بدون صور على الإطلاق... واسمه مكتوب بخط دقيق أسفل الكتاب " سعد عبد الله".

تري كم يبلغ من العمر؟ إنه يكبر وضحى بعشر سنوات على الأقل كما سمعت من زميلاتي المعلمات... إذن سنه لا تقل عن الثامنة والعشرين من العمر... إنه صغير على أن يكون له خمسة مؤلفات، وشاعراً أيضاً... قرأت قليلاً في ديوانه الشعري الأول " عينيها" كان بجمل يتحدث عن الحب والعذاب والوداع والهجر.... ترى هل عاش حباً في حياته؟ وإلى ماذا أودى هذا الحب ؟ لقاء أم فراق... يصعب أن تعبر تلك الكلمات المضمخة بالألم والأحزان إلا لرجل عاش الحب حتى المرارة!!

قررت أن أقضي سهرتي مع أحلام ورؤى ذا الشاعر العذب الكلمات.. قررت أن أخوض معه بحار المشاعر والأحاسيس على أكتشف في النهاية من يكون وإلى أي حائط من جدران الحزن يتكئ... أخذت أجمع بقايا المظروف والشريط اللاصق للكتب لأودعها سلة المهملات لأفاجأ بورقة صغيرة وردية اللون تلتصق بالشريط، نزعتها برفق وقلبي يخفق بقوة... إنها أبيات شعر لا غير... أبيات مكتوبة بخط رائع منمق عرفت فيه خطه الذي كتب به إهداءه الماضي. تناولت الورقة بيد مرتجفة وأنا أقرأ أبيات الشعر المنثور...

ظلام حالك... جدران رطبة... رائحة طينية تعبق بالأجواء،
ظهر القمر... غاب الخواء...
لحظة .... نظرة .... أحداق وأنواء...
يا هل ترى كلنا كنا سواء؟
العشق يقتل صاحبه... إذا لم يجد له دواء...

انتقل الارتجاف من يدي إلى سائر جسدي... ترى ماذا يقصد من هذه الأبيات؟ أحسست بحرارة شديدة ترتفع من أسفل قدمي حتى رأسي...

تري هل يشير إلي ذلك اليوم العاصف الممطر في بيتهم الطيني القديم... وتلك النظرة الخاطفة التي لا تعني أي شئ... ترى هل يقصد بأنه أحبني لأول وهلة؟ كلا... غير معقول... هل من المفترض أن أضع حداً لكل هذا... نعم... فالتمادي يشجعه على المزيد... لكنه يجب أن يفهم أن الإهداء الأول قبلته لظروفي النفسية السيئة وأن صمتي إزاءه كان إكباراً وتقديراً وليس تواطؤاً وانحناء... إن عدم رفض الشئ لا يعني قبولة بكل تأكيد فبين هذا وذاك درجات بكل الألوان... في ضعفنا الإنساني نتقبل المواساة والتكاتف الإنساني وتكون كلمات العزاء كبلسم يشفي الجراح، تقربنا من الشخص لكن ليس إلى حد الاستغلال... إلى الحد الذي يمكن فيه فعل كل شئ وأي شئ وفي أي وقت...

هل جن هذا الرجل ليرسل لي اعترافه في قالب شعري مبطن بالألغاز...؟ أم أنني قد ظلمته وقد كان يتعامل معي ببراءة....؟ لكن أين البراءة في كلماته الصريحة المباشرة والتي اخترقتني بحرارتها اللاهبة... لو علم أبي بهذا الذي يحدث لدفنني وأنا على قيد الحياة ... رباه ماذا أفعل ... وكيف أتصرف؟ إن التساهل يؤدي إلي مزيد من التعدي ومحاولة كسر الحواجز... سأوقفه عند حده ليس خوفاً من أبي بل أحتراماً لأخلاقي وكرامتي وحيائي ... فلست أنا من يسقطها شاب بهذه السهولة وتقع في الفخ كأية حشرة قذرة... كلا أنني رغم وطأة عذاباتي الخاصة تبقي لي مبادئي وقيمي التي لا يمكن أن أتعداها أو أسمح لأي كان بتجاوزها أو خدشها، ولست غريرة أو ساذجة لأقع صريعة أبيات من الشعر أو تدير رأسي وتفقدني قدرتي على التفكير الصحيح... وضحى؟؟... كلا لا دخل لوضحى في شئ فهي مجرد فتاة بسيطة تحبني وتحاول إدخال السعادة على قلبي بشتي الطرق التي تستطيعها...هو الوحيد المسؤول عن أفعاله... هو من يجب أن أؤدبه ليعرف أصول الاحترام والتقدير... مزقت الورقة الوردية الصغيرة وأنا أغلي غضباً واشمئزازاً.... قلتها من بين أسناني: حسناً .. حسنا أيها الشاعر القروي سأعرف كيف أؤدبك...


انتهى الجزء آلسآبع

~


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 13
قديم(ـة) 29-12-2010, 07:40 PM
صورة بنـ آلسلطنہ ــوتہ الرمزية
بنـ آلسلطنہ ــوتہ بنـ آلسلطنہ ــوتہ غير متصل
©؛°¨غرامي فضي¨°؛©
 
رد: رواية أنثى العنكبوت / للكاتبة قماشة العليان


الجزء الثامن


حلم غريب هزني حتى النخاع... حلمت بأمي... بوجهها الحبيب، معالم الحزن المرتسمة في عينيها السوداوين عدا أنها في الحلم كانت ترتدي وشاحاً أبيض على رأسها، كانت تبكي في الحلم وتنتحب وتشد يدي بقوة عجيبة، وعلى لسانها كلمة واحدة ترددها بما يشبه الهمس... لا تتركيه... لا تتركيه... أمي من هو؟ ويطل وجه شقيقتي ندى تضحك وهي تخفي وجهها بيديها... ندى... ندى... أمي...

وينتهي الحلم العجيب وقلبي يقفز بدقاته السريعة حتى خلته سيخرج من مكانه والعرق الغزير يبلل جسدي وثيابي... أمي ... ندى... هل كان حلماً ذلك الذي عشته بكل كياني أم واقعاً مخيفاً أشبه بالحلم؟

وسط حيرتي وذهولي سمعت صراخاً قوياً يصدر من الطابق السفلي في بيتنا. ازداد هلعي وأنا أقفز الدرج قفزاً لأرى ماذا يحدث ففوجئت بالمنظر الرهيب الماثل أمامي... أبي يضرب زوجته بكل عنف وقسوة وأولادها متعلقون بها... هي تصرخ وهم يبكون... هالني مرأي أبي، لقد تحول في لحظات من إنسان إلى شيطان... انتفخت أوداجه وأعمى الغضب بصيرته فنبتت له قرون وذيل الشيطان... إنه لم يكن أبداً في مثل حالته هذه... في يده عصا غليظة يهوي بها على كل ما يستطيعه من جسد زوجته... وقد نال الأطفال نصيبهم غير العادل... كانت الساعة التاسعة صباحاً من يوم الخميس المفترض أنه يوم عطلة للجميع، فماذا يحدث أمامي... أسرعت بغير تفكير إلى أبي أحاول انتزاع العصا الغليظة من بين يديه، فدفعني بقوة من أمامه وهو يطلق سيل شتائمه علي وعلى المرحومة أمي وسابع جد في عائلتنا... صراخها الذي تحول إلى أنين يمزق أعصابي ويفتتني... إنها لم تكن قريبة من قلبي في يوم ما لكنها تعيش معي في بيت واحد وبيننا روابط مشتركة أولها التكاتف والتعاون غير المنظور وليس آخرها أولادها الذين أخوتي... من واجبي كإنسانة لها شعور وإحساس وتجري في عروقها الدماء أن أنقذها أو على الأقل أقول كلمة حق من باب أضعف الإيمان... خرج صوتي مبحوحاً محشرجاً وأنا أهتف:
- أبي... أتوسل إليك.... من أجل الأطفال اتركها... إنك تقتلها.
ثم اندفعت وأنا أبكي لأحول بينه وبينها، فانهالت العصا الغليظة على يدي في ضربة مزقت شراييني وأحالتني إلى شظايا... رباه إذن ماذا فعل هذا الضرب المركز بزوجة أبي.
سقط أحد أخوتي الصغار مغشياً عليه بين أقدام أبي فهدأت أنفاسه أخذ يستعيد ذاته شيئا فشيئاً...

تكومت زوجة أبي على نفسها كخرقة بالية غير قادرة حتى على التنفس مما حدا بي إلى مغالية آلام يدي والهرع لإنقاذ أخي الفاقد الوعي... أسرعت إلى صيدلية المنزل لأحضر صندوق الإسعافات الأولية، وخلال لحظات من محاولة إنقاذه أفاق الطفل باكياً مرتعباً... ضممته إلى صدري وأنا أسمع أبي يصرخ وهو يركل زوجته بقدمه...
- أنت طالق... هيا هاتفي أخوتك ليحضروا ويأخذوك.
ثم صفق الباب وخرج...

تعاونت مع الخادمة في إسعاف الأطفال ووالدتهم وتهدئهم... كانت الأم محطمة تماماً بلا ضلع واحد سليم وقد توقفت عن البكاء، وبدت كالغائبة عن الوعي. تصرفت بسرعة فهاتفت شقيقي صالح وأبلغته ما حدث بإيجاز...

ساعة وكنا في المستشفي المركزي بعد أن روى صالح للأطباء قصة خيالية عن سقوط الأم من الدرج حينما داهمتنا نوبة دوار طارئة ثم تبعها بعض الأطفال خوفاً على والدتهم...

أيضا اتصل صالح بأشقاء زوجة أبي ليكونوا إلى جوارها في المستشفي... وما إن انتهي من المكالمة حتى التفت إلي قائلاً:
- هيا يا أحلام... لقد انتهي دورنا عند هذا الحد...
صرخت قائلة باستنكار:
- ونتركها وأطفالها بهذا الحال المزري؟
تكلم صالح بهدوء:
- لا تنسي لقد طلقها أبي... ثم حينما يعلم أبي بأمرنا ماذا سيكون الحال؟... أعتقد سيكون أسوأ من حال زوجته...
- لكننا لا نعلم حتى الآن لماذا فعل بها ما فعل وطلقها أيضاً...
- أرجوك يا أحلام... أبعدينا عن هذه المشاكل برمتها...وستعرفين كل شئ في حينه... هيا ... ولا تنسي عندما يسألك أبي أن تخبريه بأن أشقاء زوجته هم الذين أخذوها من البيت... هيا...

وقفت في الظلام ألتقط أنفاسي... البيت خاو على عروشه وقد هدأت العاصفة التي كادت تطيح به قبل قليل وتهز بأركانه... وتلاشى الصراخ والضجيج وصوت العصا الغليظة وهي تهوي على أجساد ضعيفة لتمزقها...

لكن بقيت الأشلاء ورائحة القسوة تعبق بالمكان برائحة كريهة أصابتني بالغثيان. فمهما يكن نوع جريمتها يا أبي فليس هكذا يكون العقاب... أسلوب همجي بدائي يتساوى فيه الإنسان ذو العقل والإدراك مع الحيوان الأعجمي الذي لا يملك عقلاً... عودة إلى قرون الجهل والظلام كإنسان غجري لا يملك سوى قوته... المصيبة ليست في ضرب المرأة بل الأفدح منها هم الأطفال الأبرياء ونفوس تتمزق بلا رحمة ولا شفقة... كيف سيواجه هؤلاء الأطفال المستقبل... بقلوب كسيرة وجروح غائرة لا تندمل فرغم شبابي واشتداد عودي أشعر بالوهن في عظامي بعد هذه المعركة غير المتكافئة. يداي وقدماي ترتجفان بشدة وجسدي متهاو وآلام شديدة في ذراعي... لكن آلامي النفسية أكبر وأقسى... فكيف سيكون حال الأطفال وأمهم تضرب أمامهم ومن أبيهم وكلاهما رمز كبير لقيمة كبرى لا يستهان بها... إن ما حدث أمامهم سيبقى عالقاً في ذاكرتهم أبد الدهر يغذيهم ألماً ومرارة ويفقدهم الأمان في حياتهم القادمة... كانت مشاعري دوماً حيادية تجاه زوجة أبي وأطفالها ولا روابط عاطفية من أي نوع كانت تربطني بهم بيد أن الضربة الأخيرة كانت قاصمة، ففجرت ينابيع الأحزان داخلي فأحسست فعلاً بأن زوجة أبي مهيضة الجناح، فلم يحدث طوال حياتي معها أن مستني بشئ ما أو أوغرت صدر أبي عليّ أو فتحت المشاكل من أي نوع... كما أنها لطيفة معي اجتماعية متفاعلة وليست كأمي، أيضاً هي جميلة خلوقة وتصغره بكثير ولم يسبق رأيت بينهما خلافاً أو خصاماً إلا فيما ندر وباستتار نوع ما... لكن ما حدث أمامي فاق كل عقل وكل تصور وتعدى كافة الحدود... أيقظني رنين الهاتف من تأملاتي... وما إن رفعت السماعة حتى فوجئت بها... إنها زوجة أبي... تدافعت الكلمات في جوفي فلم أدر ماذا أقول... أخيراً نطقت... حمداً لله على سلامتك... كيف حالك الآن؟
بصوت واهن مرتجف أجابت:
- الحمد لله ... أحسن ... اطمئني... الأطفال أيضاً بخير... أين والدك الآن؟
- لا أحد في البيت سواي...
تهدج صوتها ثم بكت وهي تقول:
- صدقيني يا أحلام ...أنا مظلومة وبريئة، مما يتهمني والدك به... لست أنا من تفعل هذا أبداً أبداً حتى ولو فيه موتي ... أنت تعرفيني جيداً ثم إنني زوجة وأم لخمسة أطفال...
قاطعتها بجزع:
- أنت تعرفين أن سخان المياه في حمام حجرتي قد انفجر منذ فترة قليلة... فاتفق والدك مع سباك لإصلاحه... السباك حضر اليوم صباحاً بعد خروج والدك من البيت وطلب أن يدخل لإصلاح عطل السخان لأن لديه موعداً آخر بعد ساعة...

حاولت أن أطلب والدك هاتفياً، لكنني لم أجده فاضطررت، لإدخال السباك وتواريت أنا وبعض الأطفال في المطبخ لحين انتهاء الرجل من عمله وأيضاً لتناول طعام الفطور. بعد فترة حضر والدك وفوجئ بوجود الرجل في البيت وفي حمام حجرة النوم... طرده لكنه لم يعطني أي مجال لأتكلم ... لأدافع عن نفسي... عن أطفالي والخادمة يشهدون بأنني لم أقابله ولم أر حتى هيئته... فقد فتحت له الخادمة الباب وأوصلته إلى المكان بنفسها... إنني مظلومة يا أحلام...

وانتحبت بعنف على الطرف الآخر من الهاتف ... لم أستطع مواساتها والتخفيف عنها، فكل كلمات البشرية تتضاءل أمام ظلم الإنسان وتجبره وقسوته... لقد قتلها بظنونه وسحق كرامتها وكبرياءها بقدميه ثم جاءت ثالثة الأثافي فطلقها بدون أي ذرة عقل أو تفكير... ألهذا الحد يصل أبي في إلغاء والعقل والمنطق والاحتكار لشريعة الغاب في المحاكمة والتصرف؟ ألهذه الدرجة يفتقد أبسط مقومات الاتزان والثقة بالنفس...؟ لقد عاشت معه أكثر من خمسة عشر عاماً... ألم يتأكد خلالها من إخلاصها وطهارة ذيلها ونقاء سريرتها.. ألم يعلم أية امرأة هي خلال كل تلك السنوات..؟ إن عاماً واحداً من العشرة تبين حقيقة الإنسان وأصالة معدنه وطيبته أو خبثه فكيف بسنوات طويلة بحلوها ومرها وأطفال خمسة وحياة حافلة بالأحداث المتنوعة... أيلصق بها هذه التهمة البشعة من أجل شك... سوء نية؟ يا له من جبار معتوه... ألم يفكر، ألم يتدبر... ألا يسأل من حوله... ألا يتحرى الحقيقة والصدق من الكذب؟ إنه يختال بقوته، بصحته، بقدرته على فعل كل شئ دون أن يحاسب على شئ... لكن لا يا أبي، فالقوة ليست في البطش، واليد العليا القوة في الحنان والرحمة، في التفكير العقلاني ... في الاتزان .... التروي... والحكمة...

انتشلني صوتها البعيد من أفكاري...
- أحلام... هل تصدقينني؟
- بالطبع يا أم بدر أصدقك... وأتمنى لو أن أبي تأني وفهم الأمر على حقيقته قبل أن يفعل ما فعل... لكن اطمئني فالحق لا بد أن يظهر... شمس الحقيقة لا تغيب طويلاً...

كلمة أخذت أرددها بيني وبين نفسي بعد أن انتهت مكالمتي مع زوجة أبي، ثم هاتفت أخي صالح وأبلغته بكل ما حدث... سألته النصيحة قال إنه سيحاول إفهام أبي حقيقة الأمر...

لم أضيع الوقت، أسرعت إلى الخادمة وسألتها عما حدث صباحاً، فحكت لي كل شئ بالتفصيل كما روته زوجة أبي... يالها من زوجة بائسة مظلومة... لو كنت مكانها لفرحت بالتخلص من أبي وسجنه البغيض ذي القضبان الحديدية المتهالكة وأسرعت بالفرار إلى مكان آخر في العالم لا أراه فيه.. لكنها أم وللأمومة حسابات أخرى لا أعرفها...

تضاعف إحساسي بالحنق تجاه أبي... فلم أدر شعوري الطبيعي تجاهه... هل هو ود... أم حقد... تقدير... أم تحقير... احترام وإجلال... أم مقت وازدراء؟ لم أعرف مشاعري الحقيقية تجاهه لكنها بكل تأكيد تختلف عن مشاعر أية فتاة تجاه والدها...

لن أحادثه في أمر زوجته ولن أٌف أمامه بخنوع أترافع عنها ليرحمها ويعيدها إلى زنزانته الحقيرة... لن أعيش موقف الذليلة المهانة أسأله الصفح والغفران لإنسانة بريئة مظلومة هو يعرف أكثر من أي شخص آخر مقدار عفتها ونزاهتها. لن أسقط في نظر نفسي مرتين... مرة بدفاعي عن شخص فتها برئ والأخر بالتوسل لظالم لا يعرف الرحمة... شمس الحقيقة لا تغيب طويلاً بي أو بدوني كل شئ سيظهر وتتجلي الحقيقة الساطعة...

رأيته يدخل البيت بهدوء... وسحب من الظلام قد تكثفت في وجهه الشاحب ... شعور بالإشفاق حل داخلي تجاهه بعد أن رأيته يحادث الخادمة مطولاً ثم ينكس رأسه بأسي... تبخر غضبي منه فاقتربت غير عابئة برفضي السابق ... وقفت خلفه صامتة... رفع رأسة تجاهي ... بادرته قائلة:
- إن أم بدر مظلومة يا أبي... إنها لا يمكن...
قاطعني بهدوء مثير...
- أعرف يا أحلام... أعرف...


انتهى الجزء آلثآمن

~


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 14
قديم(ـة) 29-12-2010, 07:55 PM
صورة بنـ آلسلطنہ ــوتہ الرمزية
بنـ آلسلطنہ ــوتہ بنـ آلسلطنہ ــوتہ غير متصل
©؛°¨غرامي فضي¨°؛©
 
رد: رواية أنثى العنكبوت / للكاتبة قماشة العليان


الجزء التاسع




طوال الطريق في رحلتنا إلى المدرسة وأنا أفكر ... لم أنتبه لصباح وكلامها الكثير عن خطيبها... أغلب الزميلات كن نياماً... وأنا غارقة في لجة من الأفكار العميقة التي تقودني إلى وديان سحيقة... لقد هزتني الأزمة الأخيرة بين أبي وزوجته وأوضحت لي أشياء ما كنت اعرفها وخبايا يصعب علي الاطلاع عليها لولا هذه الطاقة من الضوء.. إن أبي غيور شكاك وانفعالي.... لقد كاد يقتل زوجته وطلقها وحطم أطفاله وهدم البيت على من فيه لمجر شك... فقط وهم ... إذن ماذا يفعل حينما يعلم بقصة هذا الشاعر الذي يطاردني ويحاول نسج خيوط خفية من الحب المتبادل معي... المشكلة ليست في الشاعر وإنما في عدم ممانعتي لذلك وتقبلي للأمر بسهولة شديدة وكأنني أرحب به... فكتابه الأول الذي بعثه مع شقيقته كان يحمل أولى الرسائل وترمومترا لقياس مدى استجابتي... لقد فاق رد فعلي كل توقعاته، فقد كانت استجابتي مذهلة... تقبل وصمت... الصمت في أعرافنا يعني القبول والرضا فتمادى أكثر وأرسل كتبه كلها مع كلمات شعرية تعبر عن الحب من أول نظرة وربما لو صمت هذه المرة لجاء بنفسة ليحادثني... ويحي... ماذا يظن بي هذا الشاب... ترى هل يعتقد أنني فتاة مستهترة من بنات المدن الوقحات الخليعات اللاتي يعاكسن الشباب بسهولة ويسر كما يشربن الماء؟ ترى هل يعتقد أنني فتاة لاهية ضائعة تستجيب لأول رجل يطرق بابها؟ كلا... يجب إفهامة الحقيقة... وتعريفه حقاً من هي أحلام ومن هو والدها...


أفقت على هزة من يد صباح وهي تقول:
- أحلام... هل نمت... هيا فقد وصلنا المدرسة...


دخلت وأنا مثقلة بأفكاري... مقيدة بأوهامي... مشتتة النفس... ممزقة الأهواء... وقفت أمام المرآة أصلح هندامي كعادتي كل صباح حين وصولنا للمدرسة... كانت المرآة عبارة عن قطعة زجاج مكسورة مثبتة بمسمار صدئ على الجدار الطيني... كنت أرى فيها نصف صورتي وإذا انحنيت قليلاً أرى فيها صورتي كاملة إلى حد ما... ابتسمت وأنا أتذكر معاملة أبي لزوجته حينما أعادها إلى البيت... لم أتصور أبداً أن يعيدها بهذه السرعة المذهلة... أيضاً هي كيف تنسى كل شئ وتعود معه، وكأن شياً لم يحدث، وكأن جسدها يتحطم على يديه ولا كرامتها تبعثرت بين قدميه... وأطفالها تمزقوا لغياب عقله واتزانه... إنه لم يحترم عشرتها معه ولا قدر سنوات سعادتهما سوياً... ونسف الماضي ورصيد الحب بلحظة شك واحدة وأطاح بكل شئ في غمضة عين فكيف تأمن لحياتها معه بعد ذلك...؟ وكيف تحمي عشها من الانهيار تحت أية هفوة أو أي اشتباه من هذا النوع...؟ لكنها سعيدة بعودتها... سعيدة رغم آلامها النفسية والجسدية وهو يعاملها بمنتهى الرقة والاحترام...


ترى هل هي تحبه لدرجة أن تغفر له كل زلاته وهفواته، أم أنها تريده لأجل أطفالها، أم لأن لا معيل لها غيره، فقد توفي والدها وتفرق أخواتها كل في بيته. هل هو بالنسبة لها مجرد أب وسكن ومال أم أن الأمر أكبر من ذلك بكثير...؟ امرأة أخرى في نفس سنها وجمالها ما كانت تعود إليه ولو بذل الدنيا تحت قدميها فما فعله بها كثير...


أكبر من قدرة أي إنسان على التسامح والغفران وأقوى من قدرته على النسيان ما فعله سحق كرامتها وكبريائها كامرأة وشك بأخلاقياتها وتربيتها كابنة أسرة عريقة واستهانة بدورها وعاطفتها كأم... فأية بشاعة أكثر من هذه وأية تضحية كبرى هي مقدمة عليها... لكن أملي ألا يخيب أبي رجاءها وألا يجعل تضحياتها تذهل سدى وأن يتمسك بها كما تتعلق هي به... لكنني لم أسأل نفسي أبداً هل يحبها أبي؟ لقد آمنت بهذا كشيء مسلم به فقد تزوجها على أمي ونسينا تماما حينما تزوجها... ثم أتي بها لتعيش على أنقاض بيت المرحومة أمي، وكان يقدرها وينظر لآرائها بعين الاحترام والإجلال حتى أنها قد غيرت كثيراً من أقدارنا أنا وأخوتي، فما كان شئ أن يتم إلا وكان لها اليد الطولى فيه لكن الحدث الأخير زلزل كل معتقداتي وأجبرني على الانحياز فقد اتضح أنها في حياة أبي شئ مملوك لا تقدير له لا احترام، لا رأي له ولا صوت... كقطعة أثاث... أو كجهاز كهربائي أو مقعد... شئ تبقي قيمته بقدر ما يفيد، ثم يلقي به في أقرب سلة مهملات... مسكينة هذه المرأة، فبقدر ما أشفق عليها وأرثي لحالها فإنني أكره ضعفها وخضوعها وأتمني لو استطاعت الإمساك بزمام الأمور يوما ما... لكن يبدو أن أبي فيه سحر ما يسلب فيه نساءه من إرادتهن ويجعلهن طوع بنانه...


ابتسمت لصورتي في المرآة... فاجأني صوت صباح:
- ألن تكفي عن استعراض جمالك في هذه المرآة المكسورة؟ لقد انتظرتك طويلاً...
ابتعدت وأنا خجلة بينما تابعت صباح قائلة:
- أخبريني بصراحة... هل تقدم أحد لخطبتك؟ فإنني أراك ساهمة غير طبيعية حتى أنني في السيارة استشرتك في أمور كثيرة ولم تردي علي إطلاقاً...
اغتصبت ابتسامة وأنا أقول:
- سأحاول يا صباح أن أرد على استشارتك ونحن في طريق العودة إن شاء الله... عن إذنك الآن سأحضر الدرس القادم...


وما إن سرت خطوات حتى طلبتني المديرة وأخبرتني بأن زميلتي عواطف غائبة ويجب أن أحل محلها الحصة الأولى...


دخلت الفصل واجمة فقد رأيت وضحى بين الطالبات ترمقني وفي عينيها بريق. ترى ماذا يدور بمخيلتها عني...؟ هل تتبني فكرة أخيها عني بأنني فتاة سهلة منحلة، أم تقدرني وتحترمني؟ لكن كيف يتطرق الاحترام إلى نفسها وشقيقها يبعث لي برسائل حب... كلا... لن أسمح له بالتمادي... اشتعل الغضب في عيني ولم أدر كيف أدافع عن نفسي ولا متى وأين؟ ما إن جلست على المقعد في الفصل حتى اقتربت مني وضحي... كانت خجلة، خائفة، نظراتها غير طبيعية وكأنها تخفي شيئاً ما، سألتها وأنا أتحاشى النظر إليها:
- كيف حال أمك يا وضحي؟
- الحمد لله .
- هل تذاكرين دروسك جيداً... فالاختبارات على الأبواب...


أطرقت ولم تجب... التفت إليها فجأة دست في يدي شيئاً ما وعادت إلى مقعدها... اضطربت بشدة وأنا أنظر لبقية الطالبات، لكنهن لم ينتبهن إلى ما حدث... دق قلبي بقوة وأنا أتفحص هذا الشيء الذي أعطته لي وضحى في غفلة من زميلاتها... كان دفتراً وردي اللون بتفرعات خضراء صغيرة، ينتهي بأسلاك دائرية فتحت أول صفحة ليندفع الدم ثائرا إلى رأسي ويحتقن وجهي بشدة، فقد كتب الشاعر بنفس خطه الأنيق كلمات واضحة لا تحتاج إلى تفسير:


إلى أ.ع
امنحيني لحظات فقط
وسأمنحك العمر كله
الأربعاء – الرياض- 9 مساء ت 4776234


إنه وبكل جرأة ووقاحة يعطيني موعداً هاتفياً في الرياض، حيث سيكون هناك على هذا الهاتف الساعة التاسعة مساء يوم الأربعاء المقبل... يا له من معتوه أبله... لكنه محق في طلبه... فكل الشواهد تدل على قبولي واستسلامي وترحيبي بأي شئ... امتلأت نفسي غضباً وغيظاً كدت أمزق الدفتر وألقيه في سلة المهملات أمام وضحى وبقية الطالبات لكنني خفت الفضيحة ، فأدني الأشياء التافهة هنا تعظم وتكبر حتى تغدو على لسان أهل القرية بأسرها، يتناقلها الصغار قبل الكبار... الرجال والنسوة... كتمت غيظي داخلي وأنا أغلي كمرجل من شدة الغضب وفي أعماقي يتردد سؤال كيف أرد له الإهانة بأعظم منها وأبين له كيف يعامل بنات العائلات المحترمة...؟


فلو أن شاباً ما رأي شقيقته وضحى ولو بطريق الخطأ لقتله هذا الشاعر الرومانسي وقد نسي كل مؤلفاته الخمسة وآراءه الكاذبة بالحب والعواطف ... فكيف يريد لغيره ما لا يريد لنفسه؟


سألتني إحدى الطالبات:
- أبله ... متى سيكون اختبار مادة القواعد؟
رفعت وجهي المحتقن بشدة... تلجلجت قبل أن أرد:
- نهاية هذا الأسبوع سأحدد لكن الموعد...


أنت أيضا أيها الشاعر الأحمق نهاية هذا الأسبوع سيكون موعدك معي... إنها فرصة لي لألقنك درساً لن تنساه مدى الحياة وستتوب بعدها ولن تعترض لأية فتاة حتى ولو بدأت هي بالمطاردة، فدرسي أيها الشاعر كبير... كبير بحجم خطتك وعظيم بعظم خطيئتك وقاس كقسوة إهانتك، وسترى إن شاء الله... ابتسمت الطالبات وهن ينظرن باتجاه الباب... تابعت نظراتهن لأرى زميلتي فوزية ضاحكة وهى تقول:
- أحلام... أين كنت؟ إنني أقف هنا منذ دقيقة أتأملك وأنت غارقة في أحلام اليقظة...
ثم اقتربت هامسة:
- هيا اخرجي ... فقد بدأت حصتي...


خرجت بعد أن وضعت الدفتر الصغير داخل دفتر التحضير الكبير الخاص بي... وحالما انفردت بنفسي وخلت حجرة المعلمات منهن عدا اثنتين يتلحفن بعباءتهن وينمن باستغراق شديد ... فتحت الدفتر الصغير.. طالعتني رسالة الشاعر الثالثة والتي سأجعلها الأخيرة... تخطيت الصفحة الأولى " الموعد" إلى الصفحات التالية.


كانت أشعاراً مطولة وخواطر جميعها تتحدث عن الحب من أول نظرة والعشق والهيام... كلها رسائل غرام مغلفة بأسلوب شعري راق... ربما تكون مخطوط كتابه المقبل، لكن ماذا يهدف من إرساله لي؟ عن علاقته بي تتطور بشكل خطير وإذا لم أضع حداً لها فإنها ستشكل خطراً يقضي على حياتي ومستقبلي.


عدت إلى بيتنا ذلك اليوم ممزقة حائرة، تتناهبني الهواجس وتفتتني الظنون... ترى هل حكت وضحى لزميلاتها ما يحدث بيني وبين شقيقها على سبيل المباهاة... فهم في تلك القرية النائية يفتخرون بأي شئ له صلة بالعلم والتحصيل حتى ولو كانت علاقة أخيها بحارس المدرسة... ترى هل تكلمت تلك الفتاة الصامتة ووشت عيناها بما لم يستطع لسانها أن ينطق به؟ فتلاقفته الطالبات لينتقل من ثم إلى الأهالي ثم إلى معلمات المدرسة ومديرتها فينظرون لي شزراً مع أنني لست بخاطئة ولا مجرمة، لكنها القوانين والعادات القبلية التي تفخر بشاب من هذا النوع وتعد عمله بطولة تستحق الإشادة وتنظر للأنثي بتحقير وإهانة ورغبة في وأدها وهي على قيد الحياة... ترى هل أسرت وضحى لصديقتها المقربة باستسلامي وخضوعي... وكيف كنت أتقبل خطابات الحب برغبة ولهفة دون ضيق أو غضب .. حنقت على نفسي وقتها... لو ثرت مرة واحدة فقط، لو رفضت استلام أي شئ من شقيقها لمجرد انه رجل... لو مزقت الدفتر الأخير وألقيته في سلة المهملات أمامها لربما تغيرت نظرتها لي وازداد تقديرها وإعزازها لي... لكن الآن وفي هذا الموقف الذي لا أحسد عليه ستكون سمعتي سيئة ونزاهتي مشكوكاً فيها وكرامتي مجروحة....


فحتى ذلك الوقت الذي سأنتقم فيه لكرامتي لن أنظر في عيني وضحي المتسائلتين ولن أحادثها بكلمة وسأتحاشى كل ما من شانه فتح حوار جانبي معها...


فوجئت بطرق على باب حجرتي... طرق خفيف ناعم لكنه مسموع... فتحت الباب برقة، كانت الخادمة تنبئني بمن يطلبني على الهاتف... أسرعت بالنزول إلى الطابق الأرضي حيث الهاتف وأنا أتوقع شقيقتي بدرية التي كثيراً ما تحادثني راغبة في الفضفضة والتخفف من أحزانها ومسؤولياتها الجسيمة... فلا صديقة لها سواي... وهي تمثل لي كل شئ .. الأم والشقيقة و الصديقة والابنة وأحبها كمل لم أحب بشراً سواها ولا حتى أمي....


التقطت السماعة ضاحكة:
- أهلا بدرية...
فاجأني صوت واجم... ثقيل ... بارد...
- لست بدرية يا أحلام... أنا صباح....
- أهلا صباح ... كيف حالك... هل أنت مريضة؟
جاءني صوت بكائها على الطرف الآخر ... حاراً ... يائساً... موجعاً.
- صباح ... ما بك؟
قالت ونشيجها العالي يخترق أذني:
- لن أحضر في الغد يا أحلام، أبلغي السائق ألا يمر علي...
- ماذا حدث يا صباح؟
انتحبت مرة أخرى وهي تقول:
- لقد فشل مشروع زواجي وانسحب خطيبي إلى الأبد... لقد مات يا أحلام ولن أتزوج أبدا... أبدا...


انتهى الجزء آلتآسع

~


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 15
قديم(ـة) 30-12-2010, 04:28 PM
صورة بنـ آلسلطنہ ــوتہ الرمزية
بنـ آلسلطنہ ــوتہ بنـ آلسلطنہ ــوتہ غير متصل
©؛°¨غرامي فضي¨°؛©
 
رد: رواية أنثى العنكبوت / للكاتبة قماشة العليان


الجزء العاشر



أشرقت السعادة في بيتنا وانبثقت السحابة الغائمة عن مطر غزير اكتسح طريقه كل شئ حتى أحزننا... فوجئت حينما عدت ظهراً من المدرسة بحركة غير عادية في البيت... أخواتي متأنقون في ملبسهم تعيق من أعطافهم رائحة العطور... في المطبخ عدة أصناف من الطعام لم تحدث في بيتنا سوى في المناسبات... البيت مرتب نظيف يفوح برائحة البخور في أرجائه... همست لزوجة أبي مازحة:
- أم بدر... ماذا حدث؟ هل تزوج أبي مرة أخرى... أم ماذا؟
ابتسمت برقة وهي تقول:
- أليس في وجودي كفاية؟
ثم أردفت قائلة:
- أخوك خالد... لقد حضر من تبوك اليوم صباحاً...
صرخت فرحة:
- حقاً... هل حضر بمفرده... أم بصحبة عائلته... هل.. أين هو الآن؟
ضحكت زوجة أبي قائلة:
- رويدك... رويدك فأنا لا أستطيع الإجابة على جملة أسئلة... عموماً هو الآن يخلد للراحة... فقد حضر متعباً من رحلة طويلة بالسيارة مع بعض رفاقه كما أخبرنا بذلك...

رغم تعبي وجوعي الشديدين فقد صممت ألا أرتاح ولا أكل شيئاً حتى أراه أولاً.

صرخت فرحاً حين رأيته باتجاهي... ألقيت نفسي في أحضانه مبتهجة وأمطرته بوابل من الأسئلة عن زوجته وأولاده وعمله ومدينته الصغيرة وحتى جيرانه وأصدقائه... ضحك وهو يقول:
- أمهليني قليلاً حتى أتنفس.

تناولنا الغداء مع أبي في جو من السعادة والحبور... علمنا منه أنه سيمكث معنا يومين فقط ثم يعود إلى مدينته وعمله...

بعد الغداء وخلود أبي وزوجته للنوم جلست مع خالد نشرب الشاي ونتحدث... تحدثنا كثيراً في كل شئ وحكى لي عن زوجته وطفليه " عبد الرحمن وريان" والقادم الجديد الذي يأمل أن تكون بنتاً يسميها على اسمي...

لاحظت ارتجاف صوته وهو يحكي عن طفليه، خمنته الشوق لهما واللهفة على لعبهما وشقاوتهما... ثم تطرق إلى عمله ومشاكله مع زملائه ... ومدينته الرائعة الصغيرة ثم سألني أن أحضر لزيارتهم... كان سؤالاً غير جاد لأنه يعرف أبي وأنه لا يحق لي الخروج من بيت أبي إلا لبيت زوجي ومن ثم إلى القبر... أعتقد أنه يذكر جيداً تلك الزوبعة التي أثيرت منذ سنوات خلت، حينما دعتني شقيقتي بدرية لأنام في بيتها ليلة واحدة معها وأطفالها فقد كانت أرملة... يومها قامت الدنيا ولم تقعد ولم يترك أبي كلمة من قاموس الشتائم والكلمات النابية إلا وأطلقها على شقيقتي بدرية... أرغى وأزبد هدد وتوعد ثم حلف وأقسم ألا أخرج من البيت أبداً في حياته...

سألت "خالد" إذا كان يحمل صوراً لأطفاله... اهتزت رموش عينيه ثم اكتسى وجهه بحزن شديد... ارتجفت يداه وهو يخرج الصورة الوحيدة من حافظته الجلدية...

بهرتني البراءة المرسومة في الأحداق الصغيرة والجمال الطفولي المميز. كانا يجلسان على مقعد خشبي في حديقة جميلة... عرفت الأكبر عبد الرحمن فقد كان صورة طبق الأصل من خالد بعينيه الواسعتين وفمه الصغير ولونه الخمري بشعر أسود حريري... ريان كان يختلف عن شقيقه كثيراً، فقد كانت ملامحه دقيقة صغيرة وشعره فاتح اللون أجعد... ابتسمت برقه وأنا أقول:
- ريان يشبه والدته أليس كذلك؟
ضحك خالد قائلاً:
- أنت ذكية يا أحلام...
أجبته بابتسامة واسعة:
- أيهما تحب أكثر؟
فوجئت ... بل صعقت... التمعت عيناه بالدموع وبصوت ليس صوته قال:
- كما قالت أعرابية حينما سئلت يوماً: أي أطفالك أحب إليك؟ فأجابت: الصغير حتى يكبر والغائب حتى يعود والمريض حتى يشفى...
ازدادت دهشتي وأنا أساله...
- وهل لك غائب ليعود؟
قاطعني:
- بل لي مريض أتمني شفاءه...
صمت... وصمت هو أيضاً... لم يكن صمتنا متطابقاً أو متشابهاً أبداً...
صمت خالد لأنه بكى.. بكى بحرارة وألم ... بكاء الرجل الذي انهار أخيراً بعد مقاومة جلد... بكاء يأس وحيرة وضياع...

بكاء لمريض لا يرجى برؤه.. بكاء منبعث من نفس صدئة من أعماق مبعثرة. دموع غالية تخرج من نفس ممزقة، كالبترول يخرج من الصحراء الخاوية...

صمتي كان خوفاً أكثر منه تقديساً... رهبة تفوق الاحترام... هلعاً يعلو على أي كلام... هل هو السرطان المخيف؟ كلمات وشت بها عيناي الدامعتان لأرى في انهياره ألف نعم ونعم ... وعلى واحد من حبتّي قلبك، وضع الوحش رحاله؟! أيهما البراءة المخطوفة ببراثن المجهول... ترى من منهما يحلق طائر الموت على رأسه ويترقب لحظته الدانيه، هل هو الأسمر ذو الوجه الحبيب أم الآخر الشقي الأجعد الشعر؟ لهفي عليك يا أخي وهذا الحزن المرير يعتصر قلبك عصراً... لكن ... أما من شفاء... أما من دواء ولو كان في آخر الدنيا.. أما من أمل ولو بعيد ضئيل لطرد شبح هذا المرض القاتل وقمعه للأبد...

سألته وفي صوتي رجفة وفي عيني دمعة وفي قلبي انطلقت طيور الأحزان:
- خالد... بالتأكيد يوجد دواء... ليس هناك داء ليس له دواء...
ابتلع دموعه الكثير وأجابني بصوت مخنوق:
- إنه سرطان الدم يا أحلام... هذا المريض الوحشي الغادر... لقد أصيب به عبد الرحمن من أشهر مضت...
تعالت الشهقات داخلي... إذن هو عبد الرحمن ذو الوجه الأسمر الحبيب الطفل ذو السنوات الأربع وخيبات سنوات مقبلة لا ندري كم عددها...
تابع خالد بأسى:
- لقد انتابته حرارة مفاجئة، في البدء ظنناها حمى عابرة أو مرضاً طارئاً كغيره من الأمراض... احترنا واحتار معنا الأطباء حتى أدركنا تشخيص مرضه الحقيقي... ومنذ ذلك اليوم ونحن ندور في حلقة مفرغة من العلاج بدون جدوى...
ابتلعت غصة ألم وأنا أقول:
- بالتأكيد يوجد أمل ...
برقت عيناه... لا أدري أكان أملاً، أم دمعاً... ثم قال:
- هناك أمل ... ولكن في جراحه صعبة بالخارج تتكلف مبالغ طائلة...
قاطعته بفرحة:
- خالد... لايهم. أجمع نقوداً.. بع كل شئ لديك حتى ملابسك ... استدن... تسول .. المهم أن يشفى عبد الرحمن...
وأد فرحتي حين قال:
- أنا محدود الإمكانات يا أحلام... تعرفين بأنني قد بنيت نفسي بنفسي ولم يساعدني أحد... درست ... عملت ... تزوجت .. وقد خسرت الكثير في علاج ابني ... خسرت كثيراً لدرجة قد لا تصدقينها... أنت لا تعرفين أنني لا أملك بيتاً خاصاً بي وإنما أستأجر سنوياً بمبالغ كبيرة... لقد بعت يا أحلام ... بعت من أجل شفاء ابني كل ما أملكه حتى مجوهرات زوجتي القليلة وأشيائي الصغيرة ... استدنت.. كل أصدقائي أنا مدين لهم ولا أدري متى سأسدد هذه الديون وقد تسولت يا أحلام. نعم فقد وصل بي الأمر إلى التسول وعقد أحد الزملاء ندوة تبرع لأجلي... ماذا أفعل أكثر من ذلك؟ إن ابني يذبل أمامي ونهايته المرتقبة تقض مضجعي والأمل موجود، لكنه بعيد بعيد كبعد شطحات أحلامي عن واقعي التعس... وزوجتي حامل وبحاجة إلى كل رعاية ومساندة... ولا أدري كيف أتصرف؟
أطرقت والحزن يعتصرني ثم أجبته داعية:
- خالد أبي لن يتخلى عنك وسيساعدك حتماً... أنا واثقة من هذا ... نحن معك يا أخي في معركتك ضد هذا المرض الشرس وسينصرك الله حتماً... وأبي سيساعدك بكل ما يملك... فأنت ابنه وطفلك حفيده الذي يحمل اسمه...
أجاب خالد بوجوم:
- من أجل هذا أنا هنا يا أحلام... سأطلب من أبي المساعدة.

خفق قلبي بجنون وأنا أري خالد شقيقي ينتحي بأبي جانباً... وأسرعت كيلا أراهما ، أرى الانكسار في عيني أخي خالد، وربما الدهشة والألم في عيني أبي.. ترى هل يتقاعس أبي عن مساعدة خالد ابنه في ظرف كهذا ... ويحي كلا .. كلا ... يستحيل أن يرفض أبي إنقاذ حفيده من الموت كن أجل حفنة من النقود، وهو من يملك الموال الطائلة والعقارات في كل مكان من بلادنا الشاسعة... ولأول مرة أتساءل ... ترى ما علاقة أبي بأبنائه أو علاقته بخالد بالتحديد؟

إن علاقة أبي بنا جميعاً علاقة الملك برعيته... الحاكم بالمحكومين، ومن يتمرد عليه أو يخرج عن طاعته فقد انتهى من رعايته إلى الأبد... وهذا ما حدث من خالد من زمن ليس ببعيد.. فبعد أن عصفت المشاكل بيتنا وفقدنا الأمن والاطمئنان وأصبحنا نعاني الغربة في بيت ولدنا فيه تقدم أخي خالد لأبي يطلب منه أن يتم دراسته في كلية المعلمين بتبوك... غضب أبي واربد وجهه ثم رفض أن يدع أحداً من أولاده يغادره إلى أي مكان... تمسك خالد برأيه وصمم عليه مقنعاً أبي أنه سيجد راحته هناك مع صديقه الوحيد الذي رحل مع أهله إلى تلك المدينة... اعتصم في حجرته رافضاً الأكل والشرب ... ابتعد وانزوى حتى رضخ أبي لقراره، وقال له بغضب: اذهب إلى تلك المدينة كما أردت، لكن لا تنتظر مني أي مساعدة في أي شئ تطلبه ولو قرشاً واحداً... أتفهم؟ وقد فهم أخي ولم يعترض على شئ ، بل لم يهمه من أمر أبي شئ فسافر سعيداً مبتسماً آملاً مستقبلاً زاهراً بعيداً عن أبي وزوجته ومشاكل تغص بها قلوبنا الصغيرة... لكن أخباره المطمئنة بدأت تسكن حروق القلب وجروح النفس، فقد درس في كلية المعلمين ثم تخرج فيها معلما وتعين في المنطقة نفسها... ثم تزوج فتاة متعلمة من عائلة مرموقة ، وأنجب منها...

وقد لحق به شقيقي حمد بعد عامين من رحيله دون معارضة جدية من أبي، وشق هو الآخر طريقه، فدرس ثم عمل وتزوج... ولم يدر بخلدي أن شقيقي خالد ممكن أن يتعرض لمحنة قاسية كهذه المحنة التي تعصف به وتكاد تقضي عليه....

طال الوقت به وبأبي وأنا أتشبث بحلم وردي.... حلم الأبوة الحانية الذي يضم أولاده تحت جناحه مهما كانوا ومهما فعلوا... إن أبي لن يتأخر في موقف كهذا ولن يقسو ويتجبر، فهو أب ويعرف جيداً مشاعر الأب الملكوم المهدد بفقد أحد أبنائه... لكن أبي لم يشعر بفقد ندى، بل ألقاها في مستشفي الصحة النفسية دون مشاعر واستلمها جثة دون أن يطرف له رمش، وواراها الثرى بلا إحساس. حتى أمي لم يذرف دمعة واحدة على فقدها، بل لم يشعر بأنه فقد شيئاً ذا بال كأنما تعطل لديه جهاز التلفاز فاستبدله بآخر، فقد أحضر زوجته الأولي في نفس ليلة وفاة أمي دون أدني تأثر أو حزن!! ترى هل مثل هذا الرجل القاسي الجبار المتبلد الإحساس سيشعر بمصيبة فلذة كبده وسيسارع بمد يد العون له بكل ما يستطيعه من جهد وأموال، أم ... لا... لا .. أرجوك يا أبي.. أتوسل إليك ألا تخذل خالد وهو في قمة احتاجه لك... لا تخذل رجلاً إنساناً كسيراً ممزقاً أجبرته الدنيا على أن يمد يده لأي إنسان... لا تخذل رجلاً أغلقت دونه الأبواب سوى رحمة الله... لا تخذل بائساً ضاقت في وجهه السبل حتى ولو كان ابنك!! أبي أبتهل إليك ألا تتركه يصارع العالم بمفرده ويدخل حرباً غير متكافئة؟؟؟ هو والفقر وطفله المريض أحد طرفيها؟ وعلى الطرف الآخر مرض قاس لا يرحم. أ[ي إنك لو تخليت عنه في عز احتياجه لك فلن ينسي لك هذا طوال حياته ولن أنساه لك أنا أيضاً...
سمعت صرخة قوية آتية من جهة صالون الجلوس، حيث أبي وأخي خالد. انقبض قلبي بشدة وأنا أستشعر شراً ما قادماً. أسرعت لأجد خالد منكفئاً على وجهه بحالة انهيار تام وأبي يردد غاضباً:
- ما شاء الله هذه آخر تربيتي وتعبي... يقول لي أعطني ميراثي منذ الآن...
صرخت بهلع:
- هل صفعته يا أبي؟
- إنه يستحق أكثر... إنه يستحق القتل...
- إنه مهزوم يا أبي... هزمته الدنيا والظروف... وهو بحاجة إليك بحاجة إلى حنانك وعطفك ووقوفك إلى جواره ... إنه بأزمة يا أبي... إن ابنه يموت...
صرخ بحدة:
- فليموتا كلاهما... ما شأني أنا... فليرثني بعد أن أموت وليس وأنا على قيد الحياة...
- أبي إنه بحاجة إلى مبلغ بسيط لعلاج ابنه وسيرده إليك بإذن الله عندما يشفى عبد الرحمن...
هدر بقوة وهو يغادر المكان:
- ليس عندي نقود له ولا لابنه...
- أبي... أبي...
ثم التفت إلى خالد وهو يحاول النهوض بصعوبة... حزن الدنيا يرتسم على وجهه اليائس وعيناه دامعتان مقتولتان... إنسان مهزوم بكل ما تعني هذه الكلمة...

مد يده إليّ وهو يرتجف قائلاً:
- مع السلامة يا أحلام ... سلامي إلى بدرية وصالح، فلن أستطيع زيارتهما...
صرخت في وجهه..
- بل تستطيع... لا تيأس يا خالد زر أخوتك وسيساعدونك... لن يتأخروا عن المساعدة، وأنا سأرسل لك كل مدخراتي المالية وما أملكه... صدقني يا خالد سيشفى عبد الرحمن بإذن الله...

ابتسم بمرارة وهو يودعني خارجاً، ودموعه تحفر أخاديد من الأحزان داخلي وتخضر بذرة الحقد على أبي في نفسي لتنمو زهرة وأنا أراه يمرغ كرامة أولاده في الوحل حفنة من النقود... لقد خذلتني يا أبي!


انتهى الجزء آلعآشر


~


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 16
قديم(ـة) 30-12-2010, 04:31 PM
صورة بنـ آلسلطنہ ــوتہ الرمزية
بنـ آلسلطنہ ــوتہ بنـ آلسلطنہ ــوتہ غير متصل
©؛°¨غرامي فضي¨°؛©
 
رد: رواية أنثى العنكبوت / للكاتبة قماشة العليان


الجزء الحادى عشر


أدرت قرص الهاتف بأصابع مرتجفة، وما إن وصلت لسادس رقم حتى وضعت السماعة مكانها... الساعة كانت تقترب من التاسعة وخمس دقائق مساء... تباً لي ... أين الشجاعة... أين القوة التي أستمدها من كرامتي كامرأة لا ترضى لأي كان أن يمسها بنظرة أو بكلمة؟ إن صمتي ليس له سوى معنى واحد أنني أطمع بالمزيد، وما المزيد إلا خدش لسمعتي كفتاة وإهانة لمكانتي كمعلمة محترمة... كلا... يجب أن أستجمع شجاعتي وألقنه درساً لن ينساه طوال حياته. نظرت للدفتر الوردي بحنق ثم أدرت قرص الهاتف للمرة العاشرة ربما ... جاءني صوت دافئ واثق يسألني من أكون ... تلجلجت بالكلام قبل أن أقول :
- لو سمحت أريد أن أحادث الأستاذ سعد عبد الله .
سمعت آهة ارتياح من الطرف الآخر قبل أن يقول :
- أهلاً ... أنا سعد ... من يتحدث ؟
اشتد غيظي وغضبي للثقة العالية في صوته ، وكأنني انسقت إليه ووقعت تحت سحره ... فقلت له بنبرة عالية :
- أنت تعتقد يا أستاذ سعد أن الفتيات متماثلات ... لكن لا أنا لست مثلهن .... أنا بنت ناس تربيت تربية عالية وأخلاقي فوق مستوى الشبهات ، لذلك أرجوك أن تحفظ أدبك معي وأن تلتزم بأدب الحوار ... لقد قبلت كتابك الأول لأنني كنت في حالة نفسية يرثى لها ، وكتبك الأخرى فوجئت بها رغم أن وضحى قد وعدتني أن تهديني إياها ... وذلك الشعر السخيف الذي أرسلته ماذا تقصد به ؟ والله لو وقع في يد أبي لمزقك إلى قطع صغيرة ... ثم الطامة الكبرى تعطيني موعداً على الهاتف ... يا إلهي ... من تظن نفسك ، وماذا تظن بي ؟ إنني لست فتاة عابثة ولا لاهية ... وأنت ماذا أقول عنك ... إنك بلا ضمير بلا إحساس أنت ... ألا تشعر ؟ ماذا لو حاول أحدهم التحرش بوضحى ماذا تفعل بالتأكيد ستقتله ... إذن لماذا تعاملني هكذا لماذا ؟
أجهشت بالبكاء رغماً عني ... جاءني صوته الدافئ كشمس تخترق الغيوم لتظهر ...
- كلا... لا تفهميني خطأ أرجوك... لست عابثاً بدوري ولا أتسلي... لي أخت وأعرف كيف أحترم بنات الناس... لكن هل تسمحين لي بأن أعبر لك عما في داخلي بصراحة تامة...
خفت بكائي شيئاً وأنا أستمع لكلماته... ثم غرقت في الصمت إزاء سؤاله، فلم بماذا أجبته... هل من الصواب أن أرد بلا فأجرح مشاعره بدون أن أعرف ماذا يريد قوله، أو أجيب بنعم فأبدو كالمتواطئة معه الراضية بكل شئ وأي شئ...
تابع قائلاً:
- آسف جداً يا آنسة ولا أعرف كيف أعبر لك عن عمق أسفي لجرح مشاعرك وكرامتك. لكن الحقيقة إن سمحت لي بإبدائها سوف تبين لك كل شئ وبأنني لا أقصد سوءاً من وراء ذلك.
قلت بصوت خافت:
- ماذا تريد أن تقول؟
علت نبرة الشجن في صوته وهو يقول:
- هل تصدقينني عندما أقول لك بأنني صعقت عندما رأيتك للمرة الأولى في بيتنا... لا أقول أحببتك من أول نظرة... كلا... فمشاعري أكبر من ذلك بكثير، كيف أعبر لك... كنت الفتاة التي أريدها إلي جواري طوال حياتي زوجة ورفيقة درب... صديقة وحبيبة... أماً لأطفالي وربة بيتي وأولاً وأخيراً ملهمتي التي لا أستغني عنها أبداً...
قاطعته بخجل:
- أرجوك!
تابع:
- بل أرجوك أنت... لا تظني بي السوء... فأنا لست من شباب المدن اللاهين العابثين... إنني قروي ابن البدو الذي لا يعرف
إلا الصدق والحقيقة وقد أحببتك وأردتك زوجة لي منذ أول لحظة رأيتك فيها...
صمت، وصمت بدوري... كان لصمتنا لغة أقوي من أي لغة في العالم... كنا لا نسمع سوى دقات قلوبنا وأصوات أنفاسنا اللاهبة...
همس:
- أحلام...
نبض قلبي بجنون وأنا أهتف:
- أرجوك... دعني الآن ... مع السلامة.
رد بصوت خافت وكأنما قد استنفد قواه...
- آسف مرة أخرى... مع السلامة...

ألقيت برأسي على الوسادة وجسدي كله يرتجف بعنف... ماذا حدث... وهل هذا ما أردته من مهاتفته... أن يسقيني حبه وعشقه وولهه كما تسقى الزهرة العطشى بالماء... أن يبث في أعماقي سمه الزعاف فلا يبقي ولا يذر... هاتفته لأقرعه وأشتمه وأصرفه عن طريقي بكرامة وكبرياء... فماذا حدث؟ وكيف أخطأت المهاتفة هدفها وأصبحت لقاء غرامياً وبذرة حب تلقى في أرض مهيأة لتنمو وتخضر... ويحي، إنه لم يطلب علاقة غرامية بلا هدف، أو لهواً ينذر بمأساة... بل أحبني وأرادني زوجة له على سنة الله ورسوله، وأنا... ألم شراييني وسار مع الدماء باتجاه القلب ليستوطن كل جزء به... إنني أشعر بصدق كلماته، بتلقائية بوحه، بدفء عباراته وهذا ما دك حصوني واقتحم قلاعي المشيدة، فبت بالعراء معرضة لأية عاصفة أو سحابة عابرة تقصف أجوائي... رباه ماذا دهاني وما الذي غير الدنيا في عيني فبدت أجمل والسماء أشد زرقة والنجوم أكثر لمعاناً؟ ما هذه الفرحة الغريبة الطارئة على عالمي؟ ما هذا الإحساس بالخفة والانتعاش الخدر والذهول وكأنني قد ابتلعت شريطاً كاملاً من الأقراص المهدئة...؟ غابت من ذاكرتي كل المآسي العالية، ودموعي التي ذرفتها لأجلها... لتبقي صورته الوحيدة في تلك الدار العتيقة عالقة بوجه ذاكرتي، تأبي الزوال وكلماته الناعمة تشنف آذاني كمعزوفة موسيقية رائعة أهدتني نوماً هادئاً قلما يتكرر مثله...

صباح السبت فوجئت بصباح تجلس إلى جواري في السيارة التي تقلنا إلى القرية. تبعثرت كلمات العزاء في جوفي، فلم أدر ماذا أقول لها ولا كيف أعبر لها عن ألمي وحزني لمصابها... بادرتني قائلة:
- لقد وجدت رقم هاتف أبي راشد مع إحدى زميلاتنا فهاتفته البارحة ليمر علي اليوم... لقد غبت عن المدرسة بما فيه الكفاية... أليس كذلك يا أحلام؟
ابتلعت ريقي بصعوبة باحثة عن كلمات رقيقة مواسية... لكنها تابعت قائلة:
- أتدرين يا أحلام... أن وفاة خطيبي عادل غريبة... فهل تعتقدين أنها عين شريرة عرقلت موضوع زواجي؟
قبل أن أتفوه بحرف أردفت برنة حزن دخيلة على صوتها:
- كان يجهز شقة الزوجية في ذلك اليوم المشؤوم... تقول أمه إنه كان يرتب غرفة النوم الجديدة ومعه عاملان وفجأة سقط على رأسه المكيف الذي لم يتم تثبيته جيداً... ونقل إلى المستشفي لكنه مات في الطريق. أليس هذا عجيباً؟!
فتحت فاهي لأنطق لكنها قاطعتني قائلة:
- الأعجب والأغرب من هذا ... أن والدته تعتبرني شؤماً ووجه نحس، فلم يمت إلا حينما خطبني! أحلام أليس هذا قدراً مكتوباً... أليس هذا قضاء الله وقدره... ما ذنبي أنا...؟ لقد انتظرت طويلاً طويلاً، وحينما فرحت خنقت فرحتي وقتلت داخلي... أتدرين أن ثوب زفافي الأبيض معلق في دولاب ثيابي أراه ليل نهار يسخر مني... يهزأ بي، يثبت لي أني لن أتزوج مدى الدهر...
ثم بكت صباح... مضت تنشج بصوت مسموع وشهقاتها تكاد تمزق صدرها اليائس... ثم خرج صوتي وأنا أقول:
- صباح... ما هذا ... ألست مؤمنة بالله... ما هذا اليأس والقنوط؟ مات خطيبك لأنه ليس من نصيبك... ونصيبك آت بلا ريب، فما زلت صغيرة وجميلة، كما أنك متعلمة ومئات يرغبون بالزواج منك...
قالت بصوت متهدج بالبكاء:
- إنني يائسة يا أحلام... يائسة وحزينة ومحطمة، ولا أري حولي سوى السواد... لا أمل في ماض ولا مستقبل ولا حاضر... إنني ..

وانهارت في بكاء حاد مرة أخرى لتجتمع عليها زميلات الدرب ما بين مواسية ومعزية... لا أدري لماذا دمعت عيناي أنا أيضاً؟ أكان تجاوباً مع دموع صباح ومشاطرة لأحزانها، أم حزناً آخر بدأ ينبثق من داخل أضلعي وقد دفنته الأحداث الأخيرة لكنها لم تمحه أبداً... خالد وقد ودعنا مثقلاً بالأحزان ومترعاً بالخيبة ومحملاً بالهزيمة عاد إلى ابنه المريض خالي الوفاض إلاً من حقد ومرارة وآلام لا توصف بعد أن ودعه والأمل يحلق به إلى أحلام ورؤى وأطياف رائعة من وهج المستقبل، لكن أباه قد خذله وأعاده بخفي حنين... الدموع عصية في عينيه والقلب تعصف به أحزان أقوى من القدرة على الاحتمال... أحزان الفشل والخيبة وضياع الحلم وفقدان الأمل... أحزان من يكتشف فجأة أن لأسوار العالية من حوله ليست سوى جدران هشة من زجاج تتحطم لأقل حركة فتصيب الشظايا نفوسنا بجروح لا دواء لها ولا شفاء... أحزان الخذلان المرير فيمن كنت تعلق عليه أكبر الآمال... أحزان العودة بأيد خاوية لطفل يموت وأم تنتظر على حافة الانهيار... أحزان الضعف والضآلة لقلة الحيلة وانعدام الرجاء...

لكن الأمل في الله كير، وقد بعثت إلية كل مدخراتي القليلة مع ما تملكة شقيقتي بدرية وما تبرع به صالح، مع اعتقادي بأنها غير كافية لكننا نطمح بالمشاركة بكل ما استطعنا لعل وعسى أن يقدر الله أمراً ويشفى هذا الصغير من أجل أبويه...

همست لي إحدى الزميلات:
- إن صباح منهارة تماماً... المفروض أن تحصل على إجازة حتى تنسي أو تسلو أو حتى تعود لحالتها الطبيعية..
التفت لأجد صباح تهتف غير مبالية بصوتها العالي الذي يصل إلى السائق أ[ي راشد:
- شئ غريب... بالتأكيد هي عين وأصابتني... مات... مات فجأة... وأنا .. لن أتزوج أبداً أبداً... وثوب العرس.. وجهازي الذي ابتعته من أفخم الأسواق...

تعاونا على إنزالها من السيارة إلى المدرسة وأجلسناها في حجرة المعلمات مع إحدى الزميلات، ثم جلسنا مع المديرة نتباحث في شأنها ، فقررت المديرة تحويلها للوحدة الصحية لتتمكن م الحصول على إجازة رسمية ترتاح فيها وتعود كما كانت، صباح المرحة المازحة المتفائلة دائما...

بعد أن اطمأنت على صباح ذهبت لإعطاء الطالبات درساً، وما إن كتبت عنوان الدرس حتى صرخت إحدى الطالبات:
- أبله... اليوم هو اختبار مادة القواعد...

ابتسمت وأنا أمسح ما كتبت على السبورة لأبدلها بكلمة اختبار... وقع نظري على وضحى وأنا أكتب أسئلة الاختبار للطالبات، اندفع الدم إلى وجهي وارتجفت أطرافي، تذكرت ذلك القابع في أعماقي... بل إنني ما نسيته لحظة واحدة، كلماته الدافئة لا تزال ترن بأذني، عاطفته الصادقة أيقظت حنيني الغافي، حبه الصريح فجر ينابيع مشاعري فتدفقت كسيل جارف لا يحده شئ... رباه إنني أحبه... أحبه بكل ما في هذه الكلمة من معنى... أحبه بصورته الرقيقة بصوته الواثق الحنون... بكلماته المعبرة الشجية وحتى بخطه الدقيق الأنيق... أحبه كما لم أحب بشراً في حياتي... وأحببت لأجله قريته النائية ومدرستي العتيقة، وبيتهم الطيني القديم، و سكان القرية، أيضاً طريقي اليومي إلى المدرسة... سبحان الله كم كنت أمقت هذا الطريق الوعر وأشعر بالخوف والوحشة حينما أصحو صباحاً، ثم أشعر بضيق في الصدر وغثيان شديد حينما أنضم لزميلاتي في السيارة وأمضي بقية الطريق في قلق لا يسرقني منه النوم كزميلاتي حتى عودتي إلى بيتنا مرة أخرى... لقد تبدلت الأحوال في لمح البصر فأصبحت أصحو دون منبه بنشاط وحيوية وبهجة وأركب السيارة مع زميلاتي بفرحة زاعقة كفرحة الطفل بنزهة في مدينة الملاهي وأغيب في نشوة الطريق حتى نصل للقرية الحلم فيدق قلبي بجنون، وأرقب الطرقات البسيطة لعله يكون في أحدها سائراً... أتابع بعيني المارة لعله يكون بينهم... أحدق في وجه شقيقته أمامي بحثاً عن ملامح حبيبة غائبة أو بالجوار... قالت وضحى باسمة:
- لقد انتهيت يا أبله من حل الاختبار...

أخذت منها لورقة لتنهال عليّ بقية الأوراق من باقي الطالبات . في نهاية اليوم وقبل أن تبدأ رحلة المغادرة اقتربت وضحى منني لتبلغني سلام والدتها وتعطيني وعاء صغيراً من السمن البلدي الذي تبرعت والدتها في صنعه...

في السيارة قلبت الوعاء في يدي لأفاجأ برسالة ملتصقة أسفل الوعاء... كانت أول رسالة حب أتلقاها في حياتي...


انتهى الجزء آلحآدي عشر


~


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 17
قديم(ـة) 30-12-2010, 04:34 PM
صورة بنـ آلسلطنہ ــوتہ الرمزية
بنـ آلسلطنہ ــوتہ بنـ آلسلطنہ ــوتہ غير متصل
©؛°¨غرامي فضي¨°؛©
 
رد: رواية أنثى العنكبوت / للكاتبة قماشة العليان


الجزء الثانى عشر



أول مرة في حياتي أركب طائرة... أشعر بأنني أحلق بين السماء والأرض بلا ثوابت أو رواس، أتعمق داخل السحب وتبتعد عني الأرض شيئاً فشيئاً حتى تغيب عن ناظري، فلا أرى سوى سماء زرقاء من مختلف الجهات وقطع ضخمة من السحب، ترى ه لمعنى هذا أنني قريبة من الله... أيكون دعائي وأنا على الأرض... إذن فلأدع وأتوسل إلى ربي أن يشفيني عبد الرحمن ابن أخي خالد ويزيح هذه الغمة من صدره... سألني شقيقي صالح الراكب بجواري في الطائرة وكأنه يقرأ أفكاري:
- هل تعتقدين أن عبد الرحمن سيشفى؟
تنهدت بقوة وأنا ألملم أطراف عباءتي السوداء...
- أرجو ذلك... فلندع الله يا صالح أن يشفيه والله لا يخيب رجاء عبد إذا دعاء.
بسمل صالح وتمتم بمناجاة طويلة لم أسمعها ثم غرق كل منا في أفكاره....


تداعت ذكرياتي القريبة حينما هاتفني خالد قبل ليال. سألته بلهفة إذا قد استطاع تدبير السفر إلى الخارج لأجراء الجراحة لابنه عبد الرحمن... أجابني بصوت يخيم عليه اليأس والقنوط:
- أحلام أنا بحاجة إليك، بل في أمس الحاجة لوجودك إلى جوراي، فبعد الرحمن في حالة صحية حرجة جداً ولم أتمكن من تدبير المبلغ اللازم للسفر.. زوجتي أيضاً مريضة وترقد الآن في المستشفي، فهي حامل بالشهر الثامن كما تعلمين، لكنها تعاني من نزيف حاد وهبوط في الضغط وحالتها حرجة أيضاً فهي تعلم حال جيداً وتعلم أنه يموت...
صرخت هلعاً:
- لا يا خالد... لا تقل هذا... إن عبد الرحمن سيعيش عمراً مديداً بفضل الله ورحمته فلا تتشاءم يا أخي رجاء...
أجابني بهدوء:
- إنك رقيقة يا أحلام، وتحاولين تجميل الحقائق، لكننا نعلم جيداً أنه لا أمل... أحلام هل تستطيعين أن تحضري إلى تبوك وتمكثي لفترة بسيطة حتى تتحسن الأحوال أو يأخذ الله أمانته..؟
امتلأ قلبي بالأحزان فلم أعرف بماذا أجيب... أردف خالد قائلاً:
- أعرف أن أبي سيعارض مجيئك لكن هل ستحاولين...؟ لا أحد إلى جوارنا هنا، فزوجتي ليس لها شقيقات، وأمها متوفاة كأمي ولا صداقات قوية تتيح لنا أن نثقل على الآخرين...إنني وحدي في البيت مع الأطفال وإجازتي التي أخذتها من مدير المدرسة قاربت على الانتهاء وأنا مضطر أن أعود خلال أسبوع...
حاولت إخفاء نبرة الحزن من صوتي وأنا أقول:
- عموماً الإجارة الصيفية على الأبواب... أسبوعان على الأكثر وتبدأ الإجازة... خالد أعدك بأنني سأحاول مع أبى ولن يرفض مساعدة إنسانية كهذه...
أحسست به يبتسم في سخرية على الطرف الآخر لكنني تابعت:
- لن أتأخر يا خالد في مساعدة بسيطة، سأحاول بكل جهودي...
قامت زوبعة في البيت ليس لها أول ولا آخر منذ أخبرت أبي بطلب أخي خالد... انتفخت أوداجه وبرزت رقبته نافرة جلية وهو يصرخ:
- أنت فتاة... ألا تعلمين ما معني فتاة... يعني أي شئ يخدشك ويقضي على سمعتك وسمعة أهلك...
- لكنني يا أبي سأذهب عند أخي وليس عند أحد غريب...
- ولو .. أي مكان تغادرين فيه بيت أهلك هو خطر عليك وأي خطر... لن تخرجي من هذا البيت إلا لبيت زوجك، وليتصرف خالد كما كان يتصرف دائما بدوننا... ألم يشعر بالحاجة إلينا سوى الآن... الآن فقط...
- إننا أهله يا أبي... لمن يلجأ إذا لم يلجأ الابن إلى أهله... فالظفر لا يخرج من اللحم...
- إنسي هذا الموضوع واغربي عن وجهي وإلا حرمتك من التدريس...


انكفأت أبكي بحرارة وأنا أتصور خالد يواجه الدنيا بمفرده، بلا أب ولا أم ولا أخوة وكأنه يتيم لا حول له ولا قوة... أتق الله يا أبي وقف إلى جوار ابنك ولو مرة واحدة في حياتك ليذكروها لك بعد الممات...


لقد رفضت مساعدته وهو في أحلك الأوقات وأتعس الظروف وقبضت يدك عنه وأدرت ظهرك له... لا تقض عليه يا أبي بهذه الضربة القاصمة بأن تمنع أخوته من مساعدته، فلن يضيرك في شئ أن سافرت له ووقفت إلى جواره في مأساته المزدوجة باسمك وتحت رعايتك... وتأكد أنني شريفة طاهرة سأحفظك في أي مكان أحل فيه فوق أي أرض وتحت أي سماء فلا تخذلني يا أبي..


عجزت عن النطق بحرف مما يدور في أعماقي ومضيت أنهنه في بكاء خافت يحمل عجزي وضعفي ويأسي... حتى تدخلت زوجة أبي... سمعتها تناقشه وتقنعه ثم تقترح أن يرافقني أخي صالح في غدوي ورواحي... علا صوته في البداية حتى ملأ فضاء الحجرة من حولي ثم تضاءل شيئا فشيئاً حتى خفت، فترقبت قدومه ليعلن لي موافقته المشروطة... إنها ليست المرة الأولى التي تتدخل فيها زوجة أبي لصالحي، فقد تدخلت مرات كثيرة أذكر منها حين رفض أبي تعييني في مدرسة بعيدة عن مدينتنا، فأقنعته حتى وافق... وقتها أيقنت بأن الأب لا يحب أولاده إلا إذا كان يحب والدتهم، وربما بل بالتأكيد أبي يحب زوجته...


جاءني بعد لحظات قائلاً:
- استعدي للسفر قريباً... لكن مع أخيك صالح ولمدة قصيرة فقط... أفهمت؟


مرت أيام قبل أن يستأذن صالح من عمله وأستأذن من مديرتي في إجازة اضطرارية قصيرة ثم نحلق في الطائرة...


سمعت صوت الميكرفون يعلن وصول الرحلة إلى تبوك... نزلنا مع أفواج المسافرين وأنا أقبض يد شقيقي بقوة شديدة وكأنه سيهرب مني...
لفحتني الأجواء الحارة بمجرد خروجي من جو الطائرة المكيف... إن الأجواء متشابهة في بلادي، لكن إحساس المرء قوي بما هو غريب عنه أكثر من القريب...


رأينا خالد في المطار... غصة ألم في حلقي شعرتها حينما اقترب منا، لقد نحل عوده وشحب وجهه وذبلت عيناه، بيد أن الألم الأكبر أحسست به حينما رأيت طفله عبد الرحمن في المستشفي... لم أشعر إلا بدموعي تجري حارة على خدي، لقد هالني مرآه لدرجة كبيرة... فقد كان كومة عظام ملقاة على سرير، لم يبق فيه سوى عينين سوداوين كبيرتين... خالد كان على حق... إن عبد الرحمن يموت لكن ببشاعة وبطء...


استقبلتني زوجة أخي خالد بنواح أفزعني رغم أنني توقعته... هي الأخرى ترقد على سرير المرض هزيلة ناحلة إلا من حزن كبير تشي به عيناها... رباه ألهذا الحد تنهار الأسرة وتتحطم... رباه إنني ابتهل إليك أن تشفي عبد الرحمن لتعود أسرة أخي كما كانت وتعود الابتسامة إليهم من جديد... لكن أحقاً كنت أمل؟ أكان لدي رجاء بأن تحدث معجزة في هذا الحطام البشري؟ لكنه يحيي العظام وهي رميم وهو قادر على كل شئ سبحانه... الوحيد الذي كان لاهيا مبتسما غير عابئ بشي هو ريان.... إنه لا يدري بالمأساة المروعة التي تحيط بالأسرة... لا يدري شيئا عن نعيق البوم وعن طيور الموت القادمة لتخطف شقيقة. أحسست بألم شديد يعصف بكياني... لماذا بخلت عليه يا أبي بحفنة من النقود لينقذ حياة ابنه أو حتى ليلقيها في البحر أو ليحرقها إن شاء، فمهما يكن من أمر تكون قد فعلت ما يجب على أي أب أن يفعله وضميره مرتاح... لكن ما فعلته يا أبي يخالف كل الشرائع والقوانين وسنن الحياة وضمائر البشر... لقد قتلت ابنك مرتين... مرة برفضك مساعدته والمرة الأخرى بتنكرك لإحساس الأبوة داخلك وكأنه ليس ابنك ولست أباه...


حادثت شقيقتي بدرية عبر الهاتف وأنا أبكي... وما لا تعبر عنه الكلمات ولا تفي به العبارات أحسست به بدرية بأعماقها تدعمه قوة الترابط بيننا. همست لي بأن أتماسك ولا أنهار أمام خالد حتى لا يفقد هو الآخر رباطة جأشه، أوصتني أن أدعمه بالأمل رغم غيابه وأبدد طائر الموت بالوهم والرجاء وأن أعين زوجته المحطمة على تقبل أعباء الحياة... ويحك يا بدرية إن ما تطلبينه منى هو المستحيل بعينه، كيف أبدو رزينة هادئة أمام براءة يغتالها وحش كاسر، أبوه يتمزق لوعة وأمه تتلوى حسرة وألماً... كيف أري الحياة وهي تسلب منه رويداً رويداً ولا أصرخ... أبكي... وانتحب بجنون... أعذريني يا أختاه فالموقف أكبر مني والوضع لا طاقة لي بالتجمل أمامه... لقد نسيت نفسي وقريتي وحبي الوليد... ضاعت قيمة الأشياء وازدادت تفاهتها أمام رهبة الموت القادم...


تحاملت على نفسي ومضيت أرفع من معنويات أخي وزوجته... فوجدت بي زوجته متنفساً لحزنها المكبوت، وعذابها الصارخ ودموعها الحبيسة، فبدأت شيئا فشيئا تتخفف من همومها وتتماثل للشفاء حتى استطاعت العودة إلى البيت على قدميها والصغير لم نملك إزاءه إلا الدموع وآيات من القرآن الكريم أتلوها عليه بصمت شفيف وعينين دامعتين...


حينما تخف وطأة المرض قليلا ينظر لي بعينيه الواسعتين ثم يبتسم بوداعة قائلا بصوت خافت:
- أريد أن ألعب بالكرة...
شئ ما يجثم على صدري.... خالد يختنق بالدمع فلا يجيب فأقول له ببشاشة:
- ستلعب بالكرة إن شاء الله قريباً....
- وريان...؟
- ريان سيلعب معك لكنك ستفوز عليه...
- لكنني متعب ورأسي يؤلمني...
- ستشفى إن شاء الله ولن يعود رأسك يؤلمك...
ثم أدير رأسي إلى الحائط وأبكي... أبكي بصمت وحسرة تجاوبني عيون أخوي خالد وصالح... يهتف خالد بمرارة وهو يضرب الحائط بقبضة يده:
- أشعر بالعجز الشديد... لماذا لم يساعدني أبي وهو يملك الأموال الطائلة... ما نفع أمواله إذا لم تسعد أولاده في حياتهم... تبا لها من أموال...
أتبادل وصالح نظرات صامته حائرة... يتابع بأسي:
- كان هناك أمل كبير بالشفاء بعد العملية الجراحية أخبرني الأطباء أن نسبة الشفاء عالية تصل إلى 90% لكن ماذا أفعل؟ لقد فعلت كل ما في وسعي ولم أستطع استكمال بقية المبلغ... إلهي إنني عاجز... عاجز...
وجلس على أرضية المستشفي الباردة يبكي بمرارة.


حادثنا أبي بضرورة العودة إلى الرياض، قال بأن الحاجة انتفت لوجودي، فقد خرجت زوجة خالد من المستشفي ولم يعد هناك مبرر لبقائي...


ودعتهم وأنا أتجلد وأقاوم كيلا أسفح الدموع كلأنهار... ثم مررنا بالصغيرة في المستشفي... كان يعيش نوبة قاسية من ارتفاع الحرارة الشديد وجسده يتفصد من العرق...


قبلته على جبينه قبلة انحدرت على أثرها الدموع لتبلل وجهه الحبيب وعينيه وفمه الصغير... انتزعني صالح من بين أحضان الطفل وهمس لي بأن أتجلد من أجل خالد الذي ينتظرنا بالخارج...
ودعنا خالد وقد بدا مذهولا ضائعا...


وفي الطائرة بكيت كثيرا لدرجة أنني لم أر الناس من حولي ولا المضيفات ولا أدري أين أجلس وبجوار من؟!


بعد وصولنا البيت بفترة قصيرة، رن جرس الهاتف... لا أدري لماذا شعرت بانقباض النفس... تناولت سماعة الهاتف وأنا أقاوم غثياني.... جاءني صوته.... خالد.... وكأنه قادم من عالم آخر... تماسكت بصعوبة كيلا أتهاوى سألته ونذير الشؤم يقترب أمام عيني....
- كيف حال عبد الرحمن؟
بصوت معدني بارد أجاب:
- لقد أنجبت طفلا...
قبل أن أبارك له، أردف قائلا بنبرات الصوت البارد القاتل:
- وأسميناه عبد الرحمن...
شهقت برعب وأنا أهتف...
- هل تعني ... تعني... أن...؟
- لقد مات عبد الرحمن منذ نصف ساعة فقط...
صرخت بلوعة وأنا أسقط في عالم من فراغ...


انتهى الجزء آلثآني عشر

~


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 18
قديم(ـة) 31-12-2010, 01:47 PM
صورة بنـ آلسلطنہ ــوتہ الرمزية
بنـ آلسلطنہ ــوتہ بنـ آلسلطنہ ــوتہ غير متصل
©؛°¨غرامي فضي¨°؛©
 
رد: رواية أنثى العنكبوت / للكاتبة قماشة العليان


الجزء الثالث عشر



إلى أحلام
عيناك عيناك... ماذا أقول؟ فجر يضئ سمائي وبدء أفول...
عشقتك دهراً... أريد الحلول... حصوني دكت ليلي نهار وجبالي سهول...
أحلام...
أعذريني فلن تلجمي لسان محب فصيح عن التعبير... اعذريني إن أحرجتك أو جرحتك أو آلمتك بأية كلمة أو حركة أو عبارة... لكن المشاعر تمور في صدري، فلا أجد لها متنفساً سواك... أتدرين أنني أقف صباحا أراقبك حين قدومك إلى المدرسة وما إن أطمئن عليك حتى أعود راضيا إلى مدرستي... أتحسبين أنني لا أعرفك وأميزك من بين ألف فتاة أخرى... أنت مخطئة، فقلبي يدلني عليك أينما كنت وحيثما حللت...
أحلام... أشعر بأن حبي لك نادر الوجود، ليس مثل أي حب في هذا العالم...
إنه حب متفرد يسري مع الدماء ليأخذ بمجامع قلبي وعقلي وكياني... وهذا الحب نهايته الطبيعة هي الزواج فهل توافقين؟ هل تحلمين بي كما أحلم بك ليل نهار؟ هل تحبينني كحبي الأهوج لك؟ هل أنا فتى أحلامك مثلما أنت فتاة أحلامي... أنتظر ردك لأحضر على جناح السرعة خاطباً وأخطفك على الحصان الأبيض...
متى ستعرف كم أهواك يا أملا أبيع من أجلك الدنيا وما فيها لو تطلب في عينيك أسكبه أو تطلب الشمس في كفيك أرميها


أسير هواك
سعد
الرياض 9 مساء ت: 4776234 كل أربعاء


إلى أحلام ...
لا أدري لماذا أسطر لك هذه الكلمات... أهي رغبة في البوح أم هو احتياج للمشاركة، أم هي أخوة وصداقة لا أكثر... وأياً كان السبب فإنني أتألم... أتألم بكل ما في هذه الكلمة من معنى... في صحوي ومنامي، غدوي ورواحي، تطاردني عينان سوداوان لجسد ناحل أصفر... يغلبني إحساس المهانة والضعف بأنه كان في مقدوري عمل شئ ما لإنقاذ ولم أفعله... كان بإمكاني أن أبيع كليتي، أعضائي كلها واحداً واحداً.... نفسي حتى... لأنقذه من المصير المحتوم... كان يجب أن أفعل شيئا، أسرق أقتل ولا أتخلى عنه بهوان كما تخلى عني والدي... ما الفرق يا أحلام بيني وبين أبي... أحدنا باع ابنه من أجل حفنة نقود، والآخر باع ابنه لأنه ضعيف... كلانا أنذال جبناء... كلانا لا يستحق سوى الازدراء والمقت... لكن ماذا أفعل أكثر من ذلك... لقد ازدريت نفسي ومقتها وقتلتها حزنا وندما... ماذا أكثر؟
أتعرفين أنني أتحاشي النظر إلى عبد الرحمن الجديد... عبد الرحمن الصغير أشعر بأنه قد سلب أخاه روحه كما سلبه اسمه وسيسلبه حب أمه وأبيه وعطف شقيقه ريان، ومن ثم الاهتمام والرعاية ثم نسيان الراحل شيئا فشيئا حتى يهال على ذكراه التراب كما أهلناه على جسده ذات يوم...
أحلام ... سامحيني، إنها تداعيات أب ملكوم ونفثة من غليان تكاد تفجر صدري.


أخوك
خالد... أبو عبد الرحمن



خطابان قرأتهما في اليوم ذاته، الأول أقرأه للمرة الثالثة على التوالى، وتنتابني الأحاسيس نفسها و المشاعر الفياضة ذاتها.... إحساس غريب بأنني أحلق فوق السحب خفيفة منتشية أشعر بأنني مختلفة عن بقية البشر متفردة بذاتي، لي كينونتي الخاصة وأحلامي التي ليست كأحلام... إنني أحبه بالفعل وهو أول حب يتفتح عليه قلبي ويزهر، أحببت كل شئ فيه، شخصيته العبقرية التي تشفها كتبه بنبوغه، تميزه، وسامته وصوته أهفو إليها بك لكياني... صورة بيت الزوجية المقبل المملوء حبا ودفئا وحيوية وزوجا يأسرني بعاطفته وحنانه الدافئ وعينيه الآسرتين وأطفال كأزهار صغيرة يانعة...


تري هل يوافق أبي على زواجي من سعد؟ أم يحطم أحلامي كما فعل مع أشقائي من قبل... لكن سعد رجل لا يرفض أبداً... شاب متعلم مثقف طموح من عائلة مرموقة محترمة، فبأي مبرر يرفضه ويقضى على مستقبلي... كلا إنه لا يستطيع ولو حاول، فسعد لي وأنا له... ارتبطنا بخيوط لا مرئية تشابكت فيها أحلامي مع أحلامه، طموحي وطموحه، ورسمنا مستقبلا باسما نرغب في تحقيقه. لا يهم أن انتقل هو إلى مدينتي أو انتقلت إلى قريته البعيدة أو أقمنا خيمة في الصحراء هي عش الحب المأمول، ما يهمني أن نكون معا يدا بيد في أي مكان وزمان يجمعنا الحب والود ويدفعنا الطموح لتحقيق كل ما يمكن تحقيقه. سأهاتفه في موعده المرتقب ولن أخيب رجاءه لا لأبثه لواعج حبي بل لأطلب منه كفتاة محترمة تقدر وضعها جيدا وتحافظ على سمعتها أن يلج البيوت من أبوابها ولن يخيب رجاؤه أبدا بإذن الله...


بيد أن خطاب أخي خالد أحبطني ونشر في داخلي مشاعر الأسى والإحباط فتذكرت الصغير الراحل بعينيه السوداوين المتسائلتين وقبلتي الأخيرة التي اختطلت بالدموع على جبينه الملتهب... رجفة شديدة تسري في كياني وأنا أتصور ذلك الجسد الصغير تحت الثري.... هل كانت نقود أبي ستساعده وتمنع شبح الموت عنه... إنه مقدر ومكتوب ولا مفر منه لكن أبي بقسوة قلبه لم يدرك فائدة الأمل وبث الرجاء في نفوس من حوله وكسب أولاده إلى صفه بجزء تافه لا يذكر من النقود بالنسبة لثروة أبي الكبيرة... لكنه- سامحه الله- يتفنن في أبعاد أولاده وقتلهم واحدا بعد الآخر حتى صغاره من زوجته الثانية لم يشملهم بعطفه وحنانه سوي فيما ندر، وكأنه يخشي أن تضيع هيبته حينما يلاعبهم أو يضمهم إلى صدره... أخي خالد تجلد فأنت تعاني مرارة الخذلان أكثر منها مرارة الفقد... الإحساس البشع المريع بأنه لا حائط تتكئ عليه وأن ذلك الجبل الصامد في حقيقته ليس إلا بئراً جافة هاوية، فخاً أكثر منها نقطة حماية... لست الوحيد يا خالد الذي عاني خذلان أبي له فواقع أخوتك يشهد على ذلك... لا تيأس يا أخي الحبيب، فعزاؤك أننا دائما معك بقلوبنا وأرواحنا وكل ما نملك، وأحمد الله أنه عوضك بسرعة عن عبد الرحمن بعبد الرحمن آخر، وما أراده الله هو الخير دائماً، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم... قبّل عبد الرحمن بالنيابة عني وابعث لي صورة له وهو يبتسم... لا تيأس أخي فالدنيا قادمة.


بعثت له الرسالة ليجاوبني بعد أيام قليلة بصورة للصغير الذي كان لدهشتي صورة طبق الأصل من أخيه الراحل بعينيه الواسعتين وشعره الأسود الحريري، وحتى ابتسامته الرائعة، وقد كتب خلف الصورة إلى عمتي الحلوة... شكراً. فرحت بتخفف أخي من أحزانه رغم المرارات العالقة بوجدانه وانتظرت الساعة التاسعة من يوم الأربعاء بفارغ الصبر لأسمع الصوت الذي لا يفارقني دفئه، وقد استعددت استعداداً حقيقياً، كأنني سألتقي معه وليس مع صوته فقط، فارتديت ثوباً أبيض ناصعاً بلا أكمام وأطلقت شعري من أسره وقيوده، فتهادى على ظهري بفوضاوية محببة معلنا الفرح باستقبال حبيب العمر وزوج المستقبل. ما إن خرج أبي من البيت حتى اختطفت الهاتف وقلبي يدق في خوف... ثم أدخلته حجرتي وأغلقت الباب بالمفتاح...


انتظرت لحظات ليتوقف قلبي عن الخفقان ثم أدرت قرص الهاتف وشوقي يسبق الأرقام...
جاءني صوته مضخماً باللهفة:
- أحلام... أخيراً... لقد انتظرتك دهراً...
أغمضت عيني وكأنني أختزن صوته الرائع في ذاكرتي قبل أن أجيب:
- لقد انتظرت أبي حتى يخرج... رغم أنني أعرف أن ما أفعله هو الخطأ بعينه لكنني لا أدري لماذا أفعله... إنني لم أحادث رجلاً في حياتي، ولا أتصور تلك العلاقات القائمة بين الفتيات والشبان، فإنها في عرفي محرمة وممنوعة ومستحيلة أيضا...
- أحلام... أنت تعرفين جيداً بأنني لا ألهو ولا أعبث... إنني أحببتك لأتزوجك ... لا لأي غرض آخر... وقد أخبرت أمي بذلك ولا تتصوري مقدار سعادتها وفرحها، فقد أثنت عليك كثيراً وقالت إنني لن أجد أفضل منك جمالً وأخلاقاً وتديناً. حتى وضحى... إنها تحبك كثيراً يا أحلام... كلنا نحبك يا أحلام...
ضحكت على الرغم مني... وأنا أقول:
- نسيت أن أبارك لك نجاحها... ماذا تفعل وضحى بالعطلة الصيفية؟
خيّل لي أنه ابتسم قبل أن يقول:
- لا شئ... تقرأ أحياناً... تجتمع مع بنات الجيران أحياناً أخرى... ونادرا جدا آخذها معي الرياض وأمي بالطبع، كما أنا الآن ربما لا تدرين أنني أحادثك من بيتنا في الرياض، فنحن نملك عمارة كبيرة تتكون من 12 شقة...
أعطاني أبي هذا السكن لأتزوج فيه فيما بعد، لأنني أنوي جادا الاستقرار في الرياض.
ثم أردف قائلا:
- متى تريدين أن أتقدم لوالدك يا أحلام؟
تلعثمت وتلجلجت قبل أن أهتف:
- كلا... ليس الآن.. وقت آخر...
صاح بحزن:
- أحلام ... أشعر بأنك غير راغبة في الزواج مني... تحاولين التأجيل أو المماطلة... لماذا؟ هل هناك آخر؟
شهقت بفزع:
- أبدا أبدا... مستحيل... لا يوجد سواك في حياتي.. لكن...
ومر طيف عبد الرحمن الصغير بخيالي كما رأيته آخر مرة بعينيه السوداوين ووجهه الشاحب المودع... فتابعت بأسي:
- إننا نمر حالياً بظروف سيئة... لقد توفي ابن أخي منذ أيام وهو في حالة يرثى لها...
- أنا آسف... لم أكن أعلم... عموماً أحببت إبلاغك بأن هناك قصيدة ستنشر لي في جريدة الرياض... ربما بعد غد... أرجوك أقرأيها ، فهي موجهة إليك بالدرجة الأولى...
- حسنا أعدك بقراءتها.. وداعاً فأبي على وشك الحضور...
- إذن سأنتظر كل أربعاء في الموعد نفسه... ألن تعطيني رقم هاتفك؟
- بلى في المرة القادمة... وداعاً...


أعدت الهاتف إلى مكانه وحمدت الله أن أحدا لم يلحظ غيابي... ثم عدت إلى فراشي هائمة في عالم آخر لا يمت لعالمي بصلة... لقد أصبح هذا الرجل جزءاً لا يتجزأ من حياتي، بل أضاف معنى بريقاً لوجودي، فقبل أن أعرفه كانت حياتي عادية باهتة تكر كما حبات سبحة عتيقة... أو كالماء النقي بلا لون ولا رائحة ولا طعم... وبمجيئه تغيرت الأشياء وارتدت لون البهجة والفرح، تبدل الماء الصافي إلى ألوان وألوان وسلب شتى النكهات والروائح... غدوت أدرك معنى الحياة وسر السعادة والبهجة... إن الاهتمام بشخص ما معناه أن أدور في فلكه كقمر تحركه الأرض بجاذبية لا تقاوم وأستمد السعادة من وجوده وعطائه... سبحان الله... كانت حياتي السابقة كئيبة جافة بلا روح فأشرقت الأنوار بوجوده وبت أجد السعادة في أشياء صغيرة لم ألتفت إليها سابقاً حتى ابتسامة طفل من أخوتي تمدني بعاطفة حسبتني لا أملكها... لماذا صددته حينما عرض التقدم لخطبتي... أهو حقا من أجل أخي أخي خالد أم خوفا من أن يصده أبي وتوارى أحلامي الثرى... أردت أن أعطي نفسي مجالا أكبر للأمل.. فسحة أكبر للرجاء... أحلاماً أطول وأطول... ترى ماذا يكون موقفي لو رفضه أبي؟ هل سأقف في وجهه رافضة ساخطة معارضة أم سأنكس رأسي باستسلام مرير وأنسي كل شئ...؟ وهل أستطيع أن أنسي...؟ وهل مثل سعد ينسى....؟ إن أبي لن يرحم ضعفي ودموعي... لن يأبه لألمي وانكساري... لن يثنيه رجائي واسترحامي... إنه أبداً سادر في غيه ماض في حكمه دون النظر لأي اعتبارات أخرى حتى لو كان من يتكسر تحت قدميه هي قلوب أبنائه وليست أوراقا خريفية صفراء...


قلبي يؤلمني وأشعر بضغط شديد على صدري حتى أنني لا أقوى على التنفس حينما أتخيل أبي وهو يجهض حلمي الوحيد... أشعر أنني في حاجة لإنسان ما ... إنسان قريب حبيب أفضي إليه بما يقض مضجعي دون عقد ودون حياء.... فوجئت بنفسي أسرع لأجلب الهاتف... وفي لحظات أدرت رقم هاتف شقيقتي بدرية...
- أهلاً يا أحلام... هل أنت متعبة؟
- لا ... لا شئ...
- هل يؤلمك موت عبد الرحمن؟
- كثيرا.... كثيرا جداً....
وأجهشت بالبكاء... سمعت صوتها على الطرف الآخر رقيقاً مواسياً لا يحتمل آلاما أكثر... يكفيها ما تعانيه...
- شكراً يا بدرية... لقد ارتحت الآن...
- هل هناك شئ آخر يزعجك؟
- إنه مغص لا يلبث أن يزول....
أغلقت سماعة الهاتف ودموعي عالقة بالسماعة....


انتهى الجزء آلثآلث عشر

~


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 19
قديم(ـة) 31-12-2010, 01:52 PM
صورة بنـ آلسلطنہ ــوتہ الرمزية
بنـ آلسلطنہ ــوتہ بنـ آلسلطنہ ــوتہ غير متصل
©؛°¨غرامي فضي¨°؛©
 
رد: رواية أنثى العنكبوت / للكاتبة قماشة العليان


الجزء الرابع عشر




مرض أبي... نعم سقط الجبل الشامخ الصامد في نوبة حمى طويلة.... أحالته سهلا منخفضا منبسطا بلا ارتفاعات أو التواءات... سقط بلا حول ولا قوة كرضيع ما زال يتلمس خطواته الأولى عبر الآخرين...

ما زلت أذكر ذلك اليوم الذي دخل فيه أبي البيت مرتبكاً مهزوزاً على غير العادة، سألته زوجته إذا كان يريد الغداء فوراً لكنه أبلغها بأنه متعب ورف كل شئ ودخل لينام، لتصرخ أم بدر بعد ساعات: أسرعي.. أسرعي يا أحلام إن أباك لا يفيق ولا يتحرك ولا يتكلم...

تجمدت في مكاني لحظات لأستوعب المفاجأة، ثم أسرعت ركضاً لجهاز الهاتف أطلب شقيقي صالح ليحضر طبيباً على وجه السرعة...

عايشنا قلقاً رهيباً واحتمالات مخيفة وتوجسات وأوهاماً حتى طلب الطبيب نقله فورا إلى المستشفى وطمأننا أنها حالة عارضة وستزول خلال أيام.

انتقلنا جميعاً إلى المستشفي ليرقد أبي على السرير الأبيض لمدة يومين عاد بعدها إلى البيت ناجيا من ذبحة صدرية كادت تخسره حياته، فقد اكتشف الأطباء أنه يعاني من ضيق في الشرايين التاجية يلزمه علاج دوائي طويل الأمد وراحة نفسية وجسدية...

وقفت بمحاذاة فراش أبي أغالب دموعي... فقد كان ضعيفاً... في منتهى الضعف والخوار... لم أره إلا قاسياً مستبداً يبطش بلا رحمة ويقبض عطفه حتى عن أقرب المقربين إليه... يغتال الدمعة ويجهض الفرحة.. أبي ليس أبي...

فقد تحول إلى إنسان آخر لا يمت لأبي بصلة... أبي الجديد إنسان كسير مهزوم لا يملك سوى دموع شفافة تترقرق بها عيناه كل حين... أثارتني المفارقة واستدرت عطفي ودموعي، فوقفت إزاءه مواسية... قال بصوت خافت متهافت:
- أحلام.. هل تهاتفين سعاد؟؟

فغرت فاهي دهشة... سعاد... يا إلهي ما الذي جعلها تخطر في باله بعد كل هذه السنوات الطويلة؟ سعاد المتهورة المندفعة التي تتحدث بلا تفكير وتعمل بلا عقل يحركها الجنون والطيش، سعاد الجميلة الجريئة ذات الابتسامة المميزة واشعر الأسود الغجري، سعاد التي أخرجتها يا أبي من مدرستها، ودفعت بها في زواج غير متكافئ من أجل خلافات تافهة مع زوجتك على كل شئ، أتذكر سعاد يا أبي بشقاوتها وعنادها وحركتها السريعة التي لا تهدأ، وكأنها تريد إنجاز كل شئ في وقت واحد، فيضيع الوقت ولا تنجز شيئاً أبدا، سعاد يا أبي فتاتك المميزة بكل شئ فيها، حتى جنونها المستعر وحرائقها الدائمة... لقد بكت طويلاً يا أبي ليلة أحضرت فيها زوجتك الجديدة إلى بيتنا.. بكت حتى تقرح جفناها من كثرة البكاء، ثم قالت كلمتها التي لم تحد عنها أبدا" لن أدع هذه المرأة تأخذ مكان امي في البيت بسهولة... لن أدعها ترتاح... إما هي في البيت وإما أنا". بالتأكيد كانت هي، وليست سعاد... هي بريئة يا أبي رغم شراستها، طيبة رغم جنونها، لم تكن تدري لسذاجتها أنك قد دفنتنا وقتما واريت أمي التراب، فمتنا معها في نظرك لتبدأ حياة جديدة وأولاداً جدداً... لم تكن تدري أنك لم تحب سوى نفسك، وأنك لا تتورع أن تبيع أبناءك من أجل راحتك وطمأنينة بالك...

لم تكن تدري أن خلافها الدائم مع زوجتك سيؤدي بها إلى هذا المصير... وأي مصير؟؟ إنه قتل بطئ متعمد مع سبق الإصرار والترصد... لقد حرمتها من الدراسة التي عشقتها ووهبت فيها وأحبت مجتمعها من صميم قلبها، ولم تكد تصحو من هذه اللطمة الموجعة حتى فاجأتها باللطمة التالية الأشد قسوة ومرارة لتموت سعاد واقفة!! ما زلت أذكر ذلك اليوم البعيد حينما قلت لها بصيغة الأمر: غداً زواجك فاستعدي...

كانت الصدمة قاتلة فلم تحر جواباً... المتكلمة كانت شقيقتي الراحلة ندى حينما سألت بذهول:
- ومن هو يا أبي؟!
قلت بلا اهتمام وأنت تدير ظهرك لنا:
- إنه رجل عاقل توفيت زوجته ويعيل أولاداً...
هتفت ندى بلا وعي...
- مثلك يا أبي...
فوجئنا بالصفعة المدوية التي هوت على صدغ ندى لتهتز لها دران البيت وتتحطم نفس ندى إلى الأبد ... عاد صوتك حاداً متحدياً من جديد:
- وماذا يعيبني.. ماذا في الأمر إذا كان مثلي... ألست بقادر عليكن؟ ألا أملك المال والجاه...؟
بكت ندى وتقوقعت سعاد وصرخت أعماقي... لا يا أبي الحياة ليست مالاً وجاهاً إنها أشياء أخرى... أشياء لا تشترى بالمال ولا تعوضها الجاه وإن كثر...

تركتها تتزوج يا أبي... خطفت شمعة الدار المتوهجة لتزفها إلى رجل في سنك لا يملك سوى المال وعقلية متحجرة وحفنه من الأولاد.... أي مستقبل باسم يعدها به هذا الرجل وأي قبر دفنتها فيه حية...؟ اقترن الشباب بالفناء، الربيع ببرودة الخريف، وفعلاً كما توقعنا أحاطها بأسوار وأغلال من الغيرة والشك والعذاب وخطفها إلى منفاه البعيد بلا أية صلات وكأنها زهرة ربيعية اقتلعت من جذورها إلى صحراء بلا ماء ولا غذاء... لقد اغتلتها يا أبي...
- أحلام ... أين سعاد؟؟
أعادني السؤال من غفوتي مع طيف سعاد التي تملك ما يفتقده الكثيرون من الجمال والشباب والصحة... أشفقت عليه فلم أجب... وبماذا أجيبك يا أبي؟ لقد بدأت في أبعادها عن محيطها فأكمل زوجها ما بدأته بكل همة ونشاط. إنني لا أعرف عنها يا أبي سوى أنها أنجبت ثلاث فتيات وولداً واحدا من زواجها ولا أدري عنها شيئا آخر...
جاءني صوت أبي فيه رجاء وإلحاح:
- أحلام... ابحثي عن سعاد بأية طريقة... يجب أن أراها قبل...

لا .. لا يا أبي لا تقلها. أنت لن تموت، لن تموت قبل أن ترى بعينيك ما فعلته بزهرات فؤادك، لن تموت قبل أن تتجرع كؤوس الندم والألم على أنانيتك وظلمك... إني لا أحقد عليك يا أبي ولا أتمنى لك الموت، بل إنني مشفقة عليك لكن رغبة قوية جامحة تجعلني أهفو إلى رؤيتك وأنت تحصد ما بذرت...

أن أرى دموع الندم تنسكب من عينيك ونشيد الغفران والتسامح ينطق به لسانك ولمسات التعاطف تشي بها يداك... فما حال أولادك أبتي وماذا جنيت عليهم؟

بدرية مع أطفال يتامي... وقضبان لا ترى، بدون بارقة أمل في مستقبل زاهر.. وصالح وحياة باهتة بلا طعم ولا لون يعيش فيها مجبراً خاضعاً كرجل يعيش على الهامش... وندى التى لم تعرف السعادة طوال حياتها وماتت غلية على يديك... ويعاد التي دفنتها مع رجل طاعن في السن دون وازع من ضمير، فعاشت محنطة في بيت لا تريده، كسلعة لا ترد ولا تستبدل... خالد الذي فر من بين أصابعك ليشكل مستقبله بنفسه تركت طفله يموت أمام عينيه وأعيننا دون أن تمد له يد المساعدة، رغم أنه لم يطلبها منك يوماً، لكنك كنت قاسيا متحجر القلب حينما أدرت ظهرك ليده الممدودة وقتلته ألف مرة قبل أن يموت ابنه الذي يحمل اسمك ويرجوك بعينين بريئتين أن تنقذه من حتفه... وحمد الذي غادرنا شابا يافعا هاربا من غربة تسكن خلايا جلده لائذا بأخيه من قسوة متعمدة للهروب القسري ولا ندري بعدها عنه شيئا سوى بعض الأخبار المتطايرة يتناقلها الرواة... ألم تلحظ أبي مواسم هجرة أولادك، اختيارا أو قسرا، هربا من القسوة أم تعطشا للحنان... لقد قتلتنا يا أبي وحان دورك لتتلقى الحصاد...

أسرعت إلى أخي صالح ليحاول البحث عن سعاد وإبلاغها بالحضور على وجه السرعة... و دونما استشارة أبي اتصلت بحمد وخالد للحضور...

اكتمل عقد الفل، واجتمع شمل العائلة الممزقة حول فراش الرجل الذي مزقهم وشتتهم ولم يسعدهم يوما... بدرية بوجهها الشاحب الذابل الذي أخذ يذوي شيئا فشيئا مع ذوبان شموع الأمل وانطفائها التدريجي... وحدتها القسرية أكسبت عينيها حدة لا تتناسب مع رقة ملامحها وقوامها فبدت أشبه بشبح أسطوري لا يرى منه سوى عينيه... سعاد الشقية... سعاد الجميلة... سعاد الجريئة وقد سحقتها أيام البؤس والتعاسة في ظل شبه رجل أذلها حتى النخاع، فتحولت الجرأة إلى جبن والشقاوة إلى جمود والمرح إلى عبوس، وتمزقت روحها الحلوة الشفافة تحت أقدام جاهلة بغيضة لا ترى من الحياة غير رنين الذهب... تعاودني شهقتنا المشتركة ونحن نحتضن بعضنا بعد غياب طويل قائلة لي:
- لقد أصبحت فتاة رائعة...
تحولت شهقتي إلى غصة بكاء وألم وأنا أحتضن جسدها النحيل المتهاوي... كبت دموعي الغزيرة لتنساب داخلي دون حساب ولم أصارحها بما يدور في خلدي من أنها قد أصبحت عجوزاً في الثلاثينات من عمرها حتى يخال إلى من يراخا بأنها تكبر شقيقتي بدرية بعشرة أعوام على الأقل.

صالح وعينان كسيرتان... بيأس متغلغل في الوجدان ضارب في جذور الذات لا يرى من الحياة سوى أن يأكل ويرى وينام ويربي أولاده بلا أحلام أو أمنيات أو فرح آت....

وخالد الذي جاء مرغما من أجلي بدموع حائرة في عينيه وحزن عميق مرتسم على وجهه البائس، همس لي بضحك كالبكاء:
- لقد كبر عبد الرحمن الصغير وبدا شبيهاً بأخيه الراحل بدرجة غير معقولة...
بعد أن أنهى كلماته البسيطة أدركت بأنه لم ولن ينسى وأن الجرح يملأ فؤاده ويفيض به...

لم يأت حمد وربما لن يأتي، فأبي لم يهتم به في حياته حتى يهتم هو به عند اقتراب النهاية...

ولكنها ليست النهاية كما اعتقد أبي واعتقدنا... فبعد يومين من اجتماعنا معاً، نهض أبي من فراشه صباحا وهو أكبر نشاطا وحيوية، ثم بدأت جحافل المرض تنهزم أمام قوة الإرادة ورغبة الحياة، فبدأ بتحسن شيئا فشيئا، فأمر الطبيب بتخفيض كمية الأدوية التي يتناولها يومياً والاكتفاء بدواء واحد يتناوله مدى الحياة، وبهذا خلع أبي رداء الضعف والمسكنة والحنان المزيف ليظهر على حقيقته مارداً جباراً لا يحنو ولا يلين... انسحب الأخوة تباعاً هرباً من المخالب التي بدأت تظهر مع عودة الصحة تدريجيا إليه... لم يتفوه بكلمة عزاء لخالد بل قال له بسخرية أصابتني في مقتل:
- هل تتفاءل باسم عبد الرحمن لدرجة أن تطلقه على طفلك الجديد وقد مات لك طفل بهذا الاسم من قبل... لا تسمّ أولادك باسمي.
غلالة رقيقة من الدمع غشت عيني خالد وهو يقول:
- انتهي الأمر يا أبي... والله كريم... لن يخيب رجاؤنا إن شاء الله...

ثم غادرنا غير آسف ليترك في قلبي غصة وألم ونهراً من الأحزان... ليأتي دور سعاد في الرحيل، تشبثت بها راجية أن تطيل المكوث لدينا فترة أخرى لأفاجأ بها تنخرط في بكاء مرير اهتز معه جسدها النحيل الصغير...
وقفت أتأملها برهة قبل أن أشاركها البكاء بكل تعاسة الدنيا التي اختزنتها داخلي سألتها ودموعي عالقة بأهدابي:
- ألست سعيدة في حياتك؟
أجابتني بعاصفة من الدموع... لأعيد لها السؤال بشكل آخر:
- مملكة أنت ملكتها الموتوجة وأطفال هم أولادك زهر قلبك. لا بد أن تكوني سعيدة حتى لو لم تتبادلي عاطفة صادقة مع زوجك...
بقيت الحجرة غارقة في صمت لا يقطعة سوى صوت شهقاتها الباكية، وكأنها لم تبك منذ أمد طويل... قلت لها مواسية:
- المهم أن تتفاءلي وتنظري للحياة بمنظار وردي حتى ولو كان زوجك طاعنا في السن، المهم أن تتعاونا على تربية الأطفال وتكونا سندا لبعضكما فى الحياة...
ردت أخيراً بزفرة حرى:
- إنه ليس معي يا أحلام... لقد رضيت به ولم يرض هو بي... تحملت من أجل أطفالي كل شئ، قسوته وبخله وجفاءه وتعذيبه لي، ورغم هذا أزاحني من حياته بقسوة ليتزوج بأخري ويهجرني...
قلت مندفعة:
- ألم تطلبي الطلاق يا سعاد؟
ردت بهدوء أنكرته فيها:
- ولمن أذهب بعد الطلاق... أبوك سيطردني بالطبع... وزوجي بعد الطلاق لن يبقيني في بيت دقيقه واحدة، فهو أبخل رجل في الوجود. إنه يستبقيني الآن لأنني أمثل له خادمة بدون أجر ومربية لأطفاله...
قاطعتها بحماس:
- كلا.. كلا يا سعاد إنها ليست حياة تلك التي تعيشينها، إنها موت بطئ يجب أن تثوري على أوضاعك وأن تتطلبي الطلاق، لتبدأي حياة جديدة مع رجل آخر يقدرك حق قدرك... سعاد...
همست ودموع جديدة تلوح في عينيها:
- أحلام .. أرجوك... دعيني أرحل بسلام...
عانقتها بحرارة وأنا أبكي...



انتهى الجزء آلرآبع عشر

~


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 20
قديم(ـة) 31-12-2010, 04:22 PM
صورة بنـ آلسلطنہ ــوتہ الرمزية
بنـ آلسلطنہ ــوتہ بنـ آلسلطنہ ــوتہ غير متصل
©؛°¨غرامي فضي¨°؛©
 
رد: رواية أنثى العنكبوت / للكاتبة قماشة العليان


الجزء الخامس عشر


بدأت الدراسة من جديد... ودعنا عاما دراسيا ليبدأ آخر... ألفيت نفسي أستقبل العام الجديد بلهفة غير مسبوقة وآمال تسبقني على الطريق ونفس تواقة للحب والحنان... ابتعدت عن سعد فترة طويلة، مكانية وزمانية، فلم أحاول محادثته على الإطلاق بعد آخر محادثة رغم يقيني التام بأنه ينتظرني بشوق كل يوم أربعاء، لكنني لم أستطع... بدءاً بمرض والدي وحتى زيارة أخوتي لنا في البيت، وحتى فترة طويلة أخرى بعد مغادرة سعاد أحاول فيها مداواة الجروح التي خلفتها تلك الزيارة، وكياني الذي تبعثر جراء ظروفها القاسية... نعم كنت أخمن بأن " سعاد" ليست سعيدة، لكنني لم أتصور ذلك الرجل القميء الهزيل المجرد من العاطفة يغمد خنجراً لأنوثتها المتفجرة فيهجرها ليتزوج بأخرى.... عجباً... بدلا من أن يركع تحت قدميها منفذا كل أوامرها كفتاة صغيرة جميلة تتزوج رجلا في سن أبيها، ينعكس الوضع فيعافها هو، مبعثرا كرامتها في الأوحال ليطبق المثل القائل " رضينا بالهم والهم لا يرضى بنا" الأنكى والأمر أنها لا تستطيع التذمر ولا التمرد ولا حتى المناقشة، فهي بلا حائط تستند عليه كقطعة مشردة بلا سند ولا حماية وزوجها يعلم هذا تماما لذلك هو سادر في غيه ممعن في الهجران والإذلال مغلقا كل خطوط العودة وطرقها، لا أب ولا بيت ولا زوج... فليساعدك الله يا سعاد...

جلست صباح إلى جواري في السيارة صامتة لا تتحدث إلا لماما وتجيب على أسئلة الزميلات إجابات مقتضبة... يا الله كم تغيرت صباح، لم تعد تلك الفتاة المرحة الضحوك التي تلقي بضحكاتها ذات اليمين واليسار وتهزل أكثر مما تتحدث جادة، أغلب كلماتها كانت مزاحاً، ونصف عباراتها ضحكا وابتسامات لا تأخذ من الدنيا غير وجهها الضاحك لتتبدى الخلفية البشعة والحقيقة المهولة بأن الحياة لا تسير على وتيرة واحدة وبأنها مزيج من المتناقضات التي يجب أن نتواءم معها لنحيا بسلام فهي الفرح والترح، السعادة والتعاسة، الأمل والألم وعجلة الحياة تدور وتدور وكل شئ إلى زوال... عندما كشرت الدنيا عن أنيابها انتزعت معها ابتسامة صباح ومرحها وحتى صباها، فبدت كامرأة في منتصف العمر ملت الحياة كما ملتها الحياة لتعيش على حافة الجرح... تهاويات وتداعيات بلا بصيص من نور...

سألتها بمرارة متحاشية جرحها وساعية لمعرفة حالتها النفسية:
- هل أنت مستعدة للعام الدراسي الجديد يا صباح؟
أجابت بهدوء أنكرته منها:
- لا أدري... لكنني متشائمة... ربما هذا أصبح طابعي أخيراً " التشاؤم" لكنني منقبضة النفس وأرغب في النقل من هذه القرية بأسرع وقت وبأية طريقة، حتى لو دفعت كل أموالي التي ادخرتها ثمنا لهذا...

همست لنفسي: وأنا على النقيض منك يا صباح، مستعدة أن أبذل كل ما في وسعي لأبقي في هذه القرية التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حياتي وموطناً لأحلامي وصباحا يختلف عن كل الصباحات الأخرى في أي مكان في العالم... إنه دار الحبيب، منه أستمد بقائي، وفيه تزهر عواطفي الظليلة، تسقيها شمس حبي بالماء والهواء، دخلنا القرية وكياني كله يرتجف بعنف، قلبي يخفق بشدة، وشئ ما في نفسي يتوق للمجهول... يتوق لسعادة مجهولة ونبض حبيب وآمال بلا مدى، بعد أن تبادلنا القبلات والتحيات مع الزميلات، ذهبت إلى فصلى لتقع عيناي على وضحى دون غيرها كأول ما أرى....

حادثت تلميذاتي وسألتهن كيف قضين إجازتهن وأين، لكنني كنت مع وضحى فقط أبحث في ملامحها الهادئة عن وجه حبيب يؤرقني غيابه... عن كلمات دافئة تلون أيامي بلون الفرح، عن همسات تسكب الحياة رويداً رويداً في شراييني، عن حلم وأمل وبدايات...

إليك يا رجل يسكنني بجنون، إليك حب سأسكبها في عيني شقيقتك فأصلك أنا بدلا منها... رسالتي يا حبيب العمر أنني أنتظرك... فأدركيني يا عينيها وأوصلي عمق مشاعري وحرارتها... أفهميه كيف أن الهجرة الصحراوية المهجورة تحولت إلى جنة من بساتين في وجوده... أفهميه كيف أن الأجواء الحارة ولفحات الصيف التي لا تطاق أصبحت نسمات باردة عليلة وزخات من مطر خفيف يندي الوجوه دون أن يبللها... أفهميه يا عينيها أن الطرق الوعرة أصبحت سلالم أنيقة توصل بعرش الحب وأن مدرسة القرية الطينية المتهاوية تبدلت بمدرسة نموذجية رائعة، كأرقى الأكاديميات في العالم منذ مسها الحب بعصاه السحرية... عينيها إنني أحملك أمانة فلا تخيبي رجائي....

وكأن الأمانة قد وصلت، فما إن انتهي وقت الحصة حتى فوجئت بوضحى تلحق بي قائلة:
- ابله... أمي تسلم عليك وتهديك هذا البقل، فهو من صنع يديها...
ابتسمت لها بهدوء رغم اهتزاز يدي الواضح وأنا أستلم منها الوعاء المعدني... فقد وصلتني الرسالة...

لم أفاجأ وأنا في البيت حينما وجدت خطاب سعد أسفل الأقراص اللبنية المجففة. قرأتها وأنا أتذوق قطعة منها، يسري مذاقها معاً إلى جوفي فأبتسم... أبتسم لسعد وهو يعاتبني على الغياب الطويل.... أبتسم له وهو يعلن لي حبة وشوقه ولهفته... أبتسم وهو يطلب أن يتقدم لخطبتي في أسرع وقت ممكن. أبتسم وهو يطلب أن يتقدم لخطبتي في أسرع وقت ممكن. أبتسم وهو يهديني قصيدة شعرية غزلية، هي آخر إنتاجه، كتبها لي كما قال لي وقد أضناه الشوق والهجر والحرمان، فجاءت رائعة معبرة... ابتسمت لطرفته الأخيرة في نهاية الرسالة هل تتزوجيني أم أخطفك؟....

ما إن طويت الرسالة لأخفيها عن الأعين حتى بكيت بشدة... بكيت لا أدري لماذا... ونمت وسط دموعي ترافقني رسالته في أحلامي وطعم لاذع حامض لأقراص البقل يذوب في فمي ببطء...

انتهى الجزء آلخآمس عشر

~


الرد باقتباس
إضافة رد

رواية أنثى العنكبوت / للكاتبة قماشة العليان ,كامله

الوسوم
للكاتبة , منتج , العليان , العنكبوت , رواية , قماشة
أدوات الموضوع
طريقة العرض
مواضيع مشابهة
الموضوع الكاتب المنتدى الردود آخر مشاركة
العنكبوت والملحد! abdulsattar58 مواضيع عامة - غرام 5 09-01-2013 08:32 PM
مجلس الروايات للإستفسارات و الطلبات فقط [ الإقتراحات ممنوعة ] ؛ ضمني بين الاهداب روايات - طويلة 1999 06-02-2012 04:14 PM
مجلس الروايات للإستفسارات و الطلبات فقط [ الإقتراحات ممنوعة ] ؛ روح زايــــد روايات - طويلة 2003 07-01-2012 08:52 PM
مجلس الروايات للإستفسارات و الطلبات فقط [ الإقتراحات ممنوعة ] ؛ روح زايــــد روايات - طويلة 2006 23-11-2011 08:16 AM
مجلس الروايات للإستفسارات و الطلبات ؛ !! أنـثـى الـ خ ـيـآلـ !! روايات - طويلة 3973 07-10-2010 01:10 PM

الساعة الآن +3: 03:16 PM.
موقع غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات


youtube

SEO by vBSEO 3.6.1