غرام
اكتب بريدك ثم اضغط على اشتراك ليصلك جديد غرام
بحث مخصص من محرك البحث العالمي قوقل للبحث في غرام
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 21
قديم(ـة) 31-12-2010, 05:02 PM
صورة بنـ آلسلطنہ ــوتہ الرمزية
بنـ آلسلطنہ ــوتہ بنـ آلسلطنہ ــوتہ غير متصل
©؛°¨غرامي فضي¨°؛©
 
رد: رواية أنثى العنكبوت / للكاتبة قماشة العليان


الجزء السادس عشر




لم أكن أتصور أنني سألتقي بسعد بهذه السرعة، وبطريقة لا ترقي إلى أي خيال. بل لم أتصور أن أراه أمامي رؤي العين ولا في أكثر أحلامي تفاؤلا لكنه القدر الذي يرسم لنا ما لا نتخيله ولا يخطر في قلوبنا... بعد خطاب سعد بيومين فقط، وبعد أو أوصلنا أبو راشد إلى المدرسة بساعة واحدة سقط فجأة مغشيا عليه ثم نقله بعض أهل القرية إلى أقرب مستشفى كما أخبرنا الحارس....



دارت مناقشات طويلة بين المعلمات، ثم أعلنت فوزية أنها ستهاتف زوجها ليأخذها، وسألتني إذا ما كنت أرغب في مرافقتها، لأن صباح غائبة، فرفضت بحسم، وأخبرتها بأنني سأحادث أبي بدوري، ثم تناولت عباءتي وارتديتها لأذهب مع زميلاتي إلى حجرة الحارس الخارجية، حيث يوجد بها هاتف لاسلكي. تعاونت المعلمات مع أهل القرية على شرائه ليكون حلقة وصل بين القرية وخارجها إبان الأزمات... أدرت أرقام النداء الآلي الخاص بأبي ثم انتظرت قليلاً. أدرته مرات عدة بعد ذلك وأبلغت الحارس أن يخبر أبي بمرض أبي راشد حال اتصاله وأن يبلغه بضرورة حضوره للعودة بي... ثم عدت إلى المدرسة وانشغلت في حصصي ومشاكل المعلمات التي لا تنتهي وعيني وضحي اللاقطتين. مضى الوقت دون أن أشعر به، لأفاجأ بذهاب كل المعلمات عداي... سألت الحارس، نفى أن يكون أبي قد اتصل... أدرت الأرقام مرة أخري ثم اتصلت بزوجة أبي لتبلغني أن أبي غير موجود، ثم اقترحت علي أن أعود مع أية زميلة لي... ضاقت الدنيا بي ولم أدر ماذا أفعل، فزميلاتي قد رحلن، ولم يتبق غير المديرة التي عرضت استضافتي لديها، وقبل أن أبلغها بردي، سلبا كان أم إيجابا فوجئت بوضحى تقترب مني في خجل وهي تقول:
- نحن سنوصلك يا ابله... فسيارتنا أمام الباب وأنا سأذهب برفقتك...
فغرت فاهي لا أحير جوابا ... فهتفت المديرة:
- هيا يا أحلام لا تضيعي الوقت فأبوك لم يرد عليك... ثم إنهم ناس طيبون فجزاهم الله ألف خير... هيا يا أحلام... هيا...


ثم دفعتني بيدها خارجا وهي تغلق الباب الكبير، ثم تلوح لي بيدها مودعة وكأنها تتخلص من عبء كبير يثقل كاهلها... ومن يولمها، فهي أم وزوجة ووراءها متطلبات لا تنتهي... ثم هي غير مستعدة للانتظار ساعات طويلة حتى يحضر أبي من الرياض... مشيت بلا اختيار ودلفت إلى السيارة كالمسيرة وأنا لا أدري ما حولي...


مشاعر كثيرة تختلط في كياني... خليط من الخجل والغضب والخوف والترقب والمرارة... أفكاري تتري... ما موقف أبي حيال تصرفي هذا؟ إنه ليس لموقفي القديم، فالمسافات شاسعة وسأبرر لأبي موقفي بشتى الطرق. إنني لم أفعل جرما أستحق عليه العقاب... إنني فقط سمحت لتلميذتي... وشقيقها بتوصيلي... يا إلهي... شقيقها... أنه سعد... سعد بشحمه ولحمه وهو السائق، هو من سينقلني هذه المسافة الطويلة إلى بيتنا.... وهو وأنا وشقيقته... لا يفصل بيني وبينه إلا نصف متر أو أقل، رائحته المميزة تقحمني بعنف، تحاصرني من الجهات الأربع، تنتزع سلاحي وتصفعني بوجودها فلا أملك إلا الاستسلام. صوته يخترق أذني رائقا شفافا قريبا تحمله لي ذبذبات الهواء التي نتنفسها جميعا ليصل لي مباشرة دون وسائط، طازجا كأنه رغيف خرج لتوه من الفرن... يداه السمراوان بعروقها النافرة وبساطتهما العجيبة أراهما أمامي على المقود، أكاد ألمسهما بيدي وأري كيف تعبر الدماء وتتدفق إلى هذه اليد السمراء الخشنة... شعره الناعم اللامع الذي تتدلي بعض خصلاته من تحت غطاء الرأس سوداء حالكة متحدية وكأنها تتحدي أصابعي المتجمدة أن تعزف عليها أحلي النغمات...


رباه أن القرب مخيف وممتع... حلو ومغرق في المرارة... كيف يكون فتي أحلامي قاب قوسين أو أدني مني؟ كيف أري خيالي متجسداً أمامي على أرض الواقع مرتديا عباءة الحاضر يلتحف بالممكن والمستحيل... إنني لا أعي قربه، لا أعي غير هذه الجاذبية الشديدة والذبذبات اللأمرئية التي تشدني إلية، وكأن وضحي ليست موجودة، وكأنها تمثال من تماثيل الماضي السحيق، أو قابلة متمرسة تشهد ولادة حب نادر الوجود لا يولد إلا مرة كل مائة عام... ويحي إنه يحادثني فبماذا أرد عليه؟


- فرصة سعيدة أن نري أنا ووضحي منزلكم...
مضيت أرتجف بعنف، فماذا أقول وكيف أتكلم وكيف تخرج الكلمات ولساني ملتصق بسقف حلقي رافضا التحرك... الحب الهادر يلفح أجوائي بنيرانه الحارقة وخوفي من أبي يشلني حتى الصدمة، فأي حمق وأي جرأة وما هذا الذي أفعلة بنفسي؟ أخيرا خرج صوتي مرتجفا مبحوحاً:
- لو علم أبي يا سعد بأن رجلا أوصلني إلى بيتنا سيقتلني حتما...
جاءني صوته حنونا مطمئنا:
- أحلام أنت لم ترتكبي خطأ... لقد علمت من وضحي أنك حاولت الاتصال به مراراً... فماذا تفعلين أكثر من هذا؟ هل مبيتك بالمدرسة أهون ضررا من أن توصلك إحدى زميلاتك إلى البيت؟
- لكنه... أقصد... حصل في وقت سابق أن أوصلتني إحدى زميلاتي مع شقيقها من الجامعة إلى البيت ... فكدت أموت على يديه...
لمجت ابتسامته الجانبية وهو يقول:
- لن تموتي إلا إذا قدر الله لك ذلك...


ثم انسابت الموسيقي الهادئة لتنزع الرعب والهلع من أعماقي وتلقيها بعيداً كزبد البحر.. . ثم تغلغل صوت المطرب العذب إلى كياني ليحلق بي بعيداً بعيداً في جزر لم تلمسها قدم أنسان من قبل وأنهار عذبة وبساط أخضر في كل مكان... أشعر أن الصوت يحتويني، يزلزلني... يخترقني حتى النخاع ( فحبيبة قلبك يا ولدي ساكنة في قصر مرصود... فمها مرسوم كالعنقود... ضحكتها أنغام وورود) أذوب في عوالم وردية لا نهائية ... الصمت هنا له لغة ... لغة تركع أمامها كل اللغات... لم أعد أحس بالطريق ووعورته... بالصحراء المترامية الأطراف التي اعتدت التطلع إليها يوميا عبر النافذة... اللوحات الزرقاء التي حفظتها عن ظهر قلب وأسماء القرى والهجر الغربية التي نمر عليها في رحلة الذهاب والإياب... وهلعا... العبارات التي تصافح أعيننا صباحا وظهرا كل يوم... الحمد لله... مع السلامة.. رافقتكم السلامة... وغيرها من العبارات التي غابت بعض حروفها، فغدت أقرب للملهاة منها لغرضها الأساسي... تلاشى كل هذا ولم أعد أرى سوى شخص واحد يقود أمامي تطالعني تعبيره العاشقة في مرآة السيارة، فتملأ نفسي فرحا وحبوراً... انتهي الوقت بسرعة لا أدريها فلم أدر بنفسي إلا وأنا أصف له الطريق إلى بيتنا متعجبة من السرعة التي وصلنا بها وقد كنا مع أبي راشد نقطع الطريق بأوقات طويلة مملة لا تنتهي. ما إن وقفت السيارة أمام الباب، ووضعت يدي في يد وضحى لأسلم عليها مودعة حتى خرج أبي لا أدري من أين... كمارد خارج لتوه من قمقمه... نظر إلى السيارة ومن بداخلها نظرة صاعقة قاتلة ارتعدت لها فرائصي... تحادث مع سعد بكلمات بسيطة، فهمت منها أن سعد يشرح له كيف عرضت عليه شقيقته أن يوصلاني إلى البيت...


في البيت تلقيت صفعات دار لها رأسي فنسيت كل شئ....


انتهى الجزء آلسآدس عشر

~


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 22
قديم(ـة) 31-12-2010, 06:40 PM
صورة بنـ آلسلطنہ ــوتہ الرمزية
بنـ آلسلطنہ ــوتہ بنـ آلسلطنہ ــوتہ غير متصل
©؛°¨غرامي فضي¨°؛©
 
رد: رواية أنثى العنكبوت / للكاتبة قماشة العليان


الجزء السابع عشر



علمت أن زوجة أخي حمد حامل توأ- نقل شقيقي حمد من القريات إلى الرياض نقلاً تأديبياً!!
جزعت لهذه العبارة ليتابع صالح هامسا:
- قد نقل إلي مستشفى الرياض المركزي وطلب مني أن ابحث له عن سكن بسعر مناسب...
خرج صوتي هزيلا لا يتناسب مع عظم الموقف:
- لكن يا صالح ماذا فعل حمد لينقل بهذه الطريقة التي تسئ إليه؟
قال بتردد :
- إنه لم يشرح لي كل شئ بتفاصيله ...لكنه قادم إن شاء الله خلال أيام ويمكنك حينها أن تسأليه ....

حمد أحد ضحاياك يا أبي وليس آخرها ... ماذا فعل ليستحق هذا المصير البشع المهين لأي إنسان ....نقل تأديبي ... ما معناه ... نقل بالرغم عنه ، نقل للتأديب والتهذيب ، نقل عقاباً لشيء فعله .. شئ كبير ومنذر بالخطر يتكافأ وهذه النهاية السيئة ، ترى هل غش أو سرق أو قتل أم ماذا بال ضبط ؟ منذ غادرنا قبل سنوات وأنا أجهل مصيره ... كل ما عرفته أنه التحق بالمعهد الصحي في تبوك ثم تخرج ممرضاًً ، ليتعين في مستشفى القريات العام ، ثم تزوج من إحدى زميلاته الممرضات التي أحبها قبل الزواج وسكن إلى جوار أهلها ، ثم لا شئ سوى أنه بصحة جيدة ويحيا حياة زوجية طبيعية ... لكن هذا الموقف الأخير زعزع كل أفكاري السابقة وأدركت أنه ربما كان يعيش في محنة ...

منحة قادته إلى المصير المؤسف الذي يرهبه أي إنسان طبيعي... ألا تشعر بالخجل يا أبي ...بالأسف ؟ أي شعور ينتابك وولدك يعود إليك بعد سنوات مبعدا مهانا مطرودا وأصابع خفية تشير إليك بالاتهام بأنك السبب في كل شيء ، خروجه وعودته ، سفره الهارب وعودته الاضطرارية، ابتعاده بحلم وعودته القسرية بحلم مجهض ، تحطم آماله ومستقبله على صخرة قسوتك وظلمك ... أشعر بآلام شديدة تفري عظامي ، ليست هي آلام ضربك المبرح لي ، بل هي معاناة أخوتي سكنت جسدي وأبت أن تفارقه...

تردد صالح قبل أن يقوله وكأنه يقرأ أفكاري أو رأى دلائل الألم على وجهي :
- أما زلت تتألمين لضرب أبي ؟
كفكفت دمعة فرت من عيني ، ومضيت دون أن أجيبه على تساؤله ... فلم يكن يهمني ضرب أبي لي بقدر ما آلمتني الزوبعة والفضيحة التي أثارها دون أي داع، وما زلت أتذكر أصداء الصفعات وهي تتردد في جنبات البيت و هو يصرخ بأعلى صوته :
- الفاجرة ...سأقتلها ولن أرحمها....

تدخلت زوجة أبي دون جدوى، ولما شعرت بأنه سيقضي علي، اتصلت بشقيقي صالح على عجل ويتلقفني منه كجثة هامدة بدون أي روح... وأبي يهدر بكل قاموسه المعروف من الشتائم البذيئة، ثم حلف بأغلظ الأيمان أن يفصلني من عملي ويحسبني في البيت... أغمي علي، ولم أعد أشعر بشيء حتى صباح اليوم التالي...

أفقت بجسد مضعضع متهاو ونفس كسيرة وأنة وروح تمزقها الآهات، لم أستطع تحريك ذراعي أو قدمي، فانسابت دموعي غزيرة لاذعة لتثبت لي بأن الجسد مهما تمزق أو فني، فإن الروح باقية نشطة لا يحدها حد ولا تربطها قيود. وقتها تذكرت أحد حكماء الهند " راجيش" حينما قال: " إذا ربطوا يديك وقدميك بالسلاسل وكبلوك بالأغلال فلا تيأس... فباستطاعتك أن ترقص أليس كذلك، وأن تجعل من رنين أصوات السلاسل نغماً ترقص عليه" وأنا لم أرقص لكنني بكيت، بكيت وجحافل اليأس تدب في أعماقي وطاردة كل أمل لي في حياة باسمة سعيدة، وصورة سعد تغيب شيئا فشيئا عن عالمي مخلفة بؤراً صديدية وحرماناً... وفي ضباب الآمي وأوهامي جاءتني زوجة أبي وشقيقتي بدرية يعلنان لي بأن أبي قد عفا عني وسمح لي بالعودة إلى عملي بشرط الالتزام بكل قوانينه بحرفيتها، ثم حاولت النهوض بكل ما أستطيعه من قوة لأجثو على قدمي أبي أبللهما بدموعي طالبة العفو والمغفرة... ليعفو عني بركلة من قدمه وهو يهتف:
- لو كررت هذا ثانية فلن يمحو عارك إلا القبر...

بكيت على صدر شقيقتي بدرية وصالح يثبت لي بأنه متفهم للأمر، وأنني لم أفعل شيئا يستحق أي عقاب، وأن مرافقة زميلتي وشقيقها ليس عيبا على الإطلاق... ابتلعت غصة ألم وأنا أحاور ذاتي " آه لو تدري يا صالح من هو شقيق زميلتي هذه كما تسميها... آه لو تدري، إنه حياتي التي أعيشها ودنياي التي أحياها".

لكن أحدا لم يعرف ما بداخلي سواي، ومضيت أجتر آلامي في صمت وأنا أترقب عودة شقيقي حمد المحبطة...

حضر حمد وزوجته ذات مساء... هالني الفارق الشديد بينهما، هو بوسامته اللافتة وطوله الفارع وبشرته الوضاءة، وهي بقامتها الضئيلة ودمامتها المنفرة وبشرتها المائلة للاصفرار...

كان هذا أول شئ لفت نظري فيهما، ثم اكتشف أنهما بدون أطفال وأدركت أن هذا الأمر يشكل لهما مشكلة حينما سألت حمد بعفوية:
- أليس لديكما أطفال؟
حينها فقط تجهم وجهه وغابت الإشراقة المميزة عن ملامحه لتعبر سحابة سوداء عينيه، فتمتلئ بالدموع المتجمدة اليائسة...
أجابت زوجته وهي ترتجف:
- بلي.. ليس بعد...

ندمت على سؤالي، وأيقنت حينها أنني قد وضعت ملحا على الجرح ينزف فزدته ألما واشتعالاً... تقلصت عضلاتي ألما وحسرة، فنكست برأسي دون أن أنبس بحرف وكأن شقيقي قد استشعر ندمي وألمي، فهمس لي بأنه سيوصل زوجته إلى البيت ثم يعود ليسهر معي....

وكانت سهرة دامعة دامية أثارت لواعجي وبثت الحزن والألم في نفسي طويلاً. فقد حكى لي قصة حبه وعذابه حيث التقي بزميلته الممرضة في المستشفي نفسه... التقاء روحي ليس أكثر، أعجب بنشاطها وذكائها وكفاءتها.. وبادلته إعجابا بإعجاب، فنما الحب وتطور ونضج، ولم يكن من نهاية ملائمة له سواي الزواج، فتقدم لأهلها خاطباً ورحبوا به أيما ترحيب، ولم يسألوه عن أهله وأبية ولم يشترطوا عليه أي شروط، بل كان كل شئ سهلا ميسرا بشكل يدعو للريبة والخوف من المستقبل، فلا سعادة نقية خالصة بدون شوائب ولا طريق ممهد بدون عراقيل وأسلاك شائكة، فبدأت رحلتهما المرهقة المكلفة بعد شهر واحد فق من زواجها بدون حمل... بدأت الرحلة في المستشفيات والمراكز الصحية المجاورة ثم تجاوزتها إلى المستشفيات الخاصة الباهظة الثمن... لم يكن الموضوع عدم ثقة بالمستشفي الكبير الذي يعملان به سويا لكنه الخوف من انتشار المر بين زملائهما، فيصبحان موضوعاً للحديث ومادة للتندر والسخرية أو على أحسن الفروض تحوطهما نظرات الشفقة والرأفة بحالهما وهما لا يريدان شيئا من هذا... يريدان تعاطفا حقيقيا نابعا من قلب، صادقا مخلصا وبمرور السنوات بدأت مدخراتهما تنفد وديونهما تزداد والأمل يذوي شيئا فشيئا في نفوس متعطشة لطفل واحد فقط يملأ عليهما حياتهما ويسقي بذرة الحب التي بدأت تعاني من جفاف المشاعر وتصحر العواطف. طفل واحد يا أحلام ولا أريد غيره أبدا أبدا....

وأطلق تنهيدة انخلع لها قلبي وارتعدت لها أطرافي، فلم يسعني سوى أن أقول...
- إن الله كريم يا حمد ولن يخذلك أبداً...
نظر لي بدهشة وكأنه في يشك إيماني ثم هتف بمرارة:
- سبع سنوات من الزواج بدون أي ثمار... هل هناك أي أمل؟
قبل أن أتفوه بكلمة تابع بحزن:
- أتدرين... لقد اضطررنا للجوء إلى المستشفى نفسه الذي نعمل به وهو ما حاولنا تحاشيه مراراً... لكن حالتنا المادية المتدهورة وسفرنا المتكرر خارج البلاد أوصلنا إلى طريق مسدود، فلم نجد بدا مما ليس له منه بد فحادثت أفضل طبيب استشاري في المستشفى، وبدأنا نخضع لعلاج مكثف وأدوية باهظة الثمن صرفها لنا الطبيب من صيدلية المستشفى... لقد كان سبب مشتركا بيننا... فأنا أعاني من ضعف في الإخصاب، وهي دورتها الشهرية غير منتظمة والتبويض ليس طبيعياً، ومع هذه الأدوية وعلاج الطبيب المتمكن ارتفعت نسبة الإخصاب لدي وانتظمت الدورة الشهرية لزوجتي...

صمت حمد فجأة فرفعت وجهي إليه لأجده هائما يحدق في الفراغ وكأنه قد نسي وجودي كليا وغرق في عالمة الخاص... ذلك الماضي الذي يحمل بين طياته كما هائلا من الأحزان والمواجع تشي بها عيناه الدامعتان وحركات يديه العصبية. لم أشأ أن أقاطع صمته أو أستحثه على الكلام، فقد توحدت معه في دنيا مضخمة بالحسرات تخلو من صدر الأم الحنون وعطف الأب ومؤازرته وتشتت الأخوة ومعاناة مستمرة مع الحياة...

" خلق الإنسان في كبد" همست بها دون أن أشعر لأنتشل شقيقي من رحلته الداخلية إلى دنيا الواقع... تنهد قائلا:
- نعم ... نعم صدقت الآية الكريمة " خلق الإنسان في كبد" مكابدة مستمرة وصراع من أجل البقاء... لن تصدقي حينما أخبرك بأن زوجتي قد كتب لها الله الحمل على يد هذا الطبيب الشهير لكنه لم يتم، ولا أستطيع أن أصف لك مهما عبرت عن مشاعر الفرحة الزاعقة والسرور الطاغي، ما إن علمت بالخبر ثم التعاسة الخالصة والحزن القاتل اللذين أعقباهما... أتدرين ما معني أن يتعرض إنسان ما لمشاعر متناقضة بل شديدة التناقض في وقت وجيز تماما كما يحدث للجسد حينما يتعرض لحرارة ثم برودة والعكس... إنه يمرض ... ينهار... يفقد صوابه أو يتخبط، وهذا ما حدث لي يا أحلام... لم أتحمل رؤية أحلامي وهي تنهار أمام عيي دفعة واحدة. لم أتحمل الأمل وهو يتحول إلى وهم وسراب، وطفلي المنتظر يتمزق إلى أشلاء يحويها التراب... جننت... افتعلت مشاجرة مع الطبيب واتهمته فيها بتعمده إجهاض زوجتي... حاول أن يفهمني وأن يشرح لي، لكنني صددته... وتطور النقاش إلى أن اتهمه بسرقة الأدوية من صيدلية المستشفي وبيعها... هنا فقد الطبيب هدوءه وصبره فطردني من العيادة ليتطور الأمر بعد ذلك إلى تقديم شكوى ضدي، تلتها شكاوى من زملائي بأنني أهملت عملي في الفترة الأخيرة وأعاملهم بشيء من الحدة والعصبية، ثم شكوى من مديري المباشر بأنني لا أصلح للعمل، ثم تم عمل تحقيق، وأحمد الله على نتيجته فليس النقل التأديبي لمنطقة أخري كمثل الفصل من الوظيفة أو الوقف عن العمل أو أي عقاب آخر...

لا تحزني من أجلي يا أحلام، فصدقيني أنني لست حزينا فليس هناك في تلك المنطقة ما أحزن من أجله حتى ممن ارتبطت معهم بصداقات عميقة ، فقد بينت لي هذه الأزمة أن صداقتي لهم أوهي من خيوط العنكبوت، وأنه لا دائم سوى وجهه سبحانه وتعالى... والأمل في الله كبير...

خرج صوتي مبحوحاً خشناً وأنا أقول:
- إنك لم تفعل شيئا منه يا حمد، فقد كانت مشكلتك مع الطبيب منطقية من وجهة نظرك، لكنها الظروف السيئة التي وضعتك في هذا الموقف... ومن يدري " وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم" فربما يكون انتقالك إلى هنا بداية عهد خير ونماء بالنسبة لعملك وحياتك ككل... المهم أن تستقبل حياتك الجديدة يأمل وبنظرة تفاؤل وحب، ولن تخسر بإذن الله...

انسحب حمد لأبقى بعده فترة طويلة عاجزة عن استرداد ذاتي وكأنني أقف على فوهة بئر عميقة أمد يدي بدون طائل جاهدة لانتزاع نفسي المفقودة في قاع البئر. رباه ماذا فعلت بالدنيا وماذا فعلت الدنيا بي؟ تضعني على حافة المآسي... مأساة وكأنني أفتقد التعاسة داخلي لتمتلئ كأسي المترعة بالمزيد حتى الفيضان وتصفعني بالحياة الصفعة تلو الصفعة حتى لم أعد أقوى على تحمل المزيد...

أخوتي ومعاناتهم التي أحملها، هموم تضاف إلى هموم، وعناء يثقل كاهلي، أتألم لألمهم وأعيش حياتهم مرتين، حتى أنني أكاد أنسى حياتي ومستقبلي وشبابي الذي تسرب من بين أصابعي كدفقات الماء....

صفعات أبي لا تزال موسومة على خدي تؤرخ نهاية حريتي وبداية معركتي الخاصة مع العالم وأولهم أبي... لكن الصفعات تلاشت وكأنها رذاذ مطر عابر، ليغرقني طوفان أحزان أخي حمد وأنسي على أثره كل شئ حتى نفسي..

توضأت وتأهبت للصلاة " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" وانبثقت الدموع من عيني حارة صادقة وحقيقة ... يا رب... يا ودود ... يا ذا العرش المجيد ... فعال لما تريد أسألك بعزك الذي لا يرام وملكك الذي لا يضام ونورك الذي ملأ أركان عرشك بأن تهب أخي حمد ذرية تحمل اسمه... يا مغيث أغثني... يا مغيث أغثني... يا مغيث أغثني... لم أفاجأ بعد ذلك بشهور حينما علمت أن زوجة أخي حمد حامل توأم....



انتهى الجزء آلسآبع عشر

~


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 23
قديم(ـة) 31-12-2010, 06:42 PM
صورة بنـ آلسلطنہ ــوتہ الرمزية
بنـ آلسلطنہ ــوتہ بنـ آلسلطنہ ــوتہ غير متصل
©؛°¨غرامي فضي¨°؛©
 
رد: رواية أنثى العنكبوت / للكاتبة قماشة العليان


الجزء الثامن عشر




أحبك لكنني موجـــــــــــــــع *** فهل أنت يا هاجري تسمع
صددت فأدميت مني الفــــؤاد *** فلم تهدأ النفس والأضلع
ولم أر بعدك ما يستـــــــطاب *** ولم أر بعدك ما ينفــــــع
وإن غرد الطير فوق الغصون *** عجبت له صادحاً يسجع
وأصبح قلبي كطفل يـــــــنوح *** يدور ويطلب من ضيعوا




ورقة وردية معطرة تفوح عذابا وأنينا وقعت في يدي وأنا أصحح دفتر وضحى. لبثت برهة لا أريم وأنا أحدق في الكلمات السجعية أمامي، ثم سحبتها ودسستها بلطف في جيب معطفي وقلبي يخفق بعنف.... ألن يكف هذا الفتي... أن ينسي ... ألن يسلو... حتى متى... وإلى أين؟

تراءى لي وجهه الوسيم ينبثق من وجه شقيقته... عيناه السوداوان تبثاني الشوق والهيام، وابتسامته المميزة تتلو آيات الحب والحنان، ملامحه الوادعة تسألني ألا أبتعد وأسلو...
- أبله... هل تريدينني؟
هززت رأسي وأنا أعيد لوضحى دفترها وأخرج من الفصل إلى حجرة المعلمات لأجدهن يتناقشن بصوت هامس على غير العادة... أمرتني إحداهن بأن أغلق الباب بهدوء فأيقنت أن في الأمر سراً....
قالت فوزية:
- أحلام لقد قررنا جميعاً تقديم شكوى في مديرتنا لمكتب الإشراف التربوي بالمنطقة ثم لمدير التعليم أيضاً...
وقبل أن أسال لم... تابعت فوزية بصوتها الهادئ...
- أنت تعرفين بأنها غير عادلة في المعاملة بيننا خاصة نحن السعوديات والأخريات بنات بلدها. ففي اجتماعاتهن السرية لا نحضر وفي الحصص نصيبهن أقل منا وهن من يتولين الإشراف على الأنشطة وأمور الطالبات... أيضا معاملة هذه المديرة لنا غير لائقة فهي عصبية تشتمنا بداع وبدون داع وتعاملنا بحدة ولا تقبل تأخيرنا في الصباح مهما كانت الأسباب...
قالت فاطمة:
- و لا تنسي ما فعلته معي قبل أيام حينما دخلت على الفصل واتفقت مع الطالبات أمامي على إلغاء الامتحان دون أي اعتبار لوجودي وكثير من المواقف الأخرى التي لا ننساها...
تكلمت صباح بهدوئها الذي اكتسبته أخيراً...
- هذه الورقة دونا فيها أسماءنا جميعا لنرفعها إلى المكتب الإشراف... هيا دوني اسمك ووقعي على الورقة...
ألقيت كتبي جانيا وأنا أهتف:
- لن أوقع؟
صرخت الزميلات في وقت واحد:
- أحلام...
تجاهلت صرخاتهن قائلة:
- عزيزاتي صدقنني لن نجد أفضل من هذه المديرة... ولكل إنسان في الدنيا سيئات وحسنات... إيجابيات وسلبيات... وإيجابيات هذه المديرة تغطي سلبياتها ولا أخفيكن بأنني مرتاحة جدا معها لدرجة أنني لا أود النقل إلى الرياض...
ضحكت إحدى الزميلات باستهزاء... وتهامسن أخريات، فقالت صباح بدون مواربة:
- مرتاحة مع المديرة أم مع وضحى....

جفت ريقي فجأة وامتقع لوني فلم أستطع الرد... لبثت لحظات أحاول أن أستجمع شتات نفسي وأستعيد هدوئي ورباطة جأشي لأتمكن من الرد... ولكن ماذا أقول وأي كلمات ممكن أن تسعفني؟ فمن الواضح أن أمري قد انكشف بين الزميلات وربما في المدرسة ككل بل قد يكون الأمر قد تعدي الهجرة أو القرية بأسرها... يا إلهي... رغم تكتمي للأمر ومحاولتي مداراته بكل الطرق الممكنة والمستحيلة وإخفاءه بقدر الإمكان، اكتشفت مؤخرا بأن العالم أجمع يعلمون عداي أنا... ترى ماذا يعلمون وإلى أي مدى انتشرت أخباري وعلاقتي بوضحى وشقيقها والمراسلات السرية بيننا...

سيطرت على نفسي بصعوبة وتظاهرات باللامبالاة وأنا أقول:
- إن وضحى إحدى طالباتي المتفوقات لذلك فأنا أحبها وأميزها عن بقية الطالبات...
رنت ضحكة ذات مغزى وقالت فاطمة بسخرية مبطنة:
- نتمني ذلك...
اشتعلت غضبا وامتلأت نفسي بالحنق والخجل والاشمئزاز، فمضيت خارجة لا ألوي على شئ ولم أتناول فطوري... استوقفتني صباح قائلة:
- أحلام ... الورقة...
قلت دون أنظر إليها:
- لن أوقع شيئا لست مقتنعة به...

وفي طريق العودة إلى الرياض جلست إلى جوار صباح كعادتي أحيانا... لكنني كنت أعاني تشتتا داخليا مفزعا وأسئلة شتى تطرق رأسي بلا جواب... ماذا عرفت الزميلات بالضبط؟ هل تحدثت وضحى إلى أحد؟ هل اكتشفت شخص ما علاقتي بسعد؟ وما مدى انتشار هذا الاكتشاف؟ هل هو على مستوى المدرسة أم على مستوى القرية ككل؟ وماذا سيحدث لو انتشر الخبر بين زميلاتي؟ كيف ستكون نظرتهن لي؟ وهل سيصل الخبر لأبي فيقضي على حياتي فورا؟ هل أسأل تلك القابعة إلى جواري بصمت لعلها تخفف بعض ما بي؟

ترددت قليلا قبل أن أهمس لها بوجل:
- صباح.. هل... هل... أعني خبر...
قاطعتني بحدة:
- اطمئني فقد مزقنا الورقة وألغينا الشكوى... هل ارتحت الآن؟

وفعلا تنفست الصعداء بأنني لم أتهور وأسألها ما كنت أنوي معرفته، فمهما يكن من أمر، في لحظة أن أحادث" سعد" بما علمته وأسأله الحل...

وفي الموعد المتفق عليه أدرت أرقام الهاتف بأصابع مرتجفة وقلب واجف وعينين حائرتين... كنت أخشى ألا أجده في المكان والزمن نفسيهما ولا أجد من يشاركني هذا الحمل الثقيل الذي ينوء به كاهلي وسمعتي التي أصبحت في مهب الرياح عرضة لكل عاصفة هوجاء وألسنة لا ترحم... إنني لا أخشى على نفسي فقط، فشرفي وكرامتي ليسا ملكي بل هما أمانة أهلي وأبي وأشقائي وأحملهما كرسول يحب أن يحافظ عليهما، ليعيدهما كما هما إن لم يكن أفضل... إنني أحترم اسمي واسم عائلتي عن عقيدة بأن هذا واجب وليس ترفا... أساسي وحتمي وليس جانبيا أو لهوا وعبثا...

صوته الممتد عبر الأسلاك يزلزلني ... يخترق كياني:
- أحلام ... هل أنت مريضة ... ما بك ...لقد انتظرتك طويلا طويلا دون جدوي... هل أنت بخير؟
وتدافعت الكلمات على فمي... تدفق صوتي يحكي له بحرارة عما سمعت ورأيت، عن خوفي وألمي، ترقبي وضياعي، استهزاء الزميلات وغمزهن... سألته في النهاية... هل يعلم أحد ما عن شئ؟
قال بصوت واثق بعث الهدوء والاطمئنان إلى نفسي الخائفة:
- إننا لا نفعل ما هو خطأ أو عيب... ولا يعلم عن علاقتنا الشريفة سوى شقيقتي وضحى وهى لم ولن تخبر أحد ولا تجرؤ على أن تفعل ذلك وهي كتومة جدا بالمناسبة... لكن لا تخشى شيئا ربما لاحظت إحدى زميلات المراسلات بينك وبين وضحى فتوقعت شيئا ما أو شعروا أنها تخصك بالهدايا وحدك ... لكن .. أحلام... لقد قررت التقدم لخطبتك في أسرع وقت ممكن ولن أقبل معارضتك في هذا الأمر...
شهقت بفزع حقيقي:
- إن أبي يعرفك منذ أن قمت بتوصيلي إلى بيتنا وسيكتشف كل شئ....
قاطعني برقة:
- ليس بيننا شئ معيب ليكتشفه ثم إنني أتقدم لك على سنة الله ورسوله ولا أبغي منه أن يبارك لنا الزواج ولن أرفض أي طلب له حتى لو طلب مال قارون... ما رأيك؟
ضحكت بسعادة وأنا أتناسى وجه أبي... أردف قائلا:
- سأحضر لكم بعد غد ومعي أبي وأمي وشقيقي... وسيجمعنا بيت واحد قريبا إن شاء الله وسأسكن معك في الرياض حالما ينتقل عملك إلى الرياض... لكنني أود أن أسألك ماذا تحبين أن يكون اسم طفلنا الأول؟
ضحكت حتى دمعت عيناي وأنا أجيب:
- ليلة الزفاف سأخبرك....

ولم أنهم ليلتها... إحساس بالسعادة أوصلني لمرحلة التعاسة فلم أضحك في حياتي ضحكة قط إلا وأتبعتها بكلمة (اللهم اجعله خير ) هكذا هي أنا أرى السعادة تحمل التعاسة و ألوان الفرح المضيئة تخفي بين طياتها ألوان الحزن القاتمة ولا تعبر البسمة حتى تعقبها دمعة ، لذلك أخشى أيام السعادة وأرتعد خوفا من فرح آت لا ريب ، فخنقت فرحتي تلك الليلة بتشاؤمي المعهود ولم أطلق لخيالي العنان كبقية الفتيات لأتصور ليلة زفافي الرائعة وثوبي الأبيض الناصع يحوطني سعد بذراعه ويجتاز معي خطوات نحو الأمل والسعادة القصوى ... كلا ... كنت أركز أفكاري فقط على الأيام القادمة وما سيحدث بها ...

يوم الجمعة الساعة السادسة مساء ... ما إن خرجت من الحمام حتى تلقفتني زوجة أبي هامسة بأن هناك ضيوفا يرعبون في رؤيتي ... ارتعدت أوصالي بعنف وتسارعت دقات قلبي وأنا أسألها من هم لتشير علي بأن أتبعها بسرعة ... أدركت أنه سعد ... هرعت إلى حجرتي لأنتقي ثوبا للمناسبة ، ولسرعتي واضطرابي لم أجد الثوب الملائم فأخرجت كل أثوابي من الخزانة وألقيتها على الفراش ، ثم وقع اختياري على زي المدرسة اليومي ، قميص أبيض محلى بنقوش سوداء و تنورة سوداء طويلة ثم شرعت في تهذيب شعري الطويل وتجميل وجهي ببعض الرتوش الخفيفة ... وأسرعت إلى حجرة الضيوف لأجد وضحى بوجهها الباسم الخجول تجلس إلى جوار والدتها ... أخذت مكاني بينهم لحظات قبل أن أسمع صوت أبي وهو يعلو ثم صراخه الذي أخذ يتردد في أنحاء البيت :
- ابنتي ليست للزواج ... إنها مخطوبة ...

نزلت علي كلمات أبي كالصاعقة ، فلم أحر جوابا بل مضينا نتبادل نظرات صامتة ذاهلة تغلب فيها الدهشة والتعجب على أي إحساس آخر ... ثم علا صوت أبي مرة أخرى ... علا أكثر فأكثر فملأ الفضاء من حولي وسد جميع الثغرات ليختبئ الصمت في أعماقنا خوفا و خجلا ... قال أبي مواريا آمالي التراب وموجها أولى رصاصاته إلى قلبي :
- قلت لك ليس لدي فتيات للزواج ... إنس الأمر ولا إلى هنا مرة أخرى وإلا طردتك ... ابنتي زفافها بعد شهر واعتبر نفسك مدعوا منذ الآن ...

ضباب كثيف هبط على نفسي فجأة ، فلم أعد أرى شيئا أمامي سوى سماء سوداء كئيبة وطرق تلتف حولي كأفاع سامة تود التهامي ... وخراب في كل مكان ... انهارت معنوياتي وفقدت كل أحلامي دفعة واحدة ، فلم أعد أرى يستحق العيش لأجله أو تحمل الحياة من أجل عينيه ... جفت عيناي فلم أبك وانهمرت دموع الداخل بلا حساب و تزدحم الشهقات الباكية في صدري دون أن تخرج، فتفرز غيظا وقهرا بلا حدود ... أسرعت خارجة من الحجرة دون توديع للضيف إثر كلمة أبي القاطعة ( مع السلامة ولا تريني وجهك مرة أخرى ) .

استوقفتني زوجة أبي فد فعتها عني دون أن أرى ومضيت أصعد السلالم وأشلائي تتمزق مع كل خطوة أخطوها وصوت أعماقي يبعثرني هاتفا: لماذا... لماذا ... لماذا يا أبي ؟ ليأتيني الجواب سريعا على غير انتظار بصفعة مدوية على صدغي ثم أخرى وأخرى وهو يهدر غضبا :
- أوصلك إلى البيت ثم حضر ليخطك ... ما معنى هذا ؟ ما معنى هذا؟ على حافة الانهيار كنت حينما أمسكت أذناي بتلابيب صوته الجهوري وهو يصرخ :

- الفجور والانحلال مكانهما ليس بيتي ، قبل الآن ... قبل أن أغيب عن الوعي أطلق على قلبي رصاصته الأخيرة وحكم علي بالإعدام ...

- استعدي ... زواجك على أبي علي بعد واحد فقط.. لقد طلبك مني مرات عديدة والآن فقط سأجيبه لطلبه ...

أبو علي ... من هو أبو علي هذا... رباه ... كلا ... إنه الشيخ السبعيني تاجر قطع الغيار ،زوج لامرأتين وأب لخمسه عشر ولدا و بنتا ... إنه مصير سعاد يعود لي مرة أخرى ... كلا بل إنه أسوأ من مصير سعاد ، ثم دخلت في غيبوبة أنستني كل شيء مؤقتا.



انتهى الجزء آلثآمن عشر

~



الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 24
قديم(ـة) 01-01-2011, 03:37 PM
صورة بنـ آلسلطنہ ــوتہ الرمزية
بنـ آلسلطنہ ــوتہ بنـ آلسلطنہ ــوتہ غير متصل
©؛°¨غرامي فضي¨°؛©
 
رد: رواية أنثى العنكبوت / للكاتبة قماشة العليان


الجزء التاسع عشر


لم أكن أدرك قبل الآن أن المصائب لا تأتي فرادى بل جماعات وركائب متتالية لمن يعيشها بأنه ليس وحده المصاب والمبتلى، ففي قمة عذابي ويأسي ومصابي شق أذني صراخ ليس غريبا على مسمعي... صراخ حبيب ذكرني بصراخ أمي حينما أهداها أبي الزوجة الأخرى. انقبض قلبي بشدة وتهاوت أقدامي وأنا أسمع صوت شقيقتي بدرية تصرخ من أعماقها... أسرعت أهبط السلالم وبرودة غريبة تسري في جسدي ومئات الخواطر تتزاحم في مخيلتي عما يكون قد جرى لها، دعوت في سري ألا يكون شئ ما قد أصاب أحد أولادها فهم كل حياتها ومستقبلها...

بيد أن دعوتي ربما لم تصل إلى السماء حالما سمعتها تسرد ما حدث لها لزوجة أبي... كنت أقف في آخر درجة من درجات السلم وصوت بدرية يصلني حيث أنا، بل يتردد في أرجاء البيت متعبا متهالكا حزينا، فوقفت في مكاني لا أبرحه تتناهى إلىّ كلماتها الحائرة... سعود طفلها الأكبر ورجلها القادم وفارس أحلامها وأحلام أطفالها الآخرين... سعود الفتي ذو السادسة عشرة من عمره من غذته بدمها ودموعها وأنينها... من نفخت فيه روح الرجولة صغيرا وأطعمته أحلامها وأمانيها وزرعت فيه الحب والخير لك الناس... سعود ذلك الأمل الصغير الذي بدأ يكبر ويكبر ليتضاءل كل شئ ويبدو الأمل سرابا والحلم وهما والمستقبل ضربا من الجنون... سعود ذلك الطفل الذي تشرب اليتم صغيرا وتلفت حوله بحثا عن قدوة ومثل أعلى لرجل يقتدي به في كل أفعاله فلم يجد سوى امرأة... امرأة كسيرة مهيضة الجناح محطمة ممزقة تنظر إليه على أنه إله أو شئ مقدس، فتعطية كل شئ بلا مقابل لمجرد ذكورة مؤجلة وتعطش مرير لرجل يملأ البيت بالهيبة والتقدير... ميزته أنه الذكر الأول يليه بعد ثلاث بنات وذكر آخر... أمل صغير آخر لكنه ليس بحجم الأمل الأول والأكبر. تدفقت عليه ينابيع الحنان من أم تعايش عاطفة بلا رجل وأنوثة بلا رجاء، وأحاسيس معطلة حتى إشعار آخر... ظلم سعود... رغم طفولته وكم الحنان الهائل فقد كانت المسؤولية الملقاة على عاتقه كبيرة... كبيرة لا تتحملها طفولته الغضة ولا يتمه المبكر، فدور الأب والأخ والزوج والابن لم يكن يليق به أو يناسب سنه الصغيرة فنشأ يحاول الهرب ويمارس لعبة الابتعاد حتى حطم القيد الذي يكبله بأمه، فابتعد أكثر وأكثر ليضم إلى جماعة فتيان عابثين، ثم تدرج الأمر من تدخين لفافات التبغ إلى استنشاق المذيبات المتطايرة ثم التحول الرهيب والكبير بتعاطي المخدرات... كانت تحاول إعادته إلى حظيرة الأسرة بكل الطرق الممكنة ولم تكن تحكي أو تشكو لأحد، بل فضلت معالجة الأمر بنفسها كيلا يتطور الأمر وتصبح فضيحة تهدد العائلة ويعلم والدها بالأمر فتكون العاقبة وخيمة... فحاولت معه بكل الطرق بالود والملاطفة ثم السياسة والمداهنة إلى الشدة والقسوة والعقاب ثم الحرمان من النقود، لكنه لم يرتدع بل أمعن في غيه وازداد إصراراً على المعصية حتى جاءها اليوم صباحا في حالة غير طبيعية يهذي ويصرخ ويتهم أشخاصا مجهولين بملاحقته، فحادثت أخي صالح لينقلوه على وجه السرعة إلى المستشفى... المصيبة أن المستشفى حولوه إلى مستشفى الأمل بعد ظهور نتيجة التحاليل بأنه مدمن، ثم أخذت تبكي بحرقة شديدة، تبكي خيبة أملها وتحطم حلمها الوردي إلى أشلاء متناثرة... تبكي الماضي والحاضر... ماضيا لم تختره وأجبرت عليه قسراً وحاضراً بحرمانها من كل حقوقها المشروعة انتهاء بحصادها المر بعد سنوات طويلة من الحب والرعاية ثم انتهى كل شئ بلا شئ...

أسرعت لأضمها إلى صدري، فلا ملجأ لها سواي ولن تجد صدراً يستوعب أحزانها سوى صدري، ولا يداً تمسح عنها عذابها سوى يدي، ولا صوتاً حنوناً يداوي جرحها سوى صوتي... تعانقنا وفي داخل كل منا عواصف من الأحزان. هي بأملها الذي انهار أمام عينيها ومستقبلها الزاهر الذي بنته لبنة لبنة لينتهي في مستشفى الأمل بلا أية بارقة من أمل... وأنا بقتل أحلامي وآمالي على يد أبي وانتهاء قصة حبي نهاية مؤسفة ستظل طوال عمري جرحا عميقا ينزف داخلي بغزارة، سعد حبي الأول والأخير أول إنسان يفتح عليه قلبي... وتزهر به آمالي... أحببته حبا ملأ عليّ حياتي وملك عليّ عقلي وقلبي، أحببته بكل كياني وبكل قطرة دم تسوي في شراييني... ولم يكن اختياري خاطئا... لم أقع في يد سكير عربيد أو لص خبيث أو عاطل متسكع أو حتى عابث يتلاعب بقلوب الفتيات... كلا فمن أحببته واخترته بملء إرادتي كان رجلا بمعنى الكلمة، صادقا وشريفا... أحبني مثلما أحببته بل ربما أحبني أكثر مما أحببته ولم يأت من النافذة سارقا كلص، بل أتي من الباب كأي رجل صادق الوعد والعهد يحترم نفسه كما يحترم حبيبته، ولم يكن ينقصه شئ ليرفض، فهو شاب له مستقبل، مدرس من عائلة مرموقة، أخلاقه فوق مستوى الشبهات، مستواه المادي ممتاز أيضا، فهو مشروع أديب أمامه مستقبل عريض ومع كل هذا فقد رفضه أبي... رفضه بكل قسوة وعنجهية وظلم...

رفضه لمجرد أنه أوصلني ذات يوم فتنبأ بان هناك شيئا ما بيننا وبدلا من أن يوافق ويسارع للم الشمل يرفض الرجل ويصر على الرفض ثم يطرده بلا حياء. وزيادة في العنجهية والغرور وإثبات السلطة يقرر زواجي من عجوز سبعيني لا يعرف الفرق بين الألف والعصا لمجرد إبعاد الشاب عن طريقي ودفعه لأن ينسى أمري ويبحث عن نصيبه في مكان آخر... أي تفكير هو تفكيرك يا أبي وأي ظلم هو ظلمك! قتلتني وأنا لا أزال على قيد الحياة.... حرمتني حق الاختيار وطعم الحرية وإحساس الحب والسعادة وأردتني أداة لظلمك وقسوتك... أداة تحركها كيفما تشاء... تقتلها... تحرقها... تحرمها... أداة طيعة بين يديك بلا اختيار ولا أي إحساس... أردتني كأخوتي تصنع مستقبلهم كما أردت أنت لا كما أرادوا هم، فعاشوا وما زالوا تعساء يعانون خطأ الاختيار ومرارة الانصياع والانحناء للعاصفة... أبي أستطيع أن أقف في وجهك وأرفض اختيارك الظالم لي وأثور على كل الأوضاع، بل أستطيع أن أهرب، أن أنتحر وأقتل نفسي بتوقيعك... كعادتك دائما... لكن لا.. شئ ما في داخلي يمنعني بشدة ربما هو آثار " لا حول ولا قوة إلا بالله" التي جملتها في داخلي إرثاً من أمي أو هو طريق رأيت أخوتي ساروا عليه فسرت عليه كشيء لا بد منه كحال المحكوم عليه بالإعدام حينما يرى رفاقه يعدمون أمام عينيه فهو يحني رأسه باستسلام... كشيء حتمي لا مفر منه أم هي رغبة داخلية في الانتقام... الانتقام من أبي في نفسي... ليراني سلعة ذليلة في يد رجل لا يعرف قدري... ليراني بأم عينيه مهانة كرامتي مستباحة وجمالي يذبل شيئا فشيئا ليغدو إلى سراب... ليراني حزينة ضائعة باكية أرنو إلى أشياء لا أمتلكها وأزهد في أشياء تطفح بها حياتي. ليراني مبعثرة أجاهد حلما يسكنني وأبحث عن أمل مستحيل أهفو إليه... ترى هل بعد كل هذا أرى دموع الندم في عينيه... الدموع التي أتحرق شوقا لأن أراها فتطفئ بعضا من النيران المشتعلة في جوفي والتي لا تطفئها المحيطات. إنه رغم قسوته وجبروته يشعر ببعض الأسى حينما يرى حال أولاده... غصة مرارة... أو ربما سحابة ألم عابرة يمر بها في فترات استشعرتها به في أحوال مختلفة حتى حال سعاد الأخيرة وهي تعود لزوجها ذليلة مهانة بلا آمال وربيع العمر يتبعثر تحت أقدام رجال لا يستحقون... أبي ألا تعتبر... ألا ترى في أحوال أخوتي الكفاية كل الكفاية من هذا المصير الذي تدفعني إليه... ألا زالت شهوة التشفي والانتقام جزءا لا يتجزأ منك؟ لماذا لا ترضى إلا أن تحصد المرارة كاملة والعذاب مضاعفا وعقاب الرب شاملا... لم لا تخفف من الآثام وتكفر عن ذنبك في حق أخوتي بي... فتزوجني من أحببته وأحبني... من سيرعاني حق الرعاية وأخدمه برموش عيني... ممن سنعرف أنا وهو سيمفونية حب كاملة لا يعرفها سوى العشاق... لم يزين بها بيته تضاف إلى قطيع كامل من البشر لا يربطه بها سوى المال والمال فقط لا غير يا أبي.. أبي أين ضميرك وكيف يهنأ لك بال ويغمض لك جفن وابنتك تباع وتشتري كسلعة لها ثمن يضمها بيت واحد موحش مقفر مع رجل عجوز يفوق أباها عمراً لا يجمعهما شئ سوى عقد الزواج، فلا حوار متبادل ولا حب أو ود أو أي شئ مشترك بينهما... فأية هاوية تدفعني إليها يا أبي بقرارك وباختيارك دونما تقدير لإحساسي ومشاعري وشبابي الذي حصدته قبل الأوان...؟

أي تفكير هو تفكيرك يا أبي؟ وأي ظلم هو ظلمك؟ وأي جرف عميق ننحدر إليه جميعا بتخطيطك وتقديرك ومباركتك...؟ حتى سعود هذا الصبي المراهق الغض أشم في انحرافه رائحة غدرك وتخليك ونكرانك. فأي سجلات حافلة سطرها تاريخك أبي بدءا باغتيال زوجتك على مذبح شهواتك مرورا بتدمير أبنائك الواحد تلو الآخر وانتهاء بتشريد أحفادك... عفوا وعذرا يا أبي أستميحك المعذرة، لكنها الحقيقة البشعة التي لو لم أحكها بلساني لنطقت بها عيناي... سعود هو الضحية وأنت الجاني الأول والأخير... سعود طفل غرير نشأ في أحضان امرأة هي أمه ولا وجود لرجل في حياتهما على الإطلاق سوى لمسات بعيدة... بعيدة تأتي أحيانا من الأخوال... ولأنها نادرة وبعيدة ولأنك رفضت زواج بدرية من أي رجل على وجه الأرض نشأ الطفل وهو يشعر نفسه محور الكون والنبي المنتظر بلا محظورات أو محرمات أو أسلاك شائكة يحيطه بها المربون من الرجال، فبدرية رغم فطنتها لن تستطيع ملاحقة الصبي على أرصفة الشوارع لتعرف مع من يتحدث ويسير ويصادق وماذا يفعلون أو يأكلون ويشربون، فهي امرأة أولا وامرأة مقيدة ثانيا وامرأة مكبلة بالأغلال ثالثا، لأنك يا أبي حرمتها الزواج كما حرمتها الحرية وممارسة حقوقها كامرأة، فلا زوج ولا صداقات. تسير ضمن دائرة مغلقة لا تتعداها هي بيتها وأطفالها تحيط بها المحرمات من كل جانب فلا دخول ولا خروج ولا علاقات مع أي كان سوى في أضيق الحدود... مسكينة أنت يا بدرية وتعيس هذا الصبي اليتيم...

همست من بين دموعها:
- أحلام... هل تعتقدين أنه سيشفى ... هل سيعود ... فتي... سويا كما كان؟
جاهدت كثيرا كيلا تسقط دموعي وأنا أقول لها :
- بالتأكيد سيعود يا بدرية وسينسى كل شئ حدث له، فجميعنا نكبر وننسى لكن كفي عن معاملته كرجل بالغ وعامليه بمستوى طفولته وأنك لا تطلبين منه سوى أن يتفوق وينجح... ينجح فقط لا غير... أليس كذلك يا بدرية؟
انهارت في بكاء عاصف حينما دخل أبي وكان رد فعله تماما كما توقعت فقد غضب وصرخ وشتم وكاد يتهجم عليها بالضرب قائلا:
- أنت السبب... أنت من أفسدته بتدليلها حتى حدث ما حدث... إنها فضيحة... فضيحة كبيرة... لكنه لن يعيش معك بعد اليوم بل سيعيش معي وسأربيه كما ربيت أبنائي ولا تتدخلي في شؤونه أبدا بعد اليوم ... أفهمت؟

ومن بين دموعها وقعت بدرية إقرارا لأبي بأنها لن تتدخل في شؤونه ابنها بعد اليوم ولا حتى عندما يتزوج وينجب...

قبل أن تعود إلى بيتها مشتتة النفس حائرة تتقاذفها الهواجس والظنون ويؤرقها مصير ابنها الذي يفارقها لأول مرة في حياتها وحياته قررت أن أبلغها خبر زواجي المرتقب لتكتمل ثالثة الأثافي... نظرت إلى غير مصدقة ثم ضربت صدرها بيدها وهى تهتف:
- هل أنت جادة أم تهزلين؟
قلت لها بلا مبالاة:
- وهل عهدتني إلا جادة يا بدرية ... إن زواجي بداية الشهر القادم كما أخبرني أبي ولا مفر...
انبثقت الدموع من عينيها مجددا وهي تقول:
- وهل ستقبلين هذا الأمر... هل سترضخين .... كلا .. افعلي شيئا يا أحلام... ناقشي أبي... امرضي... اهربي.. افعلي أي شئ.
أشحت بوجهي عنها وأنا أمسح دمعه هاربة من عيني:
- لن أفعل شيئا يا بدرية... وليقدر الله أمرا كان مفعولا...

ثم أدرت ظهري لها وأسرعت أرتقي السلالم بسرعة مذهلة لألقي بنفسي على فراشي وأنا أنشج ببكاء مرير...


انتهى الجزء آلتآسع عشر

~


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 25
قديم(ـة) 01-01-2011, 03:39 PM
صورة بنـ آلسلطنہ ــوتہ الرمزية
بنـ آلسلطنہ ــوتہ بنـ آلسلطنہ ــوتہ غير متصل
©؛°¨غرامي فضي¨°؛©
 
رد: رواية أنثى العنكبوت / للكاتبة قماشة العليان


الجزء العشرون



حلم بشع أو هو كابوس مريع رافقني على مدى ليلة بأكملها... أرى نفسي خلاله على قمة جبل عال وحيدة أنظر إلى مجموعة من الناس أسفل الجبل وأشير لهم بعلامة الوداع... لم أميز هؤلاء الناس سوى زميلتي صباح، والبقية لم أكن أعرفهم أو ربما كنت أعرفهم ولم أميزهم جيداً لكنهم ليسوا غرباء عني أبداً...



نهضت من نومي منقبضة النفس ممزقة الفؤاد أحمل فوق كاهلي أكواماً من الأحزان والعذابات. أجر قدمي جراًُ إلى الحمام ثم أهبط درجات السلم وفي حلقي مرارة، يحيط بي السواد من كل جانب، أرى الدنيا كئيبة تعيسة لا تستحق من يحياها أو يتنفس هواءها... أحسست بضيق شديد في صدري حينما صعدت إلى سيارتنا التي تقلنا إلى الهجرة. أخذت دقائق أجاهد لمحاولة التنفس بشكل طبيعي، لكنني فشلت فقد كان شئ ما لا أدركه يجثم على صدري ويكتم أنفاسي دون أن أراه أو أعرفه...


سألتني صباح وصوتها مغلف ببقايا النوم:
- ماذا بك؟ تتنهدين بقوة كأنك ستموتين...
أجبتها محاولة أن أخرج من قوقعة ذاتي المحطمة:
- لا أدري لماذا أشعر بالاختناق والهبوط النفسي والمعنوي....
قالت ضاحكة:
- ربما هو الحب...
رددت بحسرة عجزت عن إخفائها:
- أين أنا والحب أين... أتدرين يا صباح أن زواجي بعد شهر واحد أو أقل...
شهقت صباح شهقة عالية ودارت بجذعها نصف دورة لتقترب مني أكثر فأكثر ثم قالت بصوت رائق صاف وقد تطايرت منه بقايا النوم تماما:
- حقا... أحقا زواجك بعد أقل من شهر... ومن هو سعيد الحظ هذا؟ هل هو من ... أقصد يمت للقرية التي ندرس فيها بصلة؟


تعالت الصرخات داخلي وازداد وجداني ألما ونحيبا... تقصدين سعد يا صباح بالتأكيد أنت تعنينه بكلماتك... الآن فقط عرفت بأن الزميلات كلهن يعرفن قصة حبي بل ربما الهجرة بأسرها تعرف ذلك... لكن ما لا يعرفه هؤلاء أن سعد ليس من نصيبي وأن أبي قد فرق بيننا إلى الأبد... كلا يا صباح... كلا يا زميلتي العزيزة، فحبي الوحيد لن يتوج بالزواج بل سيداس تحت الأقدام ويموت شر ميتة وإن لم يمت في القلوب فستقتله المرارة والحرمان...
تمالكت دمعي وأوقفت طوفان حزني وأنا أقول:
- كلا يا صباح... زوجي المقبل...


وخنقتني العبرات بيد أنني خنقتها وتغلبت عليها بشجاعة خارقة ولم أشأ إخبارها بالحقيقة الموجعة! فماذا سأجني لو صارحتها بأن زوجي المقبل في خريف العمر يخطو خطواته الأخيرة في الحياة ويرغب في ممرضة للمرافقة أكثر منها زوجة وشريكة حياة؟ تابعت بصوت مخنوق:
- إن زوجي المقبل هو من أقارب والدي...


أمطرتني صباح بعدها بالأسئلة حتى ندمت على تسرعي بإبلاغها بأمر زواجي، لكنها شغلتني إلى حد ما عن آلامي الكثيرة وبددت جزءا من وحشة كنت أستشعرها داخل نفسي... كانت صباح منطلقة مرحة على غير عادتها وكأنها عادت إلى الوراء فترة طويلة.... فترة ما قبل خطوبتها ووفاة خطيبها وكأنها استردت روحها الغائبة مرة أخرى... قالت بمرح:
- هل ستعزمينني على حفل زفافك؟


وفجأة قبل أن أتفوه بحرف حدثت هزة قوية بالسيارة وتعالت صرخات الزميلات الفزعة... لحظات خارج الزمن وقف شعري خلالها ذهولا ... فلم أدر ماذا يحدث لنا.. أدركت لوهلة أنه اصطدام بصهريج مياه ضخم خرج علينا دون أن ندري... ربما غفا السائق أو سها أو أصابه دوار لكن الحادث تم والصدمة القوية ساهمت في تدحرج سيارتنا على رمال الصحراء مرة واثنتين وربما ثلاث مرات... لا أدري... كل ما أدريه أن الصدمة والانقلاب أطاحا بي خارج السيارة من خلال زجاج النافذة المهشم... لحظات رهيبة قاتلة توقف فيها عقلي عن التفكير وعجزت عن الاستيعاب وكأنني في عالم آخر، خيط ما يربطني بالحياة وخيوطي الباقية تقطعت.... صراخ وتأوهات وحريق... حريق هائل يشعل سيارتنا بأسرها فبدت ككتلة عملاقة من النيران اللاهبة تصل الأرض بالسماء ... وعويل ... عويل يصم الآذان و يوقف الدماء السائرة في العروق ، ثم لا شيء ... تلاشى كل شيء في لحظات و لم يبق إلا السكون ... السكون القاتل المخيف ، ينبثق من صمت الصحراء الممتدة بلا نهاية يشكلان لي رعبا بلا حدود... سيارتنا الصالون التي تقلنا وقد غدت كتلة هلامية متفحمة صامتة ... صامتة بكل ما فيها من أجساد وأرواح كانت تتطلع نحو الأمل ... وصهريج المياه بكل ثقله وضخامته منكس على رمال الصحراء بلا حركة ولا أدرى من بداخله هل هم أحياء أم صعدت روحهم إلى بارئها كما حدث مع زميلاتي ... زميلاتي ... آه رباه لا أكاد أصدق ... من دقائق فقط كنا نتبادل الحديث بكل حيوية ونشاط ثم يا إلهي ...مضيت أتحسس جسدي بوجل ... لا شئ ... سوى جروح بسيطة في القدم اليمنى حدثت إثر اندفاعي من زجاج النافذة ... أشعر بصداع شديد يكاد يحطم رأسي... لم أستوعب بعد كوني الناحية الوحيدة من حادث مريع كهذا، فلم يسعفني تفكيري بأي شيء سوى النظر في شتى الاتجاهات لمعرفة أين أنا وفي أي مكان نقبع ... فوجئت بصرخاتي تنطلق بلا وعي منادية : صباح ... صباح ... أبو راشد ... أم راشد ، وترتد صرخاتي إلي مضمخة بالألم والحسرة وبأنه لا حياة لمن تنادي ... دقائق أخريات وبدأ تفكيري يصفو شيئا فشيئا ... أدركت هول ما حدث ... تلفت حولي باحثة عن مخرج ولحسن الحظ تذكرت أنه بعد هذا المرتفع الصخري تكمن الهجرة التي نعمل فيها ،أي أنني قريبة جدا من القرية ، مسافة كيلو متر واحد أو يزيد فقط لا غير ... أحكمت عباءتي الممزقة حولي ومضيت في السير بلا حقيبة أو حذاء ... مضيت أسير دون التفت ورائي ، أحمل الفاجعة داخلي لتمزقني إلى شظايا ، هل يعقل أن زميلاتي كلهن لقين حتفهن ... احترقن ... كلهن ذهبن سدي،لا حول و لا قوة إلا بالله ، منهن الأم والزوجة والفتاة التي تحلم بمستقبل باهر وبزوج يحملها على أجنحة الأحلام ... أمهات تركن وراءهن أطفالا رضعا ينتظرونهن بفارغ الصبر و أزواج عشاق يحلمون باليوم الذي تنتقل فيه زوجاتهم إلى المدينة لينعموا بالاستقرار و الحب و الحنان ... وحدي فقط أنجو ... يا لسخرية القدر ... أنا التي لا أمل لها في حاضر أو مستقبل ... فبعد أن حبي وحياتي فقدت معهما كل شيء...


انتهى الجزء آلعشرون

~


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 26
قديم(ـة) 01-01-2011, 03:41 PM
صورة بنـ آلسلطنہ ــوتہ الرمزية
بنـ آلسلطنہ ــوتہ بنـ آلسلطنہ ــوتہ غير متصل
©؛°¨غرامي فضي¨°؛©
 
رد: رواية أنثى العنكبوت / للكاتبة قماشة العليان


الجزء الحادي والعشرون





أيام قلائل وأدخل شرنقة الاحتضار الأخير فزواجي من هذا الشيخ العجوز موت آخر ... موت بطيء وأيام أبعثرها في اللاعودة تمتص شبابي رويدا رويدا حتى أغدو عجوزا في العشرين ... تماما كشقيقتي سعاد . رباه إن الموت أهون علي ألف مرة من زواج كهذا ، ليتني مت كزميلاتي , لو كنت أستطيع افتداء إحداهن لما ترددت أبدا ... حتى السائق أبو راشد و زوجته هما أحق بالحياة مني . ليتني حشرت نفسي في السيارة المحترقة لأموت معهم حرقا كما متن ، لكن وفجأة بدأت الفكرة تلتمع في ذهني المكدود ... نعم لماذا لا أموت ؟ لماذا لا أموت فعلا وصدقا ... أبدو أمام في عالم أبي والعالم أجمع أنني قد احترقت مع زميلاتي بينما أنا أعيش في عالم آخر... وأين أعيش ... ؟ لم أفكر طويلا ... بل غذذت السير حتى وصلت إلى الهجرة التي نعمل فيها . درت من حولها نصف دورة لأصل إلى بيت سعد ... تمنيت من أعماقي أن أجده في البيت لكنني لم أجده سوى والدته التي رحبت بي أيما ترحيب مندهشة من وصولي إليها بهذا الشكل المزري ... فوجئت بنفسي لم أستطع الحديث أو حتى التفوه بحرف واحد, كنت أرتجف بعنف من رأسي حتى أخمص قدمي , أسرعت أم سعد لتحيطني بالدثارات السمكية وتمددني على الأرض ثم ناولتني القهوة والمشروبات الساخنة ... كانت الصدمة قوية بحيث إنني شعرت بأنني كائن هوائي ,لست بأنسانة حية ولا ميتة بل شيء ما يسبح في الهواء ... في الفضاء ... بين النجوم وكأنني قد أصبت بحالة انعدام وزن ... ففقدت توازني واتزاني ... أدركت أم سعد بخبرتها الطويلة أنني أعاني من شيء ما فتركتني لفترة عادت بعدها لتدلك أقدامي ويدي بماء ساخن ...

جزعت لجروحي الظاهرة فانبرت تعالجها مهارة تحسدها عليها أمهر الممرضات , وقالت إن هناك كدمات برأسي و جبيني ثم صمتت ... أتى بعدها دوري بالحديث أو المفترض أن أتحدث لكنني انتحبت بشدة دون أن أنبس ببنت شفة , ضمتني لصدرها بحنان أم حقيقية ... أم أستشعرها لأول مرة في حياتي , أحسست قي أحضانها الدفء الذي افتقدته والأمان الذي أنشده وأنهارا من الحنان ... رباه كيف أعيش في ماضي أيامي بدون أن أعرف طعم حنان الأم وحب الأم ,إنه شيء مختلف تماما عن كل ما عرفته و عشته ... كم أنت محظوظ يا سعد وأنت يا وضحى بأمكما الرائعة.... إنني أحسدكم حقا... وتمنيت لوهلة بل إنني دعوت لربي بأن يبقيني كما أنا في حضنها وفي هذا المكان الذي أستشعر الأمن في جدرانه الصدئة أكثر من أي مكان آخر في العالم. أتمني لو أغمض عيني في حضنها وأنام إلى الأبد ... مر الوقت سريعاً لأسمع صوت سعد ينادي على أمه في ساحة الدار ، وعندما حاولت النهوض أمسكت بيدها برقة متشبثة بها كيلا تغادرني إلى أي مكان ، فإحساسي المؤلم بالضياع قادني إلى يقين أنني قد وصلت أخيراً إلى شاطئ الأمان الذي لن أغادره أبداً سوى إلى قبري ... لحظات ثم دخل سعد الحجرة ... وحاولت أمه أن تغطيني بوشاحها ، فرفضت الوشاح ودفته بعيداً عني ... أرعبتني نظراته الذاهلة المصعوقة وكأنه ينظر إلى كائن من كوكب آخر ، فاغراً فمه من هول المفاجأة ... قال أخيراً بدهشة :
- أمي ... أحلام ... هل هي أنت .... أحلام ...؟
ولدهشتي الشديدة فكت عقدة لساني فرددت عليه بصوت ليس صوتي :
- نعم أنا أحلام ...
اقترب مني غير مصدق ما يراه محاولاً الإمساك بيدي ... نهرته أمه بأن هذا لا يجوز ... توجه لامه بالكلام قائلاً – أنت لا تدرين يا أمي بما حدث .... لقد كنت أعتقد أن أحلام قد ماتت محترقة ... فقد اصطدمت سيارتهم بصهريج مياه في حادث شنيع وتوفي الجميع محترقين عدا سائق الصهريج الآسيوي ، فهو لم يمت لكنه في قسم العناية المركزة في المستشفى في حالة حرجة ... لقد انتشر الخبر في القرية يا أمي والناس يعتقدون بأن أحلام قد احترقت معهم فلم أتوقع ولا في أكثر أحلامي تفاؤلاً بأن أراها مرة أخرى وأمام عيني هاتين ...
خرج صوتي مبحوحاً محشرجاً وأنا أسأله :
- هل مات الجميع فعلاً ؟
هز رأسه علامة الإيجاب دون أن تحيد نظراته الموجهة صوبي بلهفة ممتزجة بدهشة ... أمسك يدي برقة وهو يقول :
- أحقاً أنت يا أحلام ... أحقاً لم تموتي مع الأخريات ... هل أنت أمامي أم شبحك حضر ليقتلني في الصميم ...؟
إغرورقت عيناه بالدموع ... جاوبتها عيناي وبكت والدته وهي تحمد الله على سلامتي ... سمعنا صوتأً في الخارج لتدخل وضحى ممتقعة الوجه تنظر لي بذهول قاتل ، ثم أسرعت لتلقي نفسها بين أحضاني وهي تجهش بالبكاء ... مر الوقت سريعاً وأنا أشعر باطمئنان غريب وخدر لذيذ يسري في أوصالي المرتجفة . لا أدري هل هو فرحة بالنجاة من موت محقق أم هي سعادة الوصول إلى مرفأ آمن ، أم أنه إحساسي المفاجئ بأنني قد وجدت نفسي أخيراً وأن مكاني الحقيقي بين هؤلاء الأحبة في بيت متواضع عامر بالحب والمودة ... أم بسيطة هي كتلة من الحنان والعطف ... رجل أشعر إلى جواره بأمن والأمان والراحة والاطمئنان فتاة هي أكثر من أخت وأعز من صديقة ... همست أم سعد برقة :
- هيا يا ابنتي ... هيا لتطمئني أهلك على نفسك ... بالتأكيد هم في حالة لا يعلم بها إلا الله ...
عادت ذاكراتي إلى ذلك البيت الكبير والصقيع الذي ينتشر في أرجائه ... الأب الظالم القاسي وزوجته اللامبالية رغم طيبتها وأخوة غير أشقاء لا أشعر بهم . تذكرت زفافي المقبل والقبر الحقيقي الذي ينتظرني فيقضي على سعادتي قضاء مبرماً ... فصرخت جزعة :
- لا يا خالة ... لا يا سعد ... أرجوك لا تعدني إلى هناك أبداً . دعهم يعتقدون بأنني مت محترقة فالموت أهون عندي من أن يزفوني إلى شيخ في عمر أبي...
ثم مضيت أحكي لسعد ووالدته وشقيقته ما حدث لي بعد زيارتهم الأخيرة... وكيف قرر أبي زواجي وسعي إليه... ثم أجهشت في البكاء... احتضنتني أم سعد بحنان وهي تهمس:
- لا عليك يا ابنتي سنحاول أن نوسط الجميع لدى أبيك كيلا يزوجك بهذه الطريقة...
صمت سعد وعلى وجهه سيماء تفكير عميق ثم قال أخيراً:
- لا قائدة يا أمي إنه سيزوجها رغماً عنها شاءت أم أبت...
ضربت أمه صدرها بقوة وهي تهتف:
- ألا تخاف الله يا سعد... وهل تخطفها أنت إذا كان أبوها سيزوجها... ألا تدرك سوء العاقبة؟
تكلم سعد بهدوء وروية:
- أمي... إنني لن أخطفها... ولكنني أفضل اختفاءها المؤقت حتى نجد حلا... ولتختر أي أحد تضمنه من أقاربها بأنه لن يفشي سرها وسأوصلها عنده بكل أمان...
صرخت بلا وعي:
- بدرية... نعم... أوصلني يا سعد لشقيقتي بدرية... وأرجوكم أن لا تخبروا أحدا بوجودي على قيد الحياة...

أمضيت النهار بطوله في بيت سعد ووالدته... وبعد حلول الظلام صعدنا إلى سيارة سعد التي أقلتنا إلى الرياض... لكنني كنت ذاهلة معظم الرحلة أستند إلى ذراع والدته في صمت، وهو ووضحي القابعة إلى جواره في المقعد الأمامي لا ينظران سوى للطريق أمامهما...

ما إن رأتني بدرية شقيقتي حتى وقعت على الأرض مغشيا عليها...


انتهى الجزء آلحآدي وآلعشرون

~


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 27
قديم(ـة) 01-01-2011, 03:47 PM
صورة بنـ آلسلطنہ ــوتہ الرمزية
بنـ آلسلطنہ ــوتہ بنـ آلسلطنہ ــوتہ غير متصل
©؛°¨غرامي فضي¨°؛©
 
رد: رواية أنثى العنكبوت / للكاتبة قماشة العليان


الجزء الثاني والعشرون



صباح وابتسامتها الوضيئة هل غابا إلى الأبد وتشتت أحلامها العريضة على أرصفة الأحزان... صباح تلك الفتاة المبتسمة أبدا وروحها المرحة اللاهية تعربد حولها بفرح طاغ... كلماتها ... ضحكاتها... حركاتها الكثيرة كلها تدل على حياة عريضة كاملة حافلة ممتدة حتى نهايات البشر أو حتى نهاية الكون... لم أتوقع أو أصدق أن هذا الكائن الخرافي ممكن أن يطويه قبر ما.. وللأبد... وأن يصمت صوت الحياة بداخلها للأبد... تلك الضاجة بالمرح، المزيج الرائع من الأمل والحلم والإرادة، هزمتها الدنيا الدنيا مرات لكن انطبق عليها المثل القائل " الضربة التي لا تقتلني تقويني" فخرجت من معركتها قوية رغم حزنها متماسكة رغم ألمها، مبتسمة رغم مرارة الجرح واستجداء النسيان... كانت تطمح بالنقل إلى المدينة إلى جوار أسرتها وتطمح بالزوج الذي ينتشلها من براثن الوهم والكآبة، وينفض عن ثوب عرسها الأبيض عذاب الانتظار، تطمح بأشياء كثيرة لم يمهلها القدر في تحقيقها.. وأراد لها أن تزف إلى قبرها متوجة بأحلام لم تتحقق وآمال تبعثرها الرياح... لحقت بعريسها الذي بكت دوما عليه. رب اجمعهما في الآخرة كما لم يستطيعا في الدنيا، ارحمهما برحمتك يا أرحم الراحمين... تتراءى لي فوزية بوجهها الشاحب وعينيها القلقتين أبدا... دائما قلقة متوترة يخنقها الإحساس بالمسؤولية والتشتت بين عمل بعيد لا يرحم وبيت زوج وأطفال يحتاجونها باستمرار... دموع أبدية تسكن عينيها تهفو للعودة والاستقرار مع أطفالها... لكنه العمل والحاجة له ... لمحتها مرات تبكي في صمت منزوية في الفناء الخلفي للمدرسة، تنظر إلى لا شئ وتبتلع دموعها مع قطعة خبز مبتلة بالعرق والدمع الغزير... تواريت كيلا يجرحها وجودي، سألتها يوما عن سر حزنها، تنهدت وهي تحكي لي عن تمزقها وضياعها وتشرد أطفالها في بيوت الأقارب والعقارب وتهديد زوجها المستمر لها بأنه سيتزوج من أخرى إذا لم تتدبر وسيلة تنقل بها إلى الرياض... وانتقلت نعم انتقلت ولكن إلى الدار الآخرة، انتقلت قبل أن تكتحل عيناها بمرأى قرار نقلها، قبل أن يضمها بيت هادئ وأطفالها الصغار، قبل أن يهدأ بالها وتقر عيناها ... ماتت معذبة مشتتة تعيسة ترقب الأمل بعيون قلقة عله يطرق بابها ذات يوم ولم يطرق بابها سوى الفناء....

حكت إحدى الزميلات للمديرة وأنا أستمع للحديث الدائر بينهما أن الخلافات بين فوزية وزوجها قد ازدادت كثيراً في الفترة الأخيرة، وأنه قد قال لها صراحة إنه لا يشعر بها كزوجة، فهي تخرج قبل شروق الشمس وتعود بعد الغروب متعبة منهكة لا تقوي حتى على الحديث، فما بالك برعاية بيت ومداراة زوج واحتضان أطفال، لذلك هي تشعر جيداً بتأفف زوجها ونفوره بل أخطر من ذلك أنها تعلم العلاقة التي بدأت تنمو بالسر بين زوجها والخادمة. لكن ماذا تفعل... إذا خرجت الخادمة من البيت فستخرج هي منه حتماً ... يؤلمها منظر أطفالها في الصباح الباكر وهي تنتزعهم من سررهم الدافئة لتودعهم عند جارة أو قريبة لحين عودتها عدا قسوة برودة الصباح هناك. ما هو أقسى وأشد مرارة هو الوداع الإجباري اليومي لرحلة لا يعلم إلا الله كيف ستنتهي وعلى ماذا، صراخهم وبكاؤها... تشبثهم وتخليها القسري... تقربهم وابتعادها ثم تمضي رحلتها بقلب ممزق ونفس كسيرة تعد الدقائق والثواني لتعود إليهم ويضمهم حضنها الدافئ، فتتلاشى كل متاعبها وأحزانها ثم تعيد الأيام دورتها من جديد دون أن تتمتع برفقة زوجها وأطفالها إلى رحلة أو نزهة أو حتى زيارة عائلية عادية... يكبر أطفالها دون أن تدرك ... دون أن تتبع نموهم لحظة بلحظة كما تفعل الأمهات، دون مشاركة حقيقية لها بأي شأن من شؤونهم أو شؤون أبيهم، تشتتها الصراعات في أعماقها بين واجبها كزوجة وأم وعملها ودخلها الذي تحتاج إليه لقد انطفأ كل شيء فجأة وماتت فوزية لتموت الصراعات داخلها ولينتظر أطفالها عودتها كثيرا بدون طائل ... سيبكي الأكبر كثيرا لأنه يفهم ويعرف أن الموت معناه الفناء وأنها لن تعود إليهم مرة أخرى, فقد ابتلعتها القرية النائية في جوفها إلى الأبد ولن تقذفها قلقة مجددا، فقد طوتها داخلها بدون عودة... الأصغر لن يفهم سر اختفاء أمه و لن يفهم معنى الموت و الحياة، لذلك سيتعذب كثيرا وكثيرا وسيبحث عنها في أرجاء البيت الصغير وفي وجه كل امرأة يراها ... سيناديها في ليالي الشتاء القارسة وفي حمى المرض الملتهبة ولن تلبي النداء ... سيبحث في ثيابها وأشيائها الصغيرة عن روحها... عن أم كانت له واختفت فجأة ولن يجدها... ثم يكبر وينسى لكنه لن ينسى أبدا تلك القرية التي طوتها وابتلعتها وسيكرهها للأبد... لقد ارتاحت فوزية لكن أطفالها لن يرتاحوا بعدها مطلقاً...

أخذت أنتحب بقوة وأنا أقرأ الخبر في الجريدة، كان يحتل الصدارة في الصفحة الأخيرة وأعلى الخبر صورة لوزير التعليم وهو يعزي أسر الضحايا... كان اسمي من بينهم وأسماء زميلاتي تحفر أخاديد من الأحزان داخلي... لقد ذهبوا بدون عودة... لم يتبق منهن سوى أسماء لامعة وأشلاء محترقة ولا شيء آخر...

احتضنتني شقيقتي بدرية ودموعها معلقة بأهدابها... قالت لي بحسرة:
- ثم ماذا يا أحلام؟
ابتلعت شهقاتي وأنا أقول:
- لا أدري... لكنني لن أدع أبي يتحكم بمصيري، لن أرضخ للطوفان وأحنى رأسي للعاصفة وأتزوج الرجل العجوز ثم أحيا على الهامش وأموت ... كلا لن أعيد مأساتك يا بدرية ومآسي أخوتي، لن أتركه يدفنني وأنا على قيد الحياة، بل سأتشبث وأحاول وأقاوم وأدافع عن حريتي ... عن و جودي ... عن كياني الذي أراد له الاضمحلال ووضعه داخل قفص كعصفور كناري جميل يغرد لكنه لا يطير. يتمتع بالأكل والشرب لكنه محروم من الحرية... كلا يا بدرية فليعتقد أبي بموتي .... ليقم لي سرداقاً ويتقبل العزاء بوفاتي، فهذا أفضل ألف مرة من أن يقتلني وأنا حية... لأحي وأنا ميتة بنظر الناس خير من أن يراني الناس أحيا وأنا ميتة في الحقيقة...
همست بدرية:
- ولكن إلى متى؟
هتفت بثقة:
- حتى أختار الحياة التي أريدها وأشق طريقي بنفسي بلا وصاية من أحد، حتى أتزوج سعد يا بدرية...
صرخت بدرية بلا وعي:
- ماذا؟ تتزوجين سعد؟؟ بدون ولي أمر... هل جننت؟ ماذا يقول أبي لو عرف وقد أضفت إلى جريمتك السابقة بإخفائك خبر نجاتك من الكارثة جريمة أخرى أدهى وأمر وهو تزويج نفسك بنفسك دون علم أبيك...
قلت بهدوء:
- أرجوك يا بدرية كفي عن الصراخ والتشنج، فأنا لست طفلة ثم إن سعد رجل لا يعيبه شيء وهو قد طلبني للزواج فلن أرفض...
نظرت لي بدرية بدهشة شديدة وهى تقول:
- لقد تغيرت يا أحلام... غيرتك تلك الحادثة كثيراً، فبدأت تتمردين على العادات والتقاليد وما عشنا ونشأنا عليه... لكنك لست وحدك المخطئة، بل أنا مخطئة أكثر منك، لأنني رضيت بأن أدخل معك هذه اللعبة السخيفة منذ البداية... وتعذبت كثيراً... تعذبت وأنا أرى أبي وقد أذهلته الصدمة... تعذبت وأنا أرى بيتنا الكبير وقد عم الحزن والصمت أرجاءه.... تعذبت بتمثيلي وخداعي وتحملت... وفي النهاية تصدمينني بخير كهذا.... بالتأكيد أنت مجنونة...

ألقيت نفسي بين أحضانها وأحطتها بذراعي بينما أؤكد لها أنها سندي الوحيد في الحياة وأنني بدونها لا شيء أبداً... أقنعتها بأن زواجي من سعد سيقطع الطريق على أبي من أن يفكر بتزويجي ذات الرجل العجوز وسيضعه أمام الأمر الواقع وربما تنسيه فرحته بوجودي على قيد الحياة أي تفاهات أخرى وسيقبل الأمر بكل شيء بل سيباركه أيضا وسيحتفي بزواجنا ربما...

تنهدت بدرية بقوة حتى أنني أحسست بقلبها ينسحب تحت أضلاعها وهي تقول:
- أنت مصممة إذن...
هتفت بقوة:
- كل التصميم...
ابتسمت رغم دموعها وهي تقول:
- إذن على بركة الله...

ثم دار بيننا نقاش حول الرجل الذي سيحل محل ولي أمري وسيعقد زواجي على سعد... استعرضنا أسماء أخوتي الواحد تلو الآخر... كلهم لا يصلحون... صالح الأكبر والأكثر قربا والتصاقا عاجز عن فعل شيء... رغم رجولته واستقلاله وقربه أن يقف أمام أبي... لا يستطيع أن يخالف له أمراً أو يقوم بعمل دون مشورته ليتجنب غضبه وتحقيره... صالح بشخصيته الباهتة وإرادته التي تقترب من الصفر وخوفه الشديد من كل شئ لا يستطيع أن يتحمل مسؤولية عظمى كهذه، وقد عجز عن تغيير دفة حياته التي لا يريدها وزوجته التي لم يحبها يوما وسجنه الذي رفض أن يحطمه، فبقي سجينا أبد الدهر، زوجاً رغم أنفه يستنشق هواء فاسداً بلا أكسجين ويحلم بحياة يعجز عن تحقيقها ... أحلامه ... أمنياته... طموحاته.... حتى حبيبته الوحيدة، كلها داسها بأقدامه من أجل إرضاء أبي وشراء لمودته... فكيف سيقف إلى جواري في محنة كهذه وهو عاجز عن السير على قدميه والنهوض بنفسه الكسيرة... كلا إن صالحا لا يصلح ولن يصلح أبداً...

خالد أكثر أخوتي فهما وأكثرهم لظلم أبي وجبروته... بالإضافة لهزات الحياة القاسية والضربات المتوالية التي لم تخلق منه شخصا جبانا...

إنه الأصلح والأقدر... لكنه لا ... إنه لا يستحق مني هذا المصير... لن أضاعف أحزانه وإحباطاته بالزج به في معركة غير متكافئة مع أبي... ربما يطرده.... ربما يقاطعه وربما يحرمه من أن يرثه... كل الاحتمالات قائمة وكل الخواطر واردة عدا إقحام خالد في موضوع هو لا ذنب له فيه... يكفيه ما لقيه من أبي، يكفيه ما تعرض له من إذلال تأنفه رجولته وكرامته... وإعراض يجرح صورة الأبوة في نظره فلن أزيده عذابا وإيلاما... لذلك فخالد رغم رجولته وشجاعته ونفسه الأبية لا يصلح إشفاقا عليه من الآتي الذي لا يرحم...

حمد... بعد طول جدب وعذاب ومرارة أشرقت حياته بقدوم توأميه عبد الرحمن وهشام... فأدار ظهره للعالم بأسره ليستقبل وجه طفليه فقط لا غير... يعلم مواعيد رضاعتها وأوقات تبديل ثيابها وأوقات اللعب والنوم... غدت حياته أشبه بمدرب في سيرك، لا يري غير الوحوش التي يدربها... غاب عن الدنيا وعن همومها ومتاعبها باستغراقه الشديد في عالم آخر، عالم طفولي بريء نقي لا يرى الأشياء سوى محاسنها... لذلك لا أدري كيف وقع عليه خبر وفاتي المزعوم... ترى هل انتشله من عالمه المثالي أم أنه مر عليه مروراً عابراً، فلم يشعر به على الإطلاق؟ هل بكى وانتحب أم استمر يدندن بأغنيات البراءة والحلم والمستقبل...؟ هل أحس بفقدانه شقيقته أم أن هذين الطفلين عوضاه عن الدنيا بأسرها، فلم يحس بفقد أحد أو أحزانه غياب أحد..؟ كلا إن" حمد" لا يصلح، ليس انتقاصاً من شأنه... لكن رحمة بفرحته الوليدة وسعادته المتأخرة ودنياه المتخمة بالسرور الطاغي... لن أنتزعه من عالمه البريء لنواجهه بقسوة الحياة الحقيقية... لن نعيد أحزانه من جديد ونحمله مسؤوليات هو أكثر صفاء من أن يتحملها... فلندعه يلهو مع أطفاله وندعو له باستمرار البهجة...

وأخيراً صرخت بدرية... سعود... نعم إنه سعود وليس غيره... طفلها الذي غدا رجلاً... وقد أكسبته التجربة الأخيرة مع الإدمان قوة وصلابة وقدرة على الاحتمال، إنه يعيش مع أبي وتحت رعايته، لكن هذا لا يمنعه من زيارة والدته بين الفينة والأخرى والاطمئنان على أحوالها...

كما حلمت طويلاً حدث... ارتديت ثوب الزفاف الأبيض وتأبطت ذراع سعد زوجي وشريك حياتي... تشيعنا عيون الأحبة من حولنا بالسعادة والحبور... بكت بدرية طويلاً وهي تحتضنني قائلة:
- أنت الصغرى بيننا لم أتوقع يوما زواجك على هذا النحو... سرياً بدون زفة واحتفال أو فرحة من أي نوع...
همست لها ضاحكة:
- هل اشتقت للرقص... وتريدين أن ترقصي؟
ابتسمت قائلة:
- أتمني لك التوفيق من كل قلبي يا أحلام...
أمسكت يد سعد ومعها كل أمنياتي بحياة سعيدة، يملأني الأمل ويزف خطواتي الراقصة قلب لا يعرف المستحيل...

لكنه كان حلماً لا أكثر كعادة الدنيا معي حينما تعطيني كل شيء ثم تبخل علي بأغلى شيء، فقد رفض مأذون الأنكحة زواجي من سعد لأن سعود أصغر من أن يكون وليا لأمري، ثم إنه لن يكون وليا لأمري وأبي على قيد الحياة... حلقت طيور السعادة من عالمي ولن تعود مرة أخرى...


انتهى الجزء آلثآني وآلعشرون

~


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 28
قديم(ـة) 01-01-2011, 10:26 PM
صورة بنـ آلسلطنہ ــوتہ الرمزية
بنـ آلسلطنہ ــوتہ بنـ آلسلطنہ ــوتہ غير متصل
©؛°¨غرامي فضي¨°؛©
 
رد: رواية أنثى العنكبوت / للكاتبة قماشة العليان


الجزء الثالث والعشرون



لم يعد هناك جدوى من الاختفاء والاختباء والتواري... وجودي من عدمه سيان... إذا كان أملي لن يتحقق وحلمي الذي سعيت وراءه طويلاً يوغل في الابتعاد والتلاشي... ما جدوى دفن الرأس في الرمال كالنعامة؟ وشطب اسمي من سجل الأحياء إلى الأبد؟ إذا كنت سأبقي حية بالهواء الذي يتردد في صدري فقط دون أن يجد صداه في حياتي... سجينة بيت شقيقتي وقبلها سجينة نفسي وظروفي... أتطلع لآمال لا تسعها حياتي تماما كصائد الرمال بشبكة صياد... من زرع الخوف في أعماقي؟ متى أثمرت حياة القسوة التي كنت أعيشها؟ لماذا أجني حصاداً لست أنا التي بذرته، دوامة سوداء اقتلعتني من جذوري فوجدت نفسي في بيت ليحل محله الألم والغضب وأشياء أخرى... تكلفت بدرية بسرد كل ما تم الاتفاق عليه للأسرة... حكت كيف وجدني بعض الرعاة فاقدة الوعي خلف إحدى التلال القريبة من مكان الحادث وكيف نقلوني إلى المستشفي المركزي لأبقي فيه أسابيع قليلة حتى استرددت وعيي، فحادثت بدرية لتحضر مع شقيقي حمد ويعيدوني إلى بيت أبي... قبل ذلك بأيام ذهبت شقيقتي بدرية إلى حمد وانتشلته من عالمه الوردي إلى دنيا الواقع المليء بالأشواك.... هزته حد الصدمة وأفاقته على شئ لم يخطر له على بال، فحضر إلىّ مهرولاً من جنته الصغيرة، لأعانقه ونبكي سويا ثم اتفقنا بعدما عرف الحقيقة أن يكتب لي تقريراً طبيا من المستشفى الذي يعمل فيه يفيد بأنني كنت أرقد في المستشفي في قسم العناية المركزة حتى استعدت وعيي...

لم يعلم بالحقيقة سوانا " حمد وأنا وبدرية" وحاولنا إقناع من حولنا بما رويناه، اقتنعت زوجة أبي وأخوتي جميعاً... بيد أن أبي بدا غاضبا وغير قانع... احترت كثيراً في تفسير موقفه وشككت أكثر وأكثر في حزنه لموتي المزعوم، بل كان يبدو حزينا لعودتي للحياة مرة أخرى ويتمني اختفائي من أمامه بأية طريقة...

حدجني أبي بنظرة صاعقة قبل أن يسألني:
- لماذا بم تتصلي بي مباشرة بعد استعادتك وعيك؟
ابتلعت ريقي بصعوبة وأنا أستشعر كتلة حجرية في جوفي لا تخرج ولست بقادرة على ابتلاعها... قلت برهبة:
- ل... لم أتذكر سوى بدرية... وحدها... التي تذكرت!
ضمتني زوجة أبي وهي تبكي قائلة:
- كم كان البيت موحشا بدونك... وأشياؤك... إنها...
ثم انتحبت بصدق وحرارة ليبكي الجميع لبكائها...
ثم قالت شقيقتي الصغرى ببراءة متناهية:
- سامحيني يا أحلام لقد سرقت ثوبك الأحمر وأطواق شعرك الملونة لكنني سأعيدها لك فوراً...

ومضت تصعد السلالم بسرعة قبل أن أتفوه بحرف واحد... مشاعر الحب من حولي لم تعد لي سلامي الداخلي، ولم تبث الفرحة المتلاشية في قلبي، بل على العكس من ذلك، فقد أثارت شجوني وبعثت أحزاني المدفونة من رقادها لتعود حية قوية متدفقة من جديد... وتطرق أبوابي بعنف وصلابة.... حبي الذي انتهى قتيلاً بلا أمل في حياة، وزميلاتي اللاتي تبعثر شبابهن على رصيف الحاجة والمستقبل، فانتفت الحاجة وضاع المستقبل، فلقين حتفهن شهيدات لمعركة لم يختزنها ولم يخضنها بإرادتهن وتركن وراءهن نفوساً ضائعة وقلوباً تحترق... ثم جاء قرار نقلي المتأخر إلى الرياض كرصاصة الرحمة التي أطلقها الجلادون على قلبي... أرادوا الرأفة بوضعي كناجية وحيدة من موت محقق، لكنهم بهذا قذفوا بي إلى أتون الجحيم، فقد انتهي كل شئ يربطني بسعد، بعد هذا النقل المفاجئ، لن أراه بعد اليوم ولن تخطو قدمي أرضه الحبيبة، ولن ألتقي بعيني شقيقته المعبرتين... لن أعيش الأجواء التي أحببتها حتى الثمالة، منظر القرية من بعيد، بيوتها الطينية المنخفضة... مدرستي الحبيبة... حجرة المعلمات التي كانت ميداناً لأفكاري، صراعي اللذيذ بين قلبي وعقلي، حجرة الصف وطالباتي الحبيبات بطيبة قلوبهم العجيبة المعجونة بماء هذا التراب الحبيب... حتى المديرة المترعة بحنان الأمومة وروعة التعامل الودي، إلى الأرض الطينية لفناء المدرسة الكبير... لقد بنيت عليه بيوتاً من خيال ورأيت أحلامي تدرج فيه وتمضي وتكبر... نصبت عليه خيمتي الصغيرة التي ضمتني وسعد وسعادة بلا حدود... وتشرب التراب الحبيب دموعي الغزيرة فشكل عجينه طينية أرتق بها ثقب أحلامي لماذا؟ لماذا يأتي نقلي الآن بالذات بعد أن ضمر أمل زواجي من سعد وبات يندرج في خانة المستحيلات... لماذا يضن عليَ المسؤولون بأمل البقاء معه في مكان واحد وأرض واحدة وتنفصل خطواتنا، فلا نعود ندرج على قريتنا الحبيبة سويا بل يخطوها سعد وحيداً دامعاً ينظر إلى مدرستي السابقة بحزن يمزق الضلوع وقلب يعصر ألما ومرارة ودموعا متحجرة تزرع البؤس والفناء... لم يكن همي النقل منذ وطئت قدماي تلك القرية، ثم تشبثت بها كما يتشبث الغريق بالقشة التي تطفو على الماء، ثم ضربت جذور حبها عمقا كبيرا في قلبي وكياني فلم أعد أستطيع البعد عنها يوماً واحداً... حتى بعد الحادث الأخير فقد كان أملي الكبير في الحياة على أرضها يخفف من ألم ابتعادي المؤقت عنها... لكن بعد النقل... الذي لم أطلبه يوماً ولم أكتب به طلبا كزميلاتي اللاتي كن فعلا بحاجة إليه، فمنهن الابنة والزوجة والأم والحبيبة ولم أكن من هؤلاء، لكن الدنيا هكذا تعطي الإنسان ما هو ليس بحاجة إليه وتسلبه ما يحتاجه ويطلبه وحدث ما كنت أخشاه منذ عدت لدار أبي، فقد اجتمع بي أبي ذات مساء وأنهى إلى أمر زواجي وأنه بات مقرراً بعد أسبوعين... شهقت بهلع وقد اهتز كياني:
- ومن هو يا أبي... أقصد... زوجي القادم...؟
قال بحسم وهو يمد لي يده بصورة فوتوغرافية:
- الشيخ أبو علي تاجر قطع الغيار... وقد طلب سرعة تجهيزك لذلك أبدأي منذ الغد في التسوق... سأعطيك مبلغا من المال لترافقي أم بدر وأختك بدرية للسوق...

تنازعت المشاعر فلم أدر بماذا أجيب... إنه يبيعني بثمن بخس ويعرض عليّ ببساطة أن أكفن نفسي للموت وكأنه ليس موتاً... وكأنه ليس انتهاء وتلاشياً... لملمت أشلائي الممزقة وجراحي الندية، وبقايا من كرامتي السليبة ومضيت أحدق في الصورة التي احتوتها يداي. ملامح صارمة جامدة لوجه مجدور منفر مترهل وقبيح... فرت الدماء من عروقي وجف ريقي وتصلبت يداي... أضحت الصورة ترتجف بين يدي... وصرخات عالية تدوي داخل كياني... كلا... لن أتزوجه كلا يا أبي أرجوك لن أتزوج هذا المسخ الآدمي المشوه... لن أدفن شبابي معه... كيف أجالسه وأبادله الحديث وأتناول الطعام معه... بل كيف أراه وأنظر إليه دون أن أتقيأ ويصيبني الاشمئزاز والغثيان... أبي ارحمني واتق الله في ابنتك التي تقودها نحو الهاوية... ربما تكون مجبراً على هذا الزواج لتنسيني سعد، لكن يا أبي ليس هذا هو من سينسيني " سعد" ولا عشرة من أولاده وأحفاده سينسوني " سعد"... إن " سعد" يا أبي كالمرض الخبيث، قد تمكن من نفسي وروحي فملكهما واستشرى دخل نفسي وضلوعي وامتد يسري مع الدماء والشرايين ثم يضخه القلب مرة أخري ليعاود الكرة مرات ومرات... إن سعد يا أبي هو حياتي التي أعيشها ودنياي التي أحياها وإذا أردتني أن أنساه فاقتلني فوراً وحالاً فسيطويني وحبه قبر واحد على أمل اللقاء في الآخرة... إن هذا الرجل المنفر الماثل في الصورة سيزيد من حبي لسعد بل سيؤججه ويشعله ويقطع أي أمل لي في حياة سعيدة هانئة... أبي أرجوك لا تقتلني مرتين... فإذا كنت قد رفضت " سعد" زوجاً لي فدع الزمن يداوي جراحي... ويبرئ نفسي ويخفف أحزاني... وبعدها ربما أتزوج وأنسي وربما يقتلني الحرمان فأموت... سألني أبي بهدوء:
- ما رأيك يا أحلام؟

تدافعت الكلمات لتخرج من جوفي فلم أنطق... لم أحر جوابا... بقيت أحدق في الصورة ذاهلة وقد تجمدت الدموع في المآقي وتحجرت الصرخات في الأعماق وتصلبت اليدان على الصورة بجنون... أردت أن أتكلم... أعبر عن رأيي، عن رفضي، عن عذابي، أن أصرخ بوجهه مهددة بأن أقتل نفسي لو أجبرني على هذا الزواج أو اهرب من البيت أو في أحسن الأحوال ألجأ إلى القضاء... تملكتني لحظتها بجنون عنيف أردت أن أمزق ثيابي وأدوس على الصورة القبيحة بأقدامي ثم أنثر شظاياها بوجه أبي...
قال أبي بنفس الصوت الهادئ:
- السكوت علامة الرضا... إذن فأنت موافقة...
سحب مني الصورة بنفس الهدوء القاتل المعذب... ومضي ينشب مخاليه الحادة فيما تبقي من رفاتي المتحللة، بنفس تجردت من كل معالم الإنسانية ومعاني السمو والرحمة...
- سيدفع زوجك المقبل مهراً كبيراً اتفقت معه عليه سأعطيك جزءاً منه والجزء المتبقي من حقي، فقد ربيتك ورعيتك ولم أبخل عليك بأي شئ أردته...

اندلعت النيران في أعماقي وأنا جالسة أتشبث بمقعدي خوفاً من الانهيار والتجاوز... لقد طالني ظلمك أخيراً يا أبي وأنا التي انتظرت أياما وشهورا في سلسة لا تنتهي... مضيت أنظر عذاب اخوتي وخذلانك لهم وأنا أرتقب دوري بحدس لا يخيب وخوف يخالطه رهبة كمن ينتظر دوره لدي طبيب جراح بعد سلسة من المرضى... كنت أنتظر واثقة بأن أجلي سيحين عاجلا أم أجلا... وقد حان أجلي وبدأت يا أبي بضمير غائب ونفس متجردة من كل معاني الإنسانية والرجولة بظلمي وسلبي من أبسط حقوقي، بدءاً من حبي الذي قضيت عليه بدون وجه حق، وفرقت بيني وبين حبيبي للأبد، مروراً بدفعي إلى زواج غير متكافئ ويفتقر إلى أدني مقومات الزواج الطبيعي دون بارقة أمل أو بادرة تدل على انسجام أو سعادة في قادم الأيام، وانتهاء بقبض ثمن بيعي لتضيفه إلى رصيدك المتنامي في البنوك بعد أن ألقيت لي بالفتات، وكأنك كنت تربيني وترعاني لتأخذ ثمني أضعافا مضاعفة، رغم أنني كنت أعتمد على نفسي منذ التحقت بالجامعة وبدأت أتسلم مكافأتي الشهرية... وقتها فقط بدأت أعرف طعم الحياة التي لم أعرفها قبلاً... ابتعت لنفسي ما أحب من الثياب والحلى والحلوى والهدايا الصغيرة التي أهديها لمن حولي في المناسبات ولم تدفع من جيبك قرشاً واحداً عليّ منذ التحاقي بالجامعة عدا الطعام الذي نتناوله جميعا مع الخدم... أحسست بدموعي تحرق عيني... تود الانهمار بغزارة احتجاجا على الظلم والقسوة والألم وأمنعها قسراً كيلا أستبيح ما تبقي كرامتي وكبريائي... تراءى لي وجه أمي... لا أدري لماذا تراءى لي وجهها هذا الوقت فقط دون بقية الأيام السابقة... ترى هل كنت أشعر بحاجة إليها، أستمد من خيالها طاقة على الصبر والاحتمال، أم كانت تمثل لي الاستسلام اليائس والخنوع الذليل والامتثال على ما ليس لنا طاقة بتغييره أو احتماله...؟
فوجئت بنفسي أهتف:
- لا حول ولا قوة إلا بالله...

نظر لي أبي فجأة بذهول وترقب وكأنه خشي أن أكرر مأساة أمي أو أعيد الكرة كشقيقتي ندى، لكنني فاجأته بعيون صلبة صلدة لا تحمل أي معان ووجه جامد خاو خال من أية تعابير... تحول ترقبه إلى نظرات مقت وازدراء ثم تجبر وقسوة قبل أن يقول:
- استعدي من الآن... فزوجك قريب.

أي زواج يا أبي هذا الذي تتحدث عنه... ؟ أية فرحة تنتظرها بانكسارات الآخرين؟ أي رقص على الجراح سترقصه؟ أي شراب يمتلئ بدموع العروس، ستفرقه على مدعويك...؟ أي قلب معذب ستهديه لصديقك العريس ومع أطنان من التعاسة والتمزق وحب يتشبث بالروح مختبئ في أزقتها ودهاليزها، مقسماً أن لا يفني حتى تفني هي... أو يفنيا معا... أي عروس تلك التي تتباهى بها وبأنها فتاة غضة طاهرة الذيل لتقدم لعجوز فان... قسماً إن العجوز أفضل منها بكثير، فشبابها يتآكل من الداخل ويذوي بلا حساب وروحها كسيرة وقبلها انطوى على الأحزان... إنك تخدعه يا أبي وستكتشف خدعتك قريباً...

ثم أجهشت ببكاء مرير...


انتهى الجزء آلثآلث وآلعشرون

~


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 29
قديم(ـة) 01-01-2011, 10:28 PM
صورة بنـ آلسلطنہ ــوتہ الرمزية
بنـ آلسلطنہ ــوتہ بنـ آلسلطنہ ــوتہ غير متصل
©؛°¨غرامي فضي¨°؛©
 
رد: رواية أنثى العنكبوت / للكاتبة قماشة العليان


الجزء الرابع والعشرون



أكنت حية أم ميتة تلك الليلة...؟ أكنت ملء السمع والبصر أم في غياهب النسيان؟ لا أذكر سوى أطياف باهتة لخيالات ضئيلة ثم تذوي حتى يطويها الزمان... يتناهى إلى سمعي ضحكات خافتة ونساء يتحدثن وصراخ أطفال... تتسلل إلى أنفي رائحة البخور مختلطة بشذا العطور المختلفة وروائح العرق. أصداء لأصوات بعيدة ورائحة طعام زكيه.... تخترق ذاكرتي ثم صمت أبدي... اختلط عليّ الأمر مراراً... بدوت جثة ثلجية محاطة بكومة من الثياب البيضاء اللامعة... أكنت أنتظر الدفن أم أنتظر جثة أخرى قادمة لاصطحابي؟ إلى أين؟ بالتأكيد قبر واسع بارد يسعنا نحن الاثنين بحوائط ثلجية راسخة وبقلوب دامية ونفس صدئة بالأحزان...

سمعت صوتها بقربي... إنه صوت أعرفه... صوت حبيب وقريب إلى قلبي:
- أحلام... هل أنت بخير؟

لم أرد... وبماذا أجيبها وهي تعرف تمام المعرفة ما بي... تعرف قلبي المعلق بسعد وروحي المشتته لبعده عني... تعرف أيضاً قصة بيعي وشرائي وقصة تحنيطي استعداداً للدفن... وكم قضيت وإياها ليالي ساهرات نبكي وننتحب دون أن تعطيني أملاً واحداً في مصير آخر أو حياة أخري غير تلك التي أنساق إليها رغما عني... دون أن تغذي نفسي بالتحدي والتصميم أو تغريني على الرفض والتحدي... ولكن ماذا بيدها هي حتى تفعله، إنها غير قادرة حتى على الكلام، إن فاقد الشيء لا يعطيه، وهي تفتقد كل شيء، الحرية والأمل والمستقبل وحتى القدرة على التعبير... إنها ميته مثلي حتى لو سارت وأكلت ونامت... إنها مسلوبة الإرادة مشلولة التفكير، إنها عاجزة حتى عن اختيار مستقبلها وإخضاع أبي لإرادتها، إنها عاشت وستموت كما أراد لها تماماً، أرملة وحيدة كسيرة تربي أولادها وهم يكبرون أمام عينيها ولا شئ آخر... أعادت عليَ السؤال بطريقة أخرى:
- أحلام... ما بك؟

وجدت نفسي أبتسم بمرارة... أبتسم بألم... أبتسم وكياني كله يبكي، أشفقت عليها من جوابي، فمهما يكن فهي شقيقتي الكبري... الضعيفة العزلاء، التي ليس بيدها لا حول ولا قوة...

ثم دخلت في نوبة من الذهول والصدمة أنستني كل ما يدور أمامي، فلم أعد أرى بعيني سوى ضباب... ضباب كثيف يهطل بلا انقطاع ويملأ الصمت داخلي ومن حولي... غرقت في عالم داخلي بلا حدود أو عوالم، وخفتت الأصوات من حولي شيئا فشيئا، حتى تنبهت فجأة لوجه حبيب يقترب مني... وجه خفق له قلبي واضطربت جوانحي، وجه سكن قلبي وتربع على عرشه بدون منازع... وجه أحيا له ومن أجله وأحببت الحياة لوجوده فيها، وما إن يغيب عن عالمي حتى تتبدى لي البشاعة في كل شيء، حتى في وجوه أحبتني، وأفتقد طعم كل شئ وأمقت كل شئ... كلا... مستحيل هتفت بلا وعي ودموعي تغرق وجهي... سعد... سعد...
تلقفتني اليدان برهبة وجاءني صوت نسائي أعرفه جيداً وأحببته مراراً:
- كلا يا أحلام... أنا وضحى...

حتى هذه اللحظة، وفقدت كل تماسكي ورزانتي وهدوئي... ألقيت نفسي بين أحضانها أنتحب بيأس، تحول وجهي في لحظات إلى خارطة ألوان ممزقة... لماذا جئت يا وضحي؟ لماذا الآن فقط أقبلت؟ لماذا ذررت الملح على جرحي ونكأت جروحاً أقفلت على صديد؟ لماذا جئت وجلبت معك الحنين والأمل واسترجعت معك حب الحياة والتشبث بالإرادة..؟ لماذا تعودين الآن فقط وتبذرين في صحارى يأسي قطرات رجاء لا تتحملها إرادتي الضعيفة ويعجز عنها عالمي التعس...؟ لماذا تعودين فتقضين على الباقي البقية من تجلدي وصمودي...؟ وكيف أتقبل الآن حضنا غير حضنك ونفسا غير نفسك وذراعين غير ذراعيك المحملتين حبا وشوقاً بلا حدود من ذلك الواقف في الظل في أحد الشوارع الخلفية المظلمة يبكي بلا انقطاع ويمتلئ صدره بالحسرات والآلام... ذلك الذي يرى أنوار عرسي تزيد ليله الحالك ظلاماً ودقات الدفوف تملأ قلبه الظامئ اشتياقاً وحنينا وضجة العرس خواء مريعا وصمتا داخليا يقتله ألق مرة ومرة... قولي له يا وضحى أن يخفف دموعه ويتعالى على أحزانه ويطوي جرحه داخله وينساني... قولي له يا وضحي إنني قد مت منذ ودعته آخر مرة وإن هذا العرس ليس إلا مأتما حزينا يقودني نحو القبر الأخير... أقسمي له يا وضحى بأنني لن أكون لغيره ما حييت... ولينسني هو... لينس أنه أحبني يوماً وليحب أخرى غيري ويتزوجها، أما أنا فليرحمني الله... أوصيك يا وضحى بسعد خيراً، فلا تنكأي جراحه ولا ترغموه على ما لا يريد، وإن رأيته يوماً باكياً أو دامع فقولي له بأنني لن أنساه أبداً طوال العمر.

من بين ضباب دموعي أحسست بمن تنزعني من أحضان وضحى بشدة وعنف ثم سمعت صوتاً يقول لوضحى:
- لماذا حضرت...؟ لقد كانت هادئة وصامته قبل أن تحضري...
تناهي إلى صوت وضحى وأنا في غيبوبة أحزاني:
- إنه سعد قد أمرني أن أوصل لها رسالة...
رد الصوت عليها حانقا وقد عرفت أنه صوت شقيقتي بدرية...
- رسالة!! وفي ليلة زفافها؟ هيا أذهبي من هنا رجاء... وليعنا الله على تهدئتها...

حاولت أن أتكلم... أن أطلب رسالة سعد بعد أن طلبتها كل جوارحي... حاولت أن أنطق لكن دموعا هادرة كاسحة اعتصرتني اعتصارا حتى غدوت كقطعة بالية لا يحويها شئ... سمعت أصواتا كثيرة من حولي... أحدها ينصح بإعطائي أقراصا مهدئة والآخر يوصي بإعادة تزيين الوجه مرة أخرى... وامتثلت لكل شئ... تناولت أقراصاً كما طلب مني، وسلمتهم وجهي ليضعوا عليه ما شاؤوا من ألوان... فلن ترسم تلك الألوان الفرحة على وجهي ولن تعيد صفائي وابتسامتي... لن تخلق روحاً مرحة ولن تصنع سعادة مفقودة... لن تزرع ألوانهم الضحكة على شفتي ولن توشي عيناي بتألق سرور لست أستشعره داخلي... مضيت متجمدة صلدة كقطعة ثلج خرجت لتوها من التجميد وزادتني الأقراص المهدئة خدراً وابتعاداً، فلم أستشعر شيئا مما يدور حولي، وكأنني كنت في عالم آخر أتفرج على إنسانة أخرى يحدث لها ما يحدث لي وتساق لحتفها كما أساق لحتفي وتؤخذ غدراً واحتيالاً..

تعالت أصوات حادة من حولي خلتها في بداية الأمر نواحاً وعويلاً ثم اكتشفت أنها زغاريد مع دخول العريس... لدهشتي وذهولي لم أشعر بشيء على الإطلاق. لا خوف ولا رهبة ولا ترقب ولا مشاعر من أي نوع ... فقط هدوء وتبلد مشاعر ثلجية لا تذوب...

اقترب الوجه البشع مني... يداً باردة تحاكي مشاعري، تمسك بيدي، أمشي باستسلام وتجلد، أساق إلى نهاية لم أخترها وحياة لم أردها... عالم سطره والدي سطراً واختاره حرفاً دون أن يفكر في تبعات أي شئ يفعلة...

غبت في غيبوبة أخري والوجه القبيح يتفحصني بدقة وكأنه يعين بضاعة استلمها للتو ليتأكد من صلاحيتها وخلوها من العيوب...

أعجبته رغم تمزقي وضياعي... أعجبته البضاعة الشابة الجديدة رغم قلبها المسلوب وروحها المفقودة... اكتشفت ذلك من ابتسامة وضيعة كشفت عن فم يخلو من معظم الأسنان...

ابتلع عدة أقراص لا أرفها وشرب أدوية ومساحيق أجهلها ثم تخلي عن آدميته دفعة واحدة وتحول إلى وحش كاسر يلوح بأنيابه ومخالبه... ثم أفقت على الحقيقة المروعة... ثيابي ممزقة بلا رحمة وشيخ يئن عجزاً وانكساراً... عيناي تبتلعان الدموع، فما عاد لها جدوى أو نفع. أحدق في السقف الماثل أمامي بعيداً كقاع بئر مخيفة ثم قريباً كفوهة بركان يوشك أن ينفجر ثم ترقص الجدران أمامي بدون غناء أو موسيقي... تدور بي الدنيا، أكاد أدخل غيبوبة متواصلة قبل أن أرى نحلة في منتصف السقف أو ربما كانت ملكة النحل كبيرة ومخططة باللون الأسود... تنظر لي بعينيها السوداوين وقد أنهت أحد أمورها الخاصة... لم أكن أدرك ما يحدث لي تماما حتى توالت الصفعات على وجهي قوية ثابتة وكأنها ليست الأيدي التي كانت تهتز منذ برهة ضعيفة عاجزة... صرخات حادة من حنجرة تحتضر:
- لماذا لا تساعديني...؟ أنت لا تريدينني ولا ترغبين بي كزوج... أنت فاجرة وتريدين فتي صغيراً من سنك...

لم أفهم... كيف أساعده... وماذا أفعل... ولا كيف لطماته العشوائية على صدغي وكتفي وكل مكان من جسدي...
نظرت إليه بصمت وبلا دموع... بعينين فزعتين متسائلتين أثرت غضبه من جديد فأعاد الكرة الفاشلة مع مزيد من الضرب والتعذيب...

وأدركت كل شئ فجأة وبلا مقدمات. إنه يبحث عن حائط... حائط فقط وليس زوجة، حائط يلقي عليه بكل إحباطاته وفشله وقذارته، حائط يجلده كل يوم ليفرغ به حمولة أعوام طويلة من القهر والصمت والانحناء... في ليلة واحدة طالت قامته حتى تجاوزت كل الحدود وتقزم كل من أمامه ليمارس تجاربه المكتوبة على بشر أسوياء فيفشل المرة تلو المرة فيتحطم حاجزه أمام ذاته... فتبدو نفسه على حقيقتها بشعة ضئيلة عاجزة، لأنه لا يقر بالعجز ولا يعترف به يمضي في ممارسة سلطاته العنترية على من هو أضعف منه فيقسو حتى لا يتبقي لمن أمامه ذرة كرامة أمام فقدانه الإنسانية والعطاء...

كان واقعي حقيقيا، لم تفاجئني به أيامي أو تفرضه علي ظروفي... كنت أستشعر التعاسة مقدما وأدرك حجم مأساتي قبل أن أغشاها وأعلم أنني أسير في درب مظلم شائك لمستقبل أكثر ظلاماً وإعتاماً... لذلك كان تقبلي لواقعي هادئاًً حد الركود، مثيراً حد العجب، لم أصرخ أو أبك احتجاجا وألما، فزمن البكاء قد انتهي منذ فقدت حبي وحريتي، أما الاحتجاج والتحدي فلا مكان لهما في خارطة عقلية أبي وتفكيره، فلن أجني سوى المزيد من القمع والإذلال... لم يكن من أمر سوى الخنوع والصمت والامتثال مهما كابدت أو قاسيت... تعذبت أو بكيت... ضربت رأسي بالحائط أو بحجر لا فرق وسيان... لا بد مما ليس له بد...

بكيت طويلاً على صدر شقيقتي بدرية. بكيت وأنا أستشعر حنانها الدافق وأحضانها الدافئة أسألها بشوق ودموع تنثال على وجهي بغزارة:
- ما أخبارك... وسعود... هل كل شئ على ما يرام؟... و..
قاطعتني بإشفاق:
- رويدك يا أحلام... تخاطبنني وكأنك لم تريني منذ أعوام لا منذ أيام فقط...
ثم أردفت ضاحكة:
- أخبارك هي المهمة... ما هي أحوال العروس؟
شردت نظراتي طويلاً حتى جفت دموعي وغرقت في دوامة صمت جديدة. غاضت الابتسامة عن وجه بدرية ولاحظت ارتجاف يديها وهي تهتف:
- أحلام... لقد أقلقتني؟ هل أنت حزينة لأنه رجل عاقل وكبير في السن لقد كنت تعرفين هذا جيداً قبل أن تتزوجيه... أم أنه لا يعاملك جيداً...

عاودني التمزق والضياع وأسئلة حيري تتقاذفني دون رحمة... هل أشركها في مأساتي الجديدة... وهل في قلبها متسع للعذاب؟
ألا تكفيها مأساتها الأزلية كأرملة أبدية بدون أمل أو رجاء عدا تشتتها بين عشرات المشاكل الصغيرة والكبيرة التي تتوالد في بيتها بلا انقطاع... إهمال من أبي، برودها مع زوجة أبي وافتقادها الحنان والرعاية من أخوتها...

همست بقلب واجف:
- بلي يا بدرية إنه يعاملني جيداً...
أحسست بارتياحها النسبي وهي تقول:
- لم إذن لا تنسي سعد؟

سعد ... ياه... لقد ذهب تفكيرك بعيداً يا بدرية... لقد قطعت أشواطا لم أفكر لحظة في تخطيها... لقد عبرت الفيافي والقفار والمحيطات التي حالت بيننا، في غمضة عين... كلا بدرية... كلا يا حبيبتي إن " سعد" أصبح بمنأي عن كل ما يدور في حياتي من نكبات متواصلة... إن " سعد" أصبح بعيداً كحلم بعيد المنال أو كنجمة لا تطالها الأيدي، بل غدا سعد كرابع المستحيلات الثلاثة... أحتفظ به في قلبي منجماً للحب يغذي نفسي التائهة بومضات حب تساعدني على الصمود والاستمرار... تساعدني على احتمال كل الظروف مهما قست واستبدت.... سعد يا حبيبتي هو من أعطي لحياتي معني، ولوجودي بريقاًً، ولكابوسي الذي يتجدد احتمالا... سعد هو سعادتي المفقودة فكيف تريدين مني أن أنساه يا بدرية؟ إن هذا هو المحال بعينه...

أردفت مغيرة الموضوع ككل وكأنها قد ندمت على فتحه:
- هل انتهي كل شئ مع زوجك على ما يرام؟

حانت مني نظرة عابرة إلى وجهها، فألفيتها تبتسم بخجل... أشحت بوجهي لأتابع ابن بدرية الصغير الذي كان يرافقها وهو يحاول بصعوبة فتح زجاجة المشروب، ولما فشل حطمها بقوة على الأرض لتتناثر شظاياها في كل الاتجاهات... أحسست بألم الانكسار وقسوة التحطم فانكفأت باكية بلا شعور...


انتهى الجزء آلرآبع وآلعشرون

~


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 30
قديم(ـة) 02-01-2011, 02:18 PM
صورة بنـ آلسلطنہ ــوتہ الرمزية
بنـ آلسلطنہ ــوتہ بنـ آلسلطنہ ــوتہ غير متصل
©؛°¨غرامي فضي¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية أنثى العنكبوت / للكاتبة قماشة العليان


الجزء الخامس والعشرون


اتخذت مكاني بين زميلاتي جسدا بلا روح وعينين لا تبصران وأعماقا تنزف بلا حساب ... وبين ضحكاتهن وقرقعة فناجينهن ورائحة القهوة العابقة بالهيل رحلت بعيداً بعيداً حيث جروح جسدي التي تأبي الاندمال وتعيش حية نابضة بالألم والتحدي، تتجدد كل يوم وتسطر صفحات من اليأس والهوان بين يدي من يدعي رجولة لا يملكها ويملك قسوة لا يدعيها... تراءت لي ليلة الأمس بكل تفاصيلها المخزية البغيضة بدءاً من تناوله أقراصا زرقاء اللون ثم ارتدائه ثياب حيوان بري متوحش حتى ارتداده على عقبيه يجرجر أذيال الهزيمة، تلوح علائم الانكسار والخيبة على وجهه الدميم...عرق غزير، أنفاس كريهة تعبرني ببطء متعمد، ثقل يجثم على صدري، الخشونة تطارد أجزائي فلا أشعر لها وقعا ولا أملك لها دفعاً. أحاول الهرب... أغمض عيني وأشغل تفكيري ثم أحسب الثواني والدقائق لتمر الأزمة ونجتاز ممرات لا تسمح بالعبور... بيد أن النهاية تتكرر وكأن العجز إذا الركيزة الوحيدة لعلاقتنا وكل ما عداه من قبض الريح... أوهام وأحلام نسجناها ببراعة لتدير شبكة الوهم عقولنا فلا نرى مواضع أقدامنا... انزوى جانبا يخلع ثياب الحيوانية ليعود إنساناً من جديد وأي إنسان!! إنه ليس سوى كومة قذرة من الشيخوخة والعجز والانكسار... انحنيت اجمع بقاياي وألملم ما تبقي من ذاتي الكسيرة وكرامتي المبعثرة، حتى فوجئت بصفعة تدوى في فضاء الحجرة البارد... ثم انهالت الصفعات والركلات تطول ما عجزت الشيخوخة عن الوصول إليه... صرخ بصوت جريح:
- ماذا تريدين، تكلمي... ماذا تريدين؟ سأعطيك كل شئ مجوهرات وأموالاً... ماذا تريدين؟

وماذا فعلت؟ حقا ماذا فعلت ليسألني ذاك السؤال... لقد أتيته مسلوبة الإرادة ذليلة خاضعة ليفعل بي ما يشاء... لم أرفض شيئا ولم أعارض أو أمنع... بل على العكس كنت له مورداً وماء عذباً ملقي تحت أقدامه ليغترف منه كيفما شاء، لعبة خالية من الروح والحركة... تمثالاً من خزف أو معدن ثمين أو ذهبي حتى يضعه حيث يريد ويكسره إن شاء أن يكسره ويلقيه في البحر إن شاء أن يلقيه لكن العيب يكمن داخله... عجزت بقايا الرجولة الكامنة في أعماقه أن تتواءم مع جسد مسجى بلا روح كجثة باردة تبحث عن كفن يضمها، أو ربما هي الشيخوخة التي عجزت إلا أن تطلق عنانها أمام الشباب الحي والأمل المتجدد، وربما هو عجز المالك عن احتواء البضاعة الجديدة بعد أن اعتاد على البضائع القديمة وتعامل معها طويلاً...
صرخ بصوت أكثر حدة:
- ردي... أجيبي على سؤالي... ماذا تريدين؟

الحب... هل أقول له أريد الحب... أريد من أهفو له نفسا وقلبا لتتداعى أمامه حصون جسدي وترفع قلاعي راياتها البيضاء... أريد من أري نفسي بين عينيه ويراني روحا قبل أن أكون جسداً يري السعادة في وجودي وأري الدنيا ملك كفيه، من ينبض قلبي له حبا وشوقاً... من تهتف أعماقي باسمه ليل نهار... من يستعبد تفكيري ويأسر روحي ويملك قلبي بكل زواياه وأركانه... من يحيلني كتلة نار بنظرة أو بكلمة وأغدو قطعة ثلج لا تذوب حينما يلمسني غيره... من أشرقت دنياي لوجوده وازدان عالمي بحضوره وعدت منه وإليه...

صرخ كثور جريح...
ماذا تريدين؟؟

الطلاق... هل هو أملي ومناي، هل فيه راحتي وسعادتي، هل أستعيد بعده حبي وحريتي أم أنه بعيد المنال كبعد شطحات أحلامي عن واقعي التعيس... الطلاق في عائلتنا مرفوض فهي ترفض النعمة وتثور على المجتمع وتتحدي التقاليد والعادات وتقف أمام الجميع كريشة في مهب الريح... ومن تطلق على الرغم منها فهي وضيعة منحرفة بلا أخلاق أو ضمير... وهو؟ هل سيطلقني؟ هل يتنازل بسهولة عمن بذل في سبيلها الغالي والنفيس ولم يجن منها سوى الذل والانكسار... هل يعيدها كما هي ليكتشف عجزه رجل آخر ويمضي بقية حياته سخرية الآخرين وشماتتهم... كلا إنه لن يطلقني ولو كان الثمن هو حياته... فأنا حصيلة عجزه وفشله وشرخ رجولته، لذلك فلن يفرط بي أبداً، ولن يفرقنا سوى الموت!

جذبني من شعري بكل قواه حتى خلت خصلاتي تتساقط بين أصابعه... صرخت من شدة الألم فضرب رأسي الحائط مرات ومرات حتى رأى الدماء تسيل على وجهي بغزارة فركلني وخرج...
تحسست موضع الألم بينما قالت إحدى الزميلات ضاحكة:
- من منكما الغالب ومن هو المغلوب؟
احمر وجهي بشدة لتقول الأخرى مشفقة:
- إن وفاء كثيرة المزاح والسخرية فلا يعرف أحد جدها من هزلها فاعذريها...
ثم تابعت وهي تنظر إلى رباط رأسي بحذر:
- هل سقطت على رأسك... أم؟
قاطعتها مضطربة:
- لقد اصطدمت بدولاب المطبخ عفواً...
كانت هذه إجابتي النموذجية التي سهرت طويلاً لأطلقها في وجه من يسألني عن ضمادتي، وقد كنت أعرف أنني سأسأل، ولن يدعني أحد في حالي، أعانق جروحي الكثيرة بلا أمل في الشفاء... نحن نعيش في الشرق حيث لا حوائط وأقبية... الأسرار مشاعة للكل والحرية الشخصية جماعية والمرأة مهشمة ذليلة والإنسان يعيش في بيت من زجاج حيث باستطاعة كل البشر أن يقذفوه بالحجارة...
- تفضلي هذه حلوى جديدة اخترعتها وأسميتها باسمي... اسمها " فياجرا ليلى" لا تنسي... احفظي هذا الاسم جيداً وأذكريه لي كلما أعددتها لزوجك...
تابعت بضحكة ذات مغزى...
- سيعجبه طعمها بالتأكيد...

دسست القطعة في فمي ليسري مذاقها الحلو وينعش خلاياي، إنها حلوى مصنوعة من التمر وبعض المكسرات المعروفة، ليس فيها أي جديد سوى اسمها المبتكر والذي يشكل جزءا لا يتجزأ من ليالي البيضاء التي يحيطها ضباب أزرق بلون السماء... ابتدأت الأحاديث النسوية تأخذ منحي آخر وتعالت الضحكات الخافتة والكلمات المغلقة، كرهت أن أبدو كتلميذة بليدة تخطو أولى خطواتها على سلم الحياة، ابتلعت خجلي وترددي واحمرار وجهي المعبر، لأغادر في أول فرصة متحججة بدرس إضافي سأعطيه لطالباتي... ويتوه عقلي بين عيون طالباتي المحدقة في وجهي كأسراب من الخفافيش تطاردني حيثما كنت وحللت... ويبدأ القلب ينفض أوجاعه في سراديب الظلام... يتراءى لي وجه حبيب يحجبني عن العالم ويسدل أستارا من النسيان على واقعي الكئيب... حينما كدنا نقترن بزواج أبدي همس لي ضاحكا:
- هل ستبقين تحبينني طوال العمر يا أحلام... أم سينتهي حبك شيئا فشيئا مع قدوم الأطفال وضجيجهم...؟
قلت بخجل:
- لن أنجب لك سوى دستة أطفال فقط لا غير...

ويضيع صدى ضحكاتنا في غياهب الصمت والألم لينبع صوت جديد يمزق شراييني بأنني لن أحمل ولن ألد أبدا وسأخرج من الدنيا بقصة حب لم تتم، بيد أنها ملأت حياتي طولا وعرضا وأكسبتها مذاقا أقتات منه سنوات طويلة مترعة بالجفاف والتصحر...

- أبله... كلمة منفي هل هي مذكر أم مؤنث؟
انتشلت نفسي بصعوبة من براثن تفكيري... مشيت إلى السبورة ببطء لأكتب الكلمة وإعرابها، ثم أطلب منهم تدوينها في دفاترهم رغم أنها ليست في المنهج. منفي... نعم أنا أقبع في المنفي، زنزانة انفرادية تفصلني عن أهلي وأشقائي وأحبائي، يزورني السجان كل مساء لأذوق على يديه ألوانا من الإذلال والمهانة والسقوط البشع... أشعر بأنني أتردي في هاوية بلا نهاية... انحدار بشع لإنسانيتي وكرامتي وأنوثتي، يقودني نحو الهلاك... لابد من فعل ما، لا بد من ثورة، لا بد من تحرر وإلا انتهيت ذليلة راكعة بلا مبدأ أو هوية. حضرتني مقولة لأحد الكتاب " أن النمل بقي نملا طوال حياته لأنه لم يسع لتغيير ذلك، لم يثر ولم يرفض فاستمر نملاً إلى الأبد". وأنا لن أبقي نملة صغيرة تداس تحت الأقدام... إنني إنسانة أملك كل مقومات الحرية والشجاعة ولن أقف صامتة هكذا إلى الأبد، لا بد أن أفعل شيئا وسأفعل....
- أبله أحلام... متى سيكون الاختبار؟
تدافعت الأصوات الصغيرة إلى أذني لتزيح جبال الهموم التي أصمت أذني عن سماع أي صوت... نظرت لمن أمامي مباشرة... طفلة جميلة لم تتجاوز العاشرة من العمر...
- أبله... كل المعلمات قررن أن يكون أن تكون اختباراتنا غدا... نرجو أن ت}جلي اختبار القواعد قليلا...
سألتها بابتسامة انتزعتها من بحار الكآبة التي تعج بها نفسي:
- لماذا يا صغيرتي؟
أطرقت قائلة بأسي:
- زوجة أبي لا تسمح لي بالمذاكرة سوى ساعتين فقط باليوم... وبقية الوقت أساعدها في أعمال المنزل...
خفق قلبي وأنا أقول:
- وأمك...؟
غشاء رقيق من الدموع غلف عينيها وهي تهمس:
- أمي ماتت... ماتت منذ زمن طويل... وقد كنت أحبها كثيراً.
ابتلعت دموعي التي تحشرجت داخلي، وقد فجرت مأساتها شظايا من الأحزان تؤلمني بلا حساب...
قلت بصوت عال أنكرته:
- سنؤجل الاختبار إلى يوم السبت القادم...

هللت الصغيرات فرحاً لتعكس بريقا من اللؤلؤ في عيني اليتيمة الصغيرة ثم تركض لتحضنني هامسة:
- شكرا يا أبله... أنا أحبك كثيراً...
رفعت ذقنها بيدي لأمسح لؤلؤتين من الدمع الحقيقي انحدرتا على خديها وقلت لها برقة:
- أنت ذكية وجميلة وستنجحين دائما بإذن الله...

عادت إلى مقعدها ترقبها عيناي... رأيت فيها صورتي القديمة، أحلام الطفلة اليتيمة المهيضة الجناح بلا أم أو أب أو سند، ريشة تتقاذفها الرياح في كل اتجاه وتمزقها أعاصير الشتاء وزمهريره... ما زلت في أولى خطوات العذاب صغيرتي، مازالت قدمك الطرية تلامس أول سلالم الموت البطيء... ستضربين وتهانين ثم تحملين جروحك داخلك وتسيرين داخل متاهات الحياة وتضيعك الدروب التي ضيعتني وتمزقك الأنياب التي مزقتني، ثم ستكبرين وتحبين، ينمو الحب داخلك قليلا لتزهر نفسك كثيرا ثم تتخاطفك المخالب والخناجر وتمزق قلبك إلى مئة قطعة وقطعة لتنسيك حبك ومن خفق له قلبك... ولا تنسيه... لتعاود الأقدام الشريرة تفتيت قلبك تحت ثقل خطواتها... ولا تنسيه... فيشعلون الدنيا حطبا ونيراناً ليحرقوا كل شئ ويتفحم جسدك عدا قلبك فلا تنسيه... فيكتشفوا متأخرين أن حيه قد استوطن ذاتك وجرى جريان الدم في العروق وغلف الشرايين والأوردة ولا مناص من انتزاعه إلا بانتزاع الروح ذاتها وهذا ما لا يريدونه... ستكبرين حبيبتي وسيكبر معك العذاب، فكأنما توأمان لا تفترقان وصنوان لا بد أن يجمعهما طريق واحد... ثم تلطمك الحياة اللطمة إثر اللطمة. تمتطين فجيعتك وترحلين في دروب الأسى حتى يدفنوك مع رجل، أي رجل، ليس مهما اسمه أو رسمه... المهم أنه ليس من اخترته وأحببته بكل كيانك فغدا محرما عليك حرمة المحارم والأشقاء ولن تلقيه سوى في الجنة...

ستبكين كثيرا وكثيرا ولن تكون لؤلؤتاك اللتان أهدرتهما توا سوى أول الغيث وليس نهايته...
- أحلام.... لقد انتهت حصتك منذ دقائق...

انتفضت بعنف وأنا أواجه زميلتي الجديدة عائشة... حييتها بارتباك ثم سرت على عجل دون أن أنظر إلى الماضي من خلفي... إلى أحلام الصغيرة البائسة التي عادت من الماضي لتذكرني بشوط كبير قطعته من المآسي ولم يعد في مقدوري تحمل المزيد... طريق طويل موحل وقذر لن يخلو من الحفر الصغيرة والسقطات رغم ما صادفته في الواحة الأخيرة من آمال وأحلام داعبتني حد التصديق إلا أن عورة الطريق أعادتني مرة أخرى لتصطدم أحلامي بصخرة الواقع المرير فتتحطم ببشاعة وقسوة أقسى من قدرة أبي على تحطيمي وأبشع من تعمد زوجي إذلالي... وأفجع من تخلي أخوتي عني لدنياهم الخاصة...
سألتني إحدى زميلاتي باسمة:
- ما رأيك؟ هل أعجبتك المدرسة الجديدة... أعني مدرستنا؟
أحسست بهسيس الاحتراق داخلي وأنا أجيبها:
- نعم...


انتهى الجزء آلخآمس وآلعشرون

~


الرد باقتباس
إضافة رد

رواية أنثى العنكبوت / للكاتبة قماشة العليان ,كامله

الوسوم
للكاتبة , منتج , العليان , العنكبوت , رواية , قماشة
أدوات الموضوع
طريقة العرض
مواضيع مشابهة
الموضوع الكاتب المنتدى الردود آخر مشاركة
العنكبوت والملحد! abdulsattar58 مواضيع عامة - غرام 5 09-01-2013 08:32 PM
مجلس الروايات للإستفسارات و الطلبات فقط [ الإقتراحات ممنوعة ] ؛ ضمني بين الاهداب روايات - طويلة 1999 06-02-2012 04:14 PM
مجلس الروايات للإستفسارات و الطلبات فقط [ الإقتراحات ممنوعة ] ؛ روح زايــــد روايات - طويلة 2003 07-01-2012 08:52 PM
مجلس الروايات للإستفسارات و الطلبات فقط [ الإقتراحات ممنوعة ] ؛ روح زايــــد روايات - طويلة 2006 23-11-2011 08:16 AM
مجلس الروايات للإستفسارات و الطلبات ؛ !! أنـثـى الـ خ ـيـآلـ !! روايات - طويلة 3973 07-10-2010 01:10 PM

الساعة الآن +3: 06:16 AM.
موقع غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات


youtube

SEO by vBSEO 3.6.1