غرام
اكتب بريدك ثم اضغط على اشتراك ليصلك جديد غرام
بحث مخصص من محرك البحث العالمي قوقل للبحث في غرام
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 31
قديم(ـة) 29-04-2012, 08:08 PM
صورة زهره البطاح الرمزية
زهره البطاح زهره البطاح غير متصل
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية سيدة الشتاء / الكاتبة : Blue me





الفصل العشرون
تقتلينني

قالت ريما :- لنذهب إلى أحد المطاعم السريعة ونأكل شيئا
ردت جودي وهي تخرج برفقتها من الكلية :- لست جائعة
:- إذن لنذهب ونرى بشار .. لا محاضرات لديه الآن
:- هو خطيبك أنت .. اذهبي وحدك
توقفت ريما عن السير .. واستدارت تواجه صديقتها بغضب :- ما الأمر ؟ أي مزاج نكدي لك اليوم ؟ هل تشاجرت مع طارق مجددا وأنت تصبين غضبك علي كالعادة ؟
صمتت جودي للحظات أطل خلالها الحزن والاكتئاب نت عينيها وهي تتمتم :- لا .. لم نفعل
وكيف تفعل إذا كانت تتجاهل اتصالاته المستمرة منذ أيام .. في الوقت الذي تتجاهل فيه اتصالات تمام هو الآخر .. في كل مرة كانت ترة فيها رقمه على شاشة هاتفها يخفق قلبها بعنف وتقاوم حاجة قاسية للرد عليه .. ولكنها تحجم نفسها في آخر لحظة وتجبرها على تجاهله .. وفي المقابل هاهي تقضي الليالي في أرق مستمر يشغلها التفكير بحقيقة مشاعرها اتجاهه .. ويرهقها تأنيب الضمير كلما تذكرت لقائهما الأخير .. وكلما وقع بصرها على بريق الماس في خاتم خطوبتها إذ ترى فيها خيانتها لطارق أمام عينيها وكأنها قد حصلت للتو
أكملت كي تمنع ريما من استجوابها :- لا أريد التحدث في الأمر
تنهدت ريما قائلة :- حسنا .. أنت حرة .. وإن كنت متأكدة بأن ما يشغل بالك هو تلك القبلة اليتيمة التي صدمتك
أجفلت جودي إذ ظنت للحظة بأن صديقتها تشير إلى قبلة تمام .. ثم تذكرت طارق عندما قالت ريما مداعبة :- ما زلت طفلة بريئة بحاجة إلى اختبار الكثير لتفهمي الحياة
لم تستجب جودي لسخرية ريما كالعادة .. فقد دوى صوت الأزيز المميز لوصول رسالة من هاتفها المحمول .. فرفعته لتقرأ الكلمتين المختصرتين ( انظري خلفك )
خفق قلبها وهي تستدير على الفور ليقع بصرها على سبب أرقها واكتئابها يقف على مسافة أمتار عن سور الجامعة المعدني من الخارج .. يستند إلى سيارته عاقدا ساعديه أمام صدره .. وقد أخفت نظارته السوداء معالم وجهه
لم تدرك بأنها قد جمدت كقطعة ثلج حتى سمعت ريما تقول :- ما الذي حدث ؟ تبدين كمن شاهد شبحا
نظرت جودي إليها بذعر .. ثم إلى تمام وقد خشيت أن تكتشف صديقتها شيئا .. فقالت بسرعة :-
:- لا ... لقد تذكرت موعدا لي مع أماني يجب أن ألحق به .. إذهبي أنت لرؤية بشار وأبلغيه تحياتي .. وسأراك غدا
رفعت ريما بيديها لتحثها على الرحيل .. فرمقتها ريما بنظرات الدهشة والاستنكار ثم القلق وقد أحست باضطراب صديقتها .. ولكنها قالت في النهاية باستسلام :- حاضر .. أراك صباح الغد
انتظرتها جودي حتى ابتعدت ثم أخذت نفسا عميقا واستدارت لتواجه خصمها .. كان تمام قد بدأ يتململ في وقفته فحسمت أمرها أخيرا .. وسارت نحوه بساقين مرتعشتين وذكرى قبلته الملتهبة تبعث الحرارة في عروقها .. لقد ظنت بأنها قد نسيت .. ولكن مجرد رؤيته من جديد حركت في قلبها كل ما حاولت كبته منذ أيام من شوق إليه
اعتدل عندما اقتربت منه ووقفت امامه .. لفحتها جاذبيته فور أن أحست بدفء جسده الطويل على بعد سنتيمترات منها .. فأحاطت نفسها بذراعيها وهي تتحاشى النظر إليه وقد عقد الاضطراب لسانها .. قال بعد لحظات منت الصمت ببرود :- ألن تقولي شيئا ؟
فالت بارتباك :- ما الذي تريدني ان اقوله ؟
:- ان سببا طارئا منعك من الاتصال بي أو الإجابة عن مكالماتي
ردت بعصبية :- لقد كنت مشغولة
علق ساخرا :- على حد علمي لم يبدأ الفصل الدراسي الثاني إلا هذا الصباح .. بأي شيء كنت مشغولة ؟
أحست بغضبه في نبرات صوته .. ففاجأها ألم غريب ورغبة في محو غضبه دفعتها لذكر نصف الحقائق :-
:- لقد عقدت خطوبة أختي مساء الأمس
عقد حاجبيه وقد اختفى كل أثر لغضبه .. وحل محله اهتمام جاد وهو يقول :- حقا ؟ أهذا يعني بأن ابن عمك قد نال مراده؟
:- لا .. ستتزوج برجل آخر
ظهر الارتياح على ملامحه قبل ان يقول برضا :- لم تخيب شقيقتك ظني إذن .. لقد اصرت على رفض ما لا تريده .. ولا يوافق قناعاتها .. أختك امرأة جديرة بالتقدير والاحترام
تحركت الغيرة داخلها مما دفعها لأن تقول بحدة :- وما شأنك انت ؟
نظر إلى عينيها للحظات دون تعبير .. قبل ان يقول بهدوء :- شأني هو رغبتي الكبيرة بان تمتثلي بها يا جودي
ساد التوتر بينهما بشكل واضح .. .. نظر حوله قائلا :- لنجد مكانا آخر نتحدث فيه
قالت بقلق :- لا أظن هذا مناسبا .. أنا ...
قاطعها بجفاف :- ما الأمر ؟.. أمازلت خائفة من اكتشاف خطيبك للقائك السري بي ؟
احمر وجهها بارتباك وغضب .. ولكنه لم يتوقف عند هذا الحد .. بل امسك ذقنها ليجبرها على النظر إلى عينيه التين حررهما من النظارات السوداء .. ورؤية الغضب والقسوة فيهما وهو يقول :-
:- إن كنت تقدرينه حق قدره .. فستنهين خطوبتك السخيفة حالا يا جودي .. فأنا لن أتوقف عن رؤيتك والمطالبة بك .. وأنت لن تجرؤي على مقاومتي .. فما الفائدة من تعذيبه وربطه بك بدون فائدة
ارتعشت لإحساسها بأصابعه فوق بشرتها .. فتذكرت المرة الوحيدة التي احتضنها بها .. أحس فورا بمشاعرها .. فظللت عينيه سحابة حملت معها كل الذكرى .. وساد بينهما صمت مشحون استمر لثواني ولكنه بدا لها كالدهر .. تحركت يده لتداعب وجنتها فأغمضت عينيها متجاهلة وقوفهما في مكان عام يعرفها فيه العشرات .. مستسلمة للإحساس بحنانه .. همس فجأة :- أنت تقتلينني .. لو تعلمين كم اشتقت إليك .. لما تجرأت على الانقطاع عني كل هذه المدة
فتحت عينيها لتجد غضبه قد اختفى .. وقد حل مكانه حنان فياض جعل قلبها يغرد سعادة .. ابتسم برقة قائلا :-
:- هل جربت يوما تناول المثلجات في قلب فبراير ؟
نظرت إليه بذهول .. فاتسعت ابتسامته وهو يوضح :- سأدعوك اتناول البوظة في مكان يبيع أشهى بوظة في المدينة .. سنجلس هناك .. ونتحدث .. حتى ينسى كل منا مرور الوقت
لم تعرف كيف تركته يقودها إلى سيارته .. ولكنها كانت متأكدة بأنها لم تكن يوما أكثر سعادة







الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 32
قديم(ـة) 29-04-2012, 08:11 PM
صورة زهره البطاح الرمزية
زهره البطاح زهره البطاح غير متصل
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية سيدة الشتاء / الكاتبة : Blue me






الفصل الحادي والعشرون
متسلط

بعد مرور أيام على انتشار خبر خطوبتهما اعتادت أماني على نظرات زملائها الفضولية وهمساتهم ذات المضمون الواضح .. فلا احد تقبل بسهولة خبر ارتباط مديرهم بموظفة كانت مضايقته هدف رئيسي لها .. وعندما كانت زميلاتها
تطرحن عليها الأسئلة الخبيثة حول المشاعر التي كانت مختبئة خلف العلاقة المتوترة .. كانت تكتفي بالصمت والابتسام بهدوء ..بينما هي تتآكل في داخلها من الإحباط والكآبة .. كانت قادرة على قراءة التساؤلات المستترة في الأعين المحدقة بها .. الكل في المدينة يعرف بقصتها .. بحرمان والدها لها من الميراث .. وصراعها مع صلاح .. وخطوبتها لهشام جعلت حياتها تبدو أمام الآخرين وكأنها مسلسل مكسيكي تقليدي ولكنه مسل
ليس ممتعا على الإطلاق أن يكون الإنسان موضوع حديث الألسن في جميع أنحاء المدينة
قاطع أفكارها اتصال من لندا سكرتيرة هشام .. تدعوها إلى مكتبه بطلب منه .. زفرت متسائلة عما يريده منها الآن .. ولكنها فكرت بأن ثلاثة أيام مرت منذ ارتدائها لخاتمه في شقتها .. وأن عدم زيارتها له في مكتبه مرة على الأقل في اليوم قد تثير الشكوك بين الموظفين
تأكدت من أناقة مظهرها .. وغادرت مكتبها .. استقبلتها لندا بعبارات التهنئة وقد بدا وجهها البشوش أشبه بقناع أخفى تساؤلات عدة وحيرة كبيرة .. فمنذ أسابيع فقط كانت أصوات شجار أماني ومديرها تصل إليها بوضوح من خلف الباب .. ولكنها كانت أذكى من أن تطرح أي سؤال على أماني التي أصبحت بين ليلة وضحاها خطيبة الرئيس
حاولت أماني تجاهل توترها الذي بدأ يتزايد عندما قرعت باب مكتبه وسمعت صوته يدعوها للدخول .. ذكرت نفسها بأنه لم يعد مجرد مدير صارم ومخيف .. بل خطيب لها .. وربما الشخص الوحيد القادر على حمايتها .. دخلت وأغلقت الباب ورائها بهدوء .. فلاحظت بانه لم يكن جالسا خلف مكتبه .. بل واقفا عند النافذة يتحدث بانزعاج إلى شخص ما عبر هاتفه المحمول
قارنت بحيرة بين هذا الرجل العملي الجاف .. والرجل الدافئ المتفهم الذي ألبسها خاتمه منذ أيام .. راقبت حركات يديه الكبيرتين وهو يتحدث فلاحظة رشاقة أصابعه الطويلة وتذكرت ملمسهما الخشن .. الدافئ والمتملك
أخذت نفسا عميقا لتعيد التوازن إلى أفكارها في اللحظة التي أنهى فيها المكالمة واستدار إليها قائلا :- تفضلي بالجلوس .. آسف لجعلك تنتظرين
ابتسمت وهي تجلس على مقعد مواجه لمكتبه وهي تتمعن في اعتذاره غير المألوف .. لم يكن هشام عطار يوما من النوع الذي يعتذر لموظف لديه عن فظاظته وتسلطه
نظر إليها باهتمام قائلا :- يبدو مزاجك حسنا وفقا لابتسامتك هذه
اختفت ابتسامتها وهي ترد بسرعة :- هذا يتوقف على سبب استدعائك لي
لوى فمه بابتسامة جانبية متهكمة قائلا :- كالعادة تشحن اماني النجار نفسها بكل طاقتها القتالية قبل حضورها إلى مكتبي
هزت كتفيها :- لم تستدعني يوما لأسباب سلمية .. فلماذا أفترض بان هذه المرة مختلفة ؟
خفت حدة صوته وهو يقول بهدوء :- هذه المرة انت خطيبتي يا اماني
قالت ساخرة :- هذا ما عرفه كل كائن حي يعمل في هذا المبنى
قال بحزم :- هذا ما يجب أن يعرفه كل مخلوق في المدينة .. أم تراك نسيت السبب الرئيسي للعبتنا هذه يا أماني ؟
شعرت بالضيق بسبب تذكيره لها باتفاقهما .. وردت باقتضاب :- لا .. لم أنس
:- على كل حال .. لقد طلبتك لأتحدث إليك في أمر الرحلة إلى العاصمة .. أظنك ستنضمين إليها
:- هذا ما أفعله كل سنة
في كل عام ينظم هشام رحلة لجميع موظفيه إلى العاصمة لحضور المعارض والمناسبات الثقافية التي تقام هناك .. وأماني كانت تحب هذه الفكرة .. وتنتظر كل سنة حضور معرض الكتاب الدولي السنوي ..
قال بهدوء :- هذا جيد .. سأمر عليك صباح الغد لننطلق معا
تصلبت وهي تحدق به مبغوتة .. ثم قالت بجمود :- لم أقل قط بأنني سأذهب معك
:- لا .. لم تفعلي .. ولكن كل موظف هنا سيجد صعودك في الباص المخصص للموظفين أمرا شاذا بدلا من مرافقتي في سيارتي
قالت بحرارة :- أستطيع الذهاب بسيارتي ولقاءك هناك .. ولن يعرف أحد بأننا سافرنا منفصلين
قال بصرامة :- لن أسمح لك بالسفر في تلك الخردة .. فهو أشبه بالانتحار
قالت بحدة :- لا عيب في سيارتي .. أستطيع السفر بها إلى أي مكان
قال ساخرا :- هذا صحيح .. رحلة بها إلى الجحيم لن تكون صعبة .. ولكنك مضطرة إلى تأجيل هذه الرحلة .. غدا صباحا سأنتظرك امام مبناك في تمام الثامنة
كانت لهجته قاطعة لا تحتمل النقاش .. فكرت على أسنانها بغيظ .. ونهضت قائلة :- هل من أوامر أخرى ... سيدي ؟
أضافت الكلمة الأخيرة لتعبر عن رفضها لتسلطه الغير مقبول .. ولكنه ابتسم وكأن غضبها قد أسعده .. وقال
:-:- لا شيء في الوقت الحاضر .. عودي إلى مكتبك
وأثناء خروجها من مكتبه .. أقفلت الباب بهدوء شديد أظهر بوضوح بأنها رغبت في صفقه بكل قوتها









الفصل الثاني والعشرون
سيدة الشتاء

استغرقت الرحلة إلى العاصمة ساعات قليلة .. بالكاد تبادلت خلالها أماني بضع كلمات مع هشام الذي تقبل صمتها ببساطة وكأنه قد أحس بخطتها في إزعاجه .. مما سبب لها هي الازعاج
ولكنها لم تستطع منع نفسها من الاسترخاء داخل سيارته الفارهة .. والاستمتاع بقيادته المتزنة .. تذكرت سيارتها القديمة وتخيلت بوضوح المشاكل التي كانت ستتعرض لها لو أنها أصرت على موقفها وسافرت بها
لم تندم على خضوعها لقراره المتسلط .. ولكنها قررت بإصرار على ألا تظهر له سرورها
بين لحظة وأخرى كانت تحيد بنظرها عن الطريق لتسترق النظر إليه .. كان مختلفا هذا الصباح بملابسه البسيطة .. ولكنه لم يتخلى عن أناقته و وقاره وكأن هذا قد أصبح جزءا من مظهره لا يستطيع التخلي عنه حتى لو حاول .. مهما تناقض هذا مع نظرة الرجل المكافح الذي شاهد الكثير في حياته والمطلة من عينيه .
راقبته وهو يتحكم بالسيارة بسهولة وسلاسة .. وهو يقطب مراقبا الطريق .. ثم تساءلت عما يفكر به في هذه اللحظة .. خلال استغراقها في تأمله .. ألقى نحوها نظرة عابرة .. سرعان ما عاد على إثرها يقابل نظراتها التي فاجأته .. فارتد وجهها إلى الخلف وقد أحست بعينيه اللامعتين تصفعانها في الصميم .. أشاحت بوجهها الشاحب نحو النافذة محاولة تهدئة خفقات قلبها .. ما الذي أصابها ؟
وماذا إن ضبطها تسترق النظر إليه ؟هذا ليس مبررا كي تفقد اتزانها وتتوتر بهذا الشكل .. خشيت أن يقول شيئا فيزيد من إحراجها ولكنه مد يده بكل بساطة ليدير جهاز التسجيل لتنساب منه موسيقى هادئة .. ثم عاد يوجه تركيزه نحو الطريق مما أراح أماني وأعاد إليها استرخائها
في طريق العودة مع حلول الظلام ..لم تكن أماني قد صحت بعد من ذهولها للطريقة التي مرت بها أحداث اليوم.. فقد استمتعت للغاية بوقتها برفقة هشام وأعجبت بذوقيهما المتشابهين بالنسبة للكتب .. وبشخصيته الآسرة التي ظهرت بوضوح خلال الغداء الذي دعا إليه جميع الموظفين في أحد أفضل المطاعم .. لم يمنحها معاملة خاصة .. ولكنه كان يحدثها بعفوية وبساطة وكأنهما حقا خطيبين .. وما أدهشها هو تجاوبها الفوري معه ونسيانها فجأة لكل ما قررته حول عدم التعاطي معه وكرهه
وأثناء قيادته للسيارة في طريق العودة .. دخلا في نقاش ممتع حول الأدب وميولهما الروائية .. فلم تملك إلا أن تبتسم مما لفت نظره فقال:- ما الأمر ؟ تبدين مصدومة لاكتشافك بانني أجيد القراءة
قالت بسرعة :- لا تعتبر الأمر شخصيا .. ولكنني ظننت رجال الأعمال وكل من يهتم بالتجارة منغلق الفكر وجاف الأحاسيس .. ولم أتخيل أن أجدك مختلفا
رمقها بنظرة عابرة وهو يقول :- هل تتكلمين عن خبرة ؟
هزت كتفيها قائلة :- لقد خالطت عددا منهم .. أبي .. صلاح .. وصدقني .. مفهومهما عن القراءة لا يتجاوز الصفحات المالية والاقتصادية في الجرائد اليومية
قال بشيء من الحدة :- حسنا .. كما ترين ليس كل الرجال متشابهون
تأملته لوهلة ثم رددت :- لا .. ليس جميع الرجال متشابهون
عندما نظر إليها كانت قد عادت ترمق الطريق المظلم .. وبدت ساهمة وكأنها تتخيل الأرواح التي سبق ومرت من هنا .. فقال محاولا قطع اكتئابها :- من جهة أخرى انا ايضا لم اتوقع أن اجدك مدمنة كتب إلى هذا الحد .. لقد صرفت نصف راتبك تقريبا هذا النهار في شراء الكتب
ابتسمت بشحوب وقالت :- اعتدت الهروب من الواقع إلى خيال الكتب في سنوات المراهقة .. ولازمتني هذه العادة حتى الآن
تفكر بكلماتها قليلا .. ثم قال بهدوء :- القراءة وسيلة فعالة أحيانا كي ينسى الانسان قسوة الزمن
فهمت أيضا سبب اختلافه عن الآخرين .. وسبب التشابه الذي أحسته بينهما .. هو أيضا كان يهرب من حياته المريرة والقاسية بالخيال .. لامس هذا التشابه قلبها وأحست وهي تنظر إلى جانب وجهه الجامد بأنها في هذه اللحظة أقرب إليه من أي وقت مضى
صدر صوت مزعج من السيارة .. قطب هشام وظهر عليه القلق في اللحظة التي توقف فيها محرك السيارة عن العمل .. قال بجفاف :- عن إذنك
غادر السيارة فراقبته وهو يفتح الغطاء الأمامي لها .. ويلقي نظرة على المحرك .. وعندما تأخر ارتدت معطفها ولحقت به .. قالت وهي تنظر إلى الأبخرة التي تصاعدت من المحرك :-هل المشكلة كبيرة ؟
بدا لها منزعجا وهو يعبث بيده هنا وهناك ويقول :- للأسف .. المشكلة كبيرة بالفعل .. لقد احترق المحرك بالكامل
قالت بقلق :- وماذا سنفعل ؟
دون أن يجيبها .. استل هاتفه وسرعان ما كان يطلب سيارة لتقلهما من حيث يقفان .. أنهى المكالمة وهو يقول باقتضاب :- :- ستستغرق السيارة بعض الوقت لتصل
لم تستطع إخفاء ارتجاف شفتيها بابتسامة خبيثة أثارت غيظه فقال :- هل تجدين الموقف مسليا؟
سيطرت على نفسها عندما لاحظت غضبه ثم قالت برزانة :- لقد تذكرت فقط موقفك المزدري من سيارتي عندما رفضت أن أسافر بها وأصريت على اصطحابي معك .. بماذا وصفتها ؟ .. نعم .. قطعة خردة قديمة .. قيادتها في طريق سفر هي أسهل طريقة للانتحار
أشارت بيدها نحو سيارته الفارهة وقالت بتهكم :- انظر إلى ما فعلته بنا سيارتك الخارقة .. أعرف بأن الوقت ليس مناسبا .. ولكنني أستمتع بالمرة الأولى التي يخطئ فيها السيد هشام كبقية البشر
نظر إليها ببرود حتى ظنته سيصرخ في وجهها غاضبا .. إلا أن شفتيه انفرجتا عن ابتسامة وهو يقول بهدوء :- استمتعي بلحظتك إذن لأن خطأ كهذا لن يتكرر
قالت باسمة :- تأكد بأنني سأفعل
فركت كفيها لتبث بهما بعض الدفء وهي تقول :- هل أنت متأكد بأن النجدة لن تتأخر ؟
أقفل الغطاء .. واستند إلى مقدمة السيارة قائلا بسخرية :-
:- هل يقلقك الانتظار في مكان موحش كهذا معي ؟
ردت عليه فورا :- وهل يجب أن أشعر بالقلق ؟
قال بجفاف :- أنت من يجب أن يخبرني .. ففي كل مناسبة نكون فيها وحدنا ترتجفين خوفا وكأنني أخطط لافتراسك
أدهشها اكتشافها بأنها لم تعد تشعر بالخوف منه كالسابق .. فتمتمت :- الأمر مختلف الآن .. أنت لم تعد غريبا
نظر إليها متمعنا قبل أن يقول :- إذا كان خوفك مقتصر على الغرباء فما سبب نوبة الذعر التي وجدتك تعانين منها أثناء وجود ابن عمك في شقتك ؟
ارتبكت وتجدد خوفها منه .. هذه المرة من محاولاته المتكررة للتوغل في أعماقها .. فقالت بتوتر :- هذا ليس من شأنك
ولكنه تجاهل تصريحها وقال بلطف :- أتكرهينه إلى هذا الحد؟
قالت بحدة :- الكراهية وصف باهت للغاية لما أحسه نحوه
صمت للحظات مرت خلالها سيارتين إلى جانبهما بسرعة كبيرة .. أضاء نورهما العابر وجهه الغامض .. قال بعدها :- هل كان والدك يعرف بمدى كراهيتك لابن عمك عندما أصر على زواجكما ؟
قالت ببرود :- كان أبي أكثر من يعرف بمشاعري اتجاه صلاح
اعتدل سائلا بحدة مفاجئة :- لماذا إذن أرغمك على قبوله؟
حمل صوته الغضب والحيرة .. وكادت هي تتجاهل سؤاله أو تمنحه ردا فظا .. ولكنها غيرت رأيها فجأة وضحكت بتهكم مرير وهي تقول :- لم يكن يثق باختياري لشريك حياتي بنفسي .. كان يخشى أن ينتهي أمري برفقة زوج حقير من أصل متواضع لا يرضي طموحاته
سألها بهدوء :- وهل لشكوكه هذه أسباب؟
التفتت إليه قائلة بحدة :- ما الذي تريدني أن أقوله ؟.. أن تجربة فاشلة لي كانت السبب ؟.. حسنا لقد قلتها .. هل أنت راض ؟
سألها بعد لحظة صمت :- ما الذي حدث ؟
ابتعدت عنه قائلة بعصبية :- لا أريد التحدث في الموضوع
:- قد يريحك أن تفعلي .. تعرفين بأنك قادرة تماما على الثقة بي
نظرت إليه بتردد وارتياب .. هل عليها اطلاعه على ما حدث ؟ شيء ما يحدثها بأنه جدير بالثقة .. ألم يكن الوحيد الذي وقف إلى جانبها في محنتها ؟
استندت إلى مقدمة السيارة إلى جانبه وهي تتمتم :- أشعر بالحرج لمجرد تذكر القصة .. ولكن ما يعزيني هو أنني كنت صغيرة .. مراهقة حمقاء تؤمن بالأحلام الوردية والأماني المستحيلة
لم يعلق خشية تغيير رأيها بالبوح له بسرها .. بل ظل ينظر إليها عبر الظلام الذي لم يبدده سوى مصابيح السيارة المضاءة
:- كان اسمه فراس .. التقينا خلال الدراسة في الجامعة .. وكما تتوقع كان شابا وسيما ورقيقا .. يكبرني بعامين .. ظننته الشخص الذي تمنيت دائما الارتباط به على أمل تحقيق حلمي الأكبر .. وهو الزواج برجل أحبه
فكرت بأسى .. حلمها وحلم أمها الضائع .. ضحكت بمرارة قائلة :- كما سبق وأخبرتك .. كنت رومانسية حمقاء .. لم يوفر أبي أي طريقة ليثبت لي هذا عندما اكتشف الأمر .. لم يعجبه اختياري لطالب فقير لا يملك والده إلا وظيفته البسيطة .. وعندما وجد مني إصرارا على موقفي ...
صمتت للحظات تحاول خلالها البحث عن طريقة تشرح فيها ما حدث .. فتنهدت قائلة :- عدت ذات مساء إلى البيت لأجد أبي مجتمعا بفراس داخل مكتبه .. لم يشعر أحدهما بوصولي فسمعت أبي يعرض عليه مبلغا من المال ليبتعد عني .. مبلغا ليس بالكبير .. ولكنه كاف ليقرر فراس اولوياته .. لقد قبل بالمبلغ وانصرف .. ولم أره بعد ذلك أبدا
هبت نسمة باردة تخللت معطفها فارتعشت .. وأحاطت جسدها بذراعيها لتبث فيه بعض الدفء .. سمعت صوت هشام فتذكرت وجوده فجأة :- من الواضح بأن الذكرى ما زالت تؤلمك
قالت بمرارة :- تؤلم كرامتي وكبريائي .. لقد ظننته أحبني حقا .. ولكنه كما يبدو وجد بي صيدا ثمينا .. ابنة ثرية لرجل ثري .. وعندما فهم من أبي أنه لن ينال شيئا باستمراره في خداعي .. قبل بالمبلغ و تخلى عني ببساطة .. كانت مواجهتي لأبي أشبه بالكارثة .. لم يراعي مشاعري وكبريائي المجروحة .. لقد أعادني إلى الواقع بأقسى الطرق محطما كل قناعاتي السابقة .. آمالي وأحلامي .. ثم بدأ ضغطه علي لأتزوج من صلاح
قال هشام ببرود :- ولكن حبك لزميلك هذا منعك من الارتباط بغيره حتى بعد تخليه عنك
قالت ساخرة :- لم يكن حبا منذ البداية.. بل كان سعيا يائسا خلف حلم أحمق .. لقد كنت رومانسية بما يكفي لأخدع بكلمات طامع أحب أموالي قبلي .. ولكنني كبرت وصحوت من هذه الغفلة .. وأقسمت على ألا أقع في الفخ مجددا
:- فخ الزواج ؟
:- بل الوقوع في فخ مشاعر زائفة لن تؤدي إلا إلى إهانتي وتحطيم كبريائي مجددا .. أما بالنسبة للزواج .. فقد كنت مشغولة برفض صلاح لدرجة أنني لم أفكر به مطلقا
نظرت إليه فوجدته قريبا منها حتى أنها تمكنت من تمييز ملامحه الغامضة رغم الظلام
تمتمت :- لابد أنك تظنني حمقاء وتافهة بعد سماعك هذه القصة
قال بهدوء :- بل ناضجة كفاية كي تنسي ما حدث ولا تسمحي له بالتأثير على ما تبقى من حياتك .. كل منا مر بتجربة فاشلة ذات يوم .. هذا لا يعني أن نتخلى عن براءة أحلامنا بسببها
سألته بفضول :- وهل مررت أنمت بواحدة ؟
ضحك قائلا :- بل أكثر من واحدة .. المرحلة الجامعية لم تكن مسلية جدا بالنسبة إلي
تأملته مليا غير قادرة على تخيل هشام عطار مرفوضا .. قرأ أفكارها بسهولة وقال :- لم أكن يوما مثاليا يا أماني .. في تلك المرحلة كنت طالبا فقيرا يسخر زملاءه من ارتداءه لنفس القميص طوال أيام السنة .. وأنا لا اخجل من ماضيي أبدا لأن الفقر لم يكن عيبا في يوم من الأيام .. وهذه لم تكن فكرة الفتيات في تلك السن .. هل كنت لتقبلين بتودد شاب لا يملك قوت يومه .. ومسؤول عن عائلة كاملة عليه أن يطعمها وينفق عليها ؟
تمتمت :- لقد كنت مستعدة للزواج من فراس رغم فقر حاله وغموض مستقبله .. في ذلك الوقت .. كانت الثقة والعاطفة في نظري هما أساس أي ارتباط
صمت للحظات طويلة وهو ينظر إليها .. ثم قال باقتضاب :- أظنك كنت مختلفة عن باقي الفتيات وما زلت
التقت نظراتهما .. فأسرعت تشيح بوجهها عنه وقد سرى بينهما ذلك التوتر المألوف .. قالت مازحة لتخفي اضطرابها :- هل تفسر قصتك هذه سر الندبة التي تحملها فوق عينك ؟
قال على الفور :- قد أحكي لك سرها إن حكيت لي عن ندبتك أنت يا أماني
ارتبكت وقد أحست بأنه يعني ندبتها الداخلية .. التي تفضل الموت على البوح بها لأحد.. أنقذها من الرد استنشاقها لرائحة عطره الثمينة والتي أصابتها بنوبة سعال حادة منحتها العذر لتبتعد عنه .. سألها باهتمام :- هل أنت بخير ؟
أخذت نفسا عميقا من الهواء البارد النظيف ثم قالت بصوت مختنق :- إنها رائحتك
قال بدهشة :- ماذا ؟
التفتت إليه قائلة بحرج :- رائحة عطرك .. تسبب لي العطور حساسية شديدة فلا أستطيع احتمالها
قال بارتياب :- لا أصدقك .. فأنت لا تتأثرين برائحة عطرك
قالت ببساطة :- أنا لا أستعمل العطور أبدا ومنذ سنوات
ضاقت عينيه وهو يقف على بعد أمتار منها يراقبها .. فأدهشها أن تلاحظ اضطرابه .. نظر بعيدا وهو يمرر أصابعه بين خصلات شعره القاتم .. ويقول بتوتر :- أظن رائحتك الخاصة قد أربكتني
لأول مرة منذ سنوات تشعر أماني بأنوثتها تعود إلى الحياة من جديد أمام رجل يلاحظها ويغازلها بارتباك يتناقض تماما مع رجولته الطاغية وثقته الشديدة بنفسه .. أحست بالضعف واللذة لهذا الإحساس مما فاجأها .. راقبته يقاوم توتر اللحظة برفع هاتفه .. والاتصال بشخص ما .. سمعته يتحدث بعصبية .. ثم ينهي مكالمته قائلا بانزعاج :- لقد تأخر السائق
تمتمت :- لم تمض أكثر من ساعة
شعرت في تلك اللحظة بأول قطرة مطر تهطل فوق انفها .. فرفع رأسه وهو يقول بسخرية :- لنرى إلى متى ستجدين الساعة قصيرة
اتجه نحو السيارة وهو يشير لها قائلا : من الأفضل أن ننتظر في السيارة
فتح لها الباب الأمامي فقالت باستفزاز :- أتخشى البلل؟
ازداد المطر حدة فالتفت إليها قائلا بجفاف :- بل أخشى عليك من المرض .. كما أنني لن أحتمل نوبة ذعر نسائية منك بسبب إفساد المطر لشعرك وزينتك
ارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة .. ثم رفعت رأسها إلى السماء لتستقبل قطرات الماء الباردة .. وقالت بنشوة :-
:- لا تقلق .. لن أعرضك لموقف كهذا
نظر إليها مليا يتأمل شعرها الأشقر الرطب الذي التصقت أطرافه بجبينها ووجنتيها .. واسترخائها الكامل وكأنها قضت حياتها كاملة تحت المطر .. قال بهدوء :- سيدة الشتاء
أقفل باب السيارة .. فنظرت إليه بحيرة ورددت :- سيدة الشتاء !!!
ابتسم بغموض قائلا:- تذكرينني بقصة قديمة عن فتاة أحبت الشتاء بجنون جعل أصدقائها يطلقون عليها اسم سيدة الشتاء لأنها ما كانت تمانع بالاغتسال تحت قطرات المطر مهما كان الجو باردا أو قارسا
أثار فضولها فسألته :- وما حكايتها ؟
:- كان لها حبيب يحمل في قلبه قسوة لم تناسبها .. تشاجرا ذات ليلة ممطرة وهو يقود سيارته بها في طريق مقفر .. فطلبت منه في لحظة غضب إنزالها من السيارة فلم يتردد في الإجابة على طلبها .. وسرعان ما تركها وحيدة في العراء ومضى في طريقه
تمتمت دون أن تفكر :- النذل
ابتسم ولم يعلق .. بل تابع :- بعد قيادته لبضع كيلو مترات وخزه ضميره وتذكر حبه العميق لفتاته .. ولم يستطع المضي أكثر .. فعاد أدراجه إلى حيث تركها ليفاجئ برؤية ملابسها وحذائها وجميع متعلقاتها .. ولكن بدون أي أثر لها
بالرغم منها .. أحست أماني بجسدها يقشعر من غرابة القصة .. سألت مترددة :- ما الذي حدث لها
:- اختلف الناس في تفسير ما حدث .. البعض قال بأنها قد سئمت من حبيبها وقررت الاختفاء من حياته ولكن ليس بدون تلقينه درسا وإثارة الذعر في نفسه .. وبما أن عائلتها لم تسمع عنها شيئا .. واستحالة تحركها بدون ملابسها .. عزا البعض ما حدث إلى ظاهرة الاحتراق الذاتي الشهيرة التي لم ينجح أحد في تفسيرها .. والبعض الآخر علل الحادث بهوسها القديم اتجاه المطر .. فدموع القهر والغضب التي ذرفتها بعد رحيل حبيبها امتزجت بقطرات المطر .. فحصل اتحاد مزج بين روحها وجوهر هذا الماء السماوي فذابت خلاياها معه .. وشربت الأرض العطشى بقاياها إلى آخر قطرة
صمت بعدها مراقبا وجهها المتصلب الذي فقد شيئا من لونه .. أحست أماني بأن الأمان الذي أحست به قبل دقائق قد اختفى .. وبدا لها المكان المقفر والمظلم الذي تخلل صمته صوت ضربات المطر الرتيبة على سطح الأرض الخشنة .... مخيفا
تحاشت النظر إليه وهي تقول بصوت مختنق :- لقد بدأت أشعر بالبرد .. أظنني سأعود إلى السيارة
فتح لها الباب من جديد فأسرعت تحتمي بحميمية ودفء السيارة
لم يلحق بها فورا .. بل بقي لدقيقة كاملة في الخارج .. يتأمل الطريق اللانهائي بعبوس قبل أن ينضم إليها دون أن يتكلم .. بعد دقائق طويلة من الصمت .. قال أخيرا بصوته العميق :- آسف لما سببته لك من الخوف
قالت بكبرياء :- لم أخف
ولكنها سألته بعد لحظات بتردد:- هل .. هل القصة حقيقية ؟
نظر إليها ففاجأها الحنان المطل من عينيه وهو يقول بحزم لطيف :- سواء كانت القصة حقيقية أم لا يا أماني .. فثمة حقيقة مؤكدة هي أنك لن تصابي بأي أذى ما دمت معي .. فهل تصدقين هذه الحقيقة؟
حاولت أن ترد عليه بالإيجاب ولكنها لم تستطع ... أبعدت نظرها عنه فزفر بقوة وامتنع عن قول أي كلمة إضافية حتى دوى رنين هاتفه المحمول .. وسرعان ما لمحا ضوء السيارة القادم من بعيد فقال باقتضاب :- لقد وصلت السيارة
أحست أماني بالراحة العميقة لانتهاء هذه الليلة الغريبة .. فقضاء الوقت مع هشام لم يزد مشاعرها نحوه إلا غموضا
وإحساسها بالخوف نحو المستقبل إلا قلقا وخوفا









الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 33
قديم(ـة) 01-05-2012, 02:08 PM
صورة زهره البطاح الرمزية
زهره البطاح زهره البطاح غير متصل
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية سيدة الشتاء / الكاتبة : Blue me




الفصل الثالث والعشرون
الحقيقة المرة

أوقف تمام شاحنته الصغيرة والتفت إلى جودي ملقيا نحوها نظرة طويلة لاحظ خلالها مدى ضيقها وتوترها وهي تنظر عبر النافذة إلى مدخل المطعم .. قال بهدوء :- لقد وصلنا
أدركت هذا .. ولكنها لم تتوقع عندما وعدها بأن يأخذها إلى مكان مميز أن يعيدها إلى حيث التقيا أول مرة .. إلى مكان يرتاده طارق ومعارفه بانتظام .. سمعته يقول بحزم لطيف :- جودي .. انظري إلي
التفتت إليه على مضض .. فآخر ما أرادت إظهاره له هو خوفها وجبنها من مرافقته علانية .. ولكنها وجدت التفهم في عينيه وه يقول :- ما من مبرر لقلقك .. أعدك بهذا
صدمتها ثقتها الكبيرة به .. فقد أومأت برأسها مصدقة إياه بكل بساطة .. وترجلت معه من السيارة .. لاحظت بأنه لم يدخل من البوابة الرئيسية .. بل دار بها حول المبنى وأدخلها من باب جانبي صغير .. توقفت عندما صعد إلى درج ضيق وقالت بتوتر :- إلى أين تأخذني ؟
استدار إليها قائلا بنفاذ صبر :- هلا توقفت عن الشك بكل ما أقوم به .. فقط جارني قليلا ولن تندمي .. وأعدك بأنني سأوصلك إلى منزلك فور أن تطلبي مني هذا
ترددت للحظات ثم حسمت رأيها .. منذ أيام وهي تخرج مع تمام بانتظام وفي كل مرة كان يفاجئها بأخذها إلى مكان مميز أو القيام بعمل مجنون لم يخطر لها أبدا .. باختصار كانت تستمتع بوقتها دون أن يفرض عليها شيئا .. لا لمسات .. لا تلميحات مثيرة .. ولا حتى قبلات
لم يقترب منها بشكل حميم ولو مرة منذ قبلها ذلك اليوم فوق الجبل .. وذلك لكسب ثقتها وعدم ترك حجة لها تمنعها من رؤيته.. ولكن السؤال الذي كانت تطرحه على نفسها باستمرار هو كيف ستكون ردة فعلها إن حاول تقبيلها مجددا ؟
صعدت معه حتى وصلا إلى السطح .. وقفت في وسط المكان الفسيح والهواء البارد يلفحها بقوة فضمت معطفها إليها وجالت ببصرها حولها .. فلم تجد شيئا سوى غرفة صغيرة في نهاية السطح .. تسرب الضوء من أسفل الباب الخشبي المغلق فعرفت بأنها مقصدهما
شعرت بيده على ظهرها تحثها على السير .. فأخفت جاهدة الخوف والريبة اللذين تسللا إلى نفسها .. وسارت معه نحو باب الغرفة .. فتحه وأفسح لها الطريق لتدخل أمامه ..
تسمرت مكانها بعد خطوة واحدة من دخولها .. وأطلقت شهقة قصيرة .. فما رأته داخل الغرفة لم يكن متوقعا على الإطلاق .. همست بدون وعي :- يا إلهي
لم تكن الغرفة صغيرة كما ظنت .. بل فسيحة ورحبة .. بهرت نظرها بديكورها البديع الذي تجلى بالنوافذ المقنطرة الكبيرة المطلة على مشهد رائع للمدينة .. الجدران ذات اللون القوي التي توزعت عليها لوحات فنية بديعة .. ميزت من بينها اللوحة التي اشترياها معا منذ أسابيع .. وبعض الرفوف الخشبية التي تراصت عليها الكتب .. أما أثاث الغرفة فقد كان عبارة عن طنافس وثيرة على الأرض .. وسجادة شرقية متعددة الألوان مما جعل المكان يبدو كمشهد خارج من كتاب ألف ليلة وليلة .. أما إضاءة المكان .. فقد كانت معتمدة على مصابيح تقليدية قديمة الطراز .. منح نورها الأصفر الشاحب بالإضافة إلى النيران المشتعلة داخل موقد قرميدي جميل الشكل المكان طابعا خياليا
همست مجددا :- تمام .. ما هذا المكان بالضبط ؟
ارتسمت على شفتيه ابتسامة رضا للتأثر الواضح عليها وقال :- مكان صمم ليثير ردة فعلك هذه بالضبط
التفتت إليه قائلة بتأنيب :- تمام محفوظ .. هذا مكان صمم خصيصا للتأثير على النساء وإفقادهن عقولهن .. ومن الأفضل أن تكون نواياك سليمة
أطلق ضحكته الرجولية الجذابة وهو يداعب شعرها الناعم الذي جمعته على شكل ذيلي حصان وقال :- ما أنويه حاليا هو منحك وجبة عشاء شهية ووقتا ممتعا لن تنسيه أبدا
نظرت إلى المائدة المنخفضة التي توسطت الغرفة والتي امتلأت بما لذ وطاب من الأطعمة الساخنة .. وزينتها باقة أزهار ناعمة في المنتصف .. فابتسمت قائلة :-من الواضح بان زملائك في المطعم مشتركون معك في إعداد هذه المؤامرة .. منذ متى وأنت تحضر لهذه الأمسية ؟..أم أنك معتاد على القيام بهذه الترتيبات مع كل صديقاتك ؟
أدارها إليه ونظر إلى عينيها قائلا بحزم :- ليس هناك صديقات يا جودي .. أنت أول امرأة أدعوها إلى هنا
ارتبكت جودي وضاعت بين الصدق في عينيه وقناعتها بأن شابا بوسامته وجاذبيته لا يمكن ان تخلو حياته من النساء .. فأسلوبه العفوي في إفقادها عقلها ينم عن خبرة واسعة في معاملة الجنس الآخر
قادها إلى المائدة وساعدها على الجلوس فوق الوسائد الوثيرة فيما قالت :- قد تكون صادقا .. ولكنني لن أصدق بأن نوايا صاحب المطعم كانت سليمة عندما صمم المكان .. بالمناسبة .. هل يعلم بأنك تستعمل عش الغرام الخاص به لأغراضك الشخصية ؟
جلس إلى جانبها والتسلية تطل من عينيه وكانه يستمتع بسماع رأيها السلبي في مديره . ومع هذا قال :-أنت تظلمين الرجل يا جودي .. قهو ليس سيئا إلى هذا الحد .. لماذا لا تصدقين بان رجلا قد يصمم مكانا جميلا كهذا لأجل الهروب إليه من مشاكل الواقع والانفراد بنفسه قليلا .. أو الاجتماع بأصدقائه المقربين بعيدا عن ضجيج المطعم وازدحامه ؟
هزت رأسها بعدم اقتناع قائلة :- حبيبي تمام .. إما انك بريء للغاية أ, انك تكن ولاءا غير عادي لرئيسك
وعندما لم يمنحها ردا نظرت إليه لتجد انفعالا في عينيه فسألته بقلق :- ما الامر ؟ هل قلت ما أغضبك ؟
ابتسم بدفء قائلا :- لا .. ولكنك ناديتني بحبيبي دون أن تشعري
احمر وجهها عندما أدركت ما قالته .. فأشاحت بوجهها منشغلة بتناول ما امامها من طعام متجاهلة التوتر الذي أخذ يتصاعد بينهما .. ثم قالت مغيرة الموضوع :- من الواضح ان رئيسك يكن لك مودة خاصة إذ سمح لك باستخدام مكان خاص كهذا
هز كتفيه قائلا :- إنه معجب بمواهبي .. وبما انني من قام بتصميم المكان .. منحت امتيازا عن باقي زملائي
عادت تتأمل المكان بطريقة مختلفة وهي تقول باستغراب :- أنت موهوب بشكل ملحوظ .. أما فكرت يوما بامتهان هذا العمل ؟
:- تقصدين كمصمم للديكور ؟
:- نعم
هز رأسه ماطا شفتيه بلا اقتناع :- ما قمت به هنا كان للمتعة فقط .. ولكنني لا اجد نفسي أقوم بهذا العمل لكسب الرزق
كان الطعام شهيا بالفعل .. ولكن عقلها كان مشغولا بكلامه .. لم تعرف إن كان سيتقبل منها ما ستقوله أم لا .. ولكن على احد ان يفتح عينيه ليرى الواقع .. قالت :- ألا ترى بانك تهدر طاقاتك بما تقوم به حاليا ؟
عقد حاجبيه قائلا :- ماذا تقصدين ؟
:- أقصد كعازف غيتار
ضاقت عيناه الداكنتان وهما تنظران إليها بتعبير غير مفهوم وقال :- أهذا رأيك ؟
:- انت تملك الكثير من المواهب والطاقات .. والشهادات العليا .. بالإضافة إلى شخصية مثيرة للاهتمام .. تستطيع كسب ثروة إن استثمرت ما لديك جيدا
برقت عيناه بغضب واضح .. ولكن صوته حافظ على بروده وهو يقول :- أعرف بانني لا أقارن بخطيبك الثري يا جودي .. ولكنني لم أخجل يوما من عمل قمت به ما دام شريفا .. أم انك تجدين عملي حقيرا إلى هذا الحد؟
أسرعت تقول بذعر :- لا .. أنا لم أقصد هذا
لم ينتظر منها تفسيرا .. بل قفز واقفا وابتعد عنها .. فعرفت بانها قد لمست وترا حساسا بإشارتها غير المتعمدة غلى الفروقات بينهما
لحقت به إلى حيث وقف ينظر عبر النافذة بنظرات واجمة .. وقالت :- لو لم أكن لك ما يكفي من الاحترام لما كنت هنا معك يا تمام
وضعت يدها فوق ذراعه وقالت بتوسل طفولي :- لا تغضب مني ... أرجوك
وعندما لم يتحرك أكملت بتردد :- أنت تعرف بانني أهتم لأمرك مهما كانت طبيعة عملك
استدار إليها ورمقها بنظرات غامضة وهو يقول :- أثبتي هذا إذن
اتسعت عيناها بريبة .. وقبل ان تفهم قصده أحاط خصرها بذراعيه وشدها إليه بقوة ... كتم شهقتها المذعورة بفم جائع ومتلهف .. فحاولت ان تبعده عنها مقاومة قبلته الشرسة فلم تستطع .. ولكن ما ان مرت ثوان قليلة حتى تبخرت مقاومتها ووجدت نفسها تقترب منه أكثر لتبادله قبلاته بنفس الحرارة واللهفة .. دارت الغرفة من حولها واختفت معالمها .. وسرى في جسدها إحساس لذيذ ومخيف من الإثارة .. شعرت بكل جزء منها يتوق إليه بجنون .. أحاطت عنقه بذراعيها واستسلمت تماما لشفتيه اللتين امتلكتا شفتيها ولم تبتعدا حتى قدرتا حاجتها إلى التقاط أنفاسها .. نظر إلى عينيها التائهتين وشفتيها المرتعشتين .. واهتز جسده بعاطفة جياشة وهو يهمس من بين أنفاسه اللاهثة :- لو تعلمين كم أحبك .. لو تعلمين كم أريدك
كلماته جعلتها تهبط إلى أرض الواقع شيئا فشيئا .. حتى تمكنت من انتزاع نفسها من قلب الغيبوبة التي سيطرت عليها بدفعه بعيدا عنها وهي تصيح بعنف :- توقف
نظر كل منهما إلى الآخر لاهثا .. هو برغبة وحشية كادت تضعفها مجددا .. وهي بذهول مما حصل
تمكن أخيرا من أن تهمس :- كيف تجرؤ على إهانتي بهذا الشكل ؟
رمشت عيناه وكأن ردة فعلها قد فاجأته .. قال بتوتر :- آخر ما قصدت فعله هو إهانتك أو إيذائك يا جودي
ولكنها لم تستمع إليه .. بدت وكأنها تتحدث إلى نفسها وهي تقول باضطراب :- أهذا هو ردك على إشارتي السابقة حول عملك .. أم أنه ما خططت له منذ البداية بإحضاري إلى هذا المكان الشاعري والمنعزل ؟
صاح بحدة ليوقف سيل الأفكار والوساوس من التدفق إلى رأسها :- جودي
نظرت إليه بذهول وهي تردد :- هذا صحيح أليس كذلك ؟ لقد أحضرتني إلى هنا لتنهي ما بدأته قبل أسابيع .. إنه الفصل الأخير من المسرحية الشاعرية الحمقاء التي ضممتني إليها بإلحاحك المستمر .. فكرت بأنني ما دمت سأرفض الارتباط بك .. فلم لا تستغل افتتاني الأحمق بك لتقضي وقتا ممتعا معي
تصلب جسده الطويل .. وارتسم غضب شديد في عينيه .. لم يسمح لها انفعالها بأن تدرك مدى قسوة كلماتها .. ولكنها لاحظت تغير ملامحه فتراجعت بقلق بينما قال هو بجفاف :- أتنعتينني بالانتهازي يا جودي ؟ وماذا عنك أنت ؟ .. من منا يستغل الآخر برأيك .. أنا أم أنت ؟ أنت هي الفتاة الثرية المدللة المخطوبة لرجل آخر ومع هذا لا تجد ضررا في قضاء الوقت مع عازف حقير مثلي
اقترب منها وقد قست ملامحه بشكل لم تعهده جودي منه أبدا .. مما زرع الخوف في أعماقها ودفعها للتلفت حولها بحثا عن مهرب .. قال بقسوة :- تحتقرين كوني فقيرا .. ولن تفكري أبدا بالارتباط بي ... ولكنك لم تترددي في مرافقتي عدة مرات .. ومبادلتي القبلات
صاحت بيأس :- هذا غير صحيح
لوى فمه بابتسامة ساخرة وقال :- حقا ؟ إن لم تخني ذاكرتي فقد كنت منذ لحظات قليلة بين ذراعي .. تبادلينني القبلات بحرارة ورغبة .. إن لم يكن هذا استغلال لي .. وخيانة لخطيبك .. فأنا لا أعرف له تسمية أخرى
تجمعت الدموع في عينيها وقد جرحتها الحقيقة المرة في كلماته .. هزت رأسها محاولة الدفاع عن نفسها وهي تصيح بألم :- لا تجعل من نفسك الضحية هنا .. فأنا ما كنت بالنسبة إليك أكثر من تحدي كدت تنجح في تحقيقه .. لم تكن تفكر بالزواج مني حتى لو اختلفت الظروف
صاح بعنف :- أنت محقة .. لن أتزوج أبدا بفتاة لا تستطيع معرفة ما تريده حقا .. ولا تجد الشجاعة الكافية حتى لتفسخ خطوبتها برجل لا تحبه
انكمشت وقد أخافها عنفه فخفت الحدة في لهجته وهو يقول :- لا تتوقعي مني أن أطلب منك تركه إن لم تفعلي من تلقاء نفسك .. ولا تلوميني على استغلالي لك في الوقت الذي لا تقلين فيه سوءا عني
اغرورقت عيناها بالدموع .. وبدون أي كلمة .. اندفعت عبر باب الغرفة مسرعة .. فلحق بها قبل أن تصل إلى الدرج وأمسك بذراعها .. وأدارها إليه لتنظر إلى عينيه .. وقال ضاغطا على حروفه :- لن تستفيدي شيئا من هروبك هذا يا جودي .. إنما أنت تهربين من نفسك .ومشاعرك .. ومن الحقيقة التي تحاولين إنكارها .. ستدركين في النهاية أننا قد خلقنا من طينة واحدة .. وأنك لن تجدي أنسب لك مني
انتزعت نفسها من بين يديه وقد علت وجهها نظرة اشمئزاز ... ثم تابعت طريقها خارجة من المكان دون أن يعترض طريقها هذه المرة .. وبينما هي تقطع طريقها شبه راكضة فوق الرصيف .. انهمرت دموعها بغزارة مترافقة مع نشيج مكتوم لم تستطع السيطرة عليه .. لم تكن تبكي بسبب إهانة تمام لها .. ولا بسبب الحقيقة التي ألقاها في وجهها .. بل كانت تبكي بسبب اكتشافها بأنها رغم اتضاح سوء نية تمام ونذالته .. فهي تحبه بجنون
تحبه بلا أمل






الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 34
قديم(ـة) 01-05-2012, 02:11 PM
صورة زهره البطاح الرمزية
زهره البطاح زهره البطاح غير متصل
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية سيدة الشتاء / الكاتبة : Blue me




الفصل الرابع والعشرون
ندبة في روحها

ارتفع رنين هاتف اماني المحمول .. فأقفلت الكتاب الذي كانت تقرأه ونهضت الأريكة لتلتقط الهاتف من حيث ألقته فوق طاولة الطعام متسائلة عمن يتصل في هذا الوقت المتأخر .. سمعت صوت سمر عندما اجابت يقول بمرح :-
:-هل أيقظتك من النوم أيتها العروس؟
قالت أماني ساخرة :- لم أتحول إلى دجاجة بعد.. مازال الوقت مبكرا على النوم .. فالساعة لم تتجاوز العاشرة
:- ممم..... ما الذي تفعلينه إذن ؟ بالتأكيد تنتظرين اتصالا من هشام .. أخبريني كيف هو كخطيب ؟ هل تستمر مكالماتكما حتى الصباح كباقي العشاق؟
احمر وجه أماني لسماعها هذا الوصف البعيد جدا عن وضعها مع هشام ..وكادت تنفي لولا تذكرها بأن سمر كغيرها تظن بأن هذه الخطوبة حقيقية فقالت :- ليس بهذا الشكل أنت تعرفين بأن ابن اختك لا يحب الثرثرة
نجحت في أداء دور الخطيبة الشاكية فقد ردت سمر :- أنت محقة .. ولكنك لا تقلين عنه سوءا .. يجب على أحدكما أن يتنازل قليلا....
استمرت سمر في حديثها مع أماني حتى دوى صوت جرس الباب منقذا أماني من سؤال سمر عن فستان الزفاف .. قالت بسرعة :- إنه صوت جرس الباب ..سأفتحه وأعود إليك
ما إن ادارت قبضة الباب حتى خطر لها بانها لا تنتظر أحدا .. وان الوقت متأخر على زيارة مفاجئة .. ولكن الاوان كان قد فات عندما دفع الباب بقوة حتى كادت اماني تفقد توازنها .. ثم انتابها ذعر شديد لرؤية صلاح يدخل الشقة ويقفل الباب ورائه بإحكام .. ثم يستدير إليها .. أطلقت شهقة مكتومة وهي ترى نار الغضب المشتعلة في عينيه .. فتراجعت إلى الخلف وهي تفكر بأنها لم تر صلاح من قبل بهذه الحالة من الانفعال .. وبدون هدوءه المعتاد ..فقالت بتوتر:-
:- ما الذي تريده يا صلاح؟ لقد سبق وأخبرتك بأنك غير مرحب بك هنا
لمح الهاتف الذي تحمله فسار نحوها بسرعة وانتزعه من بين أصابعها ليقفله ويرميه جانبا كي لا تفكر بطلب النجدة .. أدركت بغريزتها بأن هذه المرة مختلفة فحاولت التزام الهدوء والتعقل وعدم استفزازه وهي تخاطبه :- ماذا تريد ؟
قال بصوت خرج منه أشبه بالفحيح :- ما الذي تظنيني أريده ؟
كانت على وشك فقد اعصابها .. فملامح صلاح الوسيمة فقدت وقارها وغرورها لأول مرة .. وبدا من انفعاله وغضبه أنه في حالة لا تسمح له بحديث مهذب .. قالت محاولة إظهار القوة :- ما من فائدة ترجى من محاولاتك يا صلاح ..أنا امرأة مخطوبة الآن ..وإن عرف .....
صرح مقاطعا إياها :- كاذبة
انتفضت وتراجعت تحتمي خلف أريكة صغيرة وقد اخذ جسدها يرتعش بخوف لم تعرفه سوى مرة واحدة .. راقبته وهو يحل ربطة عنقه بإرهاق وهو يقول :- كاذبة لعينة .. هل ظننتني أحمقا إلى هذا الحد ؟ وأنني لن أكتشف لعبتك بطريقة ما
سألته بحذر :- أي لعبة ؟
:- لعبة الخطوبة المزيفة التي كدت تقنعينني بها .. أنت لست مخطوبة إلى هشام عطار ..إنها تمثيلية الهدف منها إبعادي
أحست أماني وكأن صفعة قوية قد اصابت وجهها .. حدقت به بذهول فضحك بمرارة :- تتساءلين عن الطريقة التي عرفت بها الحقيقة ..أنسيت بأن لدي مصادري داخل مقر عملك ؟ ليس هناك أسهل من معرفة ما يدور بينك وبين مديرك عندما تنفردان داخل مكتبه
أول اسم خطر في ذهن أماني هو لندا .. سكرتيرة هشام الرقيقة الطبع والملامح .. وتذكرت شجارها الدائم مع هشام كلما انفردت معه داخل مكتبه .. وبالذات شجارهما صباح اليوم .. هل كانت لندا تستمع إلى أحاديثهما بطريقة ما لحساب صلاح ؟
تابع حديثه ببغض :- كان علي أن أعرف بأن هشام عطار لن يتزوج بك بعدما أصبحت حديث المدينة بأكملها .. وبالتأكيد لن يورط نفسه معك دون أن يحصل على شيء في المقابل
اقترب منها قائلا بصوت جمد الدماء في عروقها :- ما الذي منحته لهشام عطار مقابل مساعدته لك يا أماني؟
تصاعد الخوف في أعماقها حتى وصل إلى حدود الهستيريا .. وجدت أطرافها ترتعش تكاد تصاب بالشلل ..ركزت بصرها على الباب القريب منها وفكرت بانها إذا فاجأته فإنها تستطيع الهرب قبل ان يمنعها .. ولكنه قرأ أفكارها فأمسك بها قبل أن تصل إلى الباب
قاومته بشراسة وهي تصيح :- اتركني وإلا صرخت وجمعت الجيران في لحظة
ولكنه بدا وكأنه لم يسمعها عندما هزها بعنف وهو يكرر:- ما الذي أعطيته لذلك الرجل ؟
صاحت به وقد طفح بها الكيل :- هذا ليس من شأنك .. وإن كنت مصرا فلتعلم بانني أعطيته شيئا لم ولن تحصل عليه أبدا
لم تكن تنوي استفزازه .. ولكن غضبها منه وخوفها شلا تفكيرها .. وعندما تجد اماني نفسها في موقف ضعف تتفوه عادة بما تندم عليه لاحقا .. وهذا ما حدث عندما فسر صلاح عبارتها بالأسوأ... فاحمرت عيناه .. واحتقن وجهه وهو يقول من بين أسنانه :- أيتها الفاسقة .. كان يجب ان أحصل عليك قبل سنوات خلت .. لما استطعت أن تتحديني بهذا الشكل .. على أي حال لم لا نكتشف معا ما حصل عليه هشام عطار
أحنى رأسه محاولا الوصول إلى شفتيها ... فأشاحت بوجهها وتلوت بين ذراعيه محاولة الافلات وهي تصيح بيأس :- اتركني يا صلاح .. أرجوك
ولكنها لم تزد بمقاومتها إلا من جنون غضبه إذ قال بحدة :- تختارين دائما الطريق الأصعب ..أليس كذلك ؟لا بأس .. لك ما تريدين
صرخت برعب عندما حملها ودخل بها إلى غرفة النوم .. ألقاها فوق السرير وثبتها فوقه مثبتا تفوقه الجسدي عليها .. تحول رعبها إلى جنون هستيري وهي تحاول إبعاده بيديها وقدميها دون فائدة .. تفجرت ا لدموع من عينيها وهي تبكي متوسلة إليه أن يتركها ..
هذا ما عاشت حياتها كلها خائفة من حدوثه .. أنه أبشع كوابيسها يتحقق على أرض الواقع وبأقسى طريقة .. وللحظات اختفت معالم الغرفة من حولها .. وبدأ الظلام يخيم حول وعيها المصدوم .. ولم تعد إلى الواقع إلا عندما تحررت من مهاجمها فجأة.. فتحت عينيها لتدرك بأن صلاح إنما قد انتزع من فوقها انتزاعا ..رات غير مصدقة هشام يمسك بتلابيب قميص صلاح وقد حوله الغضب إلى وحش مخيف لم تره منه من قبل .. قال بصوت أشبه بالرعد :-
:- أيها الجبان الحقير .. لقد حذرتك من الاقتراب منها
حاول صلاح التخلص منه وهو يصرخ :- أنت هو الغريب هنا .. أنا أعرف بانك لا تنوي الزواج بها .. إنها ابنة عمي وأنا اولى حتى بالفتات الذي تركته
إذ بصلاح يطير عبر الغرفة ليصطدم بمنضدة الزينة ويسقط ما عليها بدوي قوي .. بعد ان لكمه هشام بقبضته غير قادر على السيطرة على غضبه .. تفجرت الدماء من أنف صلاح بينما هدر صوت هشام :- إياك أن تهين المرأة التي ستصبح زوجتي
مسح صلاح الدماء بكم قميصه وهو ينهض ويقول لاهثا :- انت تكذب .. ما بينكما مجرد خطبة زائفة .. انت لن تتزوج بها أبدا
ولكن غضب هشام الكبير من مرأى تهجمه على اماني لم يبرد بعد .. عاد يمسك بقميص صلاح وقد بدا عليه الإجرام .. عرفت اماني وهي تجر نفسها فوق السرير لتحيط نفسها بالبطانية مخفية ما طهر من جسدها عبر ملابسها الممزقة .. بان هشام يبذل جهدا كبيرا كي لا يفتك بصلاح في تلك اللحظة .. لم يكن صلاح غبيا .. فالفرق في القوة الجسدية بينه وبين خصمه كان كبيرا .. فلم يحاول استفزازه اكثر بينما قال هشام بصرامة :- أنا واماني سنتزوج خلال أسبوعين .. وإن جرؤت على الاقتراب منها مجددا أقسم بأن أتجاهل القرابة التي تجمعك بها .. وأقتلك بدون تردد
ثم سحبه إلى خارج الغرفة تاركا أماني الذاهلة .. العاجزة عن التفكير بحقيقة ما حدث .. أو بما جاء بهشام إلى هنا وكيفية دخوله إلى الشقة .. كانت في حالة من الصدمة وبالكاد أحست بان الهدوء التام قد ساد المكان
ظهر هشام على باب غرفتها لاهثا .. نظر إليها حيث كانت تجلس منكمشة على نفسها فوق السرير .. وأجبر نفسه على استعادة الهدوء .. ونسيان المشهد الذي كاد يبخر كل ذرة عقل لديه .. والتفكير بانه وصل في الوقت المناسب على الأقل ..
وبالفتاة التي لم تصحو من صدمتها بعد .. قال بهدوء:- لقد رحل يا أماني
لم تمنحه ردا .. بل لم تستطع النظر إليه بينما تابع :- لقد تحطم قفل الباب أثناء دخولي إلى الشقة .. ولكنني سأصلحه لك صباح الغد .. ذلك الرجل لن يعود مجددا
همست :- بل سيعود .. إنه يعود في كل مرة .. وفي المرة القادمة .. في المرة القادمة ..
كانت قد توقفت عن البكاء .. ولكنها كانت ترتعش وبدت على وشك الانهيار .. انقبضت عضلات جسده الطويل عندما أدرك معنى كلماتها .. فقال بغضب :- هل سبق لذلك الحيوان أن تهجم عليك ؟
أشاحت بوجهها وقد عادت دموعها تتدفق بغزارة فوق وجنتيها .. اقترب منها فانكمشت مبتعدة بشكل غريزي .. جلس إلى جانبها على طرف السرير وقال بهدوء :- أنا لست صلاح يا اماني .. تعرفين جيدا بانني لن أؤذيك .. انظري إلي ..
كانت تتحاشى النظر إليه منذ البداية .. خوفا واضطرابا .. وحرجا أيضا مما حدث .. ولكن عندما امرها .. رفعت بصرها إليه فقال :- انت بخير الآن
هذا صحيح .. ما دام موجودا .. بطريقة ما أحست اماني بان هذا الرجل هو ما يمثل الأمان في حياتها .. عندما أحس بتشنجها يخف .. مد يده نحوها فترددت للحظات قليلة .. قبل ان تجد نفسها بين ذراعيه .. ووجهها مدفون في صدره العريض .. تبخر الخوف فجأة من أعماقها ليحل محله الضعف .. الضعف التام .. عادت تبكي من جديد مستسلمة لحاجتها الشديدة منذ سنوات غلى صدر تبكي عليه .. فربت على شعرها الناعم برفق .. وهمس في أذنها بكلمات مهدئة .. غير قادر على استيعاب التغيير الذي وجده فيها .. لقد سقط أخير قناع القوة الذي ارتدته لسنوات .. وظهرت الطفلة الضعيفة الخائفة التي حرصت على إخفائها عن الآخرين
عندما هدأت قليلا . ابتعدت عنه لتمسح دموعها بظهر يدها قائلة :- آسفة .. لقد بللت قميصك
قال واجما :- لا مشكلة
لم تستطع النظر إليه وهي تقول :- اعرف بانني سأبدو ناكرة للجميل .. ولكنني أتساءل عما جاء بك في هذا الوقت بالذات
قال :- اتصلت بي سمر واخبرتني بانك ربما تواجهين مشكلة .. ولحسن الحظ كنت انا قريبا من هنا
رفع ذقنها بسبابته ليجبرها على النظر إليه وردد سؤاله بإصرار:- منذ متى وصلاح يشكل لك هذا النوع من التهديد يا أماني ؟
صمتت للحظات فبدت وكأنها سترفض الإجابة .. ولكنها تمتمت أخيرا:- طوال حياتي .. ولكن الأمر لم يبدأ حقا إلا منذ خمس سنوات
أي منذ بدأت تعمل لديه تقريبا .. أكملت :- كان أبي قد فقد صبره عندما أصريت على رفضي لصلاح .. حتى الآن لا اعرف إن كان هو من شجع صلاح .. أو ان صلاح هو من بادر بتلك الخطوة من تلقاء نفسه
أحست وهي تتكلم وكأنها تعيش ما حصل مجددا .. فارتعش صوتها وهي تتابع :- كنت نائمة عندما أحسست بأحد داخل غرفتي .. لم اعرف من كان في البداية بسبب الظلام .. ولكن عندما أمسك بي عرفته .. كانت صدمتي شديدة في البداية إلى حد أنني لم أفهم ما كان يحصل .. ثم بدأ ذهولي يتحول إلى ذعر .. قاومته .. صرخت طلبا للعون ..فلم يسمعني أحد .. وعندما تحررت منه أخيرا ركضت إلى خارج الغرفة لأجد أبي هناك
لا يمكنها أن تنسى كيف كان والدها ينظر إليها .. ببرود كالثلج وكأنه يعرف ما كان يحصل
:- صرخت به يائسة .. افعل شيئا .. قل شيئا على الأقل .. ابنتك كادت تتعرض للاغتصاب على يد الرجل الذي تثق به أكثر من نفسك .. ولكنه رد بكل هدوء بأن صلاح سيصبح زوجي في النهاية .. وأن حصوله على ما هو له ليس اغتصابا
كبت هشام غضبه من ذلك الأب الذي لم يراع شعور ابنته .. ولكنه كتم أفكاره مدركا بأنها لن تحتمل أي تعاطف منه .. بل استمع إليها وهي تكمل :-
:- كانت صدمتي شديدة وغضبي أشد .. فوجدت نفسي أواجه أبي بكلمات لم أتخيل أبدا أن أوجهها إليه
لقد واجهته برأيها الصريح به .. بأنه قاسي القلب بلا رحمة .. لا يعرف كيف يحب أحدا .. واجهته بما عرفته من خلال قراءتها ليوميات والدتها .. بأنها لا تستغرب وفاة والدتها تعيسة بعد أن فشلت في أن تحب طاغية مثله
لم يحتمل والدها الحقيقة التي ألقتها في وجهه.. الحقيقة التي كان أذكى من ألا يعرفها منذ سنوات .. تمتمت :-
:- فقد سيطرته على نفسه .. ورفع عصاه في لحظة أعماه فيها الغضب وضربني بها
توتر وقد بدأت الصورة تتضح له .. وسألها :- أين ؟
مدت يدها لتلمس رأسها حيث استقرت الندبة التي لن تزول أبدا .. أزاح بيده شعرها الأشقر .. ونظر إلى الندبة البيضاء .. كانت هذه المرة الأولى التي يراها فيها عن قرب
لم تشعر أماني هذه المرة بالحرج من ندبتها أو بالارتباك .. بل شعرت بشيء آخر لم تعرفه بينما كانت يده تلمس الأثر الباقي من الجرح .. نظرت إلى عينيه لتجده مقطبا يفكر .. كان أذكى من أن يظن بأن الضربة لم تخلف إلا جرحا سطحيا .. سألها :- ما الذي حدث ؟
تنهدت وقالت :- لم أعرف ساعتها ما حدث .. ولكنني أفقت لاحقا لأجد نفسي في المستشفى .. وعرفت بأنني نتيجة للضربة دخلت في غيبوبة لمدة 3 أسابيع دون أن يعرف أحد إن كنت سأفيق مجددا أم لا .. وطبعا .. لم يزرني أبي خلال إقامتي في المستشفى ولو لمرة واحدة .. وعندما عدت إلى البيت .. كان كل شيء قد انتهى بيننا كأب وابنته
دخلت يومها إلى البيت فوجدته واقفا في وسط الصالة في انتظارها .. نظر كل منهما إلى الآخر في انتظار الحصول على اعتذار ما .. ولكن ما حدث هو أن تركها واقفة حيث هي .. ودخل إلى مكتبه .. وأقسمت هي يومها على ألا تأخذ منه شيئا بعد ذلك على الإطلاق
أمسك هشام بيدها لتشعر بتفهمه وقال :- لابد أن الأمر كان صعبا عليك
قالت بمرارة :- لم أستطع أبدا تجاوز عدم حبه لي .. لطالما فهمت حبه الشديد لجودي .. فهي صغيرته .. وشبيهة أمي التي أحبها كثيرا .. ولكنني لم افهم لماذا فضل صلاح علي إلى حد أن رخصني بذلك الشكل .. لقد كنت ابنته .. ابنته
كانت على وشك فقد أعصابها مجددا .. فأسرع هشام يشد على يدها قائلا :- أظنه أحبك بطريقته الخاصة يا أماني ... وأنا لا ادافع عنه .. والدك كان رجلا قاسي القلب وعديم الضمير .. ولكنني متأكد بأن عدم اهتمامه بك بعد الحادث كان بسبب شعوره بالذنب .. فوالدك كان رجلا مغرورا إلى حد عدم اعترافه بأخطائه .. أما ما حدث مع صلاح فأظن بـأن كل ما طلبه منه والدك هو إخافتك فقط .. فما من رجل قادر على التفريط بكرامة وشرف ابنته حتى لأجل ابن أخيه
تمتمت :- وماذا عما حدث هذه الليلة ؟
:- هنا يتضح الخطأ الذي ارتكبه والدك .. لقد منح صلاح صلاحيات كثيرة حتى اختلطت على ابن عمك الأمور وظن بأنه قد امتلكك حقا
لمس وجنتها .. فسرى داخلها شعور مريح بالهدوء .. قال :-
:- لا وجود للأب المثالي يا أماني .. فالآباء بشر مثلنا يخطئون أيضا .. فوالدك مثلا قد اتبع الطريقة الخاطئة لفعل ما ظنه صوابا .. فأنا متأكد بأن نية والدك من كل قسوته معك هو تأمين حياتك ومستقبلك .. ربما كان مؤمنا بأنك ستجدين السعادة مع ابن عمك .. هناك آباء يديرون ظهورهم لعائلات بأكملها دون الاهتمام بمصير أي فرد منها أو مستقبله
تذكرت ما عاناه في حياته وبسبب والده أيضا .. قالت بخفوت :-
:- لابد أنني أبدو سخيفة في هذه اللحظة مقارنة بما عانيته أنت وعائلتك من مشاكل
قال بحزم :- ليس هناك مشاكل سخيفة .. أنت امرأة وقد اضطررت وحدك لمواجهة ظروف كانت لتسبب الانهيار لأي امرأة طبيعية
تنهدت قائلة :- هذا ما يجعلني أتمنى لو أنني ولدت رجلا
لوى فمه بابتسامة صغيرة حركت شيئا لم تعرف ماهو داخل أعماقها .. وقال :- ماكنت امتلكت وقتها الشخصية الفريدة التي تتمتعين بها .. وربما ما كنا التقينا على الإطلاق
بدت لها نظراته حميمة للغاية وهو يتأمل وجهها المتورد .. لأول مرة منذ زمن طويل تحمر أماني خجلا .. فأخفضت عينيها بحرج مستغربة من اضطراب مشاعرها ..فهذه الجلسة بينهما قد غيرت الكثير من نظرة كل منهما إلى الآخر .. وبالنسبة إليها أحست بأنه أقرب إليها من أي وقت مضى .. خاصة وقد نجح في تهدئة نفسها .. وتخفيف الضغينة التي لطالما حملتها اتجاه والدها .. فهي الآن – لدهشتها – تعذر والدها على بعض تصرفاته .. فلطالما كانت مسببة للمشاكل .. وبعد تورطها السابق مع شخص طماع وغير جدير بها كفراس كان قلق والدها مبررا ..
لم يكن الصمت الذي ساد بينها وبين هشام مريحا .. فقد تشبع جو الغرفة بالتوتر .. وغزت الحرارة اماني وهي تشعر بقرب جسد هشام منها .. كانت هذه المرة الأولى التي يجتاحها هذا النوع من المشاعر .. من الحرارة والتوق إلى شيء مجهول لم تستطع اكتشافه .. وبحركة لا إرادية .. مدت يدها لتسدل شعرها فوق ندبتها فسارع ليمسك بمعصمها يمنعها وهو يقول بلطف :- لست مضطرة إلى إخفائها يا اماني .. على أي حال .. هي ليست بالبشاعة التي تظنين
التقت عيناهما .. فتسارعت أنفاس اماني .. كما احس هو بنبضها المضطرب من حيث يمسك بها .. أطلت من عينيه الداكنتين شعلة من اللهب أخافتها واثارتها في الوقت نفسه .. ولسبب ما أدركت بان مشاعره أوضح بالنسبة إليه من مشاعرها المجهولة إليها
سحبت يدها وقد قررت ألا تسمح له باكتشاف ما يسببه لها من اضطراب .. وقالت بابتسامة مرتجفة :-
:- أشكرك .. ماكنت أظنها بشعة على الإطلاق قبل الآن
ابتسم .. وكالعادة غيرت ابتسامته من ملامح وجهه .. فبدا أصغر سنا .. وازدادت جاذبيته خطورة
لاحظ النعاس الذي بدأ يداعب جفنيها فقال بهدوء :- من الأفضل ان تنامي الآن .. فانت متعبة وقد مررت بيوم عصيب .. يمكنك اخذ يوم الغد إجازة
ما إن تحرك حتى قالت قبل ان تمنع نفسها :- هل سترحل ؟
نظر إليها مطولا قبل ان يسألها :- هل تريدينني ان أرحل ؟
ازدردت ريقها وقد عجزت عن الرد عليه بالإيجاب .. بل وجدت نفسها تهمس :- ابقى قليلا .. قليلا فقط
عرف سبب خوفها .. فما زال احتمال عودة صلاح قائما .. فقال مطمئنا :- لن أذهب حتى اتأكد من انك نائمة بأمان
حثها على التمدد فوق سريرها .. وغطاها جيدا .. نظرت إليه من بين رموشها وهو جالس على طرف السرير .. وقد اخفت إضاءة الغرفة الخافتة نصف ملامح وجهه .. فقالت بصوت ناعس :- قد أندم على ما سأقوله فيما بعد .. ولكنني حتى الآن .. أظنك أفضل ما حدث في حياتي يا هشام عطار
ثم أغمضت عينيها .. وخلال ثوان كانت قد استغرقت في النوم
ظل هشام لدقائق يتأمل وجهها المستسلم والمسترخي .. بوجه عابس لا تعبير فيه .. قبل أن يحمل نفسه على الخروج من غرفتها وإغلاق الباب خلفه جيدا














الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 35
قديم(ـة) 02-05-2012, 10:36 PM
صورة زهره البطاح الرمزية
زهره البطاح زهره البطاح غير متصل
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية سيدة الشتاء / الكاتبة : Blue me





الفصل الخامس والعشرون
بين نارين

عندما فتحت اماني عينيها في صباح اليوم التالي .. كان اول ما أحست به هو الارهاق الشديد والرغبة في العودة إلى عالم النوم المريح والخالي من الهم .. حتى نبهتها حركة قادمة من خلف باب غرفتها المغلق .. في تلك اللحظة .. تذكرت كل ما حدث في الليلة السابقة فهبت من السرير بذعر وفكرة عودة صلاح تكاد تفتك بها .. ولكن باب الغرفة ظل مغلقا .. والحركة المكتومة والمتقطعة لم تتوقف .. تسللت نحو الباب وفتحت جزءا منه بحذر دون أن تصدر أي صوت .. وعندما ألقت نظرة عبره حبست أنفاسها وعجزت عن الاتيان بأي حركة
لقد كان هشام هناك .. جاثيا على إحدى ركبتيه امام باب الشقة الخارجي يحاول إصلاح قفله المكسور.. لم يكن وجود هشام في هذا الوقت المبكر من الصباح هو ما أثار اضطراب اماني .. بل مظهره المدمر بعد أن تخلى عن سترته .. وحل أزرار قميصه العليا حتى الصدر .. ورفع أكمامه حتى مرفقيه مبرزا عضلات ساعديه القوية
أحست بخفقات قلبها تتسارع امام جاذبيته الجسدية الطاغية رغم المسافة التي تفصل بينهما .. لطالما أدركت قوة بنيته حتى من خلال ملابسه الانيقة .. ولكنها أدركت الآن وخاصة عندما اعتدل واقفا ليدير المقبض مختبرا جودته .. مدى بدائية ووحشية تكوين جسده الرجولي الضخم .. كان طويلا للغاية .. ولم يكن الطول الفارع بالصفة النادرة بين رجال مدينتها .. ولكن أن يترافق طول قامته مع كمال وضخامة عضلات جسده المفتولة جعله يبدو بعيدا عن رجل الأعمال الانيق الطبع والملبس الذي عرفته دائما .. لقد بدا في هذه اللحظة أقرب إلى ذلك الشاب الذي لم يترك عملا شاقا ومهينا إلا وقام به كي يطعم نفسه وعائلته
انسحبت بهدوء مغلقة الباب خلفها . واستندت إليه بظهرها محاولة تهدئة خفقات قلبها المجنونة .. ما الذي أصابها ؟ .. لم تعتد أبدا على النظر إلى الرجال بهذه الطريقة المتفحصة والمقيمة .. حتى أثناء معرفتها لفراس .. لم تحتل جاذبيته الجسدية جزءا كبيرا من تفكيرها .. فهي بالكاد الآن تستطيع تذكر ملامح وجهه
تذكرت ما حدث ليلة الأمس والدعم الذي قدمه هشام لها .. لا يمكنها أن تتخيل ما كاد يحصل لو لم يصل في تلك اللحظة .. تكره الاعتراف بهذا .. ولكن ديونه عليها قد زادت كثيرا .. وما تخشاه هو ان يأتي ذلك اليوم الذي تصل فيه حاجتها إليه إلى حد المرض ..
تذكرت تعاطفه معها وتفهمه .. لقد تحدثت للمرة الاولى عما حدث بينها وبين والدها مع شخص غريب ببساطة وراحة .. وبدون تفكير .. والمصيبة أن رده عليها كان ما تحتاج إليه بالضبط
كلما زادت معرفتها به .. كلما أدركت مدى كمال صفاته ومثاليته .. إنه الرجل الذي ربط نفسه بها أمام الناس لينقذها من صلاح .. وينقذ سمعتها التي تلطخت في المدينة دون ان يطلب مقابلا لنفسه
وحتى الآن لم تر منه أي تصرف سيء ومعيب يثلج صدرها ويزيد من قناعتها بعدم وجود رجل يستحق احترامها
أخذت نفسا عميقا لتستعيد هدوئها .. ثم بدلت ملابسها استعدادا لمواجهته .. وعندما خرجت من غرفته أخيرا.. كانت تبدو أفضل وقد ارتدت سروالا من الجينز وكنزة رقيقة
رفع رأسه من خلف الجريدة التي كان يقرأها من حيث يجلس فوق الأريكة .. والتقت نظراتهما للحظات طويلة أشعرتها بالارتباك والرغبة بالعودة إلى غرفتها هربا من مشاعرها
قطع الصمت بصوته القوي :- صباح الخير
حاولت ان ترد فلم تستطع .. ولكنه تابع بنبرة هادئة :- كيف تشعرين الآن ؟
أجبرت نفسها على النطق فخرج صوتها متحشرجا :- أفضل بكثير
تنحنحت لتسلك حنجرتها ثم سألت :- منذ متى وانت هنا ؟
لم يمنحها ردا .. بل انتقلت عيناه من وجهها إلى جسدها الرقيق .. لم تكن نظراته تشبه بأي طريقة نظرات صلاح الوقحة والمهينة .. ولكنها أحست بالانزعاج .. فتململت في وقفتها قائلة بعصبية :- ألن تجيب عن سؤالي ؟
قال اخيرا:- ما الذي تظنينه أنت ؟
توترت وحاولت ان تستوضح تلك المعلومة التي عرفتها منذ البداية ورفضت الاعتراف بها .. ثم ارتدت متفاجئة وهي تهتف :- لقد بقيت هنا طوال الليل
انتبهت في تلك اللحظة إلى الوسادة والبطانية الإضافية المكومتين بترتيب فوق أحد المقاعد .. قال بهدوء :-
:- ما كنت لأتركك وحدك بتلك الحالة .. ومع باب بقفل مكسور
مررت يدها بتلقائية عبر شعرها لسدله فوق ندبتها وهي تحاول السيطرة على ارتباكها .. لقد قضى الليلة هنا .. في شقتها .. لا يفصل بينهما سوى باب وجدار ..
لم تستطع احتمال فكرة مراقبته لها أثناء نومها عند دخوله لأخذ الوسادة والبطانية .. ثم تذكرت طلبها الطفولي منه بان يبقى .. فاحمر وجهها خجلا .. لا تستطيع لومه ما دامت هي من طلب منه البقاء .. صح ؟
لكم تتمنى أن تختفي ليلة الأمس من ذاكرتها إلى الأبد عل إحراجها يخف قليلا ..
تمتمت متلعثمة :- لم تكن .. ليس هذا .. كيف ..؟
قال بحزم لطيف :- أماني .. اهدئي .. لم يحدث شيء ليلة الامس
أحاطت جسدها بذراعيها وأخذت نفسا عميقا حاولت به تمالك أعصابها وهي تقول :- لم أقصد هذا .. كيف بررت غيابك لعائلتك .. لوالدتك .. هل ...
عضت شفتها السفلى حرجا مما حدث في الليلة الماضية .. فقال :- اختلقت حجة ما .. وقصة مناسبة عن سفر مفاجئ إلى العاصمة .. لن اتجول في المدينة ناشرا قصتك
قالت بتوتر :- أنا متأكدة بأنك لن تفعل .. أشكرك على اهتمامك .. فانت لم تكن مضطرا للتورط بكل هذا .. كما انني واثقة بان الأريكة لم تكن مريحة
طبعا .. مع ضخامته وطول ساقيه .. لابد ان ليلته كانت قاسية .. قال ساخرا :- لقد عرفت ليال أسوأ
نهض واقفا فتراجعت غريزيا إلى الخلف .. عبس للحظات مخطئا تفسير خوفها .. فقلقها كان من تأثير جاذبيته عليها والذي اكتشفته حديثا
قال بجفاف:- أنت آمنة معي تماما يا اماني
أطلقت ضحكة عصبية وهي تقول :- أعرف هذا .. ولكن التخلص من عادة قديمة ليس سهلا
نظر إليها بعطف فخشيت بأن يعلق .. ولكنه أخذ الأمر ببساطة وقال :-
:- قد ينعشك تناول بعض الطعام .. لقد سمحت لنفسي بإحضار ما يؤكل خاصة بعد اكتشافي خلو ثلاجتك من أي شيء صالح للأكل
نظرت إلى طاولة الطعام الصغيرة التي امتلأت بأصناف متعددة من الطعام .. وعندما دغدغت الرائحة الشهية أنفها أصدرت معدتها ذلك الأزيز المميز فعرفت بأنها جائعة حقا
تمتمت :- أشكرك .. لم تكن ...
قاطعها :- لم أكن مضطرا لفعل هذا .. ولكنني فعلته .. من الأفضل أن نبدأ بتناول الطعام قبل أن يبرد .. لست بحاجة إلى إخبارك بأن شقتك هذه أشبه بالثلاجة
جلست فجلس مقابلا لها .. ووضع في طبقها الذي سبق أن وضعه بنفسه مع باقي أدوات المائدة .. قطعة من الكروسان الساخن وبعض الفطائر .. شكرته ثم قالت ردا على كلامه :-
:- إنها باردة وخالية من وسائل التدفئة .. ولكنني اعتدت عليها
بدأت بتناول الطعام سعيدة بمذاقه الشهي .. لاحظت بانه لا يشاركها الأكل .. بل يراقبها بدقة وهو يقول :-
:- لا تنسي بأنني قضيت الليلة هنا .. وأعرف تماما كيف يصبح البرد لا يطاق بالليل
احمر وجهها وقد أحست بالحرج من اطلاعه على سوء وضعها .. قالت بلا مبالاة :-
:- لا استطيع تحمل تكلفة مكان أفضل في الوقت الراهن .. ولكنني سرعان ما سأبدأ بالبحث قريبا
قل ببطء وهو يراقب كل انفعال منها :- لن يكون هذا ضروريا ما دمت ستنتقلين للإقامة في منزلي .. بعد زواجنا
كادت تختنق بطعامها عندما استوعبت كلماته .. رفعت رأسها إليه محدقة في وجهه الخالي من التعبير وقالت بحذر :-
:- كلانا يعرف بان خطوبتنا مؤقتة .. وان لا زواج سيتم في النهاية
اعتدل قائلا بحزم :- ليس بعد ما حدث ليلة الامس .. لقد سمعت ما قلته لابن عمك .. زفافنا سيتم بعد أسبوعين
حدقت به مصدومة للحظات قبل ان تهب واقفة بعنف أدى إلى سقوط كرسيها على الأرض وارتطامه به بدوي قوي .. صاحت بحدة :- لابد انك قد جننت
نهض ببطء من كرسيه وقد لمعت نظرة تحذير في عينيه نبعتها إلى وقاحتها في مخاطبته .. ولكنها لم تبالي .. بل تابعت :- أنا لن اتزوج منك
قال بحزم :- بل ستفعلين يا اماني .. أعرف مدى كرهك للفكرة .. ولكنها الطريقة الوحيدة الكفيلة بإبعاد صلاح إلى الأبد .. لقد اكتشف زيف خطوبتنا .. و إن ادرك بانني لم اكن جادا بما قلته ليلة الامس جول زفافنا فسيعود أكثر جنونا .. خاصا مع احتمال علمه ببقائي هنا طوال الليل .. وفي المرة القادمة .. قد لا اكون موجودا لإيقافه
ارتعد جسدها للفكرة .. ولكن ذعرا من نوع آخر تصاعد داخلها لاحتمال ارتباطها بهذا الرجل بزواج شرعي .. ابتعدت عنه وهي تقول بانفعال :- انا لن اتزوج بك أو بأي رجل آخر .. أنا حتى لا أحبك .. أو أحتمل البقاء معك في مكان واحد .. لا تستطيع إجباري على القبول بك
كانت الهستيريا تتصاعد خلا كلماتها تدريجيا حتى علا صوتها عن الحد .. وأدى إلى قطع هشام المسافة بينهما ليمسك بذراعيها ليهزها قائلا بحدة :- هلا هدأت قليلا
انتزعت نفسها من بين يديه صارخة :- لا تلمسني
تراجعت حتى التصقت بالجدار .. تلاحقت أنفاسها بشكل ظهر واضحا مع اهتزاز صدرها صعودا وهبوطا
استعادت خلال لحظة تفاصيل معركتها الطويلة التي خاضتها لسنوات في سبيل استقلالها ومقاومتها لكل من حاول فرض نفسه على حياتها وتسييرها كما يشاء .. لم ينجح والدها بهذا .. ولم ينجح صلاح .. ولن تسمح لهشام أيضا بان يمتلكها .. قالت بصوت حمل كل ما تحمله داخلها من حقد اتجاه الرجال :- لن تستطيع إرغامي على الزواج بك
ارتعدت عندما لمحت غضبه يتصاعد .. ويفوح من كل عضلة منتفخة في جسده .. كان غاضبا من تمردها .. من رفضها وخوفها غير المبرر منه.. والاهم .. من الكراهية التي كانت تقطر من عينيها ..اقترب منها وهو يقول ببرود :-
:- انت لست مخيرة يا اماني .. أمامك طريقان لا غير كما تعرفين .. إما ان تمضي حياتك كلها هاربة من صلاح وخائفة من نواياه نحوك ومن ان ينال مأربه منك في احد الأيام .. وإما الزواج بي والتمتع بحمايتي ورعايتي لك .. حتى ييأس صلاح من مطاردتك .. فأي منهما تختارين ؟
هزت رأسها عاجزة عن الاختيار بين طريقين احلاهما مر .. ثم وجدت نفسها تصيح في وجهه يائسة :- أنا أكرهك
تشنج جسده وكسا وجهه برود شديد .. اقترب فأطلقت شهقة مكتومة عندما ارتعش جسدها بعنف متأثرا بقربه .. إذ لفحتها قوة لا مرئية صدرت عن كل قطعة ثائرة في جسده .. أغمضت عينيها بقوة عندما تقلصت المسافة بينهما حتى أحست بأنفاسه تلفح وجهها .. قال بعد لحظات :- انظري إلي يا أماني
وعندما لم تستجب له كرر آمرا :- انظري إلي
فتحت عينيها ورفعتهما لتقابلا عينيه .. كان غضبه قد اختفى ليحل محله شيء آخر .. ذلك الشيء الذي رأته دائما في عينيه دون ان تفهمه او تحبه ..
قال بخفوت :- أنت لا تكرهينني
ارتعد جسدها عندما تسلل همسه عبر أذنها ليهز مشاعرها ويشل أطرافها .. أزاحت عينيها عن وجهه لتصطدما بصدره الأسمر القوي الذي برز من بين أزرار قميصه المفتوحة .. وعندما شعرت بأحاسيسها تتكدس وتثقل على اعصابها .. صرخت بانهيار:- بل أكرهك .. وأكره كل مل يتعلق بك .. انت مبتز وانتهازي .. كان يجب ان اعرف بانك لا تختلف عنه البتة .. أنت نسخة مكررة منه
شهقت بعنف عندما أمسك وجهها بين سبابته وإبهامه بقسوة ليجبرها على النظر إليه .. ارتعدت عندما رأت عينيه الداكنتين مظلمتين بغضب شديد اخافها .. تشنجت عضلات وجهه واستحال فمه إلى خط رفيع أبيض اللون
تكلم أخيرا فكان صوته منخفضا .. ولكنه مختلف بفعل الغضب .. مما جعل جسدها يقشعر خوفا :-
:- لم تمنعك هوية أبي سابقا من قبول مساعدتي
منعتها الصدمة من أن تتفوه بأي كلمة توضيحا لكلامها .. فتح فمه وكاد يثول شيئا ولكنه ابتعد عنها فجأة .. تناول سترته ثم غادر المكان بصمت تام
أحست اماني ببرودة المكان تزداد بعد رحيله .. وفجأة .. الشقة الصغيرة والضيقة أصبحت واسعة وفارغة بشكل كئيب .. أحاطت نفسها بذراعيها لتوقف رعشة جسدها وهي تتذكر نظرة عينيه قبل ان يتركها ويرحل .. لقد سببت الألم دون ان تقصد للإنسان الوحيد الذي وقف إلى جانبها منذ وفاة والدها .. لم يترك لها حتى فرصة التراجع عما قالته أو توضيحه
لا .. هشام لا يستحق منها ابدا ردة الفعل العنيفة التي واجهت بها عرض الزواج .. فهو لم يدع الوقوع في حبها .. لم يسع لامتلاكها والتحكم بها .. أو حتى يحاول ان يلمسها .. كل ما اراده هو مساعدتها في الخلاص من صلاح إلى الأبد
صلاح الذي ما زال يشكل تهديدا خاصة بعد ان يعرف ببقاء هشام في شقتها طوال الليل .. وهي متأكدة بانه سيعرف هذا بطريقة ما .. ولكن .. هل يستحق الأمر ان تقبل بعرض هشام وتتزوج منه ؟
نظرت إلى المائدة العامرة بالطعام .. وابتعدت عنها وقد اختفت شهيتها للأكل .. تكومت فوق الأريكة التي قضى ليلته عليها .. فأحست برائحته ما تزال عالقة بها ... لا .. ليست رائحة عطره الثمين .. بل رائحة الصابون الممزوجة بماء ما بعد الحلاقة .. ورائحته الرجولية الخاصة التي تنفستها جيدا عندما كان قريبا منها للغاية منذ دقائق
ستفعل هذا الصباح كما امرها بالضبط وتبقى في البيت .. ولكن صباح الغد ستراه مجددا .. وتصلح الأمور بينهما مهما كلفها هذا غاليا





الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 36
قديم(ـة) 03-05-2012, 08:11 PM
صورة زهره البطاح الرمزية
زهره البطاح زهره البطاح غير متصل
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية سيدة الشتاء / الكاتبة : Blue me






الفصل السادس والعشرون
وداع

تسلل صوت طارق إلى عقل جودي ليوقظها من شرودها بقوله :-
:- جودي .. أنت تعبثين بطبقك منذ دقائق
نظرت إلى طبقها الذي بالكاد لمسته ثم قالت بأسف :- لست حقا جائعة
التقت نظراتهما عبر المائدة المختارة بعناية في زاوية أحد أفضل مطاعم المدينة .. ثم سرعان ما أشاح كل منهما بعينيه بعيدا .. بالرغم من أن جودي تحاول جاهدة إصلاح الأمور مع طارق .. إلا أن الوضع بينهما قد تغير منذ قبلها أمام باب منزلها قبل أسابيع بناءا على طلبها .. شيء ما قد فقد أو كسر .. وتعرف جودي بأنها هي الملامة في هذا بعد تجاهلها القاسي وعديم الذوق لطارق لفترة طويلة ..
قال طارق محاولا كسر الارتباك الذي ساد بينهما :- يبدو أن ثمة ما يشغل بالك
ردت باقتضاب :- لا شيء.. مجرد مشاكل بسيطة مع أماني
همهم دون معنى وعاد يركز اهتمامه على طبقه .. لقد أدرك جيدا بأن اماني هي أحد المواضيع المحظر عليه مناقشتها مع جودي ..ولم يرغب بزيادة علاقتهما توترا وسوءا ..تنهدت جودي وهي تتابع العبث بطبقها دون ان تأكل منه شيئا ..على الأقل هي لم تكذب على طارق هذه المرة ..فما زال عقلها مشغولا باتصال أماني بها هذا الصباح ..
لقد كان صوتها متوترا وهي تتحدث بشكل غير مترابط .. فلم تفهم منها جودي إلا بان صلاح كان في شقتها ليلة الامس ..وعن زواجها بهشام
ما الذي قصدته بزواج سريع خلال أسبوعين ؟ بالكاد خطبت للرجل وها هي تتحدث عن زواج .. شعرت جودي بأن أماني لم تطلعها على كل شيء .. فمن الواضح أنها قد تشاجرت مع صلاح مجددا ..وهي لن تطلعها على التفاصيل كالعادة .. فمنذ وفاة والدهما .. وبالرغم من سوء معاملة صلاح لأماني فإن مشاعره الأخوية نحو جودي لا شك في صدقها .. وعمليا هو الشخص الوحيد المتبقي لها من العائلة ..وأماني لا تريد إفساد علاقتهما .. وهذا ما يدفع جودي للتفكير في الأسوأ .. ما الذي حدث بين صلاح وأماني ؟
ارتفع صوت ضحك جماعي صاخب من طاولة قريبة .. قطعت أفكارها وذكرتها بالرجل الجالس أمامها .. والذي بدا عليه التفكير العميق قبل أن يقول :- لقد قابلت صلاح قبل أيام .. وتحدثنا مطولا حول الزفاف
رمشت جودي بعينيها ورددت ببلاهة :- زفاف ! .. أي زفاف ؟
رد طارق بعصبية :- زفافنا انا وأنت بالتأكيد .. أم أنك نسيت بأنها النهاية الطبيعية لأي خطوبة
تنحنحت بحرج قائلة :- لا .. لم أنس .. ولكنك فاجأتني فقط .. لم أفكر بالأمر مؤخرا
قال ساخرا :- أعرف بأنني لا أخطر كثيرا على بالك في الآونة الأخيرة
احمر وجهها لسخرية طارق غير المعهودة .. وامتنعت عن التعليق .. فأكمل :- نرى أنا وصلاح بأن أفضل وقت لإقامة الزفاف هو الاسبوع الذي يلي انتهاء الامتحانات .. أي في شهر ...
قاطعته بتوتر :- أرى أنكما قد اتخذتما كل القرارات بدوت استشارتي .. ألا يحق لي إبداء رأيي في الموضوع ؟
قال ببرود :- وهل لديك أي مشكلة اتجاه الموضوع ؟.. أظن بأن خطوبتنا قد طالت بما يكفي .. أليس كذلك ؟
تململت بانزعاج وقاومت رغبة جامحة في الصراخ به عن عدم استعدادها لأي حديث عن الزفاف .. ولكنه محق .. فهما خطيبان .. أليس كذلك ؟ .. هي لا تخطط للبقاء مخطوبة إليه إلى الأبد .. عاد صوت الضحك الصاخب ليقطع تسلسل أفكارها .. فتناولت حقيبة يدها وقالت بعصبية :- سأغيب للحظات قليلة
وأمام نظراته الثاقبة .. اختفت داخل ممر جانبي مؤدي إلى استراحة السيدات .. اتكأت فوق المغسلة وهي تزفر بقوة .. لقد كان تصرفها جبانا بالهرب من مواجهة طارق .. فهي ستحصل عاجلا أم آجلا .. ولكن ليس قبل أن تواجه نفسها أولا ..
نظرت إلى صورة وجهها المنعكسة على المرآة حيث لاحظت الشحوب الذي علا وجهها الجميل .. وأطل الذبول من عينيها .. لقد فقدت بعض الوزن خلال الأسابيع السابقة بسبب قلة النوم والطعام .. والتفكير المضنى ليل نهار .. والشوق اليائس إلى حب مستحيل لا أمل منه
ترقرقت الدموع في عينيها .. وهي تهمس :- تمام
لو أنها فقط لا تشتاق إليه بهذا الشكل .. ولا تستعيد في كل لحظة صورة وجهه ونبرة صوته .. لمسة يديه .. رقة شفتيه
أغمضت عينيها المرهقتين بقوة .. عندما واجهتها أماني قبل أشهر بشكوكها حول حبها لطارق لم تبالي بكلامها .. والآن أدركت كم كانت أماني صادقة ..
فجودي لم تحب طارق قط .. ليس كما يجب أن تحب المرأة الرجل .. بل هي تحب رجلا آخر .. رجل لا ينتظرها منه إلا السعادة المؤقتة والندم الأبدي
رجل أهانها وقلل احترامها وأوضح لها بصراحة عدم رغبته في الزواج منها .. يجب أن تنساه .. أن تلغيه من عقلها وقلبها وكيانها .. أن تتجاهل مشاعرها نحوه كما تجاهلت لأيام اتصالاته الملحة ومحاولاته اليائسة لمخاطبتها
مسحت دمعتها الفارة .. وقررت العودة إلى طارق وإعلامه بموافقتها على الزواج منه في الموعد الذي اختاره
جددت زينتها لتخفي آثار اكتئابها .. ورسمت ابتسامة مشرقة على شفتيها .. ثم حملت حقيبتها وغادرت المكان .. وقبل أن تصل إلى صالة الطعام ..أطبقت أصابع قاسية على ذراعها مما جعلها تطلق شهقة ذعر قوية وتستدير نحو مهاجمها الذي سحبها بدون لطف عبر باب جانبي إلى خارج المطعم حيث وجدت نفسها وقد لفحها الهواء البارد في شارع خلفي مظلم خلا من أي أثر لوجود آخر
حررت نفسها وابتعدت لتواجه غريمها .. وتلهث مراقبة ملامح وجهه .. والغضب الأعمى الذي ارتسم في عينيه الداكنتين .. لا .. لم يكن الخوف هو ما شعرت به جودي وهي ترى تمام بعد أيام من فراقهما العنيف .. وقد انتفضت كل عضلة في جسده النحيل والطويل ثورة وغضبا .. بل كان الشوق .. الشوق التام والمؤلم إلى حد المرض ..
أحاطت جسدها بذراعيها لتقي نفسها من البرد .. ورمقته بنظرة هزت كيانه بما تحمله من حزن عميق وألم .. قالت بصوت أجش :- ما الذي تريده مني ؟
حاول السيطرة على صوته وهو يقول :- بل ما الذي تفعلينه انت معه ؟
هزت رأسها غير مصدقة وهي تهتف :- طارق هو خطيبي
صرخ بها بعنف :- إياك أن تقوليها
ترقرقت الدموع المريرة في عينيها .. وبدأ قناعها الهش بالتلاشي وهي تقول :- ولكنه كذلك .. انا ألبس خاتمه منذ أشهر .. وسنتزوج بعد انتهاء الامتحانات
قطع المسافة بينهما بخطوات واسعة .. وأمسك كتفيها ليهزها بقوة قائلا :- وماذا عني أنا ؟
اقترابه منها إلى هذا الحد والشعور بأصابعه من فوق قماش قميصها الرقيق كاد يذهب بعقلها .. التقت نظراتهما .. واستعاد كل منهما خلال لحظة ما جمع بينهما خلال الأسابيع التي مضت .. كل يوم قضياه معا .. كل كلمة تبادلاها .. كل نظرة .. كل لمسة
انسدلت رموشه الكثيفة لتضفي المزيد من الحرارة على نظراته التي تأملت بشغف كل تفاصيل وجهها
ولكن هذه المرة .. كان تمام أي شيء إلا ذلك الشاب الواثق من نفسه .. المعتاد على سرقة قلوب الفتيات بابتسامة واحدة .. لقد كان يماثلها توترا وقلقا وعذابا ..
وهو يتنفس بسرعة محاولا السيطرة على انفعالاته .. كرر سؤاله همسا هذه المرة :- وماذا عني أنا يا جودي ؟
يا إلهي .. كم تحتاج إلى أن تضمه إليها .. أن تنهل من حبه وحنانه .. أن تضيع بين ذراعيه إلى الأبد .. هل يدرك تمام كم كان يبدو بهيئته المرتبكة واليائسة رائعا ومثيرا ؟.. هل يعرف بأنه قادر على سحق قلبها بنظرة واحدة فقط ؟
أطلقت شهقة مرتعشة وهي تبعد عينيها عنه وتهمس :- أت لا شيء بالنسبة إلي يا تمام
هز رأسه غير مصدق وهو يقول باضطراب :- تكذبين
كررت بصوت هزه البكاء :- أنت لا شيء بالنسبة إلي يا تمام
دفعته عنها وركضت إلى داخل المطعم تكاد لا ترى طريقها .. قفز طارق واقفا عندما لاحظ حالتها .. وقال بقلق :-
ما الأمر ؟ ما الذي حدث ؟
بذلت جهدا كبيرا كي لا تجهش أمامه بالبكاء وقالت :- أريد العودة إلى البيت
بدون تعليق .. دفع الحساب .. وتناول سترته .. ثم قادها من مرفقها إلى خارج المطعم .. وداخل السيارة وقبل أن يشغل المحرك .. ساد الصمت طويلا بينهما قبل أن يقطعه قائلا بجمود :- ألن تطلعيني على ما يحدث معك ؟
تمتمت وهي تنظر بعيدا :- ليس الآن
أصر بجفاف :- يجب أن أعرف ما غيرك يا جودي .. إن كنت ستصبحين زوجتي بعد أشهر فعليك اطلاعي على مشاكلك قبل أن نبدأ حياتنا معا
استغرقت فترة طويلة قبل أن تتمتم دون أن تنظر إليه :- امنحني بعض الوقت
هتف بسخط :- جودي
قاطعته وقد بدأت تفقد أعصابها :- هلا أعدتني إلى البيت
أدار المحرك بعنف وانطلق بالسيارة بتهور غير معهود منه .. وعندما أوقف السيارة أمام منزلها قال لها :- سأتصل بك لاحقا
قالت وهي تترجل من السيارة :- لا .. أنا من سيتصل بك
سارت نحو البيت بسرعة ودموعها تنهمر من عينيها .. لكم تتوق إلى الاختلاء بنفسها والبكاء فوق وسادتها حتى الصباح
فتحت الباب وأقفلته خلفها .. فأثار منظر البيت الخالي والموحش مشاعرها .. وأحست في تلك اللحظة كم هي وحيدة
وكم هي بحاجة إلى الرجل الذي أخرجته من حياتها بلا تردد هذه الليلة إلى تمام
الفصل السابع والعشرون
بلا شروط

جرت اماني قدميها جرا نحو مكتب هشام بعد مرور يومين على خروجه العاصف من شقتها.. لصباحين متتاليتين لم تجرؤ على الحضور إلى العمل خوفا من مواجهته ..كانت تتصل في الصباح وتعتذر عن الحضور لسبب طارئ ثم تبقى في البيت وحدها تفكر حتى أرهقها التفكير .. جزء منها انتظر أن يتصل بها هشام .. أو أن يسأل عنها بعد غيابها عن العمل .. ولكنها لم تسمع عنه شيئا .. فقررت بأن تفعل كما خططت من قبل وتحضر إلى مكتبه لتعتذر منه .. من حقه عليها ان توضح له رأيها الحقيقي به
طلبت من سكرتيرته الجديدة مقابلته .. وهي موظفة لطيفة كانت تعمل تحت إمرة أحد الإداريين .. فمنحتها ابتسامة لطيفة قائلة :- لا أظنه يمانع إن دخلت إليه مباشرة .. فانت لست كأي شخص في الشركة
تذكرت أماني الغضب الذي رأته في عينيه قبل أيام ..وتساءلت إن كان يكرهها الآن أكثر من أي شخص آخر في الشركة ..طرقت الباب الخشبي الكبير وانتظرت حتى سمعت صوته الصارم يدعوها إلى الدخول .. فتحت الباب لتجده منهمكا في العمل على حاسوبه الشخصي .. خفق قلبها بشدة لرؤيته مجددا .. تأملت التقطيبة التي علت جبينه .. والتركيز الشديد الذي بدا عليه ..وتساءلت إن كان سيغفر لها وإن كانت علاقتهما ستعود إلى ما كانت عليه
رفع رأسه عن شاشة الحاسوب وهو يقول :- ما الذي ...؟
قطع كلامه .. وقطب متأملا إياها بصمت .. أزعجها بروده الظاهر وكانه رؤيته لها مجددا قد ضايقته .. ولكنها هنا الآن في مهمة محددة ..وستقوم بها مهما كانت النتيجة .. قالت بتوتر وهي تغلق الباب خلفها :- هل أستطيع أخذ دقائق من وقتك ؟
تراجع مستندا إلى ظهر مقعده العريض دون أن يقول شيئا .. بل استمر في النظر إليها بطريقته الصارمة المخيفة منتظرا ما ستقوله ..
تقدمت خطوتين إلى الامام قائلة :- أردت الاعتذار عما حدث ذلك الصباح داخل شقتي .. أعرف جيدا بانك غاضب مني ..
قاطعها بهدوء :- لست غاضبا
وترها هدوءه كما يفعل كل ما يتعلق به .. فقالت بارتباك :- ما قلته ذلك الصباح .. لم أعنه حقا .. ليس ما فهمته على الأقل .. لم أقصد أبدا إهانتك أو جرحك بأي طريقة
أومأ برأسه مؤكدا :- بل قصدت هذا
قالت بعصبية وهي تمرر يدها عبر شعرها :- هذا صحيح .. أردت أن أؤلمك .. لا اعرف السبب .. ربما لأنك كنت محقا ..أو لأنك حشرتني في الزاوية فوجدت نفسي أتعرض للضغط مجددا بعد أن ظننت نفسي قد تحررت من تسلط أبي وصلاح .. ولكنني عندما قلت ما قلته لم أقصد أبدا الإشارة إلى والدك
لمع الاهتمام في عينيه بينما أخذت نفسا عميقا وهي تكمل :- التجربة علمتني ألا أثق برجل أبدا .. وبعدما حصل مع صلاح .. أعني مهاجمته لي بتلك الطريقة .. شكل عرضك ما يشبه الصدمة لي .. خيل إلي بأن التاريخ يعيد نفسه .. وأصر عقلي الباطن بانك لا تختلف عن النموذج الذي عرفته طوال حياتي .. فاندفعت الكلمات تلقائيا من فمي تقارنك بصلاح
نهض من مقعده .. فتقلص المكان على الفور مما جعل ركبتيها ترتعشان .. دار حول مكتبه ببطء بينما تابعت بحذر :- ما كان علي فعل هذا .. فأنت لا تشبه صلاح بأي طريقة .. أنت ..
عجز لسانها عن المتابعة عندما وقف أمامها مستندا إلى مقدمة مكتبه .. قال بهدوء :- ماذا عني انا ؟
ابتلعت ريقها وقد أحست بقربه بكل جزء من جوارحها .. أجبرت نفسها على الصمود وقالت بارتباك :- أنت .. أنت مختلف .. لقد ساعدتني ووقفت إلى جانبي دون انتظار لمقابل .. وقد أنقذتني تلك الليلة من مصير بشع كنت أخشاه منذ سنوات ..أنا أدين لك ....
قاطعها بحزم :- ليس لي ديون عليك يا أماني
قالت بانفعال :- كيف تقول هذا ؟ لقد فعلت لأجلي ما لم يفعله أقرب الناس إلي .. وبالمقابل كنت انا ناكرة للجميل حيث أغضبتك و ...
قاطعها مجددا :- أخبرتك بأنني لم أعد غاضبا
نظرت إليه بارتباك فقال :- أنا أيضا فقدت أعصابي .. ما كان لي ان أستبق الامور بتلك الطريقة .. بعد ان خرجت من شقتك فكرت جيدا وعرفت بأنني ضغطت عليك في الوقت الذي لم تصحي فيه بعد من صدمة تهجم ابن عمك عليك .. أنا من عليه أن يعتذر لك
تحرك شيء داخلها أمام اعتذاره المفاجئ .. التقت نظراتهما فاقشعر بدنها خوفا وقلقا من غرابة مشاعرها
رسم على شفتيه ابتسامة باهتة وهو يقول :- لذلك قررت منحك المزيد من الوقت لتفكري في الموضوع .. فلم أتصل بك أو أزرك تاركا لك حرية اتخاذ القرار .. وإبلاغي به في أي وقت
ساد الصمت للحظات قبل أن تتمتم :- لا داعي لإهدار المزيد من الوقت
قال باهتمام :- أهذا يعني أنك اتخذت قرارك ؟
تحاشت النظر إليه وهي تتمتم :- لقد فكرت جيدا خلال الأيام السابقة بما قلته لي .. ووجدت بأنك محق تماما .. صلاح لن يهدأ حتى يراني متزوجة بغيره
قال بشيء من الحدة :- أهذه موافقة ؟
نظرت إليه قائلة بثبات :- هذا إن بقيت راغبا في خوض هذه المغامرة
بالكاد ابتسم وهو يقول :- أظنها مغامرة تستحق التجربة
أخذت نفسا عميقا وهي تتراجع قائلة بصوت عملي :- هلا تكلمنا عن التفاصيل إذن ؟..إلى متى تتوقع ان يستمر هذا الزواج ؟
أحست بجسده الضخم يتصلب .. إلا ان تعابير وجهه بقيت جامدة وهو يقول :- يمكنك طلب الطلاق في أي وقت تريدينه
مررت أصابعها عبر شعرها مجددا بعصبية وهي تقول :- وماذا عن .. عن حياتنا معا ؟...أقصد
لوى فمه بابتسامة خفيفة ملاحظا ارتباكها فأكمل بهدوء :- تقصدين العلاقة الزوجية
احمر وجهها واتجه نظرها نحو الباب فظهرت نيتها للهرب .. صاح بها بحزم :- انظري إلي يا اماني
نظرت إليه فصدمت من قربه الشديد منها .. سمرتها نظراته مكانها فلم تقوى على الابتعاد .. أحست بوجوده وقوته يكتسحانها بعنف جعل الذعر يطل واضحا من عينيها
قال ببرود :- لن نتجه إلى أي مكان ما دمت ترمقينني بهذه النظرة الشبيهة بنظرة أرنب مذعور وقع بين أنياب الذئب
تمالكت أعصابها بسرعة وهمست :- أنا آسفة
تجاهل اعتذارها وأكمل :- يجب أن تكون الامور واضحة فيما بيننا يا أماني .. ما أريده انا هو ان تكتمل جميع الشروط في زواجنا
ابتلعت ريقها ومعاني كلماته تستقر تدريجيا داخل عقلها .. كان وجهه غير مقروء .. ولكن عندما التقت عيناهما .. رات بريقا شديدا جعل الرجفة تسري في أوصالها
قال بصوت منخفض النبرات :- نعم يا اماني .. أريدك .. وهذا يجب الا يدهشك .. فانت امرأة وانا رجل ..وما أسعى إليه هو إزالة الخوف الذي يسري في عروقك بدلا من الدماء .. والحصول على ثقتك بي في النهاية
تلاحقت أنفاسها وهي تهمس : - أنا أثق بك
هز رأسه ببطء وهو يقول :- أبحث عن نوع آخر من الثقة
تراجعت حتى كادت تلتصق بالجدار .. وقد ارتعش جسدها لمجرد التفكير به يلمسها .. لم يبتعد عنها كما في كل مرة تنتابها فيها نوبة ذعر كهذه .. بل اقترب منها حتى تقلصت المسافة بينهما إلى سنتيمترات قليلة
مد أنامله ليرفع ذقنها ويجبرها على النظر إليه وقال بكلمات واضحة :- لن أجبرك على فعل ما لا تريدينه يا أماني .. سأمنحك كل الوقت الذي تحتاجين إليه .. لن ألمسك مالم أجد القبول في عينيك
حدثت نفسها بأن هذا لن يحدث أبدا .. حركت رأسها لتبعد أصابعه عنها قائلة بعصبية :- سأعود إلى مكتبي إذا أذنت لي
تراجع فورا وهو يقول بعملية :- اذهبي .. وانتظري مكالمة من والدتي لتتفاهما حول تفاصيل الزفاف
بدون أي تعليق .. غادرت المكتب مسرعة .. لم تعرف كيف وصلت إلى استراحة السيدات .. وهناك فتحت صنبور الماء .. ورمت وجهها بالماء البارد قبل أن تنظر إلى نفسها في المرآة لاهثة وهي تردد :- ما الذي أصابك أيتها الحمقاء ؟
لقد خافت مجددا من الرجل الوحيد القادر على حمايتها .. إنها بحاجة إلى هذا الزواج كي تأمن نفسها من صلاح .. وهشام لن يلمسها ما لم تطلب منه ذلك .. لقد وعدها .. وهشام لن يخلف وعدا
لماذا تستمر إذن نوبات الذعر باجتياحها في كل مرة يقترب فيها منها هشام .. إنه مختلف تماما عن صلاح ..نعم .. هذا ما يخيفها بالضبط ..
الشعور الذي يجتاحها كلما كلمها او لمسها .. لم يكن الاشمئزاز و الخوف كما مع صلاح .. بل كان شيئا آخر .. شيئا لم تعرفه من قبل
جففت وجهها بمنديل ورقي .. وتنهدت متأملة وجهها الشاحب في المرآة .. مهما كانت حقيقة مشاعرها اتجاه هشام .. فعليها ان تتجاهلها .. فهشام هو ورقتها الرابحة .. وسيلتها لبلوغ الحرية ..
وكي تؤكد لنفسها ما ظنته أكيدا .. رددت بحزم :- كل ما علي فعله هو ان أقول لا








الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 37
قديم(ـة) 04-05-2012, 02:55 PM
صورة زهره البطاح الرمزية
زهره البطاح زهره البطاح غير متصل
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية سيدة الشتاء / الكاتبة : Blue me







الفصل الثامن والعشرون
نعم .. أحبه
قضت اماني نهار جمعة طويل في السوق تنتقل من متجر إلى آخر برفقة سمر ونورا شقيقة هشام الصغرى التي تماثلها في السن .. تشترين لها جهازا مناسبا بناء على طلب هشام الغير قابل للمناقشة .. وهكذا وجدت اماني نفسها تجرب الثوب بعد الآخر وقد علا الملل وجهها الجميل .. وفي كل مرة كانت تقول فيها متذمرة :- هل هذا ضروري
سمر كانت تقول :- الزفاف بعد أسبوع .. لا يمكنك مواجهة الناس كزوجة لهشام بدون جهاز فاخر يليق بك
أما نورا ذات الطابع الضاحك والمرح والمختلفة تماما عن شقيقها الأكبر فقد كانت تضحك بخبث قائلة :- أو قمصان نوم مناسبة لشهر عسل ساخن
مع احمرار وجهها .. وتجاهلها للمزات نورا الخبيثة .. لم تكن قادرة على خداع سمر التي انتهزت فرصة ابتعاد نورا لتهمس في أذن أماني :- في الخميس القادم ستكونين زوجته .. هذا يجعل شراءه ما يلزمك طبيعيا
زفرت أماني وقالت بجفاف :- اعرف هذا

دخلت أماني إلى شقتها .. ورمت الأكياس الكثيرة جانبا
( في الخميس القادم .. ستكونين زوجته )
خلعت معطفها فواجهت كالعادة برودة الشقة الشديدة
( في الخميس القادم )
فركت يديها وهي ترفس حذائها .. لم تر هشام خارج مبنى الشركة منذ أعلنت موافقتها على الزواج منه .. فقد كان يكتفي باتصال هاتفي كل مساء ليسألها عن حالها .. ويستفسر عن احتياجاتها .. أما باقي الترتيبات فقد تكفلت بها أمه التي كانت تحدثها يوميا .. بالإضافة إلى سمر ونورا .. وحتى جودي رغم تعاستها الظاهرة وإرهاقها .. لم تتأخر عن مساعدتها
إنها بحاجة إلى الاستحمام بعد تعب نهار طويل .. وكالعادة كانت هذه أصعب مهمة تقوم بها في هذا الجو البارد وفي حمام لا يحوي سخانا للماء
كان عليها في كل مرة أن تسخن الماء في قدر كبير وتحمله إلى الحمام الذي يتحول إلى ثلاجة بسبب تسرب الهواء من نافذته ذات الزجاج المشروخ.. خلعت ملابسها وهي ترتجف .. ورمتها في سلة الغسيل .. ثم خطت إلى داخل الحوض المتصدع .. حتى مع سكبها المستمر للماء الساخن فوق رأسها لم تتوقف عن الارتعاش
بصعوبة أخرجت نفسها من الحوض .. وارتدت روب الحمام وأسنانها تصطك بقوة وكل خلية في جسدها تتوق إلى التمدد تحت أطنان البطانيات فوق السرير والتماس بعض الدفء .. ولكن الكارثة التي لم تتوقع حدوثها هي ان تحاول فتح باب الحمام لتجده مقفلا بإحكام
أدارت المقبض عدة مرات غير مصدقة للمأزق الذي وضعت نفسها فيه بغباء لا يمكن أن تكون قد أقفلت الباب ورائها وهي تعرف جيدا بأنه لا يفتح إلا من الخارج .. كادت تفقد اعصابها بعد نصف ساعة من المحاولات اليائسة لفتح الباب باستعمال أي أداة ممكنة وجدتها في الحمام ..في النهية أخذت تضرب الباب بقبضتيها وتصيح على أمل أن يسمعها احد
أبعدت شعرها الرطب والمشعث عن وجهها .. والتفتت تتأمل الحمام بعجز ودموعها تكاد تغلبها .. لماذا تحصل لها الامور السيئة باستمرار ؟ لماذا هي بالذات ؟
جلست على حافة الحوض وهي تدلك ذراعيها علها تحصل على بعض الدفء دون فائدة .. حاولت تهدئة نفسها هامسة :-
:- لا بأس .. ستتصل بك جودي او تمر لزيارتك كالعادة وتخرجك من هنا
ولكن جودي لا تملك مفتاحا للشقة ..
مع تزايد إحساسها بالبرد كومت نفسها داخل الحوض وهي تردد بأنفاس مرتعشة .. اهدئي .. ستكونين بخير .. لا حاجة للشعور بالذعر
مع مرور الوقت .. بدأت تفقد الاحساس بأطرافها كبداية .. ثم بدأ الخدر يتسرب إلى عقلها .. لم تعرف كم مر عليها من الزمن عالقة هناك .. فاقدة للإحساس بما حولها ..حتى وصل إلى مسامعها صوت ضجة مكتومة .. رفعت رأسها واثقة تماما بانها تتوهم .. ثم سمعت بوضوح صوتا مألوفا يهدر باسمها :- أماني
إنه هشام ..كالعادة ينتشلها من مآزقها كالفارس المغوار .. تدفقت دموعها عندما حاولت ان تتحرك فلم تستجب لها عضلاتها
حاولت ان تصيح فخرج صوتها همسا مرتجفا :- أنا هنا
سمعت صوته يصيح من خلف الباب بقلق :- هل انت هنا ؟
بسهولة شديدة تحرك الباب فور ان أدار المقبض .. وخطا إلى داخل الحمام الضيق .. صاح باستنكار :- ما الذي ...؟
ولكن نظرة واحدة منه كانت كافية كي يفهم الموقف جيدا .. سقط قلبه امام مظهرها المثير للشفقة .. ملتفة بروب الحمام وقد التصق شعرها الرطب برأسها وجبينها .. وازرقت شفتاها المرتعشان .. وأطل العجز التام من عينيها الواسعتين
شتم بغضب وهو يهتف بها :- منذ متى وانت عالقة هنا ؟
حركت شفتيها دون أن يخرج منها صوتا .. فقال بغلظة وهو يتجه نحوها :- أنت كارثة تمشي على قدمين .. تحتاجين إلى من يراقبك على مدى الساعة كي يمنعك من أذية نفسك
انحنى نحوها .. وبحركة قوية أوقفها فخذلتها ساقاها .. وسقطت مستندة إليه بعجز .. أخذ نفسا غاضبا وهو يحملها بين ذراعيه بسهولة شديدة .. ويسير بها إلى خارج الحمام .. بدأ عقلها يعمل مجددا .. وتذكرت فجأة وضعها .. عاجزة بين ذراعيه لا يسترها إلا روب الحمام الطويل 00 ولكنها لم تخف منه هذه المرة .. بل شعرت بالراحة والدفء بعد ساعات من الخوف والاحساس بالبرد في ذلك السجن الجليدي .. أسندت نفسها إليه وتركته ينزلها فوق السرير بعد ان أزاح البطانيات جانبا ودثرها جيدا .. فأتيحت لها الفرصة للنظر إلى وجهه عن قرب ورؤية التوتر الواضح في ملامحه .. والتغير في لون وجهه .. لقد كان قلقا عليها
اعتدل ونظر إليها وهو يصيح بها غاضبا :- هل تعلمين كيف كان شعوري بعد ساعات من الاتصال بك على هاتفك المحمول دون أي رد منك ؟ هل تتخيلين الظنون التي كادت تفتك بي وأنا أقود السيارة كالأعمى إلى هنا للاطمئنان عليك ؟
أخفضت عينيها وقد أثقلها الاحساس بالذنب .. لابد أن الأفكار السيئة قد أطاحت بعقله .. ابتداءا بعودة صلاح وانتهاء بحدوث مكروه لها
خرج صوتها أخيرا كهمس مختنق :- لم أستطع فتح الباب .. فعلقت في الداخل
كان عليه ان يكبح أعصابه ويكتم غضبه الشديد عندما تذكر المشهد الذي وجده في الحمام .. ولكن صوته كان قاسيا عندما قال :- لطالما كنت ضد العنف في معاملة النساء .. ولكن ما أغب به الآن هو تجاهل هذه القاعدة .. وضربك بقسوة حتى يعود إليك عقلك وتعترفي بأن هذا الجحر غير مناسب أبدا للاستعمال الآدمي
ثم خطرت على باله فكرة مفاجئة جعلته يدور حول نفسه ويفتح خزانتها بدون استئذان فقالت بتوتر :- ماذا تفعل ؟
أخرج حقيبة سفر كبيرة .. وهو يقول بغلظة :- لن اتركك في هذا المكان لحظة واحدة .. ستقيمين مع سمر حتى موعد الزفاف
عاد إليها طبعها المتمرد فصاحت بحدة :- لا تستطيع إرغامي .. لن أذهب إلى .....
قاطعها بصرامة :- لا يحق لك الاعتراض بعد المأزق الذي وضعت نفسك فيه اليوم .. إن كنت لا تجيدين العناية بنفسك سأفعل أنا .. من حسن الحظ أنني احتفظت بنسخة عن المفتاح عندما أصلحت القفل وإلا لبقيت سجينة تلك الثلاجة حتى الصباح
استسلمت بضعف وهي تراقبه يفتح الحقيبة فوق الطرف الآخر من السرير ويبدأ برمي أغراضها عشوائيا داخلها .. فتمتمت :- امنحني بعض الوقت
استدار نحوها وهو يقول عابسا :- ماذا ؟
همست بضعف :- امنحني بعض لأستعيد حرارة جسدي الطبيعية وسأوضب أغراضي بنفسي
طار غضبه بعيدا في لحظة واحدة .. وأطل القلق من عينيه وهو يلاحظ من جديد شحوب وجهها وارتعاش جسدها .. لم تعرف أبدا كم بدت ضعيفة في تلك اللحظة
أشبه بطفلة صغيرة تائهة تسعى لشيء من الدفء والحنان
قال بندم :- أنا آسف .. لم أفكر جيدا
فاجأها اعتذاره .. ولكن ما صدمها هو اقترابه المفاجئ وجلوسه إلى جانبها فوق السرير إذ شدها إليه بدون إنذار .. وضمها بقوة إلى صدره .. تشنجت في البداية .. ولكنها سرعان ما بدأت تسترخي عندما أخذ يدلك ذراعيها
سرى الدفء سريعا في أوصالها .. لا .. بل كانت حرارة شديدة انبثقت من جسده .. وانتقلت حارقة ومثيرة إلى جسدها
تعالى صوت نبضات قلبها المجنونة وهي تشعر بقوة جسده الذي احتواها بين أحضانه .. أغمضت عينيها تكافح المشاعر الغريبة التي اكتسحت جسدها .. أحست بالخوف والاضطراب .. وفي الوقت نفسه بالإثارة والبهجة لقربه منها .. لإحساسها بالانتماء إليه .. وكأنها أمضت 25 عاما تتخبط في حياتها حتى وجدت بيتها أخيرا
لأول مرة تبدا مشاعرها بالاتضاح أمامها .. شيئا فشيئا كان الغموض يتلاشى .. وما كانت خائفة منه ومن جهلها له .. يتراءى أمامها بوضوح
غمغم سائلا :- كيف تشعرين الآن ؟
صوته الخشن بدا حميما للغاية في قربه الشديد منها .. رفعت رأسها إليه .. والتقت نظراتهما .. فأحست بجسده الضخم يتصلب .. ورأت القلق والاهتمام يختفيان من عينيه .. وحل مكانهما الذهول والصدمة لما رآه مرتسما في عينيها
اكتسحت كيانها حمى غريبة فتعالى لهاثها .. في الوقت الذي شعرت فيه بخفقات قلبه تتسارع تحت كفيها التين انبسطتا على صدره
قال بصوت خشن :- أماني
أسبلت عينيها بخوف .. من نفسها هذه المرة .. مما بدات تكتشفه وتخاف من التصريح به .. فأمسك بذقنها يجبرها على النظر إليه .. فلم تستطع إزاحة عينيها عن اللهب المشتعل في عينيه الداكنتين :- أنت ترتجفين
دغدغت نبرة صوته الخشنة كيانها .. وشوشت تفكيرها ... بالكاد سمعته عندما قال :- أظنني لم أدفئك بالطريقة المناسبة
وقبل ان تفهم قصده .. قطع المسافة القصيرة بينهما .. ولمس شفتيها بشفتيه بقبلة خاطفة .. شهقت على إثرها مصدومة من ردة فعل جسدها العنيفة .. فلم يترك لها فرصة للتراجع .. إذ غرس أصابعه بين خصلات شعرها الرطبة .. وتناول شفتيها بقبلة عاصفة .. جائعة .. ومتطلبة بقسوة .. انتفض جسدها بعنف .. وارتفعت يداها غريزيا نحو كتفيه تحاولان إبعاده .. ولكنهما عجزتا بضعف شديد كان سببه المشاعر العاصفة التي اجتاحتها
بذل شديد تخلص جسدها من سيطرة عقلها .. والتصق به بتهور .. فشدتها ذراعاه إليه اكثر .. ومرت لحظة نسي فيها كل منهما ما حوله حتى تركها فجأة
نظر كل منهما إلى الآخر بذهول .. بأنفاس مضطربة .. كان عليه ان يبتعد عنها ويقاوم اللهب المتراقص في عينيها الذاهلتين .. اعتدل واقفا وهو يقول بفظاظة :- سأعد لك شيئا ساخنا تشربينه
راقبته يختفي خارج الغرفة .. فأحاطت جسدها بذراعيها محاولة السيطرة على ارتجافها .. يا إلهي .. ما الذي حصل لتوه ؟
لقد قبلها هشام .. قبلها حقا ..الرجل الذي ظنته لفترة لا يعرف كيف يكون إنسانا .. غمرها بعاطفة لم تعرف مثلها من قبل .. وقبلها
وما صدمها اكثر هو انها لم تمنعه .. لم تقاومه .. لم تخف كما في كل مرة يقترب فيها منها رجل .. بل رغبت بأن يقبلها ومنذ لفظ اسمها بتلك الحرارة التي أذابتها .. ومازالت تسري في كل عرق من عروقها ..
هل حررها هشام من عقدها اخيرا ؟
أم أن الأمر أكبر من هذا بكثير ؟
في المطبخ الصغير .. كان هشام يحاول جاهدا السيطرة على ثورة جسده
أن يكتشف فجأة وبدون إنذار ان اماني .. الموظفة المتحفظة والمتكبرة .. ملكة الثلج التي عرفها منذ أكثر من خمس سنوات تخفي بعيدا عن العيون كتلة ملتهبة من الأحاسيس والمشاعر .. كثير عليه
أخيرا .. نظر إلى عينيها دون أن يرى الخوف والتوتر فيهما .. ولكن ما رآه عوضا عن هذا أطاح بصوابه .. لقد اشتعل الون الاخضر في عينيها وانقلب نارا اعمت بصيرته .. وأغشت تفكيره ..
وعندما تركها اخيرا .. كل ما فيها كان يدعوه للبقاء معا .. وألا يتركها أبدا
هل اكتشف صدفة أماني القديمة .. الشابة الصغيرة المفعمة بأحلام البنات والرومانسية .. والتي ماتت قبل سنوات بفعل قسوة أبيها وهمجية ابن عمها ؟
بعد ان حطم قلبها وآمالها .. وثقتها بالناس الرجل الذي أحبته ؟
عند هذه الفكرة انقبض صدره بما يشبه الغيرة والحقد على ذلك الرجل الذي عرف تلك المراة ولم يستحق مشاعرها النبيلة
خرج من المطبخ ليجد اماني واقفة عند باب غرفة النوم وقد ارتدت سروالا من الجينز .. وكنزة دافئة بلون كرزي قاتم أظهرت شحوب وجهها .. والهالات المحيطة بعينيها
بدت عيناها أشبه ببركتين خضراوين واسعتين امتلأتا بالحيرة والاضطراب .. فكبح رغبة عنيفة بقطع الطريق نحوها .. واحتوائها بين ذراعيه .. وطمأنتها بانه لن يؤذيها أبدا
وضع الصينية التي كان يحملها فوق المائدة قائلا بهدوء :- كيف تشعرين الآن ؟
كيف تشعر ؟ كيف يستطيع هو التحدث إليها بهذا الهدوء وكأن شيئا لم يحدث بينهما .. ؟ تأملت مليا وجهه الأسمر الجذاب .. وملامحه الغامضة .. وكأن الرجل الذي قبلها قبل دقائق لم يتواجد أبدا ..
ارتفع رنين جرس الباب لينقذهما من التوتر الذي تشبع في الجو فجـأة .. فقال باقتضاب :- إنها جودي .. لقد اتصلت بها قبل دقائق
فتح الباب بنفسه لجودي التي اندفعت نحو أماني بقلق قائلة :- أصحيح ما أخبرني به هشام يا أماني ؟ هل أنت بخير ؟
وقبل أن يتسنى لأماني أن ترد .. قال هشام من مكانه عند الباب بصوت جاف :-
:- سأذهب الآن .. وسأمر صباح الغد لأخذ أغراضك قبل ذهابك إلى العمل
ودع جودي بكلمات قصيرة .. ثم غادر مغلقا الباب خلفه بهدوء






الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 38
قديم(ـة) 04-05-2012, 04:59 PM
صورة زهره البطاح الرمزية
زهره البطاح زهره البطاح غير متصل
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
Upload1120a2f436 رد: رواية سيدة الشتاء / الكاتبة : Blue me







الفصل التاسع والعشرون
دفتري الصغير

نظرت جودي إلى اماني متسائلة :- ما الذي قصده يا اماني ؟ إلى أين سيأخذ أغراضك ؟
ثم لاحظت شحوب وجه أختها فقالت بقلق :- أماني .. ما الذي حدث ؟ الأمر أكبر من مجرد حبسك لنفسك في الحمام ..صحيح؟
فهي لم تغفل عن النظرة الهائمة في عيني أماني التي نظرت إلى جودي بجمود للحظات بدت خلالها كمن أصيب بصدمة أخرسته .. ثم همست أخيرا :- لقد قبلني
رددت جودي بارتباك :- ماذا ؟ من ؟ .. هشام ؟
جلستا في غرفة النوم فوق السري الواسع .. وحكت أماني لجودي ما حصل بالتفصيل .. فقالت جودي بحذر :-
:- وهل هذه مشكلة بالنسبة إليك ؟ أعني أنه خطيبك .. وستتزوجان
تمتمت أماني بخفوت :- المشكلة هي أنني اكتشفت اليوم بأنني أحب هشام عطار
ساد صمت طويل بين الأختين ولسان جودي يكاد يهتف باستنكار .. ما الأمر ؟ لماذا لا يسعدك هذا يا اماني ؟ ستتزوجين اخيرا بالرجل الذي تحبين .. أليس هذا ما رغبت به وحلمت به طويلا ؟
ولكنها لم تجرؤ على البوح بأفكارها .. فهي تعلم بان أماني مختلفة عن غيرها من الفتيات .. بل هي مختلفة عن أماني التي وضعت لنفسها هذا الحلم قبل سنوات .. وإن كانت أماني قد وقعت في حب هشام .. فهذا يعني انها قد التقت أخيرا بند لها .. الرجل الذي يستحق حبها حقا .. ويعني أيضا بان اماني تعاني من ارتباك كبير .. وخوف عميق سببته لها صدمتها القديمة فيمن تحب
تمتمت جودي مترددة :- أماني .. هل أنت بخير ؟
رفعت أماني عينين مريرتين إلى أختها .. كيف ستقول لها انها ليست بخير لانها عندما احبت اخيرا من جديد .. أحبت رجلا لا يبادلها المشاعر .. بل يشفق عليها ويشعر بالمسؤولية اتجاهها ؟
لا .. لا تحتاج جودي إلى ان تزيد من همومها الأن .. لذا قالت بابتسامة شاحبة :- طبعا بخير بعكسك انت التي تبدين كمن لم تنم منذ أسبوع
ارتبكت جودي قائلة :- أجهد نفسي هذه الأيام في الدراسة على امل أن أتخرج هذه السنة
عرفت بأن أماني لم تصدقها .. فتنهدت بعمق وهي تنظر بعيدا إلى أنحاء الغرفة الصغيرة .. لماذا لا تنام في الليل ؟ لأنها تبقى مستيقظة تفكر بزفافها القادم الذي تجري الاعدادات له على قدم وساق منذ أيام .. تفكر بعلاقتها بطارق التي تسوء باستمرار في كل مرة يلتقيان فيها او يتحدثان
تفكر بتمام الذي تحبه اكثر من حياتها .. ومع ذلك أخرجته منها بكل قسوة ..دون أن تتوقف عن الاشتياق إليه في كل لحظة
أو محاربة رغبتها العميقة في اللجوء إليه .. والبكاء على صدره طالبة السماح
وفي الوقت نفسه تفكر بمصيبة ريما الجديدة التي لم تكن لتخطر على بال احد
تمتمت :- لقد هربت ريما مع بشار وتزوجا سرا
ظهر الاهتمام على اماني التي قالت :- ولماذا فعلا هذا ؟ ألم يكونا خطيبين ؟
هزت جودي كتفيها قائلة بحزن :- لقد قرر والدها فجأة بان بشار ليس الصهر الذي أراده لابنته .. فهو ما يزال طالبا ويحتاج إلى وقت كثير كي يكون مستعدا لتوفير حياة كريمة لريما .. خاصة وأن هناك الكثير من معارفه الأثرياء المتلهفين لمصاهرته .. وعندما يئست ريما من إقناع والدها .. لم تجد حلا أمامها إلا الهرب مع بشار
صمتت اماني للحظات مفكرة .. لم تكن يوما مقربة من ريما .. ولكن لطالما احترمت شجاعتها وقوة إرادتها .. وما فعلته قد لا ينال التقدير من المجتمع المعقد الذي يعيشون فيه .. ولكنها سعت اولا واخيرا خلف سعادتها هي .. لا سعادة الآخرين
وبما انها تعرف أختها جيدا .. وتخمن الصراعات التي تدور منذ فترة داخل رأسها .. أدركت بانها تعاني في هذا الوقت من اضطراب كبير سألتها بهدوء :- وما رأيك انت بما فعلته ؟
عرفت جودي بان سؤال اماني هو اعمق بكثير مما يبدو .. نظرت إليها بتردد وحيرة قبل ان تقول :-
:- أنا أكثر من يعرف مدى حب كل من بشار وريما لبعضهما البعض .. لم يكن من حق والدها ان يفصل بينهما بهذه القسوة بعد قبوله السابق لخطبتهما .. وبشار شاب جيد .. مازال في بداية الطريق .. ولكن النجاح سيكون حليفه فور تخرجه وحصوله على عمل مناسب .. ولكن ..
شعرت جودي بصعوبة كبيرة في البوح بأفكارها .. فشجعتها أماني قائلة :- ولكن ....
هتفت جودي :- انا لا أفهم .. كيف استطاعت تحدي الجميع بفعل ما يمليه عليها قلبها رغم استنكار عائلتها والناس ؟ هل ستكون سعيدة الآن وهي معرضة لنبذ المجتمع لها ؟ للحياة الصعبة مع بشار في غرفة صغيرة مع والديه بعيدا عن دعم والدها وأصدقائها ؟ هل يستحق بشار ان تقدم على كل هذه التضحيات من أجله ؟
سألتها أماني بهدوء :- هل تظنينها ستكون أكثر سعادة بزواج مرتب من عريس لا تعرف عنه شيئا أو حتى تميل إليه .. هل ستتمكن من إدارة ظهرها للرجل الذي تحب وتتظاهر بانها لم تعرفه يوما أو تعشقه بكل جوارحها لأجل حياة مرفهة خالية من المعنى قد تزول في اي لحظة بقدرة قادر ؟
نظرت إليها جودي بعجز غير قادرة على التعليق .. هنا نظرت اماني إلى عينيها وقالت :- الزواج المرتب ليس خاطئا يا جودي .. أحيانا يجمع بين قلبين غريبين بحب يستمر إلى الأبد .. وقد ينجح حتى بدون الحب الكبير والعاصف إذا كان مبنيا على الاحترام والتقدير .. ولكن المصيبة الكبرى إذا كان أحد الطرفين واقعا رأسا على عقب في حب شخص آخر
انتفضت جودي بعنف على إثر صفعة اماني المباشرة .. نهضت وهي ترتجف .. وابتعدت عن اختها قائلة باضطراب :- أنت لا تتحدثين عن ريما .. أليس كذلك ؟
قالت اماني بدون ان تحاول المراوغة :- أنا أتحدث عنك انت يا جودي .. لا تحسبي أنني في خضم انشغالي بمشاكلي غافلة عما يحدث معك .. إلى متى ستمضين قدما في مهزلة زفافك القادم ؟ متى ستعترفين بأنك لا تحبين طارق .. وأنك لن تجدي السعادة معه
الأيام التي قضتها جودي تتعذب في التفكير في الموضوع والليالي التي جافاها فيها النوم وهي تقلب الأمر داخل عقلها .. ومحاولاتها اليائسة لنسيان تمام .. ثم اكتشافها بان أماني كالعادة على اضطلاع بكل صراعاتها جعلها تنفجر بمقاومة غاضبة :- طارق هو الرجل المناسب لي .. لماذا لا تملين من تكرار الموضوع كلما التقينا .. ما كان والدي ليبارك زواجنا لو لم يكن واثقا من هذا
وقفت أماني قائلة بازدراء :- ما الذي عرفه والدك بالضبط عن السعادة ؟ لا شيء على الإطلاق .. حياته كانت كئيبة ومظلمة مثل قلبه .. لا يحق له أن يدير لك حياتك وقد عجز عن التحكم بحياته كما يريد
هزت جودي رأسها باستنكار :- كيف تقولين هذا ؟ أبي كان سعيدا مع امي .. حياتهما كانت كاملة ومثالية .. وقد أراد لي ما حصل عليه بالضبط
ساد الصمت طويلا عندما لم تعلق اماني .. النظرة التي ارتسمت في عينيها جعلت قلب جودي يرتجف من الخوف ..
همست بتردد :- أليس ما أقوله صحيحا ؟
هزت اماني رأسها قائلة :- كنت أنتظر الوقت لاطلاعك على الحقيقة يا جودي .. وأظنك بالشكوك التي تراودك والصراع الذي تعانين منه بحاجة إلى معرفتها
كادت جودي تفقد أعصابها وهي تقول :- أي حقيقة يا اماني .. ما الذي تخفينه عني ؟
اتجهت اماني إلى خزانتها وأخرجت منها ذلك الدفتر القديم الذي كاد يهترئ من كثر ما قرأته .. ومدت يدها به إلى جودي التي أخذته منها مترددة .. فتحته بحذر لترتسم الدهشة على وجهها وهي تقول :- هذا خط أمي .. هل كتبت أمي هذه الأشياء ؟
هزت اماني رأسها قائلة :- بدأت تكتب فيه بعد زواجها بسنوات قليلة .. بعد ولادتك بالضبط .. شعورها بالكبت والضغط
.. والفراغ الهائل الذي عانت منه دفعها لإفراغ مشاعرها في هذا الدفتر خفية عن والدنا .. عثرت عليه بعد وفاتها بأيام
تصفحته جودي سريعا وهي تقول باضطراب :- لماذا اخفيته عني طوال هذه السنوات ؟
:- خشيت ان تصدمك كلمات امي يا جودي .. لقد كنت صغيرة .. ومؤمنة تماما بمثالية والدنا .. كانت علاقتكما وطيدة فلم أرغب بأن تفقدي هذه الميزة كما حدث معي .. لم أرغب بتحطيم أحلامك و ثوابتك في تلك السن المبكرة .. انتظرت حتى يحين الوقت المناسب .. وأظنه قد حان
نظرت جودي إلى شقيقتها الهادئة وأحست بان كل عالمها سيتغير ابتداءا من هذه اللحظة .. سالت بخوف :- ما الذي كتبته امي بالضبط ؟
اقتربت منها أماني وأحاطت كتفيها بذراعها وقالت برفق :- اذهبي إلى البيت الآن واقرأيه على مهل .. وأنا سأكون هنا في انتظار أي استفسار منك .. اتصلي بي في أي وقت
وبينما أماني تقود جودي إلى الباب .. تذكرت جودي بدون تركيز:- وماذا عن توضيب أغراضك ؟ يجب ان اساعدك إن أردت الانتقال إلى شقة سمر في صباح الغد
قالت أماني ساخرة :- لن يأخذ توضيب أغراضي وقتا طويلا .. فقد سبق وأرسلت جميع المشتريات التي أصر خطيبي المستبد على شرائها لي كجهاز إلى شقة الزوجية
تذكرت جودي فجأة ما كانت اختها تعانيه من اضطراب فأحست فورا بمدى أنانيتها .. سالتها بقلق :- هل ستكونين بخير ؟
قالت أماني بحزم :- لا تقلقي .. لطالما تمكنت من الاعتناء بنفسي
عندما انفردت أماني بنفسها .. وجدت المجال أخيرا لتفكر بمشكلتها .. تكومت حول نفسها فوق السرير .. وسمحت لذاكرتها بالعودة إلى اللحظة التي قبلها فيها هشام .. لقد قبلها حقا .. وهي سمحت له باختراق دفاعاتها وقد سبق وأقسمت يوما بألا تسمح لرجل بتجاوزها .
. لقد قبلها .. بكل الحرارة واللهفة التي قد يشعر بهما رجل اتجاه امرأة .. وتأثير قبلته عليها كان ساحقا .. مدمرا .. خدر عقلها وأيقظ داخلها وحشا ضاريا لم تعرف بوجوده من قبل
متى وقعت بالضبط في حب مديرها ؟ هل حصل هذا ببطء مع تطور معرفتها به عن قرب كرجل حقيقي رائع كامل لا مثيل له .. بحزمه وصرامته .. وإحساسه الكبير بالمسؤولية اتجاه أحباءه بشكل خاص .. ومن هم أضعف منه بشكل عام .. لطفه وتفهمه الكبيرين .. أم أن انجذابها نحوه كان موجودا منذ البداية وقد أعماها عنه موقفها العدائي والغاضب اتجاه كل ما هو مذكر ؟
إنها تحب هشام .. تحبه بكل مشاعرها التي ظنت بأنها قد ماتت قبل سنوات .. بينما يتزوج هو بها ليحميها من صلاح
لم يخف عنها إعجابه بها .. وقد أظهر لها بوضوح رغبته فيها .. إنه يريدها بنفس القوة التي تريده بها
سيتزوجان لأشهر قليلو ومن السهل عليها أن تستسلم لمشاعرها وتعيش معه حلما جميلا لفترة .. سرعان ما ينتهي عندما يحين الوقت وتنتفي حاجتها إلى حماية هشام .. سيتركها ويبحث عن فتاة يحبها ويفخر بها كزوجة ورفيقة .. وأم لأبناءه
أما هي .. فستنهار وحيدة بعيدة عن العيان .. بعد أن تجذر حبه عميقا داخلها .. وحفر جرحا عميقا لا شفاء له داخل روحها
لقد كان واضحا معها .. لن يلمسها حتى تلمح له برضاها .. إن حافظت فقط على برودها وتظاهرت بعدم الاهتمام سيتركها في حالها .. وفي النهاية ستحتفظ بكرامتها وكبريائها على الأقل عندما يحين وقت الفراق
قامت بتثاقل لتبدأ بتوضيب أغراضها داخل الحقيبة الكبيرة والمفتوحة
تنتظرها معركة طاحنة بين إرادتها ومشاعرها .. ورغما عنها .. لم تعرف لماذا أحست بأن إرادتها ستكون الطرف الخاسر حتما









الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 39
قديم(ـة) 05-05-2012, 08:49 PM
صورة زهره البطاح الرمزية
زهره البطاح زهره البطاح غير متصل
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية سيدة الشتاء / الكاتبة : Blue me





الفصل الثلاثون
لعنة العائلة

لم يتأخر اتصال جودي كثيرا ..استيقظت اماني بعد منتصف الليل بقليل لتسكت صراخ هاتفها المحمول .. وعندما قرات اسم جودي على الشاشة رفعته إلى أذنها قائلة بقلق :- جودي
كما توقعت كان صوت جودي منهارا وقد تخللته الشهقات المتتالية وهي تقول :- أخبريني بأن ما قرأته غير صحيح .. لا يمكن ان يكون صحيحا
ردت أماني :- جودي .. اهدئي قليلا .. هل تريدين مني القدوم إليك ؟
نعم .. كانت مستعدة لدخول ذلك البيت من جديد حتى لو خاطرت بلقاء صلاح كي تكون مع جودي في هذه اللحظات
تمالكت جودي أعصابها وهي تقول :- لا .. لا داعي لهذا .. أنا بخير .. اكتشفت فقط بأن القواعد التي كنت أستند إليها في حياتي لم تكن سوى مجسمات ورقية مزيفة .. عرفت لتوي بان أمي لم تحب أبي قط .. وأنها تزوجته لأجل امواله ومركزه الاجتماعي مضحية بمشاعرها اتجاه ابن عمها الفقير ..وأنها لم تكن سعيدة على الاطلاق .. بل كرهت كل لحظة عاشتها داخل هذا البيت
أحست اماني بالهستيريا تتخلل صوت جودي فقالت برفق :- أعرف بأن صدمتك كانت كبيرة .. ولكنك تغفلين عن شيء في قمة الأهمية .. نحن لم نعرف امنا حقا يا جودي .. وهذه فرصتك للتعرف إليها جيدا .. ان تعرفي المرأة التي كانتها تحت ذلك القناع الذي اضطرت لارتدائه أمام زوجها وأمام الناس .. تمعني في احلامها وأفكارها .. لا تغفلي عن الحب العميق الذي كانت تكنه لنا والأمنيات التي كانت تراودها حول حياتنا ومستقبلنا
أخذت نفسا عميقا ثم أكملت :- نعم هي لم تكن سعيدة .. ولكن هذا لم يكن ذنبها .. فهي لم تستطع أن تجبر قلبها على نسيان حبها الأول وتقبل شخص آخر حتى بعد ان أنجبت منه أطفالا .. حاولت لأجلنا على الأقل وفشلت .. فلم تعد ترغب بأي شيء من الدني إلا تجنيبنا التعاسة التي عانت منها .... أبي أيضا لم يكن مذنبا .. فقد أحب امنا بجنون .. حاول إرضائها بكل الطرق الممكنة ولكنه صدم عندما اكتشف بان أمواله بكثرتها لت تستطيع ان تشتري له السعادة .. كنوز الدنيا كلها لا تستطيع منحنا حبا لم يكن مقدرا لنا
عندما لم تسمع صوت جودي قالت بقلق :- جودي .. هل تسمعينني ؟
بعد لحظات من الصمت همست جودي :- وأنت كنت تعرفين منذ البداية .. لهذا كان ابي ينفر منك .. كنت تذكرينه بخيبته الوحيدة .. ولم يسامحك على هذا قط
تنهدت أماني وقالت :- مشكلتي مع أبي تعود إلى أسباب أكثر تعقيدا .. ولكنك محقة .. معرفتي للحقيقة التي حاول انكارها طويلا لم تساعده على تقبلي
:- لهذا كنت مصرة على رفض صلاح .. لم ترغبي بتكرار مأساة أمي
قالت اماني بحدة :- كراهيتي لصلاح لا شك في عمقها .. ولا علاقة لها أبدا بأحلام امي .. كنت لأرفضه حتى لو خرجت من القبر وتوسلت إلي بأن أقبل به
ثم أخذت نفسا عميقا كي تخفف من غضبها وقالت :- قصتي مع فراس كانت ردة فعلي الحقيقية على ما عرفته عن أمي .. أردت بيأس أن أتزوج برجل أحبه .. وكنت قد ضقت ذرعا بمحاولات أبي لتزويجي من صلاح
قالت جودي متفهمة وقد هدأت :- ثم خيب فراس أملك وفقدت أملك بعد ذلك بتحقيق حلم أمنا .. ولكنك الآن مقبلة على الزواج بالرجل الذي تحبينه حقا .. صحيح ؟
تمتمت أماني :- نعم .. هذا صحيح
ساد الصمت للحظات قبل ان تقطعه اماني :- ما الذي ستفعلينه الآن ؟
عرفت جودي ما قصدته اماني فقالت باضطراب :- لا أعرف بعد .. أظنني بحاجة إلى التفكير لبعض الوقت .. انا آسفة لإيقاظك بينما ينتظرك يوم حافل في الصباح
:- لا مشكلة .. ستطلعينني على أخبارك أولا بأول ... أليس كذلك ؟
:- بالتأكيد
أنهت جودي المكالمة .. وأحاطت نفسها بذراعيها محاولة إيقاف الأفكار التي تتصارع داخل عقلها بلا رحمة .. لقد طرحت اماني السؤال الأهم ... ما الذي ستفعله الآن ؟ هل ستتابع التحضيرات لزفافها وتتزوج بطارق ؟
هي لا تستطيع نفي ما تحسه نحوه من مودة .. فهو شخص رائع ولم يكن معها إلا مثال الخطيب الكامل .. وكان من الممكن أن تكون سعيدة معه لو لم تقع في حب تمام
تمام .. رددت اسمه بألم كبير .. وتذكرت ملامحه المجروحة في آخر لقاء لهما عندما قطعت علاقتها به نهائيا .. لن تنسى ما عاشت نظرة عينيه وهي تخرجه من حياتها بقسوة لم تدرك بانها امتلكتها .. لم يكن يومها غضبها منه قد خمد .. كلماته القاسية التي وجهها نحوها خلال عشائهما الأخير مازالت محفورة داخلها .. مع انها بعد أن هدأت .. بالأدق بعد ان أضناها الشوق .. بدأت تعطيه الأعذار .. فهي من بدأ بإهانته والتقليل من شأنه بالإشارة إلى وضعه المادي والاجتماعي المتدني .. وبعدها جرحته بكلماتها بعد أن انتابها الذعر من ضعفها الشديد أمامه
دفاعها المستميت داخل عقلها لا ينفي الواقع .. وهو انه شاب عابث لا يفكر بالزواج منها حتى لو كان يحبها بجنون كما يدعي .. وهي لن تسمح لنفسها أبدا بأن تستسلم له بشروطه مهما كان حبها له كبيرا .. ومهما عذبها فراقه
ضجيج خافت قادم من الطابق السفلي قطع تسلسل أفكارها .. على الفور سيطر عليها الخوف الطبيعي للفتاة تقيم وحيدة في منزل كبير .. فحتى وجود الخادمة النائمة على بعد رواق من غرفتها لن يمنع عنها أذى لص أو مغتصب
نهضت دون ان تصدر صوتا .. وتناولت عصا والدها الضخمة .. وغادرت غرفتها متجهة إلى الطابق السفلي بحذر شديد
على الضوء الخافت لإحدى القناديل الناعمة الموزعة بذوق في أرجاء الصالة .. لمحت ذلك الرجل الجالس فوق الأريكة وقد أحنى رأسه مخفيا وجهه بين يديه وقد بدت عليه التعاسة
أخفضت العصا وهي تهمس :- صلاح
رفع رأسه نحوها فصدمها مظهره المزري .. لم ترى صلاح في حياتها فاقدا السيطرة على نفسه بهذا الشكل حتى عند وفاة والدها
وجهه الوسيم كان شاحبا نحيلا .. وقد أحاطت الهالات السوداء بعينيه الغائرتين .. ونمت ذقنه حتى بدا شخصا آخر مختلف تماما عن ابن عمها الواثق الأنيق الذي عرفته طوال حياتها
ابن عمها القوي يتعذب بشدة في هذه اللحظة
تحركت نحوه ببطء بينما خرج صوته الأجش يقول :- لقد انتهى كل شيء .. سوف تتزوج به بعد أيام ... بينما أنا أقف عاجزا عن فعل أي شيء لإيقافها
جلست إلى جواره قائلة برقة :- لن تستطيع إيقافها يا صلاح .. أماني سوف تتزوج من هشام عطار .. لقد حان الوقت كي تمنحها حريتها لتجد سعادتها التي حرمت منها طويلا
نظر إليها بتعاسة قائلا :- وماذا عني انا ؟ ما الذي سأفعله الآن بدونها
قالت بحزن :- أعرف بأنك قد ظننت لفترة طويلة بأنها تنتمي إليك .. ولكنني آسفة يا صلاح .. أماني كانت دائما ملك لنفسها .. يجب أن تنسى الآن نزعتك التملكية نحوها و تبدأ بالبحث عن امرأة أخرى تحبها حقا هذه المرة
تقلصت ملامح وجهه باستنكار وهو يقول :-
:- ألا تظنين ما أحسسته نحو اماني حبا حقيقيا ؟ ربما عاملتها بقسوة وتجاوزت الحد .. إلا انني أحببتها بجنون منذ دخلت بيتكم طفلا يتيما جائعا إلى الحب والاهتمام .. وقد وجدته لدى عمي .. لديك انت .. حتى لدى زوجة عمي المرحومة ..
أماني كانت الوحيدة التي اعتبرتني دخيلا منذ اللحظة الأولى .. بينما بهرت أنمنا بجمالها وكبريائها وغموضها .. وجعلت هدفي أن أقلب يوما نظرة الكراهية في عينيها إلى الحب العميق الذي كنت أنشده .. كلما كانت تقاوم .. كنت أزداد غضبا وتمسكا بها .. استبحت كل الطرق للوصول إليها .. ولكنها كانت أبعد من نجوم السماء عني
وهاهي الآن تتزوج برجل آخر فقط كي تتحرر وتنتقم مني .. كيف أعيش بعد الآن وأنا أعرف بأنها كرهتني إلى حد وهب نفسها لرجل لا تحبه فقط كي تتخلص مني
ساد الصمت للحظات قبل أن تقول بهدوء :- أنت مخطئ يا صلاح .. أماني تحب هشام .. إنه الرجل الذي فهمها وقدرها واحترمها في الوقت الذي نبذها فيه المجتمع .. إنه إنسان رائع تمكن من منح أماني الأمان الذي افتقدته طوال حياتها .. هشام هو الرجل الذي استحق أماني فعلا .. هو الشخص القادر على حمايتها كما يجب
تذكر صلاح بخزي شديد ردة فعل هشام عندما ضبطه يهاجم أماني في لحظة غضب جنوني لم يعرفها من قبل .. فتمتم معترفا :- إنه كذلك بالفعل
ابتسمت برقة قائلة :- إن كنت تحب أماني فعلا فستتمنى لها السعادة .. وتحاول أن ترمم ما دمرته سنوات من العداء والاضطهاد بينكما
عرف صلاح بأن أماني لن تقبل النظر إلى وجهه بعد الآن ولكنه تمتم :- بالتأكيد
ثم قال :- آسف لأنني أيقظتك في هذا الوقت المتأخر .. كنت يائسا وبحاجة إلى محادثة شخص ما أثق به .. وكنت أنت من خطر على بالي
ابتسمت وأمسكت يده بقوة قائلة :- أنت هو عائلتي الوحيدة يا صلاح
نهض مصلحا ثيابه .. ومرر يده عبر شعره الأشعث وقال :- سأتركك تعودين إلى النوم .. أنت لست بحاجة إلى مشاكلي إضافة إلى همومك .. دراستك .. زفاف أماني .. زفافك المرتقب .. ما يطمئنني هو أنني سأطمئن عليك على الأقل تحت رعاية طارق .. إنه شاب جيد وسيهتم بك كما يجب
هزت رأسها موافقة بصمت .. فقبل جبينها بحنان أخوي قائلا :- تصبحين على خير
راقبته يغادر ثم تكومت هي مكانه على الأريكة وهي تفكر ساخرة بأن النجاح في الحب ليس من سمات عائلة النجار .. ابتداء بوالديها .. وانتهاءا بها وبصلاح
على الأقل تمتلك أماني الفرصة لتحقق ما فشلو جميعا في تحقيقه
السعادة الكاملة




الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 40
قديم(ـة) 20-05-2012, 10:06 PM
صورة زهره البطاح الرمزية
زهره البطاح زهره البطاح غير متصل
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية سيدة الشتاء / الكاتبة : Blue me





الفصل الحادي والثلاثون
تاريخ أسود

ساد صمت ثقيل بين كل من أماني وهشام داخل سيارته الفارهة .. وهو يقطع بها الطرقات الداخلية للمدينة .. من ينظر إليهما وكل منهما منشغل بفكره عن الآخر لا يمكن ان يخمن على الإطلاق بأنهما سيعقدان قرانهما صباح اليوم التالي
تمنت أماني لو تعرف ما يدور في عقل هشام .. إذ بدا لها جافا وبعيدا منذ تبادلا تلك القبلة اليتيمة في شقتها قبل أيام
بالكاد رأته منذ انتقلت إلى شقة سمر .. لم يزرها أو حتى يتصل بها .. أمه وشقيقته فقط استمرتا في الاتصال بها وزيارتها لإنهاء ترتيبات الزفاف من شراء للفستان وإرسال للدعوات وغيرها من المهام الضرورية
معنويات اماني كانت تنحدر ببطء مع مرور الأيام .. وهي تتساءل عما اقترفته كي يجافيها بهذا الشكل .. هل ندم على تلك القبلة .؟ ألم تعجبه بما فيه الكفاية ؟ هل أحس فجأة بأنه قد علق في الفخ وتورط في الزواج من امرأة لا يريدها ؟
ألمها الشديد كان أكبر دليل على مدى عمق مشاعرها نحوه
إنها تحبه .. يا الله كم تحبه .. وعندما تصل بها قبل ساعات طالبا منها بجفاف أن تلاقيه بعد انتهاء ساعات العمل في مكتبه .. كادت تبكي لمجرد سماع صوته .. أذهلها التغيير الذي أحدثه حبها لهشام في نفسها
منذ متى كانت هي تلك الفتاة الهشة الضعيفة اليائسة إلى كلمة واحدة من حبيبها ؟ أين كانت حساسيتها هذه مختبئة منذ سنوات عندما ظنت نفسها باردة المشاعر والأحاسيس ؟
لم يطلعها على مقصدهما .. ولم تسأله عندما انضمت إليه في السيارة
ثقتها الضعيفة في نفسها وخوفها من الرفض جعلاها تلتزم الصمت مثله تماما .. وإن كانت تسترق النظر نحوه بين لحظة وأخرى .. تتأمل جانب وجهه الوسيم بشغف .. وتلاحظ وجوم ملامحه
عندما أوقف السيارة أدركت بأنهما قد وصلا إلى حارة شعبية فقيرة .. بدا الإهمال واضحا على المباني الآيلة للسقوط .. وفي شوارعها البعيدة عن النظافة .. تجمع الأطفال حول السيارة بفضول .. بينما ظهر عدم الاهتمام جليا على هشام بلفته الواضح للأنظار ..
ترجل من السيارة ودار حولها ليفتح لها الباب ويساعدها على النزول .. رفعت نظرها إليه بتساؤل فتحاشى عينيها قائلا :- طريقنا من هنا
أمسك بمرفقها وقادها فوق الرصيف المهترئ نحو مبنى متهالك أحست بقلبها ينقبض من مجرد النظر إليه .. مدخله كان مظلما وعفن الرائحة .. وسلالمه مهترئة بفعل الزمن .. اضطر للإمساك بذراعها كي لا تتعثر بإحدى الحفر أثناء صعودها .. ورغم قلقها وخوفها المتزايد .. أصرت على التمسك بموقفها ولم تطرح عليه أي سؤال
في الطابق الخامس .. أخرج أخيرا مفتاحا صغيرا .. ودسه في قفل باب كبير تقشر طلاءه .. احتاج إلى دفعة قوية من هشام كي يتحرك امامه .. ويفسح له الطريق للدخول .. فقال باقتضاب :- اتبعيني
تلمست طريقها وسط الظلام .. ثم زفرت بارتياح عندما وصل هشام إلى مفتاح الضوء وأداره .. .وسرعان ما بدد الظلام ضوء ضعيف أصفر صدر عن مصباح سقف بسيط .. تمكنت أخيرا من تأمل المكان من حولها بفضول .. فتبينت شقة صغيرة المساحة .. مزدحمة بأثاث بالي وقديم .. بعض القطع غطيت بالشراشف التي اصفر لونها .. بينما علت طبقات الغبار السميكة الأسطح في كل مكان .
هذه الشقة مهجورة منذ سنوات طويلة .. طويلة جدا
نظرت إلى هشام فصدمتها النظرة المطلة من عينيه وهو يحدق عابسا في زوايا المكان .. لقد كان غاضبا .. ظهر هذا بوضوح من توتر جسده الضخم وانقباض يديه السمراوين وكأنه يقاوم رغبته في تحطيم شيء
ثم رأت تلك العاطفة المستترة في نظراته السوداء .. كمن يستعيد ذكريات قديمة غير سعيدة على الإطلاق
عندها .. فهمت اماني كل شيء .. وهمست اخيرا :- لقد كنت تقيم هنا
تناول إطارا لصورة قديمة .. ومسح الغبار عن زجاجها بأصابعه .. ثم اعادها إلى مكانها قائلا ببرود :- لقد أقمت هنا مع عائلتي لفترة طويلة حتى عشر سنوات خلت
لم تعرف اماني السبب الذي دفعه إلى إحضارها إلى هنا .. وإطلاعها على ماضيه القاسي الذي تجهل عنه الكثير .. ولكنها أدركت بانها تريد أن تعرف .. بل تحتاج إلى ان تعرف ما الذي جعل منه الرجل الذي هو عليه الآن ؟
أكمل كلامه بجفاف :- لقد انتقلنا إلى هنا عندما كنت في العاشرة من عمري .. عندما اضطررنا لبيع شقتنا القديمة الواسعة لسداد جزء من ديون ابي بثمنها
استدار إليها قائلا بسخرية :- لا تتظاهري بالجهل يا اماني .. تعرفين جيدا سمعة أبي السيئة كغيرك من الموظفين لدي .. وقد لمحت لي بها اكثر من مرة أثناء مشاجراتنا المتعددة
احمر وجهها حرجا وهي تقول :- أنا آسفة .. لم أقصد حقا ...
قاطعها بحزم :- أعرف ما كنت تقصدينه بالضبط .. وهو ليس موضوعنا الآن .. غدا سوف تصبحين زوجتي .. لذا فكرت بأنه من الأفضل ان تعرفي كل شيء عني مني انا .. وألا تكتفي بالشائعات التي لاحقتني منذ سنوات .. قد تطلعك سمر على القليل .. وقد تحكي لك أمي القليل .. ولكنهما لن تجدا الجراة على إخبارك بالحقيقة كاملة
فجاو لم تعد اماني راغبة بمعرفة المزيد .. أحست بالخوف مما ستسمعه .. ولكنها عرفت حاجته هو للبوح لها بما لم يبح به لشخص آخر
حاجته لوضع الحمل الثقيل الذي حمله لسنوات على ظهره
تمتمت :- أود حقا ان اعرف الحقيقة
اتجه نحو النافذة .. وفتحها كي يبدد شيئا من رائحة المكان الخانقة .. وسرعان ما تدفق الضجيج من الخارج حتى تلاشى ما احست به اماني بانهما منعزلين عن العالم .. نظر من علو إلى الشارع المزدحم .. إلى الأطفال المتراكضين هنا وهناك ..إلى بائع متجول يصيح معلنا عن بضاعته ثم قال :-
:- كان ابي وحيد رجل ثري .. عانى من طفولة متقشفة فأراد تعويض ابنه بتدليله ومنحه كل شيء .. فكبر فاسدا .. مدللا لا يعرف معنى المسؤولية .. وعندما أدرك والده خطاه فكر بأن تزويجه من فتاة صالحة سيعقله .. ويعيده إلى الطريق القويم .. ووقع اختياره على والدتي .. وكانت ما أراده بالضبط .. امراة صغيرة صالحة ومتدينة .. ولكنها لم تنجح حتى بعد انجابها ل 3 أطفال في إبعاده عن استهتاره وتهوره
التفت إليها .. فبدا وجهه مظلما بسبب ضعف الإنارة .. ولم تستطع معرفة ما يفكر به .. ولكنه أكمل :- كما هو متوقع .. مات والده خائب الأمل .. وأضاع هو ميراثه على اللهو .. وعندما وجد نفسه مفتقرا إلى المال .. لجأ إلى الحل الوحيد الذي فكر به .. وهو النصب على الآخرين .. أقنع بعض معارفه بالاستثمار في مشروع كبير .. ثم أخذ اموالهم واختقى بلا أثر .. سافر فجاة بلا مقدمات أو توضيحات حتى لعائلته .. وسرعان ما وجدت زوجته نفسها وحيدة مع 3 أطفال .. وصفوف من الدائنين يقفون على عتبة بابها
كان لديها فكرة بسيطة عما عانته السيدة لميس من معاناة واضطهاد .. ولكنها فكرت الآن بالطفل ذي السنوات العشر الذي وجد أمه تعاني دون أن يقدر على مساعدتها
:- الأسوأ بالنسبة إليها كان موقف عائلتها .. رفضوا مساعدتها بكل بساطة .. بل اشترطوا عليها أن تتخلى عن أطفالها .. وتحصل على الطلاق كي يتسنى لهم تزويجها مجددا والخلاص من مسؤوليتها فرفضت بشكل قاطع .. ما كانت لتترك أطفالها يتنقلون بين الملاجئ تحت حماية الغرباء .. وما كانت لتطلب الطلاق من رجل رغم جميع مساوئه فقد كان زوجها وحبيبها ووالد أطفالها .. لم يتزعزع إخلاصها أو ثقتها بعودته .. حتى عندما اضطرت للتخلي عن مسكنها والإقامة في جحر حقير كهذا .. والكدح بحثا عن الرزق وهي التي لم تعمل يوما .. ولم تحمل مؤهلا يساعدها على أن تعمل .. لقد ذاقت الأمرين .. عرفت الذل والهوان .. لا يمكنك أبدا أن تتخيلي كيف كانت حياتها خلال السنوات الأولى .. ما زلت أذكر يوم اقتحم أحد الدائنين الشقة وتهجم عليها مصرا على أنها متواطئة مع زوجها .. ذلك اليوم بالذات أظنني قد كبرت .. وودعت طفولتي إلى الأبد .. عندما عرفت إلى أي حد يمكن لأي إنسان أن يكون قاسيا
صوته بدأ يزداد خشونة .. وكسا وجهه الوسيم توحش بدائي وهو يشير إلى الندبة الصغيرة التي قاطعت حاجبه وهو يقول :- هذه الندبة التي سألتني عنها مرارا .. أصبت بها على إثر رمي ذلك الرجل لي قوق طاولة زجاجية عندما حاولت حماية أمي منه ..أقسمت يومها بألا أكون ضعيفا بعدها أبدا .. وألا أسمح لمخلوق بأذية شخص أهتم لأمره حتى لو دفعت حياتي ثمنا لذلك
قالت بتوتر وهي تكبت ارتعاش جسدها :- لماذا تخبرني بهذا ؟ لماذا تعذب نفسك بهذا الشكل ؟
عاد ينظر عبر النافذة إلى الفراغ بعيدا عنها وقال :- سبق واخبرتك بالسبب .. سنعقد قراننا صباح الغد .. وأنت ستصبحين زوجتي .. أردتك أن تعرفي كل شيء عني قبل ان تتورطي معي كي أتيح لك فرصة التراجع قبل فوات الأوان
ساد الصمت لدقيقة كاملة قبل ان تقول بهدوء :- لماذا تظنني سأتراجع بعد معرفتي للحقيقة ؟
لم يجبها .. بل لم تصدر عنه أي حركة .. فاقتربت منه قائلة بحزم :- لقد أخذت فكرة عن ماضي والدك منذ فترة طويلة .. ولم افكر للحظة واحدة بانك تشبهه باي طريقة كانت
تابعت عندما لم يعلق :- قد لا يكون زواجنا حقيقيا .. ولكنني فخورة للغاية بأنك أنت من سيكون زوجي أمام الناس في الغد .. خلال الأشهر التي تلت وفاة أبي .. وقفت إلى جانبي وفهمتني وحميتني أيضا كما لم يفعل أقرب الناس إلي .. لا يهمني على الإطلاق من يكون والدك يا هشام .. ما يهمني هو أي رجل رائع وجدت فيك أنت
استدار إليها فرأت جمود وجهه .. فأسرعت تقول بانفعال :- أنا لا أقول هذا بسبب الامتنان .. مع أنني حقا ممتنة لكل ما فعلته معي
اقتربت منه أكثر حتى لم تعد تفصل بينهما سوى سنتيمترات قليلة
رفعت رأسها إليه .. فارتعش قلبها عندما التقت عيناها بعينيه السوداوين .. بالرغم من قربه منها إلا أنه بدا وكأنه على بعد أميال
دون أن تفكر .. رفعت يدها لتلمس أناملها صدره الصلب .. وقالت :- أتعرف ما الذي أراه عندما أنظر إليك ؟
أحست بتوتر عضلاته تحت أناملها .. ولمحت توتر شفتيه فهمست :-
:- رجل بنى نفسه بنفسه من الصفر .. بقوة وإصرار وشرف .. ليمنح أمه وشقيقتيه الحياة التي حرمن منها .. رجل أعمال فذ ذو عقل عبقري وطباع صعبة .. ولكنه رئيس عادل وكريم .. لم يقلل يوما من شأن أحد موظفيه .. كان لهم دائما كالأب والمرشد .. حسنا .. ليس جميع موظفيك .. نستطيع استثناء الموظفات الوقحات طويلات اللسان
ابتسمت باضطراب .. فكان الصدى الوحيد الذي لقيته منه هو اهتزاز طفيف في عينيه القاتمتين .. أكملت :-
:- رجل لم يتردد قبل ربط نفسه بفتاة أصبحت حديث المدينة بأكملها فقط كي يحميها من ظلم والدها وابن عمها .. أنا لا أعرف حقا لماذا تضحي بنفسك لأجل فتاة لا تعني لك الكثير .. ولكنني أتمنى ألا تندم في النهاية على تضحيتك هذه
أحست بخفقات قلبه تحت أصابعها .. وفجأة .. ساد ذلك التوتر الذي لطالما حل بينهما كلما انفردا .. غطا يدها بيده الكبيرة .. وقال بصوت خشن :- لا يهمني السبب الحقيقي لزواجك مني يا أماني .. ولكنك غدا صباحا ستصبحين زوجتي .. ولن أسمح لك بالتراجع
هزت رأسها هامسة :- لن أتراجع
داعب وجنتها بأنامله بينما يتأمل وجهها بعينين لامعتين ثم غمغم :- من الأفضل أن أعيدك إلى شقة سمر قبل أن تقلق
تركها فجأة فانكسر السحر ... وانتهت لحظات التقارب والمصارحة التي جمعت بينهما .. وعاد هشام إلى تحفظه وتباعده وهو يطفئ الأنوار ويقفل الباب .. وعندما ودعته تحت المبنى الذي تقيم فيه سمر .. رفض مرافقتها إلى الداخل .. بل اكتفى بأن قال لها وهي تغادر السيارة :- سأراك صباح الغد
لم ينطلق حتى تأكد بأنها قد غابت خلف البوابة .. وعندما أغلقت أماني الباب خلفها .. سمحت لدمعتين يتيمتين بتجاوز مقلتيها .. ثم مسحتهما وهي تهمس :- لا تلومي إلا نفسك يا أماني .. لقد كنت تعرفين ومنذ البداية بأن هشام مهما كان قريبا منك .. فإنه أبدا لن يكون لك











الرد باقتباس
إضافة رد

رواية سيدة الشتاء / الكاتبة : Blue me ، كاملة

الوسوم
الشتاء , رواية , شيخة , كامله
أدوات الموضوع
طريقة العرض
مواضيع مشابهة
الموضوع الكاتب المنتدى الردود آخر مشاركة
روايتي الأولى : أبي أنام بحضنك و أصحيك بنص الليل و أقول ما كفاني حضنك ضمني لك حيل / كاملة ازهار الليل روايات كامله - يتم نقل الرواية هنا بعد اكتمالها 6834 29-03-2019 01:27 AM
مجلس الروايات للإستفسارات و الطلبات فقط [ الإقتراحات ممنوعة ] ؛ روح زايــــد روايات - طويلة 2018 20-07-2011 03:02 PM
مجلس الروايات للإستفسارات و الطلبات فقط [ الإقتراحات ممنوعة ] ؛ روح زايــــد روايات - طويلة 2001 06-01-2011 10:35 PM
مجلس الروايات للإستفسارات و الطلبات ؛ !! أنـثـى الـ خ ـيـآلـ !! روايات - طويلة 3973 07-10-2010 01:10 PM
مجلس الروايات للإستفسارات و الطلبات ؛ الزعيـ A.8K ـمه روايات - طويلة 2042 24-02-2010 04:37 AM

الساعة الآن +3: 09:55 PM.
موقع غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات


تصميم دريم تيم

SEO by vBSEO 3.6.1