غرام
اكتب بريدك ثم اضغط على اشتراك ليصلك جديد غرام
بحث مخصص من محرك البحث العالمي قوقل للبحث في غرام
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 41
قديم(ـة) 31-05-2012, 11:33 AM
صورة زهره البطاح الرمزية
زهره البطاح زهره البطاح غير متصل
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية سيدة الشتاء / الكاتبة : Blue me






الفصل الثاني والثلاثين
زفاف الموسم
راقبت جودي باكتئاب اماني وهي تغادر حفل الزفاف برفقة هشام .. من المفترض بها أن تكون سعيدة .. بل هي حقا سعيدة لأن أماني قد تزوجت أخيرا بالرجل الذي تحب ..
حفل الزفاف كان رائعا ومثاليا كما أرادت السيدة لميس أن يكون عليه زفاف ابنها الوحيد .. وأماني بدت رائعة الجمال مما بهر جميع المدعوين وأنساهم الشائعات التي لم تتوقف حولها منذ وفاة والدها .. بدت مرتبكة قليلا .. قلقة وهي تواجه نظرات الآخرين التي تركزت عليها .. بالعكس من هشام الذي بدا شديد الوسامة بحلته السوداء الغالية الثمن والتي لاءمت بشكل مدهش جسده الرياضي الضخم .. كان شديد الثقة بنفسه .. وأظهر للآخرين وبكل وضوح أهمية أماني لديه .. إذ أحاطها بذراعه معظم الوقت .. وكان يبتسم لها دائما حريصا على راحتها .. وبدت عليه السعادة وهو يطعمها بيده من كعكة الزفاف الضخمة المكونة من 7 أدوار
الشيء الوحيد الذي يعكر على جودي سعادتها لأجل أختها هو ذكرى مواجهتها لطارق مساء الأمس .. لقد أخبرته أخيرا برغبتها في إنهاء خطوبتهما .. ومع الجهد الكبير الذي كلفها به إخباره بهذا .. إلا ان ردة فعله كانت بعيدة تماما عن الصدمة التي توقعتها .. إذ بدا عليه البرود الشديد وهو يسألها عن السبب .. أجابته بارتباك بأنها أدركت لتوها بأنها لا تحبه كما يجب .. وأنه يستحق أخرى أفضل منها تقدر كل ما هو قادر على تقديمه لها
قال لها فجأة بصرامة :- اعفني لو سمحت من سماع كلماتك المنمقة والمدروسة جيدا كي تخفف من غضبي .. وسأكون ممتنا لو كنت صريحة معي بما يكفي لتخبريني عن الرجل الآخر الذي قلب كيانك وغيرك منذ أشهر
أطلقت شهقة ذهول وهي تحدق به مصدومة .. بينما قال هو ساخرا :- هل ظننتني بهذه الحماقة يا جودي .. لقد راقبت وبدقة كل تغير ولو كان طفيفا في تصرفاتك .. في البداية عزوت الامر إلى صدمتك بوفاة أبيك .. ثم قلقك بشأن اماني .. ولكن فيما بعد .. كان من السهل علي أن اعرف بانك قد توقفت فجأة عن حبي .. وبما انني لم اتغير على الإطلاق ولم أقم بأي تصرف من شأنه تغيير مشاعرك .. فقد استنتجت الحقيقة بنفسي .. وهي ان رجلا آخر قد دخل في المعادلة .. وكل ما كان علي فعله هو الانتظار لأعرف إن كنت ستخبرينني بالحقيقة .. أم أنك ستتابعين استغفالي وتمضين قدما في مهزلة الزواج المنتظر
اغرورقت عيناها بالدموع وهي تقول :- طارق .. أنا آسفة ..
هب واقفا عن الأريكة حيث كان جالسا في صالة الاستقبال في منزلها وقال بجفاف :- احتفظي باعتذارك .. فانا لست بحاجة إليه .. ونعم .. لقد كنت محقة في شيء واحد .. انا أستحق أخرى أفضل منك بالتأكيد
عادت جودي إلى الواقع مع ارتفاع ضجيج المدعوين الذين أحاطوا بالعروسين أثناء ركوبهما سيارة هشام المزينة بإتقان
معظم المدعوين كانوا قد غادروا ولم يتبق إلا القليل من المقربين إلى عائلة هشام .. راقبت هشام وهو يساعد أماني على حشر نفسها مع فستانها المنتفخ داخل السيارة .. وعندما اغلق الباب برفق ودار حول السيارة ليجلس مكانه خلف المقود .. أنزلت اماني زجاج النافذة ومدت رأسها تبحث بعينيها عن شخص ما .. وعندما رأت جودي .. أسرعت تلك تلوح لها بيدها وهي تبتسم ببشاشة .. لقد أخطأت عندما أخبرت أختها الكبرى صباح اليوم بما حدث معها .. وتمنت لو يتمكن هشام من ان ينسيها القلق لهذه الليلة على الأقل .. ارتاحت عندما بدت الطمأنينة على وجه اماني التي لوحت لها بدورها .. وقبل ان تنطلق السيارة .. لاحظت جودي التغير المفاجئ الذي طرأ على ملامح أماني .. فقد انقلبت الراحة ليحل محلها الذعر الخالص وهي تحدق بنقطة محددة
استدارت جودي غلى حيث تعلقت انظار أماني .. لترى مصدر جميع كوابيس اختها يقف بعيدا وقد غطى الظلام معالمه .. بحيث لم يفطن لوجود أحد .. وقد بدت عليه الوحدة الشديدة .. والحسرة البالغة
لقد كان صلاح











الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 42
قديم(ـة) 31-05-2012, 11:34 AM
صورة زهره البطاح الرمزية
زهره البطاح زهره البطاح غير متصل
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية سيدة الشتاء / الكاتبة : Blue me





الفصل الثالث والثلاثون
خلف الباب المغلق

ألقى هشام نظرة عابرة نحو أماني بينما يقود سيارته عبر الشوارع الخالية في ذلك الوقت المتأخر من الليل .. وقد أسبغ ضوء المصابيح العمودية الشاحب جوا كئيبا على المدينة .. لاحظ شحوب وجهها فسألها :- هل انت بخير ؟
تمتمت محاولة السيطرة على اضطرابها :- أنا بخير .. ولكنني متعبة قليلا
مد يده الكبيرة واحاط بها أصابعها المرتعشة المكومة فوق حجرها قائلا :- لقد تجاوزنا الليلة المرحلة الصعبة .. كل شيء سيكون على ما يرام من الآن فصاعدا
منحته ابتسامة شاحبة .. وجاهدت كي لا تنزع يدها من بين أصابعه إذ كانت متوترة بما يكفي لرؤية صلاح التي لم تكن متوقعة .. وليست بحاجة لتحمل المشاعر التي تنتابها كلما لمسها .. ولكنه سحب يده وحده ليعود إلى التركيز على القيادة
فقالت كي تبعد تفكيرها عن نوايا ابن عمها الخفية :- لقد كان الحفل جميلا .. أشكرك على ما تكبدته من عناء كي تقنع الناس بجدية زواجنا
قطب بانزعاج وقال بجفاف :- عليك ان تشكري أمي .. فهي من خطط لجميع التفاصيل
بحثت حائرة عن الخطأ الذي ارتكبته وسبب له كل هذا الانزعاج .. ثم قالت مغيرة الموضوع :- لا أفهم السبب الذي منعنا من إيصالها مع نورا معنا في السيارة .. فوجهتنا واحدة
:- ستبيت أمي ونورا في شقة سمر الليلة .. لقد فضلتا منحنا الخصوصية التامة بترك المبنى كاملا لنا
توقفت السيارة أمام الفيلا الضخمة المكونة من 3 أدوار . . والتي بناها هشام منذ سنوات لامه .. كانت قد زارت المكان مرة واحدة منذ يومين عندما دعتها حماتها إلى العشاء لتعرفها على المكان الذي ستقيم فيه .. وعرفت عندها بأن حماتها هي من اصر على هشام عندما بنى الفيلا أن يجعل من الطابق الثالث شقة منفصلة .. لتكون يوما شقة الزوجية في حال قرر أن يتزوج .. وقد بقي الطابق الثالث مهجورا لفترة طويلة حتى اعلن هشام عن نيته في الزواج من اماني .. فبدأت والدته بحماس حملة مكثفة لتنظيف الشقة وتأثيثها وجعلها مناسبة لإقامة العروسين خلال فترة وجيزة .. لم تسمح لها ذلك اليوم بأن تراها معللة بانها يجب ان تكون مفاجأة للعروس
أسرع الحارس ليشرع بوابة الفيلا امام صاحبها وهو يقدم التهنئة له ولعروسه
سارت السيارة عبر طريق محاط بالشجيرات الصغيرة المقلمة بعناية .. وسط حديقة لم تستطع تبين تفاصيلها بسبب ظلمة الليل .. ثم توقفت امام الفيلا اخيرا .. ساعد هشام اماني على النزول من السيارة .. فرفعت رأسها تتأمل المبنى ذي الهندسة الأنيقة والخالية من البهرجة .. وتذكرت منزل والدها الذي صمم خصيصا ليبهر الناظر .. ويخبره بمدى ثراء صاحبه
تمتمت وهي تصارع بين طيات فستانها :- أظنني سأضطر لخلع حذائي إن كنت سأتسلق كل هذا الارتفاع
ابتسم قائلا :- لن تضطري إلى هذا .. هناك باب خلفي يؤدي إلى مصعد كهربائي يؤدي مباشرة إلى شقتنا
حاولت التغطية على اضطرابها بقولها الساخر :- أليس من الرائع ان يكون المرء غنيا ؟
قال بهدوء :- وجد المال لصرفه .. أليس كذلك ؟
دارا حول المنزل .. وسرعان ما كان هشام يساعها مجددا في حشر فستانها داخل حجرة المصعد الصغيرة .. خلال الثواني التي استغرقتهما للوصول إلى مقصدهما .. اضطرت اماني لحبس أنفاسها عندما وجدت نفسها تكاد تلتصق بهشام وقد أحست بدفء جسده وجاذبيته الفياضة
تجرأت وألقت نظرة سريعة نحو وجهه ففوجئت به ينظر إليها .. وقد علت عينيه نظرة غريبة .. جعلتها تلقائيا تشيح بنظرها بعيدا وقد احمر وجهها .. وترفع يدها نحو عنقها وكتفيها بحماية تلقائية ضد نظراته
أخيرا انتهى عذابها عندما توقف المصعد وانفتح بابه .. قادها هشان إلى شقة فسيحة .. ذهلت اماني وهي تتأمل المساحة الواسعة والديكور الأنيق .. والأثاث المرفه .. لقد تكبدت حماتها العناء حقا لجعل الشقة مكانا جميلا لعيش عروسين جديدين
قال هشام من خلفها :- أرجو ان يكون المكان قد أعجبك
تمتمت :- أنت تعرف بانه قد اعجبني
أجفلت عندما أحست بأنامله تلمس ظهرها بخفة وهو يقول بلطف :- لقد ذكرت امي شيئا عن وجبة جاهزة للأكل تنتظرنا في غرفة الطعام .. لابد انك جائعة بعد هذا اليوم الطويل .. إلا إن أردت التخلص من فستانك هذا اولا .. فهو يبدو لي مزعجا
تورد وجهها وهي تتحاشى النظر إليه قائلة :- إنه مزعج بالفعل .. لست جائعة .. وأظنني سأخلد إلى النوم فورا .. فكما قلت انت .. كان يوما طويلا ومتعبا
نظر إليها للحظات بدون تعبير ثم قال بهدوء :- كما تحبين .. دعيني أقودك إلى غرفة النوم
غرفة النوم كانت حلما لأي عروس حالمة .. المفروشات الخشبية الثقيلة و المحفورة بإتقان .. الستائر المخملية ذات الألوان الناعمة .. السجادة الوثيرة التي كست الأرض الرخامية .. وفي الوسط .. انتصب سرير ضخم رائع الجمال .. مكسو بالوسائد الوثيرة و الأغطية الحريرة المخرمة
تصاعد ارتباكها .. واحتارت بالطريقة التي وجب عليها ان تطرح به سؤالها عن ترتيبات نومهما ..
قال فجأة ساخرا وكانه قد قرا أفكارها :- تبدين كهرة على صفيح ساخن .. اهدئي يا عروسي الغالية .. فانا لن أشاركك الغرفة .. سأنام في الغرفة الإضافية
رددت بارتباك :- غرفة إضافية !
:- طلبت من والدتي إعداد غرفة نوم للضيوف مستعملا جودي كحجة .. فنحن عائلتها الوحيدة الأن .. وقد نطلب منها غالبا البقاء معنا
لم تستطع منع نفسها من التساؤل عما سيفعلانه إذا قررت جودي فعلا ذات يوم البقاء
نظر إلى فستانها قائلا :- هل تحتاجين إلى اي مساعدة في التخلص من هذا الشيء ؟
قالت بحدة مبالغ بها :- سأتدبر امري
لوى فمه بابتسامة جعلت قلبها يخفق بقوة .. وقال بهدوء :- في هذه الحالة ... تصبحين على خير
غادر الغرفة مغلقا الباب خلفه بهدوء .. زفرت اماني بقوة .. لقد أصبحت أخيرا وحدها .. عادت تنظر إلى الغرفة الكبيرة بتوتر .. ثم تفحصت الخزائن الممتلئة بالملابس الجديدة التي اشترتها لها حماتها .. واختارت أكثر قمصان النوم احتشاما .. ثم فتحت بابا جانبيا عرفت فورا بانه يؤدي إلى الحمام ... وبعد نصف ساعة كانت قد خلعت فستانها .. وحلت شعرها من تسريحته المعقدة .. وازالت مكياج وجهها المتقن .. وارتدت قميص النوم .. ثم دست نفسها في السرير الكبير
على ضوء الأباجورة الصغيرة المجاورة للسرير .. تساءلت اماني عما يفعله هشام في الخارج .. هل هو قلق ومتوتر مثلها تماما ؟ أم انه غارق في النوم وقد ارتاح ضميره بعد أن أدى واجبه نحوها على اكمل وجه
انتابتها رغبة شيطانية في الخروج إليه .. في التظاهر بالعطش والحاجة إلى الشرب .. وهي ترتدي احد القمصان المثيرة الكثيرة المكومة داخل الخزانة .. فقط كي ترى بريق الرغبة في عينيه .. لترى هشام الرجل القوي يصارع ضد مشاعره كما حدث عندما قبلها داخل شقتها
نظرت إلى قميصها المحتشم .. وبدون تردد ... قفزت من السرير واختارت قميصا آخر وردي اللون ... بقماش رقيق شفاف وناعم .. نظرت إلى نفسها في المرآة .. فبدت كالحلم .. لا .. هي لن تخرج إلى هشام ... كرامتها لن تسمح لها بذلك .. ولكنها على الأقل ستشعر بأنوثتها .. وبجمالها .. بانها جديرة بالرجل الرائع الذي تحبه
عادت إلى سريرها مجددا .. ضمت ذراعيها إلى صدرها وهي تتكوم إلى جانبها كالجنين .. ولم يمضي وقتا طويلا بعدها قبل ان تغط في النوم


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 43
قديم(ـة) 31-05-2012, 11:35 AM
صورة زهره البطاح الرمزية
زهره البطاح زهره البطاح غير متصل
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية سيدة الشتاء / الكاتبة : Blue me





الفصل الرابع والثلاثون
نقطة ضعفه الوحيدة

لم يكن هناك زفاف ..لا مدعوين ولا حتى زينة ..لم تكن في الواقع داخل اي مكان محدد .. فقط فستان زفافها الطويل الذي مازالت ترتديه ذكرها بأنها تتزوج بهشام أخيرا .. وبدلا من ان تشعر بالأمان شعرت بالخوف وهي تبحث عن أي شيء مألوف في المكان المظلم الذي كانت تائهة فيه
ظلام .. ظلام .. أحست بالخوف والضياع .. كما شعرت بالضبط عندما صحت من غيبوبتها في المستشفى ..و نظرت حولها حائرة غير قادرة على تذكر ما حدث ..
هبت ريح قوية رفعت حاشية ثوبها الطويل .. وعبثت بشعرها مفسدة تسريحته الانيقة .. صاحت بقلق .. هشام .. هشام
رأته أخيرا يقف والضباب يلفه من كل جانب .. كان يدير لها ظهره وكأنه لم يسمع صراخها .. أسرعت نحوه وهي تقول بارتياح :- أين كنت ؟ انا أبحث عنك منذ مدة .. يجب أن نعود إلى الحفل .. الضيوف في انتظارنا
وعندما لم يمنحها ردا .. مدت يدها وامسكت وأمسكت ذراعه .. عندها ادركت متأخرة بأن هذا الرجل لا يمكنان يكون هشام .. إنه أقصر قامة منه ..
تراجعت مذعورة .. وحاولت الهرب .. إلا أن اليدين القاسيتين امسكتا بها .. والعينين الحمراوين رمقتاها بتلك النظرات الشامتة .. ودوى صوت صلاح يقول لها :- لا مفر لك مني يا أماني .. لا مفر
شقت صرخة اماني الصمت وهي تنتفض قوق السرير الضخم .. صفعها الظلام المحيط بها فظنت لوهلة بأنها ما زالت تعيش الكابوس نفسه .. فعادت تصرخ وهي تلوح بيديها يمنة ويسارا .. حتى سقطت من فوق السرير في نفس اللحظة التي فتح فيها الباب .. وأنير المكان كله بلمح البصر .. ودوى صوت هشام القوي يهتف بقلق :- ما الأمر ؟ ما الذي حدث ؟
أسرع نحوها ليحملها بدون تردد ويضعها فوق السرير .. سماعها لصوته .. وإحساسها بقوة ذراعيه حولها جعلها تنهار باكية بارتياح وهي تضم نفسها إلى صدره بقوة كطفل يطالب بحماية امه
ضمها غليه بقوة وأخذ يربت على شعرها بحنان ويتمتم بخفوت :- أنت بخير .. لن أسمح لأحد بأن يؤذيك .. أي أحد
هتفت بصوت مختنق :- لقد كان هناك في انتظاري .. في قلب الظلام .. وانا لا أحب الظلام .. لقد تركت المصباح مضاءا .. انا متأكدة من هذا
قال بقلق :- لقد أطفأته أنا عندما مررت بك قبل نصف ساعة لأطمئن عليك .. أنا آسف .. لم أعرف بخوفك من الظلام
بدأت تهدأ .. وتحس في الوقت نفسه بسخافتها .. فابتعدت عنه ببطء وهي تمسح دموعها قائلة :- أنا دائما أترك ضوءا صغيرا قبل ان أنام .. أعرف بانك تجدني سخيفة وطفولية .. لابد أنني قد أيقظتك من النوم
أمسك وجهها بين يديه وأجبرها على النظر إليه .. وقال بهدوء :- أماني .. اهدئي الآن .. أنا لم اكن نائما .. وما حدث معك قد يحدث لأي شخص آخر
انتبهت في تلك اللحظة إلى أنه مازال يرتدي نفس الملابس .. ولكن بدون سترته او ربطة عنقه .. ومن خلال فتحة قميصه حيث فتح الأزرار العلوية ظهر عنقه القوي وصدره الأسمر المكسو بالشعر القاتم .. فنسيت فورا كابوسها .. وطار النوم من عينيها لتعود إليها مجددا تلك الأحاسيس المربكة .. تمتمت باضطراب :- آسفة لأنني أزعجتك
ثم تذكرت شيئا .. فنظرت إلى عينيه الداكنتين قائلة :- هل دخلت علي أثناء نومي ؟
هز رأسه قائلا :- لقد كنت غارقة في النوم .. فأطفأت النور ظنا مني بأنك قد نسيته مفتوحا
تساءلت عن السبب الذي دفعه لدخول غرفتها .. وتذكرت الأفكار التي راودتها قبل ان تنام .. ترى .. هل راودته الأفكار نفسها ؟ هل دخا غرفتها محاولا القيام بالخطوة الأولى في التقرب منها فوجدها نائمة ؟ احمر وجهها .. وأبعدت يديها عنه بسرعة فأخطأ فهم سبب توترها .. ابتسم قائلا :- ليس عليك أن تخشي شيئا .. لقد كنت نائمة كالملاك .. والملاءة تغطيك حتى ذقنك .. لم أر شيئا لم ترغبي بأن أراه
انحدرت عيناه إلى الأسفل فجأة لتتفحصا لأول مرة ما ترتديه .. فاختفت ابتسامته .. واحتلت عيناه نيران سوداء جعلتها ترتجف .. وترفع يديها تلقائيا نحو عنقها وصدرها لتحمي نفسها من نظراته
سمعت صوت انفاسه الثقيلة .. وأحست بالجو بينهما يتشبع بالتوتر .. وضع سبابته أسفل ذقنها .. وأجبرها على النظر إليه وهو يقول بصوت أجش :- أنت جميلة جدا يا اماني .. أظنك تعرفين هذا جيدا .. وتعرفين أيضا ما الذي يفعله بي جمالك
كانت المسافة بينهما تتقلص شيئا فشيئا .. وكان خيطا لا مرئيا يجذب كل منهما نحو الآخر ..
همست :- ما الذي يفعله بك ؟
نظر إلى وجهها متمعنا في كل قطعة من ملامحها الناعمة الجميلة .. مد يده نحو شعرها ليتحسس خصلاته الذهبية الحريرية .. ثم لمس بظهر سبابته وجنتها .. ومررها عبر خدها وصولا نحو فمها المرتعش ..
تسارعت خفقات قلبها .. واحست به يكاد ينفجر من ثقل الأحاسيس التي ملاته .. لم تشعر يوما بكل هذا الضعف نحو أي إنسان .. أبدا لم تعرف كيف تفقد الانثى كل إرادة وتعقل أمام لمسة رجل حتى هذه اللحظة
أبدا لم تظن نفسها قادرة على أن ترغب رجلا بهذه القوة قبل الآن
قال بصوت عميق :- يثير جنوني .. يربكني ويضعفني .. وقد أقسمت يوما على ألا أسمح لأي شيء أو أي شخص بأن يفعل هذا بي
أحست بأنه يكره مشاعره نحوها .. ورغبته القوية بها .. أحست بالشفقة والحزن عليه .. هو الرجل القوي القاسي .. الذي يخفي داخله حنان الابن والأخ وحتى ابن الأخت .. هو الذي عانى من طفولة مريرة فأقسم على ألا يكون ضعيفا مجددا .. وجد أخيرا نقطة ضعفه الوحيدة .. هي
رفعت يدها نحو صدره لتلمس عبر قميصه المفتوح عضلاته القاسية .. وتغوص بين الشعيرات الناعمة الكثيفة .. أحست بأنفاسه تضطرب .. ونبضات قلبه تتسارع تحت أناملها
همست :- أنا آسفة .. ما الذي أستطيع فعله لمساعدتك ؟
تمتم :- تستطيعين فعل الكثير
شهقت بإثارة عندما عرفت ما ينوي فعله .. دنا منها ببطء حتى لامست شفتيه شفتيها... وقبلها
انتفض جسدها وكأن تيارا كهربائيا عبر من خلاله .. أظلمت الدنيا من حولها واختفت معالمها .. وأصبح عالمها كله محصورا في الأحاسيس القوية التي انتابتها عندما ضمها بين ذراعيه وقربها من صدره حتى التصقت به ..
ازدادت حرارة قبلاته حتى كاد قلبها يتوقف من فرط الانفعال .. انتابها خوف شديد مفاجئ .. فتراجعت مبتعدة عنه وهي تشهق بعنف .. ولكنه ما كان ليسمح لها بالانسحاب .. ليس وقد اقترب إلى هذا الحد من نيل مأربه
همس لها برقة :- لا تخافي .. سأعتني بك جيدا
الحنان والشغف المطلين من عينيه جعلا عبارة أحبك تكاد تقفز من بين شفتيها .. فعضت عليهما بقوة كي تكبح اعترافها المذل .. فمرر أنامله عليهما مانعا إيها من أذيتهما .. ثم أحنى رأسه ليتناولهما بين شفتيه .. فيسحقهما بقبلاته
في تلك اللحظة .. وعندما أزاحت أنامله حمالات قميص نومها الرقيقة .. فقدت أماني كل خيار أمامها .. وانهارت مقاومتها .. وانهار معها كل أمل لها في الحفاظ على ما تبقى من سيطرتها على حياتها





الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 44
قديم(ـة) 10-06-2012, 10:22 PM
صورة زهره البطاح الرمزية
زهره البطاح زهره البطاح غير متصل
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية سيدة الشتاء / الكاتبة : Blue me





الفصل الخامس والثلاثون
لا .. بعد فوات الأوان

تسلل ضوء الفجر الخافت بخجل من خلال الستائر الحريرية المنسدلة مبددا شيئا من ظلام الغرفة .. مما أتاح لهشام الفرصة لتأمل وجه أماني النائم بسلام
لا .. لم يكن السلام هو المرتسم على الملامح الناعمة للوجه الجميل .. مازال يذكر تجاوبها الفطري مع لمساته خلال الليلة الماضية .. اللون الداكن الذي كسا عينيها التين فاضتا بالعاطفة والشوق .. قبل ان تسيل دموعها مترافقة مع نشيج مكبوت لم يعرف إن كان ناتجا عن العاطفة أو الندم
أماني التي أصبحت زوجته منذ ساعات قليلة .. كانت كما توقع تماما .. تحت الواجهة الباردة و المتماسكة .. كانت امرأة حساسة جائعة إلى الحب والحنان .. إلا ان أشباحها الخاصة ما زالت تطاردها .. تساءل إن كان سيتمكن يوما من تحريرها أخيرا من عقدها ومخاوفها
تململت بين ذراعيه .. فقربها منه أكثر وكأنه أراد الشعور بقربها .. وبدفء جسدها ونعومته قبل أن تستيقظ .. وتستعيد قوقعتها الصلبة التي تحجب جوهرها الحقيقي عن الناس .. جوهرها الذي اكتشفه بنفسه بعد أشهر من معرفتها عن قرب .. وبعد ليلة الأمس
أفاقت اماني من نومها بقلق مع إحساس بثقل يجثم فوق خصرها .. فتحت عينيها بخوف لتجد نفسها بين احضان هشام المستغرق في النوم إلى جانبها .. قريبا منها إلى حد شعورها بدفء أنفاسه .. نظرت إليه بعينين واسعتين وقد حبست انفاسها خشية إيقاظه .. بدا وسيما للغاية وقد استرخت ملامحه القاسية لأول مرة .. لاحظت عن قرب طول وكثافة رموشه الداكنة .. فمه القاسي كان مسترخيا .. فتذكرت ليلة الأمس .. تذكرت قبلاته ولمساته الحارة .. تذكرت إحساسها بانها محبوبة ومرغوبة .. وكيف غلبها إحساسها بالحب نحوه حتى فاضت دموعها
والآن وهي تنظر إليه .. وتشعر بنبضات قلبه قريبة من قلبها .. أحست بحبها نحوه يخنقها .. وكادت دموعها تفيض مجددا لو لم تتماسك حتى لا توقظه .. فهي ليست جاهزة لمواجهته .. ولن تكون حتى تتمالك نفسها كي لا يكتشف حبها العميق له .. إن لم يكن قد اكتشفه بعد
تصلب جسد اماني واتسعت عيناها ذعرا .. يا إلهي كم هي حمقاء .. ألن يكتشف مقدار حبها له بعد ما حدث ليلة الأمس ؟
عندما لمسها وقبلها .. لم تقاومه على الاطلاق .. لم تقل حتى كلمة لا التي تعهدت بترديدها كلما نظر إليها
لقد استسلمت له وكأنها كانت في انتظار لمساته
لقد عرف بحبها له .. فما الذي سيفعله بعد ذلك ؟
هل ستسمح له بأن يستغل حبها ويستمتع بجسدها كما فعل ليلة الأمس حتى يقرر بأن الوقت قد حان ليتحرر منها .. ويتزوج بأخرى يكن لها مشاعر حقيقية هذه المرة ؟
كيف سيحتمل قلبها فراقه بعد أشهر من الحياة في الجنة معه ؟ أي امرأة ستكون في نظره إن تركته يستخدمها كما يشاء قبل أن يصرفها في النهاية ؟.. هل ستتمكن من خسارة احترامه لها فوق خسارتها له هو ؟
عند هذه الفكرة .. تحركت لا إراديا منتزعة نفسها من بين أحضانه .. مما أجفله وأيقظه .. فتح عينيه الناعستين ونظر إليها وهي تعقد الروب حول جسدها إلى جانب السرير .. وقد بدا عليها الاضطراب .. سألها بقلق :- ما الأمر ؟ ما الذي حدث ؟
نظرت إليه قائلة انفعال :- ما الذي حدث ؟ هذا ما حدث بالضبط
تقلص وجهها باشمئزاز وهي تشير نحو السرير .. فاعتدل جالسا وهو يقول بتوتر :- اهدئي يا أماني .. أهو كابوس جديد
مرأى النصف العلوي من جسده عاريا جعل الذكريات الساخنة تنساب داخل عقلها بغزارة .. جف فمها .. وسرت الحرارة داخل جسدها وهي تبعد عينيها عن كتفيه العريضين وعضلاته المفتولة .. وصاحت يثورة :- وهل هناك كابوس أبشع مما حدث بيننا .. أنت تعرف بأنني لم أرغب بهذا .. لم يكن هذا أبدا ضمن اتفاقنا
اختفى قلقه بلمح البصر .. وحل محله البرود الشديد .. عيناه الداكنتين قستا وخلتا من العاطفة التي أحرقتها ليلة الأمس .. قال ببرود :- لم ترغبي به .. ولكنني لا أذكر أنني سمعت منك كلمة لا في أي مرحلة خلال الليلة الماضية .. أما عن اتفاقنا ..
أزاح البطانية لينهض .. فأشاحت بوجهها بعيدا وقلبها يخفق بدوي أشبه بقرع الطبول .. سمعت حفيف ثيابه فعرفت بأنه يرتديها على عجل .. بينما يقول بلهجته القاسية :- لقد كنت واضحا معك يا أماني .. أنا لم أعدك بزواج عذري .. لقد شرطت أي تطور قد يحدث في علاقتنا بقبولك .. وأنت كنت أكثر من راضية عندما لمستك
احمر وجهها .. واشتعل غضبها من نفسها ومن ضعفها .. ومن سقوطها في هذا المأزق .. نظرت إليه فوجدته قد أنهى ارتداء سرواله الأسود .. ووضع قميصه على كتفيه دون أن يغلق أزراره .. هيئته الفوضوية .. والغير مألوفة .. منحته جاذبية بدائية صارخة .. عززتها ذكرياتها عن علاقتهما الملتهبة ليلة الأمس .. تفجر التوق إليه داخلها عنيفا بحيث دفعها للصراخ بدفاعية :- فلتعلم إذن بأن ما حدث ليلة الأمس .. لن يتكرر مجددا على الإطلاق
رمقها طويلا بنظراته الباردة .. التي شملتها من رأسها حتى أخمص قدميها مستخدما ما لديه من تأثير وسلطة في تقليص ثقتها بنفسها .. وتعزيز إحساسها بالدونية
تكلم أخيرا بهدوء شديد ..:- لقد حصلت في النهاية على ما أريد .. صحيح ؟ .. فلماذا قد أرغب بتكراره ثانية
تحركت أصابعه لتغلق أزرار قميصه ببطء .. بينما علت فمه ابتسامة قاسية وهو يقول بازدراء :- عودي إلى شرنقتك يا أماني .. أنا لن ألمسك مجددا حتى لو توسلت إلي أن أفعل
غادر الغرفة تاركا إياها وحدها ... تتخبط شبه باكية بين مشاعر الصدمة .. والألم .. والغضب .. والندم العميق





الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 45
قديم(ـة) 12-06-2012, 05:22 PM
صورة زهره البطاح الرمزية
زهره البطاح زهره البطاح غير متصل
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية سيدة الشتاء / الكاتبة : Blue me






الفصل السادس والثلاثين
تمـــام

وقفت جودي على الرصيف تنظر نحو المبنى القديم الذي توسط الحي المعروف .. والذي يمثل قلب المدينة .. بالكاد كانت واعية لأجساد المارة التي أخذت تصطدم بجسدها الجامد في إحدى ساعات الذروة حيث احتشد الناس فوق الأرصفة يتصارعون بين المتاجر الصغيرة .. كل يمضي في حاله يسعى لكسب رزق أو قضاء حاجة
بينما كان عقلها مركز تماما نحو المبنى القديم الذي علا متجر الأحذية البسيط .. ونحو الطابق الرابع بالذات
ما الذي جاء بها إلى هنا ؟ هل حقا قادت سيارتها من منزلها إلى هنا بهدف لقاء تمام ؟
منذ انفصالها عن طارق وهي عاجزة عن نزعه من عقلها وتفكيرها .. شوقها إليه يكاد يخنقها إلى حد عدم قدرتها على التماسك أكثر
كانت قد قررت إخراجه من حياتها كما فعلت مع طارق بالضبط .. ولكنها بعد مرور أسابيع .. تتساءل عما سيفعله لو عرف بانها قد تركت طارق أخيرا
هل سيفرح لخلو الطريق امامه لبناء مستقبل معها ؟ .. ام انه سيستغل الامر هذه المرة حتى النهاية منتهزا فرصة خلو حياتها من القيود ؟
أيهما تمام الحقيقي ؟ الرجل الرومانسي الرقيق الفائض بالعاطفة .. المتفهم و المستمع الجيد ؟ أم الشاب المستهتر الذي لم يحاول حتى إخفاء عبثه عنها ؟
مهما كان قرار عقلها فإن قلبها لم ينصع إليه .. لقد وجدت نفسها مرارا تذهب إلى المطعم حيث يعمل ..تارة وحيدة وتارة برفقة اصدقائها .. دون ان تراه او تعرف عنه شيئا .. وعندما كانت تسال أحد العاملين في المطعم عنه .. كان يقول ببساطة :- إنه لا يأتي إلى هنا هذه الأيام .. قد تجدينه في أحد الفروع الاخرى للمطعم ..
لم تعرف بانه يوزع عمله بين الفروع الكثيرة للمطعم و المتناثرة في انحاء البلاد .. ولكنها عوضا عن ملاحقته بين المطاعم .. وجدت نفسها تختصر الطريق .. وتقف هنا على بعد أربع أدوار عنه
جزء منها احتاج إلى رؤيته .. إلى النظر في عينيه لمرة أخيرة .. لتعرف بشكل مؤكد هذه المرة حقيقة مشاعره نحوها .. وإن كان لايزال يهتم لأمرها .. ام أنه قد نزعها من قلبه إلى الأبد
خطت إلى مدخل المبنى الباهت الإنارة .. واعتلت الدرج القديم متحاشية الأطفال المتراكضين صعودا ونزولا غير عابئين بخطورة لعبهم .. الجارات التقليديات توقفن عن تبادل الأحاديث السريعة عبر الأبواب المتقابلة .. وهن ترمقنها بفضول وريبة .. لم يكن مظهرها شبيها بمظهر ساكنات هذه المنطقة .. لقد بدت في غير مكانها بملابسها العصرية ورأسها العاري ..ولكنها لم تبالي .. تابعت الصعود وقلبها يخفق بعنف ترقبا للقاء تمام .. وقفت عند باب شقة بني اللون .. قرات على بطاقة صغيرة كتب عليه اسم ( ماجد محفوظ ) ..أهو اسم والده ..؟ ما أقل ما تعرفه عن الرجل الذي تحب .. أجفلها صوت صراخ رجل قادم من الطابق العلوي .. وبكاء طفل قريب .. فترددت للحظات قبل أن تستجمع شجاعتها وتقرع الجرس أخيرا ..
خمس عشرة ثانية مرت بالضبط قبل أن يفتح الباب ويطل تمام من خلفه .. أهذا تمام حقا ؟ الرجل الذي سكن خيالها لأشهر عديدة كان يبدو مختلفا بهيئته المشعثة .. شعره الناعم كان يتدلى بلا ترتيب فوق جبهته ..ذقنه داكنة اللون بسبب لحية لم تحلق منذ يومين على الأقل .. هالات سوداء أحاطت بعينيه البندقيتين الجميلتين .. ثم لاحظت نحول بنيته القوية الظاهرة من قميصه الأبض المجعد والمفتوح الأزرار .. وسرواله الجينز القديم الحائل اللون
والغريب أنه لم يكن يوما اكثر جاذبية لعينيها
بدت الصدمة جلية على وجهه وهو يراها واقفة أمام باب شقته .. التهمها بعينيه للحظات سريعة .. قبل أن يرمش عدة مرات ليتخلص من صدمته قائلا بغلظة :- ما الذي تفعلينه هنا ؟
قالت بشجاعة :- جئت لأراك بما انك ترفض الإجابة عن اتصالاتي .. كما انك لم تذهب إلى المطعم منذ فترة .. قدومي إلى هنا كان الحل الوحيد
شحب وجهه وهو يترك الباب .. ويلوح بإصبعه في وجهها وقد أطلت من ملامحه علامات الغضب الشديد :-
:- كيف تجرؤين .. يا إلهي بل كيف تستطيعين أن ......
بتر ما كان سيقوله عندما ألقى احد جيرانه عليه السلام وهو يمر إلى جانبهما نزولا على الدرج .. ما إن اختفى الرجل حتى أمسك تمام بمعصمها وبغتة وسحبها إلى داخل شقته مغلقا الباب خلفه .. استدار نحوها صارخا بغضب :-
:- هل جننت كي تأتي إلى هنا غير عابئة بما سيقوله سكان المبنى ؟
نظرت حولها في أرجاء الشقة البسيطة
كانت قليلة الأثاث .. إلا أنها تمتاز بالأناقة والعملية .. تناثرت بعض أغراض تمام هنا وهناك .. سترة جلدية .. كتب مبعثرة فوق طاولة القهوة .. صور عائلية مؤطرة موزعة بين الجدران بذوق ..عادت تركز انتباهها عليه قائلة بوقاحة :- ومنذ متى تهتم بما يقوله الآخرون
قال من بين أسنانه :- عليك اللعنة .. سمعتك هي ما كنت افكر به .. ما الذي سيقوله الجيران عند رؤيتهم لك تزورين شقة رجل غريب في وقت .
.....قطع كلامه وقد غلبه الانفعال .. ثم هتف بها :- تبا لك .. ما الذي جاء بك إلى هنا ؟
قالت بتوتر :- جئت لأراك .. أنت لم تترك لي خيارا آخر .. فانا أتصل بك منذ أيام أملا في أن تجيب ولو لمرة عن اتصالاتي .. كان علي ان أراك .. أن أتحدث إليك
شد على قبضتيه وكانه يمنع نفسه من ضربها بصعوبة .. ولكنها و يا للعجب .. لم تكن خائفة .. هناك جزء داخلها كان على استعداد لتحمل أي رد فعل منه مهما كان عنيفا أو متطرفا .. مقابل فقط ان تحس ببعض التواصل معه
قال بغضب شديد :- ولماذا بالله عليك قد أجيب عن اتصالاتك .. لماذا قد أرغب بسماع أي شيء عنك بعد ما فعلته بي ... أنا لا أستمتع بتعذيب نفسي يا جودي وقد أوضحت بنفسك قبل الآن رفضك التام لي
هتفت بعجز :- تمام .. أنا أعرف بأنني قد جرحتك ولكن ...
هتف باستنكار :- جرحتني .. جرحتني يا جودي .. لقد انتزعت قلبي من صدري ورميته للكلاب .. لقد لحقت بك مرة بعد مرة .. وبذلت الجهد الكبير في محاولتي اليائسة لإقناعك بحبي لك .. ولكنك أثبتت لي مرارا بأنك الفتاة السطحية والمدللة التي لم أصدق بأنك هي .. لقد ظننت حقا بأنك أحببتني ولو قليلا ولكنني كنت مخطئا
كل ذلك الوقت الذي قضيناه معا كان مجرد وقت مستقطع في حياة الأميرة الصغيرة المدللة .. ليس من حقي صب اللوم عليك لأنني أنا من كان أحمقا ومغفلا وأعمى في حبه لك
طعنتها كلماته في الصميم .. أحست بأنها تتمزق من الداخل لما سببته له من ألم بأنانيتها وترددها .. اعترافه العاصف بحبها .. وبخذلانها له جعلا الدموع تتدفق من عينيها وهي تهز رأسها قائلة :- أنت تعرف جيدا بأنني احببتك يا تمام .. أحببت كل لحظة قضيناها معا .. ومازلت أحبك رغم كل شيء
أخذ يتحرك في أنحاء الشقة الصغيرة كالنمر الحبيس وهو يقول :- وما الذي تريدينه الآن .. هه .. أن نستمر في اللقاء من خلف ظهر خطيبك المحترم .. أن أقوم بدور العاشق الولهان لأعوضك عما يحرمك منه ببروده وجفافه
نظر إليها فجأة بشراسة .. وعيناه تلمعان وهو يقول :- أهذا ما جاء بك إلى هنا .. الإحباط بسبب تجاهل زوج المستقبل لك .؟ هل تحتاجين خدماتي العاطفية لأعيد إليك ثقتك بنفسك وأشعرك بأنك محبوبة ومرغوبة ؟ إن كان هذا ما جاء بك فلا تعتمدي على نبل اخلاقي .. لأنني لست شريفا بما يكفي لأرفض عرضا مغريا كهذا .. الآنسة تريد الحب .. وستحصل عليه
لم تستوعب معنى كلماته حتى امسك بها فجأة وجذبها إليه .... ارتعشت في البداية شوقا لإحساسها بقوة ذراعيه ودفء صدره .. وعندما غمرتها رائحته الرجولية .. ولكنها صحت من غفوتها فور أن جذبت اصابعه شعرها الناعم بقسوة .. وأحنى رأسه نحوها ليقبلها بوحشية .. قاومته بعنف ويأس وهي تصرخ بذعر :- لا يا تمام .. لا تفعل هذا ارجوك
وفي خضم صراعها المستميت معه .. ومقاومتها الضارية .. تركها فجأة فاندفع جسدها إلى الوراء بقوة مما أسقطها على الأرض
نظر كل منهما إلى الآخر .. هي مذعورة منه كالفأر حين يحاصر في الزاوية .. وهو مذهول من بشاعة تصرفه .. نظرت إلى عينيه الناريتين .. وصدره الذي تسارعت انفاسه .. لا .. هذا ليس حبيبها تمام .. فهو ليس بهذه القسوة والوحشية .. حبيبها الذي تذكر كان ساحرا ورقيقا .. ورومانسيا .. هل دمرت هي بجبنها وترددها كل ما تبقى داخله من حب لها ؟
دون إنذار تفجرت الدموع في عينيها .. تبعها نشيج باكي .. اضطرب تمام .. واهتز كيانه لمرأى دموعها .. وعندما ارتفعت وتيرة بكائها .. انتفض واقترب منها قائلا باضطراب :- أنا آسف .. أنا آسف يا حبيبتي
جثا إلى جانبها .. فابتعدت عنه بخوف غريزي .. ولكنه امسكها هذه المرة بحزم لطيف وسحبها نحو صدره .. بحنان هذه المرة .. فلم تملك إلا ان تدفن وجهها بين طيات قميصه وتتشبث به باكية .. وهي تسمع صوته الأجش يقول بانفعال :-
:- سامحيني أرجوك .. يا إلهي .. لم أرغب قط بان أؤذيك .. ولا أستطيع احتمال رؤيتك تبكين
نعم .. هذا هو حبيبها القديم يعود مجددا .. ضمت نفسها إليه كالطفلة المشتاقة إلى حضن والدها .. بينما اخذ هو يمسد شعرها وظهرها برفق ليشعرها بحنانه ودفئه .. أبعدها عنه أخيرا .. ونظر إلى وجهها الناعم المغطى بالدموع .. فرات بدورها الدموع الحبيسة في عينيه وهو يهمس :- لو تعلمين كم اشتقت إليك .. لم اتوقف عن التفكير بك لحظة واحدة .. بل انا لم أنم ليلة كاملة منذ تركتني
هزت رأسها هاتفة بصوت طفولي :- لن أفعل مجددا .. أعدك
قبل وجنتيها وعينيها .. بشكل مختلف هذه المرة .. بحب وحنان وكأنها فعلا المرأة الوحيدة التي يحب ويرغب
وكانه يهتم لها فعلا ولا يستغلها كما ظنت دائما .. نظرت إلى عينيه هامسة :- تمام
كان عليها ان تستجمع كل قواها كي تتذكر ما جاءت لأجله .. كررت عندما لاحظت بانه لم يسمعها :- تمام .. انظر إلي
نظر إلى وجهها القلق قائلا :- ما الأمر يا حبيبتي ؟
ترددت لثواني قليلة قبل ان تقول :- إن فسخت خطوبتي من طارق .. فهل تتقدم لخطبتي ؟
تصلب جسده بين يديها .. وخلال لحظة كان قد انسحب بعيدا عنها .. وقف إلى جوار النافذة مديرا لها ظهره .. بينما اعتدلت هي واقفة وقلبها يخفق بقوة قلقا واضطرابا ..
أتاها صوته بعيدا وجافا وهو يقول :- لقد سبق وأخبرتك يا جودي بانني لن اكون أبدا بديلا لرجل آخر .. وقطعا لن أكون بديلا لخطيبك
أحست بالألم هذه المرة شديدا بحيث كادت تفقد القدرة على التنفس .. ما الذي توقعته ؟.. منذ عرفته وهو يتبجح بحبه لها دون أن يشير ولو لمرة إلى المستقبل .. ألم تكن محقة في إخفاء خبر فسخ خطوبتها عنه ؟ لقد كان ليأخذها بين ذراعيه ويغمرها بعاطفته وهي ما كانت لتتمكن من مقاومته .. وماذا بعد ؟ كيف كان سينتهي حبهما ؟
كان لايزال واقفا مكانه .. رافضا النظر إليها .. فبذلت جهدا عظيما لتكبت ما تشعر به من انهيار وهي تقول بجمود :- ليس هناك ما يقال بيننا أكثر يا تمام .. آسفة على إزعاجك بزيارتي .. وأعدك بأنك لن تراني مجددا
لم تعرف كيف تحركت نحو الباب .. فتحته وخرجت .. وأغلقته خلفها بهدوء شديد .. لم تبالي بما يظنه الناس وهو يرونها تغادر شقة رجل عازب والشحوب يعلو وجهها والدموع تغشي عينيها .. لم ترهم حقا وهي تنزل الدرج دون أن تتعثر أو تسقط بمعجزة
وعندما وصلت إلى سيارتها .. واحتمت داخلها من عيون الآخرين .. أجهشت بالبكاء








الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 46
قديم(ـة) 12-06-2012, 05:25 PM
صورة زهره البطاح الرمزية
زهره البطاح زهره البطاح غير متصل
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية سيدة الشتاء / الكاتبة : Blue me








الفصل السابع والثلاثون
جذب وشد

طرقت أمانيي باب مكتب هشام ودخلت بهدوء عندما دعاها صوته للدخول .. كان يملي شيئا على سكرتيرته الصغيرة والانيقة ويوجه لها بعض التعليمات .. قبل ان ينظر إليها قائلا :- اقتربي يا اماني
ابتسمت لها السكرتيرة وحيتها بتهذيب أثناء خروجها من المكتب وإغلاقها الباب وراءه تاركة إياهما في خلوة عن العالم الخارجي
لم تستطع منع نفسها من القول بتهكم :- أظنها تتوقع لقاءا عاطفيا حارا بين عروسين جديدين في منتصف النهار
لم يبتسم .. بل قال ببرود :- و أنت لا تدخرين جهدا في إقناع الآخرين بالعكس
توترت وقابلت نظراته القاسية بصلابة ..لقد مضى على زواجهما 3 أسابيع كاملة .. بالكاد كانت تراه خلال النهار .. وفي المساء كانا يجبران على تناول العشاء برفقة والدته .. فكان يظهر لها كل الاهتمام أمام أنظار والدته الثاقبة .. يطعمها بيده ويناديها بأسماء التحبب مجبرا إياها بنظراته التحذيرية على الابتسام له والتظاهر بالسعادة .. وفور صعودهما إلى شقتهما كان يستأذن بأدب ويغادر عائدا إلى مكتبه .. بينما تبقى هي وحيدة تنتظر في غرفتها حتى عودته بعد منتصف الليل .. فتستمع إلى خطواته .. والضجيج الخافت الذي يصدره بتحركاته .. فتحبس أنفاسها متسائلة إن كان سيطرق باب غرفتها مطمئنا عليها كما حدث في ليلتهما الأولى كزوجين .. فيخيب أملها بالصمت التام الذي يخلفه في الشقة بع خلوده إلى النوم
لم يلمسها مجددا منذ ثورتها صباح زفافهما .. لم يقترب منها أو حتى ينظر إليها بتلك العاطفة العميقة التي ألهبتها تلك الليلة.. في الواقع .. بالكاد ابتسم لها إلا في حضور الآخرين .. هل خمدت رغبته بها ؟ هل أحس بالندم أخيرا على اقترانه بها ؟ هل يفكر بتعجيل انفصالهما وقد اختفى صلاح تماما من حياتها ولم يعد يشكل أي خطر عليها ؟
كل ليلة كانت تسهر فوق سريرها العريض .. تتذكر تفاصيل ليلتهما الوحيدة معا .. وتتساءل بمرارة إن كانت ستنسى يوما ما أحسته بين ذراعيه .. أو أنها ستتوقف عن الشوق إليه بعد انفصالهما ؟
كرامتها وكبريائها القديمين أجبراها على إخفاء مشاعرها عنه .. ولم تدرك مدى نجاحها حتى هذه اللحظة عندما نهض من خلف مكتبه متجها نحوها بينما قالت بتوتر :- لا أفهم ما تقصده
قال ببرود :- بل تفهمين ما أقوله جيدا يا أماني ..كلما اقتربت منك أو حتى تواجدت معك في مكان واحد تتشنجين وتتوترين وكأنك خائفة من أن أقفز عليك وأغتصبك في أي لحظة
احمر وجهها وهي تقول بانزعاج :- لم أفكر بهذا
قال بصرامة :- لم تفكري بهذا ولكنك تظهرينه لكل ناظر إليك .. أتعلمين ما قالته لي والدتي ليلة الأمس ؟ لقد أعربت عن قلقها نحوك بسبب توترك وعدم ارتياحك وكأنك تخفين شيئا .. لقد ظنت بأن شجارا عنيفا قد دار بيننا وأننا نحاول إخفاءه عنها بتعاملنا المهذب أمامها
قالت بعصبية :- لا حيلة لي إن كنت ممثلة فاشلة .. لا أستطيع إظهار مشاعر لا أحس بها حقا .. سأبدو متصنعة ومبتذلة
قال بغلظة :- ستبدأين بالتدريب من الآن فصاعدا .. لقد كنت واضحا معك يا اماني .. أمي يجب ألا تعرف شيئا عن حقيقة زواجنا .. لقد انتظرت طويلا أن تراني مستقرا ومتزوجا ولن أسمح لك بأن تسببي لها القلق بأي شكل كان
قالت بتوتر :- أنا آسفة حقا .. آخر ما أريده هو إثارة قلق والدتك .. أنت تعرف بأنني أجبها وأهتم لأمرها كما لو كانت والدتي .. فقط أخبرني بما علي فعله وسأقوم به
قال بحزم :- اقتربي
أجفلت قائلة :- ماذا ؟
:- لقد طلبت منك أن تقتربي .. يجب أن تتعلمي أن تتوقفي عن التشنج كلما لمستك وكأنني مرض معدي .. لم تنفرك لمساتي ليلة زفافنا .. ولن تفعل الآن
نظرت إليه بارتباك فلاحظت وجوم ملامحه الوسيمة .. عيناه السوداوان كانتا تشعان بالعنف وكأنه قد فقد صبره ..وجسده الضخم كان واضح التوتر وكأنه قد بدا يتعب من علاقتهما وكل ما يتضمنها .. أحست بالخوف وأرادت الهرب .. ولكنها عرفت بأنه غاضب منها بما يكفي .. وأن أي تمرد منها لن يكون لصالحها .. اقتربت منه بتوتر حتى أصبحت على بعد خطوة .. فمد يديه يجذبها إليه لتلتصق بجسده القوي .. خفق قلبها وتسارعت انفاسها وهي تحس بدفئه ورائحة جسده العطرة .. مد يده ليدلك ظهرها برفق كي تسترخي قائلا :- أرأيت ؟ لم يكن الأمر صعبا
رفعت رأسها إليه فرات عيناه تظلمان بالعاطفة .. ووجهه يقسو وكانه يقاوم مشاعره .. ارتجف قلبها وهي تتأمل ملامحه الخشنة بشوق .. مدت يدها لا شعوريا لتتحسس ذقنه التي بدأت تنمو وهمست :- لا .. لم يكن صعبا
أحست بارتجاف جسده الضخم على إثر لمستها .. وعرفت عندما تعلقت عيناه بشفتيها بأنه سيقبلها .. يجب أن يقبلها قبل أن تتوسل إليه أت يفعل
ارتفعت طرقات الباب في هذه اللحظة لتنتزعهما من الحالة التي سيطرت عليهما فزمجر غاضبا :- ما الأمر ؟
ابتعدت أماني عنه وهي تحس بأطرافها ترتعش .. فتحت السكرتيرة الباب ولاحظت بارتباك التوتر السائد بين رئيسها وزوجته .. فقالت معتذرة :- آسفة للمقاطعة .. ولكن السيد نجيب ينتظر في الخارج .. لقد عاد لتوه من رحلته إلى موسكو .. ويقول بأن الأمر طارئ .. ويتعلق بالمعلومات التي طلبتها منه
لاحظت أماني بأن أي أثر للعاطفة قد اختفى من وجهه الذي شحب فجأة .. رغم حفاظه على صرامة ملامحه وهو يقول متمالكا نفسه :- دعيه يدخل
ثم نظر إلى اماني بدون تعبير قائلا :- عودي إلى عملك وسأراك مساءا
أومأت برأسها وهي تتجه نحو الباب لترى رجلا في منتصف الأربعينات يدخل إلى المكتب .. حاملا حقيبة أوراق جلدية وقد بدا التوتر على وجهه
غادرت مغلقة الباب خلفها بهدوء .. بالكاد تمكنت من الابتسام للسكرتيرة المحرجة وهي تسير عائدة نحو مكتبها .. وعقلها لا يتوقف عن التفكير بالرجل الذي تزوجته
الرجل الذي تحب




ابتسمت اماني وهي تراقب جودي ونورا شقيقة هشام وهما تتبادلان النكات أثناء إعدادهما المائدة في صالة الطعام الواسعة لمنزل حماتها
منذ فترة طويلة لم تر شقيقتها تبتسم وتضحك بهذا الشكل .. حتى أثناء زياراتها المنتظمة لها .. كانت تبدو حزينة ومكتئبة وكان هموم الدنيا كلها تجثم فوق كتفيها .. ورغم محاولات أماني الحثيثة لانتزاع الحقيقة منها .. فقد كانت مصرة على انها بخير .. وأنها متوعكة قليلا بسبب حساسيتها المزمنة اتجاه الربيع
قالت لها حماتها وهي تنظر بدورها إلى الثنائي الضاحك :- تبدو جودي بخير هذه الأيام
حماتها كغيرها من الناس تظن بان سبب ذبول جودي هو انفصالها المفاجئ عن خطيبها .. وحدها اماني تعرف بان الأمر يتجاوز بكثير انفصالها عن طارق .. وكأن هناك عنصر آخر له كامل التأثير في حالة جودي النفسية
عنصر ترفض جودي بإصرار التحدث عنه لأحد .. وكأن مجرد التفكير به يسبب لها الالم والمرارة
تمتمت أماني ترد على حماتها :- هذا صحيح
:- يبدو أن لنورا تأثيرا كبيرا عليها .. هل تظنينها ستقبل قضاء هذه الليلة هنا ؟؟
اعتادت السيدة لميس على دعوة جودي لقضاء الليل في منزلها لتنام في غرفة لبنة القديمة .. وكانت جودي تقبل بسرور .. وكأن عودتها إلى منزلها الكبير الفارغ تخيفها وتسبب لها الاكتئاب
قالت اماني :- لا أظنها كانت لتمانع لولا ارتباطها هذا المساء .. عرفت بأنها مدعوة إلى حفل خطوبة إحدى صديقاتها في الكلية
هزت السيدة لميس رأسها قائلة :- سيكون هذا مبهجا لها .. وفرصة أيضا ليراها العرسان .. جودي فتاة جميلة ومؤدبة وتستحق زواجا يليق بها
ابتسمت أماني ولم تعلق على وجهة نظر حماتها التقليدية .. ثم انهمكت في مساعدتها على وضع العشاء على المائدة في انتظار وصول هشام الذي دخل المنزل في تمام السادسة
حساسيتها الزائدة نحوه جعلتها تدرك بانه لم يكن بخير .. لقد كان تلقيه الترحيب من امه وأخته .. وتحيته المهذبة لجودي مجرد قناع يخفي خلفه عاصفة هوجاء .. نظر إليها قائلا بهدوء :- كيف حالك يا اماني .؟ عرفت بانك قد غادرت مبكرة
قالت حماتها بفخر :- لقد جاءت مبكرة لتساعدني في إعداد الطعام .. إنها موهوبة وسريعة التعلم وسرعان ما ستبدأ بالطهي لك بنفسها
قال متهكما :- أكاد اموت شوقا لذلك اليوم
لم تبالي بتهكمه .. بل اقتربت منه قائلة بعتاب :- وهل لديك شك في قدومه ؟ ما عليك إلا ان تتذوق ما صنعته يداي لتصدق موهبتي الفطرية
وضعت يدها على صدره بعفوية زوجة حنون .. وكأنها معتادة على لمسه باستمرار .. عرف بأنها تنفذ تعليماته الصباحية .. فاستغل الفرصة مقربا إياها منه و هو يقول باستفزاز :- سأفعل إن أطعمتني بيدك
رمشت بعينيها قائلة بدلال :- سيكون هذا من دواعي سروري
راقبتهما السيدة لميس بجذل .. بينما تبادلت نورا وجودي الغمزات الخبيثة .. فابتعدت عنه أماني وقد عرفت بأن ما أراده قد تحقق .. وأن الجميع يفكر الآن بمدى روعة علاقتهما ..
وجبة الطعام كانت ممتعة وقد تخللتها حكايات جودي عن محاولات أماني القديمة في الطبخ .. بينما عارضتها تلك ضاحكة محاولة إسكاتها بلا فائدة .. لاحظت أماني بأن هشام كان ينظر إلى امه بين الحين والآخر وقد ارتسمت في عينيه نظرة غامضة .. لم تستطع أماني تفسيرها
اعتذرت جودي للرحيل متعللة بحاجتها لتجهيز نفسها لحفل الخطوبة قائلة وهي تغمز لكل من نورا والسيدة لميس :- يجب أن أبدو جميلة كي أصطاد عريسا جيدا .. صح ؟
فور رحيلها صعد كل من هشام وأماني إلى شقتهما بصمت .. راقبته وهو يخلع سترته وربطة عنقه وهي تقول بهدوء :- تبدو مشغول البال
التفت نحوها قائلا بتهكم :- نحن وحدنا الآن يا أماني .. فتوقفي عن أداء دور الزوجة الحانية ... لقد أقنعت الجميع بمدى حبك لي .. حتى أنا كدت أشك وأصدق أداءك البارع
احمر وجهها غيظا وخجلا .. ولكنها رفضت السماح له بإحجامها .. فقد عرفت بغريزتها بأنه بتهكمه وهجومه إنما ينفس عن غضبه الدفين وهي مصرة على اكتشاف سببه .. قالت بنفاذ صبر :- بعكسك أنت الذي بدوت راغبا بتحطيم كل ركن في المنزل فوق رأسي .. ألن تخبرني بما أزعجك ؟ بما قاله لك ذلك الرجل الذي زار مكتبك على الأقل ؟
تصلب فكه وهو ينظر إليها ببرود .. فقالت :- من الواضح أن الأخبار التي جاءك بها تتعلق بوالدك .. الجميع يعرف بأنه عندما رحل اتجه إلى روسيا .. وملامح وجهك عندما استقبلت الرجل حكت القصة كاملة
قال بخشونة وهو يحل أزرار قميصه :- وبماذا يهمك الأمر؟ ما أنا إلا محطة عابرة في حياتك فلا تتظاهري بالقلق نحوي ونحو مشاعر عائلتي .. إن كنت أكره شيئا فهو النفاق يا أماني .. فتوقفي عما تحاولين فعله
وقفت في طريقه عندما أراد مغادرة الصالة قائلة بعناد :- لا أسمح لك بالتشكيك بمشاعري اتجاه عائلتك يا هشام .. أنت تعرف جيدا مدى حبي لهم واهتمامي بهم .. أنت رغم عدم تصديقك تمثل شيئا مهما في حياتي .. أنا لم أرك يوما على هذه الحالة .. ولن أتركك حتى تخبرني بما أزعجك
أمسك بكتفيها فظنت بأنه سيدفعها بعيدا عن طريقه .. ولكنه قال بعنف :- هل تريدين حقا أن تعرفي ؟ فليكن إذن ..لقد كنت محقة .. لقد أرسلت السيد نجيب ليجمع لي أخبارا عن ذلك الرجل .. لم أحتمل رؤية أمي تخلص له وتنتظر عودته يوما بعد يوم وتفكر باستمرار بقلق عن أخباره .. أرسلت أعرف عنه ما يطمئن قلبها عليه .. فأنا عن نفسي لا أهتم إن كان حيا أو ميتا .. ولكنني أيضا كنت فضوليا اتجاه حياة الرجل الذي دمر حباتنا ورحل بعيدا تاركا إيانا نتخبط بين نتائج أعماله .. أتعلمين ما عرفته ؟
اتسعت عيناها عندما احمرت عيناه غضبا .. وازدادت ملامحه قسوة .. تركها وتراجع عنها قائلا بمرارة :-
:- لقد بنى لنفسه حياة جديدة هناك بأموال الناس التي سرقها .. أسس عملا محترما وتزوج بامرأة أخرى وأنجب منها أطفالا .. أتصدقين هذا ؟ أنا لدي أخوة لا أعرفهم في سن الدراسة .. والمفاجأة هي أنه كان لهم طوال السنوات السابقة مثالا للأب الفاضل والحنون .. ناسيا أي شيء عن عائلته الأخرى التي نبذها ورماها وراءه
نظر إليها بإرهاق قائلا :- لقد كنت آمل أن أعرف شيئا عن تعاسته .. ندمه العميق .. حياته الفارغة هناك في الغربة نتيجة ما فعله .. ماذا سأخبر أمي الآن ؟ كيف سأخبرها بأن زوجها الذي انتظرته لسنوات قد نسي أمرها تماما وتجاهل حاجتها وحاجة أبنائها إليه .. وأنه قد تزوج بأخرى وأنجب منها .. بل ومنحها الحياة التي عجز عن تقديمها لها هي
اغرورقت عيناها بالدموع وهي تراقب تعاسته فهمست :- أنا آسفة يا هشام .. أنا حقا آسفة
قال بجفاف :- بما أنك قد أرضيت فضولك الآن .. هلا ابتعدت عن طريقي .. أرغب بأخذ حمام سريع قبل عودتي إلى العمل
وقبل أن يختفي خلف باب غرفته .. التفت نحوها قائلا بسخرية :- وبما أنك تمرين بحالة خاصة من التفهم الزوجي .. فلتقومي بعمل مفيد وتحضري لي لوح صابون جديد
أغلق الباب خلفه .. فتمنت بألم لو تجد طريقة تخفف فيها عنه آلامه .. ليتها تستطيع الإفصاح له عن مشاعرها .. عله يسمح لها باحتضانه على الأقل وبثه دعمها وتعاطفها
ذهبت إلى المطبخ شاردة الذهن لتحضر من الخزانة صابونا من النوع الذي يستعمله عادة .. والمصنوع من زيت الغار الممزوج بزيت الزيتون .. تنشقت الرائحة العطرية للصابون فتذكرت رائحة جسده التي غمرتها عندما ضمها إلى صدره صباحا داخل مكتبه .. فتساءلت إن كان شوقها إليه سيخف في يوم من الأيام
دخلت إلى غرفته .. وعبرتها متجهة متجاهلة ملابسه المرمية بلا اهتمام فوق السرير العريض .. لقد اعتادت على دخول غرفته في غيابه وتأملها كما لو أنها تتخيله فيها .. تتلمس ملابسه .. وتشتاق إليه
كبتت أحاسيسها وهي تتجه نحو باب الحمام الموارب .. اضطربت لسماعها صوت الماء الجاري .. وتخيلته واقفا تحت سيل المياه الدافئة فجف فمها .. وتوتر جسدها بأحاسيس الشوق .. صاحت بصوت مختنق :- هشام .. لقد أحضرت لك الصابون
لم تسمع ردا .. فدفعت الباب ببطء .. وارتعشت لمرأى خيال جسده الطويل خلف زجاج حجرة الاستحمام المموه .. فأشاحت ببصرها وقد تسارعت نبضات قلبها .. عادت تقول :- هشام
سمعت صوت باب حجرة الاستحمام يتحرك .. فلفحتها الأبخرة الساخنة .. وأصابها رذاذ الماء الدافئ .. فمدت يدها المرتعشة بالصابون نحوه وهي تتمنى أن تخرج بسرعة كي ينتهي عذابها
وبدلا من أن يأخذ منها اللوح .. أمسك بمعصمها .. وجذبها إلى داخل الحجرة الصغيرة فانتفضت صارخة عندما غمرتها المياه من رأسها حتى أخمص قدميها مبللة شعرها وثيابها .. صرخت مذعورة :- ما الذي تظن نف......
لم تستطع إكمال عبارة الاستهجان إذ كتمت شفتاه فمها بقبلة ضارية .. جعلت جسدها ينتفض بين ذراعيه المتملكتين .. ارتفعت يداها تلقائيا نحو كتفيه العريضتين المبتلتين لتحس بعضلاته .. وقوة جسده ...
قبلاته الوحشية والمتملكة لم تسمح لها حتى بالتفكير إذ سرت الحرارة كاللهب في كل خلية في جسدها ... وغلبها الشوق الخالص وهي تبادله قبلاته بنفس اللهفة .. تركها للحظات ناظرا إلى وجهها اللاهث ... سامحا لها هي الأخرى برؤية الرغبة الوحشية والتصميم في عينيه السوداوين .. ارتعشت هامسة :- هشام
أحس برائحة الاعتراض تكاد تفوح منها .. فزمجر هاتفا بخشونة :- تجرأي وقولي لا
بيدين قاسيتين أمسك بطرفي قميصها ومزقه بحركة واحدة .. وضمها إلى جسده بعنف دون أن يسمح لها بالتفكير بالهرب منه .. دون أن يدرك بأنها ما كانت أبدا لتقول لا








الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 47
قديم(ـة) 12-06-2012, 05:30 PM
صورة زهره البطاح الرمزية
زهره البطاح زهره البطاح غير متصل
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية سيدة الشتاء / الكاتبة : Blue me






الفصل الثامن والثلاثون
الكاذب
أقيم حفل خطوبة دنيا في أحد المطاعم الراقية المعروفة في المدينة ... نعم .. لقد كان أحد فروع ذلك المطعم الذي قابلت فيه جودي تمام أول مرة
رغم اختلاف المكان .. وجدت هي في تشابه الديكور الأنيق والمميز للمطعم تحفيزا قاسيا لذاكرتها .. حاولت جاهدة تجاهل ذكرياتها وآلامها الخاصة .. وتذكير نفسها بأن المطعم محجوز بأكمله هذه الليلة لإقامة حفل الخطوبة .. وأنها لن ترى تمام فجأة جالسا على المنصة .. يحتضن غيتاره بحزن مؤديا أروع الألحان .. لا ..لن تراه الليلة وإلا ما جرؤت على حضور حفل خطوبة إحدى أقرب صديقاتها
ركزت انتباهها على نجمة الحفلة التي رأتها فور دخولها فتركت خطيبها الوسيم وأسرعت نحوها وهي تجر ورائها فستانها البنفسجي الطويل لترحب بها قائلة بحرارة :- أهلا بك يا جودي .. لقد خشيت أن تتخلفي عن الحضور . تبدين رائعة الجمال هذه الليلة
لم يفت جودي وميض الشفقة الظاهر في عيني دنيا .. لقد شاع خبر خطوبتها المفسوخة في كل مكان .. والجميع ينظر إليها بعين الشفقة وكأن طارق هو من أنهى الخطوبة لا هي
الحقيقة أنها كانت تبدو جميلة بالفعل .. بفستانها الأبيض المطرز بنعومة .. والذي لائم جسدها الرشيق وكأنه قد فصل خصيصا له .. وشعرها الكستنائي المرفوع فوق رأسها بتسريحة بسيطة إنما أنيقة .. أظهرت تقاسيم وجهها الجميلة
دنيا أيضا بدت مدهشة وقد سبغ الحب والسعادة عليها جمالا إضافيا .. قالت جودي باسمة :- ما كنت لأفوت على نفسي مناسبة كهذه .. أنت أيضا تبدين رائعة
أمسكت دينا بيدها قائلة :- تعالي لأعرفك بوالدي وبرامز .. وأحذرك بأنني أنتظر سماع رأيك الصريح بكل شيء في الحفلة
قالت جودي بخبث وهي تسير خلفها :- تريدين رأيي بالحفلة أم في زوج المستقبل ؟
ضحكت دنيا دون أن تعلق .. وسرعان ما وجدت جودي نفسها تندمج مع باقي المدعوين .. وتستمتع بوقتها برفقة مجموعة من زملاءها في الكلية .. من ضمنهم كانت ريما موجودة برفقة بشار .. وقد بديا في غاية السعادة معا .. وكأن تبرؤ والدها وامتعاض المجتمع من هروبهما وزواجهما لا يؤثر بحياتهما الزوجية الجديدة على الإطلاق
لم تنقطع الاتصالات بين جودي وريما بعد زواجها .. ولكن حديثها الدائم عن مدى سعادتها مع بشار كان يسبب الغيرة القاسية لجودي .. ورغم محاولات ريما الدائمة لمراعاة شعورها بعد تركها لطارق .. كانت تنزلق أحيانا بالكلام فتندفع في حديث متحمس عن حياتها الجديدة الرائعة ..لدقائق طويلة نسيت جودي كل همومها .. وتركت نفسها تنقاد خلف عبث أصدقائها البريء وتضحك من قلبها على نكاتهم المرحة .. حتى عادت دنيا لتجذبها من مرفقها وتسحبها من مجموعتها قائلة :- لا تضيعي الوقت مع هؤلاء البلهاء .. تعالي أعرفك بعزاب عائلتي .. أعدك بأنك لن تخرجي من هذه الحفلة إلا وقد نسيت أمر طارق تماما .. مع ثقتي بأن كل من سيراك سيقع فورا في هواك .. هه .. ابن عمي أحمد يقف هناك مع بعض أفراد العائلة .. تعالي وتعرفي إليه .. إنه طبيب أسنان ناجح .. ووسامته غير عادية
قاومتها جودي قائلة بانزعاج :- دنيا .. أنا لست مهتمة باصطياد عريس .. فتوقفي عن معاملتي كعانس ترغب بالزواج قبل أن يفوتها القطار
تجاهلت دنيا اعتراضها ودفعتها دون إنذار نجو المجموعة التي وقفت في منتصف الصالة
سمعت دنيا تقول ببشاشة :- مساء الخير .. هل تقضون وقتا ممتعا يا جماعة ؟.. آه .. أحمد .. أقدم لك صديقتي جودي .. لقد كانت تسألني لتوها عن طبيب أسنان جيد تستطيع أن ...
تابعت دنيا محاولتها المكشوفة للتوفيق بين جودي و الطبيب المرتبك .. بينما أشاحت جودي بوجهها المتورد بعيدا لتصطدم عيناها بعينين بنيتين بلون الشوكولا .. تعرفهما جيدا .. بل هما لم تفارقا أفكارها منذ فترة طويلة
كانتا تنظران نحوها بقسوة على بعد خطوات منها ضمن نفس المجموعة التي دفعتها دنيا إليها .. ارتجفت وتخبطت أحشاءها وهي تحاول التراجع تلقائيا .. ما الذي يفعله تمام هنا ؟
كان يبدو مختلفا بحلة سوداء في غاية الأناقة .. لاءمت جسده الطويل والنحيل .. شعره الأسود كان مصففا بعناية على غير العادة .. ووجهه الحليق كان شاحبا ونحيلا كآخر مرة رأته فيها
جاذبيته اكتسحتها على الفور .. وجعلت ركبتيها ترتعشان حتى أحست وكأنها ستسقط .. ذكرى لقائهما الأخير جعلها تتمنى أن تختفي من أمامه بمعجزة
هو أيضا كان مصدوما لرؤيتها .. ينظر إليها وكأنه يراها للمرة الأولى بمظهرها الرسمي الجميل .. وفي عينيه الجميلتين شيء من السخرية و البغض
لم يدرك أحدهما بأن جميع الموجودين حولهما قد لاحظوا ردة فعل كل منهما اتجاه الآخر .. نقلت دنيا بصرها بين جودي وتمام .. ثم قالت باهتمام :- جودي .. هل سبق وقابلت ابن خالتي تمام ؟
أجاب تمام ببرود :- أنا وجودي نعرف بعضنا جيدا
احمر وجه جودي بغضب من بروده .. ومن المعنى الذي تضمنه كلامه ..أما دنيا فقد عادت تنظر إليها حائرة وهي تقول :- حقا .. هذا غريب .. وكيف تعرفتما إلى بعضكما ؟
أحست جودي بالدماء تكاد تنفجر من وجهها .. وتمنت لو تتمكن من الركض هاربة من هذا الموقف .. لولا خوفها من ثرثرة الناس التي ستلتهم القصة التهاما وتنسج حولها الفضائح
لقد ظنت نفسها حقا في وسط الطريق نحو نسيانه .. لقد عادت تأكل أخيرا وتضحك .. بل وتنام في الليل دون أن تغزو عيناه أحلامها
ظهرت بوادر الفهم على وجه دنيا وهي تقول بفرح :- آه .. لابد أنكما التقيتما في أحد مطاعم تمام .. أذكر أن طارق كان يحب تناول طعامه هناك
رمشت عينا جودي وهي تحاول استيعاب كلمات دنيا .. متجاهلة جمود نظراته ورددت بارتباك :- مطاعمه ؟
نظرت دنيا بعتاب نحو ابن خالتها قائلة :- هل مارست مع جودي إحدى ألاعيبك القديمة يا تمام ؟ هل تظاهرت مجددا بأنك موظف بسيط .. أو نادل معدم في أحد مطاعمك الخاصة ؟
التفتت نحو جودي موضحة غير مدركة للصدمة التي اكتسحتها :- تمام يا عزيزتي يمتلك سلسلة المطاعم هذه .. ومن ضمنها هذا المكان الذي يقف فيه .. لقد أسس نفسه من الصفر وبنى أول مطاعمه حين عاد من الولايات المتحدة قبل سنوات متبعا خطوات أبيه الذي حقق نجاحا باهرا هناك بمطاعمه المعروفة والمتخصصة بالطعام الشرقي .. شيئا فشئا ومع نجاحه الباهر توسعت اعماله لتشمل عدة فروع في البلاد بالإضافة إلى استثماراته في مجالات اخرى متعددة .. إنه متواضع إلى حد رفضه إظهار نجاحه كما يفعل الآخرون ... فهو يكره أن يتزلف الناس إليه بسبب ما يملك .. ويفضل ان يتعرفوا إلى الإنسان داخله أولا
نظرات الجميع تركزت عليها بينما بدت هي تائهة كالطفل الضائع .. تنظر إلى دنيا تارة .. وإلى تمام تارة أخرى وكأنها قد أصيبت بالخرس
تمام ليس ذلك الشاب المعدم الذي ظنته في البداية .. لقد كذب عليها وسخر منها وعذبها لأشهر طويلة كي يسلي نفسه فقط .. يا إلهي كم كانت غبية ..
كان عليها التماسك .. وإخفاء صدمتها حتى لا تجعل من نفسها أضحوكة امام أقرباءه .. ولكنه لم يرحمها إذ سمعته يقول ببرود :- ماذا عن خطيبك المحترم ؟ لماذا ليس موجودا معك في مناسبة كهذه ؟ أم أنه ينتظر زواجكما حتى يرافقك في المناسبات الرسمية خوفا على سمعته
امتقع وجه جودي .. فالتفتت دنيا نحو تمام وقد أغضبته كلماته الجارحة .. قالت بحدة :- تمام .. لماذا تحدث جودي بهذه الطريقة ؟.. لقد فسخت خطوبتها منذ أسابيع وسأكون ممتنة لو احترمت مشاعرها
همست جودي وقد فقدت قدرتها على الاحتمال :- بالإذن
اندفعت تشق الزحام نحو المخرج غير عابئة بنظرات الآخرين لها .. سمعت صوت تمام يناديها :- جودي
أسرعت في سيرا حتى كادت تجري .. نزلت الدرج المؤدي إلى الشارع .. فلم تشعر حتى بقطرات المطر الكبيرة التي تساقطت فوق رأسها وبللت فستانها .. ما إن وصلت إلى الموقف الخاص بالمطعم .. حتى أمسك تمام بذراعها وأوقفها مديرا إياها نحوه فقاومته بشراسة ونظرات البغض تطل من عينيها قائلة :-
:- اتركني أذهب أيها المنافق المخادع .. لقد تسليت كثيرا على حسابي .. وآن لتسليك أن تنتهي
حاول إيقاف مقاومتها صائحا بحدة :- اهدئي قليلا
ركلته بكل قوتها على قصبة ساقه فتركها متأوها .. اندفعت راكضة نحو سيارتها .. وجاهدت لتتمكن من التقاط المفتاح من حقيبة يدها الصغيرة .. ما إن فتحت الباب حتى أغلقته يد تمام بقوة .. ثم أجبرها على النظر إليه ..أمسك بذراعيها وأسندها إلى السيارة قائلا بحدة :- هل ستسمعينني الآن ؟
قالت بشراسة :- لا أريد أن أسمع منك شيئا .. أي شيء .. لا أريد أن أراك مجددا على الإطلاق
حاولت ركله مجددا ولكنه منعها بتكبيله التام لحركتها وهو يقول بغضب :- لن تتحركي من هنا حتى تجيبين عن سؤالي يا جودي .. متى فسخت خطبتك بالضبط ؟
هتفت بثورة :- هذا ليس من شأنك
تجاهل ثورتها وهو يكرر سؤاله بتوتر :- عندما جئت إلى شقتي ذلك المساء .. هل كان هذا قبل أم بعد فسخك لخطوبتك .. أجيبي يا جودي
هزت رأسها مانعة محاولة منع دموعها من الانهمار :- لم يعد هذا مهما بعد الآن
هزها بقوة قائلا بغضب :- أجيبيني عليك اللعنة .. هل كنت مخطوبة عندما طرقت بابي ذلك المساء
صرخت به وقد فقدت اعصابها :- لا .. لم أكن مخطوبة .. هل ارتحت الآن .. كنت قد فسخت خطوبتي منذ فترة طويلة عندما جئت إلى شقتك كالبلهاء وأهنت نفسي مجددا كما كنت أفعل منذ عرفتك .. أيها الكاذب المخادع
قال بتوتر :- لماذا لم تخبريني بذلك إذن ؟ لماذا تركتني أسيء إليك بالقول والفعل ؟ لماذا لم تخبريني بسبب زيارتك لي ؟
قالت بمرارة :- ما الذي توقعته مني يا تمام ؟ لقد طرحت عليك سؤالا واضحا وقد أجبتني عنه بكل صراحة .. كنت تنتظر أن آتي إليك معلنة فسخي للخطوبة مع اعتراف بحب لا يموت وأرمي نفسي بين ذراعيك بدون ضمانات ..هل كنت تتوقع مني أن أركض وأمنح نفسي لرجل لم يتحدث ولو لمرة عن رغبنه بالزواج بي ؟ .. لرجل كذب علي وأوهمني بأنه بالكاد قادر على إعالة نفسه في حين أنه قادر على إعالة عائلات بأكملها
قال بتوتر :- ما الذي كنت تريدين مني فعله يا جودي ؟ عندما عرفتك كنت مخطوبة إلى رجل ثري وذي مركز مرموق .. إن عرفتك بنفسي على أنني تمام محفوظ صاحب سلسلة المطاعم الشهيرة .. والذي لا يقل عن خطيبك ثراءا .. لما وجدت بي أكثر من بديل له .. كنت ستتخلين عن رجل ثري لأجل رجل ثري آخر قادر على منحك نفس الحياة المخملية التي تنشدينها .. وأنا أردتك أن تري بي أكثر من محفظة وضمانة لحياة مريحة .. أردتك أن تحبيني أنا .. تمام الشاب الذي يحب المتع البسيطة في الحياة .. أن تحبي الشخص الذي أكونه قبل أن تعجبي بما أمتلكه .. وأنت لم تتمكني من اتخاذ قرار نهائي حتى بعد أن أحببتني واكتشفت عقم مشاعرك اتجاه خطيبك .. للقد فضلت حياة باردة خالية من المشاعر مع رجل لا تحبينه لأجل المادة فقط
هتفت من بين أسنانها بغل :- عليك اللعنة يا تمام .. أنا لم أفتقر يوما إلى المال ... بل أنا أكثر ثراءا منكما معا .. ما كنت أطلبه بالإضافة إلى الحب هو الاحساس بالأمان .. وهو ما كان طارق قادرا على منحي إياه .. أما أنت .. فمنذ عرفتك .. لم تتحدث إطلاقا عن الزواج أو المستقبل .. كنت لأرمي طارق وراء ظهري خلال لحظة وأركض نحوك بلا أي تردد لو أنك منحتني ولو لمحة عن جديتك نحوي .. أما عن إخفاءك لثراءك ومركزك عني .. فقد كنت محقا .. أنا ماكنت لأحبك بنفس الطريقة لو أنك أظهرت لي ما لديك من مال في لقاءنا الأول .. ما جذبني إليك هو الطريقة التي سحبتني فيها من العالم المزيف والفارغ الذي كنت أعيش فيه .. العالم البارد القائم على المظاهر الخادعة والقيم البالية ..علمتني كيف يمكن للإنسان أن يكون سعيدا فقط بكونه الشخص الذي هو عليه .. وليس ما يريده المجتمع .. سمعتني وفهمتني .. ومنحتني ما لم أجده لدى أقرب الناس إلي .. ولكنك لم تستطع منحي الشيء الوحيد الذي احتجته أكثر من أي شيء آخر .. وهو الأمان و الثقة .. بعكس طارق الذي تزدريه فقد كان رجلا صادقا جديرا بالثقة كما لن تكون أبدا
اشتعلت عيناه غضبا بينما ازدادت الامطار غزارة فور رأسيهما .. هتف بها غاضبا :- لماذا فسخت خطوبتك إذن مادام يمثل كل ما تحلمين به في الرجل
ابعدت خصلات شعرها المبتلة عن وجهها وهي تقول بمرارة :- لأنني أحببتك أنت يا تمام .. لا أستطيع الزواج منه وقلبي معلق بغيره .. حتى لو لم أحصل عليك .. فعلاقتي بطارق ما كانت لتستمر
أمسك بكتفيها ونظر إلى عينيها قائلا :- مازلت قادرة على الحصول علي يا جودي .. أنا ما زلت متاحا لك ولن أكون لغيرك أبدا
مطت شفتيها قائلة بازدراء وهي تقول :- للأسف .. أنا لم أعد أريدك يا تمام.. فلتهدي نفسك لأي مغفلة أخرى ترضى باستغفالك لها وسخريتك منها
هزها بقوة قائلا بإصرار :- ما تقولينه غير صحيح .. لقد قلت بنفسك بأنك قد أحببتني .. لا يمكن أن تتحول مشاعرك بهذه السهولة
هتفت بانهيار :- لا .. أنا لم أحببك أنت .. أنا أحببت تمام الآخر .. الشاب الجريء والفقير والبسيط.. الصادق الحنون .. أحببت الرجل الذي علمني ما هو الحب الحقيقي .. أما أنت فأنا لا أعرفك .. أنت رجل ثري عابث يلهو في فترات فراغه بالسخرية من النساء ولعب دور المستخدم المعدم فقط لتثبت لنفسك قدرتك على جذب الجنس الآخر بدون مالك وجاهك
صرخ بها وقد نفذ صبره :- أنا لم أكن أتسلى بك يا جودي .. لقد أحببتك منذ رأيتك أول مرة .. لقد عرفت لحظتها بأنك الانسانة التي أرغب بقضاء ما تبقى من حياتي معها
قالت بحدة :- ليس هذا ما قلته لي في شقتك يا تمام .. لقد أوضحت لي بكل صراحة بأنك لم ترغب أبدا بالزواج بي
هز رأسه محاولا إيقاف سيل كلماتها وهو يقول :- لا يا جودي .. لا .. أنا لم أقل هذا .. لقد أخبرتك بصراحة بأنني لن أكون بديلا لطارق .. أردتك أن تتركي طارق بنفسك بعد أن تدركي بأنك لا تحبينه .. أردتك أن تأتي إلي لأنك تحبينني أنا .. وليس لأنك تبحثين عن زوج بدلا عن آخر .. لهذا فقط أخفيت عنك حقيقتي .. لأنني أحبك .. أقسم على أنني أحبك .. وأنني أرغب في الزواج بك في أقرب فرصة
تلونت كلماته الأخيرة باليأس وهو يصرخ بها أمام دموع جودي التي تفجرت في عينيها بغزارة كي تندمج مع قطرات المطر الباردة وتكسو وجهها الطفولي المنهار
نتيجة يأس الأسابيع السابقة .. الحزن والألم والحيرة .. والشوق والسهر لليال متواصلة .. تفجرت الآن في لحظة واحدة .. لم تستطع الاستماع إليه أكثر .. لم ترغب حتى أن تشعر بقربه يعذبها .. أرادت أن تختبئ في جحر مظلم بعيد عن الأنظار تبكي مرارتها
كيف ستثق به بعد الآن ؟.. كيف ستصدق حبه ووعوده ؟ .. هتفت باكية :- لقد فات الأوان الآن .. فات الأوان
دفعته عنها في حركة مفاجئة .. جعلته يندفع إلى الخلف متعثرا حتى كاد يسقط على الأرض المبتلة ... فاستغلت الفرصة لتفتح سيارتها وتدخلها .. ثم تدير المحرك وتندفع بها كالمجنونة
صرخ من خلفها :- جودي انتظري
قادت دون أن ترى بين الطرقات المظلمة وهي تبكي بانهيار ..أحكمت وضع حزام الأمان تلقائيا بيدها المرتجفة .. مشاعرها الثائرة كانت مزيج من المرارة والحزن والغضب .. ما الذي ظنه تبا له ؟.. أنها ستجثو على ركبتيها شكرا له على عرضه الكريم ؟ على تنازله وقراره الزواج منها أخيرا ؟
لقد سخر منها وعذبها وأوهما بفقره كي لا تراه عريسا ملائما .. هل يظنها بهذه السطحية والتفاهة ؟ هل يظن التافه بأنها افتقرت إلى صفوف العرسان لتبحث عن واحد ؟ .. وهاهو بعد انكشاف الحقيقة يخبرها بكل وقاحة بأنه لطالما رغب بالزواج بها
لا والله لن تتزوج به لو كان آخر رجل على وجه الأرض ..
نفير عالي ومزعج صدر من سيارة رياضية حمراء اللون كانت تسير في أعقابها .. وعندما تحركت جانبا لتسمح لها بالعبور ... لمحت وجه السائق .. لقد كان تمام
وأين ذهبت الشاحنة القديمة المتسخة ؟ أم أنه ترك مستلزمات الخداع في البيت ظنا منه بأنه لن يحتاج إليها ؟
عاد يطلق النفير تلو الآخر وهو يشير لها بالتوقف جانبا .. فما كان منها إلا أن زادت السرعة يدفعها الغضب بدون أي تفكير في العواقب .. لقد أرادت فقط أن تبتعد عنه .. أن تفصل بينهما أكبر مسافة ممكنة نظرت إلى المرآة لتجده قد خفف سرعته وكأنه قد فقد الرغبة في مطاردتها .. وعندما عادت تنظر إلى الطريق شهقت لمرأى رجل يحاول قطع الشارع حاسبا أنها تراه .. أدارت عجلة القيادة بسرعة محاولة تفاديه .. فانزلقت إطارات السيارة مع الحركة المفاجئة فوق الإسفلت الرطب .. وفقدت سيطرتها فجأة على السيارة التي اندفعت بسرعة مخيفة نحو عمود الإنارة الضخم .. واصطدمت به بعنف .. وكان هذا آخر ما رأته جودي قبل أن يلفها الظلام بشكل كامل


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 48
قديم(ـة) 12-06-2012, 05:37 PM
صورة زهره البطاح الرمزية
زهره البطاح زهره البطاح غير متصل
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية سيدة الشتاء / الكاتبة : Blue me




الفصل التاسع والثلاثون
بين الحياة والموت

نظر هشام إلى وجه أماني المتورد قائلا :- اعتذر عن خشونتي معك .. وإن كنت قد سببت لك أي ألم
وضعت أناملها على شفتيه وهي تهمس :- لا تعتذر .. أنت لم تؤذني على الإطلاق
فوق السرير العريض .. وبين طيات الأغطية الحريرية .. احتضن هشام جسد أماني النحيل وكأنه يرغب بحمايته من أي نسمة عابرة .. لم تشعر أماني يوما بالأمان كما تشعر الآن .. تمنت لو يتوقف الزمن .. وتبقى سجينة ذراعيه إلى الأبد
تأمل ملامحها الفاتنة .. شعرها الرطب الذي تناثر فوق الوسادة .. عينيها الجميلتين .. فمها الذي بدت عليه بوضوح آثار قبلاته .. علت وجهه علامات الندم وهو يقول :- لقد سبق ووعدتك بأنني لن أفرض نفسي عليك .. وها قد فعلتها للمرة الثانية .. أي رجل يحترم كلمته أنا
أسرعت تقول :- أنت لم تفرض نفسك علي الأن يا هشام .. وقطعا لم تفعل ليلة زفافنا ..
هز رأسه وهو يداعب وجنتها الناعمة :- بل فعلت .. لقد استغليت حالة الضعف التي اعترتك على إثر كابوس مزعج .. أترين أي نذل أنا ؟ .. لقد كنت متلهفا لاحتضانك بين ذراعي إلى حد تجاهلي لكل وعودي .. في الصباح .. عندما قفزت من السرير مذعورة فقدت أعصابي .. وآذيتك بكلمات لم يكن علي قولها .. بل كان علي مراعاة تصارع مشاعرك .. حرجك وخجلك .. أنا آسف
كلماته الرقيقة .. جعلت الدموع تترقرق في عينيها وهي تتأمل وجهه الأسمر الحبيب .. وتتتبع بعينيها خطوط عضلات جسده القوية .. تذكرت هجومه الضاري تحت سيل المياه الدافئة .. تجاوبها المحموم واللا متحفظ معه .. الطريقة التي حملها فيها إلى سريره
أسبلت عينيها عندما غمرتها الذكريات حتى لا يكتشف شوقها المتجدد له .. ثم فكرت .. ماذا لو اكتشفه ؟ .. ماذا لو صرحت له بحبها ؟ .. لو لمحت له به على الأقل ؟
أو ربما اكتفت بأن تمسح عنه إحساسه بالندم والعار من الذنب الذي يظن نفسه قد ارتكبه ..
نظرت إليه فالتقت عيناهما .. أذهلته المشاعر العاصفة التي ارتسمت في عينيها .. تسارعت أنفاسه وتوتر جسده .. عندما قالت بصوتها الناعم :- أنا من عليه أن يعتذر على ما حصل ذلك الصباح يا هشام .. لقد كنت مذهولة ومصدومة من الطريقة التي سلمت فيها نفسي إليك .. لم أتخيل يوما أن أكون ضعيفة وسهلة إلى هذا الحد .. خفت أن تنظر إلي بازدراء لعدم قدرتي على الاعتراض بكلمة .. ولكن الحقيقة هي أنك عندما لمستني .. لم أستطع أن أفكر على الإطلاق
ترقرقت الدموع في عينيها وهي تكمل بصوتها الأجش :- أنت أهم إنسان في حياتي في هذا الوقت يا هشام .. أنت الإنسان الوحيد الذي فهمني واهتم بي وحماني .. أنت الشخص الذي ساعدني على انتزاع الخوف من قلبي .. علمتني بأن الإحساس بكوني امرأة ضعيفة ليس سيئا دائما .. بل هو أمر رائع عندما تكون المرأة محبوبة ومحمية .. وفي حياتها صخرة تقف في وجه الرياح العاتية فتقيها منها ..
الأسابيع التي قضيناها متباعدين وانت بالكاد تكلمني كانت عذابا لا يطاق .. لم أحتمل جفاءك وبعادك وكأنك تكرهني .. افتقدت هشام .. الصديق والحامي الذي عرفته دوما .. أما ما حدث بيننا قبل قليل ....
ارتجفت وهي تحاول منع دموعها من الانهمار بغزارة وهمست :- لقد كنت في انتظار تلك اللحظة فقط كي أشعر بك قريبا مني مرة أخرى .. أنت صخرتي يا هشام .. و بدونك سأتوه لا محالة
ارتجفت شفتا هشام وهو يراقب انفجار أماني العاطفي وغير المتوقع .. سحبها إليه أكثر ليحكم احتضانها فوق صدره وهو يقول بخشونة :- هل تدركين ما تقولينه يا أماني ؟
هزت رأسها قائلة :- أعرف بأن حياتنا معا لن تكون طويلة .. وأننا سنفترق خلال أشهر قليلة حسب اتفاقنا .. ألا يمكننا خلال الفترة القادمة على الأقل أن نعيش معا كزوجين سعيدين .. يمنح كل منا للآخر بلا قيود حتى نفترق في النهاية كصديقين ..؟ أرغب حقا أن أحمل ذكرى لطيفة لنا معا عند رحيلي .. نستطيع فعل هذا يا هشام .. أستطيع كبح لساني في لحظات الغضب .. وأنت قد تخفف من تسلطك قليلا فينجح الأمر
محاولتها الأخيرة للمزاح كانت فاشلة إذ عجزت شفتاها المرتعشتان عن الابتسام .. وهشام أيضا لم يبتسم .. إذ ارتسم على وجهه تصميم قوي وشيء من القسوة .. وهو يقول بحزم لطيف :- استمعي إلي جيدا يا أماني .. نحن لن .....
بتر عبارته عندما دوى رنين الهاتف المجاور للسرير .. نظر الاثنان إلى الجهاز الرابض فوق المنضدة .. ثم عادت هي تنظر إليه قائلة :- هل سترد ؟
توتر وهو ينظر إليها قائلا :- قد يكون طارئا ما .. قد تكون جودي
جودي !!... راقبته وهو يمد يده ليلتقط سماعة الهاتف .. أذهلتها مدى سيطرته عليها بحيث كان هو من فكر بجودي أولا
سمعته يقول :- نعم .. أنا هشام عطار .. ماذا ؟ كيف حدث هذا ومتى ؟
اعتدل جالسا وقد ظهرت عليه الجدية .. حسنا ..لقد طارت الرومانسية بعيدا .. وأخذ العمل هشام منها ..جلست وهي تلف الملاءة حول جسدها وأسندت ظهرها إلى ظهر السرير وهي تبتسم .. لقد تحولت إلى زوجة تقليدية متذمرة من انشغال زوجها بالعمل ... أي تغيرات أخرى ستجد في نفسها
راقبت وجه هشام الواجم وعينيه القلقتين وهو يستمع إلى محدثه .. فأحست بأن المشكلة ليست سهلة على الإطلاق .. سمعته يقول :- سنكون هناك على الفور
أنهى المكالمة ونهض مغادرا السرير .. فقالت بقلق :- هشام .. ما الأمر ؟
التفت إليها فانقبض قلبها لمرأى النظرة التي ألقاها عليها .. ولسماع نبرة صوته وهو يقول بهدوء :- من الأفضل أن ترتدي ملابسك يا أماني .. يجب أن نغادر حالا
لم تكن بحاجة لمزيد من التوضيح لتعرف بما حصل .. لقد أصاب مكروه الفرد الوحيد المتبقي من عائلتها .. إنها جودي


نظر هشام إلى وجه أماني الشاحب وهي جالسة فوق أحد مقاعد غرفة الانتظار في المستشفى .. أمام باب جناح العمليات المغلق .. لم يدهشه صمتها وجفاف مآقيها .. فهو يعرفها الآن أكثر من أي شخص آخر .. إنها أماني .. حبيبته ذات العاطفة السخية .. والقوة الداخلية الجبارة حتى في أحلك الأوقات
ما كانت لتفقد تماسكها في حالة كهذه .. حيث تحتاج شقيقتها إلى صمودها وقوتها .. بل إنها أوصدت الباب في وجهه رافضة أن يمدها بالمواساة .. ولكنه اتخذ قراره منذ فترة .. لن يسمح لها بحجب نفسها عنه بعد الآن .. وهي في حاجة إليه في هذه اللحظة مهما حاولت الانكار
كان يقف مستندا إلى الجدار عاقدا ساعديه أمام صدره على بعد أمتار منها .. يراقبها بينما يعصف قلبه قلقا على شقيقة زوجته الصغرى
جودي الطفلة الجميلة المرحة .. التي تخفي داخلها حزنا يضاهي حزن شقيقتها .. كان تخيلها على منضدة الجراحة بين أيدي الأطباء أشبه بالصدمة له .. وتنبأ بأن أماني تفكر بالتأكيد بنفس الطريقة
قال بهدوء :- ستكون بخير يا أماني
قالت وهي تركز نظرها نحو يديها المعقودتين فوق حجرها :- أعرف
اقترب منها .. وجثى أمامها ممسكا بيديها الباردتين .. وأجبرها على النظر إليه قائلا بحزم :- لا تجلسي هكذا يا أماني .. من حقك إظهار قلقك وخوفك .. اصرخي أو ابكي أو حطمي أي شيء فلن يلومك أحد إن أظهرت ضعفك هذه المرة
نظرت إليه مصدومة من هجومه المباشر .. فقالت باضطراب :- أنا فقط لا أستطيع أن أصدق ما حدث .. أعني أن جودي سائقة ماهرة وحذرة بطبعها .. ما الذي أفقدها السيطرة على السيارة بهذا الشكل ؟ لقد سمعت ما قالوه .. لقد كانت تقود بسرعة جنونية
اغرورقت عيناها بالدموع وهي تقول بمرارة :- لقد كنت أعرف بأنها تعاني من مشكلة ما .. ابتسامتها الزائفة ومرحها المصطنع لم يخدعاني .. ولكنها رفضت تماما اطلاعي على مشكلتها وأنا لم أصر .. لقد كانت لدي فكرة مسبقة عن الموضوع وأردتها هي أن تأتي إلي بإرادتها وتفصح لي عن مخاوفها عندما تجد الوقت المناسب لذلك ..كما كانت تفعل فيما مضى .... لو أنني ألحيت عليها وأجبرتها على مصارحتي لتمكنت من مساعدتها بطريقة ما .. لما كانت الآن .....
أسرع يضع يده فوق فمها ليوقف كلماتها الهستيرية وهو يقول بحزم :- ما حدث ليس خطأك يا أماني .. فلا تلومي نفسك .. وجودي ستكون بخير .. أعدك
نظرت إلى عينيه المتفهمتين .. وتمنت لو تسمح له بضمها إليه لتشعر بدعمه وحنانه .. سالت دمعة حارة من عينيها وهي تقول بصوت متهدج :- هشام .. أنا حقا ....
توقفت عما كانت ستقوله عندما قاطعتها ضجة قادمة من آخر الرواق .. حيث رأت شابا طويلا يصرخ بغضب في الممرضة الصغيرة الحجم ذات الملابس الناصعة البياض ..بينما هي تحاول تهدئته بصبر دون فائدة ..
وقفت أماني فجأة مما فاجأ هشام الذي قال بقلق :- أماني .. ما الأمر ؟
سارت ببطء نحو الرجل والممرضة .. لتتضح الكلمات أكثر لمسامعها .. كان يصيح ثائرا :- ما الذي تقصدينه بأنك لا تمتلكين أي معلومات ؟ يجب أن تخبريني بحالها والآن على الفور .. إنها في الداخل منذ فترة طويلة وأنا أقف هنا منذ ساعات كالأحمق أكاد أموت جهلا بمصيرها
قالت الممرضة بتوتر :- إهدأ قليلا أيها السيد .. سيخرج الطبيب في النهاية وسنعرف جميعا التطورات منه
لوح بيديه وقد فقد أعصابه :- لن أنتظر أكثر .. ادخلي إلى هناك حالا .. أو اتصلي بغرفة العمليات أو افعلي أي شيء .. لا تقفي هكذا وكأنك دمية غبية تأخذ أجرا على عدم قيامها بأي شيء على الإطلاق
كلماته الأخيرة جعلت صبر الممرضة ينفذ .. والقسوة ترتسم على وجهها وهي تقول بحدة :- حتى إن كنت قادرة على فعل ما تقوله .. فمعلومات كهذه تكون متاحة فقط لأفراد العائلة .. وأنت لست واحدا منهم على حد علمي
استدارت تاركة إياه فما كان منه إلا أن لكم الجدار بقبضته بقوة أدمتها وهو يشتم بالإنجليزية دون ان يوجه الكلام إلى أحد
راقبته أماني بصمت وهو ينهار على أحد المقاعد البلاستيكية الزرقاء .. ويخفي رأسه بين يديه .. قيمته أماني خلال لحظات مواجهته للممرضة .. لقد كان شابا وسيما .. بالغ الجاذبية رغم اضطراب مظهره .. حلته الرسمية الأنيقة بدت غير مهندمة .. شعره الداكن تشعث بفوضوية فوق رأسه
لم تكن قد رأته من قبل .. ولكن قلبها عرفه .. وكأنها قابلته منذ فترة طويلة .. سمعت صوت هشام يقول من خلفها :- أماني
دون أن ترد عليه .. سارت ببطء نحو الشاب المنهار .. ووقفت أمامه بينما رفع هو رأسه نحوها ونظر إليها بعينيه الحمراوين
التقت نظراتهما فرمشت عيناه .. وكأنه قد عرفها بدوره .. وقف ببطء أمامها بقامته الطويلة .. فكانت هي من قطع الصمت وهي تقول بهدوء :- أنت تمام
اهتزت نظراته وهو يهمس :- أماني
أومأت برأسها .. فقال باضطراب :- هل حدثتك عني ؟
:- لا .. ولكن عيناها أخبرتني الكثير عنك .. كما تفعل عيناك الآن .. أنت تحبها .. صح ؟
اغرورقت عيناه الجميلتان بالدموع وهو يقول بمرارة :- أحبها .. وكدت أقتلها بحبي .. لو أنني لم أطارد سيارتها بسيارتي وأحاول إقناعها بمحادثتي .. لقد كانت تقود كالمجنونة حتى أنني تراجعت وأوقفت سيارتي تماما كي تتوقف عن الهرب وتعريض نفسها للخطر .. وعندما رأيت الحادث ...
ارتجفت شفتاه .. فقال بخشونة :- أخبريني بأنها ستكون بخير
هزت رأسها بسرعة ودموعها تغطي وجهها :- ستكون بخير .. أنا متأكدة من هذا
أحست بثقل يد هشام على كتفها .. فمسحت دموعها وهي تلتفت إليه قائلة :- هشام .. أعرفك إلى تمام .. أنه صديق مميز لجودي
قالتها بطريقة فهم منها بأن هذا الرجل كان هو سبب حزن جودي الحقيقي
غريزته الأولى كانت لتدفعه إلى ضربه حتى يدمي وجهه لما سببه من ألم لأحد أفراد عائلته .. ولكن نظرة واحدة نحو الشاب المنهار .. إلى العاطفة الصادقة في عينيه .. أخبرته بأن جودي لم تكن وحدها من يعاني
صافحه هشام بحزم :- سعيد للقائك .. ومتأكد بأن جودي ستنجو .. وتكون بخير
شد تمام على يده ممتنا له .. فاعتراف كل من أماني وهشام بوجوده جعله بطريقة ما جزءا من حياة جودي التي بقي محجوبا عنها لفترة طويلة
نظرة الامتنان في عيني أماني لتفهمه .. جعلت هشام يحيطها بذراعه ويضمها إلى صدره وكأنه يؤكد لها دعمه الدائم
في تلك اللحظة بالذات
فتح باب غرفة العمليات .. وخرج الطبيب


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 49
قديم(ـة) 13-06-2012, 10:09 PM
صورة زهره البطاح الرمزية
زهره البطاح زهره البطاح غير متصل
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية سيدة الشتاء / الكاتبة : Blue me





الفصل الأربعون
جودي

استيقظي يا حبيبتي
تسللت الكلمات الناعمة إلى أذني جودي لتنتزعها تدريجيا من العالم المظلم الذي كانت تسبح فيه
:- جودي
فتحت جودي عينيها ببطء .. ونظرت إلى وجه أماني الشاحب .. إلى عينيها القلقتين فهمست :- ما الذي حدث ؟ أين أنا ؟
سألتها أماني برقة :- ألا تذكرين ؟
حاولت جودي هز رأسها ولكنها فشلت .. إذ أحست برأسها ثقيلا .. ولكنها تذكرت فجأة فهمست :- لقد كنت أقود سيارتي
أومأت أماني قائلة :- هذا صحيح .. وقد فقدت سيطرتك عليها فاندفعت نحو عمود النور
أغمضت جودي عينيها قائلة :- يا إلهي كم أنا غبية .. هل تضررت السيارة كثيرا ؟
ظهرت الدموع الحبيسة في عيني أماني وهي تقول بانفعال :- هل يقلقك وضع السيارة يا جودي ؟ أنت من بقي في غرفة العمليات لساعات .. يا إلهي جودي .. هل تعرفين كيف كان شعوري وأنا أنتظرك خارجا دون أن أعرف إن كنت ستنجين أم لا
سالت دموع جودي فورا وهي تقول :- أنا آسفة يا أماني .. أنا حقا آسفة .. لم أكن أفكر .. لقد كنت مشوشة وغاضبة وكل ما أردته هو أن أبتعد عن ....

صمتت جودي وقد ارتسم الألم على ملامحها .. فمدت أماني يدها لتمسح الدموع عن وجه جودي المكدوم قائلة بهدوء :-
سأستدعي الطبيب ليراك
عندما أتم الطبيب فحص جودي قال لأماني وقد لاحظ دموع مريضته :- لا انفعالات يا آنسة .. لقد كنت واضحا بأن المريضة بحاجة إلى الراحة التامة
تمتمت أماني :- لن أزعجها مجددا
غادر الطبيب برفقة الممرضة ..فجلست أماني إلى جانب جودي قائلة بحنان :- أنا آسفة يا حبيبتي .. ما كان علي الانفعال في وجهك بهذه الطريقة
همست جودي :- لقد كنت قلقة علي فحسب .. أنا من عليه الاعتذار بسبب غبائي .. ما الذي سيقوله زوجك عني الآن ؟
أتاها صوت هشام من الباب المفتوح وهو يقول :- سيقول بأنه سعيد جدا لأن شقيقته الجديدة بخير
نظرت إليه من فوق كتف أماني .. وقد اعتراها إحساس عميق بالأمان .. إنها في وسط عائلتها .. ابتسمت بإرهاق قائلة :- لم ترى شيئا بعد من عائلة النجار يا هشام .. عدني بأنك لن تندم لاحقا على ارتباطك بأحد أفراد العائلة
التقت عينا أماني وهشام للحظة خاطفة .. سرعان ما انتهت عندما عادت أماني تنظر إلى جودي قائلة :- أظنه يفكر بأن عبء واحدة من هذه العائلة المجنونة أكثر من كافي .. وأعتقد بأنه أكثر من متحمس لتزويجك والخلاص منك
قال هشام محتجا :- هذا غير صحيح
ابتسمت جودي وهي تقول مداعبة :- للأسف يا صهري العزيز .. عليك إيجاد عريس مناسب أولا قبل تزويجي
قالت أماني بهدوء :- أظن هناك من يتمنى بشغف أن ينال هذا الشرف
لهجة أماني وطريقة كلامها كانت أكثر من واضحة .. شحب وجه جودي .. مما جعل أماني تقول بقلق :- هل تتألمين ؟
تمتمت جودي :- ليس كثيرا .. مما يدهشني وفقا لكل هذه الضمادات في كل مكان
:- مازلت تحت تأثير المسكنات .. لا تستعجلي الاحساس بالألم لأنه لن يتأخر كثيرا
مرت لحظات صمت طويلة قبل أن تقول أماني :- هل يسبب الحديث عنه كل هذا الألم يا جودي ؟
أشاحت جودي بوجهها بعيدا فقالت أماني :- على كل حال .. لست مضطرة لإخباري عنه بعد الآن .. تمام ينتظر في الخارج منذ ساعات ويأمل بأن يتمكن من رؤيتك
هتفت جودي برعب :- لا أريد أن أراه
قالت أماني بحزم :- جودي .. الرجل يقف في صالة الانتظار منذ وصولك إلى المستشفى .. بل هو من اتصل بسيارة الاسعاف فور وقوع الحادث .. أنت تدينين له بسماع ما يريد قوله
عضت جودي شفتيها .. فقالت أماني برفق :- جودي .. لقد قابلت تمام لأول مرة منذ ساعات .. ولكنني أستطيع أن أقول لك بأنني لم أر يوما رجلا منهارا كما كان قبل أن يخرج الطبيب ويخبرنا عن وضعك
تمام يحبك يا جودي .. وأنت لا تستطيعين إنكار تلهفك لرؤيته .. قابليه فقط .. واستمعي إليه .. وأنا سأكون خلف الباب مع هشام .. نداء واحد منك .. وسيخرجه هشام من الغرفة على حمالة .. أنت أحد أفراد عائلته الآن .. وهو ينتظر بلهفة الفرصة ليرد لتمام ما سببه لك من حزن
قال هشام مؤكدا :- ليس لديك أي فكرة

عندما غادرت أماني وهشام الغرفة بعد فترة .. كان تمام في الانتظار خارجا .. اعتدل على الفور سائلا بلهفة .:- كيف هي الآن ؟
:- لقد استيقظت ..ولكنها مازالت ضعيفة ..
نظرت إليه قائلة :- هل ستكون رقيقا معها ؟
قال غير مصدق :- هل قبلت بأن تراني ؟
هزت رأسها قائلة :- مارست عليها بعض الضغط .. وما كنت لأفعل لولا يقيني بحاجتها لسماع ما ستقول
نظر إليها وتقدير كبير يطل من عينيه وهو يقول :- أعدك بأنني لن أزعجها
أما هشام .. فقد اكتفى بأن يقول لتمام بحزم :- اهتم بها جيدا
اومأ تمام برأسه وهو يقترب من الباب .. يطرقه برفق .. ثم يدخل
نظر هشام في إثره قائلا :- اتظنينها فكرة صائبة ؟ لربما احتاجت إلى مزيد من الوقت لتتحسن على الأقل
تمتمت :- لن يشفى جسدها من جراحه ما لم تعالج قلبها أولا
نظر إليها معجبا برجاحة عقلها .. وطريقة استيعابها لحاجات شقيقتها ... ولكن ماذا عن حاجاتها هي ؟
تحت هذا التماسك .. لم تكن أماني قد صحت من صدمتها بعد .. عرف هذا وهو يقترب منها .. ويحيط وجنتها بكف يده سائلا بحنان :- وماذا عن أماني ؟
هل ستكون بخير ؟
أرادت من كل قلبها أن تجيبه بانزعاج .. بالتأكيد .. ما الذي تظنه بي ؟
ولكنها تحت تأثير عينيه الحانيتين .. وصوته الدافئ .. وإغراء صدره على بعد بوصات عنها .. لم تستطع التظاهر بالقوة لفترة أطول .. تدفقت الدموع من عينيها بدون إنذار وهي تقول :- لقد كدت أفقدها يا هشام .. هل تعرف ما الذي يعنيه هذا ؟ لقد كدت أفقدها بحق الله
سحبها |إلى صدره وضمها بقوة سامحا لها بالنشيج بين طيات قميصه ربت على ظهرها مستمتعا باستسلامها أخيرا .. والسماح له بالغوص بين مخاوفها الكثيرة ..همس لها برقة |:-
:- ولكنك لم تفقديها .. أليس كذلك ؟ إنها بخير .. تتحدث في الداخل إلى حب حياتها .. وسرعان ما ستجد سعادتها المفقودة ولن تقلقي عليها أبدا بعد ذلك
فكرت أماني وهي تتمسك به .. وماذا عن سعادتي أنا .. هل سأجدها معك يا هشام .. أم أنها ستهرب مني ما أن بدأت أعرف مذاقها ؟

فتح تمام الباب وخطا إلى الداخل بتردد .. هبط قلبه بين قدميه بين قدميه عندما رأى حبيبته الصغيرة والرقيقة ممددة فوق السرير الضيق .. والضمادات تحيط بها في كل مكان .. وجهها كان شاحبا .. وقد ساهم مع الرباط المحيط برأسها لمنحها مظهرا هشا وضعيفا .. لم تكن تنظر إليه .. بل كانت تركز بصرها نحو نقطة بعيدة في زاوية الغرفة .. .. تطبق شفتيها بقوة وكأنها تمنعهما من الارتعاش .. وقد توردت وجنتيها وكأنها لم تستطع منع حواسها من الاحساس بقربه
ناداها بصوت خافت :- جودي
ازداد فمها قسوة .. وظهرت الدموع في العينين الزيتونيتين .. عاد يقول متوسلا :- جودي .. انظري إلي .. هلا استمعت فقط إلى ما سأقوله
نطقت أخيرا قائلة ببرود :- لقد سبق وقلت ما لديك يا تمام
اقترب وجلس على المقعد المجاور للسرير قائلا بحدة :- لا .. لم أقل كل ما لدي يا جودي .. أنا أحبك .. ولا أستطيع الحياة من دونك .. لو لم أكن قد قابلتك في الحفلة .. لكنت سعيت إليك بنفسي وبكل طريقة ممكنة فور أن أعرف بفسخك لخطوبتك
هزت رأسها قائلة :- لا أريد أن أسمع أعذارك الواهية يا تمام .. لم تقنعني في المرة السابقة ولن تفعل الآن
ظهر عليها الإرهاق وهي تقول :- فقط اذهب واتركني وحدي .. أرجوك
صمت تمام لفترة طويلة وهو يحدق إلى حذائه اللامع .. ولكنه لم يخرج .. وهي كانت تشعر به قريبا منها إلى حد الألم .. تسمع صوت أنفاسه وتستنشق رائحته .. وتمنع نفسها بصعوبة من النظر إليه ..
إذا نظرت إليه ستراه .. وتؤخذ بجاذبيته وسحره كالعادة .. وتضعف مجددا .. وهي قد سئمت بكل بساطة من الارهاق العاطفي الذ يسببه لها .. كل ما أرادته هو ان تشعر بالهدوء والاستقرار كما كانت قبل وفاة والدها .. عندما كانت حياتها هادئة وروتينية .. وعندما كان التفكير في المستقبل لا يسبب لها أي مشكلة على الإطلاق
قال أخيرا بهدوء :- عندما كنت طالبا في الجامعة .. ظننت بأنني قد وقعت في الحب
توترت .. لم تكن تتوقع منه أن يخبرها بهذا .. :- كان اسمها كريستينا .. وكانت فتاة رائعة الجمال .. شعر بلون الذهب .. وعينان بلون الزمرد .. مجرد سماع ضحكتها كان يذهب بعقلي ويشوش تفكيري .. كنت غارقا في حبها حتى أذني .. وكنت أعرف يقينا بأنني سأطلب يدها للزواج فور تخرجنا من الجامعة .. ومتأكد أيضا من قبولها لطلبي
قبضت أصابع جودي على الملاءة القطنية التي تغطي ساقيها .. وقلبها يحترق غيرة من تلك المرأة التي أحبها تمام وأراد الزواج منها ....ولكن ما الذي حدث ؟ لماذا لم يتزوجها ؟ أم تراه فعل
قال ببرود :- سمعتها صدفة تتحدث مع إحدى صديقاتها دون أن تفطنا إلى وجودي .. سألتها صديقتها مستنكرة إن كانت حقا ستستمر في علاقتها مع العربي الحقير الذي ترافقه .. فأجابتها بأن والد هذا العربي الحقير ثري جدا وأن الزواج منه والبقاء معه لسنوات قليلة .. ثمن رخيص للفائدة التي ستجنيها عندما تقرر إنهاء الزواج
شهقت جودي وهي تنظر إليه هاتفة بعنف :- السافلة الحقيرة
ما فاجأها أكثر .. هو ما رأته عندما نظرت إليه أخيرا .. فهذا الشاب البائس لا يمكن ان يكون تمام .. كان مايزال يرتدي ملابس السهرة بدون ربطة عنق .. وقد تجعدت حتى بدت كالأسمال .. بينما تشعث شعره .. ونمت لحيته لتساهم مع الهالات السوداء المحيطة بعينيه المرهقتين في منحها فكرة عن الوقت الذي قضاه خارجا في انتظارها .. وعن قلقه عليها
منحها ابتسامة باهتة وهو يقول :- لقد أثرت انتباهك أخيرا يا عزيزتي .. اطمئني .. لم أتزوج بها .. بل أنا لم أواجهها بما سمعت .. لقد سافرت فور تخرجي وعدت إلى الوطن .. وقد اعتراني القرف من المادية والأنانية والعنصرية التي وجدتها هناك .. حتى من ظننتهم يكنون لي المشاعر .. لم أظن أبدا بأنني سأسلم قلبي مرة أخرى لامرأة تحطمه بقدميها .. عشت السنوات السابقة أبني نفسي وأعيش حياتي ببساطة وخلو بال ... مستمتعا بقربي من عائلتي وأصدقاء يفكرون كما أفكر .. ويحلمون كما أحلم .. حتى وقعت عيناي ذات مساء على أجمل عينين رأيتهما في حياتي .. عينان عذبتان وبريئتان .. نظرتا إلي بذعر وكأنهما خافتا أن أقرأ ما فيهما من إعجاب
احمرت وجنتاها وقد تذكرت لقائهما الأول .. وضمت يديها إلى بعضهما تفركهما بارتباك .. فأكمل :- عندما أخبرتني شبه صارخة بأنك مخطوبة .. أحسست كمن تلقى صفعة قاسية على وجهه .. أردتك .. ولم أنكر مشاعري حتى لنفسي .. فكرت.. ما الذي سأخسره إن قابلتك لمرة أو مرتين ؟ فقط لأعرف إن كنت بالبراءة والأنوثة الظاهرتين عليك .. لم أرغب بأن أحبك .. ولكنني وجدت نفسي أقع في هواك بقسوة دون أن أدري .. عندما قبلتك أول مرة .. بعد أن شعرت بخطر فقدانك .. عرفت بأنني أحببتك كما لم أفعل من قبل .. وأن ما أحسسته يوما اتجاه كريستي لم يكن أكثر من انجذاب جسدي .. وانه كان ليزول فور أن أعرف أي إنسانة مادية وأنانية هي
تجرأ أخيرا .. وتناول كفها الرقيقة .. فأحس ببرودتها ورقتها .. وتمنى لو يقبلها ويحتضنها إلى قلبه كي يؤثر بصاحبتها ويستعيد حبها مجددا
قال :- تمسكك بخطيبك لم يزدني إلا إصرارا .. عرفت بأنني إن لعبت أوراقي بشكل صحيح .. إن أخبرتك بثرائي وجديتي .. لن يكون الأمر صعبا عليك .. ستتركينه بكل بساطة وتأتين إلي .. لو تعلمين كم كان الأغراء كبيرا .. ولكنني في النهاية لم أستطع أن أفعل .. أردتك أن تأتي إلي لسبب واحد فقط .. لأنك تحبينني أنا .. الشخص البسيط الذي عرفته أول مرة يعزف الجيتار أمام الناس غير عابئ إن كانت ألحانه قد نالت رضاهم .. أعرف بأن طريقتي كانت خاطئة .. وأنني لم أثق بحكمك على الأمور .. وبحبك لي .. ولكنني كنت خائفا ... جزء مني خشي أن يرى فيك شيئا من كريستي وأنت لم تساعديني في التخلص من مخاوفي .. لقد بقيت على تمسكك بخطيبك حتى بعد علمك بعدم حبك له
حرك أنامله فوق بشرتها الناعمة .. مثيرا داخلها إحساسا لذيذا بالإثارة .. قال بصوت أجش :- عندما رأيت سيارتك تصطدم بعمود النور .. ياإلهي جودي .. لقد حسبت بأنني قد فقتك إلى الأبد .. بالكاد تمكنت من إخراجك من السيارة قبل أن تشتعل .. رؤيتي لجسدك المخضب بالدماء كادت تقتلني .. رؤيتهم وهم يحملونك إلى سيارة الإسعاف .. انتظاري لوقت بدا لا نهائيا في انتظار سماع خبر عن حالك .. جودي .. هل لديك فكرة عما كان من الممكن أن يحصل لي لو أن مكروها أصابك ؟ كنت فقدت رشدي .. وكرهت حياتي بل وأنهيتها يأسا .. أنا لا شيء بدونك يا جودي .. أحبك ولن أقوى على فراقك لحظة واحدة .. فقط أخبريني بأنك قد سامحتني .. وأنك ستكونين من الآن فصاعدا جزءا ثابتا من حياتي .. بل كل حياتي
تدفقت دموعها لمرأى اليأس الكامل الذي فاضت به عيناه وهو يجثو على الأرض إلى جانب السرير .. ويدفن وجهه في راحة يدها كي تحس بدموعه
يا إلهي .. كيف تستطيع أن تبعد عن حياتها الهواء الذي تتنفسه .. الشمس التي تستمد منها الدفء .. الماء والغذاء
هل ظنت حقا بأنها ستتمكن من الحياة بدون تمام ..الرجل الذي تعشقه إلى حد الألم
بيدها الأخرى .. ربتت على رأسه .. و داعبت شعره الفوضوي وهي تقول بين دموعها .. :- أظنك ستنتظر حتى أشفى تماما قبل إعلان الخطوبة
رفع رأسه بحدة .. وقفز يجلس إلى جانبها على طرف السرير برفق حريصا على ألا يسبب لها الألم وهو يقول بلهفة :- لا حفلة خطوبة حتى الشفاء .. ولكن العالم بأسره سيعرف بحبي لك .. وأنك ستكونين زوجتي
نظرت إليه بحب وهو ينحني ليقبل جبينها .. إنها لا تصدق
أتراها تحلم .. أم أنها قد عثرت على سعادتها أخيرا مع الرجل الذي تحب ؟




الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 50
قديم(ـة) 13-06-2012, 10:14 PM
صورة زهره البطاح الرمزية
زهره البطاح زهره البطاح غير متصل
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية سيدة الشتاء / الكاتبة : Blue me





الفصل الحادي والأربعون
كابوس لا ينتهي

فتحت اماني عينيها ببطء متكاسل ليقع بصرها فورا على هشام .. جالسا إلى جانب سريرها .. ينظر إليها باسما وهو يقول :- صباح الخير
كان يبدو بالغ الجاذبية بسرواله الرمادي الداكن وقميصه الناصع البياض ..وبذقنه الحليقة وكأنه يستعد للذهاب إلى العمل .. ردت عليه بابتسامة ناعمة وهي تقول :- صباح الخير
ثم عبست فجأة قائلة :- أهو الصباح ؟ لا .. يا إلهي .. كم ساعة نمت بالضبط ؟
سحبت نفسها لتجلس وهي تشعر بالثقل في جسدها وكأنه لم يستيقظ بدوره بعد .. قالت محتجة :- لماذا تركتني نائمة .. كان من المفترض بي أن أعود فورا إلى المستشفى بعد أن أستحم وأحزم بعض الأغراض .. أنا لا أذكر حتى متى غرقت في النوم بالضبط
قال بهدوء :- في السيارة .. في طريقنا إلى البيت .. اضطررت لحملك إلى الشقة .. حتى أنك لم تصدري حركة عندما وضعتك على السرير وبدلت ثيابك
انتبهت تلك اللحظة لقميص النوم الحريري الذي ترتديه .. فاحمر وجهها وهي ترفع الملاءة لتغطي نفسها حتى العنق وهي تهمس :- لا أصدق بأنك قد فعلت هذا
ارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية مغرية وهو يقول :- ولم لا تصدقين .. أنت زوجتي .. وقد سبق ورأيت كل شيء في مناسبات مختلفة
ازداد احمرار وجهها حتى أحست بالدماء تكاد تنفر من وجنتيها وهي تقول :- لا تقل هذا .. أرجوك
أطلق ضحكة سرور عالية وهو ينهض ... وينضم إليها فوق السرير .. ويحيط كتفيها بذراعه قائلا :- تبدين مذهلة والاحمرار يلون وجنتيك .. أمازلت تشعرين بالخجل مني ؟
تمتمت بصعوبة وقربه منها يعذبها :- ما زال الوضع غريبا علي
نظر إلى ملامح وجهها الناعمة وهو يقول بصوت عميق :- ستألفينه مع الوقت
أحست وبوضوح بذلك التوتر المألوف يتصاعد بينهما .. جزء منها تمنى لو يأخذها بين ذراعيه ويقبلها .. وينسيها الدنيا وما فيها .. وجزء منها فكر بجودي .. الوحيدة في المستشفى فتمتمت :- لا أصدق بأنني تركت جودي وحدها طوال الليل
:- لم تكن وحيدة .. تطوعت سمر للحلول مكانك إذ قدرت حاجتك للنوم والراحة بعد قضاءك ما يزيد عن 48 ساعة هناك
أطل الدفء من عينيها وهي نقول :- أنا لا أستحق صديقة كسمر .. لا أرغب باستغلال كرمها أكثر .. من الأفضل ان اعود فورا إلى المستشفى
قال بحزم :- لن تذهبي إلى اي مكان حتى تتناولين وجبة إفطار كاملة .. حتى لو اضطررت لإطعامك بيدي
قالت بقلق :- ولكنني سأؤخرك عن عملك
نظر إليها بهدوء قائلا :- أتظنين حقا بانني سأفضل عملي عليك في فترة حرجة كهذه ؟
قالت بدون تردد :- على الاطلاق
ابتسم لردها السريع .. وقبل رأسها قائلا :- سأتركك قليلا لتستعدي ريثما أجهز لنا الإفطار
قالت مداعبة :- هشام عطار .. لقد أصبتني بصدمة العمر .. لم أتخيلك طاهيا بأي شكل كان
قال ساخرا :- أنا أفضل من يعد المائدة عندما ترسل أمي الافطار جاهزا من مطبخها
هزت رأسها وهي تبتسم بمرح :- لقد خيبت املي .. ظننتك زوجا متعدد المواهب
انحنى فجاة مطلا عليها وقال بصوت أثار الرجفة في جسدها :- هل تطالبينني بعرض لمواهبي يا عزيزتي ؟
التقت عيناهما .. فتسارعت انفاسها تحت تأثير تلميحه المثير .. ابتسم فجأة بغموض قائلا :- نصف ساعة فقط يا أماني .. ثم سأعود لأرى ما أخرك .. وعندها .. قد لا تتمكنين من العودة إلى المستشفى في وقت قريب
غادر الغرفة تاركا إياها تلهث .. متوردة الوجنتين .. هل يعرف كم يحمل عرضه من إغراء لها ؟
ألن تكون صدمة كبيرة له لو عاد ليجدها في انتظاره كما تركها ؟.. تحركت أخيرا منتشلة نفسها من حالة التخدير التي اجتاحتها .. وفكرت يائسة بان جودي تحتاج إليها .. وأن الوقت مازال أمامها طويلا لتركز فيه على علاقتها بهشام

أوقف هشام سيارته أمام بوابة المستشفى قائلا :- اسبقيني إلى الداخل .. وسألحق بك بعد وضع السيارة في الموقف
ترجلت من السيارة .. وسارت وهي تكاد تقفز شوقا للاطمئنان على جودي .. غير قادرة على منع البسمة من مداعبة شفتيها وهي تتذكر وجبة الافطار الممتعة التي شاركت بها هشام .. تبادلهما العفوي للحديث .. مداعباته ومزاحه معها ..هل يمكن ان تكون يوما اكثر سعادة ؟
لم تطق صبرا حتى وصول المصعد الكهربائي .. فاعتلت الدرج بسرعة حتى وصلت إلى الطابق الذي تقع فيه غرفة جودي ... وجدت سمر تقف خارجا وقد بدا عليها التوتر .. وعلا وجهها الممتلئ الشحوب فور رؤيتها لأماني التي قالت باسمة :- صباح الخير يا سمر .. آسفة لاضطرارك لقضاء الليلة بعيدا عن سريرك .. لا أعرف كيف أشكرك على ما تفعلينه معي
ألقت سمر نظرة قلقة نحو باب غرفة جودي المغلق وهي تقول :- لا مشكلة على الإطلاق .. تعرفين أهمية جودي لدي
التقطت أماني القلق في عيني سمر فقالت بحدة :- ما الأمر ؟ هل حصل مكروه لجودي ؟
أسرعت سمر تقول :- جودي بأحسن حال
استرخت حواس أماني وهي تقول :- لقد أخفتني للحظة .. ما الأمر ؟ هل تخشين أن أضبط أختي الصغرى في مشهد غرامي ساخن مع حبيب القلب ؟ لن تستطيعي منعي من إمساك زلة عليها
قبل أن تستطيع سمر منعها .. اتجهت أماني نحو الباب .. إلا أنه فتح قبل حتى أن تمسك بالمقبض لتجد أمامها آخر شخص توقعت بأن تراه مجددا
إنه صلاح
جمد وجهه الوسيم وهو يراها أمامه .. عيناه جرتا عليها وكأنه غير مصدق لوجودها على بعد بوصات منه .. أما هي .. فقد امتقع وجهها وتراجعت إلى الخلف مصدومة .. و قد أحست بثقل ضخم يجثم فوق صدرها حتى عجزت عن التقاط أنفاسها
قال بصوته الذي لم يفارق كوابيسها يوما :- صباح الخير يا أماني
ذلك الصوت .. يا إلهي .. لقد كان يردد في تلك اللحظة العبارات المهينة الواحدة تلو الأخرى داخل رأسها .. أغمضت عينيها وهي تراه في خيالها يمسك بها وهو يضحك
همست بصوت مختنق :- لا
تراجعت إلى الخلف فقال متوترا :- علينا أن نتحدث يا أماني
خرج صوتها أخيرا وهي تصرخ :- لا
استدارت تجري هاربة .. فاصطدمت بجدار بشري بدا وكأنه منحوت من الصخر .. سرعان ما احتواها بدفئه وحمايته .. انكمشت بين الذراعين القويتين وهي ترتعش .. بالكاد قادرة على الوقوف .. سمعت صوت هشام يقول بصرامة :- ما الذي تفعله هنا يا سيد صلاح ؟ غير مرحب بك في أي مكان قريب من أماني
قال صلاح ببرود :- لقد كنت أزور جودي .. وهي كما تعلم ابنة عمي والمسؤولة مني
قال هشام :- لجودي عائلة جديدة الآن تقوم بواجبها نحوها كما يجب .. وهي ليست بحاجة إليك مثلها مثل أماني
كانت يداه تضغطان على ظهرها في محاولة منه لبث الطمأنينة داخلها .. لم تعرف أماني أبدا إلى أي درجة كان مظهرهما مدمرا لصلاح .. أن يرى ابنة عمه القوية والمكافحة .. تنكمش وتحتمي برجل آخر منه .. رجل هو زوجها أمام الله وأمام المجتمع .. رغم ما عاناه خلال الأسابيع الماضية .. تمكن من أن يقول بهدوء :- أماني هي ابنة عمي أيضا .. وصلة الدم بيننا ستبقى موجودة مهما فعلت
ثم نظر إلى اماني قائلا بتوتر :- ما الأمر يا اماني .. لم أعهدك جبانة إلى هذا الحد .. ما كنت تترددين سابقا في مواجهتي بشجاعة .. ما الذي حصل الآن كي تجبني وتعجزي حتى عن الاستماع إلي ؟ ما الذي فعله بك هذا الرجل ؟
تحركت بين ذراعي هشام .. والتفتت إلى صلاح قائلة دون أن تنظر إليه :- فعل ما لم تستطع فعله أبدا يا صلاح .. لقد منحني الأمان .. وأنت لم تعد قادرا على أذيتي بعد الآن .. فإن كان لديك ما تقوله فلتقله الآن
ساد الصمت لدقائق تلاقت خلالها عيون هشام وصلاح بتحدي .. بينما نقلت سمر عيناها بين الجميع قبل أن تنسحب إلى غرفة جودي .. أماني كانت متوترة .. وترتجف من الداخل كورقة في مهب الريح .. وتريد أن تنتهي هذه المواجهة قبل أن تفقد أعصابها
قال صلاح أخيرا بتوتر :- كل ما أريده هو الاعتذار منك .. عما سببته لك خلال السنوات السابقة .. بالأخص عن تهجمي اللا إنساني في شقتك .. أعرف بانك تكرهينني .. وتتمنين ألا تقع عيناك علي مجددا .. ولكنني أحببت أن أطمئنك إلى أنني لن أزعجك بعد الآن يا أماني
نظرت إليه أخيرا قائلة باستنكار :- وهل تظنني أصدق وعودك وأعذارك يا صلاح ؟ هل تمسح كلمات واهية ما فعلته بي لسنوات أنت وأبي ؟ هل تنسيني بأنه قد فضلك علي وحرمني من حبه وعطفه حتى عندما أذاني هو نفسه ؟
شحب وجهه وهو يتذكر تلك الليلة .. عندما سقطت أماني شبه ميتة على إثر ضربة والدها .. الليالي التي قضاها أمام باب غرفتها في المستشفى دون أن يجرؤ على الدخول .. خوفا من رؤية البغض على وجهها عندما تصحو من غيبوبتها
قال بصوت باهت :- لا ألومك على كراهيتك لي يا أماني .. ولا ألتمس منك الصفح لأنني لا أستحقه .. كل ما أريده هو أن تعرفي بأنني نادم على كل ما فعلته .. وأنني لن أتعرض لك مجددا .. لن تري وجهي بعد الآن يا أماني.. قد تتقاطع طرقنا بسبب ارتباط كلينا بجودي .. ولكنني أقسم بأنني لن أؤذيك مجددا
ظهر عدم التصديق جليا في عينيها .. فنظر إلى هشام قائلا بحزم :- أعرف بأنك لن تثق بأي تعامل يتم بيني وبين أماني .. لهذا كلفت المحامي بالاتصال بك لترتيب أمر إعادتي لجميع حقوق أماني التي حرمها منها والدها .. نصيبها من الشركات .. والأموال السائلة .. نصف المنزل فهو من حقها ومن حق جودي .. أعرف بأن الوقت متأخر على قيامي بهذا .. ولكن كل ما أطلبه هو أن أبرئ ذمتى نحوك يا اماني .. وأكفر عن ذنوبي .. وفي النهاية قد تتمكنين من النظر إلي كابن عم لك مستعد للوقوف إلى جانبك عند أقل حاجة منك إليه
الصدمة أخرست أماني .. بينما استحال وجه هشام إلى قطعة من الرخام .. قال صلاح أخيرا بعد أن طال صمتهما :- وإن أذنتما لي .. سأزور جودي من حين إلى آخر .. واتصل بها لأطمئن عليها وأتأكد بأنها بخير .. قد لا تحتاج إلي بعد الآن وقد حصلت على عائلة جديدة .. ولكنني أنا من سيكون بحاجة إليها .. ففي النهاية .. هي آخر من تبقى لي من عائلتي
عندما غادر صلاح أخيرا .. ابتعدت أماني عن هشام ببطء .. وقد خيم الصمت ثقيلا بينهما ... بالكاد شعر أحدهما بالمارة من حولهما .. أو سمع النداء الذي صدح به مكبر الصوت مستدعيا احد الأطباء لسبب ما
نظر كل منهما إلى الآخر .. هي مصدومة .. عاجزة .. وهو جامد الوجه .. غامض النظرات .. نطقت أخيرا بصوت خافت :- لقد انتهى كل شيء
أومأ مؤكدا بهدوء :- هذا صحيح يا أماني .. ما عدت مضطرة للعيش في الخوف بعد الآن
نظرت إلى عينيه قائلة :- وأنت ما عدت مضطرا للإبقاء على زواجنا .. لم أعد بحاجة إلى حمايتك يا هشام .. الغرض من هذا الزواج لم يعد موجودا
ما الذي تفعله ؟ هل تطلب منه حقا أن يتركها ويرحل ؟ .. أن يطلقها ويتحرر منها ؟
تمنت لو يعترض .. أن يصيح بحدة عن سخافة ما تقول .. وأنه لن يطلقها أبدا لأنه يحبها .. ويرغب بها في حياته إلى الأبد
ولكن ما رأته هو البرود يكسو عينيه وهو يقول :- هذا صحيح
حبست أنفاسها وهي تقول :- وما الذي سنفعله الآن ؟
:- لا شيء على الإطلاق
رفرفت بعينيها وقد انتعش الأمل في قلبها .. حافظت بصعوبة على رزانة ملامحها وهي تنتظر بلهفة ما سيقوله .. ولكنه هتف بخشونة :- بالكاد مرت أسابيع على زواجنا يا أماني .. هل ترغبين في التسبب بفضيحة أخرى ؟.. زواج نورا سيتم قريبا ولن أسمح بأن يهدده أو يعكره أي شيء
شحب وجهها .. وقد صفعتها كلماته .. عجزت عن التفوه بأي حرف حتى عندما قال بصرامة :- لا أحد على الإطلاق سيعرف بموضوع الطلاق حتى يتم زفاف نورا بسلام .. وأتأكد بنفسي من نوايا ابن عمك .. وفي هذه الأثناء .. جودي ستكون بحاجة إليك .. ولن يشك أحدهم بالأمر إن اخترت البقاء معها في منزل عائلتك خلال الأسابيع القادمة
أسندت نفسها إلى الجدار كي لا تسمح لجسدها بالتخاذل فوق ساقيها المرتعشتين .. بصعوبة شديدة تمكنت من الاحتفاظ بجمود ملامحها وإخفاء الألم المميت الذي يفتك بقلبها وكيانها .. قالت بجمود :- بالتأكيد
نظر إلى ساعة يده بنفاذ صبر وهو يقول :- سأطلب من والدتي أن توضب لك بعض الأغراض التي قد تحتاجينها .. وتستطيعين العودة لاحقا لأخذ ما يلزمك بنفسك
قالت ببرود :- لا داعي لهذا .. ملابسي القديمة ما زالت موجودة هناك .. سأستخدمها إن دعت الحاجة
نظر إليها .. والتقت عيناهما طويلا .. بذلت جهدا خرافيا لتحتفظ بثباتها قبل أن يقول بلا تعبير :- بلغي جودي تحياتي
ثم استدار مغادرا .. راقبته وهو يبتعد حتى اختفى في نهاية الرواق .. في تلك اللحظة فقط .. شهقت بقوة غير قادرة على
التقاط أنفاسها .. جثت على ركبتيها وهي تشعر بالضعف في جميع أنحاء جسدها .. وألم لا يطاق في صدرها حتى أحست بالاختناق
لن تبكي .. لن تبكي .. رمشت بعينيها عدة مرات كي تجفف دموعها التي أخذت تتجمع بعناد مصرة على التمرد والعصيان
هزت رأسها بقوة وهي تهمس بإصرار :- لن أبكي .. لن أبكي .. لقد كنت أعرف بانني سأخسره يوما .. وهو لم يخدعني .. لم يوهمني بحبه ..لم يظهر أي تمسك بي
صوت جودي القادم من الغرفة منحها القوة لتنهض .. وتهرب إلى حمام السيدات الموجود في نفس الطابق .. وفور أن انفردت بنفسها بعيدا عن مسامع جودي ونظر سمر .. انهارت كل مقاومتها .. وانهارت على الأرض وهي تجهش بالبكاء كما لم تفعل من قبل .. وكأن كل تمسك لها بالقوة لم يعد ذا معنى بعد الآن
لقد خسرت هشام .. خسرت قلبها وحياتها .. ما الذي بقي لها لتحارب لأجله بعد الآن





الرد باقتباس
إضافة رد

رواية سيدة الشتاء / الكاتبة : Blue me ، كاملة

الوسوم
الشتاء , رواية , شيخة , كامله
أدوات الموضوع
طريقة العرض
مواضيع مشابهة
الموضوع الكاتب المنتدى الردود آخر مشاركة
روايتي الأولى : أبي أنام بحضنك و أصحيك بنص الليل و أقول ما كفاني حضنك ضمني لك حيل / كاملة ازهار الليل روايات كامله - يتم نقل الرواية هنا بعد اكتمالها 6834 29-03-2019 01:27 AM
مجلس الروايات للإستفسارات و الطلبات فقط [ الإقتراحات ممنوعة ] ؛ روح زايــــد روايات - طويلة 2018 20-07-2011 03:02 PM
مجلس الروايات للإستفسارات و الطلبات فقط [ الإقتراحات ممنوعة ] ؛ روح زايــــد روايات - طويلة 2001 06-01-2011 10:35 PM
مجلس الروايات للإستفسارات و الطلبات ؛ !! أنـثـى الـ خ ـيـآلـ !! روايات - طويلة 3973 07-10-2010 01:10 PM
مجلس الروايات للإستفسارات و الطلبات ؛ الزعيـ A.8K ـمه روايات - طويلة 2042 24-02-2010 04:37 AM

الساعة الآن +3: 01:10 PM.
موقع غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات


تصميم دريم تيم

SEO by vBSEO 3.6.1