اكتب بريدك ثم اضغط على اشتراك ليصلك جديد غرام
بحث مخصص من محرك البحث العالمي قوقل للبحث في غرام

عـودة للخلف   منتديات غرام > منتديات روائية > روايات كامله - يتم نقل الرواية هنا بعد اكتمالها
الإشعارات
 
أدوات الموضوع طريقة العرض
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 11
قديم(ـة) 05-04-2012, 07:33 PM
صورة ♫ معزوفة حنين ♫ الرمزية
♫ معزوفة حنين ♫ ♫ معزوفة حنين ♫ غير متصل
©؛°¨غرامي فضي¨°؛©
 
الافتراضي رد: ملاك الحب / للكاتبة : my faith




(9)
الرابط المقدس



وقفت نور تنظر إلى وجه حبيبها الوسيم بخوف .. وهي ترى الكره يتأجج في عينيه البنيتين .. وتمنت لو أنها اختفت من الوجود .. لكي تهرب من هذا الشعور المؤلم .. كانت تلك المرة الأولى التي لا يتسارع فيها نبضها عند رؤيتها لسامح .. بل على العكس .. كانت تحس بالخواء يملأ صدرها .. وكأنها لم تعد تملك قلبا لينبض ..
نظرت لحسام مستنجدة .. وكانت تعلم أنه سيتمكن من قراءه عينيها .. أوماء لها برأسه مشجعا .. نظرته العطوفة بعثت الثقة لنفسها .. فقطعت ذلك الصمت المربك .. وراحت تحدث سامح بصوت متكسر :
- كيف حالك يا سامح ؟.
تجاهل سلامها .. وهم بالدخول وعلى شفتيه ابتسامة ساخرة أدمت قلبها .. لكن يبدو أن حسام لم يرقه ذلك التصرف .. فأمسك أخاه من ذراعه .. وحدثه بلطف :
- سامح .. ألم تسمع تحية نور ؟.
رفع سامح أحد حاجبيه باستخفاف بالغ .. وحول نظره إلى نور ليحدثها بسخرية أشد :
- آه حقا .. وكيف حال عروستنا الجميلة ؟.
كانت نور تصارع نفسها .. كي تنطق بالكلمات المطلوبة دون أن تكشف عن جرحها .. ولكنه سارع بالرد وهو ينقل نظره بينهما :
- ما هذا السؤال السخيف .. فالسعادة كانت تغمركما منذ ثواني .
دخل سامح إلى حجرته دون أن ينتظر ردا .. وغير آبه لتلك الوجيعة التي سببتها كلماته لمشاعرها الرقيقة .. زمت نور شفتيها محاولة أن تتحكم بتلك العبرات التي ملأت عينيها الجميلتين .. لم تشعر إلا بيد حسام الدافئة تحتضن كفها .. ثم فتح باب الخروج .. وسار بها نحو سيارته بصمت .. لم تجرؤ على النظر إليه .. وظلت تنظر من نافذة السيارة إلى اللاشيء ..
لم تكن تبكي نفسها .. بل كانت تبكي تلك الأسرة التي أحبتها .. وكانت هي السبب في دمارها .. إنها تفكر الآن بكل الألم الذي يعذب أفرادها .. بكل المرارة التي يحسونها .. إنها لم تتعود أبدا أن تسبب الجرح لمن حولها .. لذلك تشعر بالوجيعة تحرق قلبها الرقيق .. أغمضت عينيها وهي تمسح تلك الدموع الصامتة .. لازالت ترى أمامها عيني سامح اللتان تنبضان كرها لها .. كيف استطاعت أن تسكن ذلك العذاب في عينيه .. وكيف تستطيع التغلب على هذا الألم الذي يأسرها .. أخذت نفسا عميقا وحاولت أن تحمله ما استطاعت من هموم ..
لم تكن تدرك معالم الطريق الذي يسلكه حسام .. لذلك التفتت إليه متسائلة :
- إلى أين تذهب ؟.
نظر إليها بحنان .. كانت ترى حزنها في عينيه .. ولكنه استطاع أن ينتزع من شفتيه تلك الابتسامة الجذابة التي تحبها :
- إلى المركز التجاري .
أردف قائلا .. ليجيب علامات الاستفهام التي ارتسمت سريعا على ملامحها :
- سنذهب لنشتري خاتما الخطوبة .. وبما أنني لا املك أختا حتى تساعدني في انتقاءهما .. سأسمح لك مؤقتا بتمثيل دور الأخت .
ابتسمت نور له بصدق .. كان التواجد بقربه كفيلا بأن يداوي كل جراحها .. أما هو فلقد تسللت خطوط المرح إلى ملامح وجهه الأسمر الجذاب .. كان يحب رؤيتها مبتسمة كما تعود أن يراها الجميع .. ويعشق ذلك النقاء الذي يشع منها .. و طريقتها البسيطة في التغلب على الهموم .. بل وإصرارها الدائم في إدخال البهجة للقلوب .
صمتت نور فجأة بفكر شارد .. فتساءل بقلق :
- ما بك صغيرتي ؟.
نظرت له بامتنان بالغ .. وأخبرته وإحساس بالذنب يتملكها :
- أنا آسفة يا حسام .
- على ماذا تتأسفين صغيرتي ؟.
- على كل ما أسببه لك من ....
لم يدعها تنهي كلامها .. وحدثها معاتبا :
- لا تقسي على نفسك صغيرتي .. أنا أدرك مدى حساسيتك .. ولكن تأكدي من أن الأمور لن تبقى على حالها أبدا .
تساءلت نور ببراءة .. كغريق وجد منقذه :
- وما الذي يجعلك متأكدا هكذا ؟.
التفت إليها حسام وابتسم لها بطريقه غريبة .. أشعرتها بالعذاب الذي يعاني منه هو الآخر :
- لأن سرنا هذا لن يدوم للأبد .. ولابد سيأتي يوم تنكشف فيه حقيقة الأمور لسامح .. وأنا متأكد أنه سيغفر لك .
راحت نور تنظر إلى النافذة من جديد .. وعاودها شرودها مع تلك التساؤلات التي غزت فكرها فجأة .. هل يصدق قول حسام .. هل يأتي اليوم الذي يجمعها الله بالحبيب الأول والوحيد .. وهل سيجد القدرة في نفسه كي يغفر لها ما أرغمتها الظروف على فعله .. في تلك الأثناء تذكرت حسام .. هذا الشاب الجالس بجانبها .. والذي يصارع بكل السبل كي يسعدها .. ويبعد الحزن عن قلبها .. تملكها الأسى من اجله .. وتمنت لو كانت تقدر على إسعاده هي أيضا .. ألتفتت إليه فجأة وحدثته وهي تغالب ضحكتها الخجولة :
- هل تعرف أنني بت احسد نفسي على محبتك .. وأخوتك لي ؟.
أبتسم لها بلطف .. ورد عليها وهو يوقف السيارة ويدعوها للخرج :
- هيا .. كفاك ثرثرة .. ولتختاري لخطيبتي أجمل خاتم تراه عيناك ..
ضحكت نور بمرح اكبر .. وبدأت تطوف المحال بجانبه .. وبداخلها إحساس خفي يجعلها تشعر بالفخر لمجرد سيرها بجانبه .. وكثيرا ما أخجلتها نظرات الإعجاب التي ترمقهما .. ودعوات الباعة لهما بالحياة المباركة .. في الأخير وبعد كثير من الصراع بينهما تم اختيار خاتم ذهبي لها وخاتم فضي له .. فلقد كانت تحاول أن تختار خاتما بسيطا لا يكلفه الكثير .. في حين أن حسام كان يرفض ذلك المنطق ..
في السيارة فتح حسام العلبة التي ضمت الخاتمين .. وامسك يدها برفق قائلا :
- هل تسمحين لي .. آنستي صغيرتي ؟.
أعطته يدها وابتسامة محبة تشرق في ملامحها .. فوضع الخاتم في إصبع يدها اليمنى .. ثم مد لها يده لكي تقوم بوضع الخاتم في إصبعه ..
كان يتملكها شعور لا تستطع وصفه .. لم تتعود نور أن تتحلى بالمجوهرات .. وكانت الإسواره التي أهداها سامح هي الشيء الوحيد الذي تضعه .. وعندما إعادتها له كانت تشعر بالغرابة الشديدة .. وكأن جزئا من كيانها قد فقد .. ولكنها تحس مع هذا الخاتم بإحساس مختلف .. فهو لا يمثل مجرد خاتم بالنسبة لها .. بل وكأنه رباط مقدس .. يشد مصيرها بهذا الإنسان المتميز .. والذي لطالما أحبها بكل ما يحمله الحب من معاني ..
ضحك حسام عليها عندما وجدها تتأمل ذلك الخاتم في إصبعا .. وحدثها برفق حتى يخرجها من شرودها :
- صغيرتي .. ما رأيك أن نقيم حفل الزفاف في الشهر القادم ؟.
لا تدري نور لما باغثها هذا الموعد القريب للزفاف .. فأسرعت لتجيبه :
- لا يا حسام .. لن استطيع تحضير نفسي ؟.
احمرت وجنتيها جراء تلك الجملة الخرقاء التي نطقت بها .. والتي لا تعبر عما كانت تعنيه .. ولكنه رد عليها ببساطه :
- إذا دعينا نعقد قراننا في الشهر القادم .. ونقيم الحفل في الشهر الذي يليه .. ما رأيك ؟.
فكرت قليلا .. وقبل أن تجيبه .. أردف قائلا :
- يجب أن نسرع صغيرتي .. حتى نستطيع السفر والاطمئنان عليك .
هنا تخللت ملامحها البريئة الكثير من الأسى .. فتساءل هو بقلق واضح :
- ماذا هنالك .. صغيرتي ؟.
أجابته والحزن ينطق من عينيا :
- ماذا لو .. ماذا لو داهمني المرض وأغمي عليّ في حفل الزفاف ؟.
- سنخبر المدعوين انك لم تستطيعي مقاومة جمالي .
حاولت نور مغالبة ضحكتها :
- أنا أحدثك بجديه يا حسام .
- حسنا صغيرتي .. حاولي أن لا تقلقي كثيرا .. ودعيها على الله يدبرها كيفما يشاء .
هزت رأسها بالإيجاب .. فبذكره لله تبارك وتعالى أراح تفكيرها .. أردف حسام متحدثا بأسلوب الطبيب اللطيف :
- وعلى كل حال حاولي أن تتناولي الكثير من المنبهات في هذه الفترة .. ولكن قبل الساعة السابعة مساء حتى لا تسبب لك الأرق .
أجابته باستسلام :
- حسنا .

------------------------

مر ذلك الشهر كلمح البصر .. بين انشغالها بتحضير نفسها .. وتلك التغييرات اللازمة التي أصابت البيت كي يستقبل كل المدعوين من العائلة والأصدقاء ..
لم تكن نور قادرة على استيعاب ذلك الكم المتدفق من المشاعر .. والتي غمرتها يوم عقد قرانها على حسام .. كان الكل في البيت يسيطر عليهم التوتر الشديد .. وكانوا مشغولين بكل شيء ولا شيء .. فالكل يستعد لاستقبال الشيخ الذي سيقوم بإتمام العقد ورجال العائلة اللذين سيصاحبونه .. فأصبح البيت كخلية نحل تضج بالعمل الدءوب .. بعد آذان العصر مباشرة جاء الشيخ ليجمع بين كف حسام ووالده .. لقد كانت رغبة نور بأن يزوجها العم صلاح لحسام ..
أنصتت النسوة من الحجرة المجاورة لحديث الشيخ المطمئن وتلاوته لبعض الآيات القرآنية .. ثم بدأ بتلقين العريس .. وولي أمر العروس ما يجب قوله .. لا تدري نور لما كانت تشعر بقشعريرة غريبة تسري في أوصالها .. حتى أنها أفلتت دمعه من عينيها .. كانت الرهبة تعم المكان .. إحساس مهيب ذلك الذي يغشى بيتها في هذا الوقت .. ففي تلك اللحظات سيربط وثاقها رسميا برجل .. ليصبحا بعد ذلك كيان واحد .. كم هو عجيب هذا الشعور .. وكم أن البعض لا يقدره .. كانت تلك الكلمة التي ألقاها الشيخ قبل قليل في حديثه ترن في أدنيها ((وأخذنا منكم ميثاقا غليظا)) .. لم تكن تفكر يوما بالارتباط .. إلا في سبيل حبها لسامح .. وبعده لم تراودها تلك الفكرة .. ولكنها الآن تفكر بمسؤوليتها أمام هذا الميثاق الغليظ والذي ستقطعه على نفسها ..
بعد لحظات .. جاء عمها يحمل دفترا طويلا ليعطيه لها .. حتى توقع على العقد .. أخذت القلم بيد مرتعشة .. وبدأت ترسم توقيعها بقلب مضطرب .. لقد تزاحمت عليها الأحاسيس فلم تعد تفهم حقيقة ما تشعر به .. كان هنالك حزن غريب يكتنفها .. لا تدري مصدره .. هل هو حزن على عمرها الضائع .. على حبها الأرمل .. أم هو ذلك الشعور الذي يخالج كل عروس في يوم كهذا .. فرحه خجولة تستتر تحت ذلك الحزن على فراق هذا الدار الذي ولدت وترعرعت بداخله .. وتلك الأم الحنونة .. ولكل تلك العادات الصبيانية و اللامسؤولة .. كم هو مربك هذا الشعور .. أن يمتزج بداخلك الفرح والحزن .. وتبتسم والدموع تغرق عينيك ..
قبلها العم صلاح مباركا لها .. وانطلقت معه زغاريد عمت المكان وترددت في أرجاء البيت معلنا فرحه صادقه للعروسين الشابين .. بعدها شعرت بحضن والدتها يغمرها .. فأجهشت ببكاء طفولي .. فراح الكل يؤنبها وهم يشاركونها دموع فرح صادق .. بعد أن خرج الشيخ .. وكل الرجال .. سمعت نور والدتها تستوقف حسام ممازحه :
- ألا تنوي إلقاء التحية على زوجتك .. يا حسام ؟.
تقدم حسام من الأم بحياء شديد .. وقبلها على رأسها .. فضمته إليها وهي تدعو لهما بالحياة السعيدة .. كانت نور تشعر بأن قلبها قد جن من شده تلك النبضات الهوجاء والغير مبررة .. لقد كانت تلك المرة الأولى التي يراها حسام بعد أن أضحت شابه ومن دون حجاب .. كانت ترتدي فستانا بسيطا بلون زهرة السوسن .. فأظهر ذلك اللون الناعم بياض بشرتها .. كانت سيوره الرفيعة ملقاة بإهمال فوق كتفيها الناعمين .. وكان يكشف جزءً من أعلى صدرها .. يضيق في منطقه الصدر ويتسع بعده ليصل إلى أعلى ركبتيها .. كان تصميمه اقرب إلى ما ترتديه الحوامل .. ولكن قماشه الحريري المنسدل برفق .. والذي يرقد بألفه على جسدها النحيف .. استطاع أن يظهر معالم جسدها الأنثوي .. لم تكن تحب الأصباغ كثيرا لذلك لم تكثر منها .. مما جعل وجهها ينير بفتنه تلك البراءة التي تكلله .. شعرها الأسود الطويل كان معقوصا خلف رأسها بطريقه مهمله مما زادته جمالا .. فراحت خصلاته تتناثر على كتفيها وتتدلى إلى منتصف ظهرها ..
لم تكن تؤمن بجمالها .. ولطالما أنكرت نظرات إعجاب من حولها .. ولكن تلك النظرة التي استقرت في عيني حسام .. منذ أن رآها جعلت وجنتيها تشتعلان بحمرة الخجل .. كانت نظره مذهولة بعض الشيء .. وكأنه توقع أن يرى طفلته الصغيرة .. ولم يدرك بأنها قد أضحت أنثى فاتنة .. يلفها ذلك الجمال الطاهر والبريء ..
عادت نور تنظر إليه بعد أن استطاعت التأقلم مع نظرته التي كانت لتقول أنها اقرب إلى الهيام والعشق لولا معرفتها بمشاعره نحوها .. تطلعت إلى ذلك الوجه الأسمر الجذاب .. ولتلك الابتسامة الساحرة التي مؤكد قد استطاع بها خطف أبصار الموجودين .. راح قلبها يقرع طبول الارتباك .. ولكنه كان ارتباكا لذيذا .. إحساس قوي بداخلها جعلها تشعر بأنها صارت ملكا لهذا الشاب الواقف أمامها .. نعم .. لقد وقعت منذ قليل على ملكيته لها .. هي تدرك في قراره نفسها شكليه هذا الارتباط .. ولكنها قطعت وعدا على نفسها عندما كانت ترسم تلك الخطوط الملتوية المسماة بالتوقيع .. لكي تسعد هذا الشاب بكل ما تستطيع من قدره .. وأن تحافظ على قدسية هذا الرابط الذي يجمعهما .. فهو يستحق ما هو أكثر من ذلك ..
عندما وقف حسام بجسده الطويل أمامها .. ابتسم لها بحنان .. واحتضن وجهها بيديه الدافئتين .. وانحنى قليلا كي يقبلها على جبينها بلطف .. في اللحظة التي أحست بلمسه شفتيه .. تعالت الزغاريد من حولهما .. ثم أفلتها برفق وحدثها بصوت منخفض يكشف عن مدى إعجابه بها :
- هل حقا هذه أنت .. صغيرتي ؟.
ابتسمت نور بحياء بالغ وهي تهز رأسها بالإيجاب بعد أن تعقد لسانها فهي لا تزال تعجز في التعامل مع كلمات الإعجاب .. كان حسام لا يزال غارقا في بحر عينيها السوداويين .. حتى تملكها إحساس بأنه لا يدرك شيئا مما يحيط بهما .. ولا يرى سواها .. تدخلت رهف محاوله إحراجهما :
- هيا أيها العاشقان ألن تغيرا موضع الخواتم ؟.
خلع كلا منهما خاتمه .. وكان هو البادئ بتغير خاتمها ليدها اليسرى .. من ثم قامت هي بنفس الشيء معه .. لا تدري كيف خلت الحجرة فجأة .. فتساءلت ببساطه محاوله أن تكسر حاجز الصمت الذي يأسر حسام .. فهي لم تتعود ذلك الهدوء منه :
- لا اعرف لما لا يبقون على الخاتم في يد واحده ؟.
أجابها بصوته الهادئ .. وهو يمسك يدها اليسرى برفق ويمرر أنامله عليها :
- لان هنالك مقوله .. بأن هنالك وريد يصل مباشرة بين هذا الإصبع والقلب .
- حقا ؟.
هز رأسه .. وأجاب ممازحا :
- نعم .. هكذا ستقعين في حبي دون أن تدركي ذلك ؟.
أجابته بشقاوة :
- وهل هذا يعني بأني لم أكن احبك ؟.
نظر لها بتلك الطريقة التي أضحت تربكها .. وتشعرها بجديه كلامه :
- بل ستحبينني بنفس طريقتي .
صمتت نور بحياء .. كانت تسمع أحيانا رنة صادقة بين كلماته المازحة .. مما يزيد توترها .. ولكنها سرعان ما تكذب تلك الأحاسيس الغريبة ..
في المساء حضرت صديقات نور وبعض نساء الحي .. وزميلات والدتها في العمل .. وبالرغم من ذلك الجو المرح الذي كانت تشيعه الفتيات .. وتعالي الزغاريد مع تلك الألحان الصاخبة .. إلا أنها كانت تبحث بعينيها عن ذلك الشخص الذي لم يحضر إلا الآن .. مع أن الخال صلاح اخبرها بأن والدة حسام لن تستطيع الحضور فهي تشعر ببعض التعب .. إلا أنها ظلت على أمل أن تغير رأيها وتحضر ..
بعد أن خلى البيت من ضيوفه .. راحت الأم ونور ورهف يساعدن بعضهم في تنظيف البيت .. لقد فظلت رهف المبيت عند نور كي تمد يد العون لهم .. وبعد ساعة من العمل الشاق .. اغتسلن وتناولن العشاء .. ورغم الإرهاق الذي تملك الفتاتين إلا أنهما لم يستطيعا النوم ..
دخلت الخالة حياة إلى حجرة ابنتها .. فسارعت رهف بالسؤال :
- هل ستقيمين حفلا الزقرة والغسل لنور يا خاله ؟.
- بالطبع .. أنها ابنتي الوحيدة .
تغضن وجه نور .. وتساءلت بضيق فلقد كانت تكره تسلط الأضواء عليها :
- وما الداعي لذلك يا أمي ؟.
أنبتها الأم بلطف :
- إنها إحدى تقاليدنا يا نور .
تساءلت نور باستسلام هذه المرة :
- من الذي اخترع هذه الحفلات ؟.
ضحكت الخالة حياة على ابنتها وأجابت ببساطه :
- لقد كان القدماء يقيمون تلك الحفلات لهدف معين .
تساءلت رهف بشغف :
- هيا قصي لنا يا خاله كل ما تعرفيه .
- حسنا .
عدلت الصديقتان من جلستهما استعدادا للحكاية .. فانزلقتا بجلستهما وأسندت نور رأسها على كتف صديقتها .. وأسندت رهف بالمقابل رأسها على رأس نور .. ولكنها حذرتها متصنعه الجدية :
- إياك أن تنامي .. لدينا قصه يجب أن نسمعها .
ضحكت نور عليها .. ولم تغير من جلستها ولكنها ضربت فم رهف بخفه :
- إذا فلتسكتي أيتها الثرثارة .
بدأت الأم بالحديث .. وهي تبتسم لشقاوة الفتاتين :
- إننا الآن نقيم حفل الزقرة والغسل ولكن بالطريقة الحديثة .. فنحن الآن نفصل بينهما بيوم لنرتاح فيه من صخب الاحتفال .. ولكن قديما .. كانوا يقيمون الاحتفالين بشكل متتابع .
قاطعتها رهف متسائلة :
- ما الذي تقصدينه ؟.
- ما اقصده هو .. أنهم قديما كانوا يفاجئون العروس عندما تعود من المرعى .. ويغطونها بقماش اخضر .. ويجلسونها في بهو البيت .. ليبدأ حفل الزقرة .. كانت الفتيات في الماضي لا يملكن حرية الاختيار أو الموافقة على شريك الحياة .. وبهذه الطريقة كانت الفتيات يدركن أنهن سيرتبطن بشخص ما .. كانت العروس المغطاة تجلس على تلك الحالة لليوم التالي .. والكل يغني ويحتفل بجانبها .. حيث يسمى اليوم التالي بحفل الغسل .. وفيه تذبح الذبائح .. ويدعى الناس لتناول الغداء .. في الوقت الذي تدخل فيه العروس لتستحم .. وتغتسل بالحناء .. من ثم تأخذها النسوة لتزينها .. ويواصلن الاحتفال في ذلك اليوم أيضا .
تكلمت رهف بشفقه :
- يال الفتاة المسكينة .. كيف هو إحساسها وهي تزف لشاب لا تعرف عنه شيء .
ابتسمت الأم وهي تخرج من الحجرة :
- ليس بالضرورة أيضا أن يكون شابا .. فبعض الأسر الفقيرة كانت تزوج بناتهن من أجل المال .
نظرت رهف إلى نور .. فوجدتها شاردة والابتسامة تعلو شفتيها .. فضحكت وهي تحدثها :
- على ماذا تبتسمين ؟.
عدلت نور جلستها .. وهزت رأسها يمينا ويسارا وهي لا تزال تبتسم .. مما أثار فضول رهف .. فعاودت سؤالها بإلحاح اشد :
- هيا يا نور اخبريني ما الذي يضحكك .
كانت نور تعلم بأن رهف لن تتركها .. فأجابتها ببساطه :
- كم هي محظوظة تلك الفتاه التي سترتبط بشاب لا تعرفه .. لو كان ذلك الشاب حسام .
ضحكت رهف على حديث نور الغريب .. وتسامرت الفتاتان إلى أن غلبهما النعاس ..

لم تعرف نور كيف تتسرب الأيام من بين يديها كحفنة ماء .. كانت تغرق في دوامه المشتريات .. وتجهيز نفسها لحفل الزفاف .. وما يسبقه من احتفالات بعد أن أصرت والدتها على إقامتها .. كانت تتسوق بشكل شبه يومي مع رهف التي لم تكن تتركها دقيقة .. وتساعدها في كل شي .. مما جعل وجودها وذلك الجو المرح الذي تشيعه .. يخفف على نور الكثير من الضغوطات ..

وفي إحدى المرات والفتاتان تتجولان في سوق عدن .. انتبهت رهف للساعة في يدها :
- آه لقد تأخرت كثيرا .. ويجب أن أعود للمنزل الآن .
ودعتها نور بعد أن أوصلتها إلى محطة الحافلة .. واتجهت هي إلى ذلك المحل الذي كانت تود تبديل قطعه ملابس منه .. قبل أن تعود إلى البيت .. وبعد خروجها من ذلك المحل .. شعرت بسيارة خلفها .. وسائقها يطلق البوق .. ابتعدت أكثر عن الطريق .. بالرغم من أنها لم تكن تعيقه .. ولكن السيارة ظلت مصره على ملاحقتها .. استغربت نور من ذلك .. وفكرت بأنه مؤكد شاب صغير من أولائك الشباب المستهترين والذين يعتقدون أنفسهم أضحوا رجالا بامتلاكهم للسيارات وتدخينهم للسجائر ومعاكستهم للفتيات .. ابتسمت وهي تتخيل صدمته عندما يراها جيدا ويدرك بأنها اكبر منه بكثير .. ولكنها اضطرت إلى النظر إليه بعد أن نفذ صبرها .. وما أن رأته تسمرت في مكانها .. خاصة بعد أن فتح لها باب السيارة وأمرها بضيق :
- هيا اصعدي .
كانت تلك النظرة القاسية التي يرشقها بها .. تهز قلبها رعبا .. بدأت ملامحه تقسو أكثر وتعقدت حواجبه فوق عينيه البنيتين بعد أن نفذ صبره .. خاصة عندما تعالى صوت بوق لسيارة أخرى تقف خلفه وتحثه على السير .. في الوقت الذي لم تعرف نور ما الذي يجب عليها فعله للفرار من هذا الحبيب المجروح .



الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 12
قديم(ـة) 05-04-2012, 07:35 PM
صورة ♫ معزوفة حنين ♫ الرمزية
♫ معزوفة حنين ♫ ♫ معزوفة حنين ♫ غير متصل
©؛°¨غرامي فضي¨°؛©
 
الافتراضي رد: ملاك الحب / للكاتبة : my faith




(10)
تقاليد يمنية



كانت الحيرة تلفها .. واضطرابها يزداد .. خصوصا بعد أن سببت أزمة سير .. فيبدو أن سامح قد اقسم ألا يتحرك إلا بها .. كان ينتظرها بعصبيه بالغه .. وهي تقف مشدوهة لرؤيتها اشتعال الغضب في عينيه .. بدأت ترتجف خوفا منه .. فهل تستطيع الصعود معه .. النظر في عينيه .. تلك العينين البنيتين واللتان لطالما عشقت بريقهما الصارخ بحبها .. ولكنها الآن ترى فيهما توهج كرهه لها .. شعرت نور بأنها محاصره ولم تجد مفرا من الصعود معه .. كما أنها لا تملك سببا لرفضها الصعود مع ابن عمها ..
نعم فسامح سيبقى دوما .. ابن عمها .. ومهما تغيرت المسميات .. والمشاعر التي تربط كليهما .. لن تستطيع أبدا تجاهل رابط القرابة بينهما ..
حرك سامح السيارة بسرعة جنونية .. ما أن استقرت نور بجانبه .. مما زاد خوفها منه .. كانت تود أن تأمره بان يخفف السرعة .. ولكنها لم تجرؤ على فعل ذلك .. وظلت تنظر أمامها متصنعه الهدوء وهي تلعب بأناملها بتوتر واضح .. وكأنها طفل صغير مخطئ ينتظر عقاب والديه ..
لم يحدثها هو .. فراحت تختلس النظر إليه .. روعها منظره الذي لم تدقق عليه مسبقا .. لقد كانت آثار الأرق بادية على ملامحه .. وترسم ظلالها تحت عينيه .. كما أنه أصبح أكثر نحافة .. لقد رأته غاضبا من قبل .. ولكن ما تراه اليوم كان اسوأ .. كان يمسك بمقود السيارة بقوه والعروق تبدو نافرة تحت جلد يديه ..

وفجأة التفت إليها مباغتا إياها بسؤاله الغريب والذي لم تستوعبه للوهلة الأولى :
- متى تنوين تركه ؟.
- اترك من ؟.
- حسام .
فغرت نور فاهها دون وعي منها .. ثم عقدت حاجبيها وتساءلت بحده :
- هل جننت يا سامح ؟.
كانت حاجبيه لا يزالان مقعدان فوق عينيه .. وضغط على أسنانه .. ثم أجاباها بحرقه :
- ألا يحق لي ذلك بعد كل ما تفعلينه بي يا نور ؟.
لم تستطع الرد عليه .. فخفضت رأسها وهي تحاول تهدئه ذلك القلب الذي راح يتلوى بين ضلوعها معلنا رفضه لكل قراراتها .. أنها لم ترى سامح بمثل هذا الضعف أبدا .. وهذه المرة الأولى التي يتمسك بها بهذا الشكل .. وإصراره هذا يعذبها .. يجعلها تشعر بالسخط على نفسها .. لأنها تسبب له كل تلك المعاناة ..

حلق الصمت فوق رأسيهما لبرهة .. بعدها شعرت به ينحرف بالسيارة ليوقفها على جانب الطريق .. التفت إليها وبدأت ملامحه ترق بعد أن رأى تلك الدموع التي كانت تتلألأ في عينيها السوداويين :
- لماذا يا نور ؟.. لما قررتِ تعذيبي .. ونسيتِ بأنك تجرحين نفسك بالمقابل ؟.
لقد كان محقا في كل كلمه يقولها .. نعم .. إنها تحس بجرحه يتعمق في صدرها هي .. ولكنها لا تستطيع أن تصارحه بالحقيقة ولا أن تجعله يعاني معها مرضها النادر .. فهي تحبه .. ولطالما أحبته ..
ردت عليه بصوت خافت وكأنها تجيب على أفكارها هي :
- لا استطيع يا سامح .. لا استطيع ..
- ما هو الذي لا تستطيعينه .. أنا لا أجد سببا مقنعا لهذا الارتباط .. لذلك يكفي يا نور .. لقد نجحت .
رفعت رأسها والدهشة تعلو ملامحها .. إنها لم تعد تفهم ما يرمي إليه .. أردف هو برفق اكبر :
- نور .. أن كنت تودين اختبار مشاعري نحوك .. فها أنا اعترف بأنك نجحت .. أنا أموت في كل لحظه .. ولن أتقبل أبدا فكره هذا الارتباط المزيف .. لذلك يكفي .. يجب أن تنهيا هذه المسرحية التي تقومان بها .
كان كلامه يزيد من عذابها .. ولم تعرف بماذا تجيبه .. كيف تقنعه دون أن تجرحه أكثر من ذلك .. كيف تخبره بأنها لم تعد ملكا له .. فجأة تذكرت كلمات حسام لها .. بان سامح لابد أن يغفر لها يوما .. لذلك نطقت أخيرا بكلمات خافته تقطر حزنا :
- ثق بأنه سيأتي يوم ستتوضح لك كل الأمور .. وبعدها ستكون أنت من يملك الخيار .
شعرت بملامحه تقسو من جديد .. وراح يصرخ بحده وهو يسد أدنيه :
- كفى .. كفى .. أنا لا أود أن اسمع مثل هذا الكلام ..
ثم امسك بكتفيها وهزها وعينيه تلمعان بحزنه المكتوم :
- هيا يا نور .. اتركيه .. اتركيه من اجلي .. فلتنهي هذه التمثيلية الآن .
لم تشعر نور بنفسها إلا وهي تحضن يدها اليسرى والتي يستقر على إصبعها خاتم حسام .. وكأنها تحميه من حبيبها المجنون .. فكانت حركتها تلك سببا في تشنج يدي سامح الممسكة بكتفيها .. كانت عينيه تكاد تخرجان من هول الصدمة .. بعد أن ميز أن نور أضحت الآن زوجه أخاه .. بفعل هذا الخاتم ..
بعد لحظات سقطت يديه من عليها .. وأثار الدهشة لا تزال تسيطر على كل خليه في وجهه الوسيم .. ثم ضرب مقود السيارة بقبضتيه .. فانتفضت نور رعبا .. وهي تغمض عينيها الدامعتين .. أتاها صوته المترنح تحت وطأه دموعه .. وتساءل بصعوبة :
- متى ؟.
توقف قلبها لرؤيته يبكي .. وتمنت لو استطاعت أن تحضنه .. أن تخفف عنه .. أن تنسيه كل ما سببته له من وجيعة .. حاولت أن تسيطر على نفسها كي لا تفلت نشيجها .. وأجابته بصوت مهزوز على ذلك السؤال الذي تدرك مقصده منه :
- لقد تم عقد القران قبل أسابيع .. ونحن على وشك الزواج أيضا في الشهر القادم ؟.
التفت إليها بسرعة خاطفه .. وكأنه سيهم بتكذيب حديثها .. أو هكذا تمنى .. ولكنه أدرك صدقها بعد أن عاود النظر إلى ذلك الخاتم الذي يلمع بين أناملها الرقيقة .. حاول أن يتابع حديثه معها .. ولكن الصدمة ألجمت لسانه .. مؤكد أن والدته فضلت عدم إخباره بذلك .. كما انه لم يعد يتواجد في البيت .. بعد أن أقام مع مجموعه من أصدقائه العزاب ..
غطى وجهه بيديه ليحبس تلك الدموع التي تحاول الإفلات منه .. واخذ نفسا عميقا وهو يمرر أنامله بين خصلات شعره .. لم تعد نور تحتمل هذا الجحيم الذي تعيش فيه .. رؤيتها لهذا الحبيب .. الذي تحرق قلبه بيديها .. وبالرغم من أنها لا تعرف أين هي الآن .. إلا أنها فتحت باب السيارة محاوله الهرب كعادتها .. شعرت في تلك اللحظة بيده تمسك بذراعها ليستوقفها .. ثم بدأ بتحريك السيارة .. دون إن ينطق بكلمه واحده .. أغلقت هي الباب مره أخرى .. وجلست والدموع تنزلق على وجنتيها بصمت .. وبعد لحظات كانت السيارة تقف أمام منزلها .. كانت لا تشعر بقدميها .. وأحست بأنها تجر نفسها بصعوبة .. لم يكن قلبها يقوى على فراقه وهو بتلك الحالة .. ولكنها لم تستطع سوى أن تقول له كلمتين قبل أن تخرج :
- أنا أسفه .
كان عقلها مشتتا .. وأحست بان قلبها يوشك أن يقفز من صدرها لكي يبقى بجانبه .. ولكنها لم تجد سوى كلمه أسفه لتودعه بها .. بالرغم من إحساسها .. بأنها مظلومة مثله ..


استندت بظهرها على باب منزلها بعد أن أغلقته خلفها .. وظلت تغالب دموعها .. لم تكن تود أن تراها والدتها بتلك الحالة .. ظلت صوره سامح تتحرك أمام عينيها فتزيد من وجعها .. بعد برهة أطلت والدتها من أعلى الدرج .. بعد أن سمعت صوت الباب .. صعدت نور مسرعه وهي تخفي دموعها .. فاحتضنتها الأم بقلق :
- لما تأخرت يا نور لقد قلقنا عليك ؟.. ولما هاتفك مغلق ؟.. لقد كاد حسام أن يجن بسببك .
- حسام ؟.
تساءلت بشرود .. فراحت الأم تشرح لها :
- لقد جاء لرؤيتك بعد أن انتهى من عمله .. وكان يود أن يخرج للبحث عنك لولا أننا اتصلنا برهف وطمأنتنا عليك .. هيا ادخلي فهو ينتظر في حجرتك .
تركتها والدتها عند باب الحجرة .. فراحت دموعها تنهمر بغزاره اشد عندما علمت بوجود حسام .. فتحت الباب وهي ترتجف .. كان هو يقف وسط حجرتها .. وما أن رأته .. اندفعت نحوه بسرعة بالغه وانفجرت باكيه في حضنه .. كانت تغطي وجهها في صدره .. لكي تكتم نشيجها المتزايد .. طوقها حسام بذراعيه الدافئتين .. وضمها إليه برفق وهو يربت على رأسها .. والقلق يتخلل كلماته الهادئة :
- ما بك صغيرتي .. هيا اهدئي .. ولتخبريني ما الذي حدث ؟.
لم تستطع الحديث .. فالحزن الذي تشعر به لم يدعها تتغلب على دموعها .. ولم يترك لها مجالها للحديث .. لم يحتمل حسام صمتها .. وبدأت أسئلته تنهال عليها :
- هل حدث لك مكروه ؟.. هل ضايقك احدهم ؟.
كانت نور لا تزال تتشبث به وهي تحرك رأسها يمينا ويسارا فوق صدره .. فأردف حسام بتوتر :
- إذا ما بك .. صغيرتي ؟.
هدأ نشيجها أخيرا .. بعد أن استنزفت كل دموعها .. وعندما غمرها الهدوء .. استطاعت سماع ذلك النبض الهائج والذي يرن في إذنها القريبة من صدر حسام .. انتفضت نور لذلك .. ما الذي تقترفه في حق حسام .. ها هي تعود لتعذبه بهمومها من جديد .. رفعت عينيها إليه لتحدثه بحزن اشد :
- أنا أسوأ إنسانه على هذا الوجود يا حسام .
حضن حسام وجهها ورأت الألم يرتسم على ملامحه :
- لماذا تقولين مثل هذا الكلام .. صغيرتي ؟.
- لأنني كذلك .
عاودت الحديث من خلال دموعها الجديدة :
- لأنني لم اكتفي بتعذيب سامح .. بل أشركتك معي في هذه الدوامة المؤلمة .
أطبق الصمت عليه .. وراحت هي تفرغ محتويات قلبها المجروح :
- لقد رأيته اليوم .. وجدت العذاب يسكن بين عينيه .. ولأول مره بحياتي أره يبكي .. لقد كنت أنا السبب في دموعه يا حسام . أنا السبب في كرهه لي ولك .. لقد بت اكره نفسي على ذلك ..
رفعت رأسها إليه من جديد وتساءلت متوسلة :
- ما ذنبك أنت في كل هذا يا حسام .. ومتى سينتهي هذا العذاب الذي اشعر به .. متى ؟.
أجلسها على السرير بهدوء .. وجلس هو على إحدى ركبتيه إمامها .. طوق أناملها الناعمة بيديه الدافئتين .. وبدأ يحدثها بصوته العميق الهادئ :
- متى ستدركين أنت مدى حبي لك ؟.
راح قلبها ينبض بقوه .. جراء تلك الكلمات التي هزت كيانها .. وتلك النظرة الغريبة والتي لم تعد تفهمها .. كانت تلك المشاعر التي تشع منه أقوى من أن تحتملها .. مما جعلها تشعر بسخط اكبر على نفسها عندما إجابته :
- وهل استحق أنا كل هذا الحب ؟.
راحت تنظر إلى أناملهما المتشابكة بأسى .. وسقطت إحدى دموعها لتستقر على يده .. داعبت أنامله تلك الدموع المتناثرة على خديها .. ثم رفع رأسها لكي ترى عينيه .. تلك العينين اللتان تشاركها كل انفعالاتها .. وترى فيهما تلك الروح الجميلة التي يمتلكها .. كان حبه لها .. والذي لا يقبل التنازل عنه أبدا .. يربكها كثيرا .. مؤكد أنها لم تخطئ في ذلك السؤال .. فهي لا تستحق حب حسام لها .. اخذ هو نفسا عميقا ثم ابتسم لها بود :
- أنت حقا لا تدركين قدرك في قلبي .. يا نور ؟.. ولكن ما يهمني الآن هو أن لا أرى هذه الدموع مره أخرى .
أكمل حديثه هذه المرة بعد أن عاودته سحابه الحزن :
- صغيرتي .. لقد أخبرتك مسبقا .. إن ارتباطنا هذا لن يدوم .. وأنا كفيل بتوضيح كل الأمور لسامح .
لا تدري لماذا انقبض قلبها عند قوله ذلك ولكنها ابتسمت مطمئنه بعد ذلك القلق الذي سببته له .. و قف هو ليجلس بجانبها على السرير .. ضمها إليه برفق وقبلها على رأسها :
- أن هذه الابتسامة هي ما سأظل انشده دوما .. ولا تعاودي قول هذا الكلام عن كرهك لنفسك مره أخرى .
رفعت رأسها إليه محاوله أن تتحدث ولكنه وضع إصبعه على شفتيها :
- الاعتراض غير مسموح .. ويجب أن تنفذي أوامر زوجك .
هزت رأسها بالإيجاب بسرعة .. فوقف هو مودعا إياها بعد أن نظر إلى الساعة وأدرك تأخر الوقت :
- يجب أن اذهب الآن .
أمسكت بذراعه وهي تحاول إبقاءه :
- ألن تتناول العشاء معنا ؟.
- اعذريني .. فأنا أود أن التقي شخص ما ؟.
- حسنا .
كان تواجد حسام في حياتها يشعرها بالأمان .. بالدفء .. داعب وجنتها بأنامله وهو يحدثها قبل أن يخرج :
- ليتك تستطيعين رؤية نفسك بعيوني .. يا صغيرتي الحساسة ؟.
شعرت نور بان يتعمد دفع قلبها للجنون .. فالتهبت وجنتاها بحمره حياء .. أشاع منظرها الخجل الفرح في ملامحه .. ثم امسك يدها وجرها خلفه قائلا بمرح كي يخرجها من ذلك الجو المربك والذي يدرك هو بأنها لم تتعوده منه :
- هيا .. فلتهربيني الآن .. قبل أن تمسكني والدتك للعشاء .
سارت خلفه باستسلام .. وهي تكتم ضحكتها .. حتى لا تشعر والدتها بهما .. وراحا يتسللان على الدرج .. ودعته بابتسامتها الجميلة .. وعندما عادت إلى حجرتها .. غضت في نوم عميق .. خالي من الهموم ..


----------------------
كانت نور تشعر بان الأيام تشارك من حولها فرحتهم .. وتنقضي بسرعة كي تزف العروسين الشابين لبعضهما .. وعند قدوم الشهر الجديد .. غرقت في سلسله الاحتفالات التي أصر الأهل والأصدقاء على إقامتها للعروسين المحبوبين فأصبح الغناء والرقص لا يهدأ بداخل البيت .. وعلى غير المتوقع استمتعت نور كثيرا بتلك الحفلات وخصوصا حفل الزقره .. كانت تلك الوجوه الباسمة .. والفرحة التي ترقص في عيون كل من حولها تشعرها بالسعادة .. كما أن الخالة هدى حضرت تلك الاحتفالات بعد أن استطاع حسام إقناعها بمساعده العم صلاح .. فبوجودها اكتملت الفرحة في قلب نور ..
أحبت نور عندما غطوها بالقماش الأخضر والمطرز فراحت تطالع الكل وهم يزغردن حولها ويرقصن بفرح .. كانت مستمتعة وهي تراهم من وراء ذلك الحجاب .. فبتلك الوضعية لم تكن تعاني مشاعر الخجل من تركيز الأنظار عليها .. بعد فتره ليست بالقصيره قاموا بزفها إلى الحمام .. لتغتسل .. كانت التقاليد تقتضي بان تدخل جده العروس أو والدتها معها .. لكي تساعدها بالاغتسال بالحناء والهرود .. وغيرها من مساحيق الأشجار الطبيعية .. ولكن نور احمرت خجلا عندما حاولن إقناعها بذلك .. واستطاعت أن تفلت منهم .. بعد ذلك جاء دور صديقاتها في تزيينها .. فجعلوها ترتدي الزي التقليدي لفتيات عدن وما يسمى بالدرع كان عبارة عن قماش حريري خفيف وشفاف .. تتناثر عليه بعض الفصوص اللامعة .. ويفصل بشكل بسيط وواسع كان جمال الدرع يظهر بالألوان المرسومة عليه .. وبقماشه الشفاف .. والذي ترتدي الفتاه تحته ما يشبه التنوره الطويلة وحماله صدر يكونان مطابقان للونه .. ويبقى خصرها النحيف ظاهرا من تحت قماش الشفاف .
كانت رهف تحوم حولها بمرح .. وتحاول مساعده الفتيات بإتمام زينه نور .. فقمن بتبخير شعرها بالعود والبخور .. ثم بتسريحه وذلك بعمل جديلة طويلة تلف بخيوط من زهور الفل العطرة .. فلقد كانت تلك التسريحة تعد من تقاليد حفله الزقره وكانت تسمى بالصفاء بعد ذلك ألبستها رهف الذهب .. وشدت الدرع حول خصرها بحزام من الذهب أيضا .. في الوقت الذي كانت إحدى صديقات نور تضع الأصباغ على وجهها الجميل .. وبعد نصف ساعة تقريبا .. كانت نور تشع بفتنه بريئة .. أكملن الحفل بعد ذلك .. وشاركت نور صديقاتها في الرقص اليمني المسمى بالشرح .. كما رقصت مع والدتها .. ووالدة حسام ..
في تلك الأثناء كان حسام يحتفل أيضا مع أصدقاءه .. كانت التقاليد اليمنية تقتضي من الشاب أن ينصب خيمة خشبية كبيره بجانب بيته ليقيم حفل المقيل والذي يتناولون فيه القات .. ولأن حسام لا يتناوله لم يحبذ أقامه ذلك الحفل .. لكن أصدقاءه أقمن له حفلا آخر وهو الليوه .. فهي شبابيه أكثر من المقيل .. ففيها يوضع مكبري صوت في ركني الحارة .. ويتجمع شبابها وكل أصدقاء العريس .. بحضور فرقه شعبيه .. للغناء اليمني .. ويبدأ الشباب بعمل حلقه كبيره يتشاركن فيها الرقص والمرح طول الليل ..
بعد انتهاء الحفلين .. ذهب حسام لبيت نور .. كي يحضر لرهف فستانها من عند الخياط .. فلقد كان حفل الزفاف بعد الغد .. وعندما فتحت له نور الباب .. ضحك الاثنين على بعضهما .. لم يكن حسام قد رآها من قبل ترتدي الزي التقليدي للنساء .. وهي كذالك .. ظلت تتفحصه .. وهو يقف ممشوق القامة أمامها .. كان يرتدي قميصا اسود اللون مع إزار يسمى بالمعوز .. لقد كان وسيما جدا .. وذلك اللون الأسود الذي يرتديه كان يزيد من جاذبيه بشرته السمراء .. طلت رهف من الحجرة برأسها بعد أن شعرت بصمتهما .. ثم قال بمرح :
- حسام .. حتى أنت ارتديت الزي التقليدي ؟.
جاءت الأم على حديث رهف .. وتقدمت منه لتسلم عليه .. فقبلها على رأسها بأدب :
- فليباركما المولى .. وليحرسكما من كل عين حاسده .
ابتسم العروسين بحياء .. ثم فجأة دخلت رهف إلى الحجرة وجاءت بالكاميرا .. لكي تلتقط لهما صوره .. بعد ذلك نظرت بريبه إلى حسام .. وتساءلت بقلق .. وهي تراه خالي اليدين :
- أين هو فستاني .. الم يجهز بعد ؟.
خبط حسام جبينه بيده برفق وأجابها بحياء :
- لقد نسيته في السيارة .. سأحضره حالا .
ضحكت رهف عليه وقبل أن تعلق مازحه .. أشارت لها نور بعينيها كي تكف .. فهي تدرك مدى خجل حسام .. ظلت نور تنتظره ودخلت رهف والأم إلى الحجرة .. عندما رأته أسفل الدرج .. استوقفته كي تنزل هي لأخذ الفستان .. نزلت بسرعة وعند الدرجة الأخيرة كادت تسقط فتلقاها هو بين ذراعيه .. ابتعدت من حضنه بحياء .. فحدثها مازحا :
- هل تسعين لتشويه عروستي ؟.
زاد احمرار وجنتيها .. فاقترب منها أكثر وهمس في أدنها .. وهو يضع الفستان بين يديها :
- هذا ما كنت أود رؤيته قبل أن اذهب .
ثم اختطف قبله سريعة من خدها وهو يودعها مازحا :
- تصبحين على خير صغيرتي .. ولتحلمي بي .
خرج حسام دون أن ينتظر ردا منها .. وكانت هي تحاول أن تتمالك نفسها .. وتهدئ ذلك الصخب الصادر من قلبها .. صعدت الدرج بفكر شارد .. وكأنها تحت تأثير المخدر .. وعندما دخلت الحجرة اختطفت رهف الفستان منها لتقيسه .. فحمدت الله انشغال رهف عنها .
في تلك الليلة هجر النوم عينيها .. ظلت تفكر بحسام .. وبتلك الأحاسيس الجديدة التي يشعرها بها .. ذلك الاضطراب اللذيذ الذي يدغدغ مشاعرها بلطف كلما اقترب منها .. أو همس في أذنها .. رفعت أناملها لتتحسس خدها .. ثم ابتسمت بحياء وهي تحاول طرد تلك الأفكار من رأسها .. كم هي حمقاء .. لا يمكن أن تدع هذه الأحاسيس الغريبة تسيطر عليها .. فمؤكد أن حسام مثلما هو .. يسعى دوما لإدخال الفرح إلى قلبها .. بكلامه الرقيق وبهالة الحب التي يرسمها حولها ..
استيقظت بكسل بعد أن عانت الأرق في الليلة الماضية .. كان هنالك جو كئيب يعم البيت .. فاليوم آخر يوم لها في بيتها الحبيب .. كانت تحاول تحاشي النظر إلى عيني والدتها .. ولكن عندما جاء حسام بعد أذان العصر لأخذها لصالون التجميل .. وحانت لحظه الوداع .. أحست نور بيد قاسيه تعتصر قلبها .. وخنقتها العبرات .. سلمت على كل المتواجدين في البيت بدموعها الصامتة .. حتى الخال نبيل أحست بأنها ستشتاق إليه .. وحينما احتضنتها والدتها .. كانت تود لو تصرف عمرها كله في صدرها الحنون .. خرجت من البيت بصعوبة .. وظل حسام يرمقها بصمت وهي تجفف دموعها .. لم يكن بحاجه لسؤالها فهو يدرك كل الانفعالات التي تمر بها ..
رغم كل الحزن الذي تحسه .. لكنه كان يوما جميلا .. كانت هي كالملاك الطاهر بذلك الثوب الأبيض الطويل .. وتلك الطرحة التي تغطي وجهها .. لقد رأت جمالها في مرآه عيني حسام .. عندما رفع لها طرحتها وقبلها على جبينها .. من ثم دخلا لقاعه الاحتفال على أنغام هادئة .. شعرت بجو مريح يغمر المكان .. مما زادها هدوء .. وفي منتصف الطريق حلقت عليهما شله من الصديقات وبدأن بزف العروسين بأغاني عدنيه ..
كان الخجل يتملكها .. خصوصا عندما أصرت رهف أن يرقص العريسين قبل مغادرة حسام للقاعة .. وقامت متغطية كليهما بطرحة نور الطويلة .. كانت تدرك مدى حياء حسام .. فراحت تبتسم له وتحدثه مازحه :
- أنت تتعرض لكل أصناف العذاب بجانبي .
ضحك لقولها ورد عليا وهو يقربها منه :
- ولكني لم اشتكي .
قبلها على جبينها قبل أن يغادر القاعة .. أكلمت نور الاحتفال وهي تشعر بسعادة لرؤيتها لفرحه أحبتها .. انقضاء السهرة بسرعة بالغه .. أو هكذا هيئ لنور .. وفي منتصف الليل كانت في بيتها الجديد .. رافقتها والدتها وبعض النسوة من الأهل والأصدقاء .. ثم ودعوهما بعد أن أطمئنوا عليهما .. ظلت نور تقف بقلق في حجره النوم تنتظر حسام الذي رافقهم إلى باب المنزل ..
كانت ترهف السمع إلى ما يدور بجانب الباب من أحاديث .. وتشعر باضطراب في جميع حواسها .. ثم تزايد وقع نبضاتها مع وقع خطوات حسام المقتربة نحوها .. حاولت أن تذكر نفسها بشكليه هذا الارتباط .. وبإخوة حسام المؤكدة لها .. لكن دون جدوى فذلك القلب الهائج يأبى أن يفهم ذلك ..
اقترب منها حسام بهدوء .. وطوقها من الخلف بذراعيه .. احمرت وجنتيها وسرت رعشه خفيفة في بدنها عندما شعرت بدفء جسده وهو يشدها برفق نحوه صدره العريض .. ثم اخذ نفسا عميقا من ذلك العبير المنبعث من خصلات شعرها الأسود .. وهمس في أذنها بصوت يملؤه الشغف :
- احبك .



الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 13
قديم(ـة) 05-04-2012, 07:44 PM
صورة ♫ معزوفة حنين ♫ الرمزية
♫ معزوفة حنين ♫ ♫ معزوفة حنين ♫ غير متصل
©؛°¨غرامي فضي¨°؛©
 
الافتراضي رد: ملاك الحب / للكاتبة : my faith




(11)
قرار


اقترب منها حسام بهدوء .. وطوقها من الخلف بذراعيه .. احمرت وجنتيها وسرت رعشه خفيفة في بدنها عندما شعرت بدفء جسده وهو يشدها برفق نحوه صدره العريض .. ثم اخذ نفسا عميقا من ذلك العبير المنبعث من خصلات شعرها الأسود .. وهمس في أذنها بصوت يملؤه الشغف :
- احبك .
تسمرت نور بين ذراعيه .. وحبست أنفاسها .. شعور بالخوف كان يتسرب داخلها .. ابتعد حسام عنها قليلا .. وامسك بكتفيها ليديرها نحوه .. قابلتها ابتسامته الدافئة :
- هل أخفتك ؟.
هزت رأسها بالنفي بشكل غير واعي .. ولكنه راح يزيد من اضطراب مشاعرها .. عندما لثم كفيها الناعمين بين يديه .. وشبك أنامله بأناملها التي أضحت كقطع من الجليد .. كانت تشعر بخديها يلتهبان من شده خجلها وبفعل تلك الأنامل التي تداعب كفيها .. نظر إليها حسام .. ورنه العشق تصرخ في كلماته :
- هل تعلمين انك أجمل فتاه رأتها عيناي ؟.
ثم رفع يدها وقبلها .. مردفا بصوت خافت وكأنه يحدث نفسه :
- أم أن عيناي لم تعد ترى غيرك ؟.
للحظه شعرت نور بالدوار .. فكلمات حسام الهائمة تفقدها السيطرة على نفسها .. لقد قلب كيانها في هذه الدقائق القليلة .. لم يعد قلبها يحتمل المزيد .. ولم تعد هي قادرة على إخماد ثورته بين الحنايا ..
اختلست نظره سريعة نحو حسام .. وما رأته في عينيه كان كفيلا بإرباكها .. كاد قلبها يجزم بان هذا الشاب الذي يقف أمامها لا يشبه حسام ابن عمتها وأخاها الكبير .. ولكن هنالك جزء بداخلها ظل ينفي ذلك بإصرار .. غير معقول .. هل يحبني حسام ؟.. هكذا تساءلت بشك .. ولكن منذ متى ؟.. إنها تدرك عمق تلك المشاعر التي يكنها لها .. ولكنها لا تستطيع مطلقا ترجمه أحاسيسه نحوها لأكثر من أخوه صادقه .. ولكن هل ما تحسه هي يدرج تحت مسمى الأخوة .. نعم هذا سؤال أهم يجب أن تواجه به نفسها .. فهي لا تستطيع إنكار هذا الاضطراب اللذيذ الذي يختلجها .. ما إن تلمسها يداه .. دقات هذا القلب المجنون .. والذي سرعان ما يقرع طبول التوتر عندما يخصها بتلك النظرة التي تجهل أسرارها ..
جاهدت نور لكي تطرد تلك الأفكار من مخيلتها .. إن حسام مثلما هو .. وسيبقى كذلك دوما .. أكثر شخص يحبها .. ويخشى عليها من نسمات الهواء الرقيقة .. وستظل هي دائما صغيرته التي يهوى .. كم هي حمقاء حقا .. فلابد أن هذه طريقته الجديدة للتخفيف عنها ..
ابتسم لها حسام تلك الابتسامة التي تعشقها .. محاولا بث الاطمئنان فيها .. فهو قادر على قراءة تعابير الحيرة المرتسمة على ملامحها ..
سحبها حسام برفق بيديه اللتان لا تزالان تطوقان أناملها .. وأجلسها على السرير .. كانت تشعر وكأنها دمية من قماش تتعلق خيوطها بين أنامله ليحركها كيف يشاء ..
حدثها ولكن بصوت جاد هذه المرة .. وتوهمت رؤيتها لحزن يغزو عينيه .. وشعرت بتلك اللحظة انه لا يقل عنها توترا .. وكأنه يصارع شيئا بداخله :
- صغيرتي .. هل لي أن اطلب منك شيئا ؟.
أجابته نور بهزه خفيفة من رأسها .. لم تعد تفهم شيئا الآن .. لقد أصبح حسام لغزا محيرا بالنسبة لها .. فلطالما كانت تملك القدرة على قراءة عينيه مثلما يستطيع هو .. ولكنها الآن لا تقوى حتى على التكهن بما يدور في رأسه .. أخرجها صوته الدافئ من شرودها .. وراحت تنصت له مع تعالي دقات قلبها :
- أنا أدرك يا نور شكليه هذا الارتباط .. ولكني مع ذلك أتمنى أن افعل معك كل ما أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم .. في ليله مثل هذه .
تعلقت عينيها بعينيه الحالمتين .. وابتسمت دون وعي منها .. فذكره لرسولها الحبيب أشعرها بإحساس لطيف .. أردف حسام قائلا بعد أن أحس بتجاوبها معه :
- فأنا أود أن يبارك الله لنا أيامنا القليلة معا .. صغيرتي .
رغم تذكير حسام لها بشكليه الارتباط .. إلا أن خجلها لم يفارقها .. وأشارت له برأسها بالموافقة .. وكأنها قد نسيه لغة الكلام ..
رفع حسام يده اليمنى ووضعها على جبينها .. وراح يردد :
- ((اللهم إني أسالك خيرها وخير ما خلقت له .. وأعوذ بك من شرها وشر ما خلقت له .. اللهم بارك لنا وبارك علينا .. واجمع بيننا في الخير )) .
وقف بعد ذلك ويسحبها معه :
- هيا لنتوضأ الآن .. كي نصلي ركعتين .
تبعته نور بخضوع .. وتوضأت بعد أن انتهى هو من وضوئه .. ثم ارتدت ثوب الصلاة .. وانتصبت خلفه .. لكي تؤدي تلك الصلاة المباركة .. بدأ حسام يرتل آيات من القرآن الكريم .. وكان صوته الدافئ العميق .. يثلج صدرها .. وعندما انتهيا من الصلاة .. كان توترها قد خف قليلا .. وكأنه بذلك الصوت الجميل المجود لكلمات الله تبارك وتعالى قد سحر قلبها الرقيق .. وبث الاطمئنان إليه ..
التفت إليها حسام وكانت السعادة تشع منه .. فابتسمت رغما عنها وحدثه أخيرا .. بصوت خافت مازال الحياء يسيطر عليه :
- حسام .. أنا سأذهب للاستحمام .
- حسنا صغيرتي .
دخلت للحمام .. وبدأت تستحم بفكر شارد وخالي من الأفكار بنفس الوقت .. لم تكن هنالك فكره محدده في رأسها .. وما أن شارفت على الانتهاء سمعت طرقا خفيفا على بابها .. توقفت بقلق ولم تستطع النطق بعد أن عاودها توترها .. ولكن حسام اخبرها ببساطه أراحتها :
- صغيرتي .. أنا سأنزل للخارج .. فلقد نسيت هاتفي في السيارة .
- حسنا .
لم تزد كلمه عليها .. وراحت تتنفس الصعداء بعد أن تذكرت أنها لم تحضر أيه ملابس معها إلى الحمام .. لفت فوطه الاستحمام حول جسدها .. وخرجت بهدوء .. وهي تحمد الله أن حسام في الخارج الآن .. ولكنها عندما دخلت إلى الحجرة .. وجدته يقف بجانب السرير ويبحث في جيوب سترته التي كان يرتديها .. مؤكد انه يبحث عن المفاتيح .. ولكنها في تلك الأثناء لم تعد ترى أمامها .. خاصة بعد أن التقت عينيهما .. كانت تلك المرة الأولى التي يرها بهذا الشكل .. مما جعله يقف كالمشدوه .. هي أيضا لم تتحرك بعد أن اجتاحها الحياء ..
تقدم حسام منها بعد أن أسره جمالها .. لقد كانت فاتنة بمعنى الكلمة .. وجهها الحلو التقاطيع والخالي من الأصباغ يشع حياءً .. شعرها الأسود الطويل والمنسدل بنعومة خلف ظهرها .. وتلك القطرات التي ما تزال متناثرة على جسدها الناعم .. وكأنه الندى يكلل الأزهار .. راح خديها يزدادان توردا مع كل دقيقه تمر .. مما لون وجهها الملائكي البريء بسحر طبيعي ..
أما نور فكانت تتابع بأنفاس مضطربة خطواته التي تتناغم مع دقات قلبها الهائج .. ربما كان حسام اشد منها توترا .. فلقد شعرت بتسارع أنفاسه وهو يقترب منها .. لمس وجهها بإحدى يديه .. وانحنى نحوها حتى كادت شفتيه تمسان شفتيها .. لم تعد نور تشعر سوى بذلك النبض الذي يكاد يشق صدرها .. ولكن حسام توقف متراجعا .. ليحضن خدها بيده الأخرى .. ثم طبع قبله لطيفه على جبينها .. ما إن أحست هي بملمس شفتيه الدافئتين .. حتى فقدت أي شعور آخر .. حتى أنها لم تعد تحس بصلابة الأرض تحتها .. لقد أغمي عليها ..
استطاع حسام أن يتلقفها بيديها قبل أن ترتطم بالأرض .. وحملها بسرعة ليضعها على السرير .. كان القلق يسيطر عليه حتى أنه نسي كونه طبيب .. اخذ اقرب زجاجة عطر وجدها على التسريحة ليشممها إياه .. وظل يربت على خدها برفق .. والخوف يتملكه شيئا فشيئا ..
لم يطل إغمائها .. فبعد دقائق قليله .. بدأت عينيها ترف .. ولكنها لا تشعر بجسدها بعد .. ودت نور لو طمأنته .. خصوصا وهي ترى تلك اللوعة في عينيه .. ازداد تعقد جبين حسام وهو يحتضن وجهها :
- هل أنت بخير صغيرتي ؟.. هل تشعرين بشيء ؟.
حاولت نور النهوض .. أو الحديث ولكنها لم تقوى على كليهما .. فراحت دموعها تنهمر بحزن .. إنها تكره هذا الضعف .. وإغمائها المفاجئ ذكرها بمرضها النادر .. كاد حسام أن يجن وهو يرى دموعها .. واعتذر بخجل وهو يلقي باللوم على نفسه :
- اعذريني يا نور .. فمؤكد أنني تسببت بإخافتك .. أنا حقا أسف صغيرتي .
لم تعد تتحمل كلامه الحزين .. ولم تقدر على مواساته .. كان صوته الحنون يثير أحاسيسها .. وما أن استطاعت النهوض .. احتضنته بقوه لتخفي وجهها الباكي في صدره .. ولتحاول إسكات نشيجها .. راح حسام يشدها إليه برفق مربتاً على رأسها .. وقبل أن يعاود تساؤلاته القلقة .. أجابته هي بأكثر جمله تصف مشاعرها منذ بداية يومها :
- أنا أكاد أموت شوقا له يا حسام .
تشنجت يدي حسام حلوها .. وأحس بالنار تشتعل بداخله .. انه يكره رؤية دموعها .. فرد عليها بحرقه :
- لقد حاولت إقناعه يا نور بالحضور لعرسنا اليوم .. كي تصبح الأمور طبيعيه بينكما ولكنه يرفض دائما .
رفعت نور عينيها بدهشة بالغه :
- من ؟.
- سامح .
أجابته نور بصوت خافت .. ودموع أخرى تنهمر من عينيها السوداويين :
- ولكني لم أكن اقصده .
أردفت بألم من خلال نشيجها :
- كم تمنيت أن يكون هو من يضع يده في يد زوجي يوم عقد قراننا .. وكم حلمت برؤيته لي وأنا ارتدي ثوبي الأبيض .
فهم حسام أن صغيرته تفتقد وجود والدها الحبيب .. فقاطعها وهو يحتضن وجهها بحنان بين كفيه :
- مؤكد انه يراك يا نور .. ومؤكد انه يبارك كل خطواتك في هذه الحياة .
باعثته بسؤال أخر :
- وهذا المرض ؟.
- ما به ؟.
- انه يسلبني الحياة يا حسام .
أنهت كلمتها وراح نشيجها يتعالى مره أخرى .. ضمها هو إليه وكأنه يود إسكانها في قلبه :
- لا يا صغيرتي .. إن إغماءك لم يكن بسببه .
- ولكنه قد يحدث بسببه وفي أي وقت أيضا .. أنا أشعر بالخوف منه .. ولم اعد استطيع تجاهله .
وضع حسام إصبعه على شفتيها .. ليسكتها وهو ينظر بعينيها .. كانت مشاعره الدافئة لا تحتاج للكلمات لترجمتها .. ولكنه اخبرها بثقة :
- وان يكن .. أنا هنا صغيرتي .. وسأظل بجانبك ما حييت .
شعر حسام بتجمد نور بسبب ذلك التكييف .. فأبعدها عنه قليلا ليخلع قميصه ثم البسها إياه واحكم إقفال أزراره .. كانت نشيجها قد هدأ قليلا وراح يمسح ما تبقى من دموع على وجنتيها :
- هيا صغيرتي .. ارتاحي الآن .. لقد كان يومك طويلا .. والإرهاق بادٍ عليك بوضوح ..
ثم وقف بعد أن طبع قبله على جبينها .. ولكنها تشبثه بيده .. وهي تتساءل بذعر :
- إلى أين ؟.
- سأذهب لاستحم .
ظلت نور تتشبث بيده :
- إذا اترك النور مضاءً حتى تعود .. فانا لم آلف المكان بعد .
ابتسم لها مطمئنا .. فأفلتت يده باستسلام ..
عندما عاد .. كانت لا تزال تجلس على السرير .. تضم ركبتيها بذراعيها إلى صدرها .. وتضع رأسها عليهما .. وتغرق في نوم عميق .. اشعرته ملامحها الطفولية الساكنة بالارتياح .. فجلس بالجهة الأخرى من السرير .. ثم حاول التعديل من جلستها حتى تستطيع النوم بشكل مريح .. ودون شعور منها .. راحت تتعلق بذراعه .. وتتمتم بكلمات ادغمها النعاس :
- كم أنت دافئ يا حسام .
سرت قشعريرة في جسده بسبب تلك اللمسة للأنامل الباردة .. فوضع رأسها على ذراعه .. واحتضنها برفق .. وظل يفرك ذراعيها بكفيه حتى يسري الدفء في جسدها .. لمح ابتسامه ناعمة ترتسم على شفتيها .. وعاودت حديثها الناعس :
- هل تعلم انك تشبه والدي ؟.
- نعم اعرف صغيرتي .
كان حسام يكتم ضحكه مرحه بداخله .. حتى لا يوقظها من سباتها .. أردفت هي بصوتها الخامل :
- لذلك أنا احبك .
- وأنا أيضا احبك .
اخذ حسام نفسا عميقا .. محاولا التخفيف من حده تلك المشاعر التي تختلج بداخل .. ثم شرد وهو يداعب خصلات شعرها .. وبعد أن غرقت هي في سباتها العميق .. وأردف محدثا نفسه بصوت خافت :
- احبك صغيرتي .. كما لم أحب أحدا من قبل .

--------------------

أحست نور بأنامل دافئة تداعب خدها .. وتزيح خصلات شعرها المتناثر على وجهها .. كانت لا تشعر برغبة في النهوض .. فتململت بضيق وزفرت قائله :
- كفى يا أمي .. أرجوك دعيني أنام .
هنا انطلقت ضحكه ذكوريه من شاب يجلس بجانبها على السرير .. مما جعلها تنتفض من شده الرعب .. وعندما ميزت فيه ابن عمها حسام .. وضعت يديها على فمها محاوله كتم شهقة قويه خرجت من أعماقها .. وتساءلت بصدق والحيرة تنطق في ملامحها :
- حسام .. ما الذي جاء بك إلى هنا .
لم يستطع حسام تمالك نفسه .. وعاود الضحك بصوت أعلى .. وراحت هي تتفحص المكان الذي كانت تنام فيه .. ومع اكتشافها بأنها لم تعد في بيتها ولا في حجرتها الصغيرة .. تذكرت أحداث الأمس .. فاحمرت وجنتاها من الخجل .. ورمت نفسها مجدد على السرير وهي تنظر له من خلال عينيها الضاحكتين .. فتساءل هو بمرح :
- بالأمس كنت أشبه أباك رحمه الله .. واليوم تناديني بأمي .. يجب أن أجد حلا لهذه المشكلة قبل أن تعتقدي بأنني رهف .
شاركته نور ضحكه .. وحاولت أن تدافع عن نفسها :
- للحظه نسيت بأننا قد تزوجنا .
- لا عليك صغيرتي .. هيا انهضي الآن أيتها الكسولة .
لم تبدي نور أي استعداد لنهوض بل راحت تحتضن الوسادة التي كانت بجانبها .. وتململت متذمرة :
- أوه يا حسام .. أرجوك اتركني أنام 5 دقائق أخرى .
صفق حسام بيديه ليحثها على النهوض واقترب منها أكثر وهو يشير لها مهددا :
- هيا .. هيا .. ولتنهضي قبل أن أحملك بنفسي .
قفزت نور جالسه على السرير عندما كادت يدي حسام تمسك بها .. ثم دققت النظر إليه .. وتساءلت باستغراب .. وهي ترى آثار الأرق تحت عينيه :
- متى استيقظت أنت ؟.
عاود حسام الضحك وهو يجيبها :
- بل قولي متى نمت .. فانا لم أذق طعم النوم منذ الأمس .
- ولماذا ؟.
- لأنك كنت تتحدثين طول الليل .
نظرت له نور بريبه .. وتساءلت وهي ترفع حاجبها :
- حقا ؟.. وماذا كنت أقول ؟.
بدأ حسام يقلد لهجتها الرقيقة وهو يكتم ضحكته :
- كنت تقولين .. أنا احبك يا حسام .
- أنت كاذب .
- بلى .. حتى انك كنت تتوسلين كي لا أتركك .
تعالت ضحكات نور .. ورمته بالوسادة التي كانت تحتضنها .. ثم هربت إلى السرير قبل أن يرد لها الضربة .. كانت تشعر بسعادة حقيقية .. حتى أنها استغربت توتر الأمس .. لطالما كان تواجدها مع حسام مريحا .. وهي فرحه بهذا القرب بينهما ..
ولكن فجأة عاودها شعورها بالذنب .. إلى متى ؟.. إلى متى سيظل حسام قريبا منها ؟.. وإلى متى ستظل هي تحمله همومها ؟.. انه شاب مميز .. ويستحق أن يحيا حياته الخاصة .. مع إنسانه يحبها .. تنهدت نور بعد أن شعرت بتزايد آلامها السجينة في صدرها ..
عندما جلست أمام حسام على طاوله الإفطار .. لم يخفى عليه ما تعانيه :
- ما بك صغيرتي ؟.
هزت نور رأسها بالنفي .. ووضعت ابتسامه مطمئنه على شفتيها .. ولكن ذلك لم يقنع حسام الذي راح يلح عليها :
- أنا لا أصدقك .. وأنت تعرفين ذلك .
تنهدت نور وسألته سؤال عشوائي يتلاءم مع أفكارها المشتتة :
- لماذا اعتقدت أنني كنت ابكي من اجل سامح ؟.
شعرت بان سؤالها ضايقه بعض الشيء .. فلقد رأته يضغط على أسنانه وتعقدت حاجباه .. ثم حدثها بهدوء بعد فتره ليست بالقصيرة :
- لأنني أدرك كم يؤلمك هذا الموضوع .
صمتت نور وقد شرد بها الفكر إلى سامح .. ما كانت تتخيل ولو لدقيقه أن تؤول الأمور بينهما إلى هذا المسار .. حتى يوم انفصالهما أول مره .. كان عندها إحساس قوي بان حبهما سيحيى من جديد .. أو أن الأخوة ستلفهما برباط قوي .. وليست هذه القطيعة المريرة .. والتي تعتصر قلبها ألما .. أردف حسام ببساطه :
- لقد ذهبت إليه في ذلك اليوم الذي قابلته فيه .. وعدتِ باكيه .. حاولت إقناعه بأن يتذكر الأخوة والقرابة التي تجمعكما .
رفعت نور عينيها تتابع حديثه .. وراح السخط يرتسم بوضوح على وجهه الأسمر الجذاب :
- لكن محاولاتي كلها باءت بالفشل .
حلق الصمت فوق رأسيهما .. وكان حسام يتحدث وهو يتحاشى النظر إلى عينيها .. ولكنه تساءل بقلق عندما رآها :
- نور .. صغيرتي .. ما بك ؟.
كانت عينيها تغرقان بالدموع دون أن تحس .. عبراتها تنزل حارة على وجنتيها .. وتعيقها عن الحديث .. كان إحساسها بالذنب ناحية حسام يتفاقم بداخلها .. ولكنها لم تكن تود أن تزيد من قلقه بتلك الدموع السخيفة .. ألا يكفيه كل ما يعانيه من اجلها .. إنه يستحق منها أن تشعره ولو ببعض السعادة التي يغمرها بها .. مسحت دموعها بسرعة .. لا يجب أن تبكي بعد اليوم .. فهي لم تكن أبدا ضعيفة .. علت شفتيها ابتسامتها الحلوة .. ثم حدثته بثقة :
- لقد اتخذت قرارا يا حسام .. لذلك ارجوا أن تساعدني في تنفيذه .
سكن ذلك القلق بداخله .. ليحل محله الكثير من التساؤلات المحيرة .. فماذا يا ترى سيكون قرار هذه الصغيرة الرقيقة ؟.....


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 14
قديم(ـة) 05-04-2012, 07:45 PM
صورة ♫ معزوفة حنين ♫ الرمزية
♫ معزوفة حنين ♫ ♫ معزوفة حنين ♫ غير متصل
©؛°¨غرامي فضي¨°؛©
 
الافتراضي رد: ملاك الحب / للكاتبة : my faith




(12)
مفاجئة !..





ظل حسام ينظر إليها بهدوئه المعتاد .. بينما آلاف التساؤلات تتصارع بداخله .. ولكن حيرته لم تطول فلقد بدأت نور تتحدث بعد برهة من الصمت :
- لقد أخبرتني بالأمس يا حسام .. بأنك تود أن يبارك الله أيامنا معا .
- نعم .. صغيرتي .
- لذلك اتخذت أنا قرارا .. وأريدك أن تساعدني .
كانت تحاول طرد خجلها وهي تتحدث .. وتقنع نفسها بأن هذا الحياء لا مبرر له .. فقرارها لا يتعارض مع شكليه ارتباطهما بشيء :
- يجب أن لا أفكر بسامح بعد اليوم .. إن كنت أود أن يبارك الله أيامي معك .. فيجب أن أتصرف كزوجه مخلصه .. حتى بمشاعري .
كانت تتحاشى النظر إلى عينيه .. ثم اختلست نظره سريعة وهي تردف قائله بصوت خافت :
- إن هذا اقل ما أشكرك به يا حسام ..
شعرت بكفه تتحرك فوق الطاولة لتتخلل أنامله بين أناملها الناعمة .. والتقت أعينهما .. كانت ابتسامته الجذابة تستقر بين شفتيه .. ورأت في ملامحه المبتهجة تأيده لقرارها :
- تعلمين بأنني سأقف بجانبك .. وقراراك هذا يسعدني يا نور .
شعرت نور بالفرح يتسلل إلى قلبها .. وبسعادة غريبة تغمرها .. لمجرد إحساسها بفرحة حسام .... بادلتها نور الابتسام بابتسامتها المشرقة زينت شفتيها ..
انتهيا من تناول طعام الإفطار والمزاح لا ينقطع بينهما .. ثم أسرعا بالخروج من البيت حتى يتوجهان لمطار عدن الدولي ..
تجسدت كميه زاخرة من المشاعر بداخلها .. لم تقوى على تمييز شعور محدد في تلك اللحظة .. وراحت تشرد في بحر أفكارها .. شعور بالحنين منذ الآن .. لوالدتها وصديقتها رهف .. وللبيئة التي ترعرعت فيها .. والتي ستفرقها للمرة الأولى .. ويتسرب إلى قلبها القلق والخوف .. مما ستواجهه من معاناة بسبب مرضها .. ولكن رغم كل تلك الأحاسيس السلبية يظل ينمو بداخلها شعورها بالسعادة لتواجدها مع شاب مميز مثل حسام .. يؤازرها في مشوارها القصير والصعب هذا ..
لم تكن تلقي بالا على الطريق .. فأخرجها حسام من شرودها :
- ما رأيك أن تودعي الخالة حياة قبل ذهابنا .
التفتت إليه بحماس .. وفرحه الأطفال ترن في كلماتها :
- حقا يا حسام .
- نعم .
كانت سيارته تتحرك نحو طريق بيتها .. ولكنها استوقفته فجأة بجانب محل لبيع الحلويات العدنية :
- لحظه .. لحظه .
- ماذا هنالك ؟.
- توقف هنا .. أرجوك .
أخبرته بجديه تحاول بها إخفاء خجل بدأ يتسلل إليها .. ويفضحه تورد خداها :
- هل من الممكن أن تشتري الكثير من الحلوى المتنوعة .. لتقدمها لأمي ؟.
ضحك حسام وبالرغم من أنه لم يفهم شيئا .. ولكنه نفذ كلامها .. وعندما عاد من محل الحلوى .. بدأ يتساءل وهو يحرك السيارة من جديد :
- هل ستخبرينني الآن عن سر الحلوى ؟.
نظرت إليه نور باستغراب .. وتساءلت بحياء وهي تداري ابتسامتها :
- ألا تعرف ؟.
حدثها حسام مبتسما بسعادة .. لرؤية معاناتها مع الخجل :
- لا .. فلتخبريني أنت .
اختصرت نور حديثها بكلمتين :
- إنها إحدى التقاليد اليمنية .
صمت حسام لوهلة .. ثم عاود تساؤلاته :
- إحدى تقاليدنا أن يحضر العريس لوالدة العروس كميه من الحلوى في اليوم التالي للعرس .
- ليس شرطا أن يحضر الحلوى في اليوم التالي .
- متى إذا ؟.
ضغطت نور على شفتها السفلى بأسنانها .. ثم نظرت إليه بشك :
- أحقا لا تعرف يا حسام ؟.
رفع حسام كتفيه بتلقائية وهو لا يزال يبتسم بمرح :
- ومن أين لي أن أعرف ؟.
لم يكن غريبا أن يجهل حسام بعض التقاليد اليمنية .. فلقد قضى في لندن فتره ليست بالبسيطة .. كما أن نور نفسها كانت تجهل مثل تلك الأشياء .. ولم تعرفها سوى قريبا .. ضغطت على أسنانها .. وكأنها مقبله على معركة .. ثم ألقت بجملتها بتردد .. محاوله ما استطاعت إيصال الفكرة له :
- إن العريس يقدم الحلوى لوالده العروس .. عندما تسير الأمور بينهما بشكل جيد .. وذلك لتطمئن على ابنتها .
- أوه ...
لم يضف حسام بكلمه أخرى .. ولكنه عاد يتساءل بعد أن بدأ يستمتع بإثارة حيائها :
- وهل تودين أن طمئنه الخالة حياة عنك ؟.
- نعم .
- لماذا ؟.
كادت نور تضحك في وجهه .. وهي تتخيله طفل كثير الأسئلة .. ولكن ملامحه كانت هادئة .. وكأنه يود فعلا معرفه الإجابة :
- إنها طريقه أفضل بدل أن تسألني .
راحت هي تتطلع عبر النافذة لتخفي وجهها المحمر خجلا .. ولم يحرجها حسام بتساؤلات أخرى .. أشاع تواجدهما الفرحة في البيت .. وكانت مفاجئه سارة للخالة حياة .. فاستقبلتهما بالكثير من الزغاريد والدعوات بالسلامة .. وبينما كانت نور تودع والدتها بأعين دامعة .. شعرت بالخال نبيل ينزوي بحسام ليحدثه .. لم يرقها ذلك التصرف فلقد كانت تدرك نفسه الجشعة ..
- ما الذي كان يريده منك الخال نبيل ؟.
تساءلت نور بريبه عندما كانا يتجهان إلى المطار بالسيارة .. فأجابها حسام ببساطه :
- لا شيء .
- لا تكذب يا حسام .. مؤكد أنه أحرجك بطلب المال .
- كان محتاجا لمبلغ صغير .
رفعت نور احد حاجبيها وتساءلت باشمئزاز من ذلك الإنسان الذي لا يوجد أمل من صلاح حاله :
- وهل صدقته ؟.
- إنه ليس بالمبلغ الكبير يا نور .
- نعم فهو يلبي احتياجات القات في هذا الأسبوع .
شعرت بأن دمائها تغلي من هذا التصرف المخجل .. ولكن حسام استطاع تغيير الموضوع .. وافلح بتعديل مزاجها بسرعة ..
كانت رحلتهما طويلة جدا .. وقاموا بإجراءات كثيرة في مطار بلدها وكذلك في لندن .. وكانت الفوارق تتجلى بوضوح أمام نور .. فمؤكد أن التعامل كان أسرع وأسهل في لندن .. ولكن رغم كل شيء يظل وطنها غالي على قلبها بكل ما فيه من تناقضات .. فهي منذ الآن تشتاق إليه .. وإلى ذراه الرمال التي تتناثر على أراضيه الطيبة ..
كانت البرودة هي أول أحساس شعرت به في تلك المدينة الكبيرة .. لذلك حسام يحتضن كفيها بين يديه منذ أن كانا في الطائرة حتى يشعرها بالدفء .. وفي طريقهم نحو الفندق بهرتها كل تلك المناظر الجميلة التي تمر أمامها .. كانت مدينة في غاية الرقي والجمال ..

عندما استقر بهما المقام في غرفه الفندق .. أخذ حسام حماما ساخنا .. واتجه مسرعا نحو السرير لينام بعد أن قبلها على جبينها وتمنى لها ليله سعيدة .. أشفقت عليه نور .. فالإرهاق كان بادٍ عليه .. لم تكن تشعر هي بالنعاس بعد .. ففضلت ترتيب بعض الملابس في الدولاب .. بدأت بحقيبة حسام لتفرغها .. وعندما بدأت بنقل أول كميه من ملابسه .. جذبتها تلك الرائحة اللطيفة المنبعثة منهم .. فقربتها من انفها .. لطالما كانت رائحته ذات عبق مميز ..
بعد أن انتهت من إفراغ الأشياء المهمة من الحقائب .. أخذت هي أيضا حماما ساخنا .. وأخرجت تلك الرواية التي كانت تقرأ فيها منذ بدء سفرهما .. لكاتبها المفضل يوسف السباعي .. والتي تحمل اسم ((ابتسامه على شفتيه)) .. شعرت بالبرودة تسري في أوصالها .. بالرغم من تشغيل التدفئة ..
فأخذت نور بطانية وهي تتجه نحو السرير .. تنظر لحسام الغارق في النوم باستغراب .. فلقد كان يستلقي باسترخاء تام بصدره العاري .. وذلك البنطلون القصير .. غطته نور بالبطانية .. واستلقت بجانبه .. وبدأت تقرأ الفصل الأخير من روايتها .. في تلك اللحظة غير حسام من وضعيه نومه .. فاحتضن خصرها بذراعه .. واستقر رأسه فوق صدرها .. شعرت نور بسريان ذلك الدفء اللطيف من جسده .. حبست أنفاسها .. وبدأت نبضاتها بالتسارع .. كانت تدرك استغراق حسام في النوم من ملامحه المسترخية .. وجاهدت للسيطرة على قلبها المجنون .. كي لا يزعجه ذلك الهيجان الذي يقوم به .. بعد فتره ليست بالقصيرة استطاعة تمالك أعصابها .. ولكنها لم تتجرأ على سحب نفسها حتى لا توقظه .. وتابعة قراءه روايتها بهدوء تام ..
بعد دقائق استيقظ حسام مفزوعا .. بسبب نشيجها المكتوم .. كان وجهها غارقا بالدموع .. وتطبق بإحدى يديها على فمها .. كي لا تفلت مزيدا من نشيجها .. بينما كان صدرها يتحرك بعنف ليتناغم مع بكاءها الحاد ..
مسح حسام تلك العبرات الساخنة بكلتا يديه .. وسألها والقلق ينطق في عيونه :
- نور .. ما بك ؟.
هزت نور رأسها بالنفي .. ثم حاولت أن تحدثه .. كان خوفها يزداد .. وهي ترى اللوعة تتزايد بداخله .. وشعرت بالخجل يكتنفها .. بماذا ستخبره الآن .. لكنها رغم ذلك نطقت بما تحس به :
- لقد مات عمار يا حسام .
تعقدت حاجبي حسام بتوتر بالغ .. وكأنه يحاول عصر دماغه ليتذكر عمار .. فتساءل بخوف بعد أن فشل في إنعاش ذاكرته :
- عمار .. عمار من ؟.
أشارت نور لتلك الرواية بين يديها وهي تعاود البكاء رغما عنها :
- بطل الرواية .
للحظه لم يستوعب حسام ما قالته .. ولكنه أطلق تنهيده راحة .. ثم راح يضحك عليها :
- لقد كدتِ أن تتسببين لي بجلطه .. صغيرتي .
وضعت نور يدها المرتجفة على خده وهي تزجره بخوف :
- ربي يحميك يا حسام .. لا تقل مثل هذا الكلام مره أخرى .
ابتسم لها حسام .. ثم اختطف تلك الرواية ليضعها جانبا .. وعاود نومه بعد أن احتضنها بحنان .. وراح يتخلل شعرها الطويل بأنامله الدافئة :
- هيا .. كفاك بكاءً .. وسهرا .. ينتظرنا يوم حافل بالغد .
راح قلبها ينبض من جديد .. لقربها منه .. كان حسام يتصرف بتلقائية شديدة :
- يجب أن أتأكد من نسبه دمائك .
- لما ؟.
- لان بروده جسدك هذه غير طبيعيه .
كان حسام محقا .. فلقد كانت نور بعكسه تمامه سريعا ما تتجمد .. ولكنها الآن تجد سببا آخرا غير جو لندن الشتوي .. يجعل البرودة تسري بداخلها .. لكن حسام لم يشعرها بالغرابة أبدا .. كما أنها سمعت نبضا يتسابق مع نبضات قلبها .. في حنايا ذلك الصدر العريض والذي يطوقها برفق ..

استيقظ حسام بالصباح ليجدها تجلس أمام المرآة وتسرح شعرها .. لم يشعر بها عندما أفاقت .. ظل مستلقيا بهدوء يتابع حركات المشط وتلك الأنامل الناعمة بين خصلات شعرها الأسود الطويل .. أحاسيس كثيرة تجتاحه بعنف عندما تقع عينيه عليها .. لطالما كانت أجمل فتاه .. فهي جميلة في كل شيء .. في أحاسيسها المرهفة .. في لطف تعاملها مع الآخرين .. وفي تلك البراءة التي تلون تقاسيم وجهها الجميل .. لطالما أحبها .. وأعجب بفكرها الواعي منذ صغرها .. ولكنه كان بارعا بإخفاء كل تلك المشاعر الفياضة .. التي يختزنها لهذه المحبوبة الرائعة .. ولطالما كانت سعادتها هي أقصى أمنياته .. فهو يشعر بالتمزق عندما يرى دمعه في عينيها ..
همت نور بعقص شعرها خلف رأسها بعد انتهاءها من تسريحه .. فاستوقفها حسام بصوته الدافئ والذي لا يزال النعاس مسيطرا عليه :
- اتركيه مفتوحا .
انتفضت نور بعد أن باغثها صوته .. ثم أفلتت خصلات شعرها .. وحولت نظرها نحوه مبتسمة .. كان مستلقيا على بطنه بخمول .. فراحت تشاكسه :
- هل انتقلت لك عدوى الكسل ؟.
لم يتجاوب حسام مع شقاوتها .. كان ينظر لها بتلك الطريقة الحالمة والتي تهز كيانها.. أشار لها كي تجلس بجانبه .. فاقتربت منه بخضوع .. عدل من جلسته وراح يتخلل خصلاتها الناعمة بأنامله .. ثم استنشق ذلك العبير المنبعث منها .. كان سعيدا بتلك الحمرة التي بدأت تتسلل إلى وجنتيها :
- هل تتذكرين كيف كان شعرك في الصغر ؟.
لم تستطع نور كتمان ابتسامتها المرحة وهي تهز رأسها .. أردف حسام وابتسامه كبيره تغزو شفتيه :
- لقد كنت اسمع صوتك من ركن الحارة .. عندما كانت الخالة حياة تسرحه لك .
- نعم .. معك حق .. كان تسريحه هو الجحيم بعينه .
- لذلك كنتُ أخذك للحلاق كي يقصه لك مثل الأولاد .
- نعم .. أتذكر .. وكنتَ تصرف وقتا طويلا لإقناع أمي بذلك .
تشاركا الضحك .. ثم فجأة عاودت حسام نظراته المبهمة .. والتي تحرك بداخل نور أحاسيس عميقة لم تختبرها إلا بسبب هاتين العينين اللتان تكتنفان أسرارا تجهلها :
- أنا أكره أي شيء يسبب لك العذاب صغيرتي .
لاذت نور بالصمت .. فهنالك أحساس قوي بداخلها يشعرها بأن حسام يعني ما يقوله :
- انظري كيف صرتي الآن .. آية في الجمال .
لم تستطع نور الرد عليه بنفس تلقائيته .. وفضلت التركيز والسيطرة على أنفاسها المتلاحقة ..
ابتسم حسام عند رؤيتها تغالب خجلها .. ثم احتضن وجهها بين يديه .. وطبع قبلته الدافئة على جبينها .. ثم نهض بسرعة متجها نحو الحمام .. ليتركها تعاني التوتر وحدها .. وضعت نور يدها على صدرها .. وروعها ذلك الصوت النابض بعنف بين ضلوعها .. وكأنه يحاول تكسير ضلوعها ..
كيف يستطيع حسام بلمسه .. أو قبله بريئة .. أن يدفع كل حواسها نحو الجنون .. إنه يخلق بداخلها أحاسيس اكبر منها .. هل يتعمد فعل ذلك .. هل يحاول إشعارها بمشاعر أخرى تتجاوز الأخوة .. أم أنها تبالغ في ردود أفعالها .. شعرت بالضياع للحظة .. فهي لم تعد تفهم نفسها .. كما أنها ترفض التعلق بخيوط وهميه .. والقيام بترجمة خاطئة لاهتمام حسام المعتاد ..

في الخارج .. بدأ حسام يريها أماكن غاية في الجمال .. كانت تشعر بأنه احد أبناء تلك المدينة الراقية في حواريها .. والخلابة في طبيعتها .. لكن سرعان ما خنقها القلق عندما خطت أول خطوه في ذلك المشفى النظيف .. والذي تم تحديد موعد مع طبيب مختص بحالات الخُدار .. في غرفه الانتظار كانت تجلس شاردة تفكر باللاشيء .. وراح نبضها يعد الثواني معها .. عندما شعرت بكف دافئة تطوق يديها المتجمدتين والمتشابكتين فوق فخديها .. ابتسم لها حسام تلك الابتسامة الجذابة والمهدئة .. لم يحدثها بشيء ولكن حركة أنامله البطيئة فوق أناملها زادتها اضطرابا .. ولكنه ذلك الاضطراب اللذيذ والذي يشعرها بحرارة خجل تسري في عروقها لتشتعل في وجنتيها ملوحة بحيائها ..
خرجت تلك الممرضة الجميلة .. لتنادي باسم نور بطريقه ملتوية .. فتبعاها نحو غرفه الطبيب .. بث ذلك الوجه الأشيب البشوش الطمأنينة إلى صدرها .. وقبل أن يحدثها لمحت ابتسامه حنون بين شفتيها .. وكأنه والد حنون أكثر منه طبيبا .. استقبلهما بترحيب حار .. وكاد يحتضن حسام من شده فرحته .. عرفهما حسام ببعض .. وعلمت أنه كان احد أساتذة حسام في الجامعة .. شعرت نور بسعادة الطبيب عندما وجدها تتحدث اللغة الانجليزية .. فتكونت بينهما علاقة أبويه مثلما وصفته عند دخولها ..
توالت الأيام وهي غارقة في تلك الاختبارات والتحاليل .. والتي كان ذلك الحنان الذي يفيض من طبيبها يخفف عليها حدة مشاعرها .. كما أن تواجد حسام يشعرها بالأمان ..
أكد الطبيب ديفيد إصابة نور بمرض الخُدار .. شعرت نور بالكآبة عند سماعها ذلك الخبر الذي كانت تمني نفسها بتكذيب طبيبها الأشيب الحنون له .. ولكنها حمدت الله أخيرا على ذلك الاختبار الصعب ..
ذات مساء حدثها حسام عن ذلك العرض الذي تلقاه من الطبيب ديفيد بالنيابة عن إدارة المشفى .. لكي يعمل لديهم .. رغم اشتياق نور المتزايد لبلدها وأحبتها في اليمن .. إلا أن فكره الاستقرار في لندن راقتها .. خصوصا بعد أن أغلقت في وجهها كل أبواب الشك .. وصار مرضها حقيقة .. تجبر على التعايش معها .. كما أنها شعرت برغبة حسام للاستقرار في لندن .. ظل أياما شاردا قبل أن يحدثها .. مما جعلها تعرف صفات جديدة فيه .. فهو يصبح كثير الصمت .. عندما يشغله أمر ما .. تكفل هو بإبلاغ الأهل في اليمن بذلك القرار المفاجئ .. وطالب ببعث أوراق نور الجامعية فلقد أصر على إكمال داستها في جامعه لندن .. كما أن الخال صلاح قدم لهما مساعدات كثيرة .. وأرسل لحسام مالا إضافيا فوق ثمن سيارة حسام التي باعها له كي يشتري غيرها هنا ..
وبعد شهر تقريبا .. من وصولهما للندن صارا يستقران في بيت لطيف .. يطل على حديقة غناء .. تزينها أنواع الورود .. وكان هذا أهم الأسباب التي جعلت نور تتعلق بذلك البيت الأبيض الخلاب ..
كان يوم انتقالهما الأول للبيت بمثابة التعذيب لحسام .. فنور لم يرضها أبدا ترتيب أثاث البيت .. وغيرت في كثير من الحجرات .. ولكنه كان كذلك يوما ممتعا رغم ازدحامه بالمهام ..
----------------------
كانت الأيام تمر بروتين ممتع .. بدأت نور تألف ذلك الجو الأسري الذي يجمعها مع حسام .. صارت ربه منزل ممتازة .. بعد أن جعلت من حسام حقل لتجاربها المطبخية .. واستطاعت التوفيق بين مهام منزلها .. ودراستها الجامعية في ذلك البلد الغريب عنها ..
ذات صباح يوم سبت وهو يوم الإجازة الأسبوعية .. خرج حسام ليصلح الخلل في سيارته الجديدة .. وجلست نور تتفقد بريدها الإلكتروني .. وجدت عدة رسائل من صديقتها رهف .. كانت كل رسالة تصف شوق ولوعه لفراق صديقه الطفولة ورفيقه الصبا .. كانت نور تقرأ الرسائل ودموعها تتسابق على خديها .. فهي تشعر بنار تشتعل بصدرها عند تذكرها لرهف .. ولا تقوى على ترجمه ذلك الكم من الحب الذي تكنه لها .. فهي تشتاق لمجرد النظر إليها .. للحديث معها .. ولتلك الهالة المرحة التي تغمر بها كل من حولها ..
مسحت نور دموعها الحارة .. وراحت تطبع لصديقتها اسطر تنبض خلالها دقات شوقها :
" كلمات كثيرة ادخرتها .. في قلبي .. في وجداني ..
لأقولها لك وأنت ماثلة أمامي
حقيقة .. لا حلم .. أن تكوني أمامي
ولكن كلماتي بدت تافهة لا معنى لها
وقد كانت كبيره المعاني
نعم .. صديقه عمري
حلمت كثيرا بتقطع المسافات الطويلة
التي تفصل حلمي عن حلمك
حلمت بلقاء الأماني
ولكن .. كثيرا ما خدعتني أحلامي
نعم .. توأم روحي
ها أنا أراك أمامي حقيق لا حلم
ولكنه لقاء قصير .. فتلك المسافات تهيج خلف لقائي بك
لتفتك بحلم اللقاء
ولكني لا أنسى أبدا أن المسافات مهما كانت طوال
فهي قصيرة ما دامت هناك ذكرى
صديقتي .. لا تحزني لفراقي فهناك أمل .. وهناك لقاء
صديقتي .. حزنك يرقد أيضا في صدري
ولكني انظر إليه مترقبة الفرح
الم اقل لك أن وسط الغيوم دائما هنالك شعاع من نور .."
أرسلت نور كلماتها القليلة .. والمفعمة بالألم .. وراحت تمسح دموعها قبل أن تتوجه نحو النافذة لتشاهد حسام .. لم تكن تود أن تريه مزيدا من دموعها فلطالما رأت العذاب في عينه عند بكائها ..
كان حسام يرتدي بنطالا جنزيا قصيرا .. مع قميص رياضي .. ويلف حول السيارة ليتفقدها .. تسللت ابتسامه لطيفه إلى شفتي نور .. كان حسام في غاية الجاذبية رغم بساطه شكله .. وقفت تستمع له مرهفه الأحاسيس .. وهو يدندن بأغنية لم تسمعها من قبل .. كانت كلماتها تصل أذانها بلطف عبر ذلك الصوت الحنون الخافت ..

ما هي إلا لحظات .. حتى توقفت سيارة صغيره ذات لون وردي فاقع .. خرجت منها فتاه شقراء غربيه الملامح .. كانت جميلة ولكنه جمال بارد بعض الشيء .. أو هكذا رأتها نور ..
اندفعت الشابة الأجنبية نحو حسام .. وكأنها تهم باحتضانه .. شعرت نور في تلك اللحظة وكأن ملايين من الإبر تغرز في جميع أنحاء جسدها .. حتى أنها نسيت كيف تتنفس .. هل حقا ستجرؤ على احتضانه .. لكن الفتاه تراجعت ما أن أصبحت أمامه .. سلمت على حسام وبقت أناملهما متشابكة لفترة .. لم يخفى على نور لهفه تلك الشقراء .. ولمعة العشق في عينيها الزرقاوات .. سحب حسام يده بأدب .. ولكنه كان يبتسم لها بلطف أيضا .. كانت السعادة بادية على ملامحه هو الآخر .. كانا يتحدثان ببساطه .. وكأنهما يعرفان بعض دهرا من الزمن ..
تفجرت آلاف المشاعر والأحاسيس في كيان نور .. لم تعد تدرك شيئا .. ولم تجد تسميه لتلك الحرارة التي اجتاحت جسدها لتستقر في صدرها .. ولم تشعر بتعقد حاجبيها إلى عندما نظر حسام نحو البيت ولمحها ...


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 15
قديم(ـة) 05-04-2012, 07:47 PM
صورة ♫ معزوفة حنين ♫ الرمزية
♫ معزوفة حنين ♫ ♫ معزوفة حنين ♫ غير متصل
©؛°¨غرامي فضي¨°؛©
 
الافتراضي رد: ملاك الحب / للكاتبة : my faith




(13)
الحب المستحيل




شعرت نور بالارتباك أمام تلك العيون المبتسمة لها .. والتي تدعوها للمجيء .. أخذت حجابها المعلق بجانب باب الخروج .. ولفته بأنامل مرتعشة حول رأسها .. ما الذي يحدث لي .. بدأت تحدث نفسها بشرود قبل أن تفتح الباب .. وتحاول إخماد تلك النار التي تتأجج بداخلها .. هل مجرد رؤية حسام برفقه فتاه تسبب لي كل هذا ال .. هذا ال .. أغمضت نور عينيها بضيق .. وهي لا تجد وصفا لمشاعرها .. ماذا دهاها .. مؤكد أنها رأته من قبل يتحدث مع فتيات .. فهو طبيب .. وعلاقاته يجب أن تكون كثيرة .. ولكنها لم تشعر بمثل هذا الإحساس من قبل ..
لما ؟.. ربما لأنه ينظر إلى هذه الفتاه بطريقه مختلفة .. بالطبع لم تكن نفس تلك النظرة الخاصة بها .. ولكنها نظرة تحمل عطفا بين طياتها ..
ظلت التساؤلات تغزو تفكيرها دون رحمه .. وهي تتقدم بخطوات مترددة نحوهما .. لم تنتبه لها الشابة الانجليزية .. وكأنها لا ترى سوى حسام .. مما جعلها تحس بحزن غريب يلفها في تلك اللحظة بعد أن أجزمت بإحساس الأنثى .. عشق هذه الفتاه لحسام .. كانت عينيها تلمعان بفرحه صادقه .. وعندما اقتربت نور أكثر منهما .. سمعت حديثها الملهوف :
- من المؤكد أنني أعيش حلما جميلا يا حسام .. عندما أخبرتني إحدى الممرضات في المشفى بعودتك .. كدت أن أكذبها ..
ضحك حسام ورد عليها مبررا بحياء :
- أنا حقا خجل منك يا ماري .. كان ينبغي أن أُعلمك بوجودي منذ اللحظة التي دخلت فيها أجواء لندن .
احمرت وجنتاها خجلا وتقبلت تبريره برحابه صدر :
- لا عليك .. فها أنا قد أتيت .
ثم أردفت ضاحكه :
- حتى أنني لم أرى مقياس سرعة السيارة في طريقي إلى هنا .
كانت الفتاه تتحدث العربية بطلاقه شديدة .. بل إنها تتكلم باللهجة العدنية .. لم تكن نور لتشك بأنها يمنيه لولا ملامحها الغربية .. مزيدا من التساؤلات المحيرة راحت تجول في خاطرها .. ثم أحست بان معدتها توشك أن تقلب .. لم تعد تقوى على تحمل تلك الفرحة التي تشع من تلك الشقراء .. ذلك الحريق الذي ينتشر في عروقها .. توقفت على بعد خطوات .. شعور مؤلم بالغربة اجتاحها بعنف .. وفكرت لبرهة بالهرب إلى البيت .. نعم فهي تحس وكأنها تنتهك لحظة خاصة بهما .. عضت على شفتها السفلى كي تمنع تلك العبرات التي بدأت تتلألأ في عينيها .. ومن شده اضطرابها لم تكن ترى عيون حسام المركزة عليها منذ أن خرجت من البيت .. لم تعي نظرته القلقة عليها إلا بعد أن أدارت الفتاه رأسها تتبع عيني حسام الشاردة عنها ..
ومع علامات الاستفهام التي راحت تلوح في العيون الزرقاء شعرت نور كمن يوقظها من غفوة .. وأسرعت الخطى نحو حسام .. وكأنها ترمي عليه مسؤولية الإجابة .
علت الدهشة ملامح ماري وكادت أن تفغر فاهها .. عندما انحنى حسام قليلا وراح يحدث نور بذلك الرفق المعتاد وهو يمسك بأناملها الرقيقة :
- ما بك صغيرتي ؟.
هزت نور رأسها مع تلك الابتسامة الخجولة .. لابد أن كل ما تحسه يتجلى بوضوح على صفحه وجهها .. وحتى أن استطاعت إخفاء مشاعرها .. مؤكد أن عيني حسام قادرة على الإحساس بها .. تحدثت مبرره :
- لقد شعرت ببعض الصداع .. اعتذر على مقاطعتكما .
لم تنطق ماري بشيء .. وتكفل حسام بالرد حينما عرفهما على بعض ونبره السرور ترن في كلماته :
- نور هذه زميله دراستي في لندن ماري .
ثم أردف وهو يحول نظره نحو زميلته التي تحولت حيرتها إلى ما يشبه الصدمة بعد أن انتهى من جملته :
- ماري .. أعرفك بزوجتي نور .
خفضت نور عينيها بحياء تحت تلك النظرات الزرقاء المتفحصة .. كانت تشعر بارتباك ماري التي انطفأ بريق عينيها ولفها صمت كئيب .. بعد ثواني تساءلت باستغراب :
- هل هي صغيرتك نور ؟.
رد عليها حسام مبتسما .. وهو يضغط على أنامل نور التي تسكن بين أنامله :
- نعم .
- لكن .. لكن ..
خشيت نور على الفتاه التي شحب لونها الأبيض الثلجي متحولا إلى الأصفر .. لم تجد ماري كلاما تكمل به جملتها .. فأنقذتها من تلك المعاناة :
- لابد انك تخيلتني طفله صغيره .
هزت ماري رأسها بالإيجاب .. وكان هذه الفتاه العربية الجميلة تنطق بما لم تستطع التعبير عنه هي .. عادت نور تمازحها بلطف :
- هذه عاده حسام في الحديث عني .. ولستِ الوحيدة التي وصلت إلى مثل هذا الاستنتاج .
كانت كلمات نور اللطيفة بمثابة يد حنون تربت على ماري .. ابتلعت ريقها بصعوبة .. وراحت تنظر لحسام الذي خبت ابتسامته وهو يرى اضطرابها :
- مبروك يا حسام .. لم اعرف سوى الآن .. اعذرني .
- لم يمر على زواجنا سوى بضعه أشهر .
أزاحت ماري عن وجهها إحدى تلك الخصلات الشقراء والتي حركتها نسمات خفيفة .. ونظرت إلى نور مره أخرى :
- مبروك مدام نور .. مؤكد انك إنسانه رائعة ليوفقك الله بزوج مثل حسام .
كانت كلماتها الحزينة بحدة خنجر يغرس في صدر نور .. إنها تشعر الآن بقوه تلك العلاقة التي تربطهما مما يزيد من الحرقة بداخلها .. ولكنها في نفس الوقت ترثي حال هذه الشابة المصدومة .. فهي لم تتعود رؤية شخصا يعاني الألم .. فردت بتهذيب بعد أن اختلست نظره خجولة نحو حسام :
- شكرا لك .
تلفتت ماري حولها باضطراب وكأنها تبحث عن منفذ للهرب في ساحة البيت الجميلة .. والمليئة بالورود الطبيعية .. ثم حدثتهما أخيرا وهي تحاول وضع ابتسامه لطيفه على شفتيها :
- يجب أن اذهب الآن .
استوقفها حسام وشعور بالقلق ينموا بداخله :
- لما لا تدخلين قليلا .. حتى تتعرف عليك نور .
أيدته نور بسرعة :
- نعم .. فأنت لم تمضي الكثير هنا .
ردت ماري بحياء على كلماتها اللطيفة .. ولكن كان يجب أن تتركهما الآن .. خصوصا أن حسام لا يزال يشبك أنامله بين أنامل زوجته الرقيقة .. يجب أن ترحل قبل أن تفضحها عبراتها الحارة .. والتي تستغرب قدرتها على حبسها إلى الآن .. لذلك اعتذرت محاوله تحاشى عيني حسام :
- أنا حقا على عجله من أمري .. وإن شاء الله سيأتي يوم أتعرف به على نور .
رد عليها الزوجان في آن واحد وبنفس النبرة الرءوفة :
- إن شاء الله .
دخل حسام برفقه نور إلى المنزل .. بعد أن ودعا ماري التي ركبت سيارتها الوردية الجميلة واختفت من أمامهما بسرعة ..
لم تكن تلك المعلومات التي عرفتها نور عن ماري خلال الحديث معها بالكافية .. بل أن مزيدا من التساؤلات راحت تحتشد بفكرها .. هنالك حقائق مؤكده لها ولا تحتاج الاستفسار عنها .. وأهمها أن ماري مغرمه بحسام .. مؤكد أنها كذلك .. شعرت نور بيد قاسيه تعتصر قلبها .. وراحت تختلس النظر نحو حسام الذي بدى طبيعيا .. يا ترى هل يكن لها هو نفس المشاعر .. فنظرته كانت حنونة .. مثلما هو حسام دائما ..
دخلت نور إلى المطبخ لتعد طعام الغداء بصمت مطبق بينما الحوار كان يحتد بداخلها .. لم تنتبه حتى لتلك النظرات المختلسة التي كان حسام يجس حالتها بها .. وعادت تتساءل .. عندما ارتسمت صوره ماري بعينيها الزرقاوات وشعرها الشقر وبشرتها الثلجية أمام عينيها .. كيف تستطيع التحدث باللهجة اليمنية والعدنية أيضا ؟.. كما أنها قالت إن شاء الله .. هل هي مسلمه ؟.. أم أن لحسام دخل في ذلك ؟.. هل هذا جواب يخبرها بقوه علاقتهما ببعض ؟..
شعرت بضيق صدرها .. وأخذت نفسا عميقا لتطلقه محاوله عدم التفكير بشيء .. دون جدوى .. عندما أوشكت على الانتهاء شعرت بشخص يقف خلفها .. انتفضت قليلا فهي لم تشعر بقدومه نحوها .. طل حسام برأسه من فوق كتفها ليلقي نظره على الطعام الذي شارف على النضج .. وتساءل بلهجة مرحه :
- ما هي الأخبار أيتها الطاهية نور ؟.
عادت تلك الحالة الهستيرية لقلبها وراح نبضه المجنون يتزايد .. وللحظه تبخرت كل الأفكار من رأسها .. لم تعد تشعر إلا بهذا الجسد الطويل الواقف خلفها وهذا الوجه الأسمر الجذاب والذي يكاد يلتصق بخدها .. التفتت إليه مبتسمة .. ومحاوله تهدئه أنفاسها الثائرة .. استغربت تلك السعادة التي تلمع في عينيه وهو يرمقها .. وقبل أن ترد على سؤاله خبت ابتسامتها وحلت محلها تعقيده خفيفة لحواجبها تترجم بها ذلك الاستنتاج الطارئ .. فمؤكد أن حسام سعيد لرؤية ماري .. مرت سحابه حزن على وجهها البريء .. كانت تكره هذه المشاعر الغريبة عنها .. تشعر بأنها تنتزعها من عالم لطيف كانت تحيى فيه مع حسام .. لقد أصبحت الآن تحس بالضياع .. أشياء كثيرة تجهلها .. بل وتخشى معرفتها بنفس الوقت ..
شعرت بأنامل دافئة تداعب خدها .. واسترعاها حسام من ذلك الشرود الكئيب بصوته العميق :
- نور .. هل ما زلتي تشعرين بالصداع ؟.
نظرته الحنونة والمليئة بالقلق .. جعلتها تخجل من تصرفها .. وطمأنته وهي تتحدث بحماستها المعهودة :
- لا .. انه يخف مع الوقت .
ظل حسام يتابع خطواتها في المطبخ .. وعندما شعرت بأنه لم يقتنع .. عادت تمازحه وهي تلتف خلفه وتدفعه نحو مخرج ذلك المطبخ النظيف والمطل على الصالة :
- هيا فلتخرج الآن كي لا تعرف أسرار الأكلات التي أعدها ..
ضحك حسام .. وأطاع أوامرها لكنه جلس على كرسي أمام تلك الطاولة التي تفصل بين المطبخ والصالة .. شعرت ببعض الارتياح لتواجد حسام بجانبها .. ولرؤيتها تلك النظرة الخاصة بها .. وكأنه يحميها من كل إحساس سيئ قد تشعر به ..
سألته بحياء شيئا مختلفا عما كانت تفكر فيه :
- حسام ..
- نعم صغيرتي .
- ما هي تلك الأغنية التي كنت تدندن بها وأنت تصلح سيارتك .
لم تسمع رده .. وطال الصمت .. فالتفتت لتجده ما يزال يطالعها بتلك النظرة الدافئة والتي تبعث بالحرارة إلى صدرها لتترك قلبها ينبض بجنون .. كانت ترتسم على شفتيه ابتسامه بها شيء من الحزن .. أو أنها لم تعد تستطيع تفسير ما يدور حلوها اليوم .. ولكنه تحدث مع التفاتتها :
- إنها أغنيه لكاظم .. واسمها الحب المستحيل .
أردف بعد ذلك بمرح :
- هل أعجبتك ؟.
- كثيرا .
عاد الصمت يحلق فوق رأسيهما .. ثم تساءل حسام ببساطه .. وهو يدخل للمطبخ مجددا ليساعدها في نقل الأطباق إلى مائدة الطعام :
- متى تنوين إخباري ؟.
تساءلت نور بسرعة وكأنها تنفي تهمه عن نفسها :
- بماذا ؟.
- بما يشغل تفكيرك .
نظرت له نور بمرح وشاغبته قائله :
- أنت تشغل تفكيري .
شاع السرور في ملامح حسام .. ورد عليها بنفس طريقتها :
- حقا .. لابد أن تفكرك محظوظ لأني اشغله .
ضحكت نور رغما عنها .. وضربة كتفه بخفه :
- أيها المغرور .
كانت ترى بوضوح هذه الفرحة المتراقصة بين عينيه .. والتي زادتها حيره .. راحا يتناولان طعامهما .. ولم تستطع هي الاحتفاظ بتساؤلاتها مطولا :
- حسام .. هل لي أن أسألك سؤالا ؟.
ابتسم لها وكأنه كان يتوقع استسلامها :
- اسألي .
- كيف تستطيع ماري التحدث بالعربية .. بل باللهجة العدنية .. هل علمتها أنت ؟.
- لا لم اعلمها فهي فتاه يمنيه .
- وكيف ذلك ؟.
ضحك حسام لتساؤلاتها .. وبدأ يحدثها بمرح وهو مستمع بالحيرة التي تطل من عينيها السوداويين الجميلتين :
- نور .. كيف تكون الفتاه يمنيه برأيك ؟.. يأتي شاب يمني ويتزوج من فتاه وعندما يرزق بالأطفال يصبحون يمنيين .
قلبت نور عيونها تسخر من حديثه الموجه للأطفال .. وحاولت التغلب على ابتسامتها :
- أنا اعرف هذا .
قاطعها مشاغبا :
- إذا لماذا تسألين ؟.
نهرته نور وهي تضحك :
- حسام .. دعني أفهمك قصدي .
- حسنا فلتفهميني .
- كيف تكون يمنيه وهي تشبه الأجنبيات .
- آه .. حسنا .. ماري أباها من اليمن .. ووالدتها من لندن .
أردفت نور وهي تهز رأسها :
- لابد أنها تشبه أمها إذا .
أشار لها حسام برأسه إيجابا وهو يمضغ بعض الطعام الذي لم تتناول نور منه الكثير .. وعادت تتساءل :
- هل هي مسلمه ؟.
- نعم .. هي ووالدتها أيضا .
- لكنها لا ترتدي الحجاب .
قلب حسام شفتيه ببساطه :
- مثل كثير من المسلمات والغير محجبات .
صمتت نور .. فأردف هو مبررا :
- إن ماري خلقت في لندن .. وهي فتاه في غاية الأخلاق .. والرقي .. تلتزم بكثير من التقاليد الإسلامية .. بدافع منها ولحبها للإسلام .. لذلك والدها يترك لها حرية القرار في شتى الأمور ومن بينهم مسألة الحجاب .
- لابد انك تعرف الكثير عنها .
شعرت نور بالندم بعد أن نطقت بجملتها الأخيرة .. مؤكد أن نبرتها الباردة ضايقت حسام .. ولكن على العكس وجدته يبتسم لها بمرح اكبر .. وكأنه لا يحس بهذا الغضب الذي يتملكها عندنا يتحدث عن ماري :
- نور .. إنها زميلة دراسة دامت سبع سنوات .. مؤكد أننا نعرف الكثير عن بعضنا .
ظلت نور تمطر عليه بشتى التساؤلات .. حتى بعد أن انتهيا من طعامهما واتجه هو نحو حجره النوم .. تبعته بعد أن انتهت من تنظيف أطباق الطعام .. دخلت إلى الحجرة بهدوء :
- حسام .
- نعم .
- هل نمت ؟.
- نعم .
ابتسمت وجلست بجانبه :
- لا تنام فانا لم انتهي بعد .
فتح حسام إحدى عينيه .. ثم وضع رأسه على فخدها وأردف قائلا :
- حسنا .. فلتسأليني إلا أن أنام .
بدأت نبضات قلبها تتسارع .. وراحت تعمل على تهدئتها .. بينا تتخلل بأناملها تلك الخصلات القصيرة في شعر حسام :
- هل ماري مرتبطة ؟.
هنا أجاب حسام باقتضاب .. أو هكذا تهيأ لها :
- لا .
- لما وهي فتاه جميله ؟.
- وما أدرني أنا يا نور .
- هل من الممكن أن تكون تنتظر شخص بذاته ؟.
فتح حسام عينيه .. وعلى شفتيه ابتسامه شقيه :
- ربما .
شعرت نور بان حسام يستطيع قراه تلك التساؤلات التي لم تنطق بها بعد .. مؤكد انه يملك القدرة على ذلك .. لهذا فضلت الصمت .
حثها حسام بلؤم :
- هل نفذت جعبتك ؟.
- نعم .. ربما لهذا اليوم .
فاجئها بسؤاله :
- ما سر اهتمامك بها ؟.
ترددت قليلا .. ولكنها مؤكد لن تستطيع إخفاء مشاعرها مطولا عنه .. فصارحته بما يختلج بداخلها من شكوك :
- إنها تنظر إليك بطريقه لا تعجبني .
ضحك حسام .. وعاد يستحثها على الحديث .. وبأنامله كان يداعب خصلات نور الطويلة والمتدلية من على كتفها :
- كيف ؟.
غزت الحمرة وجنتيها .. وهي تغالب تلك النار التي عادت تحرق صدرها :
- مؤكد أنها تهيم حبا بك يا حسام .
- نعم فانا شخص محبوب .
ابتسمت نور على إجابته السريعة .. وراحت تنهره كأم تؤنب صغيرها :
- كف عن هذا الغرور .. فأنا أتكلم بجديه .
- وانأ أتكلم بجديه .. وإن يكن .
شعرت نور بنبضها يكاد يشق صدرها .. رغم حديث حسام المرح .. والمليء بالمزاح لكنه لم يطمئنها بعد .. جلس حسام فجأة عندما عاودها الشرود .. واختطفها محتضنا خصرها .. ليدور بها برفق حتى صارت تستلقي بين أحضانه .. ثم همس بأذنها :
- أنا لا أحب سوى صغيرتي نور .
كانت تلك الحركة السريعة منه كفيله بإشعال انتفاضة لذلك المجنون السجين بين الضلوع .. شعرت بالتهاب وجنتيها .. وبعد ثواني قليله .. دق هاتف حسام لكي ينقذها من ذلك الصمت الخجل .. كان المشفى يطلب حضوره لوجود حاله تحتاج لعمليه سريعة .. نهض حسام مسرعا وراح يحضر نفسه بعجل .. كانت نور تجري خلفه وتناوله كل ما ينقصه .. وقلبها يعتصر ألما وهي تفكر بذلك أو بتلك الطفلة التي تحتاج لعمليه في بداية حياتها .. حمدا لله أنها لم تصبح طبيبه مؤكد أنها ستموت ألف مره مع كل أنين تسمعه من مرضاها ..
التفت إليها حسام قبل أن يخرج .. وقال لها محذرا :
- يجب أن تنامي .. ولا ترهقي نفسك بمزيد من التساؤلات تذكري فقط أني احبك صغيرتي .
أنهى جملته بقبله دافئة طبعها على خدها .. ورحل دون أن يدرك مدى الاضطراب الذي يسببه لها بتلك الحركات التلقائية .. أو لعله يدرك ويتعمد فعل ذلك .. كانت تحب هذا التقارب الذي سمحت به علاقة الزوجية بينهما .. ومؤكد أنها لا تستنكر أيا من لمساته .. لكنها شعرت بنوع من الأنانية يجتاحها .. هل يحق لها أن تحقق معه بمثل تلك الطريقة .. حتى وان كانت هنالك علاقة بينه وبين ماري تلك .. لا يحق لها أن تزعجه بتساؤلاتها .. حسام شاب خلوق ومميز .. ويستحق أن يحيا حياته الخاصة .. ولكن هل ماري هي تلك الحياة .. تغضن وجهها بشكل تلقائي .. وراحت تستبعد صوره ماري .. يبدوا أنها فتاه لطيفه ولكنها لا تليق بحسام .. هكذا حدثت نفسها .. كلمتها الأخيرة بثت الرضا إلى صدرها .. ولكنها عادت تتساءل بحيرة أكبر عن مشاعرها هي .. هل توجد فتاه مناسبة له بنظري يا ترى ؟.
لم تجب عن سؤالها خوفها من أن تعاودها تلك الأحاسيس الغريبة التي أمسكت بتلابيبها منذ رؤيتها لماري .. ودخلت إلى البيت .. أخرجت بكره الصوف وراحت تكمل غزل ذلك الشال الأبيض الذي كانت تصنعه لحسام دون أن يعلم ..
------------------

رن هاتف نور لينتشلها من بحر الأكواد البرمجية التي كانت تغوص فيها أمام جهاز الحاسوب المحمول .. والذي تقوم من خلاله بالعمل على المشروع المكلفة به من قبل الجامعة .. رأت رقم حسام .. وانتبهت في تلك اللحظة أنها لم تعد الغداء بعد .. ضغطت على أسنانها بضيق ثم ردت على ذلك الرنين المتزايد وهي تؤنب نفسها على التهائها بالدراسة :
- مرحبا .
- مرحبا .. صغيرتي .. كيف حالك ؟.
- الحمد لله .
- نور .. من الممكن أن لا أعود للغداء اليوم .. فلدي الكثير من المهام هنا .. لا تنتظريني صغيرتي .. ولا تنسي تناول دوائك .
- حسنا .

أغلقت الخط بعد أن ودعا بعضهما .. ثم أغلقت جهاز الحاسوب بعجله .. وتوجهت مسرعه نحو المطبخ .. بدأت تعد إحدى الأكلات التي يحبها حسام .. شعور قوي يجتاحها نحوه في تلك اللحظة .. فهو يرهق نفسه كثيرا من اجل رسم ابتسامه صادقه في قلب طفل مريض .. تملكتها نشوه غريبة .. لم تكن تلك المرة الأولى .. فإحساسها بان حسام سيتذوق هذا الطعام يجعلها أكثر حذرا .. بالرغم من انه يبدي إعجابه بكل شيء تصنعه ..
ابتسمت نور وهي تتذكر كيف تجلس قبالته وتبدأ بالسؤال ((هل مذاقه حلو ؟)) .. قبل أن يبتلع لقمته الأولى .. فأصبح حسام يتغزل بالطعام قبل حتى أن يتذوقه .. راحت نور تجهز نفسها بعد أن انتهت من إعداد الطعام .. ووضعه في أطباق مخصصه لحمله .. ولم تنسى وضع ذلك الشال الأبيض الدافئ والذي انتهت منه بالأمس بداخل حقيبتها ..
لم يكن المشفى الذي يعمل بها حسام غريبا عنها .. فلقد تلقت علاجها بداخلها ..
في إحدى الممرات وجدت طبيبها المعالج ديفيد برفقه ماري .. تقدمت منهما بحياء لتلقي التحية :
- السلام عليكم .
- وعليكم السلام ..
رد الاثنان .. لكن رد ذلك الطبيب المسيحي الأشيب كان أكثر حرارة .. كانت نور تعلم انه يحب المسلمين ويحب الترحيب بهم بتحيتهم :
- مرحبا بالعربية الجميلة نور .
احمرت وجنتي نور من الخجل تحت وقع ذلك الإطراء اللطيف .. أيضا ماري رحبت بها وابتسامه جميله تعلو شفتيها .. فضلت الفتاتين التحدث بالانجليزية مراعاةً للطبيب ديفيد .. بينما راح هو يمازحها :
- هل اشتقت لزوجك ؟.
- لا .. اقصد .. لقد أحضرت له الغذاء .
كان سؤاله مفاجئا ومحرجا لها بنفس الوقت .. ضحك الثلاثة على جوابها الخجول .. وودعتهما بعد أن تمنى لها طبيبها الذي يفيض بالحنان الأبوي أن يسعد الله أيامها .
نقرت نور على باب حجره حسام .. ثم طلت بوجهها لتجده منهمك على بعض الفحوصات دون أن يلقي أي التفاته نحو الباب المفتوح .. أشفقت عليه .. وقالت ممازحه وهي تقترب منه متقمصه دور شاب توصيل الطلبات :
- لقد أحضرت لك أحب الأكلات سيدي .. ولكن هذا سيكلفك ضعف ثمن الطعام .
شاع السرور على ملامح حسام المتعبة .. وبدأ الزوجان بتناول طعام الغذاء معا .. ظلت نور تحدثه عن مشروعها الجامعي الجديد .. وهو ينصت إليها باهتمام بالغ رغم انه لا يفهم الكثير مما تقوله .. وجدته يتأملها بتلك النظرة التي تفلح بخطف أنفاسها في كل مره بعد انتهاءهما من الغذاء .. أخرجت ذلك الشال الصوفي من حقيبتها وهي تعاني الاضطراب اللذيذ من نظره حسام .. وقدمته بحياء بالغ :
- ما هذا ؟.
تساءل والإعجاب بادي على ملامحه .. فأجابته وهي تتقدم منه وتلف الشال حول عنقه :
- لأنك تهمل صحتك كثيرا .. وتنسى ارتداء ما يدفئ جسدك .
- مؤكد لن أنساه بعد اليوم .
كانت عينيه الحالمتين مركزتين نحوها .. وازداد تسارع نبضها عندما شعرت بأنامله تتحسس يدها .. ثم ترفعها ببطء ليطبع قبله ناعمة على ظاهر يدها .. شعرت بالدوار يلفها .. وانتشر اللون الأحمر في وجنتيها .. سمعا نقرا خفيفا على الباب .. وظل حسام محتضنا لأناملها الرقيقة بين كفيه عندما طلب من الطارق الدخول .. تساءلت ماري بمرح وهي ترى نور :
- حمدا لله انك ما زلتي هنا .
سحبت نور يدها من بين كفي حسام بسرعة بعد أن لاحظت تغير تعابير ماري المرحة بمجرد أن انتبهت للأيدي المتشابكة .. وتساءل حسام بهدوئه المعهود :
- أهلا بك يا ماري .
- لقد جئت أخبركما أن والدتي تود أقامه حفل نسائي صغير بعد الغد .. لكي تستطيع نور التعرف على صديقاتنا اليمنيات هنا .
ظلت نور صامته تنتظر رد حسام الذي حدثها بلطف :
- مؤكد ستستمتعين برفقه والده ماري .. ما رأيك صغيرتي ؟.
هزت نور رأسها بالموافقة ووجهت حديثها لماري :
- حسنا .. وشكرا لهذه الدعوة اللطيفة .
- لا داعي للشكر حبيبتي .
استأذنت ماري بالخروج .. وراحت نور تشرد في تلك الفتاه الشقراء اللطيفة .. والتي تشعرها بالكثير من التناقضات .. فهي تجدها محببة في كثير من الأوقات .. ولكنها لا تزال تتذكر أول يوم رأتها فيه .. وذلك الشوق المشتعل في عينيها .. والذي أحست نور بأنه احرق قلبها هي .

مر اليوم الذي يسبق الحفلة بشكل سريع .. وكانت نور تعيش في حيره تامة خلاله .. فهي لا تدري ماذا ترتدي .. ولا كيف تسريح شعرها .. كادت أن تصيب حسام بالجنون من كثره الملابس التي عرضتها عليه .. ولكنها استقرت على رأي قبل الموعد بساعة .. لبست فستانا أسود قصير يحمل تصميما كلاسيكيا .. كان بسيطا جدا يغطي الصدر ويرتفع حتى العنق .. وينحسر بعض الشيء عن ركبتيها وتصميمه يبرز ضيق خصرها وتناسق جسدها .. كما انه يكشف عن ظهرها بقصه أنيقة على شكل الرقم سبعه .. وجعلت خصلاتها الطويلة الناعمة تنام بخمول على كتفها الأيمن حتى تصل إلى نهاية خصرها .. لم تبالغ كعادتها بالأصباغ .. وكانت تعرف أن حسام يفضل رؤية ملامحها البريئة .. خرجت من الحجرة تسير بحياء مع نظراته المفتونة .. ابتسم هو للخدين المتوردين بتلك الحمرة التي يعشقها .. تساءلت نور بقلق واضح :
- هل سيعجبون بي ؟.
- لما كل هذا القلق ؟.
- أحس بأنهم يودون رؤية زوجه حسام .. لذلك أحب أن انقل صوره جميله عنك .
اتسعت تلك الابتسامة الجذابة على شفتيه .. واقترب منها قليلا .. كان يود أن يهمس لها بشيء .. لكن عطسه خفيفة منعته من ذلك :
- رحمك الله .
قالتها نور وهي تغالب ضحكتها .. ثم أفلتت تلك الضحكة عندما حاول أن يرد عليها فعاوده العطس مره أخرى :
- يبدوا أن العطس لا يريدك أن تحدثني .
ثم أردفت وهي ترتدي عباءتها وحجابها :
- هيا قبل أن نتأخر .
لم يكن بيت ماري يبعد كثيرا عن بيتهم .. وقبل أن تطرق باب البيت رن هاتفها بنغمه الرسائل .. فتحتها لتجد رسالة تحتوي كلمتين فقط من حسام ((أنت الأجمل)) .. كان ذلك كفيلا ببث الاطمئنان إلى قلبها .. طرقت الباب بثقة اكبر .. جاءها صوت ماري من الداخل .. وبعد أن فتحت لها الباب .. شعرت بألفه كبيره وسط ذلك البيت القريب جدا من تصميم البيوت اليمنية .. وأحبت والدته ماري كثيرا وذكرتها بوالدتها هي مع اختلاف الملامح .. كانت حفله لطيفه .. وزادتها تقربا من ماري التي أبدت سعادة صادقه بتواجد نور بينهم ..
عندما حان موعد العودة .. ارتدت حجابها ولكن قبل أن تخرج أصر والد ماري الذي كان يجلس في مكتبه بإدخال حسام ليسلم عليه .. استغربت نور عندما وجدت والدة ماري ترتدي حجابا لتستقبل زميل ابنتها .. وشعرت بالفخر من ذلك الترحيب الحار الذي يتلقاه حسام من الجميع .. لكنها لاحظت تغير صوته قليلا .. تقدمت نحوه بقلق ظاهر ممسكه بإحدى يديه :
- هل أنت بخير يا حسام ؟.
وقبل أن يجيبها وجدت ماري تشاركها قلقها .. بل أنها تحسست جبينه وهي تردف بضيق :
- ما هذا يا حسام .. إن حرارتك مرتفعه .
ضايق ذلك التصرف نور بعض الشيء .. ولكنها عادت تحدث نفسها بأنها طبيبه وهذا يعد واجبا عليها .. بينما أجابهما حسام بحياء :
- أنا بخير حقا لا تقلقا .
ولكن ماري نهرته بحزم :
- لم تتغير أبدا .. طبيب ومهمل بصحتك .
تقبل حسام حديثها بابتسامته الخجولة .. وقبل أن يودعا تلك الأسرة الطيبة .. أعطت ماري بعض الدواء لنور وأوصتها :
- لا تقلقي يا نور .. ولكن إذا زادت حرارته أعطيه هذا الدواء مع كمادات باردة .
تلقت نور تلك النصائح بهدوء .. دون أن تبين حدة تلك المشاعر التي تجتاحها ..

في البيت ارتمى حسام على السرير فور دخولهم .. مما زادها خوفا عليه .. مسحت قطرات العرق المتجمعة على جبينه بكفها الناعمة :
- حسام .. هل تشعر بالألم ؟.
أجابها وهو لا يزال مغمضا لعينيه .. ويبدوا انه يحاول التغلب على وجعه :
- لا تقلقي صغيرتي .. ولكني احتاج لبعض النوم ..
حاولت إقناعه بتناول بعض الدواء دون جدوى .. فراحت تنفذ ما أمرتها به ماري .. وأحضرت كميه من المياه الباردة وبللت بها قطعه من القماش ثم اعتصرتها لتضعها على جبين حسام الملتهب .. ظلت ساهرة بجانبه تكرر تلك الحركات بصبر .. وشعرت كأن حرارته تتسلل إلى قلبها .. بدأت عبراتها بالانهمار عندما سمعته يئن ويهلوس بكلام غير مفهوم تحت سطوه الحمى ..
رفع يده بحركة منهكة .. وكأنه يحاول الإمساك بشيء .. لم تفهم من كلامه سوى القليل .. ولكن ما فهمته جعلها تعاود بكائها وهو يقول بصوته المحموم ((متى ستشعرين)) .. ((لا تتركيني)) .. ((فانا احبك)) .. احتضنت نور تلك اليد الملتهبة .. وقبلتها بحنان بالغ بعد أن بللتها بعبرات ساخنة .. لا تدري لما بتلك اللحظة تذكرت صوته الشجي وهو يغني كلمات الحب المستحيل .. كما أنها لا تدري سببا محدد لهذه الدموع .. هل هي رؤيته مريضا ؟.. أم ذلك العذاب الذي يعانيه وحيدا وكشفته هذه الحمى الخبيثة ؟.. أم هو ذلك الشك الذي يزداد بداخلها عن هوية الفتاه التي يقصدها حسام بهذه الكلمات المحمومة ؟.. تلك الفتاه الشقراء التي جعلتها تختبر إحساسا جديدا مؤكد انه الغيرة ؟.. نعم فهي تغار من ماري .. من تلك الذكريات المجهولة التي تشاطرها مع حسام .. من نظره الشوق في عينيها ولهفتها القلقة عليه ..
راحت دموعها تنهمر بغزاره اكبر وهي تتأمل ملامح ذلك الوجه الأسمر الجذاب .. والذي لا تملك الحق مطلقا بامتلاكه .. نعم لا يحق لي أن أغار فهو يحبها .. يجب أن اكف عن أنانيتي الطفوليه .. ولابد أن يحضا حسام بالسعادة التي يستحقها .. ويكفيني هذا الحب العذب الذي اشعر به الآن اتجاه شخص لطالما عاش لرؤية ابتسامتي ..

في الصباح استيقظت نور .. وشعرت بتحجر الدموع على خديها .. كانت تحس بيد خفيه تحاول انتزاع قلبها كلما تذكرت استنتاجات الأمس .. تلفتت حولها بهلع ولم تجد أثرا يدل على تواجد حسام .. قفزت من فوق السرير .. وراحت تفتش في أرجاء البيت وهي تناديه بصوت مهزوز .. لكن ما من مجيب .. شعرت بنبضها يتسارع كدقات قنبلة موقوتة .. أين سيذهب وهو بتلك الحالة .. دعت الله بان يحميه .. وجاهدت كي تطرد كل أفكارها السوداء .. محاوله البحث عن طريقه تطمئن بها عليه ..


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 16
قديم(ـة) 05-04-2012, 07:59 PM
صورة ♫ معزوفة حنين ♫ الرمزية
♫ معزوفة حنين ♫ ♫ معزوفة حنين ♫ غير متصل
©؛°¨غرامي فضي¨°؛©
 
الافتراضي رد: ملاك الحب / للكاتبة : my faith




(14)
أميرتي النائمة




أين ذهب ؟.. ظل السؤال يتردد بداخلها دون إجابة شافيه .. بدأت تحصي دقات قلبها عوضا عن الثواني .. وبخطوات قلقة تترنح تحت سطوة مخاوفها راحت تذرع أرض الصالة ذهابا وإيابا .. هل من الممكن أن يكون ذهب للمشفى .. ولكن ماذا إن أصابه مكروه وهو بتلك الحالة .. مؤكد أنه ليس على ما يرام .. حتى أنه نسي هاتفه المحمول في البيت .. أخذتها الهواجس إلى احتمالات أكثر قسوة .. وتخيلت حياتها دون حسام .. جعلها ذلك توشك على البكاء وشعرت بغصة في بطنها .. ثم قررت أخيرا أن تخرج بحثا عنه .. دون أدنى فكرة لديها عن مكان تواجده ..

في تلك اللحظة سمعت مفتاحا يدار في قفل الباب .. ركزت عينيها بوجل وشوق نحو ذلك الجسد الطويل الذي تتوقع رؤيته .. وما أن ظهر حسام عبر الباب المفتوح .. حتى اندفعت نحوه كالمجنونة تحتضنه بكل ما تملك من قوة .. ولتخفي نشيجها في حنايا صدره العريض :
- حسام .. أين كنت ؟.. لقد خفت عليك كثيرا .
شعر حسام بالذنب أمام لوعتها .. وراح يضمها إليه برفق ويربت على رأسها ليخفف عنها :
- أنا آسف صغيرتي .. لم أكن أود أن أزعجك .. فلقد بدى عليك الإرهاق .
رفعت إليه نور عينيها الدامعتين وهي لا تزال تطوقه بيديها :
- أين ذهبت في هذا الصباح المبكر ؟.
- لقد خرجت لكي اجري قليلا .. أنت تعلمين كم اكره المرض .
لقد أنستها فرحة رؤيته الاطمئنان على حاله .. وسرعان ما رفعت إحدى يديها لتتحسس جبينه ثم خده .. ذلك الدفء الطبيعي في بشرته أثلج صدرها .. بينما التقط حسام يدها القريبة من خده .. ومال برأسه قليلا كي يقبل باطن يدها وهو لا يزال يطوقها بذراعه الأخرى .. متى ستتعود لمسه شفتيه الدافئتين دون كل هذا الاضطراب الذي يغشاها .. وتلك النبضات التي تصم آذانها ..
نظر إليها وابتسامه مرحه تتخلل شفتيه .. لابد أن تلك الحمرة التي تغزو وجنتيها قد راقته .. وضع كفها على صدره :
- يبدو أنني قد سببت لك الكثير من القلق .
شعرت بسعادة بالغه من تلك الخفقات الثائرة تحت أناملها الملامسة لصدره .. واطمأنت بأن هنالك من يشارك قلبها بعض جنونه .. سيطر عليها الخجل وعادت تحتضن حسام لتخفي وجهها المحمر خجلا :
- بل كدت أموت خوفا عليك .. لا تكرر ذلك مره أخرى .
ابتعدت عنه فجأة بشيء من الخجل .. وقد رأت بعض القطرات تبلل قميصه الرياضي :
- لقد بللتك بالدموع .
ضحك حسام وهو يبعدها عنه بلطف :
- بل أنا من بللك بالعرق .. يجب علي الاستحمام فورا قبل أن اطرد من البيت .
شاركته نور الضحك .. ولكنها خافت عليه من أن يأخذ حمام في هذا الجو البارد .. خصوصا أن صوته لم يريحها وآثار المرض تتخلله بوضوح .. لكن حسام عنيد كعادته ..

على الغداء لم تتناول نور الكثير من طعامها كانت تستمتع برؤيته يمضغ اللقيمات ببطء .. وببعض الشهية .. وراحت تحدثه بشتى المواضيع بحماستها المعهودة .. شعور غريب بالسعادة يتسلل بداخلها .. كانت مجرد رؤيته معافى أمامها تبعث السرور إلى قلبها المتعلق به :
- ألم تصلك رسائل من والدتك يا نور ؟.
- بلى .
قالتها بفرحه واضحة ثم أردفت بشيء من الاستغراب :
- لقد شعرت بقوه رسالتها هذه المرة .
- كيف ذلك .
- لقد حدثتني عن الكثير من الأشياء .. ولكنني قرأت من بين السطور بأنها أصبحت لا تأبه كثيرا للخال نبيل .. حتى صرت اشعر وكأنها لم تعد مهتمة بارتباطهما .
- هذا شيء متوقع .
عقدت نور حاجبيها بحيرة من تلك النبرة الواثقة في حديثه :
- وما هو المتوقع ؟.
- إن والدتك يا نور لم تحتج يوما لهذا الارتباط .. لكنها اعتبرته تضحية في سبيلك أنتِ .
- أنا .
- نعم صغيرتي .. أنت تعرفين كلام الناس عن بيت لا يوجد فيه رجل .. والدتك لن تهتم بذلك .. لكن سمعتك أنت أكثر أهميه بالنسبة لها .. وأنا اعتقد أن هذا الدافع الرئيسي لارتباطها بالخال نبيل .
حمل حديثه الكثير من المنطقية .. وشعرت بمعاناة والدتها من أجلها .. أردف حسام :
- لهذا هي الآن تشعر ببعض القوه .. خصوصا بعد أن اطمأنت عليكِ .
ابتسمت نور لذلك الوجه الأسمر الجذاب والذي راح يرمقها بنظرته اللطيفة والتي تجعل قلبها ينكمش خجلا :
- كيف تستطيع أن تكون هكذا ؟.
ضحك حسام على عبارتها الغريبة وعلق مازحا :
- أن أكون هكذا ؟.
- أقصد .. بهذا القدر من الحنان .. فأنت تشعر بكل من حولك .
- ربما لدي قدرات خاصة .
ابتسمت له بمرح .. كانت تلك طريقه حسام للهرب من خجله .. وبدأت هي تشاكسه :
- بل مؤكد .. مثل قراءتك لأفكاري .
- هذه ليست ضمن القدرات .
- ولما ؟.
نظر إليها حسام بتلك الطريقة الخاطفة للأنفاس .. وراح يداعب خدها بأنامله :
- أنت بريئة جدا صغيرتي .. لذلك أفكارك وانفعالاتك لا تخفى عني .
كم هو مريح تواجده معها .. فمنذ ساعات مضت كانت لا ترى مستقبلها بدونه .. وكأنه ينتهي باختفاء حسام .. وهي الآن تشعر بإحساس قوي يسيطر عليها .. وكأنها تملك سعادة أعوام قادمة .. رفعت نور إليه عينين خجولتين ثم حدثته ببساطه بما يختلج في صدرها :
- شكرا لك يا حسام .
- على ماذا صغيرتي ؟.
عادت تخفض عينيها لترفعهما من جديد :
- على هذا الحساس الجميل الذي لطالما منحتني إياه .
- لست أنا من يمنحك إياه .
هنا ابتسمت له بحب .. وهي ترى جوابا عميقا يشع في عينيه .. لا تقدر على قراءته :
- من إذا ؟.
شعرت بأنه يود الإفصاح عن ذلك السر الذي يختزنه في قلبه .. لكنه عاد يبتسم بمرح :
- سيأتي يوم وتعرفين بنفسك .

كانت تسمع حركاته السريعة في حجره النوم وهي تنهي تنظيف أواني الطعام .. وعندما دخلت عليه وجدته يتأهب للخروج :
- إلى أين ؟.
تساءلت بحده وهي تعرف الإجابة مسبقا :
- إلى المشفى .
- ومن أذن لك بذلك .. أيها الطبيب حسام .
التفت إليها ضاحكا وهو لا يزال ينهي تحضير نفسه :
- وهل ستحكمين علي بالسجن المؤبد .. أيتها المهندسة نور ؟.
- حسام .. كف عن الاستهتار بصحتك .. المشفى لن يتوقف بدونك .. ويجب أن ترتاح .
- لا استطيع أن اجلس هكذا في البيت دون عمل .
شعرت نور بأن صبرها يكاد أن ينفذ .. لكنها ما تزال مصره على عدم خروجه .. أحضرت هاتفه النقال وناولته إياه :
- فلتتصل أرجوك .. لتعتذر عن الحضور هذا اليوم .
كان الحزن يرتسم بوضوح على ملامحها الجميلة .. وهذا ما جعله يأخذ الهاتف باستسلام ويدق رقما :
- حسنا .. سأطلب من ماري أن تقدم لي أجازه مرضيه .
- لا ..
لم تشعر نور بسرعة إجابتها إلا عندما ضحك حسام عليها :
- هل غيرتي رأيك ؟.
شعرت بالخجل من تسرعها .. وراحت تبرر له :
- لا .. أنا اقصد لا تتصل بماري .. فلتطلب ذلك من الطبيب ديفيد .
رفع حسام إحدى حاجبيه يقيس مدى إدراكها لما تقوله .. ثم حدثها بلطف :
- صغيرتي .. الطبيب ديفيد رجل كبير .. ولا استطيع أن أتعبه معي بينما ماري موجودة .
ردت عليه نور بما يشبه عناد الأطفال :
- وهنالك أيضا زملاء غيرها يستطيعون تقديم الأجازة أليس كذلك ؟.
فكر حسام قليلا ثم بحث عن رقم في هاتفه .. وسمعته يخاطب احد زملائه الذكور .. وابتسامه مرحه تعلو شفتيه ..

--------------------------

إلى متى سأعيش في هذا الظلام .. إنه يأبى مفارقتي .. ويسعى دوما لاختطافي من أسعد اللحظات .. وكأنه شخص غيور لا تعجبه ابتسامتي الدائمة .. حقا إني أحاول .. أحاول جهدي أن أتغلب عليه .. أتجاهله .. أتناسى حقيقة إجباري على التعايش معه .. لكنه يرفض النسيان .. كلما غاب عني عاد ليخنقني بيدٍ من حديد .. غير آبه لمكان أو زمان .. غير مقدر لأي ظرف .. أحساس قاسي بالوحدة يكتنفني مع تسرب خيوطه السوداء حولي .. لكن يبقى شعور قوي بداخلي ليخبرني بأنه سيزول .. مهما طال الانتظار .. ومهما أطبقت علي ظلمته الموحشة .. مؤكد سيتلاشى بعد دقائق معدودة .. ليتركني وحيده أصارع ذاكرتي .. كي استرجع تلك النقطة التي توقفت عندها حياتي .. وأكمل من جديد رحلتي مع هذا الرفيق الذي يرفض الهجران ..

دخل حسام إلى البيت وتملكه أحساس بغيض من هذا الصمت المطبق الذي يلف البيت .. أين هي نور ؟؟.. هكذا تساءل بحيرة .. لقد كان الوقت متأخراً بعض الشيء ومن غير المعقول أن لا تكون في البيت .. أسرع نحو المطبخ بخطى وجله بعد أن لاحظ تلك النار المشتعلة فوق موقد الطبخ .. لبرهة نسي كيفيه التنفس عندما وجدها مرمية على أرضيه المطبخ الباردة .. وبجانبها قدر مقلوب قد افرغ محتوى الزيت الساخن على معصمها ..
أسرع في التقاطها من الأرض بعد أن أطفأ نار الموقد .. ليلقيها برفق على السرير .. ثم اخرج بعض المراهم من حقيبته ليداوي حروقها .. ثم لفها برباط طبي .. عندما شارف على الانتهاء رأى نور تفتح عينيها بوهن .. وكانت ملامحه المتجهمة .. آخر ما يود أن تراه .. لكن تلك الوجيعة التي تغرس أظافرها بوحشيه في صدره لا تترك له مجالا للابتسام .. كم يشعر بالضعف أمام هذا المرض .. بالعجز عن حماية أحب الناس إليه .. كم تمنى لو استطاع المعاناة بدلا عنها .. فكل ما يبثه في نور من آيات الصبر والقوة لا تصل إليه أبدا .. فهو لا يزال يراها طفلته الرقية والتي يود لو يصونها بداخل قلبه .. وكثيرا ما يشفق عليها من ذلك الحمل الثقيل الذي تتعامل معه وحدها ..
كانت نور تنظر باستغراب لوجهه المتجهم .. غير مدركه ما حدث لها .. لكنها سرعان ما سحبت يدها من بين أنامله كحركة تلقائية بعد أن زال عن جسدها إحساسه بالخدر .. وشعرت بذلك الحريق في معصمها .. استغرقت برهة لفهم الموقف .. ثم أعادت معصمها إلى أنامله بيأس .. أنهى هو معالجتها محاولا أن يفك تعقيدات وجهه .. وأشاحت هي بنظرها كي لا تفلت دموعها .. لم تكن تود أن تزيد ذلك الهم الساكن في عينيه .. فتحدثت بصوتها المهزوز محاوله الابتسام :
- لما تأخرت ؟.
- لقد كنت برفقه ماري .
كان يجيبها بلا مبالاة .. وهو يفرك يديها المتجمدتين بكفيه .. لكنها انتفضت جالسه :
- ولماذا ؟.
- لقد كانت تود التحدث معي .. فتناولنا العشاء سويا .
كادت نور أن تفلت تلك الدموع التي أفلحت في حبسها قبل قليل .. وبدأت تتحدث بعصبيه رغما عنها :
- لقد كنت أحاول أن اعد لك عشاءا مميزا .. وأنت فضلت تناوله مع ماري .. دون حتى أن تخبرني بذلك .
لم يعرف حسام كيف يهدئها .. كما أنها كانت محقه فيما تقوله .. نهضت نور من على السرير وهي تغالب عبراتها :
- ماذا ستظن ماري الآن .
وقف حسام قبالتها وراح يحتضن وجهها :
- لن تظن شيء .. هي تعلم أني اعزها كزميله .
ابتعدت نور خطوه للوراء وهي تصر بحده على كلامها :
- أنا اعلم أن هذا الزواج شكلي يا حسام .. ولكنه ليس كذلك أمام الناس .
كانت تشعر بان النار في معصمها تنسحب تدريجيا لتستقر في قلبها المجروح .. ولم تعد تسمع نفسها .. أدركت من خلال تلك النظرة الكئيبة في عينيه أنها تخطئ في حقه بكلامها القاسي .. فاحتضنت البطانية من فوق السرير متوجهة بها نحو الحجرة المجاورة .. شعرت بيده الدافئة على ذرعها .. وهو يستوقفها بحيرة :
- ماذا تفعلين يا نور ؟.
لم تكن تنظر إليه وهي تجيبه فعينها قد غشتهما طبقه من عبراتها :
- دعني يا حسام أرجوك .
تنهد حسام بضيق ثم أخذ البطانية من بين يديها وقبل أن يخرج من الحجرة .. مسح دمعه وحيده على خدها وقبلها على جبينها بصمت .
لم تجد نور سوى وسادتها الحزينة لتشاركها دموعها .. وراحت تفرغ ذلك الإحساس المؤلم على طيات سريرها الخالي المفتقد مثلها لدفئ حسام .. لم تغفل عينيها .. ليس بسبب هذا الحرق في معصمها والذي بدأ يضايقها بشكل مزعج .. إنما هو شعور بالذنب .. لقد بالغت بردت فعلها نحو حسام .. ولم يكن من حقها أن تلومه .. أو تعامله بتلك الطريقة الجارحة ..
أدركت بأنها لن تقدر على تركه ينام مستاءً منها .. كما أنها لن تستطيع النوم هي بعيدا عنه .. فأخذت إحدى الوسائد .. وتسللت نحو الحجرة التي يستلقي فيها بسكون .. على تلك البطانية واضعا يديه خلف رأسه .. لم يكن نائما كما توقعت بل يشرد بنظره إلى السقف .. حتى أنه لم يشعر بدخولها من الوهلة الأولى .. تقدمت منه بحياء :
- لقد أحضرت لك وسادتك .
ابتسم لها حسام مشجعا .. فتقدمت أكثر وجلست بجانبه وهي تخفض رأسها :
- أنا حقا أسفه يا حسام .. لم يكن يحق لي .....
لم يدعها تنهي جملتها .. وجذبها نحوه واضعا رأسها على صدره .. وراح يتحسس شعرها بحنان :
- لا يجب أن تعتذري .. فلقد كنتِ محقه في كل شيء صغيرتي .
لفهما الصمت ولم تعد نور تسمع سوى التناغم المتسارع بين نبضات قلبيهما .. وسرت قشعريرة في أوصالها عندما اخذ حسام يمرر أنامله بلطف فوق كفها ذو المعصم الجروح .. حركات أنامله الدافئة كانت كفيله بتحريك آلاف المشاعر بداخلها :
- كيف تشعرين الآن صغيرتي ؟.
ردت عليه بكلمات تقطر مرارة :
- كلما أحاول تخطيه والتعايش معه .. يعود ليصدمني بواقع مؤلم .. لا أملك معه سوى الإحساس بمدى ضعفي .. وما تعانيه أنت معي .
رغم أنه يحس بوجعها بل أن ألمه من اجلها اكبر مما يمكنها أن تتخيله .. إلا أنه أجابها مازحا بعد لحظه من الشرود :
- أنا لا أعاني شيئا .. فأنت أميرتي النائمة .
زفرت نور بسخرية .. فحديث الناعم لم يفلح بالتخفيف من وجيعتها :
- يالي من أميره بائسة .. لا تجد فارسا يهديها قبله الحياة .
ابتسمت هذه المرة وهي تردف بسخرية اشد :
- بل أن قبلته لن تجدي نفعا في مثل حالتي .
لم يتحمل حسام هذه المرارة التي تقطر منها .. ونهض ليجلسها معه وهو يحتضن وجهها بين كفيه .. حدثها بصوته الهادئ وعينيه تركزان النظر في عينيها السوداويين :
- أنتِ لستِ بحاجه لقبله أحد يا نور .. فقبله الحياة توجد بداخلك .. تنبع من قوة إيمانك .. ومدى توكلك على الله ..
كانت تدرك تلك الكلمات .. ولكنه يخبرها إياها بطريقه تشعرها بالأمان .. بأنها ستكون بخير طالما يداه تطوقان أناملها .. وقبل أن تجيبه تعالى صوت قرقرة خفيفة من بطنها .. ضحك الاثنان وداعب حسام خدها بخجل :
- أنا أسف .. لابد أنك لم تتناولي عشائك حتى الآن .
نهض بها واتجها نحو المطبخ .. وتتطوع كي يعد لها البيض .. كانت نور تنظر إلى طريقته الغريبة في كسر البيض وتحاول أن تغالب ضحكاتها .. بينا واصل هو قليه للبيض والسعادة تتسلل إلى ملامحه وهو يطالع انشراح أساريرها :
- كيف عشت سبع سنوات وحيدا في لندن دون أن تعرف كيفيه كسر البيض .
رد عليها حسام ببساطه :
- كان الطبخ مهمة زميلي في السكن .. فانا لا أهواه كثيرا .
بدأت تتناول طعامها بشهية .. وهي تختلس النظر نحوه بين الحين والآخر .. فسرعان ما بدأ حسام بالشرود .. لم تكن تلك المرة الأولى .. فهي تشعر ومنذ بضعه أيام بأنه يخفي عليها أمرا .. تحس بأنه يعاني جرحا بداخله .. وهي لم تتعود هذه النظرات الحزينة في عينيه :
- حسام ..
- نعم صغيرتي .
- ألن تخبرني بما يزعجك ؟.
لم يكن يشك بصفاء إحساسها هي الأخرى بمن حولها .. ولكنه ابتسم لها بود :
- لا تشغلي بالك .. إنها مجرد ضغوطات في العمل .
مؤكد أن كذبته لم تنطلي عليها .. ولكنها حدثته بلطف بعد أن غسلت يديها :
- حسنا .. دعنا ننام فأنا اشعر بنعاس شديد .
- فلتصبحي على خير صغيرتي .. أنا لا أشعر بالنعاس بعد .
- فلتصبح على خير .
تركته باستسلام .. وشعرت بأن قلبها يكاد يخلع ليجلس معه ويؤنسه في وحدته .. ليشاركه هذا الهم الذي لا تعرف سببا له .. جافاها النوم .. وظلت مستلقية بيأس على السرير ..
بعد لحظات شعرت بخطوات حسام الهادئة في ظلمه الحجرة .. ثم وجدته يتسلل نحوها .. ليضع رأسه بخفه على صدرها .. ويطوق خصرها بذراعيه .. التهبت خديها من حركته البريئة والمفاجئة .. وتملكها الخجل من سماعه لذلك المجنون الثائر بين الحنايا .. والذي سرعان ما يقرع طبول الحياء مع قرب حسام منها .. وبالرغم من هذا الاضطراب اللذيذ والمتزايد بدخلها .. إلا أنها تحس بشعور عنيف نحو حسام .. وكأنها تود أن تزيل عنه كل تلك الهموم والمشاكل التي يأبى أن يشركها بها .. فراحت تعقد ذراعيها حوله وتتحسس خصلات شعره القصير برقة ..
توقف قلبها عندما شعرت بقطره ساخنة راحت تسيل بكآبة على صدرها .. لكن سرعان ما عاد النبض يدق صدرها بعنف .. مع تلك العبرات الأكثر سخونة .. والتي بدت كأنها تشجع قلبها المجنون في شق صدرها ..
- حسام .. حسام ..
خنقتها العبرات ولم تستطع سوى مناداة اسمه .. بينما حرك رأسه بالنفي فوق صدرها كأنه يجيب عن ذلك السؤال القلق والذي لم تنطق به بعد .. جلس ببطء .. فجلست معه وحاولت التخفيف من حدة إحساسها :
- ما بك يا حسام ؟.. لما لا تود إخباري ؟.
أخذ حسام نفسا بصعوبة ليطلقه وهو يتخلل شعره بأنامل يديه .. محاولا ابتلاع دموع كان يشعر بأنها أقوى منه .. وضغط على أسنانه قبل أن يجيبها بصوته المهزوز :
- أشعر بضيق يطبق على صدري يا نور .
تدافعت دموعها لتسيل بأسى على وجنتيها .. وكأن ما يصفه من ألم هو ما تشعر به الآن .. فراح قلبها يتأوه في أعماقها .. عندها حاول أن ينتزع حسام ابتسامه حنونة من شفتيه .. ومسح دموعها بينما سقطت دمعه كئيبة من عينيه ..
نظر لها بعينين محمرتين بمزيد من الدموع المحبوسة .. وبدأ يحدثها بصوته الدافئ المليء بالشجن :
- صغيرتي .. مهما حدث .. وحتى إن فرقتنا الأيام .. أو تغيرت تلك الوجوه أمامنا .. اعلمي أن عيناي لا تستطيعان رؤية سواك .. وإحساسي بكِ أكبر من أية مسافات ..
عضت نور شفتها السفلى كي لا تفلت ذلك النشيج المتعالي بداخلها .. بينما كانت نظرته تقتلها .. نظره لم تألفها في عينيه أبدا .. وكأنه يرى حلما أمامه .. وأن تلك الأنامل الساكنة بين أنامله مجرد سراب سرعان ما سيختفي .. أردف قائلا بصعوبة أكثر :
- يجب أن تدركِ بأن قلبي لم يعرف الحب إلا ليحبك أنت .. وحتى إن لم تريني .. تأكدي بأنني وفي مكان ما من هذا العالم املك قلبا يخفق فقط ليساير خفقات قلبك ..
خفضت نور رأسها فأسنده حسام بجبينه .. ودموعهما تحرقها لم تعد تحتمل هذا الغموض الذي يأسرها فيه .. رؤيتها له وهو يعاني ألما تجهله :
- كفى يا حسام .. كفى أرجوك .
حرر أنامله من بين يديها وطوق وجهها .. لترى إصرارا في عينيه :
- نور .. أنا .....
تعالت رنه هاتفه .. فراح يمسح دموعه قبل أن يجيب بصوت حاول جهده أن يكون طبيعيا :
- نعم .... أين .... سأحضر الآن .

وقف على عجله من أمره بمجرد إنهائه لتلك المكالمة التي لم تفهم منها شيئا :
- هل ستخرج ؟.
- نعم .. إنهم يريدون حضوري في المشفى .
أجابها وهو يتحاشى النظر إلى عينيها مما أكد شكوكها .. ولكنها لم تملك سوى اللحاق به حتى استوقفته أمام المخرج .. وقفت على أصابع قدميها وقبلته على خده :
- فلتنتبه لنفسك .
أهداها حسام ابتسامه يشوبها الكثير من الحزن .. ثم طبع قبلته الدافئة على جبينها .. دون أن يردف بشيء .. ظلت تتابعه بعينين قلقتين .. وقلب وجل .. كم تتمنى لو كان باستطاعتها إيقافه .. فهي تخشى عليه من هذه الكآبة المسيطرة عليه .. وهذا الألم الذي يعانيه .. والتي لم تتعودها أبدا في عينيه المرحتين ..

تنفست بصعوبة بالغه وهي تعود إلى حجره النوم .. سماعها لرنه هاتفه المحمول جعلها تنتبه بأنه نسي هاتفه مجددا .. رأت رقما غريبا من لندن يتصل عليه .. فكرت بأنه يتصل من هاتف عمومي كي يطمئن على هاتفه النقال .. ففتحت الخط :
- أين أنت ؟.
كان المتسائل صوت ذكوري جعل قلبها يجفل من الخوف .. وراح النبض يتسارع دون إرادة منها .. أنه يشبه صوت حسام كثيرا .. ولكنها قادرة على التمييز بينهما .. فلطالما سمعت هذا الصوت اللامبالي والذي عاود التساؤل بعد أن طال صمتها :
- حسام .. هل هذا أنت ؟.
أغلقت نور الهاتف بسرعة .. وكأنها تهرب من براثن وحش كاسر .. وشعرت ببروده تتسرب من قلبها لتهز سائر جسدها .. فعلى الرغم من هدوء ذلك الصوت إلا أنه عمل على اضطراب مشاعرها .. نعم .. فهي لم تعد تعرف وصفا دقيقا لما تحسه الآن .. ولكن شخص واحد ظل مسيطرا على تفكيرها .. بل ويستحوذ على جام قلقها .. إنه ذلك الشارد الكئيب حسام ..


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 17
قديم(ـة) 05-04-2012, 08:01 PM
صورة ♫ معزوفة حنين ♫ الرمزية
♫ معزوفة حنين ♫ ♫ معزوفة حنين ♫ غير متصل
©؛°¨غرامي فضي¨°؛©
 
الافتراضي رد: ملاك الحب / للكاتبة : my faith




(15)
مواجهة



دخل حسام ذلك المطعم المتميز بجوه اللطيف .. والذي أتفق مع سامح للقاء فيه .. كانت خطواته المتئدة وملامحه الساكنة لا تظهر شيئا من ذلك الإعصار الهائج بداخله .. استطاع التعرف على أخاه وجلس على طاولته :
- السلام عليكم .. كيف حالك ؟.
- بخير .. وأنت ؟.
- الحمد لله .
لم يعدل سامح من جلسته المسترخية .. ورد بتلك الطريقة اللامبالية .. تسللت ابتسامه ساخرة لشفتي حسام .. ثم تساءل فجأة :
- لما قررت أخيرا مقابلتي ؟.
قلب سامح شفته السفلى .. وأجاب بصدق :
- لا أعرف .
لم يكن أقل اضطرابا من حسام .. ولكن الاثنان كانا بارعين بالتستر على حقيقة مشاعرهما .. ولم يسمحا لأي من أحاسيسهما أن تطفوا على صفحه وجهيهما .. لم ترق حسام تلك الإجابة كما أن أعصابه لا تسمح بمزيد من الغموض .. فقرر أن يكون أكثر وضوحا :
- ما الذي جاء بك إلى لندن يا سامح ؟.
تغضن وجه سامح لهذا السؤال المفاجئ .. وسيطر الغضب على ملامحه .. كان يسمع نبره اتهام في صوت أخاه .. فرد عليه بعصبية :
- هذا ليس من شئنك .
زم حسام شفتيه بضيق من ذلك الرد .. وشعر سامح بأنه بالغ قليلا في ردة فعله :
- أنا الآن موظف مع إحدى الشركات .. وأرسلت في مهمة عمل لمده أسبوع .
كان ينطق بالحقيقة .. كما أنه لم يرغب أبدا بهذه السفرة .. بل أنه بغضها منذ البداية .. ولم يتعمد السؤال عن أخاه طيلة الأيام التي قضاها في لندن .. لقد شعر بالانقباض منذ الوهلة التي وضع فيها قدميه في المطار .. إحساس مؤلم نشب أظافره في صدر سامح عندما عاودته كل ذكرياته التي يحاول طردها من مخيلته ما استطاع .. ولم يكن يحسب حساب تلك اللحظة التي قابل بها حسام مصادفة .. وسرعان ما رفض طلب حسام للقائهما في البداية ..
استدعاه من شروده سؤال آخر لحسام :
- هل توظفت ؟.. متى ؟.
زفر سامح بسخرية والتوت شفتيه بابتسامه معوجه ليرد بتهكم :
- نعم .. لكن للأسف أخي الأكبر أصبح لا يعرف عني الكثير .
حاول حسام تجاهل تلك العبارة القاسية .. ولكنها استفزته ورفع إحدى حاجبيه وراح يرد بصوته الهادئ :
- أنت من حدد طبيعة علاقتنا .
- بل أنت من دفعني لذلك .
ضغط حسام على أسنانه بحرقه .. لم يرد أن يفقد أعصابه فلقد جاء ليؤدي مهمة معينه .. اخذ نفسا عميقا .. ليستعيد هدوءه :
- اسمعني يا سامح .. أنا لم أتي اليوم لأتصارع معك .. هنالك أمر يتوجب عليك معرفته .
تعقدت حاجبي سامح بينما أردف حسام بصعوبة .. وكأن الكلمات تجرح فمه قبل أن تخرج :
- في الحقيقة إنه سر .. عملنا أنا ونور على إخفائه عن الجميع .. ولكن آن الأوان لينكشف أمامك .
- سر .. سر ماذا ؟.
تساءل سامح بحيرة بعد أن هدأت ثورته هو الآخر .. فأجابه حسام :
- يجب أن تخبرك نور بنفسها .
لم يخفى على حسام ذلك الارتباك الذي غمر أخاه .. ولكنه حاول تجاهل فكرة أن اسم نور هو السبب .. بينا رقت لهجة سامح وهو يجيب :
- لكن ليس لدي الوقت الكافي للقائها .. فأنا سأعود لليمن غدا مساءً .
- إذا فلتحضر للمشفى الذي أعمل فيه قبل أن تتجه إلى المطار .
كان إصرار حسام محيرا جدا .. ولكنه وافق خاضعا على قرار أخاه الأكبر .. زم حسام شفتيه بضيق محاولا البحث عن كلمات لائقة :
- حاول أن تتفهمها يا سامح .. نور إنسانه رقيقه .. ولتكف أنت عن هذا الغرور .
رد عليه سامح بحده :
- هل ستلقي علي محاضره في الأخلاق أيها الطبيب ؟.
- لا تنسى بأنني أخاك الأكبر .
- وماذا أيضا ؟.
كانت الدماء تفور في عروق حسام .. لكنه نهض بهدوء .. ووجه لأخاه أخر كلمه من بين أسنانه :
- وتأكد من أنني لن أسمح لك بأذيتها مره أخرى .

خرج حسام يدق الأرض بخطوات عصبية ليترك سامح يغرق في بحر من الغموض .. لم يخفى عليه آلام سامح والتي يحاول مداراتها بسخريته .. ولكن ذلك زاد من وجعه هو فهذا دليل على استمرارية حب أخاه لنور ..
زفر حسام بضيق محاولا التخلص من تلك الهموم التي تجثم فوق صدره لكن دون جدوى .. ظل فكره يشرد ويطرق شتى المواضيع في طريق عودته للمنزل .. لقد أصبح مدركا لحب نور له .. تلك الغيرة التي يراها في عينيها الجميلتين .. ذلك الخجل الذي يعتريها ما أن تلمسها أنامله .. لقد بات يراقب عشقها المتزايد له يوما بعد يوم .. بل كان متوقعا لهذا التحول في مشاعرها .. أو ما يسميه هو فهم أعمق لأحاسيسها .. لطالما أحبها .. وكان على يقين أنها ستدرك في يوم ما حقيقة شعورها نحوه .. ذلك الشعور الذي تجهله هي نفسها ..
كم كانت مبهجه تلك اللحظات التي قضاها بجانب نور الرقيقة .. لكن رؤيته لسامح في لندن قلب كيانه .. أعاد له كل الذكريات المريرة .. كل كلمات الأسى .. وكل تلك الدموع التي كان يمسحها بصبر من أعين نور المنتحبة لأجله ..
أنه أكثر شخص فهما لصغيرته .. يعلم مدى رقة مشاعرها .. يدرك هشاشة قلبها الرءوف .. كان دوما يحدث نفسه بأنها لم تختبر معاني أخرى للحب .. وما تشعر به نحو سامح مجرد تعلق أخوي .. ورفض للتنازل عن علاقة نشأت من المهد .. لكن رغم ذلك اشتعلت الغيرة بداخله عندما رآه في لندن .. وهو لن يستطيع العيش مع هاجس أن نور لا تزال تحب سامح .. لذلك كان يجب أن يقلب كل الموازين .. حتى تستطيع نور مواجهه نفسها قبل كل شيء .
شعر بتجهم وجهه يزداد وسرعان ما داهمته الابتسامة عندما تذكر ملامح نور الغاضب منه عند علمها بتناوله العشاء مع ماري .. كان باستطاعته الكذب عليها خصوصا أنه لا يكن لماري سوى مشاعر الزميل والأخ التي لا يلام عليها .. لكنه لم يتعود أن يخفي على نور مثل هذه الأمور ..

صار يرى الآن وجه ماري بعينيها الزرقاوتين .. وهي تخبره عن عريس تقدم لخطبتها .. بالرغم من أن ظاهر كلامها يحمل طلبا للمشورة .. إلا أنه أدرك ما تحس به حقا .. واستطاع قراءه تلك الرسائل الخفية التي ترسلها له .. إنها لا تزال تحبه .. تتمنى عودته لها .. كان يرى الأمل يرتسم جليا في تعابيرها الحائرة .. مؤكد أنها فسرت تلك السحابة الكئيبة التي سيطرت عليه مؤخرا باستياء الأوضاع بينه وبين نور .. مما دفع بالأمل إلى قلبها مره أخرى .

ما أن خطى حسام داخل البيت حتى لفه شعور غريب .. شعور مطمئن .. رقت أحاسيسه فجأة عندما وقعت عينيه على نور النائمة فوق مسند الأريكة في وسط الصالة .. لابد أنها انتظرت رجوعه حتى غلبها النعاس .. لقد كانت ليله شاقه بالنسبة لها .. جلس حسام على الأرض أمامها ..
لم يستطع منع نفسه من تأملها .. كانت جميله .. فاتنة .. لكن بتلك الطريقة البريئة التي تأسره .. كيف يستطيع قلبه حب غيرها .. وهو لا يملك أمره .. فلقد أضحى ملكا لهذه الملاك النائمة .. راح يتحسس يدها المصابة برفق .. وانتقلت إصبعه لتزيح خصلة من شعرها الحريري والتي كانت ترقد بخمول على وجهها .. ثم بدأ يداعب خدها نزولا إلى زاوية شفتيها ..
كيف يستطيع تخيل الحياة دونها بعد أن أضحت تحلي أيامه .. مؤكد أن أنفاسه لن تتعود استنشاق هواء لا يوجد به عبير أنفاسها .. كم أحبها .. وكم جرحه هذا الحب .. لكنه لم يكرهه أبدا .. فهو لا يرجو سوى سعادتها .. مختلف المشاعر تنتفض بداخلها لأجلها .. فهو يحبها بكل معاني الحب وأشكاله .. كابنة .. كأخت .. وكحبيبة .. يشعر بمسؤوليته نحوها .. وكأنها جزء منه .. أو هي إنسانه خاصة به .. لذلك أنتظر بصبر نضج مشاعرها نحوه ..

وقف حسام واخذ نور بين ذراعيه .. كان جسدها كقطعه من الجليد بسبب بروده الجو .. فاحتضنته هي دون وعي منها عندما شعرت بجسده الدافئ .. وضعها على السرير برفق ثم غطاها بالبطانيات .. لكنها ظلت تتشبث فيه .. فقربها منه .. واحتضنها محاولا النوم ..

-----------------------

استيقظت نور في الصباح الباكر .. وشعرت بأنفاس حسام الساخنة على عنقها .. كان يحتضنها من الخلف .. وذراعاها هي تتشابكان مع ذراعيه الملفوفتين على صدرها .. لم ترد أن تتحرك حتى لا تقلق نومه .. كما أن حضنه الدافئ كان يشعرها بلذة غريبة أبت التخلي عنها .. ظلت ساكنه في مكانها تداعب أنامله السمراء الطويلة الساكنة فوق كتفها .
- هل استيقظت صغيرتي ؟.
انتفضت نور .. فلم تدري متى استيقظ .. حولت وجهها نحوه بعد أن عاودها قلقها عليه من ذلك الحزن بالأمس .. وضعت يدها الناعمة على خده :
- كيف حالك اليوم ؟.
كانت لا تزال أسيره حضنه الدافئ .. فابتسم لها تلك الابتسامة الجذابة التي تعشقها .. وغمر وجهه بين خصلات شعرها ليهمس في إذنها بصوته العميق :
- في هذه اللحظة بالذات .. أنا على خير ما يرام .
راح صدرها يعلو ويهبط مترجما خفقات قلبها المجنون .. فأنفاس حسام الحارة على عنقها كانت كفيله بإشعال ثورته من خلف الضلوع :
- حسام .
رفع حسام رأسه ليرى وجهها .. فأردفت وهي لا تزال تعاني لوعتها عليه :
- ألا تود أخباري بما يشغل تفكيرك ؟.
داعب حسام خدها بحنان .. ثم راح يلعب بخصلات شعرها الحريري .. وهو يحاول السيطرة على مشاعره بقدر الإمكان :
- قريبا ستعرفين كل شيء .
لم تشأ نور أن تضغط عليه أكثر من ذلك وكان يكفيها عودة مزاجه الهادئ .. فعادت تدفن رأسها في حنايا صدره العريض .. وهي تحدثه بصوت خافت يغلبه الحياء :
- أنا لا أقوى على رؤية ألمك يا حسام .. وأتمنى لو أستطيع إسعادك مثلما تغمرني أنت بكل هذه الأحاسيس الجميلة .
- لطالما أسعدتني صغيرتي .. فرؤيتي لابتسامتك يكفيني .
اختلجت شتى الأحاسيس في صدر نور .. وتعقد لسانها عن الحديث .. لم تعرف بماذا تجيب هذا الكلمات التي قد ترجمها حسام بأفعاله قبل أن ينطق بها .. لكنها لم تضف شيئا وقفزت فجأة من على السرير بعد أن لمحت عقارب تلك الساعة المعلقة على الجدار :
- يا الله .. لقد تأخرت كثيرا .. ونسيت أن أضبط المنبه .
ظل حسام يتابعها بعينيه وهو يغالب ابتسامته المرحة .. لقد كان شكلها مضحكا وهي تحظر نفسها بكل ما تملك من سرعه .. وحاول هو الآخر أن يسرع في تحضير نفسه حتى يستطيع أن يقلها بسيارته إلى جامعتها .

مر يومهما الطويل بصعوبة بالغه على نور التي قضته في الجامعة بين المحاضرات ومناقشه للمشاريع .. وحسام الذي ظل يعاني ثقل دقائقه وقرب موعد حضور سامح للمشفى ..
في المساء اتصل بنور :
- مرحبا صغيرتي .. هل تستطيعين المجيء إلى المشفى .. فهنالك أمر يستدعي حضورك .
- حسنا .. لن أتأخر بإذن الله .
أغلقت نور الهاتف وهي لا تملك أدنى فكره عما يريده حسام منها .. لكنها خضعت لرغبته باستسلام .. ولم تلح عليه بالسؤال .. فما فائدة إلحاحها في حين أنها ستعرف بعد قليل سر كآبته في الليلة الماضية .. بل وذلك الشرود الذي تملكه لوقت طويل .. نعم .. هنالك إحساس قوي بداخلها ينبئها بأنها على وشك معرفه المجهول .. وسرعان ما أخذها تفكيرها نحو ذلك الصوت الذي أتاها عبر هاتف حسام بالأمس .. هل يا ترى لذلك الصوت يدا في ما يعانيه حسام .

ظل شعور الخوف يتزايد بداخلها دون مبرر مع كل خطوه تقربها من حجره حسام في المشفى .. وعندما وقفت أمام الباب .. كانت الرهبة تتملكها .. طرقته طرقتين خفيفتين .. ثم دخلت بعد ذلك بخطى حذره .. رؤيتها للشاب ذو العينين البنيتين كانت آخر ما خطر على بالها .. صعقت نور ولم تجد حسام بالحجرة كي تستنجد به .. ظلت مسمره في مكانها وفكرت بالهرب لكن قدميها أعلنتا الخيانة .. ولم تساعدها في أي حركه ..
وقف سامح بارتباك فور مجيئها ولكنه سرعان ما استعاد هدوءه :
- مرحبا يا نور .
كان الوجوم يلفها ولم ترد عليه .. فعاد يتساءل برفق :
- هل ستقفين بجانب الباب طويلا ؟.
لم تعد تفهم شيئا .. ودخلت لتجلس على الكرسي الذي أمامه .. حاولت أن تسأله احد الأسئلة التي تثور بداخلها .. والتي كان أسرعها بالخروج :
- أين حسام ؟.
تغضن وجه سامح قليلا مما بث في صدرها القلق .. بينما ضايقته لهجتها المستنجدة .. ولم تخفى عليه تغير نبرتها وهي تنطق باسم أخا .. عدل من جلسته ونظر لها ببرود :
- سيعود بعد قليل .. لا تقلقي .
أطبق عليهما الصمت قليلا .. لم يخطر ببالها موضوع للحديث .. فالتساؤلات بداخلها لا تترك لها مجالا للتفكير .. أو حتى لتحليل الموقف .. لكن سامح بدا عليه الضيق من شرودها .. وتحدث بجديه هذه المرة :
- نور .. لقد دعاني حسام لكي أراكي .
بدت علامات الدهشة على ملامحها البريئة .. فأردف هو ليجيب عن أسئلتها المحيرة :
- إنه يقول بأن هنالك سر يجب علي معرفته .. لكن منك أنت .
هنا اتسعت عيني نور للآخر .. هل يعقل أن يقوم حسام بمثل هذا الأمر .. يحضرها كي تخبر سامح بسرهما .. لم تدرك مدى الاضطراب الذي أصابها حتى أنها لم تنتبه لتهدج أنفاسها إلا عندما مال سامح نحوها متسائلا :
- هل أنت بخير يا نور ؟.
رفعت إليه عينيها .. ما الذي يحدث لي ؟.. كانت تتساءل بغرابه .. إنها تشعر بكلمات سامح تقلب كيانها .. ليس لان سامح هو من ينطق بها .. حتى أن دقات قلبها التي راحت تتسارع لرؤيته لم تكن دقات فرح برؤيته أبدا .. بل هي دقات خوف من المواجهة .. أو رفضا لحدوثها .. فهي ستعاود جرحه مره أخرى .. نعم مؤكد ستجرحه .. لما .. لما دفعها حسام لذلك .. هل ضاق من سرهما .. ففضل أن يفي بوعده الأول لها بأن يخبر سامح به عندما تحين الفرصة .

أخذت نور نفسها عميقا ثم نظرت لسامح .. كانت ملامحها الميتة صدى لتنهيدات قلبها المجروح :
- نعم .. لقد تشاركنا أنا وحسام في أخفاء سرنا عن الجميع .
بدا الاهتمام على ملامح وجهه الوسيم .. بينما عادت هي تحدثه بلهجتها الميتة وكأنها تنفد حكم حسام عليها ليس إلا :
- إن زواجنا هذا مجرد زواج شكلي .
لم تكن تنظر لسامح .. ولم ترى تعقد حاجبيه فهو لم يستوعب جملتها الأخيرة :
- لقد اضطررنا لإتمام هذا الارتباط بعد أن تأكد حسام من إصابتي بمرض نادر .. فكان هذا الحل الوحيد ليحررني من جميع مشاكلي في اليمن .. ويطمئن على صحتي .
تلك الكميه من المعلومات والتي تلقيها نور على مسمعيه كانت اكبر من قدرته على الاستيعاب .. ولكن الفرحة راحت تتسلل إليه خلسة .. فنور لا تزال فتاته التي يحب .. وهنالك ما أجبرها على هذا الارتباط :
- هل حقا ما تقولين يا نور ؟.
لمست نور فرحته .. فاعتصر الألم قلبها .. إنها لا تأمل فرحته هذه .. أدركت بأنه لم يلقي بالا على مسألة مرضها .. فراحت تخبره بتفاصيل المرض .. وكأنها تتعمد أن تصدمه :
- إن مرضي يحمل اسم ((الخُدار)) .. أو ما يسمى بالنوم القهري .
لم يعد سامح يفهم شيئا من كلامها .. واسترسلت نور في وصف كل ما تعانيه في مرضها .. وكل ما تتعرض له من مخاطر بسببه .. حتى رفعت أخيرا كم يدها المصابة لتريه حرقها الملفوف بالأربطة الطبية :
- وهذه آخر حادثه تعرضت لها بسبب مرضي .
كانت تبعض الحديث عن مرضها .. أو أن تشكي ألمها لأحد .. لم يكن الأمر مثل بكائها على صدر حسام .. وأخباره بأتفه الأمور التي تؤذي مشاعرها .. شعرت بتلك اللحظة مدى الفارق بين الاثنين .. بل بين حسام وأي شخص في حياتها .. ظلت تنظر لتلك العينين البنيتين .. وشعور بالبرودة يجتاح صدرها .. أدركت كم كانت بارعة في خديعة نفسها .. ولكن كل هذا لم يعد مهما الآن .. فيبدوا أن علاقتها بحسام تلفظ أنفاسها الأخيرة .. كادت دموعها تنهمر عندما رددت تلك الكلمة في صدرها .. نعم إن حبها يموت قبل أن يخلق بقرار من حسام نفسه .. حقا لا يجب عليها لومه .. لكن هذه الحرقة التي تتلذذ بتعذيب قلبها تأبى ذلك ..
عاودت النظر نحو سامح فقرأت في ملامحه كثير من الحيرة والذهول .. وهذا ما كانت تسعى إليه منذ البداية .. فحتى وإن كان حسام قد اتخذ القرار بدلا عنها .. وحتى إن تفهم سامح موقفها .. لم يكن ذلك ليعني شيئا بالنسبة لها .. فهي ترفض أن تصبح لعبه في يدهما .. لقد أفشت السر تنفيذا لرغبه حسام .. والآن جاء دورها هي في تحديد مستقبلها .
وقفت نور بعصبيه .. موجهه حديثها نحو سامح :
- لا تجهد نفسك يا سامح بالتفكير .. فمعرفتك لن تغير بالأمر شيئا .
وقف سامح معها وحاول أن يمسك يدها .. لكنها أبعدتها منه قبل أن يلمسها :
- لا تنسى أني بالرغم من كل شيء .. لا زلت فتاة متزوجة ..
رقت تعابيرها قليلا بمسحه ألم عندما أردفت قائله :
- حقا أنا لا أريد شفقه منك .. ولا من حسام .
نطقت بالكلمة الأخيرة محاولة ابتلاع تلك الغصة في حلقها .. ثم أخذت حقيبتها وخرجت مسرعه من الحجرة .. كانت تحث الخطى خوفا من أن يلحق بها .. لما كل هذا العذاب الذي تحس به .. ألم تأمل مجيء مثل هذه اللحظة .. ما بها الآن تبغضها .. هل لان الحيرة غمرت سامح بعد معرفته بمرضها .. أغمضت نور عينيها الدامعتين لتنهمر دموعها التي حجبت عنها الرؤية .. لا ليس هذا سبب .. بل هي وجيعتها للفراق القريب ..

استمرت في سيرها السريع رغم امتلاء عينيها بالدموع .. حتى ارتطمت بشخص أمامها .. أمسكها من كتفيها حتى لا تقع وراحت يده الدافئة تربت على خدها وهو لا يزال يحتضنها باليد الأخرى :
- صغيرتي .. ما بك ؟.. ما الذي حدث بينكما ؟.
رفعت نور عينيها الدامعتين .. هنالك الكثير مما تود أن تحدثه به .. لكن المكان لم يكن مناسب .. لم يستعصى عليه فهم ما يجول في خاطرها .. فأخذها من يدها ليعود بها إلى حجرته التي أصبحت خاليه الآن .. لابد أن سامح قد غادر بعدها ..

أغلق حسام باب الحجرة والتف سريعا كي يواجه نور الباكية .. راح يمسح دموعها بأنامله .. لكنها ابتعدت عنه بحرقه .. استغرب ردة فعلها :
- نور .
حاولت تهدئه نفسها دون جدوى .. وقررت أن تتحدث من خلال نشيجها الذي تعرف أنه لن يتوقف .. كما أن حسام قادر على فهم ما تشعر به :
- لما يا حسام .. لما ؟.
ضغط حسام على أسنانه بعصبيه :
- هل كان رده قاسيا عليك ؟.
- لا لم يكن كذلك .
- إذا ما الذي يزعجك ؟.
- أنت من يزعجني .
خرجت كلمتها كصفعه على خده .. لقد خانها التعبير .. ولم يكن هو يستحق مثل تلك القسوة .. لكن قلبها الذي يعتصر ألما لم يكن مدركا لما يقول .. وفقد قدرته على تنميق الكلمات :
- إن كنت تود الطلا .. الطلا ..
عادت نور تذرف مزيدا من دموعها الساخنة .. لم تكن تعتقد أن نطقها لكلمه صغيره مثل الطلاق سيحتاج منها كل هذا العناء .. عادت تتهمه من جديد بعد أن غيرت صيغه سؤالها :
- إن كنت تود الانفصال لما لم تخبرني ؟.. هل هذا ما كان يحزنك ؟.. أنك تخشى أن تؤذي أحاسيسي ؟.. لقد كنت كريما معي في مشاعرك واهتمامك الدائم بي .. ولكنك تستحق أن تحيى حياتك الخاصة وقت ما تريد .
أخذت نفسا عميقا ثم نظرت إليه بعد أن رقت ملامحها :
- أنا لا أريد أن أكون حملا ثقيلا عليك يا حسام .. وكفاك ما عانيته معي .
حاول أن يرد عليها لكنها قاطعته بإصرار :
- كيف فكرت إنني لن اسعد من أجلك ؟.. أو تخيلت أن أكون أنانيه في حبي لك يا حسام ؟.
- ما الذي تقصدينه صغيرتي ؟.
أجابته بسؤال آخر من أسئلتها التي كانت تجرحها هي قبل حسام :
- لما جعلتني عثرة في طريق ارتباطك بماري ؟.
إنه يتمزق معها .. ولم يعد يجد شيئا يقوله ليخفف به ألمها :
- كفى يا نور .. أنتي تسيئين الفهم .
لقد أعمى الألم قلبها .. لم تعد تريد سماع المزيد .. هذا الحنان الذي يفيض من عينيه صار الآن سببا في عذابها :
- أرجوك يا حسام .. كفاني ما تلقيته منك من شفقه ... وكفاك تدميرا لحياتك من أجلي .
كانت تبكي بشكل هستيري .. لم يعرف هو السبيل لتهدئتها .. ولا كيفيه نفي كل تلك الافتراضات الخاطئة التي راحت تطلقها عليه .. لم يتعود أبدا احتمال ألمها .. فهو يموت ألف مره مع كل دمعه تسقط من عينيها السوداوتين .. كانت المشاعر تتضارب بعنف في صدره .. ولم يعد يملك طريقه أخرى لإسكاتها ..
تقدم منها بثبات .. وأمسك وجهها بين كفيه .. وأطبق على شفتيها بقبله حملها كل ثورته .. كانت قبله عنيفة .. لكنها سرعان ما فقدت ذلك العنف .. وراحت تداعب شفتيها برقه .. شعرت نور بأنفاس حسام الحارة على خدها .. فأخذت أنفاسها هي تتسارع مع حركات شفتيه الناعمة على شفتيها .. تحجر الدمع في مقلتيها .. وللحظه نسيت كل شيء .. نسيت ما كانت تقوله منذ ثواني .. تلك الأفكار القاسية والتي كانت تجرح أحاسيسها الرقيقة .. بل أنها تستغرب الآن سبب بكائها .. وتجهل منبع ذلك الألم الذي كان مسيطرا عليها .. تملكتها حاله من الخدر .. ولكنها ليست نائمة .. فهي تسمع بوضوح دقات قلبها المجنون .. والذي راح يساير بفرح دقات مجنون آخر يخفق بعنف تحت أناملها الملامسة لصدر حسام .



الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 18
قديم(ـة) 05-04-2012, 08:02 PM
صورة ♫ معزوفة حنين ♫ الرمزية
♫ معزوفة حنين ♫ ♫ معزوفة حنين ♫ غير متصل
©؛°¨غرامي فضي¨°؛©
 
الافتراضي رد: ملاك الحب / للكاتبة : my faith




(16)
ملاك حبي أنا




لم تعد نور تملك القدرة على التفكير .. وسط كل هذه الأحاسيس العنيفة التي تهز كيانها .. بينما كفي حسام الدافئتين تحتضنان وجهها برفق .. وجاهدت كي تستطيع تمالك نفسها مع هذا الشعور بالخدر .. وفي اللحظة التي أبعد شفتيه عنها سمعت باب الحجرة يفتح .. لتقترب منهما خطوات سريعة .. تلتها قبضه وجهت لكمه قويه ومفاجئة نحو حسام .. انتفضت نور من الرعب خصوصا عندما سمعت حسام يتأوه من الألم ..
ولكن في نفس الثانية التي ميزت وجه سامح والذي كان الغضب يشتعل في عينيه البنيتين .. احكم حسام قبضته وأعاد لكمة أكثر قوة لأخاه .. توقف نبض قلبها وكأنه يحبس أنافسه معها .. لهذا التحول السريع في الأحداث .. وفجأة وجدت نفسها تقف مشدوهة بينهما .. صرخ سامح وهو يضغط على أسنانه بعصبيه بالغة :
- هل تخدعني يا حسام ؟.
رد عليه حسام بنفس تلك الطريقة المحتدة .. كان شكله مخيفا .. فهي المرة الأولى التي تراه غاضبا إلى هذا الحد :
- إياك أن تخطئ يا سامح .
كانت نور تتوسلهما من خلال دموعها كي يكفا عن هذا الصراع .. ولكن سامح أسترسل بصراخه مهددا .. ويبدو أنه لم يعد يرى سوى حسام الواقف أمامه :
- تأكد من أني لن أغفر لك هذه الفعلة .
- مؤكد أنك فقدت عقلك .. إنها زوجتي .
ألقى حسام كلمته الأخيرة وكأنه يوجه صفعه لأخاه .. لكن سامح تساءل باستفزاز لا يخلو من الغضب :
- ومنذ متى صارت كذلك ..
- لم يعد هذا من شئنك .. إنها كذلك .. وستبقى .
ضحك سامح بسخرية وتقدم من حسام ليستفزه أكثر بكلامه الواثق :
- ليس أنت من يقرر هذا أيها الطبيب .
شعرت نور بالدماء تغلي في عروقها .. ودون وعي منها دفعت بجسدها الرقيق وسطهما محاوله تفريقهما .. تجاوب حسام مع قوتها الضئيلة ورجع خطوه للخلف .. فوقفت هي بينهما صارخة :
- هذا يكفي .. هل ستتقاتلان في المشفى ؟.
لم يلتفتا إليها .. وظل كل واحد منهما يرمق الآخر بنظراته الحاقدة .. كانت هي تدير ظهرها نحو حسام .. وبدأت تحدث ذلك الغضب أمامها بهدوء :
- إنه زوجي يا سامح .
اتسعت عينيه البنيتين من شده الدهشة .. وركزهما عليها .. فعاودت حديثها وهي تحاول منع دموعها .. كفاها ضعفا .. وكفاها خلطا للأمور .. يجب أن تقسي على قلبها الرقيق .. فهي تسبب الدمار لثلاثتهم :
- إنك شاب كامل .
قالتها بابتسامه صادقه .. فتعقدت حاجبيه ولم يعد يفهم شيئا .. لكنها راحت تخبره برفق :
- نعم أنت شاب مميز .. وكامل .. ولقد أحببتني لأنك تبحث عن فتاه صالحه لتضيف مزيدا من الكمال على حياتك .
- ما الذي تقصدينه يا نور ؟.
- ما اقصده هو أن الله مؤكد سيكرمك بتلك الفتاه .. والتي لم تعد تشبهيني أبدا .. فأنا لم أعد مناسبة لك .
تقدم سامح منها محاولا لمس خدها :
- لكني احبك أنت يا نور .
ابتعدت نور بسرعة للخلف هربا من أنامله الممتدة نحوها .. ودون إدراك منها شبكت أناملها بكف حسام .. الذي ضغط على يدها الصغيرة .. زم سامح شفتيه ولم تعجبه الطريقة المستنجدة لنور وراح يحدثها بعد أن رقت ملامحه :
- أنا لا اهتم يا نور .. حقا لا اهتم بمرضك .. ولا بهذا الزواج .. أنا أحبك وأتقبلك مثلما أنت.
- أنا أسفه يا سامح .
ظل سامح ينظر إليها ببلاهة .. بينما أردفت هي موضحه :
- أنا حقا أسفه على كل ما سببته لك من ألم .. كنت مخطئه منذ البداية .. منذ أن سايرت حبك نحوي .. فلم أكن أعرف في ذلك الوقت أن قلبي ليس ملكا لي .
لتلك اللحظة لم تكن قد رفعت عينيها لرؤية حسام وظلت كذلك .. فحديثها عنه جعل الخجل يسري كالمخدر في عروقها :
- فهو ملك لحسام .. لزوجي .. وعشقي الوحيد .
كانت تشعر بلذة غريبة وهي تنطق كلمه زوجي .. ووجدت نفسها تسترسل بالحديث دون وعي منها :
- معه رأيت وجوه مختلفة للحب .. فعشقه لي لم يكن مقتصرا بصفه الحبيب .. ولطالما أحببته أنا بكل تلك الصفات .. ولكني لم أدرك ذلك سوى مؤخرا .
غلى قلب سامح وهو يرى نور تتحدث بكل هذا الإحساس .. حاول التكلم ولكنه تراجع وخرج صافعا الباب ورائه ..
انهمرت عيني نور بدموعها الحبيسة .. كان الموقف مؤلما جدا بالنسبة لها .. ها هي في كل مره تجرحه .. ليتها لم تتجاوب مع حبه لها .. ليتها استطاعت الحفاظ على الأخوة التي تجمعهما .. ولكنها ليست نادمه على ما قالت .. لقد تحدث قلبها قبل لسانها ..
أدارها حسام لتقابل عينيه .. لم ينطق بشيء لكنه مسح دموعها .. احتضنها وراح يربت على رأسها الساكن فوق صدره .. كان يشعر براحة عجيبة أفتقدها منذ زمن .. بل بحث عنها طويلا .. لفت نور يديها حول وسطه لتحدثه من خلال نشيجها :
- أنا أحبك يا حسام .. أحبك .
- وأنا أيضا أحبك .. صغيرتي .
تشبثت فيه نور وهي تعلق عينيها السوداوتين الواسعتين بعينيه :
- عدني بأنك لن تتركني أبدا .. فأنا لا أقوى على فراقك .
شدها حسام نحوه بقوه .. ودفن وجهها في حنايا صدره .. وكأنه يتمنى سجنها بين ذراعيه إلى الأبد :
- وهل أملك أنا القدرة على ذلك ؟.
بعد أن هدأت أخذها إلى البيت .. وفور وصولهما لم يتحرك من مكانه .. التفتت إليه نور متسائلة فأجابها بهدوء :
- أحكمي إغلاق الباب ورائك .
- إلى أين ؟.
كان الرعب يتخلل صوتها .. فابتسم لها مطمئنا وهو يأخذ يدها ويطبع قبله دافئة عليها :
- لا تقلقي صغيرتي .. ولكن يجب علي أن اذهب للمطار .
فهمت نور بان حسام يود اللحاق بسامح .. كانت تعرف مدى حنانه .. ولم تستطع منعه .. نزلت بهدوء مودعه له :
- فلتنتبه على نفسك أرجوك .

سار حسام بالسيارة فور اطمئنانه على نور .. كان لابد أن يلحق بسامح .. لقد ألمه هذا اللقاء الأخير .. فبالرغم من كل شيء لم يطلب سامح شيئا مما حدث له اليوم .. كما أنه يحب أخاه .. ولا يستطيع العيش مع هذه القطيعة البغيضة ..
وجده يجلس على أحد كراسي الانتظار .. كان ينقر على الأرض بإحدى قدميه بعصبيه .. وهو يتأمل نقطه بعيده بعينيه الشاردتين .. جلس حسام بجانبه بهدوء .. وما أن شعر به سامح حتى زاد التوهج الغاضب على ملامحه :
- ما الذي جاء بك إلى هنا ؟.
- ألا يحق لي وداع أخي الصغير ؟.
زفر سامح بسخرية .. ورد بحده :
- لا تتساخف يا حسام ؟.
- بل كف أنت عن هذا العناد .. أنا لن أضيع سنوات من عمرنا في قطيعه .. ندرك كلانا بأنها ستنتهي يوما ما .
ظلت ملامح سامح معقده مثلما هي ولكنه تساءل بهدوء اكبر :
- وما هو المطلوب مني الآن ؟.
زم حسام شفتيه بيأس وشعر بأن أخاه لن يستمع إليه مطلقا .. رقت ملامح سامح قليلا وأردف قائلا :
- أتعرف .. معك حق .
ظل حسام صامتا .. واستند بظهره على ذلك الكرسي بقاعه الانتظار .. مثلما فعل سامح .. بدا على سامح الشرود .. ولكنه تحدث أخيرا :
- لقد آلمني كثيرا ذلك البريق في عينيها وهي تتحدث عنك .. لطالما شعرت بتعلقها الغير مفهوم بك .. وكأنكما شخص واحد لا يستطيع احد الفصل بينكما .
ابتسم حسام وهو يشرد مع أخاه .. وراح سامح يسترسل في الذكريات :
- كانت دائمة اللجوء إليك .. كنت تعرف أدق تفاصيل حياتها .. حتى أنها كانت تحتمي بك من عقوبات عمنا حسام على شقاوتها الطفوليه ..
التفت إليه سامح ببعض الاستغراب :
- لقد كنت مسئولا عنها نوعا ما .. وكنا نشعر أن حبك لها شيئا طبيعيا .. لم أكن أتخيل أنك تعشقها لهذه الدرجة .
تغضن وجه حسام عندما تذكر يوم أن اتصل به سامح للندن يخبره بحبه لنور .. ولكنه أجاب بهدوء متجاهلا ذلك الإحساس القاسي :
- كنت أريد أن أصبح رجلا يليق بها .
خفض سامح رأسه خجلا .. كان الحديث ينساب بسلاسة بين الأخوين .. كم اشتاق لهذا الإحساس الأخوي الدافئ .. لطالما كان التعامل مع حسام لطيفا .. أردف وكأنه يحكي لنفسه :
- أنا لا أنكر أن حياتي لم تتوقف بعدها .. لا يعني هذا أني لم أحبها .. ولكن ليس بالقدر الذي تستحقه هي .. أو بمعنى اصح ليس بمثل هذا الحب الذي ينبض في عينيك يا حسام .
رمقه حسام بنظره محبه وحدثه بصوته الهادئ :
- أنا اشكر لك هذه الصراحة .
أعلنت الطائرة اليمنية ندائها على ركابها .. فوقف الأخوين بشكل تلقائي .. أبتسم سامح ولم يخفى على حسام ذلك الألم الكامن في عينيه البنيتين :
- فليبارك لك الله يا أخي .. ولتحرص على ....
قطع حديثه ضاحكا :
- اعتقد انه لا يجب علي توصيتك على نور .
لم يرضى حسام باليد المصافحة والممدودة أمامه ولكنه امسكها ليجذب أخاه إلى حضنه .. شدا على بعضهما وحدثه حسام هامسا :
- فلتنتبه لنفسك يا أخي .. ولتكف عن نزواتك الطائشة .
أردف حسام بمرح أكبر بعد أن أخجلت كلمته الأخيرة سامح :
- هيا أذهب الآن قبل أن أطردك بنفسي .. ولا تعد مجددا إلى لندن .
- ألا تنويان الرجوع لليمن .
قلب حسام شفتيه مجيبا :
- يجب أن تنهي نور سنتها الدراسية أولا .. ربما نأتي للزيارة في الصيف .. لكن حاليا بلغ سلامنا للجميع .

خرج حسام من المطار والرضا يفعم قلبه .. لم يتوقع مثل هذا الوداع الهادئ .. ولكنه رغم ذلك لم يستطع منع نفسه من اللحاق بأخيه .. كان يقود السيارة بسرعة .. لم يكن التهور طبعه لكنه كان يشعر باشتياق شديد لنور .. وكأنه لم يراها منذ دهور ..

-------------------------

في تلك الأثناء كانت نور تغالب توترها بترتيب البيت .. وراحت تدور بالبخور في أرجاءه .. من ثم اغتسلت وارتدت فستانا لطيفا أبيض اللون .. زاد من نقاء وبرائه شكلها .. جعلت خيوط الدخان العطرة المتصاعدة من قطع البخور تتخلل شعرها الأسود الطويل .. كانت تعرف أن حسام يعشق تلك الرائحة .. كما أنها تركت خصلاتها تتناثر بإهمال حول وجهها وترقد على كتفيها وصولا إلى نهاية ظهرها .. وبعد أن أتمت زينتها جلست تحصي الثواني .. كان شعورها مختلف .. وانتظارها لحسام مختلف أيضا .. تلك اللهفة التي لطالما تجاهلتها .. صارت تستطيع تفسيرها بوضوح الآن .. إنها تتوق للقاء ذلك الحبيب الهادئ الصبور .. كانت تشعر بالأسى على حال سامح .. ولكنه لم يعد يشغل تفكيرها منذ أن قرر حسام اللحاق به .. فهي تدرك مدى حنان حسام .. وتثق بكل تصرفاته ..

فتح الباب فأسرعت نحوه لتستقبل العائد .. ونار الشوق تلهب صدرها .. قسماته الهادئة أشاعت في نفسها السرور .. لكنها سرعان ما خفضت عينيها بخجل تحت لهيب نظراته .. تقدم حسام منها بحذر وهو يقبل كل جزء فيها بعينيه الهائمتين :
- نور .. أهذه أنتي ؟.
ابتسمت بعد أن ذكرها سؤاله بيوم عقد قرانهما .. دائما ما يشعرها حسام وكأنه يراها لأول مره .. رفعت عينين قلقتين له .. وراحت تتحسس تلك الكدمة الخضراء بجانب خده :
- هل أنت بخير يا حسام ؟.
لم يجبها ولكنها جذبها نحوه وأخذها بحضن طويل .. شعرت نور بتوقف عقارب الزمن .. ولم تعد تدرك الثواني إلا من خلال خفقات قلبيهما .. مرغ حسام وجهه بين خصلات شعرها .. وهمس في أدنها بعد أن اخذ نفسا عميقا من ذلك العبير المحبب :
- أنا بخير .. ولكني اشتقت لك كثيرا .
كانت تشعر بالمثل نحوه .. تفهم ما يقصده .. لكنها حدثته مشاكسة :
- لكني أمامك .
أبعدها حسام برفق وهو يرمقها بنظره جعلت الحياء يهز كيانها :
- وهذا تحديدا ما يزيد شوقي لك .
حملها بذراعيه .. وجلس على إحدى الكراسي في الصالة ليجلسها بحضنه .. ظل صامتا يداعب خصلات شعرها .. ويتحسس تلك الحمرة التي غزت وجنتيها بأنامله :
- سامح يبلغك سلامه .
- حقا ؟.
- نعم .. لقد سارت الأمور بيننا بشكل لطيف وغير متوقع .
تنهدت نور براحه .. وظلت عينيها معلقتين بعيني حسام وهي تعاود لمس خده المصاب برفق :
- حمداً لله على ذلك .. هل تؤلمك ؟.
اخذ حسام كفها الرقيقة .. وأخذ يقبل باطن يدها قبلات كثيرة ولطيفه .. شعرت نور بالدغدغة .. لكنها لم تضحك كانت دغدغه لطيفه جدا .. لذيذه جدا .. تعجبت من نفسها .. كم كانت تغفل عن هذه الأحاسيس العنيفة .. والتي لم تشعر بها إلى في هذا الحضن الدافئ .. أسندت رأسها على كتفه باسترخاء .. وضمها حسام نحوه بذراعه .. بينما أنامل يده الأخرى صارت تلعب الآن بأناملها الرقيقة :
- لطالما انتظرت هذا اليوم .. وكنت موقنا من مجيئه .
ابتسمت نور ولم ترفع رأسها من على كتفه وهي تتساءل بدلال :
- أي يوم ؟.
- أن أرى الحب يصرخ في عينيك .. أن أسمع لخفقات قلبي صدى في صدرك .
مؤكد أنها لم تذق الخمر من قبل .. لكنها باتت الآن تشعر بنشوة السكران إثر هذه الكلمات الحالمة التي تسمعها بصوت حسام العميق .. أردف هو يحدثها بمرح :
- هل تعلمين منذ متى أحببتك ؟.
- متى ؟.
- منذ 21 سنه .
رفعت نور رأسها باستغراب وهي تغالب ضحكتها :
- هل تمزح يا حسام ؟.
- لا صغيرتي .
- قبل 21 سنه كنت في بطن والدتي .
- نعم أعرف .. لقد أحببتك منذ ذلك الوقت .
ظلت نور تضحك .. فضحك معها .. وهو يحدثها مبررا :
- لم يكن لدينا أخوات .. وكان لدي إحساس قوي بأن مولود عمي حسام سيكون فتاه .. كنت أتشوق للقائك كثيرا .. ولطالما وجدت لذة في الاستماع لك وأنت في بطن الخالة حياة .
رفعت نور حاجبيها وشعور ممتع يلفها .. لم يحدثها احد من قبل عن هذا التعلق الطفولي لحسام بها :
- أحقا ما تقول ؟.
- نعم .. لقد كانت الخالة حياة تشكي لي كل ما تقومين به من ركلات .. لذلك كنت اربت على بطنها واعدك بأشياء جميله إذا أصبحت فتاه مطيعة .
كانت نور تستمتع بحديثه .. وعادت تتساءل بعد أن نقلها حسام لعالمه الجميل :
- وهل كنت استمع لكلامك ؟.
- لا أعرف .. ففي تلك الفترة لم تكوني تجيدين التعبير عن مشاعرك سوى بالركلات .
ابتسمت نور بخجل .. وعادت تتوسد كتفه .. وهمست له :
- ماذا أيضا ؟.
- استمتعت بكل دقيقة من طفولتك وصباك .. حتى أضحيت شابه فاتنة .. تزداد جمالا يوما بعد يوم .. كنت أغار عليك كثيرا من تلك النظرات المختلسة والتي ترمقك في الطريق .. لكنك لم تبالي أبدا بها .
تنهد حسام قبل أن يكمل حديثه :
- كم كانت قاسية تلك السنوات التي ابتعدت بها عنك بسبب دراستي هنا .. لكن الأقسى فرحه سامح وهو يكشف لي عن قصه حبكما .
شعرت نور بغصة في حلقها .. إنها تعرف بأن حسام لا يلومها على شيء كما أنها لم تقم بأي تصرفات طائشة باسم الحب .. وهذا ما جعل سامح يضيق منها ويكثر من اتهامها بأنها لا تحبه .. كم كان محقا .. فهي تحبه ولا تزال .. لكنها تدرك الآن اختلاف المشاعر بين حبها الأخوي له .. وتلك الأحاسيس الذي تتفجر بداخلها بلمسه من أنامل حسام .. تساءلت بصوت ضعيف :
- هل غضبت ؟.
أجابها حسام بأسى .. بعد أن فقد السيطرة على مشاعره .. فراح يحدثها بعفويه بالغه :
- بل كدت أموت .. حتى أنني فكرت أن أعود لليمن وأتقدم لخطبتك .. لكني خفت أن أخسرك نهائيا .. ذلك الإحساس المؤلم بأن أفقدك جعلني أفكر بعمق أكبر .. كنت أحبك .. لا بل أعشقك .. ولم يكن هنالك من شيء سيغير ذلك الشعور بداخلي .
ضغط حسام على جسدها الناعم بين ذراعيه .. وكأنه يؤكد لنفسه أنها أصبحت ملكا له الآن .. ثم ملئ صدره بعبيرها العطر :
- أدركت أن أكثر ما يهمني هو سعادتك .. وأني سأظل أسعى لرؤية ابتسامتك البريئة ما حييت .
حل الصمت عليهما .. فرفع حسام رأسها بين يديه بعد أن أقلقه هذا الهدوء الذي يلفهما .. فرأى دموعها تتلألأ بحزن على خديها .. لم يكن بحاجه لسؤالها .. فهو يدرك مدى رقه أحاسيسها .. راح يقبل وجنتيها ويمسح دموعها بشفتيه الدافئتين .. وخبئت نور وجهها في صدره :
- لقد سببت لك الكثير من الألم يا حسام .. كم أنا حمقاء .
طوقها حسام بذراعيه .. وراح يهمس لها بحب :
- لم أكن أعرف معنى الألم بمجرد رؤيتك صغيرتي .. مؤكد أن الله راضٍ عني الآن لأنه وهبني إياكِ .
نطق بجملته الأخيرة وهو يعاود رفع رأسها ويحتضنه بين كفيه .. مختلف الأحاسيس غمرتها في تلك اللحظة .. وأمام عينيه بدأت تنسى نفسها .. لكن لا تدري من أين جاءها ذلك السؤال وراح يلح عليها حتى نطقت به بصوت متقطع :
- ماذا عن ماري ؟.
عقد حسام حاجبيه متعجبا :
- ماذا عنها ؟.
عضت نور شفتها السفلى ثم حدثته بما يجول في خاطرها :
- ألم .. ألم تحبا بعضكما يوما ؟.
ابتسم حسام بمرح .. كان يود مشاكستها ولكنه أجابها بصدق :
- لا .
لم تعجبها إجابته المقتضبة فعادت تصر عليه :
- لكنها تحبك .. استطيع رؤية ذلك بوضوح في عينيها .
- ربما .
كان الغرور المصطنع يرن في نبرته فضربته نور بخفه على كتفه .. فأردف ضاحكا :
- ما ذنبي أنا إن كانت تحبني .
- حسنا .. هل تريد أخباري أنها لم تلفت انتباهك أبدا .
أردفت موضحه :
- اقصد أنها فتاه لطيفه .. أضافه إلى أخلاقها وجمالها .
- نعم ماري فتاه جمليه .
زمت نور شفتيها بغيض :
- لم تسمع من كلامي سوى أنها جميله .
كان حسام يغالب ضحكاته .. ثم حدثها وهو يداعب خديها الناعمين :
- أحب أن أرى الغيرة تشتغل في عينيك .
- أنا لا أغار .
- حقا .
خفضت عينيها بحياء .. ثم عادت تعترف وهي تغرق في عينيه مجددا :
- أحاسيس كثيرة لم أختبرها إلا معك .. كيف تستطيع تحريض قلبي بهذا الشكل ؟.
ضحك حسام على سؤالها .. ووضع جبينه على جبينها ليحدثها بلطف :
- هل نسيت أن لدي قدرات خارقه ؟.
انحرفت نور برأسها قليلا لتطبع قبله سريعة على خده المصاب .. فابتسم حسام :
- لما هذه القبلة ؟.
ازدادت الحمرة على وجنتيها وهي تجيبه بمرح :
- ألا يحق لي تقبيل زوجي ؟.
- تقبيل من ؟.
كانت أيضا تغالب ابتسامه خجول راحت ترقص طربا لدقات قلبها المجنون وهي تكرر إجابتها بصوتها الناعم وكأنها تغني :
- زوجي .
رمقها حسام بنظره خطيرة والمرح يرتسم على ملامح وجهه الأسمر الجذاب .. ثم رفع أصبعه السبابة مهددا :
- تذكري أنك من حرضني .
- حرضك على ماذا ؟.
لم يجبها ولكنه حملها فجأة إلى حجرتهما .. أنزلها برفق على الأرض .. وراح يمطر وجهها بالقبل .. بدأ من جبينها .. ثم عينيها .. أحنى رأسه قليلا ليقبل خدها .. كانت نبضاتها تتسارع بصوره غير طبيعيه لم تألفها في أشد لحظات توترها .. وما أن اقتربت شفتيه من شفتيها حتى ابتعدت مسرعه .. استغرب حسام حركتها .. ولكنها تساءلت بحياء :
- حسام .
- نعم .. صغيرتي .
- هل لك أن تردد ورائي ؟.
أبتسم لها حسام موافقا .. فأردفت قائله :
- قل ((بسم الله الرحمن الرحيم .. اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا)) .
ردد حسام ورائها باستسلام .. وهو يغالب ابتسامته .. وما أن انتهى حتى انسدلت عيني نور ولم تعد تستطيع الوقوف على قدميها .. احتضنها حسام أكثر حتى لا تقع .. ثم رفعها بين يديه ليضعها برفق على السرير وجلس بجانبها .. يلعب بخصلاتها المتناثرة على الوسادة تارة ويرسم أشكالا وهميه بأنامله على ذراعها المصابة .. ثم راح يحدثها وهي لا تزال نائمة بفعل مرضها :
- خذي وقتك صغيرتي .. فمهما طال نعاسك يا أميرتي النائمة .. ستجديني في انتظارك كي أهديك قبله .. لحياة جديدة مليئة بالأمل .

مؤكد أنها لم تكن تسمعه .. لكنها لم تعد تشعر بالوحدة .. أو الخوف .. نسيت كرهها لهذا الظلام الذي يلفها .. بل أنه لم يعد ظلاما مطبقا .. فهي ترى خيوط ملونه تشيع البهجة في سواد نومها القهري .. لقد كانت تلك خيوط الحب التي ترسمها أنامل حسام .. والتي تبعث بالأمان إلى صدرها .. فبعد أن كان ظلامها ألما لا يحتمل .. أصبح الآن أكثر دفئا بقرب حسام .. وتحول لحلم جميل مفعم بالحياة ..
كان الخدر يتسرب ببطء من جسدها .. وبدأت عينيها تضطرب لتنفض عنهما نومها المفاجئ .. رفرفت جفونها على رموشها السوداء بأسى .. كانت مسحه حزينة تستقر على ملامحها .. لكن سرعان ما داعبت شفتيها ضحكه صافيه .. عندما قرب حسام وجهه منها ولامس أنفه بأنفها وهو يحدثها بحنانه المعهود :
- مرحبا صغيرتي .. لقد اشتقت لك .
- وأنا أيضا .
ابتسما لبعض والهيام ينبض في عينيهما مع خفقات قلبيهما المتزايدة .. عاد حسام يقول بنفس تلك النبرة الدافئة :
- أحبك .
- وأنا أيضا .
استلقى حسام بجانبها ليحتضنها برفق .. وراح يداعب شفتيها بأنامله :
- لم أسمع جيدا .
غمرتها مختلف المشاعر في لحظه واحده .. ولكن أقواها كانت تلك الفرحة العارمة بقربه منها .. وبدأت تتمنى لو تقضي العمر كله في هذه الأحضان الدافئة .. همست له وهي تريح رأسها فوق صدره العريض .. بينما الحياء يلهب أحاسيسها قبل خديها :
- أحبك .. فأنت ملاك حبي أنا .



الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 19
قديم(ـة) 05-04-2012, 08:04 PM
صورة ♫ معزوفة حنين ♫ الرمزية
♫ معزوفة حنين ♫ ♫ معزوفة حنين ♫ غير متصل
©؛°¨غرامي فضي¨°؛©
 
الافتراضي رد: ملاك الحب / للكاتبة : my faith





تمت بحمد الله =) ..
لي عودة بعد دقايق بـ ملفات التحميل ..




الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 20
قديم(ـة) 05-04-2012, 08:11 PM
صورة ♫ معزوفة حنين ♫ الرمزية
♫ معزوفة حنين ♫ ♫ معزوفة حنين ♫ غير متصل
©؛°¨غرامي فضي¨°؛©
 
الافتراضي رد: ملاك الحب / للكاتبة : my faith





تفضلوا الرواية للتحميل /

على تكست ~> ملاك الحب ~ غرام.txt ..
على وورد ~> ملاك الحب ~ غرام.doc ..


قرآإءه ممتعة للجميع ..
و لا تلهيكم القراءة عن الصلاة ..




الرد باقتباس
إضافة رد
الإشارات المرجعية

ملاك الحب / للكاتبة : my faith ، كاملة

الوسوم
ملاك , للكاتبة , الحب , faith
أدوات الموضوع
طريقة العرض
مواضيع مشابهة
الموضوع الكاتب المنتدى الردود آخر مشاركة
روحِ عشقتة وقلبٍ فقدتة / للكاتبة : بنت البلاد ، كاملة خطاي حبيتة روايات كامله - يتم نقل الرواية هنا بعد اكتمالها 68 08-05-2015 06:21 PM
رواية عشاق وراء قضبان ! / جديدة للكاتبة mus!c !n amer!ca ღالقاتلة الحنونღ أرشيف الروايات المغلقة - لعدم إكتمالها 10 06-11-2010 06:06 PM
ياما حاولت / للكاتبة : فراولة وردية آحسآس صآمت أرشيف الروايات المغلقة - لعدم إكتمالها 320 20-01-2009 04:20 PM
للحب عنوان ...للكاتبة بنت البلاد omrykolo ارشيف غرام 2 11-09-2008 02:15 AM
ورود في مزبلة الواقع للكاتبة شمس السديري F6eem ارشيف غرام 4 12-07-2008 12:39 AM

الساعة الآن +3: 04:35 PM.
موقع غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات


تصميم دريم تيم

SEO by vBSEO 3.6.1