اكتب بريدك ثم اضغط على اشتراك ليصلك جديد غرام
بحث مخصص من محرك البحث العالمي قوقل للبحث في غرام

عـودة للخلف   منتديات غرام > منتديات روائية > روايات كامله - يتم نقل الرواية هنا بعد اكتمالها
الإشعارات
 
أدوات الموضوع طريقة العرض
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 1
قديم(ـة) 05-04-2012, 06:59 PM
صورة ♫ معزوفة حنين ♫ الرمزية
♫ معزوفة حنين ♫ ♫ معزوفة حنين ♫ غير متصل
©؛°¨غرامي فضي¨°؛©
 
11302798202 ملاك الحب / للكاتبة : my faith ، كاملة



.........................

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
مسسسسسساااكم ورد آل غرام ..

~

رواية مدحوها لي كثير من حوالي سنة ..
أول ما اكتملت أخذت إذن الكاتبة إني بنقلها هنا ..
ونسيييتها ‘ لكن الحين تذكرتها لما شفت وحدة بالمجلس تسآل عن الكاتبة ..
قلت أجيبها لكم دامني ذكرتها ~_~ ..

رواية فصحى يمنيةكاملة ..

تفضلوا الرواية كاملة للتحميل /

على تكست ~> ملاك الحب ~ غرام.txt ..
على وورد ~> ملاك الحب ~ غرام.doc ..


قرآإءه ممتعة للجميع ..
و لا تلهيكم القراءة عن الصلاة ..

~

أتمنى تعجبكم ..
برب مع المقدمة والبارتات =) ..

.........................



آخر من قام بالتعديل ♫ معزوفة حنين ♫; بتاريخ 05-04-2012 الساعة 08:19 PM.
الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 2
قديم(ـة) 05-04-2012, 07:09 PM
صورة ♫ معزوفة حنين ♫ الرمزية
♫ معزوفة حنين ♫ ♫ معزوفة حنين ♫ غير متصل
©؛°¨غرامي فضي¨°؛©
 
الافتراضي رد: ملاك الحب / للكاتبة : my faith


اقتباس:
المشاركة الأساسية كتبها my faith مشاهدة المشاركة

السلام عليكم هذه اول مشاركه لي معكم .
واحببت ان اشارككم بروايه كتبتها بقلمي اتمنى ان تنال اعجابكم ..
ساترككم الان مع اول فصل فيها .. وارجوا ان اقراء ردودكم عنها .. حتى انزل بقيه الفصول .. دمتم بامان .. وقراءه ممتعه ..






هذي كانت المقدمة ..
برب مع أول بارت ..




الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 3
قديم(ـة) 05-04-2012, 07:11 PM
صورة ♫ معزوفة حنين ♫ الرمزية
♫ معزوفة حنين ♫ ♫ معزوفة حنين ♫ غير متصل
©؛°¨غرامي فضي¨°؛©
 
الافتراضي رد: ملاك الحب / للكاتبة : my faith




(1)
وهل نسيته ؟


قلت له : لو كنت نصيبي مؤكد .. سيأتي اليوم الذي تعود لي فيه .
وقال لي : يستحسن أن تنسيني .
هكذا افترقنا .. بأمل مني .. وكبرياء منه .

وكانت تلك الكلمات التي أغلقت أبواب حبنا ..

جرحت ؟؟.. مؤكد جرحت .. ولذلك طلقت ما يسمى بالحب .. ونزعت من قلبي نبضاته حتى لا يخفق له ولا لغيره .. ليس وفاء مني لذكرى حبي الأول .. ولكن حتى أجنب قلبي الغض وجيعة أخرى .. والأهم من ذلك حتى ارضى ربي .. ولا أخون ثقة والدي .. هكذا أنا فتاة بسيطة لا زالت تتمسك بالتقاليد القديمة .. والتي لم يستطع فهمها يوما ..
نعم أحببته .. ولكنه كان يحب العجينة التي تشكلها يداه مثلما يهوى .. قد أكون أظلمه بقولي هذا .. ولكن هكذا كانت خلافاتنا .. صدام بين شبابه المتحرر .. وأفكاري المتحفظة ..

أنا لم ابكي عليه أبدا .. ولكني بكيت ذلك الزمن الجميل الذي عشناه معا منذ أن احتضنتنا نسمات الحياة الأولى .. خلقت لأجده أمامي .. وكبرت بجانبه وبصحبته .. حتى كبر الحب بيننا ..
كان يقول لي إن الحب الأول لا يستمر أبدا وإننا معا سنثبت العكس .. توهمت أنني اعرفه حق المعرفه .. ولكني اكتشفت أن معرفتنا للناس لا تقاس بالسنين ..
لم يخدعني أبدا .. ولكن غروره وثقته بنفسه لم تدعه يراني مثلما أكون حقا .. ومن جهتي كنت أتوهم فيه رؤية صورة لفارس الأحلام الذي كنت أتمناه ..
لقد أحبني .. ولكن بطريقته الصبيانية .. وبالرغم من كبرياءه إلا أن عيناه تفضحان حب لا يزال يكتمه لي .. ربما يكون الفراق غيره .. أو جعله يدرك جوانب في شخصيتي كان يجهلها .. وربما هذا ما صوره لي الحنين ..
لذلك أتساءل .. هل نسيته أنا ؟!.
مؤكد لا .. فهو احد أولاد عمي الذي خلق الله حبهما في قلبي .. ولن اقدر أبدا على نسيانه .. أو محو ذكرياتي عنه .. ولكن السؤال الأهم .. هل كنت أحبه ؟.. لا أدري فأيامي لم تتوقف عنده .. ولكن كلما ابتعدت عنه أجدني مشتاقة إليه .. وهذا ليس بغريب ولكن الأغرب أنني عندما ألقاه لا أحس بلهفتي عليه .. أهو كبريائي أنا أيضا أم أنني لم أكن أحبه منذ البداية .. وكنت مخطئه في تفسير مشاعري اتجاهه .. واشتياقي ما هو إلا مجرد حنين لصداقتنا وللحب الأخوي بيننا .. ربما .. ولكن ما أنا متأكدة منه .. هو أنني لم أنساه أبدا فهو باقي بداخلي .. لا استطيع أن اعرف حقيقة مكانته في قلبي .. ولكن ما يهمني الآن هو أنه موجود فيه .. وأنني لا أزال قادرة على محبه كل من حولي ..
------------

اغلقت نور الكراسة التي خطت عليها تلك المشاعر المحتشده بداخلها .. والتي كانت تلح عليها منذ زمن لكي تترجم بالكلمات ..
أخذت بعد ذلك نفسا عميقا ثم اخرجته ببطء وهي تحمله كل ذلك الالم الذي يغزوها .. وحرمها نومها في هذه الساعه المتأخره من الليل ..
ابتسمت بسخريه على نفسها .. وهي تنظر الى الساعه وتعيد كراستها الجامعيه الى مكانها ..
لقد كانت اقرب منقذ لها .. لتفرج على سطورها عن احاسيسها المضطربه .. والتي عانت مده طويله من الاسر بداخلها ..
ما بالي ؟.. هكذا حدثت نفسها باستغراب .. فهي لم تكن ابدا في مثل هذا الضعف .. اضافه الا ان انفصالها عنه مر عليه ما يقرب السنتين والنصف ..
حاولت ان تغمض عينيها .. وتطرد كل الافكار عنها.. فغدا لديها كليه ويجب ان تستيقظ باكرا .. كما أنها لا تجد مبررا لحالتها هذه .. خصوصا انها هي من كانت صاحبه قرار الانفصال ..

(( الله لا اله الا هو الواحد القهار .. رب السماوات والارض وما بينهما الغزيز الجبار ))
بدأت تردد دعاء النوم .. والذي كان يساعدها كثيرا في تلك الليالي القلائل التي تحس فيها بالأرق .. وما هي الا ثواني حتى غضت في نوم عميق خالي من الاحلام .. لشده ارهاقها ..

في الصباح لم يفلح المنبه في ايقاظها .. ولكنها استيقظت على صوت امها الذي يعلو من الغرفه المجاوره بحنق :
- استيقظ يا نبيل .. هيا انهض يا رجل ..
رد عليها صوت ذكوري خشن .. وكأن الرصاص ينطلق من فمه وليس الكلمات :
- اتركيني يا حياه .. ايجب عليك ان تزعجينني يوميا ..
قاطعته بحده :
- نعم .. لانك في اخر الشهر تتذمر من راتبك الضئيل الذي بترته استقطاعات غيابك عن العمل ..
- ليس لك شان براتبي الضئيل ..
- ومن قال انني بحاجته .. ولكنك تظل تضايقني طيله الشهر كي اعطيك مالا ..
وضعت نور الوساده فوق راسها وهي تزفر بضيق من هذا السيناريو الممل الذي تؤديه والدتها وزوجها كل يوم .. حتى صارت تحفظه عن ظهر قلب ..
ما هي الا ثواني حتى انتبهت نور الى الساعه .. واكتشفت ان وقت المحاضره قد بدأ ..
قفزت بسرعه من على السرير .. وهي تصيح مردده :
- لقد تأخرت .. لقد تاخرت ..
ومن اللحظه التي وضعت فيها قدمها على الارض بدات بتحضير نفسها للذهاب الى الكليه .. اخذت حمام سريع .. ونظفت اسنانها .. ثم عادت الى حجرتها .. وكانت تقوم بعملين في نفس الوقت ترتدي ملابسها .. وتحظر حقيبتها .. كان منظرها مضحكا جدا .. ولكنها كانت بارعه في ذلك ..
خصوصا وهي تحضر نفسها على وقع تلك السيمفونيه الحاده التي مازالت مستمرة من الغرفه المجاوره .. والتي تصل اذنيها وكانه لحن تحفيزي شغل ليجاري خطواتها السريعه ..
خرجت من الغرفه بعد ان وضعت العباءه والحجاب عليها .. فارتطمت بوالدتها التي كانت قد استسلمت كعادتها .. قالت نور بعجله :
- اسفه يا امي .
ثم اردفت وهي تقبل وجنه والدتها :
- صباح الخير .
لم تنتظر نور الاجابه على تحيتها وكانت تسابق الدرج وهي تسرع بالخروج .. وقالت الأم وهي تتبعها موبخه :
- نور .. ألن تتناولي افطارك يا ابنتي ؟.
اجابتها وهي تشوح بيدها بعد ان اتمت اغلاق ازرار عباءتها :
- ساتناوله في الكليه يا امي ..

وما هي الا ثواني حتى صارت تسير في الشارع الرئيسي لمدينتها الجميله المعلا .. والكائنه في بلدها الحبيب اليمن ..
نظرت الى الساعه في يدها .. وهي تبتسم بفخر .. فلقد استغرقت عشر دقائق فقط منذ ان استيقظت .. انها تحطم بذلك ارقامها القياسيه ..
ان كليه الهندسه لم تكن تبعد كثيرا عن بيتها .. ولكنها كانت تعلم انها تاخرت على المحاضره الاولى خمس دقائق .. وان الاستاذ مؤكد لن يسمح لها بالدخول .. ولكن رغم ذلك استمرت بسيرها الذي يميل الى السرعه .. لم تكن تسير على ذلك النحو بسبب تأخرها ولكنه ما اعتادت عليه عندما تكون لوحدها ..
كانت نور على قدر متواضع من الجمال .. ذلك الجمال البريء الذي يشعرك بالانجذاب نحوه .. كانت ملامحها لطيفه .. عينان سوداوان واسعتان .. تغطيهما مجموعه كثيفه من الرموش التي كانت ترسم ظلالا على خدودها فتزيدها جمالا .. كان انفها يرتسم على وجهها وكأنه حد السيف .. من تحته تسكنان شفتاها المكتنزتين اكتنازه خفيفه .. وكان لون بشرتها اسمر فاتح بل قريب الى البياض .. لم تكن طويله .. ولكنها كانت تميل الى النحافه ..
كانت كاشفه الوجه .. فهي لم تشعر يوما بأنها فاتنه وتحتاج الى تغطيه وجهها .. اضافه الى قناعات ابيها الصحفي المشهور حسام عبد الرحمن .. رحمه الله .. والذي كان يؤمن بحريتها وحقها في اتخاذ قراراتها .. وكان هو السبب في وثوقها العالي بنفسها .. وبذلك النجاح الذي حققته في حياتها الدراسيه .. وايضا كان له الفضل في تنميه كل مواهبها التي تمتلكها .. من رسم للاعمال اليدويه .. وبالطبع أسلوب الكتابه المرهف الذي ورثته عنه ..
بدأت نور تشرد عندما غزت افكارها ذكرى والدها الحبيب الراحل منذ ما يقرب الخمس سنوات .. لم تكن علاقتها به تشبه علاقه اي بنت عربيه باباها .. لقد أنشاها دون ان يشعرها يوما بالنقص لكونها فتاه .. بل كان يسعى دائما لان يجعلها تدرك انها تصبح مميزه يوما عن يوم باخلاقها ومحبه الناس لها .. فاضحت بالنسبه له افضل من مئه ولد .. بل هي ابنته الوحيده والمدلله .. وبالمقابل كانت نور تحبه كثيرا .. وكانت تنشد فخره بها دائما .. ولا تخفي عنه شي من امور حياتها .. فهي تسير على مبدأ انها اذا لم تستطع البوح له بكل ما يحدث معها .. اذا فهي قد قامت بعمل خاطئ استحق الكتمان ..
إن اباها لم يكن الشخص الوحيد في حياتها والذي ساهم بخلق كيانها هذا .. لقد كان هنالك ايضا ابن عمها الذي يكبرها بثمانيه سنين ويبلغ من العمر ثمانيه وعشرين سنه .. والذي كان يحمل نفس اسم اباها .. اضافه الى انه يتحلى بالكثير من صفاته المحببه واخلاقه الرفيعه .. إن حسام كان دائما بالنسبه لها الاخ الاكبر .. والصدر الحنون الذي يحتوي جميع مشاكلها الصبيانيه .. من مشاجرات بين الصديقات .. الى حدث انفصالها عن اخيه .. فهي لم تحب سامح الا بعد ان توفي والدها .. فاصبح حسام يلعب دور الاب ايضا .. وهي لن تستطيع تخيل حياتها بدون دفئ ابيها لولا وجود حسام فيها ..

نفضت نور عن راسها هذا الكم الهائل من الذكريات .. عندما اوشكت على دخول فصلها .. وكانت مستغربه ان الدكتور لم يكن قد حضر الى الان .. كان قسم تكنلوجيا المعلومات يعج بالفوضى .. في خضم ذلك النقاش الدموي الدائر بين البنات والشباب .. وكان مندوب الدفعه يقف في مقدمه الفصل وهو يحاول ان يستمع لاكبر كم من الحوارات التي تلفه ..
لم تستغرق نور الكثير حتى وجدت صديقتها الحميمه رهف تشير اليها لتجلس بجانبها ..
تقدمت نور من صديقتها اللطيفه والتي كانت تشبهها في نواحي كثيره ابتداء من نحافه الهيئه .. ونعومه تعابير الوجه .. وصولا الى حسن الاخلاق .. وطيبه النفس ..
قالت محاوله منع ضحكها :
- ماالذي يحدث هنا .. هل ينون القيام بانقلاب على المدرسين ؟.
- لا بل ينون قتل بعضهم البعض كما هو ظاهر ..
أفلتت نور ضحكتها ثم تذكرت :
- لماذا لم يأتي الدكتور حتى الان .
أجابتها رهف :
- لقد خرج قبل قليل ....
قاطعتها نور :
- حقا .. ولماذا خرج ؟.
قالت رهف مهدئه :
- ألن تكفي عن استعجالك الدائم هذا .. لقد طرد نصف الفصل فور دخوله الى القاعه .. بحجه انهم لم يكونوا يجلسون على كراسيهم استعدادا لمجيئه .. من ثم أتى بحجه اننا لا نلتزم الصمت التام في القاعه .. فخرج بعد إعلانه ان الدرس مشروح ..
أضافت نور بحرقه :
- وكاننا بحاجه لشرحه الذي لا يصل سوى الجالسين في السطرين الاماميين في الفصل ..
ايدتها رهف بهزه من راسها .. وعادت تتابع ذلك النقاش الدائر في الفصل .. فعادت نور تتساءل :
- وما هو سبب هذه الفوضى ؟.
اجابت وهف باستهتار :
- كالمعتاد في اول كل فصل دراسي .. يتنازعون على كيفيه تقسيم المجموعه الدراسيه التي ستحظر المختبرات التطبيقيه ..
لم تضف نور شيئا .. واخذت هي الاخرى تتابع ذلك الحوار ولكن ما هي الا ثواني حتى تهيء لها أن صديقتها تقول شيئا مع ان رهف لم تكن تلتفت لها .. ولكنها نظرت متسائله :
- هل تكلمينني يا رهف ؟.
هزت رهف راسها بالنفي وهي مستمره بما تقوله .. قربت نور رأسها وارهفت السمع ففوجئت بان صديقتها تغني بصوت مسموع ولكنه غير مفهوم بنفس الوقت بفعل ارتفاع الاصوات من حولهم .. انفجرت نور ضاحكه وهي تتساءل :
- ما الذي تفعلينه ايتها المجنونه ؟.
ابتسمت رهف تلك الابتسامه الخلابه التي تكشف عن نقاء قلبها .. والتي تجعل وجهها الجميل يزداد اشراقا :
- لا عليك .. افعلي ما تشائين .. فليس هنالك من يرى او يسمع ..
عادت نور تضحك من جديد .. فقاطعتها رهف باهتمام بعد ان تذكرت :
- صحيح انت لم تخبريني عن سبب تاخرك في المجيء اليوم ؟.
- لم استطع الاستيقاظ مبكرا ..
لاحظت رهف الحزن الذي تخلل كلمات نور .. ولكنها لم تحب احراجها وقالت محاوله تغيير الموضوع :
- وكيف مجحت اخيرا في النهوض ؟.
ابتسمت نور من جديد بعد ان استطاعت التغلب على مسحه الحزن التي علت وجهها :
- بفضل السيمفونيه المشهوره لامي والخال نبيل ..
- اما زال مثلما هو ؟.
هزت نور راسها وهي تقلب عينيها بسخريه .. فاردفت رهف :
- على الاقل هنالك شيء مفيد قدمه لك اليوم .. بان جعلك تستيقظي .
ظلت نور صامته وكأنها ترفض الاعتراف باي فضل يقدمه زوج امها حتى ولو من باب المزح .. تساءلت رهف بأسى :
- والله انا لا اعرف ما الذي يدفع امك لتحمله كل هذه المده .. فهي مدرسه وراتبها سيعيشكما مثل الامراء ؟.
اجابت نور ببرود .. فلقد وطنت نفسها لتتعايش مع هذا الوضع المزري الذي خلق منذ دخول زوج امها نبيل حياتهما :
- امي وافقت عليه بعد الحاح منه .. وعدم معرفه كامله به .. واضافه الى تأييد الاصدقاء والاقارب لها .. فنحن كما تعلمين لا يوجد لدينا رجال في المنزل بعد والدي رحمه الله .. ومجتمعاتنا الشرقيه لا ترحم النساء الوحيدات امثالنا ..
أطلقت نور زفره سخريه من انفها وهي تردف :
- وكأن المرأة لن تصبح كامله الا بوجود رجل في حياتها .. حتى لو كان مثل الخال نبيل .

توقف حديث الصديقتان .. وتوقف نقاش كل الموجودين في الفصل .. مع دخول الدكتور ليلقي المحاضره التاليه .. لقد كانت نور تستمتع كثيرا بهذه المحاضره ..
فهنالك دكاتره يشعرونها بالملل الشديد .. وتحس كأنها تجلس على كرسي من الجمر ولا تستطيع سوى ان تحصي الدقائق التي تمر وهي تتعذب .. ولكن البعض الاخر تحس بانها تعيش معهم جو المحاضره وتكون متفاعل بكل حواسك .. ولا يعاملونهاعلى انها مثل الحصاله .. خزن مؤقت من ثم تفريغ .. لتعود وتخزن من جديد .. مع العلم بان النوع الاخر نادر جدا في كليتها المشهوره بمزاجيه الدكاتره وظلهمهم ..
توجهت الصديقتان نحو ساحه الكليه بعد انتهاء المحاضره الاخيره .. وتهياتا للجلوس في ركن من اركانها والتي تظللها الاشجار حتى تستذكران بعض الدروس .. اشارت رهف لصديقتها بعينها حتى تلتفت خلفها نحو الساحه والتي كانت لا تزال تعطيها ظهرها ..
حين التفتت فوجئت برؤيتها لذلك الشاب الابيض طويل القامه ذو الوجه الوسيم .. والذي كان يسير برفقه زملائه ويسترق النظر اليها بين الحين والاخر من خلال عينيه البنيتين .. التقت عينيهما للحظه مما جعل قلبها يخفق بعنف .. لم تستطع سوى ان تبتسم له بلطف ثم اشاحت بوجهها عنه بسرعه .. وقالت مؤنبه لرهف من خلال أنفاسها المتلاحقه :
- لماذا جعلتني التفت اليه ؟.
أجابت رهف مدافعه عن نفسها :
- لان ما تفعلينه معه ليس صحيحا .
تحدتها نور وهي ترفع احد حاجبيها :
- وما الذي افعله ؟.
- انك تحاولين دائما تجاهله يانور .. الى متى ستستمرين في عنادك هذا .. لا تنكري انك لازلت تحبينه .. وهو ايضا يكاد الحب ينطق من عينيه عندما ينظر اليك ..
جلست نور وهي تحاول السيطره على انتفاضات احاسيسها لرؤيته .. إنه لا يكبرها إلا بسنتين .. وهو فيي سنته الاخيره في قسم الكهرباء .. وهذا يشكل احد الاسباب التي تجعل نسيانه مستحيلا ..
فتحت كراستها بهدوء على الصفحه التي كتبتها بالامس .. واعطتها لرهف ..
لم تجد رهف كلمات تقولها بعد ان قرات ذلك الحزن الكائن في اسطر الكراسه التي بين يديها .. ثم قالت وهي تغالب مشاعر العطف الذي تحسه دوما نحو نور :
- من الممكن أن يكون تغير يا نور .. فالسنين كفيله بان تجلعه اكثر نضجا .. حتى أنت تغيرت ..
- أنا لا اريد ان اعيش الاوهام ..
- إن حبه لك حقيقه تكاد تكون مؤكده في حياتك يا نور .. لماذا تستمرين بتغذيب نفسك وتغذيبه معك .. ألا تشعرين بشوقه لك ..
سرحت نور قليلا .. ثم اردفت وكأن عقلها يسعى لاقناع قلبها الهائج :
- وهل يكفي ذلك ؟.
- وما الذي تريدينه ..
- انا لم اكن اشعر بنقص في مشاعره نحوي يا رهف .. ولكن الخلل مني انا .. فانا انسانه لم تخلق لتؤدي ادوار الحب والصبابه ..
- ومن قال لك ذلك ؟. بالعكس أنت انسانه محبه .. وحساسه جدا .. وانا اشعر دائما انك من الاشخاص الذي خلقهم الله ليسعدوا من حولهم ..
ظهر اعوجاج خفيف على شفتي نور وهي تبتسم بسخريه :
- لقد كنت احبه حقا .. بل اعشقه .. ولشده حبي كنت احرص على كل فعل وقول اقوم به نحوه .. امله ان يبارك الله لنا في كل ايامنا معا .. ولكنني كنت اخدع نفسي عندما توهمت انه يفكر مثلي ..
- انه شاب يا نور .. ولا احد يستطيع لومه ..
- وهل يقع اللوم علي انا ؟.
- لا .. لقد قمت بما هو صواب ولكنني لتمنى ان تمنحيه فرصه اخرى ..
- لا اعرف يا رهف .. فانا لا اود ان اجازف من جديد بمشاعري .. انها اغلى ما املك .. لقد نصحني بالنسيان .. وهذا ما احاول فعله الان .. بعد أن نسي هو روابط الاخوه التي كانت ومازالت تشدنا لبعض ..
حاولت رهف قول شيء .. ولكن نور قاطعتها بحدة :
- كفانا حديثا عن سامح الان .. ولنبدأ بالمذاكره .. التي يبدوا اننا لن نكملها ابدا ..
ابتسمت رهف برقه بعد ان استسلمت .. ثم اضافت وهي تنظر الى الساعه على معصمها :
- نعم .. يجب علينا ان نسرع فاحمد سيحضر بعد اقل من نصف ساعه ليصطحبني معه الى البيت ..
اشرق وجه نور بنفس تلك الفرحه التي تتوهج على وجه صديقتها .. وتلون خدودها بحمره خفيفه :
- هل عاد احمد من سفره ؟.
- نعم .. ألم اقل لك بأنه سيأخذ اجازه حتى يستطيع الاشراف على بناء منزلنا ..
- بلا ولكنك لم تقولي انه سياتي اليوم ..
وقبل ان تجبها رهف اضافت قائله وهي تبتسم وتنظر من خلف كتفها :
- يبدوا اننا فعلا لن نستطيع استذكرا شيء من دروسنا هذا اليوم..

حاولت رهف نظرها .. لترى ذلك الشاب لطيف الملمح الذي كان يقترب منهما بخطواته الواثقه .. وعيناه مصوبتان نحوها .. وكانه لا يحس الا بوجودها هي .. رغم كل الازعاج الذي كان يغمر الساحه ..
تساءلت نور باستغراب وهي تشارك صديقتها النظر الى ذلك الشاب :
- كيف يستطيع خطيبك المحافظه على صفاء بشرته وهو يعمل على متن السفن .
قالت رهف مازحه :
- انا اعطيه خلطه سريه في كل مره يسافر فيها .
ضحكت نور عليها :
- إن هذا شيء غير مستبعد عليك .
اجابت رهف هذه المره عن السؤال بجديه وهما تقفان لاستقبال احمد :
- انه لا يتعرض للشمس كثيرا .. فهو يعمل كمهندس لمكائن الباخره .
هزت نور رأسها .. وانقطع الحوار بينهما عندما اصبح احمد امامهما .. تبادل الثلاثه كلمات التحيه .. وكانت نور تحس بالخجل الشديد وهي تقف مع هذان المحبان .. في لقائهما الاول بعد طول فراق .. وسرعان ما استأذنت منهما :
- سأترككما الان .. فلقد تأخرت كثيرا عن العوده الى البيت .
رد عليها احمد :
- لما لا تاتين معنا ؟.. فسيارتي في الخارج ويمكننا ايصالك الى حيث تريدين .
اجابت نور بحياء .. وهي تودعهما مجددا :
- لا ليس هنالك داع لذلك .. فمنزلي لا يبعد كثيرا .. كما اني اود ان اذهب الى مشوار .
رفعت رهف حاجبها وهي ترمفها بنظرات شك :
- واي مشوار هذا يا نور ؟.. والذي لا اعلم عنه شيئا .
- سأذهب الى عياده حسام .. هل ارتحت الان .
قال الخطيبان معا :
- ابلغيه سلامنا .
ضحك الجميع .. واخذت نور تبتعد عنهما متجهه نحو عياده حسام .. والتي كانت في الطريق المؤدي الى بيتها .. كانت قد اتفقت مسبقا معه ليزور والدتها ويقس ضغطها الذي تشك هي في ارتفاعه المستمر .. مؤكد ان السبب معروف ..
دخلت نور العياده .. فقابلتها الممرضه بابتسامه عريضه وهي تتاملها باعجاب :
- اهلا بمهندستنا الجميله .
ابتسمت نور بحياء بالغ .. فهي لم تكن تفلح بالتعامل مع كلمات الاطراء التي تربكها :
- اشكرك يا خاله .. هل الطبيب حسام موجود .
- نعم ولكنه برفقه اخر مريض له .
ظلت نور تتحدث مع الخاله نظره .. تلك الانسانه اللطيفه التي لا تملك اي شهادات او حرف في الحياه .. ولكنها تملك فقط خمسه اولاد صغار .. تركهم والدهم لها بعد ان هجرها ..
ولكن حسام كان المنقذ لها .. فعندما جاء من لندن وقرر فتح عيادته الخاصه .. عرض على نور ان يوظفها معه كممرضه .. فتعاون الاثنان في تدريبها .. كان هو يلقيها كل المهارات الضروريه لجعلها ممرضه ماهره .. وانت نور تدرسها يوميا الكتابه والقراءه ..

عرضت الخاله نظره على نور قائله :
- لما لا تدخلين وتستعجليه .. فمؤكد انه قد اكمل عمله .. وهو الان يمازح الطفله الصغيره .. وكما بدا لي ان والدها صديقه ..
ابتسمت نور بحب صادق وهي تتكلم عن ابن عمها :
- اعلم هذا .. فهو ينسى نفسه احيانا عندما يدير حديث مع الاطفال .. ولكني لا اود ازعاجه .

في تلك الاثناء فتح باب الحجره .. وخرج الشاب برفقه حسام الذي كان يحتضن طفله بين ذراعيه .. ويحدثها قائلا بصوته الدافئ المليء بالحنان وابتسامته الساحره تعلو وجهه الاسمر الجذاب :
- يجب ان تاتي دائما وتزوريني .. حتى اطمئن عليك ..
هزت الطفله راسها بحماس الموافقه :
- سأزورك كل يوم عندما اعود من الروضه .
انتبه حسام لنور التي كانت تشاركهم الضحك .. وتقدمت لتاخذ الطفله منه .. وهي تحاول التعرف عليها .. اشار حسام الى صديقه :
- آه يا نور .. هل أتيت .. اعرفك بصديقي محمد وزميل دراستي .
حيت نور محمد بهزه من راسها .. وبتلك الابتسامه اللطيفه التي لا تفارق شفتاها :
- تشرفت بمعرفتك .
أكمل حسام حوار التعارف بان اشار الى نور :
- هذه هي صغيرتي نور .
لم يقم محمد باي رد .. لقد كان ينظر الى نور وعلى وجهه دهشه بالغه .. وشيء من الاعجاب مما اخجلها كثيرا .. وجعلها تحول نظرها نحو الطفله التي بين احضانها .. وما هي الا ثواني حتى قال محمد بحده :
- هل هذه صغيرتك نور ؟..
هز حسام راسه بالايجاب وهو يبتسم .. لصديقه الذي اردف :
- لقد كنت اتخيلها فتاه في الثانيه من عمرها .
كتمت نور ضحكتها .. فهي تدرك مدى محبه حسام لها .. ولم تستبعد وصول صديقه لمثل هذا الاستنتاج .. فاضافت مازحه :
- لقد اقتربت كثيرا من تخمين عمري .. ولكنك حذفت الصفر منه .
اردف محمد بعد ان احس بما سببه لها من خجل :
- انت لا تعلمين كم كان حسام يتحدث عنك .. ولكنه كان دائما يقول ( صغيرتي نور ) .. اعذريني يا انسه نور .
شدد محمد على عبارته لاخيره وهو يرمق حيام بنظره مازحه .. فتدخلت طفلته متسائله :
- هل اسمك نور ؟.
- نعم يا حبيبتي ..
- إن دميتي ايضا اسمها نور .
- وهل هي جميله مثلي ؟.
- لا .. بل انت أجمل .
قالت نور وهي تحتضنها بحب :
- بل أنت هي الاجمل بين كل الفتيات .
شهقت الطفله بفرحه رافعه حاجباها .. وهي تنظر لاباها :
- هل سمعت يا ابي ؟.
اخذها حسام وقبلها قبل ان ينزلها على الارض :
- وهل ما زلت على وعدك لي ايتها الجميله ؟.
ابتسمت الطفله بمرح وهي تلوح بيدها مودعه :
- بالطبع ..
أردف محمد :
- الى اللقاء يا حسام .. لقد كانت مصادفه لطيفه .. جعلتنا نتعرف بها على صغيرتينا ..

التفت حسام لنور والخاله نظره قائلا :
- ما رايكما بخطيبتي ؟.
ضحكت نور :
- ليتك تكون جادا وتعلن خطبتك على اي فتاه تعيسه الحظ .. فأنت لم تعد صغيرا ايه العجوز .
أجابت الخاله نظره مدافعه عنه :
- تعيسه الحظ .. يجب ان تحمد ربها ليلا ونهارا من سيقع اختياره عليها ..
ثم اردفت وهي تنظر لهما بحب صادق :
- انشاء الله يأتي اليوم الذي أراكما عريسين فيه ..
احمر وجه نور خجلا .. فهي تعلم محبه الخاله نظره لهما .. وكم تتمنى ارتباطهما ببعض ..
ولكنها قالت محاوله توضيح دعوتها :
- أنا مؤكد ستفرحين بي قبله .
رد حسام على تعليقها .. وهو يشير لها بيده حتى تسير امامه :
- هيا .. هيا وكفاك ثرثره .. ولنذهب الى البيت .
وقبل ان يخرجا من العياده .. التفت حسام للخاله نظره التي كانت لا تزال ترتب المكان :
- ألن تاتي معنا يا خاله ؟.
- لا يا حبيبي .. انا ساجلس قليلا لانهي بعض الاعمال .
- كما تشائين .

في المنزل .. وبعد أن طمئن حسام والدتها بان ضغطها في حاله جيده .. واعطاها بعض التعليمات .. خرجت الام من الحجره لتعد له الشاي .. ولتتركه برفقه نور .. فهي تعلم مدى تعلق ابنتها به .. ومؤكد أن في جعبتها الكثير لتخبره ..
افاقت نور من شرودها .. بسبب ذلك الصوت الدافئ الحنون :
- ما بك صغيرتي ؟.
هزت نور رأسها بعنف وكانها تنفي عن نفسها تهمه :
- لا شيء .
لم يستطع حسام التغلب على تلك الابتسامه الجذابه .. التي تخطف الانظار :
- ولكني لا اصدقك .
وقبل ان تعاود الحديث .. اضاف متسائلا :
- هل رايته ؟.
عاد الصمت يلف نور .. من ثم هزت راسها ببطء علامه على الإيجاب :
- متى ساستطيع ان انساه ؟.
- ولماذا تودين نسيانه .. انه سيظل دائما جزءا من حياتك .. ويجب ان تعود العلاقه بينكما كما كانت دائما .. فانتم في الاخير اخوه ..
- معك حق ..
كان حسام يود ان يضيف شيئا ولكنه سرعان ما عدل عن ذلك .. فهمت نور ان امها قد عادت وبيدها صينيه الشاي .. فوقفت مسرعه لتاخذها منها .. فبدأ حسام يتحدث مع العمه حياة حتى أكمل فنجانه .. واستأذن للخروج .. لم تفلح محاولاتهما في استبقاءه على الغذاء .. فلقد كان حسام خجول جدا .. ولم يتعود دخول البيت كثيرا بعد وفاه عمه .. الا عند الضروره طبعا ..
رافقته نور حتى باب الخروج .. وهناك حدثها والاهتمام ينبض من عينيه :
- هل ستجعلينني اخرج .. وانا ارى الحزن يلمع في عيني صغيرتي .
هزت نور راسها بسرعه .. وهي تضع على شفتيها اجمل ابتسامه .. فهي لم تكن ابدا تميل الى الكابه .. بادلها حسام الابتسام :
- هذا ما اود ان اراه دائما .. لا تقسي كثيرا على نفسك يا نور .. وتذكري انه كان اول شخص يدخل حياتك .. وانت لا تزالين في مقتبل العمر .. ولن تستطيعي فهم الكثير من مشاعرك .. وتاكدي ايضا من انني سأظل بجانبك .. وساحمل همك ما حييت فانت ستبقي اختي الصغيره مهما حدث .
- معك حق .. وانا لم اشك في اخوتك وحبتك لي ابدا .. رغم كل شيء ..
- اكيد معي حق .. فانا لا اخطئ ابدا .
قلبت نور عينيها متصنعه الاستخفاف بحديثه .. بعد ان افلح بتغيير مزاجها .. ثم اضاف وهو يسمع حركه الخاله حياه داخل البيت :
- وداعا الان .. يجب ان اذهب قبل ان تاتي والدتك وتحاول اقناعي من جديد بالبقاء .
ودعت نور ابن عمتها .. وهي تحس وكانها وجدت نفسها الضائعه ..
وجدت تلك الفتاه المرحه التي اعتادت عليها ..
والتي لم يكن يتخلل ايامها سوى المرح ..
انها تحس الان تماما وكانها نسيته ..
ليس بالمعنى الحرفي للكلمه .. ولكن كان الذي كان بينهم لم يكن يوما ..


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 4
قديم(ـة) 05-04-2012, 07:13 PM
صورة ♫ معزوفة حنين ♫ الرمزية
♫ معزوفة حنين ♫ ♫ معزوفة حنين ♫ غير متصل
©؛°¨غرامي فضي¨°؛©
 
الافتراضي رد: ملاك الحب / للكاتبة : my faith




(2)
هدنة



كانت نور تقف امام مركز التصوير الكائن في كليتها .. في الوقت الذي رن هاتفها معلنا عن اسم حسام على شاشته ..
- السلام عليكم ..
- وعليكم السلام ..
- نور .. هل أنت في الكلية ؟.
- نعم يا حسام .. هل حدث شيء ؟.
لم يكن متعودا أن يتصل بها في مثل هذا الوقت المبكر من النهار .. وعاود الرد على تساءلها القلق بسؤال اخر :
- لا .. ولكن كنت اود أن اسالك .. هل يوجد لديك آلة حاسبة ؟
كانت نور تحاول الربط بين اسئلته والحيرة الباديه على ملامحها .. ثم اجابت بخيبه امل :
- لا .. للأسف ..
ولكنها وجهت حديثها نحو صديقتها التي كانت تنتظر معها اوراق نماذج الامتحانات التي لا تزال في مركز التصوير :
- رهف .. هل لديك آلة حاسبة ؟.
فتحت رهف حقيبتها بتلقائه باحثة .. من ثم اعطت لنور الآلة :
- الحمد لله .. يبدو انني لم اخرجها من الحقيبة .
عادت نور تخبر حسام الذي كان منتظرا على الهاتف :
- لقد وجدتها يا حسام ..
- حسنا .. هل يمكنني أن اطلب منك طلب ؟.
- بالطبع .
بدأ حسام يشرح لها :
- لقد خرج سامح من البيت وهو على عجلة من امره ونسى اخذ الآلة الحاسبة .. وهو الآن لديه اختبار بعد نصف ساعة .. وكان يعتمد عليّ في احضارها .. ولكن في الحقيقه ليس لدي هذا الصباح اي ارتباطات عمل في العياده .. وفكرت بأنك ستكونين منقذتي الوحيدة من أن اقطع كل هذه المسافة من عدن للمعلا .. حتى احضر له آلته .

كانت نور تستمع لحسام .. والى نبض قلبها الثائر نتيجة تردد اسم سامح على مسامعها ..
احست وكانها لم تعد تدرك مكانها وزمانها ..
لقد ذهب بها الخيال الى حيث سيكون سامح الآن واقفا بين زملاءه ..
كم هو بارع هذا القلب في تجسيد أي عاطفة تتعلق بسامح ..
لقد بدأت الآن يسفق بين الضلوع .. فرحا بهذا اللقاء القريب بالحبيب المهجور ..

استدعاها صوت حسام القلق .. بتلك النبرة العميقة التي تشعرك بدفئ مشاعره الحنونة :
- نور .. هل ازعجتك ؟.
حاولت أن تتمالك نفسها .. وجاهدت لكي تسيطر على مشاعرها قبل أن تجيب :
- لا .. سوف ابحث عنه الآن .. وساعطيه الآلة .. لا تقلق .
- اشكرك يا نور .. أنت حقا منقذتي .. فأنا لا ازال اشعر بنعاس شديد .. وسأذهب لانام .. في امان الله صغيرتي .
- في امان الله يا حسام .

اغلقت نور المكالمة .. وبدأت كل التساؤلات تتدافع الى راسها مرة واحدة ..
كيف ستستطيع مخاطبته بعد كل هذه المدة التي صحبت فراقهما ..
صحيح أنها لم تكن تنوي ابدا ما وصلا اليه من شبه قطيعة .. وكانت دائما هي البادئة بالسلام ..
ولكن هل ستجرء أن تكون هي ايضا البدئة ايضا بإذابت ذلك الحاجر الجليدي بينهما ..
وهل هذا النبض الذي اصبح يؤلمها لشدتة .. وتلك الأطراف الباردة .. تعبر عن الخوف من اللقاء أم توق إليه ..

تقدمت منها رهف .. بعد أن اخذت الاوراق .. وتساءلت بفضول :
- ما الذي يريده حسام من الآلة الحاسبة ؟.
اجابت نور وهي تصطنع الامبالاة :
- ليس هو من يحتاجها ..
- ومن إذا ؟.
- سامح .
- من ؟.
زفرت نور بسخرية .. ردا على دهشة صديقتها .. ومحاوله لإخماد عواطفها التي بدأت بالإشتعال :
- إنه سامح .. وهل غريب أن يحتاج لآلة حاسبة ؟.
هزت رهف راسها بعد أن سيطرت على دهشتها :
- لا .. ولكن ما هي القصة ..
- القصة أنه نسى الآلة الحاسبة .. ومطلوب مني الآن ايصالها إليه لأن لديه اختبار .
- حسنا إذا .. مؤكد اننا سنجده في ذلك الركن في الساحة .

لم تضف نور شيئا على حديثها .. وظلت تسير باتجاه الساحة بصمت .. وهدوء تام .. فالمعركة الكبرى كانت تدور احداثها بداخلها هي ..

تقدمت قليلا من مجموعة الشباب والذي كان سامح يقف معهم .. بعد أن انتظرتها رهف على مسافة قريبة .. حاولت أن تشير الى سامح ولكنه كان يواجهها بظهره .. احس الشاب الواقف بجانبه بنظرات نور الملحة نحو سامح .. فلكمه بإنفعال حتى يلتفت .. مؤكد أن اللكمة كانت قوية بعض الشيء .. فلقد رأت سامح يتاوه وهو يعقد حاجبيه وينظر لصديقه باستغراب من ذلك التصرف .. ولكنه سرعان ما حول نظره إليها بعد أن راى نظرات الشباب موجهه اليها .. كانت نور تشير له بعصبية حتى يأتي الى حيث كانت تقف .. تسمر سامح في مكانه .. وهو يحاول التدقيق في ما تقوم به .. وكأنه لا يصدق أنه هو المعني بإشاره يدها .. بدأ الضيق يعلو ملامحها .. لماذا يأخذ كل هذا الوقت ..
ولما لا ياتي وينقذها من هذا الإحراج الذي تشعر به جراء كل تلك الانظار الموجهه إليها ..
اخيرا تدارك الموقف وجاء مسرعا اليها .. ووضع حاجبيه المعقودين لا يزال كما هما ..
قالت نور ببساطة .. وهي تحاول رسم ابتسامة لطيفة على شفتيها :
- كيف حالك يا سامح .
كانت تستطيع أن ترى بوضوح صدره الذي كان يعلو ويهبط بطريقة غير منتظمة وكأنه يجد صعوبة في التنفس .. هل يا ترى هي السبب ؟.. سرعان ما طردت الفكرة من راسها .. وعادت تقول له وهي تعطيه الآلة بعد أن لم يرد عليها سوى بكلمة الحمد لله :
- لقد اتصل بي حسام .. واخبرني بأنك تحتاج اليها .. فاحضرتها لك .. موفق انشاء الله .. ويمكنك أن تعيدها في اي وقت ..
ألقت نور بتلك الكلمات وكأنها تتخلص من حمل اثقل عليها .. فلقد كانت ترددها في سرها منذ أن بدات بالبحث عنه .. حتى لا تخطء بالحديث .. ولا تجعله طويلا ايضا ..
فيزيد توترها بقربها منه ..
مؤكد أنها ادت مهمتها بمهارة .. فلقد لاحظت براعتها في التعامل مع الإضطرابات التي تشعر بها لحديثها القصير معه .. ربما كانت افضل منه ايضا .. هذا إذا اعتبرت أن ما تراه من ارتباك عليه هي احدى اسبابه ..
كم هو مخادع هذا القلب .. بل كم هو متمرد عليها .. حديث قصير كهذا .. يجعله يقيم عرس بداخلها دون حياء ..
اخذ سامح الآلة وهو يمعن النظر اليها غير مصدقا :
- شكرا لك .
- العفو .. هل تحتاج الى شيء اخر .
- لا .
- إذا الى اللقاء الان .
- الى اللقاء .

واصلت نور سيرها مع رهف نحو الفصل الدراسي الذي سيتلقون فيه المحاضرة التالية .. لم تحرجها رهف بأيه إستجوابات .. وكانت نور شاكرة لصديقتها هذا الفعل .. فمؤكد أنها ستكشف نبرتها المهزوزة إذا ما حاولت الحديث الآن ..

انتهت تلك المحاضرة .. ولكن يومها الدراسي لم يكن قد انتهى بعد .. لقد كان اسواء يوم في اسبوعها .. فبعد تلك المحاضرة كان لديها وقت فراغ مدة ساعتين .. من ثم ثلاث فصول تطبيقية .. وبعد ذلك يأتي دور المحاضرة الاخيرة والتي تنتهي في المساء ..

رن هاتفها .. ولكن هذه المرة كانت الأم تتساءل بقلق :
- نور .. أين انتي ياحبيبتي .. ألن تحضري للغداء ؟.
- أمي .. هل نسيتي أن اليوم هو يوم الاثنين .. وأنني لن اعود الى المنزل إلا في المساء .
- صحيح .. اعذريني يا ابنتي .. يبدو أنني نسيت ذلك كليا ..
- لا عليك ..
- حسنا حبيبتي .. اهتمي بنفسك .. ولا تنسي أن تتناولي وجبة الغداء ..
- حاضر يا امي لا تهتمي .. ستتولى رهف مهمه اطعامي .
رفعت رهف صوتها .. حتى تستطيع الأم سماعها :
- هل ينفع أن نقدم لها رسالة لمنظمة حقوق الإنسان حتى ينقذوها قبل أن تشارف على الانقراض .
ضحكت نور وعادت تطمئن أمها :
- أمي .. لا تستمعي إليها .. إنها تحرص على اطعامي حتى التخمة .
شهقت رهف وهي ترفع حاجبيها :
- ايتها الكاذبة .
انهت الأم شجارهما المازح وهي تضحك :
- حسنا الى اللقاء الآن .. وابلغي رهف سلامي .
- في امان الله يا أمي .

في ذلك الوقت .. جاء زميلها خالد لكي يناقشهما في المشروع المطلوب تقديمه في نهاية الفصل .. كان الثلاثه يتشاركون الحديث .. من ثم بدأت نور تشرح له كيفية تقسيم العمل بينهم .. لإتمام المشروع في اسرع وقت ممكن ..
كانت رهف تقف بعيدة عنهما بعض الشيء عنهما .. لتلقيها مكالمهة هاتفيهة من خطيبها ..
شعرت نور بأن هنالك ظل لشاب يحاول التقدم نحوهما وهو يسلط نظراته عليها .. التفت لترى سامح يرمقها بنظرة لم تستطع تفسيرها .. اعتذرت من زميلها .. وذهبت لتحدثه .. تساءلت نور بقلق صادق .. وهي ترى ذلك الغضب المكتوم الذي يغطي ملامحه :
- كيف اديت اختبارك ؟.
رد عليها باقتضاب :
- جيد .
- حقا .. ولماذا يظهر عليك العكس ؟.
اعطاها سامح الآلة .. واردف قائلا بحدة .. وكان يبدو عليه أنه يحاول الهجوم عليها .. اكثر من عرفانه بالجميل :
- اشكرك على مساعدتك لي .. والى اللقاء الآن .

ردت نور على تحيته .. من ثم عادت لتعرف مستجدات حديث رهف مع زميلهما .. ولتكمل يومها الذي استنزف كل الطاقات المختزنة في جسدها .. هي وجميع زملائها وزميلاتها ..

ابتسمت نور وهي ترى ذلك التوتر البادي على رهف :
- ما بك يا فتاة .. كل يوم اثنين تعيشين هذا الرعب .. متى ستتشجعين .
اجابتها رهف وهي تحرك راسها بالنفي لتلك الحافة المتجهة الى منطقة عدن .. وتبحث بعينيها عن الحافلات المتجهات الى منطقة المنصورة :
- أنت تعرفين أنني لم اعتد ركوب المواصلات العامة في مثل هذا الوقت وبمفردي ايضا .
- لقد قلت بنفسك مواصلات عامة .. بما معنى أنه لا داعي لهذا الخوف فأنت لن تكوني بمفردك .. وبلادنا آمنة والحمد لله .
زفرت رهف بضيق :
- متى تنوي حافلة المنصورة المجيء .. لابد أنني تاخرت كثيرا عن العوده ..
في تلك الاثناء جاءت الحافلة التي يوجد في مقدمتها علامهة حمراء بشكل مربع .. تعلوها كتابة تشير الى أن وجهتها نحو منطقة المنصورة ..
ودعت نور صديقتها الرقيقة .. بعد أن اطمئنتا أن هنالك عائلة بداخل تلك الحافلة ..
عادت تحث الخطى نحو بيتها والإجهاد يتملكها جراء يومها الطويل .. لذلك لم تستطع التفكير بتلك المستجدات التي حدثت فيه .. فلقد كانت تحن كثيرا لأخذ حمام بارد في هذا الجو الحار .. من ثم الغوص في احضان سريرها .. والغرق في نوم عميق .. صحيح أن الساعه لم تتجاوز الثامنه مساء .. ولكن كان هذا هو شعورها الحالي ..

- أهلا بمهندستنا الشابة .. واخير شرفتنا بحضورك ..
كان هذا ترحيب الخال نبيل بها عادة عندما تتاخر بالعودة في كل يوم اثنين .. من ثم اضاف ساخرا وموجها حديثه للأم :
- ألم انصحك دائما بأن لا تدخليها هذه الكلية التي لا نعرف مواعيدها .. في الآخير هي تربية حسام عبد الرحمن وكل شيء متوقع منها ..
ضغطت نور على اسنانها بعصبية .. وهي تتمالك نفسها حتى لا ترد عليه .. ووجهت حديثها لكليهما بصوت ميت :
- السلام عليكم ..
لم تنتظر اجابة وتوجهت نحو حجرتها .. لقد كانت تدرك أنه يحاول استفزازها .. و يسعى دائما لإغتنام اي فرصه يثبت من خلالها سوء تربية والدها رحمه الله لها .. ولذلك هي تترفع عن الحديث معه حتى لا تفلت اعصابها وتعطيه تلك الفرصة التي ينتظرها بفارغ الصبر .


في الصباح .. استيقظت نور على صوت والدتها ولكن هذه المرة كانت توقضها هي .. فتحت عينيها لترى الساعة .. لقد كانت السابعة وخمسة وعشرين دقيقة :
- آه يا امي .. لماذا تيقظينني .
كان الإستياء باد عليها وهي تعاود النوم من جديد .. فاردفت الأم بحيرة :
- أليس لديك محاضرات اليوم ؟.
- بلا .. ولكن محاضراتي تبدأ في الساعة الثامنة .. وكنت أود أن اصحو في السابعة والنصف .
ضحكت الأم :
- نور .. وهل تفرق الخمس الدقائق .. هيا انهضي يا ابنتي وكفاك كسلا .
ردت بصوتها الناعس :
- بالله عليك يا أمي اتركيني أنام .
خرجت حياه وهي تبتسم .. وفي ذلك الحين عاودت نور النوم .. ولم يمضي سوى دقائق قليلة حتى رن هاتفها معنا عن موعد الإستيقاظ .. فنهضت مستسلمة .. وتوجهت الى مطبخ بعد خروجها من الحمام .. احتضنت أمها من الخلف والتي كانت تعد طعام الإفطار بفكر شارد .. وقبلتها على وجنتها :
- صباح الخير يا احلى أم .
خرجت من شفتي والدتها ضحكة صادقة لطالما افتقدتها .. والتي كانت تعاودها عند رؤيتها لابنتها فقط .. فنور اصبحت أهم الاسباب التي تسيرها في هذه الحياه وتجعلها تحس أن لحياتها معنى وهدف :
- واخيرا نهضت ايتها الأميرة النائمة ؟.
- نعم .
- وما الفرق الذي وجدتيه ؟.
رفعت نور حاجبيها بدهشة وهي تجيب أمها بجدية بالغة :
- لو كنت تدركين مدى خطورة هذه الدقائق بالنسبة لي لما سالتي هذا السؤال .
علقت الأم بسخرية مازحة .. وهي تعطي نور تلك الشطيرة التي لفتها لها :
- آه .. حقا .. انا اسفة إذا ايتها الخبيرة لجهلي بخطورتها .. هيا اذهبي الآن لتحضري نفسك قبل أن تتاخري عن محاضراتك .
ثم تداركت متسائلة :
- هل ستتاخري اليوم ايضا في الكلية ؟.
- لا يا أمي بل ساعود بسرعة لأن لدي محاضرة واحدة فقط .. إنني سأكمل الفصل وأنت لازلتي لا تحفظين جدولي ..
- اعذريني يا حبيبتي .

ردت نور على امها بابتسامتها الدائمة .. ثم اتمت تحضير نفسها وما هي إلا دقائق أخرى حتى كانت تحث خطاها نحو الكلية .. وبدأت التفكير .. فهنالك شي غريب في والدتها اليوم .. فهي لم تيقظ الخال نبيل كعادتها .. كما أنه لم يخفى عليا ذلك الشرود والحزن البادي على ملامحها .. لابد أن ما حدث بالأمس من محاولات الخال نبيل لإستفزازها وتعليقاته على اباها هو ما يثقل عليها .. فهي تدرك مقدار حب والدتها لابيها الراحل .. قطع صوت من الخلف تسلسل افكارها :
- نور .. نور .
- رهف كيف حالك يا حبيبتي ؟.
- انا في احسن حال اليوم .. ولكنك لا تعلمين ما الذي صار معي بالامس .
تساءلت نور بقلق فلقد احست أن صديقتها تتكلم بجدية :
- خير انشاء الله .
- اتذكرين تلك العائلة التي كانت تعتلي الحافلة معنا بالأمس .
- نعم ماذا بهم ؟.
- ليس بهم شيء .. ولكنهم لم يكملوا طريقهم معي الى المنصورة كما كنت متوقعه .. ونزلوا في منطقة خورمكسر .
- وما المشكلة في ذلك ؟.
- نور يبدو أنك لاتزالين نائمة .. لقد بقيت أنا بمفردي برفقة ثلاثة شبان .. والوقت كان متاخرا .. حقا لقد كدت امت من الرعب .. ولقد هممت بالنزول مع العائلة .
هنا بدأ الخوف يتملك نور :
- هل جننت يا رهف .. تنزلين في منطقة لا تعرفين احدا فيها .. وما الحل برأيك .. مزيدا من التاخير في انتظار حافلة اخرى ؟.
- لا اعرف يا نور .. ولكن هذا ما فكرت به .. ولكني لم انزل .
- وما الذي حدث إذا ؟.
- لقد كان يبدو على احد الثلاثة الشبان بأنه من الشمال .. والإثنان هما شابان صغيران بعض الشيء وكان يبدو انهما جنوبيان .. قام الشاب الشمالي باستوقافي وكان يحاول اقناعي بالبقاء .. خصوصا أن المنطقة مقفرة بعض الشيء ولا يصح أن انزل في ذلك الوقت ..
- وماذا كان ردك ؟.
- لم اعرف بماذا اجيبه وفظللت صامته ومتردده بنفس الوقت .. فوجه هو كلامه للسائق بأن لا يجعل أي راكب يجلس في الكرسيين الذين بجانبي .. وأن حسابهما عليه .. ثم سألني هل هذا سيطمئنك .
عادت نور تستحث رهف لتواصل حديثها :
- وبعد ما الذي حدث ؟.
- عدلت عن رايي بالطبع .. بعد أن ايداه الشابان ايضا .. ولم اراى مبرر لترددي .. كما انني كنت خجلة من تلك العائلة التي لم تتابع سيرها الى بعد ان اطمئنت علي .
تنفست نور الصعداء بعد أن كان الخوف يسيطر عليها :
- حمدا لله ..
- لا لم ينتهي الامر بعد .
بدأت الهواجس تغزوا نور .. وراحت ترسم في خيالها صور بشعة عما يمكن أن يحدث لصديقتها .. ولكن سلواها الوحيد كان رؤيتها لرهف في تلك اللحظة سالمة والتي عاودت الحديث :
- لقد صعد معنا رجل شمالي اخر يبدو أنه غير طبيعي بعض الشيء .. وكأنه مخدر .. وبالرغم من أن الحافلة شبه فارغه .. لم يرقه سوى الجلوس بجانبي .. لم استطع سوى النظر الى الشاب الذي وعدني وكأنني استنجد به .. ففهم هو نظرتي وطلب من ذلك الراكب الجلوس في مكان اخر بتهذيب .. إني اكاد اقسم بأنه كان قد تعاطى شيء معين .. فبالرغم من تنفيده للطلب الى أن كلامه طول الطريق كان يشعرني بالتوتر .. ولكن في الاخير وصلت بسلام .. وكنت شاكرة لذلك الشاب موقفه الشهم معي .
شردت نور والخوف لا يزال يتملكها :
- اتعرفين يا رهف .. مؤكد لم يكن سيحدث لك شيء سيء .. ولكن ما شعرتي به طبيعي لأن الوقت متاخر وكونك الفتاة الوحيدة في الحافلة .. ولكن اتعرفين هذا يبين لنا أن ليس كل الشباب الشماليين كما يفكر بهم البعض .
هزت رهف راسها بحماس مؤكدة :
- بالطبع .. فأنا اكره مثل هذا التصنيف السياسي السخيف .. فنحن بالاخير يمن واحد .
- ان ما دفع الناس لهذا التصنيف السخيف .. هو سوء الاحوال وتدهور المعيشة .. ولكن هذا ساري على الكل .. صحيح أن بعض الشمالين يتمتعون ببعض الصلاحيات اكثر منا .. ولكن هذا ليس مبررا يجعلنا نحقد على البسطاء من الشعب .. فهم ايضا يعانون مثلنا .
- كلامك حق يا نور .
- هل تعرفين .. لقد كنت قبل يومين ساهم بخلق مشكلة مع شاب من شباب الكلية ..
ضحكت رهف :
- غريبة مع انك انسانة مسالمة .. لا بد انه استثار غضبك لابعد الحدود .
- نعم .. لأنه كان يقف خارج الكلية مع زملائه عندما كنت انا في طريقي الى البيت .. وفي ذلك الوقت تقدم منهم ولد صغير السن يبيع المناديل الورقية .. زجره بعنف ليبتعد عنهم .. وبدأ يهيل عليه بالشتائم قائلا له : ( متى ستخرجون من بلادنا ايها الدحابشه الشماليين ) .. لقد كدت اتقدم منه واصفعه من شدة الغيض .
تسائلت رهف بحنق :
- وما الذي منعك ؟.
- إن صديقاه عنفاه بقسوة .. وافهموه أنه لا يملك الحق في إهانه طفل صغير بغض النظر عن اصله .. لقد تألمت كثيرا على ذلك الصبي .. والذي مؤكد ان حاله اسواء بكثير من احوالنا نحن .
- أنا حقا .. لا احس أن هنالك فرق بين شمالي وجنوبي كلنا بشر .. والشيء الوحيد الذي يميزنا عن بعضنا هو اخلاقنا فقط ..
- هذا صحيح ..

بعد انتهاء المحاضرة .. جلستا في مكانهما المعتاد .. حتى يتما تصميم ذلك العرض الذي سيستعينون به في تقديم مشروعهم .. وكانتا تتحدثان بين الحين والاخر .. وفجأه تذكرت رهف عندما رأت سامح يمر بقربهم ويختلس النظر كعادته نحو صديقتها الملتهيه بالكتبة :
- صحيح .. لم تخبريني بالأمس ما الذي حدث مع سامح ؟.
نظرت نور اليها وهي تعقد حاجبيها باستغراب :
- وما الذي سيحدث بإعتقادك ؟.
- لقد رايت وجهه يكاد ينفجر من الغضب عندما اعاد لك الآلة .
- آه .. صحيح .. حتى انا لاحظت هذا الشيء .. ولكني لا اعلم سبب ذلك .
- الا تعتقدين ان حديثنا مع خالد هو السبب ؟.
- ربما .. فهو لم يكن يحبذ حديثي مع اي شاب .
استغربت نور ابتسامة رهف الواسعة .. والتي فسرتها مازحة :
- يبدو أنه يشعر بالغيرة .
اجابت نور بحدة :
- إن علاقتنا لا تسمح له بذلك .. كما انني لا اجد مبررا لغيرته .
- اي محب يجب أن يغار .
ابتسمت نور ردا على تلك العبارة :
- هل تعرفين يا رهف .. انا لم اشعر ابدا بالغيرة نحو سامح .. بالرغم من كثره الفتيات الآتي كان يعرفهم قبلي .. يبدو انني كنت واثقه من اخلاصه لي .
- ولقد كان فعلا مخلصا في حبه لك .
- نعم .. ولكنه ايضا كان يحاول أن يطبق معي كل ما كان يفعله برفقتهم .. ومبرره الوحيد انني عرضه ولن يخلف وعده لي ابدا .
- صحيح أن سامح شاب وسيم .. وقد اقام علاقات كثيرة مع الفتيات .. ولكني لا اشك في صدق وعوده لك .
- هذا صحيح .. ولكني لن اسمح له ابدا بأن يعاملني مثل اي فتاة عرفها .. فأنا اختلف عنهم تماما .. ولكنه لم يحاول ابدا ان يفهم ذلك .
بدات نور تضيق من ذكرى سامح المؤلمة :
- لماذا لا يكون مثل حسام ؟.
- هذه مقارنه غير عادلة يا نور .. فحسام يتميز عنه باشياء كثيره اولها العمر والثقافة .. اضافه الى أن حسام تعلم فترة طويلة في لندن .. لذلك تجدينه منفتح في افكاره ..
اضافت رهف مازحه :
- حقا يا نور .. الا ينوي حسام الإرتباط .. والله لو لم اكن مخطوبه .. لما تركته يفلت من يدي .
ضحكت نور وهددت صديقتها وهي ترفع سبابتها في وجهها :
- اعقلي يا فتاة .. والا ابلغت خطيبك بهذا الحوار .
- لا .. لا .. انا في اتم قواي العقلية .. ولا داعي لتهورك هذا .
من ثم اضافت بجدية :
- لما لا يتقدم حسام لخطبتك ؟.
عقدت الدهشة لسان نور .. ولكنها سرعان ما اجابت ضاحكه :
- والله مؤكد انك جننتِ .. وتقولين أنك في كامل قواك العقلية .
- انا لا امزح .. حقا ما الذي يمنعكما من ذلك ؟.
- اشياء كثيره ..
- مثل ؟.
- انه ابن عمي الأكبر .. والذي يشعرني دوما بحنان الاخوه الذي افتقده .. كما أن حسام لم يبدي ابدا رغبه في الارتباط باي فتاة .
- وما هو سبب عزوفه يا ترى عن الزواج ؟.
تجاهلت نور تلميح صديقتها .. بأنها السبب في ذلك .. واجابت وهي تحاول التنقيب عن اسباب اكثر اقناعا :
- ربما حبه للعلم .. ولعمله الذي يجعله يخالط كل هؤلاء الاطفال .. فهو محبوب جدا من قبلهم .. وربما يشعر بنوع من الإكتفاء من الارتباط معهم .
- هذا ليس سببا كافيا .
رفعت نور حاجبها وهي تمعن النظر في صديقتها :
- ما بالك اليوم ؟!.. لقد كنت قبل قليل تقنعينني بحب سامح .. والآن تتمنين ارتباطي بحسام ؟!.
وضحت رهف صدق مشاعرها الحنونه اتجاه صديقتها :
- انا لا اتمنى إلا ما هو مناسب لك حبيبتي .. ولا يهمني إن كان ذلك في عودتك لسامح .. او ارتباطك بحسام ..
شوحت نور بتلك الاوراق التي في يدها .. ومحاوله انهاء ذلك الحديث :
- ولكن اهم شي الان هو ان نكرس جهدنا في الدراسه فالامتحانات على الابواب .

------------
استيقظت نور وهي تشعر بأنها مشوشة بعض الشيء .. ولجأت للهاتف الذي بجابنها لكي تعرف أن الساعة هي الرابعة عصرا .. وأنه يوم الثلاثاء .. ابعدت جهاز الحاسوب المحمول والذي يبدو أنها كانت ترقد فوقه .. وذهبت الى المطبخ لتعد لها كوب من الشاي .. حتى تستعيد نشاطها .. وهناك وجدت امها تصنع بعض الفطائر كعادتها في مثل هذا الوقت من كل يوم ..
- نور .. هل كنت نائمه يا حبيبتي ؟.
اجابت نور ببعض الشرود فهي لا تعلم كيف غلبها النعاس .. بعد أن فضلت المذاكرة على اخذ قيلولتها المعتادة :
- اعتقد ذلك .
- لقد دخلت لاتفقدك .. ورايتك تغرقين في نوم عميق .. حتى انني حاولت ايقاظك حتى تعدلي من وضعيتك الغير مريحه .. ولكني لم افلح ابدا .
رفعت نور حاجبيها باندهاش واضح فهي لم تكن ابدا من هذا النوع من الاشخاص الذين لا يشعرون بمن حلوهم اثناء النوم .. بل انها كانت تفيق من ابسط صوت يصدر بجانبها :
- غير معقول !.
- بلى .. لقد اضطررت الى التربيت على كتفك .. ولكن كان يبدو عليك الارهاق يا حبيبتي .. لا تجهدي نفسك كثيرا في المذاكرة واعطي جسمك ما يستحقه من الراحة .
- حسنا يا امي .
ظلت نور تجلس على طاولة المطبخ .. وهي تشارك امها الحديث .. وتساعدها في صنع الفطائر .. لقد كان هذا وقتهما الخاص والمحبب الى قلب نور .. وكانت تستغله الى ابعد الحدود .. وتحاول أن تشرك والدتها في كل مستجدات حياتها .. من اتفه الاحداث الى اهمها .. فلطالما كانت مدللتها الدائمة .. والتي لا تمل من سماع اي شيء يخصها ..

عندما عادت الى حجرتها لتكمل استذكار دروسها .. عاودها الشرود وهي تدقق النظر الى جهازها المحمول وتلك الكتب والكراسات المتناثرة فوق فراشها والتي كانت ترقد فوقهم قبل قليل .. كيف استطاعت ان تنام في وضع كهذا .. لا بد انها ترهق نفسها بشدة كما اخبرتها والدتها .. في تلك الاثناء جائتها رسالة من حسام على الهاتف :
" مساء الخير .. صغيرتي ..
لقد انشغلت كثيرا بالأمس .. ولم استطع أن اشكر لك صنيعك معي ..
اتمنى ان تكوني في احسن حال ..
ولا تجهدي نفسك بالمذاكرة فانا اعلم مدى قسوتك على نفسك عند قرب الامتحانات ..
اتصلي بي إن احتجت لشيء .. "
كانت تبتسم بحب وهي تنقل عينيا بين السطور ..
ثم اخذت نفس عميق .. كم كانت ستتالم لو لم يكن حسام في حياتها ..
انها تدرك انه تعمد افتعال تلك الحركه بالأمس ..
انها دائما ما تشعر بالراحة لكل اراءه وتصرفاته .. وهي تحس انها بفضله قد بدأت عهد جديد مع سامح ..
اضافه الى تلك الهدنة التي فرضتها على مشاعرها .. لكي تتخلى عن حنينها لذلك الحبيب .. والتركيز في دراستها ..
لذلك هي تشعر بأن الفضل يعود لحسام الذي استطاع خلق تلك الهدنة في نفسها بكسر الحاجز الوهمي بينها وبين سامح ...


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 5
قديم(ـة) 05-04-2012, 07:15 PM
صورة ♫ معزوفة حنين ♫ الرمزية
♫ معزوفة حنين ♫ ♫ معزوفة حنين ♫ غير متصل
©؛°¨غرامي فضي¨°؛©
 
الافتراضي رد: ملاك الحب / للكاتبة : my faith




(3)
شعور بالغيرة


كان هذا الأسبوع الأخير في السنة الدراسية .. وكان الضغط على أشدة .. ما بين نسخ للمحاضرات .. والإستذكار المكثفف .. وتوتر الأعصاب ..
لم تجد الصديقتان مكاناً مناسباً لإنتظار بدء المحاضرة التالية .. سوى مشاركة فتيات الفصل الجلوس على ذلك الدرج الواسع في ساحة الكلية ..
كانت رهف تحرك الملزمة التي بين يديها بعصبية وهي تجلس بين الفتيات :
- كلية بمثل أهمية كليتنا ولا يوجد بها مكان مناسب للجلوس ؟.
كان حديث رهف بمثابة شرارة جديدة خلقت زوبعة من النقاش بين فتيات الفصل .. فلا يستطيع المستمع معرفة من تكلمت .. ومن ردت على من .. كان نقاشهن رغم تعدد أطرافه .. إلا أنه يظهر مدى ترابطهم .. ولطف العلاقة التي تجمعهم :
- لقد اشتدت الحرارة هذه السنة .
- ماذا ؟.. حرارة ؟.. لم تري شيئا بعد يا حبيبتي ..
ضحكت الفتيات .. وقالت إحداهن بضيق :
- متى سينقلونا إلى مبنى كليتنا الجديد .. في منطقة الشعب .
هنا صرخت نور معارضة :
- لا .. أنا لا اود الإنتقال .. فأنا أحب هذا المبنى .
- مؤكد .. فهو بجانب بيتك يا نور .
اضافت رهف :
- لا تتخاصموا .. فهم لن ينقلونا إليه بسهولة .
- هذا صحيح .. مرت سنين وهم يعدون من كانوا قبلنا بمجر بناءه .
أردفت أخرى مازحة :
- وعندما انتهوا منه .. جعلونا نتفرج عليه ..
- مؤكد أنهم يملكون أسبابهم الخاصة .
- وماهي هذة الأسباب يا أستاذة أحلام ؟.
كانت نور لا تستطيع تقبل هذه الفتاة وتحاول تجنبها قدر المستطاع .. فهي تتصنع الرقة والدلال .. ودائمة الحديث عن نفسها .. وعن كثرة معجبيها الذين تتوهمهم .. تولت إحدى الفتيات حسم النقاش :
- أنتم لا تعلمون آخر الأخبار التي سمعتها .
ردت عليها رهف بسخرية :
- عدم توفر كل المعدات المطلوبة .
- لا .. بل لأن المبنى مسكون ..
لم تستطع نور تمالك نفسها من الضحك .. كغيرها من الفتيات .. وتساءلت :
- ما به المبنى ؟.
- مسكون ..
عادت الفتاة تدافع عن الإشاعة التي تنقلها .. بحماس :
- لقد سمعت هذا الخبر قريبا .. بأن عمال البناء .. كانوا يشعرون باشياء غريبة أثناء اداء عملهم .. وفسروا ذلك بأنه قد يكون مسكوننا بالجن ..
- ربما .. خصوصا أن المنطقة نائية بعض الشيء ..
تساءلت رهف بإستغراب :
- وماهو الرابط العجيب ؟.. فحتى وإن كان ما تقولينه صحيحا .. مؤكد أنه سينتهي ما إن نباشر دراستنا فيه ..
أجابتها الفتاة مبتسمه :
- إن دكاترة كليتنا هم من رفضوا الذهاب .
- مع أنهم أقدر الناس على طرد إبليس بنفسه .. وإشعاره بالضجر .
توقف الحديث بينهم لبرهة .. عندما خرج ذلك الشاب الأسمر الجذاب من سيارته الحمراء واخذ يحرك اصابعه بخفه فوق ازرار هاتفه .. وقفت نور كمن قرصها عقرب عند رؤيته .. وشاعت فرحة صادقة على ملامحها الطفولية .. ثم هتفت وهي تهم بالتقدم منه :
- حسام ..
ما هي إلا خطوات معدودة حتى اصبحت تقف خلفه وتحدثه ممازحة .. عندما كان هو يرفع هاتفه نحو اذنه :
- بمن تحاول الإتصال ؟.
التفت إليها حسام .. فلم يكن قد لاحظ اقترابها منه :
- صغيرتي .. كيف حالك ؟.
- أنا في احسن حال .
ثم رفعت حاجبها وهي تتساءل بجدية :
- هيا .. قل لي من تكون ؟.
- من ؟.
اجابت وهي تغمز له بعينها .. محاولة إحراجه :
- تلك التي تكبدت من أجلها عناء المجيء .. وكنت تحاول الإتصال بها .
ابتسم حسام .. تلك الإبتسامة الساحرة والتي كانت نور متأكدة من أنها تخطف الأبصار لشدة جاذبيتها .. رفع هاتفه نحوها حتى ترى اسمها على الشاشة :
- آه .. حقا .. لا اصدقك أيه المخادع .
- ومن لدي غير صغيرتي حتى أهتم به ؟.
كانت رهف قد اصبحت بجانبهما والقت تحيتها نحو حسام بوجها الباسم جميل الملامح :
- مرحبا بك يا حسام ..
اجابها حسام بحياء :
- مرحبا يا رهف .. كيف حالك ؟.
ثم تدارك متساءلا :
- وكيف هي أمورك مع أحمد ؟.
علت حمرة خفيفة وجنتاها عندما سمعت اسم خطيبها الغائب .. ذلك الحبيب الذي تعيش معه دوما لوعة الفراق :
- الحمد لله .. نحن في أحسن حال .. لقد كان هنا قبل أيام وابلغناك سلامنا مع نور .
رسمت نور أعرض إبتسامة مشاكسة على وجهها وهي تنظر نحو حسام مبررة :
- لا بد أن الإنزهايمر المبكر الذي اعاني منه هو السبب .
أيدتها رهف :
- هذا شيء متوقع منك .. اسمع يا حسام .. بما أنك طبيب .. يجب أن تخترع دواء يعالجها من هذا التوهان الذي تعيشه .
ابتسم حسام وهو يعدها :
- حسنا سابدل قصار جهدي .
ثم وجه كلامه لنور :
- هل يمكننا الذهاب الآن صغيرتي ؟.
- إلى اين ؟.
- إلى بيتنا .
تساءلت نور بقلق :
- هل حدث مكروة ما لعمي ؟.
- لا صغيرتي .. ولكنه كان مشتاقاً لك .. وشعرت بالأمس بأنه مستاء من هجرك لبيتنا .
شردت نور قليلا .. فهي لم تعد تحس بالراحة عند دخولها بيت عمها صلاح بعد انفصالها عن إبنه .. قطعت رهف شرودها مشجعة :
- هيا اذهبي يا نور .. ولا تحملي هم المحاضرة .. غدا سنلتقى كما تواعدنا وساشرح لك محتواها .
أضاف حسام مقنعا :
- لقد اتصلت بالخالة حياه قبل مجيئي .. واخذت لك اذناً منها بأن تقظي اليوم معنا .
استسلمت نور تحت وطأت الحاحهما .. كما أنها كانت شديدة الإشتياق لعمها .. والذي لم تعد تكفيه اتصالاتها المتباعدة به :
- حسنا .. انتظرني قليلا حتى اجلب اشيائي .
ثم وجهت حديثها نحو رهف وهي تهم بالذهاب :
- إذا احضر خالد كراستي .. احتفظِ بها حتى القاك غدا .

الآن فقط .. استطاعت نور رؤية ذلك الفضول البادي على وجوه فتيات فصلها .. عندما تقدمت منهم وجمعت ملازمها وودعتهم .. لا تعرف لماذا لم يرقها نظراتهم نحو حسام .. ولكنها سرعان ما تجاهلت الأمر عندما كانت تجلس بجانبه في السيارة.. قطع الصمت متسائلا ببساطة :
- من هو خالد هذا ؟.
- إنه زميلنا .. ولقد كان شريكنا أنا ورهف في المشروع .
عاد حسام يسأل بفضول :
- ولكنك لم تخبريني عنه من قبل ؟.
- لم تاتي فرصة لذلك .
طال صمت حسام .. وظلت هي تترقب متابعته للحديث حتى تحدث اخيرا :
- وهل هو شاب مهذب ؟.
ابتسمت نور باستغراب :
- ما بك يا حسام .. وهل كنا سنقبل اشتراكنا معه إن لم يكن كذلك ؟.
عادت تحدثه بحماستها المعهودة .. محاولة وصف خالد له :
- إنه أيضا شاب لطيف .. وكل الفتيات لا يجدون حرجا في سؤاله عن أي شيء .. بسبب تعامله المحترم معنا .
لم يضف شيئا على حديثها .. واستمر الاثنان يطرقان شتى المواضيع .. ماعدا موضوع خالد الذي احست بعدم ارتياح حسام الغير مبرر له .. مما جعلها تحتار .. فهو لم يكن ابدا يمنعها من مخالطة الشباب .. في حدود الزمالة ..
عندما توقفت سيارته أمام المنزل .. بدأ نبضها بخوض سباقه المعهود كلما شعر بإحتمال رؤيتها لسامح .. في البيت لقيت ترحيب حار من عمها .. وشعرت بالخجل جراء تقصيرها نحوه .. ثم نظرت لحسام بإمتنان .. إذ رد نظرتها بإبتسامة حنونة .. فلطالما كانت لدية القدرة على قراءة عينيها وما يجول في فكرها ..
احتضنتها العمه هدى بصدق هي الأخرى .. مما زادها احساسا بالمدة التي غابتها عن هذا البيت الذي كان يكتنفها دائما في أيام الإجازات منذ أن كانت صغيرة .
لم يكن ينقص سوى سامح .. لكي يتشارك الجميع طعام الغذاء .. وما أن وصل دخلت نور مسرعة بعد أن ردت تحيته التي ألقاها على الجميع .. لتساعد زوجة عمها في إعداد المائدة .. لم تستطع تناول الكثير من طعامها مع إحساسها بتلك النظرات الصامته التي كان يخصها بها .. إضافة إلى شعورها بالحياء بسبب ذلك الإهتمام المبالغ في إطعامها من قبل حسام والعم صلاح .. حتى أن زوجة عمها أيضا كانت تحثها على تناول المزيد .. لابد أنها لاحظت توتر العلاقة بين نور إبنها في الفترة الأخيرة .. مما جعلها أكثر راحة في التعامل معها الآن .. فسامح هو الإبن المدلل للعمة هدى .. ومنذ أن شعرت بميوله نحو نور حتى بدأت تقيم حرب صامته عليها .. فمؤكد أن نور لم تكن كافية بالنسبة لإبنها الحبيب ..


كان شعورها بالغربة يزول تدريجيا مع إنقضاء الوقت وهي تجلس بجانب عمها الذي يلف ذراعه حول كتفيها .. ويستمع لحديثها اللطيف .. ويضحك بين الحين والآخر لما تفتعله من شغب مع حسام .. حتى أنها نسيت توترها من وجود سامح في نفس المكان .. ولقد لاحظت أنه كان يتحجج بين الحين والآخر حتى يدخل إلى حجرة الإستقبال التي كان يجلس فيها الكل .. ليشاركهم الحديث في بعض المواضيع .. لم تكن تصدق مدى مهارتها في التعامل معه .. ولقد شعرت بقربة الطبيعي منها .. مثلما كانا دائما .. مما زادها رضا .. كم كانت تفتقد هذا الجو الملئ بالحب ..
وفي المساء سمعت زوجة عمها تتذكر وهي تنبه سامح :
- ألم تكن تنوي الذهاب للدراسة مع زملائك ؟.
ارتبك قليلا وهو يجيبها :
- آه .. نعم .. ولكنهم اجلوا الموعد .
ثم نظر إلى ساعته التي كانت تشير إلى السابعة والنصف مساءً ووجه حديثه لأخيه :
- سوف اذهب الآن .. هل يمكنني أخذ سيارتك يا حسام ؟.
وقبل أن يجيبه .. وجهت له نور سؤال آخر :
- لما لا توصلني إلى البيت أولا ؟.
عرض حسام ببساطة وهو يرمي المفاتيح نحو سامح :
- لما لا تتولى أنت مهمة إيصال اختك ؟.
كادت الدهشة أن تفضح اضطراب كليهما .. ولكن سرعان ما تدارك هو الموقف .. إذ اخذ المفاتيح وقال لها :
- سوف انتظرك في الأسف يا نور .. لا تتاخري .
وقفت هي لتودع عمها وزوجته .. بعد أن تلقت توبيخا منه بسبب غيابها .. عندما كان يقبل راسها :
- لا تجعليني أقلق عليك يا ابنتي .. أم تريدينني أن احضر بنفسي وأختطفك من الكلية مثلما فعل حسام اليوم ؟.
أجابته بخجل :
- العفو يا عمي .. ولكنك تعلم مدى انشغالنا .
أيدتها العمة هدى :
- معك حق يا حبيبتي .. فأنا أرى كيف تجهد الدراسة سامح .. ولكن يبدو أنها تؤثر في وزنك وصحتك أيضا .
قاطعها حسام مجيبا :
- لابد أنها تسعى لتشويه سمعتي كطبيب لا يحافظ على سلامة أسرته .
كانت نور لا تزال تحت تأثير تلك المفاجاءة التي قام بها حسام .. فلم تستطع الإجابة إلا بإبتسامة مهزوزة ثم توجهت نحو باب الخروج بصحبته .. وعندما شعرت بالإطمئنان إلا خلوتهما .. عاتبته بحدة :
- ما الذي كنت تفكر فيه يا حسام ؟.
- ماذا ؟.
- ألم يكن بمقدورك ايصالي ؟.
- بلى .. ولكن ما الذي يمنعك من الذهاب برفقة سامح ؟.
- أنت تعرف ما الذي يمنعني .
ابتسم لها بحب محاولا تخفيف توترها :
- هيا صغيرتي .. لاتبالغي كثيرا في ردود افعالك .. ودعي الأمر يمر بسلام .
تعالى صوت بوق السيارة .. تعبيرا عن نفاذ صبر سامح .. الذي لم يكن يحب الإنتظار .. فأسرعت تسابق الدرج وهي تشير لحسام بسبابتها مهددة :
- لا تعتقد أنك نجوت بفعلتك هذه .. وحسابي معك لاحقا .

صعدت السيارة .. وهي تدعوا الله أن لا يلحظ تلك الرعشة السارية في اوصالها .. فهي تكره أن تظهر بمظهر الضعف أمامه .. لم تشعر إلا والمناظر تتحرك أمام عينيها فور صعودها بجانبه .. وظلت تحول نظرها عنه حتى بدا لها ذلك المشهد الذي لا تمل منه ابدا .. لقد كان ذلك الإرتفاع المسمى بطريق العقبة .. والذي يفصل مدينة عدن عن المعلا .. يمثل أحب الأماكن إلى قلبها .. فبأسفله يستقر بحرها الجميل بصفاءه وزرقة مياهه .. وما أجمله الآن في سكون هذا الليل .. والأنوار البرتقالية تتلألأ حوله وكأنها تكلله بتاج من ذهب .. وهذا القمر الثلجي الذي يطرزه بخيوط فضية .. ليظهر بريقه كأجمل لوحة فنية خيالية الألوان ..

لم تشعر بأن سامح كان يحول نظره إليها بين الحين والآخر .. إلا أن قطع الصمت :
- هل حضّرتِ نفسك للإمتحانات ؟.
غيرت من وضعيتها عندما أجابته .. فوضعت يديها على حجرها ونظرت إليه لبرهة ثم إلى الطريق أمامها :
- نعم .. وأنت ؟
ابتسم لها :
- لقد انهيت امتحاني منذ مدة .. فنحن طلاب السنة الأخيرة نؤدي إمتحاننا قبلكم لكي نتفرغ لمشاريع التخرج .
لم تكن تعرف هذة المعلومة من قبل .. ولكنها لم تجد في عقلها المضطرب شيئا تضيفه .. فعاد هو يتسائل بنبرة جادة بعض الشيء :
- من ذلك الشاب الذي كنتِ تتحدثين معه ؟.
كادت أن تفلت تعابير دهشتها .. ولكنها أجابت بهدوء بالغ :
- إنه زميلي خالد .
هُياء لها أنها لمحته يضغط على اسنانه بعصبية :
- وما الذي سمح له بالوقوف معك ؟.
بدأت تشعر بالغضب .. ما بالهم اليوم يضايقونها بسبب زمالتها لخالد .. ذلك الشاب المهذب والذي لا تجد حرجا في نفسها من تعاملها معه .. لابد أنهما اتفقا على اغاضتها .. ولكنها عادت تسأله مصطنعه اللامبالاة :
- وما هو سبب فضولك ؟.
زفر بسخرية من أنفه .. ثم عاد يتساءل مما زاد حرقه لأعصابها :
- وهل تصعب عليك الإجابة ؟.
- طبعا لا .. ولقد قلت لك مسبقا إنه زميلي .. ونحن نتشارك معه أنا ورهف في تقديم مشروعنا هذا الفصل .
- وهل هذا المشورع كبير عليكما حتى تحتاجان لمساعدته ؟.
رفعت حاجبها بعناد وهي تشد على كلامها وتنظر إليه بملئ عينيها :
- أنا لم اقل أنه يساعدنا .. بل قلت يشاركنا .
لم يتستطع سامح التمسك بأسلوبه المستفز في الحوار عندما نظر إلى تلك العينين السوداوين والتي تكمن فيهما فتنة ساحرة .. لطالما اشتاق إليه .. كانت السيارة قد توقفت أمام بيتها .. واستدار هو ليواجهها محاولا احتضان يدها بين يديه .. ولكنها سرعان ما اختطفت يدها قبل أن يمسها .. وخرجت مسرعة وهي تلقي بتحية خافتة دون أن تنتظر رداً عليها .. لقد اغضبها حقا .. فبعد كل تلك السخرية .. يحاول لمسها .. كيف تجرأ على فعل ذلك .. وهو يعلم مدى استياءها من مثل هذة الأفعال ..
دخلت الى البيت دون أن تسلم على والدتها كعادتها .. وأتجهت مباشرة إلى حجرتها وراحت تخلع عباءتها وحجابها .. وتوجهت بعصبية نحو الحمام .. لتنعم بكمية كافية من المياة الباردة .. والتي مؤكد ستساهم في إزالة كل ما عانته من توتر خلال هذا المساء ..
عندما خرجت كانت والدتها تنتظرها في الحجرة :
- كيف كان يومك يا حبيبتي ؟. هل استمتعتي ؟.
اجابت باقتضاب غير معتاد منها :
- نعم .
ثم اردفت مبررة بعد أن رأت أمارات قلق ترتسم على وجه والدتها :
- ولكنه كان يوما مرهقا جدا .. حتى أنني اشعر بنعاس شديد .
قبلتها الأم وهي تخرج :
- فالتصبحي على خير يا بنتي .
- وأنت من أهل الخير .

لم تكن تكذب عندما قالت أنها تشعر بالنعاس .. ولكن مشاعرها المشتعلة .. لم تسمح لها أن ترتمي بسلام في حضن النوم ..فكانت تحس بأنها ترقد فوق جمر .. وظلت تصارع الأرق مدة طويلة من الليل ..

كم هو مشابه ذلك الموقف الأخير معه .. ليوم أن صرح بحبه لها ..
كان سامح قد أخبرها في ذلك الوقت بأنه يعيش قصة حب جديدة .. ولكنه لم يرضا بالبوح بإسم حبيبته كما كان معتاداً أن يشركها بجميع أسراره .. منذ الصغر .. وإنما ظل يعطيها إشارات وتلميحات طول الأسبوع عن شكلها وأخلاقها .. كانت تدرك بإحساس الأنثى أنها هي المقصودة بكلامة .. فما الذي يمنعه هذه المرة بالذات من معرفتها للفتاة .. إضافة إلى تصرفاته الغريبة معها منذ فترة .. ولكنها أيضا كانت تطرد تلك الأحاسيس فهي لم تكن تستطيع التفكير به سوى كأخ وصديق طفولة .. لم تكن تجد مبرر لذلك الإنقلاب في مشاعره نحوها ..
وأخيرا عندما قرر أن يفصح عن حبه لها .. كان يوصلها بسيارة والده بعد أن كانت في زيارتهم .. ظل يعطيها مزيدا من التلميحات عن فتاته .. وما إن توقفت السيارة أمام بيتها .. استدار نحوها قائلا :
- إنها تضع اسوارة فضية حول معصمها تحمل قلب صغير عليه حرف اسمي .
انفجرت نور ضاحكة وهي تمازحة :
- حقا .. لم يكن هنالك بد من هذا التوضيح الخطير .
لم يتجاوب هو مع ضحكتها .. وظلت عيناه البنيتان تركزان نظرهما على وجهها الملائكي البريء .. وأمسك يدها اليمنى .. فأخمدت لمسته كل حماستها المرحة .. واحمر خداها خجلا .. في الوقت الذي لم تستطع أن تجد طريقة لطيفة لتسحب يدها من بين يديه .. ولكنه كان قد أخرج شيئا من جيبه بهدوء .. ثم راح يضع اسوارة فضية حول معصمها يتدلى منها قلب صغير منحوت عليه حرف اسمه بالإنجليزية .
لقد كانت تلك الحركة الخفيفة لأنامله حول معصمها .. والتي لم تستغرق سوى ثوانٍ .. سببا في قلب كيانها كله .. لم تعد تستطيع السيطرة على اياً من أعضاءها .. ولم يكن قلبها هو المتمرد الوحيد عليها في ذلك اليوم .. لقد شاركه جسدها كله في انتفاضته .. اطرافها الباردة .. وساقاها المهزوزان .. صوتها المرتعش .. والذي امتنعت عن استخدامه حتى لا يفضح ارتباكها .. ولم تستطع سوى الهرب منه مثلما فعلت اليوم .. ولكن مع اختلاف الإحساس طبعا .. ففي ذلك اليوم لم تنم أيضا لأنها كانت تفكر بذلك الحبيب القريب منها .. والذي علقت عليه أمالها منذ أول يوم .. وظلت تتوهم أنه أكثر الأشخاص معرفة بها .. وأنه مؤكد في حبه لها سيحرص عليها اكثر من حرصها على نفسها .. فكانت تعيش معه حقيقة أن الحب أعمى .. أعمى عن غيره من الشباب .. وأعمى عن رؤية أكبر اخطاءه ..
لقد ارسل لها رسالة في اليوم التالي يخبرها بقلقه من ردة فعلها .. وبأنه يكفيه أن يرى اسوارته حول معصمها ليدرك قبولها بحبه ..
راحت نور تتحسس معصمها الأيمن بأنامل يدها الأخرى .. باحثه عن تلك الاسوارة التي لم تخلعها منذ ذلك اليوم .. لم تكن تجد سببا لتعلقها بها .. حتى بعد انفصالهما .. هل هو استمرار حبها له .. أم تعودها على وجودهما في حياتها ..
نهضت نور بفزع بعد أن فشلت في لمس اسوارتها .. واضاءت ضوء الحجرة وراحت تبحث في ارجاءها .. وفي حقيبتها .. كادت أن تقلب البيت بحثا عنها .. لولا أن نبهت نفسها لتأخر الوقت .. فعادت باستسلام مؤلم تصارع الأرق .. وتستعين عليه بدعائها المعتاد ..

-------------------

أين أنا .. ما هذا المكان الموحش .. ولماذا يلفني الظلام من كل إتجاة .. ولما هنالك جزء بداخلي يشعرني بغرابة ما أحسه الآن .. مؤلم عندما تدرك بأنك تائه لا تعي المكان ولا الزمان .. وكأنك فصلت عن عالمك .. دون سابق إنذار .. ولا تملك سوى يقينك بأن هنالك شيء غير حقيقي في هذا الظلام .. رغم ذلك فهو يشدني إليه دون رحمة .. ولكني يجب ألا استسلم .. أن اجاهد .. فهذا لن يكون مكاني ابدا .. أنا لا انتمي إلى هذة الظلمة ولم أخلق لها .. نعم .. فأنا أدرك .. بأنني أمتلك القدرة على المقاومة .. على الصراع .. على التغلب .. حتى أفلت من قبضة ذلك المجهول ..

فتحت نور عينيها ببطء لتجد نفسها تجلس بهدوء تام .. واضعة مرفقها على النافذة مسندة رأسها بيدها ومحوله نظرها نحو الخارج .. رمشت بإرتباك شديد تحت وقع نبضها المتسارع .. لم يشعر بغفوتها أحد من ركاب تلك الحافلة المتجهه لمدينة المنصورة .. فحركتها الساكنة منذ صعودها لم تشعرهم بالريبة .. ولكن هي من كادت تجن عندما بدأت تميز وتعي لتلك المعالم التي تمر أمامها .. طرقت المساحة التي تعلو نافذة الحافلة .. كما هو متعود .. لتنبئ السائق برغبتها في النزول .. وما هي إلا ثواني حتى كانت تسلك الإتجاة المعاكس لمرور الحافلات .. فيبدو أنها تجاوزت بيت رهف بمسافة .. أيعقل هذا .. مؤكد أن هنالك شيء غريب يحدث معها .. كانت تفكر بشرود في ذلك الطريق البحري الذي يصل منطقة المنصورة بالمعلا .. مؤكد أنه طويل بعض الشيء .. ولكن هل بلغ بها الإرهاق الدرجة التي تجعلها تنام خلاله .. تنهدت نور محاوله إزالة ذلك الحزن الرابض فوق قلبها بإصرار ..
وعندما وصلت إلى بيت رهف كادت ألا ترى والدها الذي كان يقف خارج البيت أمام سيارته :
- كيف حالك يا خال ؟.
شاع السرور وجهه عندما رأى صديقة إبنته اللطيفة .. ذات الأخلاق العالية :
- كيف حالك أنت ايتها المهندسة ؟.
تقبلت ذلك الترحيب بهزة من رأسها .. وبإبتسامة خفيفة تشك بأنها ظهرت للعيان .. فلم تكن في حالة تسمح لها بمزاحها المعتاد مع والد صديقتها .. فأسرعت تسأله عن رهف حتى يدعوها للدخول إلى البيت .. بعد أن تبادلت التحيه مع رهف ووالدتها واختها الصغرى .. توجهتا إلى حجرة رهف لبدء المذاكرة ولم يصعب على صديقتها الحساسة إدراك ذلك الشرود الذي يسيطر على نور منذ أن دخلت :
- ما بك يا نور ؟.
لم تجبها منذ الوهلة الاولى :
- ماذا قلت ؟.
- كنت أسألك عن سبب هذا الشرود ؟.
هزت نور رأسها بالنفي :
- أي شرود ؟.
رمقتها رهف بنظرة فاحصة .. واضافت معاتبة :
- هل تخفين علي أمراً ؟. هل حدث شيء ما بالأمس ؟.
كان حدث اليوم أكبر بكثير من أحداث الأمس بالنسبة لها .. ولكنها أصرت قائلة :
- لم يحدث شيء .. حقا .. لماذا لا تصدقينني ؟.
كانت لا تزال غير مصدقه ولكنها تخلت عن فضولها حتى تستطيع نور مصارحتها بنفسها .. فغيرت دفة الحديث سريعا :
- هل تعرفين أنك كنت محظوظة بذهابك مع حسام ؟.
كانت نور تحاول استعادة مرحها الطبيعي :
- لماذا ؟.
- لأن الدكتور لم يحضر .. إضافة إلا أنني تلقيت مهمة الإجابة عن تساؤلات الفتيات حول حسام بدلا منك .
عقدت حاجبيها وهي تتساءل :
- أية تساؤلات ؟.
- المعتاد .. من هو ؟.. وما علاقته بك ؟.. وما طبيعة عمله ؟.. وكم يبلغ من العمر ؟.. والأهم هل هو مرتبط أم لا ؟.
زفرت نور بسخرية .. وهي تشعر بضيقها يزداد :
- وهل جميعهن شاركن في هذا التحقيق ؟.
- لا .. البعض كان يتساءل من باب الفضول .. والبعض الآخر اكتفى بالإنصات .. أما اكثر المهتمات .. والتي اعلنت إعجابها الصريح بحسام هي أحلام .
هنا صرخت نور :
- ماذا ؟.
ضحكت رهف عليها .. وفشلت في محاولة تهدئتها :
- وما الذي يغضبك انت ؟.
- ما الذي يعنيها هي بالسؤال عن حسام ؟.
عاودت رهف الضحك .. وهي تضيف تفاصيل اخرى جعلت الغضب يبلغ مبلغه في صدر نور :
- ماذا كنتِ ستفعلين إذا طاوعت رغبتها في أخذ رقم هاتفك .. بعد أن انكرت بالطبع معرفتي لرقم حسام .
- حقا إن عدم ارتياحي لها في محله .
- حمداً لله أنها لم تدّعي اعجابه بها .

لم تستطع نور الإحتفاظ بذلك الشعور الغريب والذي لم تتعوده من قبل .. وسرعان ما شاركت صديقتها الضحك .. وراحتا يستذكران دروسهما .. تارة يتملكهم الإحباط عند استعصاء فهمهمها لنقطة معينة .. وتارة أخرى يشعران بإزدياد حماسهما لمواصلة الإستذكار .. وكان هنالك تناغم غريب بينهما فنور كانت متميزة في مواد الحاسوب والبرمجة .. أما رهف فكانت تبرع في مواد الاتصالات والشبكات .. وكانهما تكملان بعضهما .
لم تكن نور قد اكملت شرح المادة عندما اوقفتها رهف بضجر :
- يكفي .
- ولكني لم اكمل بعد .
- لقد امتلأت حقا .. بل إن الأكواد البرمجية تكاد تتساقط من راسي .
ضحكت نور وهي ترى رهف تغلق الملزمة بحماس وتفتح ملزمة الشبكات :
- دعيني أُفهمك أولا ما استطعت إستذكاره بالأمس .. وإن بقي لدينا وقت سنعود لتلك الطلاسم والحروز .
كانت رهف تملك اسلوبا سلسا في الشرح .. فعقل نور لم يكن يتقبل أبدا كل ما له علاقة بالفيزياء .. ولكن مؤكد أن صديقتها كانت تملك قدرات سحرية لإدخال ذلك الكم من المعلومات إلى دماغها دون عناء .. وبعد أن إنتهت رهف من الشرح .. قالت لها مازحة :
- حمدا لله .. إنني لن اضطر لإستئصاله ؟.
رمقتها رهف متساءله :
- استئصال ماذا ؟.
- عقلي .. فيبدوا أنه عاد للعمل مجددا ..


كان هذا آخر يوم دراسي عندما دخلت الكلية .. فوقع نظرها على ذلك الشاب الجالس بجانب فتاة في إحدى أركان الساحة المنزوية تظللهما بضعة شجيرات .. لم يكن ذلك المنظر جديداً عليها .. ولكن ما جعل الدم يتصاعد إلى وجهها هو رؤيتها للشاب يلقي بيده خلف ظهر الفتاة ويداعب بأناملة خدها .. ضغطت على أسنانها .. ثم قالت وهي تشيح بنظرها عنهما :
- أهذا منظر لائق بطلبة جامعة ؟.
لم تعي رهف التي كانت تسير بجانبها ما تقصده .. ولكنها سرعان ما فهمت بعد أن رأت حركة ذلك الشاب .. وعادت تحدثها مبررة :
- نور .. يبدوا أنهما مخطوبان .. فهنالك دبل في إصبع كلٍ منهما .
رفعت نور حاجبيها بإستغراب :
- وهل هذا مبرر .. فحتى وإن كانت زوجته .. لو كان يحترمها .. لما تصرف معها بهذا الشكل المهين أمام الناس .
أيدتها رهف مازحة :
- معك حق .. ويبدو أن نظرية أحمد عن آخر الرجال صحيحة .
إنفجرت نور ضاحكة دون أن يكون لديها سابق علم بتلك النظرية :
- وما هو محتواها ؟.
- إنه يقول إن شباب هذة الأيام لا يستطيع تحمل المسئولية .. ويعتبر أن الحياة مجرد متعة ولهو .. وأن آخر الرجال هم مواليد عام 1986
عاودت نور الضحك متسائلة بمتعة من حديث صديقتها :
- ولماذا هذا العام تحديدا ؟.
إبتسمت رهف وهي تجيب :
- لأنه هو من مواليد هذا العام .
- كان يجب أن استنتج ذلك بنفسي ؟.

دخلت نور القاعة .. وهي تفكر بمدى حب الله لها .. إذ احاطها بأناس بمثل حنان صديقتها وطيبة روحها .. فلطالما امتلكت رهف القدرة على تغيير مزاجها .. ومحاربت هموم قلبها ..
بعد انقضاء آخر لحظات التعذيب في هذة السنة الدراسية .. اخرجت نور هاتفها لكي تعيده إلى الوضع النشط بعد أن كان صامتا بسبب المحاضرة .. فاندهشت من رؤية عدد المكالمات المستلمة من سامح .. وفي نفس اللحظة وقبل أن تخبر رهف بذلك .. رن هاتفها معلننا عن اسمه .. فوقفت مشدوهة دون حراك .. رداً على إلحاح ذلك الرنين الصادر من هاتفها ..



الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 6
قديم(ـة) 05-04-2012, 07:16 PM
صورة ♫ معزوفة حنين ♫ الرمزية
♫ معزوفة حنين ♫ ♫ معزوفة حنين ♫ غير متصل
©؛°¨غرامي فضي¨°؛©
 
الافتراضي رد: ملاك الحب / للكاتبة : my faith




(4)
ذكرى



- مابك لاتردين على الهاتف ؟.
لم تجب نور على صديقتها التي كانت تنظر لها باستغراب .. ولكنها أسكتت ذلك الرنين المتزايد معه نبض قلبها .. بعد أن استطاعت ضبط أعصابها :
- مرحبا .
جاءها صوت سامح قائلا بتلقائية :
- مرحبا يا نور .. هل أنت في الكلية ؟.
- نعم .
- هل يمكنني أن ألقاك إذا ؟.
أجابته دون تفكير .. متمنية أن تساعدها خطوط الهاتف في عدم إظهار أرتباكها الشديد :
- حسنا .. سأكون في الساحة بعد قليل .

تسائلت رهف ما أن أغلقت الهاتف :
- من كان هذا ؟.
أجابتها وهي لا تزال شاردة :
- إنه سامح .. ويود لقائي الآن .
- حقا .. ماذا يريد منك يا ترى ؟.
قلبت نور شفتها ورفعت كتفيها .. ثم عادت تقول لرهف وهي تقبلها مودعة :
- أنا سأذهب وأراه .. من ثم ساعود إلى البيت .. في أمان الله حبيبتي .. واستذكري دروسك جيدا ..
ردت عليها رهف بإستسلام :
- حسنا إلى اللقاء .
كانت نور لا تملك أدنى فكرة عن سبب هذا اللقاء .. كما أن عقلها كان خاليا من أي أسباب تدفع سامح ليطلب لقاءها .. ولكنها ذهبت إليه مثلما وعدت ..
وجدته في أحد أركان تلك الساحة الواسعة ينتظرها .. واصلت تقدمها نحوه .. واحست كأنها تقترب من كتلة من الجليد .. فهي لم تعرف سببا آخرا لتلك البرودة التي تشعر بها .. عندما أصبحت أمامه حاولت إيجاد تبرير لتلك الفرحة المشعة من ملامح وجهه الوسيم .. تحدث هو أولا وإبتسامة مشرقة تعلو شفتيه :
- كيف حالك يا نور ؟.
- الحمد لله .
مد لها قبضة يده المضمومة :
- خذي ..
ظلت تنظر إليه والإستغراب يعقد حاجبيها .. فإبتسم لها مطمئنا وشجعها بإيماءة من عينيه البنيتين .. ففردت كفها ببطء ودون وعي منها .. في حين أن أفلت هو ما كان يحويه في قبضته .. سقطت تلك الإسوارة الفضية ذات القلب الصغير لتستقر على راحتها وبين أناملها .. إتسعت عينيها بدهشة لم تستطع السيطرة عليها .. أردف سامح ببساطة :
- لقد اصلحتها لك .. فيبدو أن قفلها كان مكسورا .
لقد كانت الكلمات تتعثر على لسانها .. ولم تستطع حتى النظر إليه .. فعاد هو يرجوها ولكن بصوت خافت ملؤه الشجن :
- لا تفقديها مرة أخرى يا نور ..
هنا رفعت عينيها إليه .. محاولة أن تجد بين الحروف الأبجدية ما هو مناسب لخلق جملة مفيدة .. ولكنها عادت تحولهما نحو تلك الإسورة التي ماتزال بين أناملها الممدودة .. لقد كانت فرحته المتراقصة في عينيه .. وذلك الحب الساكن فيهما .. أكبر من أن تتحمله ..
إبتسم لها بود وهو يودعها :
- إلى اللقاء الآن .. انتبهي لنفسك .. واهتمي بدروسك .
مؤكد أنه يدرك مدى ارتباكها .. فخديها المتوهجان كانا أكبر دليل على ذلك .. ولقد تولى هو منذ الوهلة الأولى إدارة ذلك الحديث .. ولم ينتظر منها حتى ردا على وداعه .. وابتعد عنها بهدوء .. تاركا إياها تغرق في بحر من الحيرة ..
كيف وصلت تلك الإسوارة إليه ..
ولماذا يعاملها بهذا اللطف .. بعد أن قرر هو قطع كل صلة بينهما إن لم تكن حبا ..
ولما تلك الفرحة البادية عليه ..
لابد أنه قد تأكد الآن من استمرار حبها له .. هل هو سعيد بذلك .. أم أن ذلك قد ارضا غروره ..
كم هي حمقاء كيف وقفت هكذا من دون كلام .. لقد اعطته سببا آخر ليدرك أنها ماتزال تحبه ..

أخذت نور نفسا عميقا حملته كل توترها .. وعادت تجر رجليها نحو البيت كمن هزم في معركة .. في الطريق أعادت الإسوارة إلى معصمها دون وعي منها .. وكأنه مكانها الطبيعي .. ومع صفاء ذهنها بدأت تجد إجابات لتلك الحيرة التي تتملكها ..
لابد أنها أفلتت إسوارتها في بيت عمها .. أو ربما في سيارة حسام ..
حاولت جاهدة أن تنزع من فكرها أي شيء يتعلق بسامح .. لكن دون جدوى ..
فيبدو أن ذكرياتها معه أقسمت على ألا تتركها تكمل يومها بسلام ..

عندما كانت تجلس في البيت على سريرها والكتب والمراجع متناثرة حولها .. لم يكن عقلها يستوعب شيئا من تلك السطور ..
لقد كانت الأحرف تتحرك على الأوراق وترسم وتجسد كل ما عاشته مع سامح ..
كيف كانت نظراته المليئه بالإعجاب تدخل الغرور إلى نفسها ..
فلقد كان دائم التغزل بها .. ويشعرها في كل لحظة بأنها أجمل فتاة رأتها عيناه ..
كان دوما عندما يجدها تجلس على جهاز الحاسوب يباغتها من الخلف متحججا بأنه يود استخدامه .. واضعا يده فوق يدها التي تمسك بالفارة .. كانت تصرفاته تلك تخجلها كثيرا .. وتشعرها أيضا بعدم الرضا ..
ولكنه كان عنيدا جدا في حبه لها .. ولا يستمع ابدا لزجرها .. او تانيبها إياه ..
كان يشعرها بأنها ملكه .. وإنها مستحيل أن تكون لغيره ..
كم كان يخبرها بأنه سيحبها دوما .. وأنه لن يمل من رؤية عينيها الفاتنتين أبدا ..

اسندت نور رأسها على حائط حجرتها مغمضة العينين .. وهي تجاهد تلك الذكريات التي تلهب أحاسيسها الرقيقة ..
في تلك الليلة .. حلمت به .. لم تكن المرة الأولى ولكن هذا الحلم كان مختلفا .. كان حقيقيا .. كانت ترى وتشعر بكل التفاصيل فيه .. لقد حلمت بأنها تجلس بجانبه في بيت عمها .. وكان الوضع بينهما مثلما هو الآن .. ولكن مع اختلاف واحد وهو أنهما يمزحان مع بعضهما ..
قال لها وهو يأخذ كراسة وقلم :
- دعيني أذكر لك كل الفتيات التي عرفتهم في حياتي ..
أجابته بإبتسامة مشاكسة .. فعاد يقول لها :
- سأبداء بكتابة اسم أصدق حب عشته ..
هنا بدأ نبضها يتسارع كما يحدث في واقعها وكانت تحدث نفسها .. هل ياترى سيكتب اسمي .. غير معقول أن يملك الجرأه لفعل ذلك .. ولكنها لم تستطع سوى التطلع إلى ما تخطه يده .. بعد أن كتب أول اسم .. زال قلقها وضحكت بمرح وهي ترى اسماء فتيات مشهورات في عالم السينما تملاء السطور .. ولكنه عندما أحس بزوال توترها .. كتب لها في إحدى الأسطر ( وأنت يا ملاكي ) ..
كانت لا تعرف لماذا تساقط دمعها في ذلك الحلم .. وهمت بالخروج من الحجرة .. ولكنه أمسك بها .. وبدأ يحدثها بنفس تلك النبرة التي سمعتها منه عندما طلب منها الإحتفاظ بإسوارته :
- نور .. حبيبتي .. أرجوك دعينا ننسى الماضي .. ولنبدأ من جديد ..
كانت ترى ذلك الألم في عينيه .. وكانت تود أن تحدثه .. تود أن تخبره بأنها لم تغضب منه يوما .. وأنها كانت على يقين بمجيء هذا اليوم .. ولكنها لم تستطع الكلام .. كانت عبراتها الحارة تذيب كل حروفها ..
عندما استيقظت كادت أن ترى تلك العبارة التي خطها سامح ( وأنت يا ملاكي ) .. كانت تشعر بحزن شديد .. وذلك الحنين يعذبها .. بعد أن خارت قواه أمام ذلك التحالف المعلن بين ذكرياتها وأحلامها ..

مر الأسبوع الذي يسبق الإمتحانات .. مشحونا بكل التوتر والسهر وتزاحم المعلومات في عقلها .. وفي ليلة الإمتحان .. كان القلق يتملك الجميع .. ولم تستسلم نور للنعاس إلا بعد أن حضرت كل أشياءها وتأكدت من وجود بطاقتها الجامعية .. والتي لن تدخل قاعة الإمتحان إلى بها .. وكانت تستيقظ كل نصف ساعة لتتفقد الوقت خوفا من أن تفوت وقت حضور الإمتحان .. ومع أذآن الفجر استيقظت لتصلي وتعيد الاستذكار .. من ثم توجهت إلى كليتها .. بعد أن ودعت والدتها وسالتها الدعاء .. وفور وصولها وجدت رهف :
- صباح الخير يا رهف .. هل احضرتي بطاقتك الجامعة ؟.
ابتسمت لها ردا على ذلك القلق البادي عليها :
- صباح الخير .. ونعم لقد احضرتها ..
تبادلة الصديقتين الحديث عن المذاكرة .. بعد ذلك رن هاتف نور :
- مرحبا يا حسام .
- مرحبا صغيرتي .. كيف حالك ؟
- حمدا لله .
- هل أنت مستعدة للإمتحان ؟. أنا أعرف مدى قلقك من أول إمتحان .. وأحببت أن اتصل حتى أطمئن عليك .
شكرته على اهتمامه وراح هو يحدثها .. ويمازحها حتى يبث الطمائنينة إلى قلبها .. وبعد أن أغلقت الخط رن هاتفها مجددا .. فظنت أنه نسي شيئا .. وأجابت وهي لا تزال تضحك جراء حديثه معها :
- نعم يا حسام .
- هل كنت تتوقعين اتصاله بك ؟.
كان هذا صوت سامح يتسائل بإستغراب بالغ .. أجابته بسرعة :
- نعم .. لا .. أقصد ..
أطبقت فمها .. وهي تحاول أن تهدئ نفسها أولا :
- لقد حدثني قبلك .. واعتقدت بأنه عاود الاتصال .
- آه .. حسننا .
حل عليهما الصمت قليلا .. فعادت تتساءل بتوجس :
- هل حدث شيء ما ؟.
- لا .. وهل يجب أن يحدث شيء حتى اتصل بك ؟.
لم تعرف بماذا تجيبه .. فعاد يقول لها بصوت خافت :
- ألا يحق لي الإطمئنان عليك ؟.
أجابت بنفس نبرته الخافته :
- بلى .
- إذا موفقه في إمتحانك .. وإذا احتجتي لشيء أخبريني .
ردت عليه وهي لاتزال مذهولة بهزة من رأسها .. ثم أدركت أنه لا يراها فأسرعت تقول :
- حسنا يا سامح .. أشكرك .
اغلقت الهاتف بعد أن تبادلا كلمات الوداع .. ثم أجابت تلك التساؤلات البادية على ملامح رهف :
- إنه سامح .. وهو يطمئن علي .
- يبدو أنه بداء يتغير يا نور .
سكن الحزن في عينيها الجميلتين .. مما جعل رهف تسألها بحنان :
- لما أنت حزينة الآن ؟.
- لأنني لا أعرف ما هو الشيء الذي يجمعنا .. وما نهايته .
سقطت دمعة وحيدة من إحدى عينيها .. لقد أصبحت شديدة الحساسية مؤخرا .. أو ربما هو هذا التوتر الذي خلقته الإمتحانات .. كانت رهف تشعر بألم صديقتها .. ولكنها لم تجد كلاما تواسيها به .. فمسحت نور دمعتها وهي تنظر إلى الساعة .. وتودع رهف :
- يجب أن نذهب .. لقد حان الوقت .. ولا تشغلي بالك كثيرا بي .
هزت رهف رأسها وافترقت الصديقتان كلا إلى قاعته .. مرالإمتحان بسلام .. وتوالت بعده بقية الإمتحانات ..
وفي اليوم الأخير .. كانت نور قد أكملت حل جميع الأسئلة المطلوبة منها .. وكانت معتاده بأن تكون أول من يكمل الحل .. وخصوصا في مثل هذة المادة التي تحبها .. رفعت يدها لكي تعلم المراقب بإنتهاءها .. ولكنه رفض استلام ورقتها إلى أن يمر نصف الوقت .. انزلقت نور قليلا في جلستا وأسندت خدها بيدها وهي تشعر بالملل .. وتحصي الدقائق .. متى سينتهي هذا السجن القهري الذي حكم به مراقبها ..
لا تدري من أين جاء ذلك الظلام ليشدها إليه مجددا .. وكيف يستطيع أن ينتشلها من عالمها بهذا الشكل المفاجئ .. لقد أدركت هذه المرة بأن هنالك شيء في جسدها أقوى منها .. يسلبها إرادتها .. وقدرتها على التحكم .. فما أن فتحت عينيها حتى رأت ذلك المراقب يتقدم نحوها ويختطف الملف من تحت مرفقها .. ويزجرها بعنف .. أمرا إياها بمغادرة قاعة الإمتحان .. لم تعد نور تعي شيئا مما يحدث حولها .. فتلك الدموع المنهمرة من عينيها كانت كفيلة بأن تحجب الرؤية عنها .. وخرجت مسرعة .. وشتائم ذلك المراقب تشيعها دون أن تفهم كلمة مما يقوله ..
ما هذا الظلام الذي يغشاها .. لا يمكن أن يكون إرهاق المذاكرة سببا في اجبارها على النوم في القاعة .. غير معقول .. ولن تستطيع إيجاد أي مبررات لذلك .. في ذلك الحين كانت تسير بخطى سريعة في ممرات الكلية الخالية من الطلاب .. وكانت تحمد الله على ذلك .. فمؤكد أن منظرها الباكي هذا كان ليثير التساؤلات ..
فجأة شعرت باصطدامها بشخص ما .. كانت تود الإعتذار منه .. ولكن عبراتها كانت تخنقها وتمنعها من الحديث .. في الحين أن أمسكها هو من ذراعيها حتى يوازنها .. وجعل صوته القلق .. قلبها يقفز من بين الضلوع :
- نور .. ما بك .. لماذا تبكين ؟.
كان صوته يصلها كالخيال .. وهي ترفع عينيها الدامعتين محاوله رؤية وجهه .. لقد كان سامح .. ما الذي أتى به إلى هنا .. إنها لن تستطيع أن تخبره بشيء .. هزت رأسها بالنفي .. من ثم حاولت جاهدة أن تتخلص من قبضة يده على ذراعيها .. لكنه ابى أن يتركها وعاد يسألها بمزيد من القلق :
- نور .. لما لا تحدثيني .. هل هنالك شخص ضايقك ؟.
كانت تعلم أنه لن يتركها حتى تجيبه .. فقالت وهي تنشج :
- لا .. اتركني يا سامح ارجوك .
- كيف اتركك وأنا لا أعلم ما بك ؟.
- ماذا اخبرك .. وأنا أيضا لا اعرف ما بي ؟.
عادت تترجاه بصوت موجع قبل أن يتحدث :
- أرجوك .. اتركني ..
سقطت يداه باستسلام .. وراحت هي تحث الخطى مبتعده عنه .. وكأنها تتمنى الهرب منه ومن كل مجهول يحيط بها ..
عندما دخلت البيت كانت لا تزال في تلك الحالة من البكاء .. لم يفد حديث أمها القلق في إجبارها على فتح باب حجرتها .. ولكنها فتحته أخيرا بعد أن ابتلت وسادتا .. وهدأت نفسها قليلا ..
خرجت نحو الحمام لتتوضئ وتصلي .. فمؤكد أن لجوأها لربها سيريحها كما كانت تفعل دائما عندما يتملكها الضيق .. ولكن حديث خالها نبيل مع والدتها في الغرفة المجاورة استوقفها وجعل الدم يغلي في عروقها ..

- هذا لكي تستمعي لكلامي مرة أخرى .
- كفى يا نبيل .. هذا ليس وقتا مناسبا لمثل هذا الكلام .
زفر هو بسخرية .. وعاد يحدثها بإسلوبه المستفز :
- هل لك أن تخبريني .. ما الذي يجعلها تأتي باكية .. لابد أن هنالك مصيبة وراءها .
ثم أردف وهو يرفع يديه للسماء مستهزءً :
- الله يرحمك يا حسام عبد الرحمن .. يبدو أنك لن تورثني سوى العار .
دخلت نور عليهما وكأنها تنوي صفعه .. مما جعل والدتها تسرع وتحتضنها مهدئه .. ولكنها لم تفلح .. فلقد كانت نور تشعر بأنها لم تعد تملك عقلا ليرشدها .. فصرخت في وجهه بحرقة :
- كفى .. كفى ..
هزت تلك الصرخة كيانهم جميعا .. وعادت هي تبكي وتحدثه من بين أسنانها وصدرها يعلو ويهبط بإنفعال بالغ .. وعيناها تشتعلان بغضب يكاد يحرقه :
- تأكد من أن الله سيرحمه .. فهو أفضل منك وليس بحاجة دعائك هذا .. واعلم أنني لن أترك لك الفرصة لتشفي حقدك عليه .. وإياك أن تعتقد بأن سكوتي هو ضعف مني .. أو خوف منك .. وإنما لكي تعرف أن حسام عبد الرحمن لا يورث إلا الأخلاق الراقية التي تجهلها أنت ..
لم تعرف نور كيف استطاعت النطق بتلك الكلمات .. فهي لم تتعود أبدا أن ترد على من هم أكبر منها حتى وإن كانت على حق .. ولكن يبدو أن ذلك الألم الذي تشعر به ساعدها في إخراج كل ما تدخره من كلام للخال نبيل .. حتى أنها ومن فرط إنفعالها .. لم تستطع رؤية تلك الدموع المنسابة على وجنتي والدتها .. فلقد كان جسدها كله يهتز بقوة .. والدموع لا تجف في مقلتيها .. خرجت مسرعة بعد أن تركتهما مشدوهين تحت وقع الصدمة .. حاولت والدتها الدخول إليها ولكنها وجدتها تصلي وتقراء القران .. فتركتها حتى تهداء أعصابها ..


- نور .. نور .. صغيرتي .. هيا استيقظي .
جائها ذلك الصوت الدافء الحنون .. ليوقظها من سباتها .. فتحت عينيها بضعف لترى وجه حسام .. والذي كان القلق مسيطرا على كل تعابير وجهه الجذاب .. جلست نور مفزوعة وهي تمد يدها نحو رأسها بحركة سريعة محاولة الإطمئنان إلى أن شعرها مغطى .. لقد كانت لا تزال ترتدي ثوب الصلاة .. يبدو أنها غفلت دون وعي منها فوق السرير وهي تقراء القرآن .. مؤكد أن أمها إطمئنت على وضعها قبل أن تدخل حسام .. جلس هو بجانبها على السرير .. وراحت تلف ركبتيها بذراعيها وهي تسند ظهرها ألى الجدار ..
قطع حسام ذلك الصمت المطبق الذي يلفهما :
- صغيرتي .. هل أنت بخير ؟.
كانت نور تنظر أمامها بشرود .. ولكنها كانت تسمعه جيدا .. فهزت له رأسها بالإيجاب .. فهي تدرك بأنها لو تحدثت الآن مؤكد سيعاودها ذلك البكاء ..
ولكن حركة صغيرة من حسام أثارت مشاعرها .. وهيجت ذلك الدمع في مقلتيها .. فلقد أخذ يربت على رأسها بحنان .. وهو يحدثها بصوته الدافئ العطوف :
- ألا تودين إخباري بما حدث معك ؟.
راحت نور تحدثه من خلال نشيجها بعد فترة قصيرة من الصمت .. فلم يعد هنالك بد من السكوت بعد أن أطلق هو دون قصد منه العنان لدموعها :
- ماذا تود أن تسمع أنت ؟. ففي جعبتي الكثير .
كانت تسخر من نفسها والألم يغلف كلماتها .. وراح هو يستحثها بلطف وكانه يحدث طفلة :
- أود أن اسمع كل شيء .
كانت مشاعرها الرقيقة تترنح تحت وطأة ذلك الألم .. وأفكارها مشتته .. لم تعرف من أين تبدأ ولكنها لا تحتاج لتفكير في ما تقوله مع حسام :
- أنا أشتاق إليه كثيرا يا حسام .. ولا اعرف كيف استطعت العيش من دونه كل هذه المدة .
عادت تكمل وهي تمسح دموعها عن وجنتيها لتحل محلهما دموعا جديدة :
- احيانا أفكر بأنني لم أعد مهمة في هذة الحياة .. ولو أخذني الله معه لكنت في راحة مثله .
فهم حسام أن صغرته تبكي أباها .. فخف ذلك الوجع الذي كان يحس به قليلا .. ولكنه ظل صامتا بصبر .. حتى تكمل حديثها المتقطع بسبب الدموع :
- حتى والدتي .. أحس بأن وجود الخال نبيل معنا أحدث شرخا في علاقتنا .
أسرعت تجيب نفسها مبررة :
- أنا أعلم أنها تحبني .. وتحاول جاهدة أن تسعدني .. ولكني أحيانا أشعر بأنني لو لم أكن موجوده في حياتها لربما أصبحت علاقتها أفضل بالخال نبيل .. فهو دائما ما يعبر عن تدمره من وجودي .
كانت تتحدث دون أن تنظر إليه .. وكأنها تحدث نفسها .. ثم رفت عينيها فجأة وكأنها تستنجد به :
- لقد رفعت صوتي عليه اليوم .. مؤكد أن سلوكي هذا كان سيغضب والدي .
ظلت تغالب دموعها .. وكان حسام يشعر بأن هنالك يد قاسية تعتصر قلبه .. وهو يقف مكتوف اليدين أمام هذا الحزن العيق .. ولكنه يدرك أن نور إنسانه متفائلة ومحبه للحياة .. وهذة المشاكل اليومية ليست سببا في ما تمر به الآن :
- وماذا أيضا .. صغيرتي ؟.
- سامح .
أغمض حسام عينيه وهو يضغط على أسنانه بعصبيه :
- هل تسبب سامح في إزعاجك ؟.
أجابته نور وهي تعاود البكاء :
- لا .. بل هي الذكريات ما يزعجني .. عدم مقدرتي على تخطي ذلك الجرح في قلبي هو ما يزعجني .
حولت نظرها إليه مرة أخرى :
- أنا لم أكن بمثل هذا الضعف أبدا يا حسام .. كما أنني أشعر بأني أفقد نفسي .. هل تعرف أنني نمت في قاعه الإمتحان هذا اليوم .
إتسعت عينا حسام بالدهشة .. من ثم عقد حاجبيه وهو يتسائل بقلق واضح :
- كيف حدث هذا يا نور ؟.
- لم تكن هذه المرة الأولى ايضا .
- لماذا لم تخبريني بالأمر ؟.
اجابته مبررة :
- لم اكن أعطي للأمر أهمية .
ظل حسام صامتا بعض الوقت وكانه يحل مسألة حسابية معقدهة .. من ثم أمرها بجدية :
- يجب أن تاتي إلى عيادتي غدا حتى أجري لك بعض الفحوصات وأطمئن عليك .
- حسنا .
كانت ترتجف بجانبه جراء تلك الأحاسيس التي تمزقها .. فتزيد من عذابه هو .. كم يود لو استطاع تطويقها بيديه واحتضانها ليزيل عنها كل ألم .. وكم يود لو يملك القدرة على مسح دموعها .. فهو يشعر إتجاهها بأحاسيس لم يحسها مع غيرها من قبل .. كان دوما يتمنى لو تمكن من شق صدره وجعلها تسكن فيه إلى الأبد حتى يجنب صغيرته قسوة الحياة .. أخذ نفسا عميقا وهو يبتسم لها بحنان :
- اسمعيني جيدا يا نور .. أنت انسانة مؤمنة يا صغيرتي .. وأنا لا أحتاج أن أذكرك بأن الله قد اختار ما هو أفضل لك ولأباك .. وأنه مؤكد سيأتي يوم نلقاه فيه جميعا .
تعالى صوت نشيجها مجددا .. مع إدراكها لحقيقه رحيل والدها الحبيب .. فعاد هو يحدثها :
- والدتك .. لا تقسي عليها .. فهي تعاني أكثر منك .. ولا تسمحي لأحد بأن يشعرك بعدم أهميتك فأنت تدركين مدى إحاجتنا جميعا لك .. وكم يسعدنا رؤية تلك الإبتسامة التي تكلل وجهك دائما .
هزت نور رأسها بالموافقة .. وهي تحاول السيطرة على ما تبقى من دموعها :
- يجب أن تعتذري أيضا من الخال نبيل .. فمهما أخطاء في حقك لم يكن مقبولا تصرفك معه .
أردف يقول لها بحنان .. بعد أن أيدته مجددا :
- إن ذكرياتنا يا نور هي التي تشكل شخصياتنا .. وتخلق منا أناسا أقوياء مع كل تجربة خضناها .. ومهما نسينا منها أو حاولنا أن نتناسى بعضها سيبقى أثرها ظاهرا علينا .. فلا يمكنك يا صغيرتي أن تنتزعي بعضها حتى وإن كانت مؤلمة بالنسبة لك .
فهمت نور حديثه جيدا .. فابتسمت بوهن .. والحزن لا يزال يكمن في نظراتها .. فعاد يخبرها بصوت خافت وكأنه يحدث نفسه :
- لو تعلمين كم كدت أجن وأنا بعيد عنك .
كانت كلماته الصادقه تفعل مفعول السحر على قلبها .. وتستطيع بسهولة انتزاع الإبتسامة من شفتيها .. كانت تستطيع أن ترى بوضوح إنعكاس أحاسيسها في صفحة وجهة .. عندما قال لها :
- حقا .. أنا لا اعلم كيف انقضت فترة دراستي في لندن .
هنا أجابته نور بشيء من المرح بعد أن تذكرت تلك الفترة :
- هل تذكر أول رسالة كتبتها لي يا حسام .. عندما كنت هناك ؟.
هز رأسه .. فراحت هي تخرج من دولابها صندوقا صغيرا .. كانت تضع فيه كنورزها منذ أن كانت صغيرة .. تلك الكنوز المؤلفة من قصاصات وبقايا ألعاب وكل الذكريات الملموسة التي استطاعت الإحتفاظ بها .. عادت تقول له بعد أن جلبت رسالته لتعطيه إياها :
- أظن أنك كتبتها في ليلة رأس السنة .
فرد حسام الرسالة بأنامله السمراء الطويلة .. وراح يقرأها :
" إلى التي أحب .. كثير من الوجوه تمر أمامي وجوه جميلة بعيون كلها ألوان .. عسلية .. زرقاء .. خضراء .. بنية .. كعيون المها ..
وصورة وصور تحاكي وتتربع على عرش الجمال .. وخدود كلها ألوان تفاحية عنابية .. ونساء وشابات .. ألوان كثيرة في تلك الزيارة وذلك العيد .. من كل الأجناس والأعراق ومن كل الدول والشعوب ..
ولكن .. لا أدري لماذا أنت ؟.
لماذا أنت تبدين أمام أعيني اجمل منهم ؟.
عندما يظهر وجهك من بينهم جميعا .. وتبدين من بين الجموع في ذلك اليوم .. وذلك العيد يبدو وجهك كالعيد بالبهجة والسرور .. لذا عند رؤياك يدب إلي قلبي ذلك السرور وأبتسم من أعماقي متجاهلا تلك الجموع .. وتلك الحشود وتلك الأعراق والشعوب .. ولذا ينظرون إليك بغيرة وحسد ويتمتمون تجاهلتنا جميعا ؟.. ويظلون يتسائلون ويحتارون دون جواب مني .. لأني قد عرفت أين هو الجواب عن سؤالي .. وتركت أسئلتهم تبحث عن الحيرة .
فالجواب .. بأنك لست كغيرك بل أنت مني وإلي .. وفي داخل شرايين دمي .. بل أنت ضربات قلبي .. وخفق فؤادي الذي يسيرني في الدنيا .. وأراك فيها كالورد والفل والياسمين .. وحدائق غناء بعيون العاشقين والمحبين .. فالحب لا يقال لمقامات بل يقال في كل الأحوال في التعبير عن ما في داخلنا نحو من نحب وذلك ليشعروا بالمكانة التي يتربعونها في النفوس .. كما تسيطرين على حدود نفسي ومساحات مشاعري .. فلك تطير هذة الكلمات ولك تطير في السماء الغائمة الممطرة قطرات مشاعري متمنية لك السعاة والراحة ..
فإليك صغيرتي والتي أحب .. "
كانت نور تستمع بهدوء لصوته الدافئ العميق وهي تضع ذقنها فوق ركبتيها اللتان تضمهما بيديها نحو صدرها .. فقطع هو شرودها عندما أخرج رسالة وردية اللون من محفظته وأعطاها إياها .. احتضنت تلك الرسالة بين يديها الصغيرتين والفرحة بادية عليها :
- هل مازلت محتفظا بها ؟.
- لم تفرقني ابدا .
فضت نور رسالتها لحسام .. وبدأت تقراءها مثلما فعل :
" إلى أحب من أحب .. لقد حار قلمي كثيرا وهو يحاول ترجمة تلك الخفقات النابضة في قلبي السارية في دمي .. الكائنة في حنايا صدري .. والهامسة مع انفاسي بمدى حبي الشديد لك .. فأنا لا أعتب عليه تواضع إدراكه لأحاسيسي الدافئه نحوك .. فأحاسيسي أرقى من أن تسطر على الأوراق أو تجسد بالكلمات ..
ولكن .. إن ابيت إلا معرفتها .. فستجدها قريبة منك ..
في برائه الأطفال .. ومشاكسات الاصدقاء ..
في حنين الإخوه .. وتأنيب الأباء .. ولهفة الأمهات ..
في هيام المحبين .. وكلام العاشقين ..
إنه كل صورة جميلة لامست أعيننا .. وكل إحساس رقيق يمس شغاف قلوبنا .. وكل شعور ناعم يختلج في صدورنا .. إنه ذلك الإحساس الذي يغمرني عندما أناديك بأخي فأجد لوقعها صدى في قلبي لكلمه " أبي " ..
فأنت تحمل في حنايا صدرك الطاهر روحان هما روح الأخ والأب ..
وإن كنت تراني بعيونك المحبة فل وورد وياسمين فما إزدهاري إلا امتداد لجذور تلك الروحان الكائنتان في صدرك .. وإن حققت من النجاح ما يرفع رأسيكما عاليا فما عبق عبيري الساري في الهواء إلا بفضل قطرات مشاعرك الحنونة .. لهذا أنا جميلة في عيون الناس لحبكما لي .. وما زرعتماه في نفسي من بذور اخلاقكما .. وأنا إن كنت أسيطر على حدود نفسك ومساحات مشاعرك .. فأنت نفسي وأنت مشاعري .. بل أنت الروح الجميلة التي تفعم نفسي بالثقة والأمل والحب لكل من حولي ..
فدمت لي مدى الحياة .. الأخ .. والأب .. والصديق .. وأحب من أحب ..
صغيرتك نور .. "



الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 7
قديم(ـة) 05-04-2012, 07:21 PM
صورة ♫ معزوفة حنين ♫ الرمزية
♫ معزوفة حنين ♫ ♫ معزوفة حنين ♫ غير متصل
©؛°¨غرامي فضي¨°؛©
 
الافتراضي رد: ملاك الحب / للكاتبة : my faith



(5)
المجهول !.



كان السرور يتسلل إلى قلب نور بخلسة .. كلما قضت وقت أكبر برفقة حسام .. نظرت إليه والإبتسامة تشرق في ملامحها :
- هل تعرف يا حسام .. لو كنت أملك أخاً .. لما أحبني واهتم بي مثلما تفعل أنت .
رد حسام بإبتسامته الجذابة .. وعيناه تنطقان حنانا .. ثم وقف متهيئا للرحيل :
- يجب علىّ الذهاب صغيرتي .. حاولي أن تأخذي قسطاُ من الراحة .
لمح طيف حزين يطل من عينيها السوداوين .. فسارع قائلا :
- لا تحملي هم شيء .. سوف أطمئن والدتك .. وسأقدم أعتذارك للخال نبيل .
- شكرا لك .. يا حسام .
في ذلك الوقت أضاء هاتفها دالاً على اتصال أحدهم .. فلقد كان مضبوطا على الوضع الصامت .. لم ترد كانت تنظر إلي هاتفها بشرود شديد ..
- نور .. ألن تجيبي ؟.
- لابد أنه سامح أو رهف .. وأنا حقا لا أعرف بماذا اخبرهم .
تساءل حسام باستغراب .. وهو يعقد حاجباه :
- ولماذا يتصل بك سامح ؟.
- لقد رآني عندما خرجت من قاعة الإمتحان باكية .
- وما الذي جعله يذهب إلى هناك ؟.
وقفت نور صامتة أمام تلك التساؤلات .. وشعرت بالتوتر وهي تطالع وجهة الأسمر وقد ارتسمت خطوط جدية عليه .. كما أن قلبها بدأ يهزها بعنف جراء إلحاح ذلك الاتصال ..
أخذ حسام الهاتف .. ورد بهدوء بعد أن رأى اسم المتصل :
- مرحبا يا سامح .
ظلت هي تتابع الكلمات التي تخرج من شفتيه بأعصاب مشدودة .. فعاد يحدثه بجفاف :
- إنها بخير الآن .. لا تقلق .. لقد كان لديها مشكلة صغيرة في الكلية .
يبدو أن سامح لم يصدقه .. فعاد حسام يجيبه بعد أن تخلل صوته شيء من القسوة .. لم تعتادها في حديثه :
- ألا تعرف أنت مدى حساسية نور ؟.
ثم قال منهياً الحديث :
- إلى اللقاء الآن .. وسنلتقي في البيت إنشاء الله .
زم شفتيه بضيق ثم قال وهو ينظر إلى نور كأنه يوجه حديثه إليها :
- حسنا .. سابلغها سلامك .
مد حسام الهاتف لنور وكانت تشعر بالألم .. وهي تراه يغالب شفتيه حتى ينتزع إبتسامة حنونة يهديها لها .. خفضت عينيها بخجل .. إنها تشركه في كل تفاصيل حياتها .. حتى تكاد ترى كل انفعالاتها ومشاعرها تتجسد على صفحة وجهه .. ولم تفكر من قبل أنها يجب أن تخفي عنه بعض الأمور .. مثل مشاعرها نحو سامح .. فهي تنسى بأنهما أخوان .. ولابد أنه يجد صعوبة في التعامل معهما .. ويتألم لوضعهما الغير طبيعي .. لقد خسرت علاقه الاخوه التي تربطها بسامح منذ أن صرح لها بحبه .. وهي الآن تسبب الألم لحسام .. إنه لا يستحق منها مثل هذة المعاملة الأنانية .. يجب أن تصبح أقوى من ذلك فهي لم تعد صغيرة .
- صغيرتي .
استدعاها صوته الدافئ من شرودها الحزين .. فوضعت على شفتيها إبتسامة تسخر بها من نفسها .. كيف تستطيع أن تعالج مشاكلها بنفسها .. وهو لا يزال يشعرها بأنها طفلة صغيرة بحاجة رعايته واهتمامه ..
ودعها بعد ذلك محاولا ممازحتها .. وعيناه تلمعان وتكاد تكشفان نقاء روحه الجميلة :
- لا تنسي موعدنا غدا .. وستبقى مهمة طمئنت رهف عليك .
لم تستطع إلا الإبتسام له بصدق وهزت رأسها موافقة بصمت .. وهي تفكر بمدى جاذبيته حتى مع ملامح الضيق الذي يحاول اخفائه عنها .. مؤكد إنها لاتستحق إنسان مثل حسام ..
هكذا فكرت وهي تسمع صوت خالها نبيل المزعج من الحجرة المجاورة رداً على حديث حسام الهادئ .. والذي لم تفهم منه شيء .. بعد دقائق من خروجه سمعت نقراً خفيفاً على بابها .. من ثم دخلت والدتها والقلق يفيض من عينيها ويسيطر على تعابيرها .. جلست واحتضنت نور بحب .. وظلت بجانبها تربت عليها وتتخلل خصلات شعرها الأسود الناعم بأناملها الحنونه :
- هل تعلمين كم تؤلمني رؤية دموعك ؟.
كادت نور أن تعاود البكاء .. ولكنها استنفذت كل ما تدخره من دموع في يومها الطويل هذا .. فعادت الأم تحدثها بصوت منخفض :
- لقد شعرت اليوم وكأن الآف الخناجر تجرحني .. وأنا أطالع حزنك مكتوفة اليدين .
أجابتها نور بصوت غير مسموع :
- أنا حقا أسفه .
- لا عليك حبيبتي .. فأنا أشعر بتحسن شديد بعد مجيء حسام .. ولا يهمني إن كان صادقا فيما قاله لنا .. يكفيني فقط أنه قريب منك .
- صحيح .. كيف علم حسام بالأمر ؟.
- لقد استدعيته أنا .
شعرت نور ببعض الخجل من والدتها .. ولم تعرف بماذا تجيبها .. أطلقت حياة تنهيدة حارة وأردفت قائلة :
- كم يذكرني بوالدك .. فهو يشبهه في كل شيء .
ظلت حياة تتحدث بصوت حالم عن ذلك الزوج الحبيب .. الذي يكاد اشتياقها له يقتلها .. والذي لم تكن تجد فرصة لتتذكره .. إلا في فكرها المشغول دوما بإقتفاء أثاره في بيتها .. فهي لا تزال تراه في كل ركن وكل زاوية .. تكاد تسمع صوته .. وترى إبتسامتة العطوفه .. حتى أنها تشعر بطيفه يرافقها في كل خطوة تخطوها .. فهي مؤمنة بأنه لايزال موجودا في حياتها .. وسيظل كذلك .. مثلما كان دائما ..

في الصباح الباكر كانت تحس بالكثير من النشاط .. وتشعر بارتفاع معنوياتها بعد ذلك النوم العميق الذي حضيت به .. وكان أول ما قامت به هو اتصالها برهف وطمئنتها .. والتي ردت عليها بصوت مذعور :
- نور .. حبيبتي .. هل أنت بخير ؟.. ما الذي حدث لك بالأمس ؟.. ولما لم تجيبي على اتصالاتي ؟.
ضحكت نور بمرح ثم أجابت عن التساؤلات :
- صباح الخير أولا .. أنا بخير .. ولم يحدث لي شيء مهم .. ولكني كنت مرهقة بعض الشئ ولم أستطع الحديث .
- هل تدركين كم أقلقتني يا آنسة ؟.
بدأت نور تقص عليها أحداث أمسها بعد أن أعتذرت منها .. وقبل أن تغلق الهاتف ذكرتها رهف بموعدها مع حسام .. وحذرتها من الإستخافها المعتاد بصحتها .. خاصة بعد أن بعث حديث نور القلق إلى صدرها ..

بعد العصر بدأت نور تحضر نفسها للذهاب إلى عيادة حسام .. كانت تتوقع بعض المضايقات المعتادة من الخال نبيل ولكنها فوجئت بتجنبه لها .. عندما وصلت وجدت الخالة نظرة هناك فأحتضنتها بصدق وقبلتها وهي تنظر لها بإعجاب :
- إنك تكبرين وتزدادين جمالا ..
شكرتها بحياء شديد .. ثم سألتها عن أحوالها .. وعن أولادها الصغار .. محاولة أن تحول دفة الحديث عنها بعد أن شعرت بالإحراج الشديد من نظرات بعض الأشخاص الذين كانوا يتفحصونها لكي يتأكدوا من مدى صحة تلك العبارة ..
بعد دقائق كانت تجلس أمام حسام .. رحب بها بإهتمام بالغ .. وبدأ يجري عليها الفحوصات المعتاده ويسألها الكثير من الأسئلة .. ولا يدع تفصيلا صغيرا عن كل عاداتها مؤخرا إلا ووجه الآف الأسئلة عنه .. كانت نور تجيبه جادة في بعض الأحيان .. ومازحه في أحيان أخرى فهي لم تتعود منه هذا الأسلوب الطبي الجاد في الحديث .. كما أنها كانت تسعى لتخفيف توترها أيضا .. في الأخير أعطاها بعض النصائح الطبية .. فتسائلت :
- هل هنالك مايقلقك في حالتي ؟.
نفى بسرعة شديدة سؤالها :
- أبدا صغيرتي .. ولكن يجب أن تحرصي على النوم بشكل كافي ومنتظم .. ولا تجهدي نفسك .
- حسنا ..
تبادلا كلمات الوداع .. من ثم توجهت عائدة نحو بيتها ..
كانت الأيام تمر عليها بشكل رتيب جدا .. وفي ترقب ممل لظهور نتائج الإمتحانات .. وفي يوم وهي تجلس أمام حاسوبها المحمول .. وتسعى لتدريب سمعها في نفس الوقت .. على عدم سماع تردد صوت الخال نبيل وهو يؤدي سمفونياته الكثيرة والمعتادة .. فلقد كانت الساعة الواحدة بعد الظهر .. وهو وقت مقطوعته الشهيرة التي يستجدي بها المال من والدتها حتى يستطيع شراء القات ..

قلبت نور شفتيها وهي تفكر بتلك الورقات الخضراء التي تدمر بلدها الحبيب بصمت قاتل ..
كيف يفقد الرجل عقله عندما يحين وقت القات .. ويبدأ يسخر تفكيره في كيفية جلب المال لشراءه ..
متجاهلا أي أولويات في حياته .. فخالها هو أكبر مثال تضربه لتلك الدمى التي يحركها القات بخيوطه الوهمية .. فهو يكون مستعدا أن يقلب البيت رأسا على عقب ولن يمل أبدا حتى يحصد غايته .. وما أن يصبح المال في جيبه .. لا تدري من أين تاتيه تلك السرعة الخيالة للخروج من البيت ..
من ثم تأتي المرحلة التالية عندما يعود وبيده ذلك الكيس البلاستيكي المحتوي على الورقات التي تمص الحياة من كل البيوت .. وقد بدأ يمضغ بفمه بعضا منها كانت تلك المرحلة تعتبر من أفضل المراحل .. فهو يشعر بالسعادة والإنشراح حتى أنه يبدأ يدندن مع أي لحن يسمعه ..
وما هي إلا دقائق حتى تنشط مخيلته بسبب ذلك السم الأخضر الذي يلوكه في فمه .. فيعتقد بأنه أحد المشاهير في أي وكل المجالات أيضا .. ويبدا تغير وضعه .. ووضع أسرته .. من ثم بلده .. ووطنه العربي .. وقد يصل إلى تغير العالم كله نحو الأفضل من وجهة نظره وتحليله الشخصي ..
أما أسواء الأوقات عندما ينتهي المساء وتنتهي معه كل وريقات القات .. فينقلب ذلك السرور والإسهاب في الحديث .. إلى تجهم وضيق .. وعزوف تام عن الكلام .. وكأنه نسى طرق التخاطب مع من حوله إلا ليلقي الأوامر في طلب العشاء .. وغيرها من الأحتياجات ..

أفزعها ذلك الصوت الغير متوقع من خلفها .. عندما جذبها من أفكارها الساخرة والتي ترثي بها حال فئة كبيرة من شعبها :
- نور .. هل تودين شيئا من الخارج لأجلبه لك ؟.
كادت أن تفغر فاهها من شدة الدهشة بعد رؤيتها لذلك الشخص الواقف على باب حجرتها منتظرا .. فسارعت مجيبه :
- لا .. لا ..
ثم تداركت نفسها وعادت تقول بصعوبة بالغة :
- أشكرك .
أجابها الخال نبيل ببساطة :
- حسنا .
كانت تتابع بسمعها خطواته المتجهه نحو باب الخروج .. فسمعت والدتها تخاطبه :
- إلى أين ؟.. ألن تتناول الغذاء معنا ؟.
- لا .. فهنالك صديق سيدعوني للغذاء .
ما هي إلا ثوان وأصبح البيت هادئا جدا بعد خروج ذلك الإعصار الحي منه .. كانت نور لا تزال تحت تأثير الصدمة .. ما هذا التصرف الغير معهود منه .. لا يمكن أن يصدق عقلها ما شاهدته عينيها قبل قليل .. كان نداء والدتها هو المنقذ الوحيد لإنتشالها من الذهول .. فأسرعت تجيبها وهي تغلق جهازها .. وعندما دخلت المطبخ وجدتها تضع اواني الطعام بعصبية على الطاولة .. وهي تحدث نفسها بصوت مرتفع :
- من سيتناول كل هذا الطعام ؟.
جلست نور بهدوء ولم تضف كلمة واحدة .. ولا حتى تعبيرا ساخرا بملامح وجهها .. فهي لاتحب مثل هذة الأحاديث لأنها تدرك مدى قدرتها على الإحتمال .. ومؤكد ستفقد أعصابها .. وهي لا تود أن تجرح والدتها .. لذلك تفضل المشاركة بالصمت في كل المواضع التي تخص الخال نبيل .. عادت والدتها تكمل تساؤلاتها :
- أنا لا أعرف من أين ظهر لنا هذا الصديق .. الذي يغدق عليه بالمال والعزائم من الحين للآخر .
تنهدت حياة ثم قررت تناول غدائها بصمت كما تفعل ابنتها .. نظرت إليها نور برثاء ثم حدثتها لتغير ذلك الجو الكئيب الذي يلفهم والذي تكرهه هي كثيرا :
- أمي .. سوف ألتقي اليوم برهف في المجمع التجاري ..
- لماذا ؟.
- إنها تود أن تشتري هدية لخطيبها بمناسبة ترقيه في العمل .. ولقد نسيت أن اخبرك بذلك .
- لا باس .. ولكن لا تتاخري في العودة إلى المنزل .
- حسنا ..
بعد أن أدت نور صلاة العصر بدأت تتجهز للخروج .. وعندما صارت الساعة الخامسة كانت تعبر البوابة الضخمة للمجمع التجاري الكائن في مدينة عدن .. ومثلما أتفقت مع رهف وجدتها في أنتظارها .. تبادلتا كلمات السلام .. والتعبير عن اشتياقهما لبعض ..
لقد كان يوما جميلا قضته برفقه رهف .. فلم يكن التسوق وحده ما يجعلها تحس بتلك السعادة ولكنها تلك الصديقة المرهفة المشاعر خفيفه الظل .. والتي تجعل كل حدث يمر بحياة نور ذات طعم ومعنى مختلف ..
- هل تعرفين أن الخال نبيل عاملني بلطف هذا اليوم ؟.
- غير معقول .. هل قرأتم عليه بعض الآيات القرانية ؟.
ابتسمت نور نافية .. ثم أردفت :
- لقد كنت أفكر بالقات عندما جاء وقطع شرودي .
- وبماذا فكرتي ؟.
- كنت أحصي مراحله النفسية والتي يحركها في صدور متناوليه .. ورحلة شبابنا معه .. وخاصة هؤلاء الأولاد اللذين لم يكملوا دراستهم الثانوية بعد .. والذين يدمرون حياتهم بأيديهم قبل أن تبنى .
- معك حق .. فحتى شباب الجامعة الواعي يقع فريسة تلك المبررات .. بأنه يبعث على النشاط ويفيد في الإستذكار .
- لقد اصبح مجتمعنا لا يسير إلا به .. وأكثرية العلاقات والناسبات الإجتماعية تقوم بوجودة .. حتى في أداء واجب العزاء .
كانت رهف تستمع بإهتمام بالغ .. بعد أن وصلت مشاعر الأسى إلى قلبها .. ثم تحدثت فجأة بمرح :
- هل تعرفين أنهم كانوا يوقفون القتال في حرب 94 .. عندما يحين وقت القات .. ثم يعاودونه بعد أن ينتهي موعده .
هنا ضحكت نور مؤيدة حديث صديقتها .. وقبل أن تضيف شيئا .. رن هاتف رهف وأجابت والفرحة ترن في صوتها :
- مرحبا يا أحمد .
كانت نور تستمع لحديثهما بحب .. وبعد أن أبلغت أحمد سلامها على لسان خطيبته .. أجابت رهف لسؤال أحمد الذي لم تسمعه هي :
- نحن الآن في المجمع التجاري .. ألم أخبرك بذلك ؟.
رد عليها أحمد مازحنا :
- بلى .. ولكنك لم تخبريني بأنك تودين شراء هدية لي .
رفعت رهف حاجبيها بإستغراب بعد أن نظرت إلى نور بشك .. فهي لم تطلع أحدا على نيتها تلك :
- من أخبرك بذلك ؟.
- أخبرني هذا الكيس الذي تحملينه بيدك .. والمسجل عليه اسم إحدى محلات الذكور .
تلفتت رهف حولها وفرحتها تكاد تقفز من عينيها .. فرأت أحمد ينتظرها بجانب سيارته في أحد أركان الساحه التي امام المركز .. توجهت نحوه مندفعة .. وكان هو يتمنى لو استطاع تطويقها ليخمد ذلك الشوق الذي يعذبه في بعدها .. كانت نور تتقدم نحوهما بخطوات بطيئة .. حتى تسمح لهما بقضاء وقت أكبر مع بعضهما .. ثم ألقت التحية على أحمد .. فحدثتها رهف بحماسة :
- أليست مفاجأة رائعة يا نور ؟.
هزت نور رأسها بخجل وهي تحاول منع إبتسامتها .. فلقد كان أحمد يطالع ملامح خطيبته الجميلة والتي تزداد جمالاً في وجوده .. حقا إنها لا تعرف من أين يأتي هذا السحر الكامن بين عيني رهف عندما ترى حبيبها والذي يغمر كل ملامحها .. أشار أحمد لرهف بعينيه نحو ما تحمله بين يديها :
- ألا تودين المساعدة ؟.
احتضنت رهف ذلك الكيس .. وهي تمازحه :
- لا .. وأشكرك أيها الشاب الشهم .
ضحك أحمد وهو يفتح لهما باب سيارته .. بعد دقائق كان الثلاثة يتوجهون بسيارة أحمد نحو مدينة المعلا .. طلبت منهم نور إيقافها عند عيادة حسام .. فلقد مر وقت طويل لم يتصل بها منذ أن كانت عنده في العيادة للإطمئنان عليها .. رحب الخطيبان بذلك الإقتراح حتى يستطيعان إلقاء التحية على حسام ..
كانت نور تشعر بفخر شديد وهي تعرف أحمد بأبن عمها .. وبعد أن تبادل الأربعة الأحاديث الخفيفة .. وانسحبت رهف برفقة أحمد ليعيدها إلى بيتها .. جلست نور تنتظر حسام حتى يتجهز للرحيل فلقد كان قد انتهى من عمله ..
ظلت هي تتطلع لتلك الصور المعلقة على الحائط والتي لا تمل من رؤية الأطفال الذين يظهرون عليها .. وجدت بعض الملفات على مكتبه .. فأخذت إحداها لتتصفحه .. لم تكن لتفعل ذلك لولا إذ جذبها اسمها المكتوب عليه .. بالطبع لم تفهم شيئا من تلك الكلمات الإنجليزية الدالة على مصطلحات طبية .. ولكنها لا تدري لماذا تسلل الخوف إلى قلبها وهي تحاول حفظ تلك الكلمة المكتوبة أمام مربع المرض .. اختطف حسام الملف من بين يديها .. وكانت تدرك بأنه يخفي عينيه عنها عندما أعاده إلى مكانه وهو يدير لها ظهره .. تسائلت هي بصوت منخفض :
- حسام .. هل أعاني من مرض ما ؟.
- لا صغيرتي .. ما هذا الكلام الغريب .
لم يكن حسام يجيد الكذب أبدا .. كما أنه لا يستطيع إخفاء شيء عليها .. فوقفت لتواجهه بعينيها المتسائلتين :
- لا تكذب علي .. فأنا أعرف أنك تخفي علي أمرا .
رفع عينيه إليها .. محاولا التحدث ببساطة :
- أنا لا أخفي شيئا .. ما بك اليوم .. وما الذي دفع بهذة الفكرة إلى رأسك ؟.
- هذا الملف الطبي .
بدأ حسام يحدثها بهدوء :
- ألم أقم بفحصك قبل أيام ؟.
- بلى .
- إذا ألا يجوز أن أحفظ لك بياناتك في ملف كهذا ؟.
هزت رأسها باستسلام .. وكان هو يدرك بأنها لم تقتنع .. ومؤكد ستعاود استجوابه .. فراح يشتت انتباهها :
- كيف أنت هذة الأيام ؟.. وكيف علاقتك بالخال نبيل ؟.
نظرت له بإستغراب بالغ :
- هل أنت السبب ؟.
أجابها مسرعا كمن ينفي تهمة عن نفسه :
- السبب في ماذا ؟.
- لقد تغيرت معاملته معي كليا وأصبح شديد اللطف .. هل حدثته بشيء ذلك اليوم .
- لقد أعتذرت بالنيابه عنك فقط .. ربما هو يحاول التغيير من تصرفاته معكما نحو الأفضل .
- لا أظن فتغيره مقتصر في معاملته لي .
- وهل يضايقك هذا الشي ؟.
لم تجبه نور فهي حقا لا تستطيع أن تعبر بحرية عن أي شيء يخص الخال نبيل .. نظر هو إلى الساعة ثم استحثها على الرحيل قائلا :
- دعيني أوصلك الآن إلى البيت أنت والخالة نظرة .. حتى لا تتاخري .
بعد أن دخلت البيت وألقت التحية على والدتها .. وحدثتها بشكل مقتضب عن أحداث يومها .. توجهت مسرعة نحو جهازها .. لتتصفح من خلاله شبكة الإنترنت وبدأت تبحث عن تلك الكلمة التي قرأتها بالإنجليزية في ملفها الطبي .. لقد كانت لغتها الإنجليزية جيدة جدا .. ولكنها لا تفهم هذة الكلمات الطبية التي تظهر أمامها والتي لم تستطع ايجاد معضم المعاني في المعجم .. والقليل الذي فهمته زاد مخاوفها .. فأغلقت جهازها بعصبية ورمت نفسها على سريرها .. وهي تحس بأن رأسها سينفجر من كثرة تلك الأشياء التي تجهلها ..
أولا هذا التغير الذي أصاب خالها .. والمتبلور عليها هي فقط .. هل كان صراخها عليه هو السبب .. فهي تشك في أنه ينوي تحسين أخلاقه بدءً بها .. أو أن حسام هو من دفعه إلى ذلك التغيير .. ولم يرضى أن يطلعها على حقيقة الأمر بينهما ..
ولكن منذ متى وحسام يخفي عنها مثل هذة الأمور .. تذكرت في ذلك الوقت الإرتباك الذي أصابه عندما وجدها تقراء في ملفها .. يبدو أنه بدأ بتعلم كيفية اتقان الكذب عليها .. ولكن ما حاجته لذلك .. هي هي مصابه بمرض خطير .. وهو يخشى أن يصارحها بحقيقه ما تعانيه .. ويفظل ان يهتم بها دون أن تعلم .. أو ربما لن يحتاج الإهتمام بها بعد اكتشافه بأن حالتها لا تقبل العلاج .. هزت رأسها بسخريه وهي تحاول طرد تلك الأفكار منه .. مؤكد أن خيالها الخصب يساهم في تضخيم الأمور .. فيجعلها تبالغ في ردود أفعالها ..
زفرت بضيق عندما فكرت بنتائج إمتحاناتها .. إن كليتا أيضا شاركت في نسج خيوط المجهول التي تلفها .. وأقسمت على تعذيبها وعدم إظهار النتائج بشكل سريع .. فهي تكره هذا الوقت .. والذي تعده أسواء من فترة الإمتحانات نفسها ..
حتى أن سامح أبا أن يظل متفرجا .. وبدأ يؤدي دوره بأتقان .. ومع كل يوم يمضي يمعن في إرباكها واللهو بعواطفها ..
متى سيدركون جميعا .. بأنها تكره هذا الغموض .. ولا تود أن تقيد بحلقات سلسله المجهول التي يصنعونها ..



الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 8
قديم(ـة) 05-04-2012, 07:22 PM
صورة ♫ معزوفة حنين ♫ الرمزية
♫ معزوفة حنين ♫ ♫ معزوفة حنين ♫ غير متصل
©؛°¨غرامي فضي¨°؛©
 
الافتراضي رد: ملاك الحب / للكاتبة : my faith




(6)
لماذا ؟!.



وقفت نور بجانب طاولة الطعام .. لتعد طبق السلطة الغني بمكوناته الطازجة .. وكانت تحاول بين الحين والآخر أن تمد يد العون لوالدتها التي كانت تطهو طعام الغداء ..
حاولت اخفاء ابتسامتها المرحه .. وهي تتابع خطوات والدتها السريعة في المطبخ .. لقد كان هذا المنظر القلق لوالدتها يتكرر دائما عندما كان والدها لا يزال على قيد الحياة .. ذلك القلق من أن تكون اخفقت في طهو الطعام .. أو أن الوليمه التي تعدها لن تشرف زوجها أمام ضيوفه .. لم يكن لدى نور خبرة كبيرة في المطبخ .. لذلك كانت تكتفي بإعداد أطباق السلطة .. وتقطيع الخضار ..

- ألم تنتهوا بعد .. إن الرجل سيصل بعد قيل ..
ركزت نور نظرها على تلك القطعة من الخيار التي كانت تبشرها .. محاولة تجاهل حديث الخال نبيل المزعج .. وتركت مهمة الرد على والدتها كالعادة :
- صبرا يا نبيل .. إن اللوم يقع عليك فأنت لم تخبرنا من قبل .
- وهل هو محرم في هذا البيت دعوة الاصدقاء .. إن الرجل يكرمني يوميا .. ألا أرد له الجميل .
زفرت حياه بضيق وهي تتفقد قدر الأرز .. وتطفئ تحته النار بعد أن نضجت حبيباته :
- أنا لم أقل ذلك .. وكفى صراخا فالغذاء جاهز .
نظر إلى نور التي توشك على الإنتهاء هي الأخرى .. وكأنه يود أن يوجه لها بعضا من كلماته العدائيه .. ولكنه سرعان ما غير رايه .. وخرج بصمت .. تبعته نور بعينين متعجبتين من ذلك التصرف المسالم معها .. وقلبت شفتيها بإستغراب ..
إن والدتها تعودت على مثل هذة المفاجآت ولكن ليس مع الخال نبيل .. فهو لم يتصف ابدا بالكرم .. وإن فكر في دعوة أحدهم على الغداء فمؤكد أن هنالك مصلحة بينهما تقتضي ذلك .. بعكس والدها الذي كان دوما ما يدعو الأهل والأصدقاء .. حتى أصبحت الأم لا تعد وجبة لثلاث أشخاص فقط ..
تنهدت نور عند تذكرها لوالدها الحبيب .. ولكنها سرعان ما رسمت إبتسامة صادقة على شفتيها لتطمئن والدتها .. وتسائلت وهي تحمل وعاء السلطة بين يديها :
- هل أضعه في الثلاجة .
وقبل أن تجيب الأم .. سمعتا الباب يطرق .. ثم تلاه صوت الخال نبيل بترحيب مبالغ فيه .. فقالت والتجهم لا يزال باديا على ملامحها :
- لا داعي لذلك ..
ثم دخلت حجرتها لتستريح .. وتركت لنور مهمة تحضير أطباق الغداء وإعطاءها للخال نبيل حتى يدخلها للضيف .. من ثم دخلت هي أيضا حجرتها .. بعد أن إنتهى الرجلان من تناول الطعام جائت والدتها بصينية الشاي .. ومدتها لنور :
- ارتدي حجابك وأدخلي لخالك وضيفه الصينية .
عقدت نور حاجبيها وهي تحاول استيعاب ماتأمرها والدتها به :
- ولما لا يدخلها هو ؟.
اخذت الأم نفسا عميقا محاولة أن تهدئ نفسها .. كانت نور تشعر بالأسى على حال والدتها فهي دائمة التوتر من أفعال الخال نبيل الغير موزونة :
- لا تتعبيني يا نور .. لن يحدث شيء إن أدخلتي لهم الشاي .
إعترضت نور بحدة :
- وبأي حق يطالبني بذلك ؟.
خرجت حياه من الحجرة دون أن تضيف كلمة أخرى .. وكانت نور تدرك توافق أرائهما معا .. بعد دقائق جاء الخال نبيل إليها قائلا ببساطه :
- إرتدي حجابك يا نور .. وتعالي .
بداء الضيق يتملكها .. ونظرت إليه بنظرتها الجامدة :
- إلى أين بالضبط ؟.
أجابها الخال نبيل بتلقائية وهو يشير إلى جهازها المحمول الذي كانت تعمل عليه .. وبتلك الطريقة اللطيفة والحديثة في تعامله معها :
- إن صديقي يود أن يسالك بخصوص الأجهزة التي تستخدمونها .
- ألا تستطيع أنت أن تنقل لي سؤاله ؟.
- بالطبع لا .. فأنا لا أفهم شيء مما يتعلق بهذة الأجهزة .
ضغطت نور على أسنانها بحرقة .. وهي ترى نظرات والدتها المتوسلة من وراء الخال نبيل .. فحاولت أن تتمالك أعصابها بعد أن شعرت أن الكل تحالف ضدها حتى تنفذ رغبتهم الغير مفهومة لها .. وبدأت تشعر بأن اليوم لن يمر بسلام .. إلا برؤيتها لصديق الخال نبيل .. وقفت بعصبية وأخذت ترتدي عبائتها وحجابها .. وحاولت أن توطن نفسها بأنها تؤدي مهمة رسمية .. وكأنها مهندسة تعالج مشكلة لأي عميل .. تبعت الخال نبيل إلى حجرة الضيوف ولكنها لم تدخل معه بل وقفت في الباب .. وسرعان ما بدى عليها الإستغراب فور رؤيتها لذلك الصديق المجهول .. إنه شاب صغير .. ربما يكون في عمر سامح .. ما هي العلاقة التي تربط بينه وبين خالها يا ترى .. ارتبكت نور قليلا فهي لم تعد تفهم شيئا .. وتملكها إحساس بالخيانة لا تدري مصدره ..
سمعت الخال نبيل يحدثها مشجعا :
- إدخلي يا نور .
تجاهلت حديثه .. وحولت نظرها لذلك الشاب الذي لم تستصغ نظراته إليها .. لا تستطيع أن تصف تلك النظرات بالوقاحة .. ولكنها أيضا لم ترقها طريقة تفحصه لها .. ولكنها بادلته بنظرة ميتة خالية من أي تعابير وهي توجه له سؤالها دون أن تتقدم خطوة واحدها الى الداخل :
- بماذا استطيع أن اخدمك ؟.
شعرت للحظة أنه فوجئ بسؤالها فحاولت تغيره :
- ما هي مشكلة جهازك ؟.
قال مستغربا :
- جهازي .. آه .. نعم .. نعم .. جهازي .
هنا زمت نور شفتيها .. كي لا تفلت السيطرة على أعصابها .. فلقد بدأت تشعر بمدى سخافة هذا الموقف الذي وضعت فيه .. ولكنها استمعت إلى مشكلته والتي لا تستطيع عدها كمشكله .. فيبدو أنها مجرد عذر .. بدليل هذا الوقت الذي استغرقه في تأليف تلك المشكلة .. ولكنها أجابته بكل تهذيب .. ولكن بكلمات مقتضبه أيضا ثم سحبت نفسها بسرعة دون أن تنتظر رد أحدهما عليها .
دخلت غرفتها وهي تشعر بأن الدماء تغلي في عروقها .. إنها ليست غبية لكي يخفى عليها مقصد الخال نبيل من كل هذة التمثيلية الهوجاء .. خلعت عبائتها وحجابها ورمتهما على الكرسي .. وكأنها تصفعه وتلقي عليه باللوم لما حدث معها .. كم تود لو واجهت الملام الحقيقي .. لم يطل إنتظارها وسرعان ما سمعت صوت الخال نبيل يودع ذلك الشاب .. فخرجت عند ذلك لتواجهه .. إبتسم لها والفرحه تكلل وجهه .. وأخذها من يدها نحو حجرة والدتها .. ثم أجلسها قائلا :
- مبروك .
أجابته الأم بفتور :
- على ماذا ؟.
- لقد تقدم لنور عريس .
قبل أن تردف والدتها بشيء .. قاطعتها هي بحدة محاولة تصنع الفرح :
- آه .. حقا .. يبدو أنني نلت إعجابه ؟.
أجابها بحماس بالغ :
- جدا .
- وهل سيدفع الكثير ؟.
إتسعت عينيه بسعادة .. وتحدث بفخر :
- نعم .. وهل تعتقدين بأنك رخيصة بالنسبة لي .
هنا تدخلت الأم وهي تحس أن بينهما شيء لا تفهمه :
- ما الذي تتحدثان عنه .
إلتفت إليها الخال نبيل .. وبداء يشرح لها بإهتمام :
- صديقي هذا شاب في مقتبل العمر .. وهو يعمل مع والده في التجارة .. كما أنه الوريث الوحيد لكل الأملاك .. ولقد جاء اليوم لخطبة إبنتنا نور .
وقفت نور بشكل مباغث .. وهي تقول بصوت قاسي :
- أولا أنا لست ابنتك ولن أكون ابدا .. ثانيا لن أوافق على هذة الزيجة .
تسائلت الأم بقلق :
- أوليس شابا خلوقا يا نبيل ؟.
أجابها بسرعة .. ودون تفكير :
- نعم .. نعم .
هنا حولت الأم نظرها لابنتها التي تبشر ملامحها بنوبة بكاء :
- إذا لماذا ترفضينه يا نور ؟.
- لأنني .. لأنني ..
- لأنك ماذا .
كانت نور تجاهد نفسها حتى تتغلب على تلك المشاعر التي تتصارع بداخلها والتي تحس بأنها أكبر من قدرتها على الإحتمال .. فيكفيها ما تعانيه من تشوش احاسيسها .. كانت تقف بعصبية وهي تضغط على أناملها وكأنها تحاول إعتصار مبرر مقبول لرفضها .. ثم نطقت أخيرا :
- لأنني لست سلعة أباع لمن يدفع اكثر .
رد عليها الخال بلطف .. وكأنه يغري طفلة صغيرة :
- إنه سيجعلك تعيشين مثل الأمراء .. وستستطيعين أن تقيمي عرسك في افخم الفنادق يا نور .. ولن تحتاجي معه لأي شيء .. حتى يمكنك أن تتركي الدراسة فما حاجتك للعمل .. وأنت زوجة شاب غني مثله .
كانت نور تشعر بأن معدتها تكاد تنقلب .. فهي تكرة مثل هذا التفكير المريض :
- وهل تعتقد أن هذا كفيل بإقناعي ؟.
- وماذا تريدين إذا ؟.
- ومن قال بأنني طلبت منك شيء ؟
تحدثت الأم وهي تمسك بيدها .. وتحاول تهدئتها و اجلاسها :
- نور .. حبيبتي .. لما لا تدعينا نناقش الموضوع بهدوء .. فنحن ايضا لن نرميك يا ابنتي .. ومؤكد اننا سنتأكد من حسن أخلاقه .
قاطعها الخال نبيل :
- ليس هنالك داعي .. فلقد قمت أنا بذلك مسبقا ..
نظرت له نور بحدة :
- أنت لن تستطيع إجباري على شيء .
هنا إرتفع صوت الخال نبيل :
- بل أستطيع .. إن كنت لا تدركين مصلحتك .
- إن مصلحتي ليست مع شاب غني يشعرني بأنني قطعة اشتراها بنقوده .. لا تملك حتى حق إمتلاكها لنفسها .
زفر ساخرا .. وقد عاوده أسلوبه المستفز بالحديث معها :
- وأين هي مصلحتك ؟.. مع موظف بسيط مثل والدك ؟.
أغمضت عينيا محاولة تمالك نفسها ثم فتحتهما .. وهي ترفع حاجبها بتحدي ظاهر :
- نعم .. ما دمت سأعيش بكرامة معه .. وسيظل يشعرني بكياني مثلما كان يفعل والدي ..
ألقت نور بتلك الكلمات عليه وخرجت قبل أن تفقد أعصابها أكثر من ذلك .. ورمت بنفسها على سريرها .. ثم أفلتت تلك الدموع الساخنة لتبلل وسادتها .. بعد أن ناضلت طويلا للتسيطر عليهم ..
هل يستطيع الخال نبيل إجبارها على ذلك ..
هل يملك من خبث النفس ما يمكنه من تدمير مستقبلها ..
بدأت تتخيل نفسها بتلك الحياة التي رسمتها كلماته ..
فتاة شابة لم تكمل تعليمها الجامعي .. لا تُعرف إلا باسم زوجها الغني .. الذي تعيش معه حياة مترفة خالية من الأحاسيس .. تملاء أيامهما أعمال روتينية تافهة .. ولا تبربطهما إلا حجرة المعيشة الزوجية .. والأطفال ..
ضغطت نور على الوسادة التي كانت تحضنها بقبضة يديها .. وهي تحس بأن قلبها يحترق من شدة الألم ..

رن هاتفها .. وكانت لا تشعر برغبة في الرد .. لولا أن رأت اسم صديقتها الحنونة رهف .. فسارعت بالإجابة بصوتها المهزوز من أثار البكاء .. روع رهف حالها وتساءلت بقلق :
- حبيبتي نور .. ما بك .. هل حدث لكم مكروه ؟.
- رهف أنقذيني .
لم تستطع نور أن تنطق بأكثر من ذلك .. وانفجرت باكية .. حاولت رهف تهدئتها وتهدئة نفسها أيضا .. وطردت تلك الأفكار المتشائمة التي تغزوا تفكيرها فهي لم تستطع إستنتاج ما يضايق صدقتها المرهفة المشاعر :
- نور هل لك أن تهدئي لتطمئنينني ؟.
حاولت نور أن تجعل صوتها مفهوما وحدثت رهف بكل شي .. فعادت الصديقة تتسائل بعطف :
- لماذا ترفضينه يا نور ؟.
- حتى أنت يا رهف ؟.
أجابتها مربررة كمن ينفي تهمة عنه :
- أنا لا أثق بالخال نبيل .. ولكن ربما هذا الشاب مناسبا لك بالفعل ..
- أنا لا أود أن أرتبط به ؟.
سكتت رهف .. ولم تود أن تزيد من توتر صديقتها :
- حسنا .. سنتحدث فيما بعد .. لا تتعبي نفسك الآن .. وحاولي أن ترتاحي .

نفذت نور أوامر رهف فلقد كانت تشعر بالإجهاد الشديد .. وفي المساء جاءت والدتها متسلله إلى حجرتها .. تنهدت نور بعد أن فهمت نيتها .
جلست حياه بجانبها واحتضنتها بحب بالغ .. ثم قبلتها على رأسها وهي لا تزال تحتضنها وتهزها كالأطفال :
- حبيبتي .. لماذا انفعلت بذلك الشكل ؟.
- ألا تدركين ما قام به الخال نبيل يا أمي ؟.
- وما الذي قام به ؟.
إبتعدت نور عن والدتها وهي ترفع حاجبيها بدهشة :
- لقد احضر الشاب حتى يتفرج علي .. حتى يرى إن كنت سأنال إعجابه أم لا ..
تنهدت الأم .. ثم أجابت محاولة تبرر عمل زوجها الغير مبرر :
- ولكنه أعجب بك ؟.
- وهل هذا جواب مقنع بالنسبة لك ؟.
- لماذا تحاولين قطع نصيبك يا حبيبتي ؟..
ردت عليها بعناد :
- أنا لا أزال صغيرة .. كما أود أن أكمل دراستي .
- تستطيعين أن تشترطي عليه ذلك .. حتى يدعك تكملين الدراسة بعد الزواج .
- أنا لا أريده يا أمي ؟.
كانت حياه ستهم بالحديث .. عندما وقفت نور مقاطعة لها :
- قولي أنني أصبحت حملا ثقيلا عليكما .. وأنكما تودان التخلص مني ..
عقدت الدهشة لسان والدتها .. وسارعت نور بإرتداء عباءتها وحجابها .. فتساءلت الأم بقلق :
- إلى أين يا نور .. أنا لم أقل كلاما يزعجك يا حبيبتي .
أفلتت نور دموعها وهي لا تقوى على مواجهة نظرات والدتها القلقة .. فهي لم تتعود أن تكون سببا في حزنها :
- بل أنا من يزعجك بكلامي .
أجابتها الأم برقة واللوعة بادية في نبرتها :
- لا تقولي مثل هذا الكلام يا نور .. أنت ابنتي .. أنت قطعة مني .. بل أنت الشيء الوحيد الذي يسيرني في هذة الحياة ..
تدفقت دموع أخرى على خدي نور .. وهي تتوسل لوالدتها :
- سامحيني يا أمي .. ولكنني يجب أن أخرج فأنا أشعر بأنني سأختنق .
- ألى أين ستذهبين ؟.
فكرت نور ثم قالت مطمئنة وهي تمسح دموعها :
- إلى حسام .
أشاع اسم حسام السكينة في قلب والدتها .. وكانت هي تدرك ذلك عندما نطقت باسمه .. كما أنها لم تكذب .. فهي حقا بحاجة لمنقذها الوحيد ..
خرجت من البيت بعد أن جففت دموعها .. ولم تشعر بالوقت ولا بالطريق الذي يبعد بيتها عن عيادة حسام .. ففكرها كان مشغولا ولم يسمح لها بتتمييز ما يمر حولها ..
لاحظت الخاله نظرة توترها .. فسارعت في إجلاسها على إحدى المقاعد بإهتمام صادق .. وحدثتها مطمئنة :
- لن تنتظري كثيرا .. فلم يعد يوجد سوى مريض واحد لدى الدكتور حسام غير الذي بالداخل ..
هزت نور رأسها بإستسلام .. مما جعل الخالة نظرة تشفق عليها وتردف قائلة :
- أتودين أن أخبره بحضورك ؟.
سارعت تجيبها وهي تحاول أن ترسم إبتسامة مطمئنة على شفتيها .. ولكن يبدوا بأنها زادت من قلق الخالة نظرة عليها :
- لا .. لاداعي لذلك .. سأكتفي بالإنتظار .
- حسنا يا حبيبتي .
كانت نور تجلس شاردة وعندما فتح باب حجرة حسام .. وخرج منها ذلك الطفل اللطيف .. وهو ينط أمام والدته بفرح .. لم تستطع منع إبتسامة داهمة شفتيها المطبقتين .. وظلت تتابع حركاته الشقية بفرحة صادقة وكأنها تتمنى بداخلها أن تعود إلى هذة المرحلة التي يعيشها .. مرحلة النقاء واللامبالة .. مرحله اللاهموم .. كم تحن إلى تلك الأيام .. أيام أن كان والدها موجودا .. يغمرها بكل الحنان والحب الذي تحتاجه .. تلك الأيام التي كان حضن والدتها لا يفرقها أبدا .. وكانت وسادتها الوحيدة عند النوم هما ذراعيها النعمين .. لم تشعر نور بتلك الدموع التي إنسابت منها إلى عندما جائها ذلك الصوت الدافئ الذي لطالما إنتشلها من أحزانها .. كان مرتاعا بعض الشيء :
- نور .. ما بك يا صغيرتي ؟.
رفعت عينيها دون وعي منها .. ثم هزت رأسها بسرعة متداركه الموقف .. وهي تمسح دموعها وتبتسم بسخرية من نفسها .. ثم أردفت بعد أن وقفت أمامه :
- كم أنا سخيفة ؟.
لم تفلح كلمتها ببث الإطمئنان إلى قلبه المحب لها .. وعاد يحدثها بحنانه المعهود :
- هل أنت بخير صغيرتي ؟.
أومأت بعينيها وقد أشفقت عليه :
- نعم يا حسام .. لا تقلق .
أدخلها إلى حجرته وهو يستحثها قائلا :
- إذا ما الذي يبكيك ؟.
- مجرد مشكلة بسيطة .. كالمعتاد .
صمت حسام وهو يرهف السمع لها .. فعاودها الإكتئاب وهي تخبره .. كمن ينقل خبر نعي عزيز :
- لقد تقدم لي عريس .
- ماذا ؟.
أطلق حسام سؤاله بنبرة قريبة للصراخ .. ولكنه تمالك نفسه .. وتساءل بإهتمام بعد أن رأى ملامح الإستغراب من تصرفه تكلل ملامحها الطفولية :
- هل هذا ما يزعجك إذا ؟.
- نعم .
عاود أسئلته .. بإحساس من ينتظر حكما بالإعدام :
- وهل وافقت ؟.
- بالطبع لا .
اخذ حسام نفسا عميقا .. ولكنه ظل يتفحصها بعينيه .. وأدركت هي أن هنالك شيء غريب في نظراته شيء لم تستطيع فهمه بعد :
- وما هو سبب رفضك ؟.
أجابت ببساطة محاولة اقناعه بإجابتها :
- لأنني لا أعرفه .
عادت تقول بعد أن أحست بأن إجابتها ليست كافية :
- كما أنني لا أحبه ؟.
تسائل بإستغراب :
- وهل شرط أن ترتبطي بشخص تحبينه ؟.
- لا .. ولكن على الأقل .. أكون مطمئنه له .. ولمشاعره نحوي .
ظل حسام يرمقها بتلك النظرة الغريبة .. والتي لمحت فيها نفس الغذاب الذي تعانيه :
- صغيرتي .. أنا على إستعداد من أن أسال عنه حتى تطمئني .. وصدقيني أنا لن ارضى أن ترغمي على شيء أنت لا تودينه .
- ولكن لماذا ستتعب نفسك وأنا سأرفض في النهاية .
احست نور أن جملتها الأخيرة زادت من عذاب حسام الذي تسائل بصوت خفيض متوجس :
- لماذا ؟
هنا وقفت نور بعصبية :
- كفى .. لقد مللت من سماع هذة الكلمة .
- يجب أن تجيبي عليها يا نور .. يجب أن تكوني صادقة مع نفسك .. ما الذي يمنعك من الإرتباط بأي شخص ؟.
ظلت نور صامته وهي تحاول مغالبة دموعها .. فعاد هو يسألها بلطف أكبر .. والألم يعتصر ملامحة .. لابد أنها تسبب لحسام الكثير من المضايقات فهي دائما ما تشركه في معاناتها :
- لما لا تجيبيني يا نور ؟.
تحجر الدمع في عينيها وهي تنظر له بتحدي بعد أن تذكرت شيئا فجأة :
- لما لا تجيبني أنت ؟.
على الإستغراب ملامحه .. فعادت تشرح له وهي تشير بعينيها لذلك الملف الكائن على طاولته :
- أنا على يقين أنك أعلم بالإجابة .. وبسبب رفضي للإرتباط بأي شخص .
إرتبك قليلا .. ولكنه سرعان ما تصنع عدم الفهم وهو يتحدث معها بشكل أكثر هدوئا :
- وما هي الإجابة التي تنتظرينها مني ؟.
- ما هو المرض الذي أعاني منه يا حسام ؟.
تقدم حسام منها وحاول أن يجلسها وهو يطل عليها بعينيه الجذابتين واللتان تلمعان بصفاء روحه :
- لما لا تودين تصديقي .. صغيرتي ؟.
صحيح لما لا تستطيع تصديقه ..
لماذا تشعر في قرارة نفسها بالخوف كلما سألته هذا السؤال ..
وإلى متى ستظل توهم نفسها بصدق كلماته ..
ابتعدت نور منه ولم تستجب لتهدئته .. ثم توجهت نحو باب الخروج بصمت .. فسارع هو يستوقفها :
- إلى أاين .. صغيرتي ؟.
كانت تدرك مدى الخوف الذي يتملكه من أجلها .. فحاولت ما استطاعت حتى تجيبه بشكل طبيعي :
- لا تقلق يا حسام .. سأعود إلى البيت .. وسأحاول مؤقتا أن أنسى كل ما حدث معي اليوم ..
- وهل تعتقدين بأنني أقوى على تركك هكذا ؟.
ابتسمت له وهي تمسح دموعها .. ولكنه يدرك بأنها مجرد إبتسامة مخادعة .. ظل يطوف بعينيه على صفحة وجهها .. ولكنه لم يملك في الأخير سوى الإستسلام لرغبتها .. فراح يبتسم لها هو الآخر .. تلك الإبتسامة الدافئة المفعمة بالحنان والتي تملك القدرة على تبديد سمائها الملبدة بالأحزان :
- حسنا صغيرتي .. لا تجعليني أقلق عليك .. ولتتصلي بي غدا فور استيقاضك .
هزت راسها بالموافقة .. ثم خرجت من العيادة وهي تشعر بأنها تائهه وسط أفكارها ومشاعرها .. هل كانت صادقة مع نفسها في كل تلك الإجابات التي تفسر ذلك السؤال الوحيد ( لماذا ؟؟) .. إنها تدرك في أعماقها أن المانع أبعد من كل تلك الإجابات .. تعلم أن ذلك المانع يتجسد في شخص ما .. إنه نفس الشخص الذي تشعر بمدى حاجتها له الآن .. بشدة إشتياقها إليه .. بدأت الدموع تخنقها وهي تفكر بذلك الحبيب الغائب والذي لا يعلم عنها شيء .. ياترى ماذا سيكون رد فعل سامح عند معرفته لخبر زواجها .. زفرت نور بسخرية بعد أن أفلتت دمعة من عينيها .. كم هي موهومة .. ما الذي يدعوها للتسائل عن مشاعره .. مؤكد لن يؤثر الخبر عليه .. ألم ينصحها هو بالنسيان .. مسحت دمعتها لتعود وتسقط دمعة أخرى .. ولكن متى ستستطيع هي العمل بنصيحته ..
لم تكن نور تدرك شيئا حولها لذلك لم تشعر بذلك الشاب الذي يسير بسيارته بشكل بطيء بجانبها .. كما أنه كان يطلق بوق السيارة محاولا استرعاء انتباهها .. تسلل الخوف إلى قلبها .. وهي تعود وتتفقد دموعها التي جفت تلقائيا جراء التوتر الذي أصابها .. ولكن الشاب ظل صامدا وعاود إطلاق البوق وكان صبره بداء بالنفاذ .. ولكنها توقفت متصلبة عندما سمعته يهتف بإسمها بإلحاح :
- نور .. نور .. هل أصبتي بالصمم ؟.
إلتفت إليه بإستغراب بعد أن ميزت فيه نبرة سامح الساخرة .. فتح لها باب السيارة وهو يدعوها للركوب :
- هيا اركبي .
لم تعرف سبب تغير صلابة الأرض تحتها .. فلقد شعرت بأنها تقف على أرض رخوة .. كما أن إرتعاشة جسدها زادت من عدم توازنها .. فوجدت أن ذلك الكرسي الثابت والكائن بجانب سامح .. أقرب ملجاء لها .. حتى لا يغشى عليها في الطريق العام ..فدخلت الى السياره بإستسلام ..
لم ينطلق سامح بالسيارة مباشرة وعندما حولت نظرها إليه وجدت أنه كان يتفحص ملامحها بإستغراب يتخلله بعض القلق .. أو أنها هكذا توهمت .. أشاحت بوجهها سريعا وهي تحاول تفقد خديها من مدى جفافاهما .. وزاد وجودها بجانبه من سرعة نبض قلبها المتمرد .. حتى بدأ يراودها احساس بأنه يصل مسامع سامح بوضوح .. فاسترقت نظرة إليه محاولة التأكد من ذلك .. فجأة تحدثت عندما وجدته ينحرف بالسيارة إلى طريق مدينة التواهي :
- إلى أين تذهب ؟.
- ما بك خائفة ؟.. سوف أذهب لأحضر كتابا من صديقي .. بعد ذلك ساوصلك إلى البيت عند طريق عودتي .
عادت تحول نظرها نحو النافذة .. ولكن إحساسها بوجوده .. طغى على كل شعور لديها .. بل زاد في هيجان مشاعرها .. إسترعاها هو من شرودها :
- أين كنتي ؟.
أجابت باقتضاب .. ودون أن تنظر إليه :
- في عيادة حسام .
- هل كنت تبكين ؟.
داهمها بسؤاله ذلك .. ولكنها أجابته بنفس الطريقة المقتضبه حتى لا يكشف كذبها :
- لا .
- لا اصدقك .
ظلت صامتة فهي لا تشعر بقابلية لخوض معركة جديدة في حديث سامح الذي يتعمد به إستفزازها .. لم يضف هو شيئا .. وشعرت به يوقف السيارة ويخرج منها .. غاب قليلا ثم عاد وهو يمسك كتابا في يده ..
أخذت نفسا عميا وحاولت أن تطلق معه كل الشحنات السلبية التي يعج صدرها بها .. ولكن دون جدوى .. ولم تستطع سوى أن تدعوا الله أن ينقذها من هذا الموقف .. فهي تدرك أن سامح لن يدعها وشأنها .. بعد أن رآها في مثل هذة الحالة .. فهي لن تخبره بشيء ..
في طريق العودة .. لم تلحظ بأنها كانت تلعب بالإسوارة الملفوفة حول معصمها بتوتر .. محاولة التخفيف من حدة مشاعرها .. ولكنها أدركت ذلك مع نظرة سامح إليها .. وتلك الإبتسامة المغرورة التي اجتاحت وجهه الوسيم .. أسرعت هي بإخفاء الإسوارة تحت كم عبائتها .. وعقدت أناملها فوق حجرها .. وكأنها أعلنت سجنهما على فعلتهما .. لقد كانت تشعر فعلا بأنها سجينة ..
سجينة لقرارات الخال نبيل وتحكمه بمستقبلها .. وضعفها المتوقع أمامه ..
سجينة لمرضها المجهول والذي يصر حسام على إخفاءه عنها ..
سجينة حبها لهذا الشاب الذي يجلس بجابنها بهدوء ..
كم أصبحت شديدة الحساسية هذا اليوم .. فهي تشعر بأنها تفقد كل الخيوط التي تسيطر بها على إنفعالاتها .. فما الداعي الآن لهذا الدمع الذي ينساب من عينيا بصمت ..
- نور .. لماذا تبكين يا حبيب.....
قطع سامح كلمته الأخيرة بسرعة .. ولكنه لم يدرك أنه بذلك يعتصر قلبها الرقيق .. وكأنه يقطع آخر أمل لها في رجوعه إليها ..
للحظة شعرت بأنها لا تستطيع سماع صوته .. ولا تشعر بوجوده .. وكأن المسافة الصغيرة التي تفصل بينهما إتسعت بشكل مفاجئ لتفصل بينهما .. نعم إنهما لا يملكان الحق بحب بعضهما .. فإن لم يكن حبهما قد مات .. فهو يحتضر الآن بين يدي الخال نبيل ..
عاود سامح تساؤله القلق .. وهو يمد يده ويمسح بأنامله دموع عينيها :
- أرجوك يا نور توقفي عن البكاء .. واخبريني عما يزعجك ؟.
أشاحت هي بوجهها عنه بطريقة عصبية .. وتحدثت بصعوبة من خلال نشيجها المفاجئ :
- أوقف السيارة .. يا سامح .
- هل جننت يا نور ؟.. لقد قلت بأنني سأوصلك .
- وأنا لا أريد منك شيئا ..
- أنت تتهربين من سؤالي ؟.
- أنت تعلم بأنني لن أجيبك ؟.
- لماذا ؟.
نظرت إليه بتوسل والدموع تغشى عينيها فتشوش عليها الرؤيه .. والألم يعتصر قلبها الصغير :
- إنك حقا تمعن في تعذيبي .. أنا لا أفهم ما الذي تريده مني .. هل يرضيك أن تتلاعب بمشاعري .. أن أظل سجينة هواك .
نظر إليها بصدق .. وهو يشفق عليها :
- ألم تفهمي بعد يا نور ؟.
لم تكن تجد سببا لبكائها .. ولكنها ظلت تجيبه بكلماتها المهزوزة :
- متى ستفهم أنت بأنك خسرتني .. حتى كمجرد أخت .. متى ستدرك بأنني أستطيع أن أحيا من غيرك .. وأن قلبي مؤكد سيعشق سواك .
صمتت لبرهة وهي تنظر إلى الأسفل بحزن شديد .. ثم عادت تقول له بعد أن أوقف السيارة محاولا استيعاب كلامها الجارح :
- حتى وإن كان ما اقوله كاذبا .. فالقرار لم يعد بيدي الآن ..
لم يكن بيتها يبعد كثيرا .. ففتحت السيارة وكأنها تحاول الهرب منه .. من نظراته الحزينة التي تزيد وجيعة قلبها .. مما سيقرر قوله ردا على حديثها .. لقد تركته يغرق في ذهول .. أصابها هي أيضا جراء ذلك الكلام الذي لم تكن لتفكر يوما بقولها له ..



الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 9
قديم(ـة) 05-04-2012, 07:29 PM
صورة ♫ معزوفة حنين ♫ الرمزية
♫ معزوفة حنين ♫ ♫ معزوفة حنين ♫ غير متصل
©؛°¨غرامي فضي¨°؛©
 
الافتراضي رد: ملاك الحب / للكاتبة : my faith



(7)
عرض




عندما عادت نور إلى منزلها .. توجهت مباشرة إلى الحمام لتستحم وتجعل المياه الباردة تخفف من سخونة جسدها جراء حرارة الصيف .. وحرارة مشاعرها المتضاربة .. من ثم لجأت لسريرها الناعم هربا من كل مشاكلها .. حاولت أن تطرد كل الأفكار من رأسها .. وأن تنام بذهن خالي من الهموم ..
كانت نور تشعر بإرهاق شديد بعد كل ذلك التوتر الذي عانت منه خلال يومها .. فلم يستعصي النعاس عليها .. وسرعان ما غرقت في نوم عميق يشوبه الكثير من الأحلام الغير مفهومة ..
لقد رأت نفسها وكأنها عروس في حفل من دون عريس .. وكانت بالحلم تبحث عن عريسها بقلق بين ذلك الكم الهائل من المدعوين .. وبين الجموع لمحت سامح يبتسم لها بحب ثم يدير ظهره .. ويختفي .. ظلت تركض ورائه والدموع تغرق عينيها .. كانت تصرخ به :
- أنا هنا يا سامح .. لا تتركيني وحيدة .. لما لا تراني ؟..
إلى أن وقعت على الأرض بيأس .. أحست بيد تطوق خصرها.. وتوقفها على قدميها .. أمعنت النظر في ذلك الشخص لتجد أنه والدها الحبيب .. كم سعدت برؤيته في حلمها واحتضنته بشوق شديد .. ظل والدها يربت عليها بحنان بالغ دون أن يحدثها بشيء .. من ثم أخذها من يدها إلى حجرة منعزلة .. لتجد أن حسام يقف هناك بانتظارها والحزن يرتسم على ملامحه بوضوح .. تقدمت منه بخوف .. ولا تدري كيف اختفى والدها .. ولكنها كانت مشغولة بذلك السر الذي يخفيه حسام عنها .. أخذ يديها بعطف وكأنه يخشى على أناملها الرقيقة أن تتكسر بين يديه .. ثم قال لها :
- نور .. صغيرتي .. لقد أخفيت عنك هذا طويلا وحان الوقت لكي أخبرك بحقيقة مرضك ..
في تلك اللحظة بالذات .. نسيت نور كل شيء .. نسيت العرس الذي يفتقر للعريس .. المدعوين .. ذلك الحبيب الهارب .. وأباها العائد .. كانت لا تسمع إلا وقع نبض قلبها .. أخبرها حسام وهو ينظر بألم إلى عينيها السوداويين الجميلتين .. وكأنه يشفق عليها قسوة هذه الحياة ولكنه نطق أخيرا :
- نور أنت مصابة بـ .......
كانت نور ترى شفتيه تتحركان لكن دون أن تسمع كلمة واحدة .. كان صوت قلبها يتعالى ويطغى على كل صوت سواه .. وكلما تزايد النبض أصبح أقرب إلى لحن ثم إلى أغنية ..
كانت تلك الأغنية صادرة من هاتفها المحمول .. والذي كان سببا باستيقاظها قبل أن يفصح لها حسام عن حقيقة مرضها بالحلم .. زفرت نور بضيق .. لقد كانت تأمل نسيان كل أحداث أمسها ولكن يبدو أن الأحلام .. لم توافقها الرأي .. أخذت الهاتف بكسل .. وأجابت بصوت ناعس وعينين مغمضتين :
- مرحبا .
- نور .. حبيبتي .. كيف حالك اليوم ؟.
- أنا بخير يا رهف لا تقلقي عليّ .
- هل جد شيء منذ الأمس ؟.
- لا .. ولكني قررت تجاهل الأمر مؤقتا ..
كانت نور تجيبها بخمول .. فقالت لها رهف بهدوء :
- نور هل استيقظت أم أنك تهلوسين ؟.
ابتسمت نور .. وأجابتها بصوت خامل :
- لا أنا مستيقظة ما بك ؟. هل حدث شيء ما معك ؟.
- نعم .. لقد علمت أن النتائج قد ظهرت في الكلية .. وفكرت بأن أخبرك حتى تذهبي لتريها .
هنا قفزت نور من على السرير .. وهي تصرخ :
- حقا .. لما لم تتصلي بي قبل هذا الوقت ؟.
- اهدئي أنا لم أعلم سوى الآن ..
- حسنا .. أنا سأذهب لأراها وسأطمئنك فور وصولي .
أغلقت الصديقتان هاتفيهما والهواجس تتسلل إلى قلبيهما .. أسرعت نور في تحضير نفسها .. ثم خرجت مسرعة تسابق الدرج .. وهي تخبر والدتها بأن النتائج قد ظهرت .. شيعتها حياة بدعوات صادقة بالتوفيق .. وبأن يطمئن الله قلبها ..
ما هي إلا لحظات حتى كانت نور بين مجاميع الطلبة الذين يحاولون تفقد علامتهم .. سرعان ما اندست بينهم .. وبدأت تنقب عن اسمها واسم رهف .. لقد نجت الاثنتان بتقييمات متفاوتة بين الامتياز والجيد جدا والجيد وحتى المقبول .. ففي كليتها كان الطلبة يخافون الفشل ولا ينشدون الامتياز إلا نادرا .. فكل هذا يعتمد على أساتذة الكلية وأساليبهم المتعددة ومزاجيتهم في التصحيح ..
كانت نور فرحة كثيرا .. وحين همت بالاتصال برهف وجدت أن هاتفها يرن :
- مرحبا .. يا رهف ألم تستطيعي الانتظار حتى أتصل بك ؟.
- مؤكد لا .. هيا .. أخبريني ؟.
أجابتها نور باستهتار :
- بماذا ؟.
صرخت رهف مازحة :
- نور .. لا تجعليني أغضب منك .
ضحكت نور بفرح وهي تجيبها .. لقد كانت سعادتها كبيرة جدا لدرجة أنها للحظة نسيت كل همومها :
- حسنا .. حسنا .. لقد نجح كلانا وبتقديرات جيدة جدا .
أطلقت رهف تنهيدة حارة .. وردت عليها وهي تشاركها فرحتها :
- آه .. حمدا لله .. مبروك يا نور .
- مبروك يا رهف ..
ضحكت الصديقتان مرة أخرى .. من ثم تبادلا كلمات الوداع .. وأغلقت نور هاتفها متوجهة إلى باب الخروج في الكلية ..
في ذلك الحين رأت سامح يقف في أحدى الأركان .. وكأنه ينتظر أحدهم .. ولكنها أدركت أنها هي المعنية عندما تقدمت منه أكثر ورأته يركز عينيه عليها .. كانت نظرته سببا في برودة يديها .. فكرت أن تتجاهله .. ولكنها عزمت على أن تذهب وتطمئن عليه .. وتدع الأمور تمر ببساطة بينهما .. كان وجهه يعلوه أمارات حزن مكتوم .. مما جعل القلق يتسلل إليها فحدثته بحيرة :
- سامح .. هل ظهرت نتائج امتحاناتك ؟.
- نعم .
- وهل كانت مرضية .
هز رأسه مطمئنا :
- نعم .. لا تقلقي .
ظل يتفحصها مما زاد ارتباكها .. وجعل نبض قلبها يتعالى .. وكأنه يعلن عدم قدرته على مواجهة تلك العينين البنيتين .. سألها هو هذه المرة :
- وكيف كانت نتائجك أنت ؟.
حاولت أن تحدثه ببساطة متجاهلة كل ما تمر به من توتر لأحاسيسها بقربه :
- الحمد لله .. لقد كانت مثلما توقعت تماما .
هز رأسه وهو يحاول انتزاع ابتسامة من شفتيه .. لقد بدأ حزنه هذا يقلقها .. فعادت تسأله :
- سامح .. هل بك شيء ؟.
- هل يمكنني أن أحدثك قليلا ..
- نعم .. بالطبع .
سارت بجانبه .. ليجلسا في ساحة الكلية .. كانت الكلية شبه فارغة .. فكل الطلبة المتواجدين .. متجمهرين أمام لائحة نتائج الامتحانات .. ظل هو صامتا فترة من الزمن وكانت تنظر إليه بتوجس .. وهي تراه يغالب نفسه حتى يبدأ الحديث .. فشرعت هي بالحديث أولا :
- ماذا هناك يا سامح .. لقد بدأت تقلقني ؟.
أبتسم لها مطمئنا ثم أجاب :
- هل يمكنني أن أتحدث معك بصراحة يا نور ؟.
لا تدري لماذا كلمته هذه زادت من توتر أعصابها ولكنها ردت عليه بهدوء :
- تحدث بما تريد .
- هل تحبينه ؟.
نظرت إليه باستغراب شديد متسائلة :
- من ؟!.
- ذلك العريس الذي تقدم لك ؟.
- ومن أخبرك بذلك ؟.
- لقد سمعت حسام يحدث أبي عنه .
- آه .
لم تكن تجد كلاما آخراً تقوله له .. وكانت تحاول منع مشاعرها من الهيجان .. فهي تشعر بجرح عميق في قلبها .. يسهل على أي شخص أن يدميه .. سمعت سامح يسألها بحدة :
- هل ستوافقين عليه ؟.
أخذت نفسا عميقا ثم نظرت له تتصنع الاستخفاف :
- وما الذي يجبرني على الإجابة ؟.
- لقد وافقت على أن نتحدث بصراحة .
ظلت صامته وقد بدأ الحزن يتسلل إلى قلبها .. فتساءل بإلحاح :
- أرجوك .. أجيبيني يا نور .
- هل لي أن أعرف أولا بأي صفة تسألني ؟.
- وهل يفرق ذلك ؟.
- نعم .
- إذا قلت أنني أسالك كابن عمك .. وصديقك القديم ؟.
أطلقت نور تنهيدة أخرى .. محاولة إبعاد هذا الضيق الذي يتملكها .. وأجابته بصوت خافت وهي تنظر إلى الأسفل :
- أنا حقا لا أعرف إن كنت سأوافق أم سأرفض .. فأنا لا أجد سببا يجعلني أقوم بأحد الخيارين .
هنا تغيرت نبرة سامح .. وأصبحت أكثر شجنا .. وتحمل الكثير من الصبابة في طياتها :
- وإذا قلت بأنني أسألك كحبيب .. لا يقوى على رؤيتك تضيعين من بين يديه ؟.
رفعت نور نظرها إليه والدهشة تعلو ملامحها البريئة .. وكانت تحوم بعينيها على قسمات وجهه الأبيض الوسيم .. محاولة أن ترى ثغرة تكشف بها كذبة .. ولكن محاولاتها باءت بالفشل .. فعينيه توحيان بمدى صدقه .. خفضت نور عينيها مرة أخرى .. وهي تحاول ابتلاع تلك الغصة التي تخنقها .. ولا تدري كيف استطاعت كلماته أن تجعل الدمع ينبثق من عينيها .. فأجابته بصوت مهزوز :
- لماذا تقول هذا الكلام .. ألا يكفي ما حدث بالأمس .. ألم يرضي غرورك بعد .
- أنا لا أريد إرضاء غروري يا نور .. أنت تعلمين أنني أحبك .. وأنني لطالما فعلت .
واجهته بعينيها الدامعتين :
- وبعد .
- ماذا تقصدين ؟.
- ماذا سيحدث بعد كل هذا الحب .. سنعود وندمره من جديد .
- لا .. لن يحدث ذلك .. وأنا أعدك .
كانت نور تشعر بأن ما تمر به الآن مجرد حلم .. هل من المعقول أن يعود إليها سامح .. كيف تستطيع إقناع نفسها بهذا .. ولكنها لا تجد في نفسها أي إحساس بالفرح .. هل لا تزال مجروحة منه لهذه الدرجة أم أن هنالك شيء آخر يسلبها فرحتها به .. لم يستطع سامح الصبر على صمتها .. فعاد يقول لها مطمئنا :
- أرجوك أن تصدقيني يا نور .. أنا حقا احبك .. ولطالما عانيت من بعدك عني .
عادت نور لتواجهه بعينيها السوداويين الجميلتين .. فراح يحدثها وهو يتأملهما بشغف :
- تزوجيني يا نور .
اتسعت عينيها .. ورمشت بهما غير مصدقة لتنثر تلك الدموع التي تبللهما .. في تلك اللحظة .. تذكرت شيئا .. شيئا حاولت جاهدة أن تطرده من تفكيرها .. شيئا جعل عبراتها تنساب بغزارة أكثر .. وهي تنظر إلى ذلك الحبيب الذي تدرك أنها لن تحصل عليه يوما .. فلقد تذكرت ذلك المرض مجهول الهوية :
- لا أستطيع .
عقدت الدهشة لسانه .. ولكنه سرعان ما تساءل بقلق يشوبه بعض الغضب :
- لماذا يا نور ؟.
وقفت نور وكأنها تعلن انتهاء حديثهما .. ولكنه أمسك بيدها ليوقفها .. اشتبكت تلك الإسواره التي أهداها إياها بين أنامله .. فعاد يتساءل وهو ينظر إليها :
- أولست تحبينني أنت أيضا .
عضت نور على شفتها السفلى وهي تحاول منع نشيجها .. ثم نزعت يدها برفق من قبضته .. وراحت تخلع اسوارته بيد مرتجفة .. ثم أعادتها إليه :
- إنساني يا سامح .. ألم تنصحني أنت بذلك ؟.
- ولكني لم أستطع ..
أجابته بتوسل .. والدموع ترثي حالها :
- أفهمني أرجوك .. أنا لم أعد أصلح لك .
- أهذه طريقتك الجديدة في رفضي ؟.
عادت نور تعض شفتها ثم أدارت ظهرها له وحاولت الرحيل حتى لا تعذب نفسها أكثر .. وتعذبه معها .. كان سامح يقف كالمذهول وهو يشعر بتلك الإسواره التي تستقر بين أنامله .. وكأنه لم يكن يتوقع رد فعل كهذا منها .. ثم أستيقظ من شروده فجأة وناداها باسمها .. فتوقفت فور سماعها لصوته .. تقدم منها اعتقادا منه بأنها استجابت لندائه .. ولكنه ما أن أقترب .. حتى رآها تسقط مغشيا عليها .. استطاع هو التقاطها قبل أن ترتطم بالأرض .. وحاول أن يوقظها وهو يربت على خدها بقلق ويحتضنها بذراعه الأخرى :
- نور .. ما بك يا نور ؟.
كان القلق يتملكه وحمد الله أن سيارة حسام كانت بحوزته .. حملها بين ذراعيه .. ثم أجلسها بالمقعد الذي بجانبه .. وربط حزام الأمان حولها .. وأتجه بأقصى سرعته نحو عيادة حسام .. كان الخوف يستبد به مع كل دقيقه تمر .. فنور لا تزال مغمى عليها .. وكأنها تغض في نوم عميق .. في العيادة وقفت الخالة نظرة فزعه .. عندما رأت سامح يحمل نور بين ذراعيه ويصرخ بها :
- أنقذيني يا خالة .. نادي حسام بسرعة .. فلقد أغمي على نور .
خرج حسام من حجرته على إثر ذلك الصراخ .. وروعه منظر نور بين ذراعي أخيه .. ولكنه سرعان ما استعاد هدوءه وأخذها من سامح برفق .. ثم وضعها على السرير .. بينما راحت الخالة نظرة تعتذر من والدة ذلك الطفل المريض وتخرجها من الحجرة لتنتظر الطبيب حسام حتى يفرغ .. بدأ حسام يرخي من حجاب نور الملفوف حول رأسها .. وراح يتفقد نبضها ويقوم ببعض الإجراءات الأولية للتأكد من سلامتها .. في الوقت الذي كان سامح يحوم مثل الطائر الجريح .. وهو يراها مغمضة العينين :
- ما الذي يحدث لها ؟.
ظل حسام صامتا .. فعاد سامح يلح عليه بالسؤال وبقلق واضح :
- لما لا تجيبني ؟.
- إهداء يا سامح .. ربما هو مجرد هبوط في السكر .. سبب لها الإغماء .
كان سامح يتابع حركات أخيه التي تحاول إيقاظ نور .. وكان يدرك أنها كانت لتستيقظ بشكل أسرع من هذا لو كان مجرد إغماء .. فتساءل بقلق أشد :
- إذا لماذا لا تستيقظ ؟.
- سوف تستيقظ عندما تستطيع ذلك .
كان سامح يشعر في قراره نفسه أن حسام يخفي عنه شيئا فبرودة المتعمد هذا لم يخدعه .. وكان يدرك وهو يرى حاجبيه المعقدين .. أنه يعاني من خوفه عليها .. مرت دقائق أخرى .. وبعدها فتحت نور عينيها بهدوء .. نظرت باستغراب وهي ترى حسام أمامها .. والذي كان يبتسم لها بحنان بالغ تلك الابتسامة الجذابة .. والتي لم تستطع إلا الرد عليها بأخرى وهنه ..
لفها بذراعه ورفعها حتى يساعدها على الجلوس .. تقدم سامح منهما بسرعة واحتضن وجهها الملائكي بين يديه وهو ينظر إليها بملء عينيه :
- هل أنت بخير يا نور ؟.
أحست ببعض الضيق من جرأته ولمسته لها .. وشعرت بالكثير من الخجل .. فأمسكت بيديه وأبعدتهما عنها ..اضطربت ملامحه قليلا .. عندما ذكرته حركتها بذلك الموقف الذي سبق إغمائها .. وأحس من نظرتها تأكيدا على رفضها لعرضه .. ولكنه ظل واقفا أمامها بحيرة فهو لم يتعود أبدا مثل تلك المعاملة منها .. قالت وهي تنظر إليه ببساطة محاولة إخفاء ما تعانيه من وجيعة .. وكانت تشعر بأنها تحكم على قلبها بالعذاب لقسوتها عليه .. ولكنها تدرك أنها مجبرة على هذه القسوة :
- لا تقلق يا سامح .. وليس هنالك داعي لوجودك هنا .. فحسام سيحرص على إيصالي إلى البيت .
نظر سامح لأخاه الذي أوماء له بعينيه مطمئنا .. فعاد وحول نظرة نحو نور التي كان وجهها هادئ القسمات .. فودعها مستسلما :
- حسنا .. انتبهي لنفسك يا نور .
هزت رأسها بالإيجاب .. ومع خروجه بدأت عزيمتها بالانهيار .. وظلت تتطلع للباب بعينين دامعتين .. كانت تشعر بالألم يطبق عليها الخناق .. يعتصر قلبها .. لم تشعر من قبل بمثل هذه الوجيعة حتى يوم فراقهما الأول .. كان هنالك شيء مختلف هذه المرة .. شيء أكبر منهما الاثنين .. قرار اتخذته رغما عنها .. لا تدري لماذا تذكرت حلم الأمس .. كم هو مشابه لما يمر بها اليوم من أحداث حزينة .. شعرت بأنامل حسام الدافئة تمسح الدموع من عينيها .. أتاها صوته العميق المليء بالحنان :
- هل أنت بخير .. صغيرتي ؟.
أغمضت نور عينيها وجاهدت لكي تستطيع السيطرة على دموعها المنسابة بحرقة على خديها الناعمين .. كانت تحتاج لكل ما تملكه من قوة تحمل .. كانت مصرة على أن تجعل حسام يفصح لها عن سره .. فهي تدرك أن ما أصابها اليوم لم يكن مجرد إغماء .. نظرت إليه بعد أن أخذت نفسا عميقا حاولت معه تهدئة نفسها وإعادة صوتها إلى نبرته الطبيعية .. ثم نظرت له ملئ عينيها .. وبتحدي واضح :
- متى سيحين الوقت لتخبرني .. يا حسام ؟.
ارتبكت قليلا .. بعد أن كانت اللوعة والقلق يسيطران عليه .. ولكنه أجابها بهدوء كالمعتاد :
- أخبرك بماذا صغيرتي ؟.
- أنا لست صغيرة يا حسام .. ويمكنني تحمل الأمر .
وقبل أن يهم بإقناعها .. قاطعته قائلة بإصرار أشد .. بعد أن سكن الدمع على رموشها الندية :
- أرجوك .. لا تكذب علي مجدد .. لأني لن أسمح لك بذلك .
أخذ حسام نفسا عميقا .. ثم جلس بجانبها شارد الدهن .. كان يدرك أن لا مفر من معرفتها للحقيقة .. ولكنه لا يدري كيف يواجهها بذلك .. كم هو صعب عليه أن يرى صغيرته تعاني الحيرة .. ولكن هل يهون عليه أن يجعلها تعاني الصدمة .. مؤكد أنه لن يقوى على ذلك .. راحت نور تستحثه مجددا .. والخوف يتلصص على قلبها :
- يجب أن تخبرني يا حسام .
نظر إليها وحاول أن يحدثها ببساطة :
- لقد كنت أشك بالأعراض التي تعاني منها .. ولكني لم أكن متأكدا من ذلك .. لهذا راسلت أساتذتي في لندن .. وكان ردهم مجرد تأييد لشكوكي .. ولكنهم أيضا لن يستطيعون الجزم بشيء إلا بعد إجراء الفحوصات والاختبارات عليك .
كانت نور تستمع له والدهشة تتملكها .. والخوف يستبد بها .. أنها لا تستطيع شرح تلك الاضطرابات التي أصابتها فجأة مع كل كلمة ينطق بها حسام .. كمن يعلم أن هنالك خطر محدق يتربص به .. عادت تستحثه على الحديث بعد أن صمت ونظر إلى الأرض :
- أكمل .. ألا يوجد لهذا المرض اسم معين ؟.
ضغط حسام على أسنانه وكأنه يحاول كتمان تلك المعلومات التي لابد أن يقولها :
- بلى .. إنه مرض يعرف باسم (( الخُدر )) ..
عقدت نور حاجبيها .. وتغضن وجهها وهي تحاول تحليل ما تسمعه من ابن عمها .. فعاد هو يوضح لها برفق وقد شعر باصفرار وجهها :
- إن لديه اسم شائع وهو (( النوم القهري )) .. إنه مرض نادر جدا .......
لم تعد نور تعي شيئا مما يقوله .. كانت دموعها الصامتة والتي عاودت الانسياب على مجرى خديها .. تحجبان عنها الرؤية .. وأفكارها المحتشدة تمنعانها من سماعه .. صمت حسام بعد أن أدرك ما أصابها من ذهول .. ولكنها انزلقت بجسدها بسلاسة .. من على السرير ووقفت على الأرض ثم اتجهت نحو الباب .. دون أن تنطق ببنت شفه .. شعرت بيده تمسك بذراعها فنظرت إليه وكأنها تستغرب فعلته ..
- صغيرتي .. هل أنت على ما يرام ؟.
مسحت نور دموعها بيدها الحرة .. ووضعت ابتسامة لم تستطع إخفاء الحزن منها .. ثم أجابته بهدوء وكأن الحياة قد توقفت بداخلها :
- أنا في أحسن حال .. حقا .. لا داعي للقلق .
ظل حسام يتشبث بذراعها وملامحه تقطر مرارة .. كانت تشك للحظة أنه يوشك على مشاطرتها الدموع .. رغم كل ما تحسه وتعانيه إلا أنها تحب حسام .. ولا تقوى أبدا على رؤيته في مثل هذه الحالة .. فقالت بصوت خافت وفي نيتها أن تطمئنه :
- هل تعرف .. أنا سعيدة .
ظل حسام يتفحصها بقلق .. فنظرت هي إلى عينيه :
- فلقد كنت على حق عندما .. رفضت عرض سامح للارتباط بي .
هنا سقطت يد حسام من على ذراعها .. وتاهت كل المفردات من ذاكرته .. لم يجد كلاما يحدثها به .. أحست نور بأنه يعذب نفسه من أجلها .. فودعته مجددا وهي تبتسم بشكل أكثر إقناعا :
- لا تقلق يا حسام .. فهذا مجرد اختبار من الله .
خرجت نور .. لتتركه يعاني الذهول بدلا عنها .. فهي لم تكن يوما ضعيفة الإيمان .. حتى يوم موت والدها كانت حزينة حدا ولكنها قوية أيضا .. في حين توقع الكل انهيارها .. إنه فضل من الله عليها .. إذ يلهمها الصبر عند الأزمات ..
ما إن وصلت إلى البيت .. أطمئنت على شكلها قبل أن تدخل .. وتفقدت خديها المبلولين من آثار الدموع .. وراحت ترسم على شفتيها أوسع وأصدق ابتسامة استطاعت اصطناعها .. كانت والدتها تنتظرها بقلق :
- لما تأخرت يا نور ؟.
- أخذني الحديث مع زميلاتي .
يبدو أن والدتها لم تقتنع بالإجابة وكانت ستهم بطرح سؤال آخر عليها .. ولكن قاطعتها نور وهي تقبلها وتتوجه إلى حجرتها :
- لقد نجحت وحصدت علامات مشرفة .
تبعتها والدتها بعيون قلقة :
- ما بك يا نور ؟. تبدين متعبة يا حبيبتي .
- نعم قليلا .. لذلك لا أجد في نفسي قابلية لتناول الطعام .. وأود أن أنام فقط .
لم تستطع حياة معارضتها .. فلقد كان يبدوا الإرهاق واضحا عليها .. ولابد أنها بحاجة للراحة ..
حمدت نور ربها إذ أن والدتها لم تلح عليها كثيرا في تناول طعام الغداء .. فهي لم تكن لتقوى على احتمال مزيد من الحوار معها .. ولا بد أنها كانت لتنهار وتفضح أمرها .. ألقت بجسدها على السرير .. وظلت تسترجع كل ما مر بها اليوم من أحداث .. وما هي إلا ثواني حتى أنتشلها النوم من أفكارها اليائسة .. بعد أن أحرقت مخدتها بدموعها الساخنة .. لم تشعر بنفسها حتى جاءت والدتها في المساء لتيقظها برفق :
- نور .. نور .. هيا استيقظي يا ابنتي .
كانت تشعر بأنها لا تستطيع التحكم بجسدها .. فلقد كان يتملكها خمول شديد .. وكأنها تود أن تهرب من واقعها بهذا النوم المريح .. عادت والدتها تيقظها :
- هيا يا حبيبتي .. فابن عمك ينتظرك بالخارج .
نهضت نور فزعه :
- من .. سامح ؟.
- لا يا حبيبتي .. إنه حسام .
- آه .
- هيا .. أنهضي كي تتناولي غدائك قبل أن تخرجي معه ..
تساءلت نور بحيرة :
- إلى أين ؟.
- لقد أخبرني أن عمك يود رؤيتك .
نظرت نور إلى الساعة لتجد أنها السابعة مساءً .. تعجبت من نفسها .. فهي لم تتعود أبدا النوم كل هذه المدة بعد الظهر .. أخذت حماما منعشا .. من ثم شرعت في تحضير نفسها .. وتناولت لقمتين بشكل سريع لتحاول تهدئة والدتها فهي تدرك أنها لن تخرج من البيت إذا لم تتناولهما .. وما هي إلا ربع ساعة حتى أصبحت تجلس بجانب حسام في سيارته .. نظر إليها متفحصا .. فابتسمت له بصدق مما بث الاطمئنان إلى قلبه المحب لها .. لم يحدثها بشيء .. وإنما حرك سيارته باتجاه مدينة عدن الكائن بها منزلهم .. كانت تشعر أنه يتصرف على غير العادة لابد أن هنالك أمرا يشغل تفكيره .. أو أنه لا يزال يؤنب نفسه على بوحه لها بحقيقة مرضها .. كانت هي أيضا شاردة الذهن .. ولم تشعر إلا والسيارة تتوقف وينزل منها حسام .. نظرت حولها فوجدت أنه أوقفها في العقبة ذلك الطريق المطل على أحب المناظر إلى قلبها .. نزلت من السيارة تتبعه باستغراب .. وما أن رأت ذلك المنظر الخلاب حتى أسرها بجماله الطبيعي .. أخذت نفسا عميقا وملئت رئتيها بالعبير الصادر من بحرها الصافي .. بأمواجه المتراقصة بهدوء تحت ضوء القمر المكتمل .. كانت أضواء الليل الحالمة تشاركه رقصته الرومانسية .. فتهتز بنعومة على صفحات مياهه الداكنة ..
رأت حسام يجلس على صخرة مستطيلة الشكل .. وأشار لها كي تجلس بجانبه .. لم تمانع ذلك .. فلقد كانت تشعر بسعادة شديدة لوجودها هناك .. أخبرته وهي تجلس بجانبه :
- هل تعرف أنني أعشق هذا المكان ؟.
هز رأسه وابتسامته الجذابة تشرق في ملامحه :
- لهذا أحضرتك .
نظرت له نور بتعجب وشعرت أن حسام يعرف عنها الكثير .. دون أن تكلف نفسها حتى مشقة الحديث .. ابتسمت برضى وهي تتساءل :
- كيف تستطيع معرفة كل شيء يتعلق بي يا حسام ؟.. لابد أن لديك قدرة على قراءة أفكاري .
ضحك بمرح .. بعد أن لاحظ تعدل مزاجها .. وعلو حالتها النفسية .. فأجابها مشاغبا :
- ربما .
حولت نور نظرها نحو ذلك الجمال المتلألئ أمامها .. كان المكان مرتفعا .. وكانت تشعر بأنها تملك الدنيا .. أو على الأقل تملك استقرارها النفسي .. وهي تجلس هنا مغمضة العينين .. تنصت بسكون لهدير البحر وإيقاع أمواجهه .. كان ذلك الجو الشاعري الذي يحيط بها يعمل على تصفيه صدرها من كل ما علق به من هموم .. عندما فتحت عينيها .. وجدت حسام يتأملها بنظرات ملؤها الإعجاب .. خفضت رأسها بخجل شديد .. وتورد خداها بسبب تلك النظرة .. إنها تعرف كيف يراها هو بالذات .. فلطالما رأت نفسها من خلال عينيه كأجمل ما تكون الفتاة .. قطع حسام ذلك الصمت الحيي الذي يلفهما :
- لقد كذبت بشأن رغبة والدي في رؤيتك .. وذلك لكي استطيع الإنفراد بك .
أحست نور ببعض القلق .. وتساءلت وهي تحاول أن تستشف من خلال عينيه ما يخفيه عنها .. ولكن لم يظهر عليه سوى الارتباك :
- خير .. إن شاء الله .
- لقد كنت أود أن أحدثك عن مرضك صغيرتي .
حولت نور نظرها نحو البحر .. وكأنها تستنجد به من هذا الواقع الذي يصر على أن يمسك بتلابيبها .. ظلت تستمع إليه بهدوء وهو يحدثها بصوته العطوف :
- إنه مرض نادر مثلما أخبرتك سابقا .. ويعرف باسم (( الخُدار )) .. يظهر هذا المرض لدى حوالي 1–2 % من أقارب الدرجة الأولى لمرضى الخُدار .. وذلك مقارنة ب 0.2–0.18 من الفئة العامة لأفراد المجتمع .
- ما الذي تود قوله يا حسام .. فأنا لم أفهم شيء ؟.
- ما أريد قوله أنه نادر ومزمن أيضا .. ولم يكتشف علاج له بعد .. ولكن في نفس الوقت .. يستطيع الإنسان التعايش معه .. وهنالك بعض العقاقير المنبهة والتي تساعد على تباعد فترات حدوثه .
صمت حسام قليلا محاولا تفسير ملامح نور المعقدة والتي علتها الكآبة .. ثم عاود الحديث مطمئنا :
- أنا لا أريدك أن تستسلمي صغيرتي ... فنحن قادرون على التعايش معه ... ولكن تظل هنالك مشكلة .
سارعت نور بالسؤال :
- وما هي ؟.
- يجب أن نسافر بك إلى لندن حتى تجرى عليك بعض الاختبارات ليستطيع الأطباء معرفة العلاج الذي يناسبك .
هنا توترت نور وهي تجيبه متوسلة :
- أرجوك يا حسام .. أنا لا استطيع السفر .. فأنا لا أود أن نطلع أحدا على هذا الخبر .. فوالدتي مؤكد ستنهار إن علمت به .
حاول تهدئتها كعادته :
- صغيرتي .. إنه حقا ليس بالسوء الذي تتخيلينه .
عادت نور تشرد بعينيها .. لقد كانت تدرك أن حسام يحاول بث الأمل بداخلها .. فهي ليست صغيرة لتجهل ذلك :
- يكفي أنه مرض لم تسمع به من قبل يا حسام .
حلق الصمت مجددا فوق رأسيهما ليضيف مزيدا من الحزن في قلبيهما .. كان هو أيضا البادئ بالحديث :
- صغيرتي .
استرعت كلمته انتباهها .. وراح هو يحدثها .. وكأنه يصارع الكلمات بداخله ويخرجها بصعوبة :
- لم يكن هذا فقط ما أردت الحديث به معك .
ظلت نور تنصت له بترقب .. فحدثها ممازحا ومحاولا تخفيف توترهما معا :
- لقد قررت أن أعرض عليك ثلاثة عروض .. وأنتي مضطرة لاختيار أحدهم .
ضحكت نور .. وردت على حديثه المازح :
- ألا أملك حق الاتصال بصديق ؟.
- لا .. فأنا هنا ويمكنك استشارتي .
هزت نور برأسها معلنه موافقتها .. واستعدادها لسماع ما في جعبته :
- أول عرض .. أن توافقي على ذلك العريس الذي تقدم لك .. بعد أن أتأكد من حسن أخلاقه طبعا .
شعرت نور بضيق شديد .. فلقد نسيت تماما مشكلة ذلك العريس .. لذلك سارعت بالرد عليه :
- لا .
_ لماذا ؟.
أجابته بعصبية بعض الشيء :
- لأن أمواله لن تستطيع شرائي أبدا .
- حسنا .. حسنا .. صغيرتي اهدئي أنا لم أكمل بعد كل خياراتك .
أحست نور بأنها بالغت بالانفعال .. فصمتت من جديد في الوقت الذي راح هو يعرض عليها الخيار الثاني محدثا إياها بصوت خافت .. كان الوقت الذي يمر يزيد بداخلها إحساسها بغرابه حسام .. فهو يتصرف على غير عادته .. والمعاناة تظهر جليه في ملامحه .. يبدوا أنه منزعج من شيء ما .. أو لعله مشغول البال .. ولكنها الآن لم تعد تستغرب ذلك .. فمؤكد أنه يحمل همها هي :
- ثاني عرض أن ترتبطي بسامح .
هنا تسارع نبض قلبها .. عند سماعها لاسم حبيبها المجروح .. تذكرت كل تلك الكلمات التي قالتها له .. كم كانت قاسية عليه .. كيف استطاعت ذلك .. كيف تحملت رؤيته ملتاعا من أجلها .. ولكنها مع ذلك ليست نادمة على ما فعلته :
- ما هو الخيار الثالث ؟.
- أنتِ لم تجيبي على الثاني ؟.
- مؤكد لن أوافق ؟.
- وهل يمكنني معرفة السبب ؟
- لأنني لم أعد أصلح للارتباط بأي شاب .
- لما تقولين هذا الكلام صغيرتي .. أنت حلم جميل يتمنى الجميع تحققه .
زفرت نور بسخرية :
- هذا لا يعطيني الحق بتدمير حياة سامح .
- لقد أخبرتك يا نور أنك تستطيعين التعايش مع مرضك .
أجابته بحرقة :
- وما ذنبه هو ليتعايش مع إنسانه مريضة .
ظل حسام صامتا .. كانت تحس بآلامها هي ترتسم على ملامح وجهه الجذاب .. لم تسمح لدموعها بالاستسلام .. كفاها ضعفا .. فالدموع لن تحل أياً من مشاكلها .. عندما طال الصمت بينهما وأحست بتردده وكأنه عاجز عن مواصله الحديث .. استحثته هي :
- وما هو العرض الأخير ؟.
نظر إليها والشغف ينبض من عينيه .. كانت نظرته حارة .. صادقة .. نظرة لم تتعودها منه .. كانت تشعر بأن وراء هذه النظرة الدافئة .. بحر كبير من الأسرار .. ما الذي يخفيه عنها يا ترى .. وهل تستطيع هي تحمل مزيد من المفاجآت في يومها هذا ..
أخذ حسام نفسا عميقا .. وهو يحول نظره إلى البحر ثم عاد يخصها .. بتلك النظرة المميزة .. التي تشعر وكأنه لم يرمق فتاة قبلها بهذه الطريقة .. إحساس جديد يخلقه بداخلها .. لا تستطيع تفسيره .. ولكنه يجعلها تشعر بالارتباك .. والكثير من الخجل .. لم تكن يوما لتشعر بالخجل أمام حسام .. لذلك ابتسمت متعجبة من مشاعرها الغريبة تلك .. وحتى تشجعه على مواصلة حديثه .. كانت تفكر بداخلها .. بمدى روعة حسام .. إنه يشعرها دوما بالأمان .. وأنه لن يتخلى عنها مهما حاصرتها الهموم .. فرغم كل ما عانته اليوم .. يبقى وجوده بجانبها .. أهم شيء في حياتها .. واليد الرحيمة التي تمسكها بحرص حتى لا تقع في هاوية الأحزان .. رد حسام على ابتسامتها بابتسامته الجذابة التي تخطف الأبصار .. ثم نطق أخيرا بما لم تكن تتوقعه أبدا .. وكادت لوهلة أن تشكك في سلامة سمعها :
- تزوجيني .. صغيرتي نور ؟.


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 10
قديم(ـة) 05-04-2012, 07:33 PM
صورة ♫ معزوفة حنين ♫ الرمزية
♫ معزوفة حنين ♫ ♫ معزوفة حنين ♫ غير متصل
©؛°¨غرامي فضي¨°؛©
 
الافتراضي رد: ملاك الحب / للكاتبة : my faith




(8)
صراع



تساءلت نور وهي تحاول السيطرة على ضحكتها :
- هل تمزح يا حسام ؟!.
- وما الذي يدعوني للمزح صغيرتي ؟.
صمتت نور والمرح ينطفئ بداخلها .. بعد أن أدركت مدى جديته وهو يحدثها بصوته العميق والهادئ .. كانت عينيه الصافيتين تخصانها بتلك النظرة الغريبة .. والتي لم تتعودها منه .. لكن على غرابتها كانت نظره لطيفه جدا .. إنها تدرك مدى حب حسام لها .. وتعلم جيدا كيف يراها هو دون الجميع .. جعلها إحساسه الصادق تختبر مشاعر عنيفة لا عهد لها بها من قبل .. جعلها تحس بأنه لم ينظر لأي فتاة من قبل بتلك الطريقة .. وهذا كان كفيلا بتسارع نبض قلبها .. حاولت جاهده أن تهدئ ذلك القلب الهائج دائم التمرد عليها .. فهي تستغرب سبب عصيانه هذه المرة .. طال صمت نور .. ولم تشعر بذلك إلا عندما عاود حسام الحديث :
- صغيرتي .. بماذا تفكرين ؟.
- أنا .. أنا ..
لم تكن تجد كلمات مناسبة لتعبر عما يختلج بداخلها من مشاعر .. اكبر من قدرتها على الاستيعاب .. كيف تستطيع تقبل هذا الإحساس الجديد الذي يشتعل في عيني حسام .. كيف تقوى على تحويل تلك الأخوة .. إلى رباط مقدس يجمعهما مدى الحياة .. لا .. لا .. إنها لن تقدر أبدا أن تتخلى عن علاقة الأخوة المتينة التي تشدهما لبعض .. نظرت لعيني حسام .. ولكنها سرعان ما حولتهما بعيدا .. بعد أن حركت تلك النظرة المميزة بداخلها الكثير من الأحاسيس .. والتي لا تستطيع تفسير معظمها .. ولكن أقواها كان شعور الحياء .. مؤكد أن الحمرة علت وجنتيها .. مما جعل حسام يبتسم بمرح :
- هل تعلمين أنني أحب هذا اللون الذي يزين وجنتيك ؟.
لم تعد وجنتيها فقط من تتزينان بالحمرة .. كانت تعتقد أن ابتسامة حسام ستتحول إلى قهقهة جراء حماقتها وذلك الخجل الذي يلفها .. ولكنها رأت الحزن يسكن بين عينيه فجأة .. وهو يحدثها بصوت خافت يغلفه الأسى :
- أنا لم اعد استطيع الاحتمال أكثر من هذا .
ظلت نور تلوذ بصمتها .. وأردف حسام بنفس تلك النبرة الخافتة وهو يطالع ذلك البحر الهادئ بحزن :
- لن أرضى أبدا .. أن أتخذ دور المشاهد بعد الآن .. كيف استطعت أن أرى صغيرتي تعاني واقف مكتوف اليدين .
حول حسام نظره نحو نور الشاردة متسائلا :
- صغيرتي .. هل تثقين بي ؟.
هزت نور رأسها بالإيجاب بسرعة بالغه دون تفكير منها .. مما جعل حسام يبتسم من جديد وهو يقنعها :
- إن ارتباطنا ضروري جدا .. وخاصة في مثل هذا الوقت .
كانت نور تشعر بالحيرة أمام ذلك الإصرار .. وتلك الأحاسيس الفياضة التي يغمرها بها .. فراحت تستنجد به قائله بحيرة :
- حسام .. ولكن .
- لكن .. ماذا صغيرتي ؟.
كانت الأحرف تتساقط في مخيلتها كلما فكرت بجملة تصف ما تشعر به الآن .. عاد حسام يلح عليها متسائلا :
- افهميني يا نور .. أنا لن اسمح أبدا أن يتحكم احد بمستقبلك وبقراراتك .. هل تعتقدين أنك ستخلصين من ظلم الخال نبيل .. أو أن تجاهلك لمرضك سيعمل على شفاءك .
بثت كلماته الحزن المنسي إلى قلبها الصغير .. وعاودها الشرود وهي تنظر إلى ذلك البحر الجميل الذي لا يزال يؤدي رقصته الرومانسية تحت خيوط القمر الفضي المكتمل .. أتاها صوته العميق أكثر دفئاً :
- صغيرتي .. أنت ملاكي الناعم والذي أحب .. وسعادتك هي همي الوحيد ..
لا تعرف نور كيف هزتها تلك الكلمات .. وجعلت رعده غريبة تسري في أوصالها .. حاولت أن تتحدث ولكنه قاطعها محذرا :
- اعلمي أنني لن أرضى بأي رفض غير مبرر .
أخذت نور نفسا عميقا وهي تحاول تهدئه نفسها :
- أنت .. يا حسام .. أنت لا تعلم مكانتك بالنسبة لي .
- بلى صغيرتي أنا اعلم .. لهذا اطلب الارتباط بك .. لأنه سيسمح لك بكسر تلك القيود في حياتك .. وسيتيح لي رعايتك والاهتمام بك .. والأهم من ذلك سيمكنني من السفر بك إلى لندن للاطمئنان على صحتك .
كان حسام يدرك مدى الارتباك الذي تسببه كلماته لها .. فلطالما كان بارعا في قراءه تعابير وجهها ومعرفه كل ما يجول في خاطرها بمجرد رؤيته لتلك العينين السوداويين اللامعتان ببراءتها .. واللتان يعشقهما .. لذلك حدثها مطمئنا :
- لا تقلقي صغيرتي .. فارتباطنا هو مجرد ارتباط شكلي .. وسر سيجمع كلينا فقط .
هنا بدأت مشاعر نور تصفو وتتضح أمامها .. ولم يعد يسيطر عليها سوى شعور واحد دون سواه وهو الغضب :
- ماذا تقصد يا حسام ؟.
وقبل أن يجيبها .. سألته سؤال آخر :
- هل هكذا تراني .. إنسانة أنانية تقوى على تدمير حياة أحب الناس إليها .
أسرع يجيبها مبررا :
- ومن قال انك ستدمرين حياتي .. أنت حياتي يا نور .. صغيرتي .. إن كنت أود تكوين حياة خاصة لكان لدي أطفال يتنططون حولنا الآن .. ولكنك تعلمين بأني قد كرست حياتي للعلم .
- وهل هذا مبرر يجعلني أسلبك احتماليه عيشك حياة طبيعية ... خاليه من التضحيات .
ظلت ملامح الحنق تسيطر على وجهها .. فعاد يخبرها مقنعا :
- صغيرتي .. إن الشيء الوحيد الذي كان سيمنعني من هذا العرض هو رغبتك في الارتباط بإنسان آخر .. ولكن .. ألم تخبريني منذ قليل بأنك لا تودين الارتباط بأي شاب ؟.
أجابته باقتضاب وهي وشعورها بالحنق لا يفارقها :
- بلى .
- إذا ما الذي يمنعك من الارتباط بي ؟..
رفعت حاجبيها وهي تقول باستنكار :
- وهل يحق لي أن احكم عليك أنت بالمعاناة .. لا تجعلني اشعر أن أخوتك لي ذنبا تعاقب عليه يا حسام .
عادت تلك النظرة تشع من عينيه وهو يجيبها .. مما جعل ارتباكها أمام نظراته العميقة والمليئة بالأسرار يعاودها ويخلق مشاعر عنيفة بداخلها :
- ليته كان ذنبا .. وليتك عاقبتني به منذ زمن .. صغيرتي .
حاولت طرد حيائها .. وراحت تؤنبه :
- هل هذا وقت للمزاح ؟
ضحك حسام ورد عليها بسؤال آخر :
- وهل أنا بشع لهذه الدرجة ؟.
عبارته تلك جعلتها تضحك رغما عنها :
- يالك من شاب لحوح .. إن أي فتاة لن تقوى على رفض مطالبك .. ما أن تستخدم هذا الأسلوب .
تساءل بخبث هذه المرة .. والمرح يغزو وجهه الأسمر الجذاب :
- هل اعتبر هذا ردا بالموافقة ؟.
ابتسمت نور بحياء ووجنتاها تتوهجان من تلك الحمرة التي غزتهما فجأة .. كم تستغرب هذا الشعور الذي يجتاحها .. عندما تتخيل نفسها زوجه لحسام .. فهي لا تجد مبررا له .. وخاصة بعد أن أدركت شكليه هذا الارتباط .. وقف حسام فجأة وفتح لها باب السيارة مشيرا لها بالركوب .. تساءلت باستغراب :
- إلى أين ؟.
أجابها وفرحه العاشق عند لقاءه بمعشوقته .. ترن في صوته الدافئ :
- إلى والدتك .. حتى أطلبك رسميا منها .
ركبت نور بجانبه وهي تشعر بأن ما تمر به غير حقيقي .. وكأنها مجرد مزحه من قبل حسام للتخفيف عنها بعد كل ما عانته في يومها القاسي هذا .. ولكنها تدرك في قراره نفسها أن حسام على استعداد للقيام بأي شيء في سبيلها هي .. اختلست النظر إليه .. ثم غمرها شعور بالمرارة .. لطالما سببت له الكثير من المشاكل في إشراكه بكل تفاصيل حياتها .. ولكنها حقا ترفض التخلي عنه .. وكانت دوما تخشى اليوم الذي سيرتبط فيه وسيحتم عليها التخفيف من حدة تلك العلاقة الأخوية التي تربطهما .. والتي قد لا تستسيغها زوجته .. وها هي الآن تقدم على خطوه .. تسلب بها حياته الخاصة كليا .. أهكذا ترد لحسام كل ما قدمه لها من اهتمام ومشاعر صادقه ..

لم يطل تفكيرها .. فلقد أصبحا الآن في بيتها .. دخلت هي مباشرة إلى حجرتها .. وهي ترهف السمع لما يدور في الحجرة المجاورة لها .. والتي يجلس فيها حسام برفقه والدتها والخال نبيل .. بالطبع لم تستطع سماع الكثير .. إلا صوت الخال نبيل والذي يزعج أذانها .. كانت تشعر بقلق غريب .. وكأنه قلق عروس تخاف رفض أهلها لحبيب العمر .. بعد فترة سمعت حسام يودعهما على الباب .. وفهمت من توديع الخال نبيل المبالغ به لحسام بأنه سيبارك هذه الزيجة .. فحسام وإن كان لا يوازي ذلك العريس من الناحية المادية .. إلا إنه يندرج في قائمة الخال نبيل للعريس المناسب لها ..
ما هي إلا ثواني حتى جاءت والدتها حياة والفرحة ترقص في عينيها احتضنتها بحب بالغ وبفرحه صادقه .. وهي تبارك لها وتقبلها في كل أنحاء وجهها :
- مبروك .. مبروك يا حبيبتي .. إني حقا سعيدة لهذا الارتباط المبارك .
كادت نور تفلت دمعتها .. من تلك المشاعر الطيبة التي تشع من والدتها .. وبعد أن قالت لها بحنان :
- الآن استطيع الاطمئنان عليك .. بعد أن ارتبطت بالنسخة المصغرة لأباك حسام .
رن هاتف نور لينقذها من ذلك الموقف الحساس المليء بالمشاعر .. اختطفت حياة الهاتف بعد أن علمت بهويه المتصل .. وفتحته ثم أطلقت زغرودة عاليه .. قبل أن تلقي السلام .. انفجرت رهف ضاحكه من تلك الفعلة ثم تساءلت بفرحه :
- ما هو سبب تلك الزغرودة يا خاله حياة ؟.
- وكيف عرفت بأنني لست نور ؟.
- لأن نور لا تعرف كيف تزغرد .
أجابتها الخالة حياة بمرح :
- كما أن العروس لا تزغرد لنفسها .
كادت رهف أن تشارك والدته نور فرحتها .. ولكنها سرعان ما تساءلت بحيرة :
- هل وافقت نور على ذلك العريس ؟.
- لا يا حبيبتي بل هو عريس آخر .. وأفضل بكثير .
تساءلت رهف بحماسة :
- من ؟.
- أنه حسام .
- حسام ابن العم صلاح ؟.
- نعم هو بعينه .
كانت نور تبتسم لتلك الفرحة التي تتخلل صوت والدتها .. ثم أخذت الهاتف منها بعد أن ودعت رهف .. وغادرت الحجرة لتعد العشاء وتسكت ذلك الصخب الصادر من زوجها الجائع :
- مرحبا يا رهف .
أطلقت رهف زغرد أخرى ملئ صوتها .. ما أن سمعت صوت نور على الهاتف .. فتساءلت نور بمرح :
- هل أصبتي بالعدوى من والدتي يا رهف .
- حبيبتي ألف مبروك .. لقد أسعدني هذا الخبر كثيرا .. ربي يبارك في أيامكما معا يا نور .
انطفأت الفرحة بداخل نور وتساءلت حزن :
- ألم تستغربي هذا الخبر يا رهف ؟.
كانت مشاعر نور تصل رهف دون أن تراها .. فالحب الذي يجمعها لا يستطيع حجب إحساسهما القوي ببعضهما .. فراحت تجيب بثقة :
- لا .. لم استغرب .. وأحببت كثيرا هذا الخبر .. والذي كنت ارجوا حدوثه منذ زمن .
- وسامح ؟.
لا تدري كيف تجرأت وأطلقت بعض ما يشغل تفكيرها .. إنها لا تستطيع أن تخفي عن رهف شيئا .. ولكن هنالك أشياء بالمقابل لن تقوى على البوح بها لمخلوق .. كإصابتها بذلك المرض النادر .. و ارتباطها الشكلي بحسام .. ردت رهف بصوت هادئ .. محاولة التخفيف من حيرة نور :
- نور .. لا تجعلي حبك القديم والمراهق .. يعمي عينيك عن حب حسام الحقيقي والصادق لك .
تنهدت نور .. لابد انه ما من شخص سيستطيع فهم ما تعانيه .. أغلقت الهاتف بعد أن عاودت رهف مباركتها .. وودعتها بحماس لكي تنقل ذلك الخبر السعيد لأسرتها ..
لجأت نور لسريرها الصغير .. واحتضنت وسادتها .. كانت تدرك أن النوم سيخاصمها هذه الليلة فما مرت به من أحداث مؤكد كفيله بذلك ..
أفلتت لتلك العبرة الحارة التي خنقتها طويلا .. ثم مسحتها بسرعة وهي تصف نفسها بالحمقاء .. لماذا تبكي هل هي دموع فرحه .. فرحه ارتباطها بهذا الإنسان المتميز .. حسام .. كم هي محظوظة بوجوده في حياتها .. وكم هو قادر على تأجيج مشاعر الحب بداخلها يوما بعد يوم .. في تلك اللحظة شعرت باحتدام ذلك الصراع بداخلها .. صراع نشب في قلبها الصغير .. قلب سجين مشاعرها المضطربة .. مشاعر ألم وقهر على ذلك الحبيب المرفوض .. بسبب ظروف اكبر منها .. ومشاعر جديدة لم تعد تستطيع تسميتها اتجاه حسام .. ذلك الأخ الحنون .. الذي لطالما ساندها .. عاودتها المرارة وهي تشعر بمدى فداحة القرار الذي اتخذته هذا اليوم .. إن كانت قد قرر أن توئد قلبها بداخلها .. ما ذنب حسام في أن تحكم عليه بنفس المصير ..

-----------------------

في منزل العم صلاح .. جمع حسام والديه حتى يخبرهما بقراره .. حدثهما بصوته الهادئ الرزين :
- لقد أردت أن أخبركما بأمر .
تساءلت الخالة هدى بقلق :
- خير يا حبيبي .
ابتسم لها بود .. ثم وجه حديثه لكليهما :
- لقد نويت أن أتزوج .
- أحقا ما تقول يا حسام .
كانت الأم هي الأسبق أيضا بالرد .. ثم أردفت بحماسة :
- سوف اختار لك أفضل عروس .
- في الحقيقة يا أمي لقد قمت باختيارها بنفسي ... ولقد خطبتها اليوم أيضا بعد إذنكما .
هنا تحدث الأب بما يشبه الغضب :
- كيف تقوم بعمل مثل هذا يا حسام .. ألا يوجد لديك والدين لتستشيرهما ؟.
رد عليه حسام بهدوئه المعتاد .. محاولا التخفيف من حدتهما .. بعد أن أحس بخيبة أملهما :
- اعذرني يا أبي أنا اعلم أن تصرفي غير مبرر .. ولكني على يقين من مباركتكما لفتاتي .
تساءلت الأم :
- ومن تكون ؟.
- إنها نور .. ابنه عمي حسام .
وقفت الأم كمن لدغتها حية .. وهي تصرخ :
- هل جننت يا حسام ؟.
كان حسام يتوقع رد فعل مشابهه من والدته .. لذلك لم يتوتر وظل قلقا من صمت والده الذي لا يستطيع توقع رده .. أجاب والدته بنفس تلك النبرة الهادئة :
- وهل تعد رغبتي بالزواج جنوناً ؟.
- أنت تدرك يا حسام مقصدي .
أغمض حسام عينيه بضيق وهو يحاول تهدئه نفسه .. فهو يدرك أن والدته على رغم رفضها لارتباط ولدها المدلل سامح بنور .. إلا أنها أيضا ترفض ارتباطها بغيره .. عاودت الأم صراخها قائلها :
- كيف تجرأت يا حسام .. كيف تجرأت على طعن أخاك في ظهره ؟.

- لماذا تصرخين يا أمي ؟.. وما هذا الكلام الذي تقولينه ؟.
التفت الثلاثة إلى سامح الذي كان يقف بانتظار إجابة لتساؤلاته .. واجهه حسام بنظرات باردة وقطع الصمت الذي لف الجميع :
- لقد كنت اخبرهم باني أقدمت على خطبه نور .
للحظه شعر حسام أن سامح لم يسمعه .. ولكنه تساءل أخيرا :
- نور من ؟.
- نور ابنه العم حسام رحمه الله .
عقد سامح حاجبيه وهو يمعن بالتفكير وينظر لحسام بنظره اتهام .. ثم قال بحده :
- هل هذا هو سبب رفضها لي ؟.
لم يجب حسام .. فتقدم سامح من أخاه الأكبر والذي وقف لمقابلته :
- منذ متى يا حسام ؟.
لم تكن تفصل بين الأخوين سوى سنتيمترات معدودة .. ولكن حسام ظل محافظا على هدوءه وهو يرد على السؤال بسؤال أخر :
- منذ متى ماذا ؟.
هنا صرخ سامح بحرقه :
- منذ متى وأنت تخدعني مع تلك الخائنة ؟.
اشتعل الغضب في عيني حسام .. بعد أن مس حديث أخاه صغيرته الغالية .. وأجاب مهددا :
- إياك أن تذكرها بسوء مره أخرى يا سامح .
اقترب سامح منه أكثر وهو يتساءل ساخرا وبشكل مستفز :
- وماذا ستفعل ؟.. هل ستضربني ؟.
في تلك اللحظة .. حاول سامح أن يوجه لكمه لكتف أخاه .. ولكن حسام امسك قبضته بقبضه اقوي :
- إن اضطررتني لذالك .
صرخ الأب صلاح محذراٍ كليهما :
- إن كنتما تنويان العراك .. فليكن خارج بيتي .
انتزع سامح قبضته بعصبيه .. ثم خرج والأم في أعقابه .. لم تفلح دموعها ولا توسلاتها له بإبقائه .. وبعد أن خرج وصفع الباب خلفه .. عادت لتصب جام غضبها على حسام قائله :
- اعلم بأنك السبب .. وان حدث لولدي شيء .. لن أسامحك يا حسام .
ضغط حسام على أسنانه بعصبيه .. لقد كان يدرك أن رغبته ستنشب ذلك الصراع في بيته الهادئ .. وبالرغم من يقينه من صحة ما يقوم به .. ورفضه بان يتنازل عن صغيرته الرقيقة .. إلا أن ما يسببه من الم لوالدته يزعجه كثيرا .. نظر حسام لوالده وكأنه يستأذنه .. ثم هم بالخروج .. استوقفه والده :
- إلى أين يا حسام .. أنا لم أعهدك بهذا الضعف .
- سأبات في العيادة .. فيبدوا أنني أصبحت غير مرحب بي في هذا البيت .
تقدم والده منه وأمعن النظر في عيني ابنه الحزين .. ثم أنبه قائلا :
- هذا بيت أباك .. ولن يغلق أبوابه أبدا في واجه أحدكما .
تنهد حسام محاولا التخفيف من ذلك الضيق الذي يتملكه .. ثم تساءل بقلق :
- هل تؤيدني يا أبي في ما قمت به هذا اليوم ؟.
صمت الوالد لبرهة جعلت قلق حسام يشتد .. ثم أجابه أخيرا :
- لما لا نؤجل هذا الحديث للغد .. ولتحضر نور إلى هنا .. فانا مشتاق إليها .
احترم حسام رغبه والده في لقاء نور .. ثم استأذنه كي ينفذ رغبته هو في المبيت بالعيادة ..

------------------
في المساء كانت سيارة حسام تقف أمام بيت نور .. منتظرا إياها بعد أن اعلمها برغبة والده للقائها .. كانت نور تشعر بالتوتر طيلة النهار .. وكانت تحوم في أرجاء البيت دون هدف .. وبفكر شارد .. إلى أن سمعت صوت سيارة حسام .. وخرجت مسرعه كي لا تؤخره .. صعدت بجانبه فابتسم ما أن شعر بارتباكها :
- كيف أنت صغيرتي ؟.
بادلته نور بابتسامتها البريئة التي تنير وجهها الملائكي :
- بخير .. وأنت ؟.
كان حسام يزيد من ارتباكها .. ويجعل نبض قلبها يضطرب .. وهو يتأملها بنظراته الخاصة .. والتي تشعرها بغرابته .. أجابها وهو يحرك السيارة :
- لقد أصبحت الآن على خير ما يرام .
ضحكت نور وتساءلت بجديه :
- ألست خائفا ؟.
- ولما أخاف .. وصغيرتي بجانبي ؟.
عادت تحثه قائله :
- أنا جادة يا حسام .. ألا يوجد شيء يجعلك تشعر بالخوف ؟.
نظر لها والصدق ينطق من عينيه قبل شفتيه :
- أخاف أن أخسرك صغيرتي ؟.
كانت جملته هذي كفيله بزيادة قلقها .. وجعلتها تتذكر مرضها المنسي .. هل يمكن أن يسبب مرضها خسارة حسام وكل أحبتها لها .. هل من الممكن أن يكون هذا مقصده .. وأنه كان يبسط لها حقيقة مرضها ليطمئنها كعادته .. ظلت صامته .. طيلة الطريق .. وهي تحاول أن تتغلب على مشاعر الرهبة التي تتملكها .. كانت تدعو الله أن لا يكون سامح في بيت عمها .. ولم يكن لها سبب مفهوم لتلك الدعوة .. ولكن هكذا كان شعورها ..
عندما دخلت البيت .. كان عمها في استقبالها .. وقال لها معتذرا بعد أن رحب بها :
- إن عمتك هدى تعاني التوعك .. لذلك هي نائمة في حجرتها .
ابتسمت له نور .. وهي تدرك بداخلها .. أنها أصبحت الآن عدوه رسميه للخالة هدى .. رغم المرارة التي تشعر بها .. إلا أنها لا تستطيع لومها على ذلك .. فهي الفتاه الشريرة التي ستفرق بين الأخوين .. بعد أن سألها العم صلاح عن صحتها وكل الأمور الاعتيادية .. نظر لها بجديه :
- هل أنت مرتاحة لارتباطك بحسام يا نور ؟.
كان سؤاله مفاجئا .. كما انه أعاد لها ارتباكها .. وجعل وجنتيها تحمران خجلا .. فابتسم عمها لرؤيتها كذلك .. وتقدم ليجلس بجانبها .. ثم احتضنها بحب :
- يا ابنتي الحبيبة .. هل تدركين يا نور مدى قربك إلى قلبي .. إن حبي لك لا اشعر به حتى اتجاه ولداي .
أثارت تلك اللحظة المشاعر بداخلها .. وامتلأت عينيها بالدموع .. فمسح بإصبعه تلك الدمعة الوحيدة التي افلتتها :
- أنا لا ارجوا من هذه الدنيا سوى الاطمئنان عليك يا حبيبتي .. وأنا لا أنكر أن ارتباطك بولدي حسام يسعدني كثيرا .. ويجعلني أقابل أخي بقلب ملئه بالرضى ..
ذكر والدها جعلها تفلت مزيدا من دموعها .. فضمها إليه بحنان بالغ .. وقبلها على رأسها قائلا :
- لكن يهمني أيضا أن تكوني راضيه .. ومتأكدة من قرارك هذا يا نور .
نظر إليها ممازحا .. وهو يشير لحسام الذي كان ينظر لهما وألم نور يرتسم في ملامحه :
- هل أنت راضيه .. أم تودين أن ابحث لك عن زوج أفضل من هذا الولد الشقي ؟.
ضحكت نور من خلال دموعها .. فعاد العم وقبلها على جبينا :
- فليبارك الله لكما يا ولداي الحبيبان .. ولتغمر السعادة أيامكما القادمة معا .
وقف حسام ليقبل يد والده .. وكذلك فعلت نور .. ثم استأذن الاثنان ..
عند الباب كانت نور تعدل من وضع حجابها وهي تنظر إلى الأرض لتداري دموعها .. لكن حسام رفع رأسها بأنامله .. ومسح تلك القطرات الندية على وجنتيها باليد الأخرى :
- وأنت معي لا يسمح لك أبدا بالبكاء .
ابتسمت نور ثم ردت عليه مشاغبه :
- هل بدأت بسن القوانين منذ الآن ؟.
هز رأسه بالإيجاب .. فتشارك الاثنان الضحك .. في نفس تلك اللحظة سمعا مفتاحا يدور في قفل الباب .. ليظهر أمامها آخر شخص كانت تود مقابلته .. كان ذلك الشخص هو سامح .. يقف قبالتهما .. ويرشقهما بنظره حادة .. كانت نظرته تكشف عن ذلك الغضب الذي يستعر داخل صدره .



الرد باقتباس
إضافة رد
الإشارات المرجعية

ملاك الحب / للكاتبة : my faith ، كاملة

الوسوم
ملاك , للكاتبة , الحب , faith
أدوات الموضوع
طريقة العرض
مواضيع مشابهة
الموضوع الكاتب المنتدى الردود آخر مشاركة
روحِ عشقتة وقلبٍ فقدتة / للكاتبة : بنت البلاد ، كاملة خطاي حبيتة روايات كامله - يتم نقل الرواية هنا بعد اكتمالها 68 08-05-2015 06:21 PM
رواية عشاق وراء قضبان ! / جديدة للكاتبة mus!c !n amer!ca ღالقاتلة الحنونღ أرشيف الروايات المغلقة - لعدم إكتمالها 10 06-11-2010 06:06 PM
ياما حاولت / للكاتبة : فراولة وردية آحسآس صآمت أرشيف الروايات المغلقة - لعدم إكتمالها 320 20-01-2009 04:20 PM
للحب عنوان ...للكاتبة بنت البلاد omrykolo ارشيف غرام 2 11-09-2008 02:15 AM
ورود في مزبلة الواقع للكاتبة شمس السديري F6eem ارشيف غرام 4 12-07-2008 12:39 AM

الساعة الآن +3: 11:37 AM.
موقع غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات


تصميم دريم تيم

SEO by vBSEO 3.6.1