priscila ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

الفصل الثالث..

الجزء -1 -.. إشارة و إلهام !

^ بعد عامين ^


وضعت شطيرة الجبن على قمة المدفأةِ المتوهجةِ بشكل قد يكون الأجمل لراءٍ يرتعش جسده برداً .. ولم تقاوم رغبة دفعتها لارتشاف رشفة من كوب الشاي الكبير الذي أعدته قصد شربه بينما تتناول الشطيرة ..

دقيقةُ انتظارٍ واحدة أسفرت عن تقمّر وجهها لتزدان بمسحات بنية أنيقة .. رفعتها عن المدفأة وهي تعض على شفتها بينما اتسعت عيناها ليتضاعف حجمهما ... ازدردت ريقها بنفاد صبر وأكلت أول قضمة لتلتهم بقيتها بسرعة خاطفة ...

نقرتان خفيفتان على الفأرة فـُتح على إثرهما المتصفح .. لتطل عليها شاشةٌ زرقاء مألوفة .. أدخلت بريدها الالكترونيّ ورقمها السري .. فلم تفاجأ بالفيديو الذي استقر في طليعة الصفحة ولا بالأعداد الهائلة من التعليقات وتسجيلات الإعجاب .. لقد اعتادت على الأمر ببساطة .. فهذا هو الفيديو الثالث عشر ربما !

تركت تعليقاً و " لايكاً " وهي تكاد تموت ضحكاً .. فعنوان هذا الفيديو كان مختلفاً كما فحواه .. راقياً جداً بعنوانه الفريد " هسهسات " .. ساخرًا ومضحكًا والأهم نظيفًا ، فهي لا تنكر نفورها من عدد لا بأس به من الممثلين ممن يعملون معه في نفس الفرقة لتلفظهم بعبارات سيئة ( يتداولها الشارع ) لكنها تبقى محرجة وهي تُعَـرّي فئة من مجتمعنا على الإعلام .. كان رقيقاً في عرض قضاياه .. مؤدباً جداً .. مزعجاً – كما بالنسبة لأغلب المعجبات - بـدبلته الفضة العريضة التي توسطت بنصره الأيسر ... كان آدم حشكي الذي لم تستطع أن تتوقف عن فكرة فخرها بين صديقاتها بأنه كان – وما يزال – صديقاً لوالدها وأخيها الذي أصبح أباً الآن لطفل صغير تكاد تلتهمه كلما رأته لولا محاصرتها الدائمة من قـِبل والدته ناي التي صرحت لها قبلاً برغبتها الخالصة بأكله دون ملح ... رفض مجد أن يسميه سلام على اسمه رفضاً قاطعاً لكي لا تطول السلسلة ... فمن الصعب أن يكون اسم أحدهم مجد سلام مجد سلام معلى ... ! لقد كان السبب مضحكاً للأب الجديد ... لكنه اقتنع به أخيراً ... لقول والده ذات مرة وهم يتناقشون الموضوع " إن إعجابك بوالدك وفخرك به لا يكون التعبير عنه بتلك الطريقة .. أفضّل أن يكون شخص حفيدي هو الذي يخلد ذكري بدلاً من تسميته باسمي ... ثم سيكون من الصعب عليكَ أن تشتمه إذا لزم الأمر ... فمن غير المنطقي أن تشتم أحداً على اسم والدك "

----

ارتفع رنين هاتفها فقامت إليه بكسل .. ضغطت زر الرد بعد أن ابتسمت بحبٍّ لاسم المتصل :
- ابن حلال !! كنت أفكر بك ...
- " سأصدق بعد قليل " ... ضحك بخباثة .. وأكمل : واضح جداً من اتصالاتك التي لا تتوقف ...
- قطعت عليه الطريق وهي تقول بمكر : السلام عليكَ ... يا أخي الذي لم يسأل عني منذ أسبوع ..
- رد عليها بلؤم : وكأنك تسألين عني .. فقط تتصلين بحبيبة القلب ..
- أنا أتصل بناي .. لأضرب عصفورين بحجر .. باختصار سأكسب شخصين إن اتصلت بها ... من ثم أوفّر على نفسي إراقة ماءِ وجهي الذي يُهدر دائماً باتصالي بك .. فأنت إما أن تكون منشغلاً باجتماع.. وإما أن تكون منشغلاً بأمورٍ خاصة .... سكتت لوهلة ثم أكملت بغنج : جداً ...
ضحك بعدها وقال : أشعر باشتياقكِ لشخص ما ..
- حبيبي رويد .. كم اشتقت إليه .. قلبُ عمتـه ! " قالت بلهجة الأطفال "
- " حسنا ... سأمنحكِ فرصة رؤيته اليوم ... " أبعد بعدها سماعة الهاتف عن أذنه ليتفادى صرخة الحماس التي صدرت منها بعفوية ..
- قالت بعدها بتساؤل : متى سوف تأتون ؟
- ربما عصراً ... سنقضي اليوم عندكم .. لكن ليس لوحدنا .. برفقتنا ضيوف ..
- ضيوف ؟؟
- أجل صديق قديم لوالدي ولي أيضاً .. ستذهلين إن عرفتي هويّته !
- لا أريد أن أعرف هويته .. أريد معرفة ما هو أهم .. لم تنطلي عليّ خدعَـتُـك .. بما أنك تتصل صباحاً فلا شك بأنك تحتاج لخدماتي .. قل بسرعة !
- قال بحماس : أختي كما أعرفها ذكية ,.. أريد أن تُـعِدي لي خلية النحل ..
- خلية النحل ؟؟ أوه هذه متعبة ! ... أطلب غيرها ..
- أندلس .. لم أطلب منك شيئاً منذ قرابة الشهر هكذا ترفضين طلبي ؟؟ حسناً وداعاً ..
- سلااام !! .. تستفزني بعبارتك تلك ،. بت مزعجاً .. سأعدها لك لكن احفظ خط الرجعة في المرات القادمة ..
قبلة طائرة استقرت عبر الأثير على خدها .. قال بعدها : لا شيء يصعب عليكِ .. ثم ودعها

----

رائحة العجين المخبوز عمّت أرجاء العمارة .. نعم ، إذ أن رحيل سلام عن منزل العائلة ترك فراغاً كبيراً ... و قبل عام ونصف اقترحت أندلس على والدها أن ينتقلوا للعيش في شقة سكنية .. فطبيعتهم البسيطة أبت أن تتواءم مع منزل فيه من الغرف الكثير بينما يسكنه ثلاث فقط ! هم مرتاحون الآن مع العوائل الخمس التي تقطن العمارة الفخمة ... معظمهم رجال أعمال في مقتبل العمر .. وحدها عائلة مجد المختلفة .. إذ أن سببًا لا يدفع رجل أعمال كبير ليستقر في عمارةٍ بينما القصور تفتح أبوابها على مصراعيها له ...

رنّـت على ميْ .. جارتهم في الطابق السفلي .. خيّـرتها بين خلية النحل المالحة والحلوة فاختارت الأخيرة .. أغلقت الهاتف ، وأخذت تتوعد ناي لعجزها عن إسكات رويد الصغير .. رويد الذي سيتم عامه الأول بعد شهر تقريباً .. أما سلام فكان في غرفة المكتب مع والده .. يتناقشان بمشروع ما ..

وقفت على الباب وهي تنتظر ابن مي .. ذو الخمس سنوات ليأخذ حصتهم منها .. أخذت تغني بكل ما لديها من إحساس .. لتدفئ نفسها من الهواء العاصف الذي اجتاح جسدها بعد أن كان دافئاً وهي في المطبخ .. دندنت بـ :

أيها الظبي الذي شردا .. تركتني مقلتاك ســُدى
زعموا أني أراك غدا .. وأظن الموت دون غدي
أين مني اليوم ما زعموا .. ؟

لتسرح في معاني الكلمات الجميلة وهي تغني موشحًا .. مسترجعة كما اعتادت بعض الذكريات منها ذكرى تلك الرسالة .. التي خيب صاحبها أملها .. إذ ظنته مختلفاً .. لكنه لم يكن ...

( أين مني اليوم ما زعموا ؟ ) ... توقفت عند هذه الكلمة لتقول بعدها بصوت عالٍ بينما كانت لا تزال مغمضة العينين : اشش ، أندا تتكلمين كعانس يائسة .. ضحكت بعذوبة لتتذكر سبب وقوفها عند الباب .. بلباسها غير المهندم .. ففضلاً عن قميصها المُشمُشي و بنطالها الأصفر الواسع وشعرها الذي تغطى جزءٌ منه بـمنديلٍ صغيرٍ اختصر كل ألوانِ الدنيا .. كانت آثار الطحين واضحة .. لتجعلها تبدو كلوحة تشكيلية ممتعة للنظر .... فتحت عينيها أخيراً بحثاً عن محمد .. الذي وجدت بدلاً منه أحداً آخر ... شهقت بحدة وهي تقول بعدم تصديق : آدم حشكي لَـمين ؟؟؟؟

ثوان من الصمت قطعها عليها عقلها الباطن إذ أخذ يردد بعلوّ : " افعلي شيئاً أيتها الخرقاء " .. ومع ذلك ظلت تحملق به بانشداه وهي لا تدري ما تفعل .. " النجم الشهير صاحب برنامج ( حشكي لمين ؟ ) الذي كنت أتابع له عملاً في الصباح يقف أمامي وعلى عتبة منزلي " .. أخيراً مدت يدها بطبق المعجنات وأعطته إياه .. كرد فعلٍ متأخر بالغ الغباء ... أدارت وجهها ثم ولّت سريعاً مدبرة ..

كل ذلك حصل وهو واقفٌ يتأمل ما حدث معه بدهشة ... ألم يُرِدها بشدة ذات يومٍ .. فأطلقها ... فعادت إليه .... هي له إذن !! هذا ما كان يشغل جزءًا يسيراً من كيانه .. أما الجزء الآخر فكان يريد أن يضحك كما لم يفعل منذ مدة .. لم يتخيل أن يراها يوماً بهذا الشكل ولا في سابع أحلامه !! هذه الفتاة تُخفي روحاً مرحة .. لم تُكتشف بعد ! فكر أخيراً بـ " ماذا يفعل هذا الطبق بحوزتي؟؟ " ليخرج من حالته الغريبة تلك إثر قوة خفيفة أخذت تشد طرف بنطاله الكتان .. نظر أسفل منه فوجد طفلاً صغيراً ينظر إليه بغضب وهو يقول : عمـو !! هذا الطبق لي .. هاتِـه !

نزل إلى مستواه .. أعطاه الطبق .. وربّت على رأسه قائلاً بلطف : خذه يا صديقي .. هو لك

رنّ جرس المنزل .. فهبّ سلام واقفاً وقد عرف هوية الضيف .. أدخله إلى حيث كانا يجلسان .. بعد أن أغلق باب المطبخ إذ كان فيه كلٌّ من ناي وأندلس .. وهما لا ترتديان حجابهما ...
صحيح ... ارتدت ناي الحجاب .. في الذكرى الأولى لزواجهما .. كانت حاملاً بـرويد ..

إلى الآن يَعُد سلام تلك اللحظة التي رآها فيها بالحجاب من أجمل اللحظات على الإطلاق ... يومها تملكه شعور غريب أفاد بأن ناي له وحده حقاً .. لا أحد من المارة يشاركه النظر إليها ... الجميل في الموضوع أن حجاب ناي كان حجاباً فعلياً ... لا أسنمة بخت ولا بناطيل ضيقة .... هي ترتدي تنانير محتشمة وقمصاناً فضفاضة .. بنفس الوقت لم تختلف أناقتها أبداً ...

- قبل ذلك بقليل .. -

دخلت أندلس إلى المطبخ محمرة الوجنتين .. جاحظة العينين .. لتفاجأ ناي بهيأتها :
- أندلس !!
- هاا .. هـ هل ناديتني ؟
- صح النوم .. ثلاث مرات ! ماذا هناك ؟
- لـ .. لاا لا شيء .. قالتها بتأتأة ... بينما فتحت باب الفرن لتتفقد معجناتها بارتباك

ولأول مرة تفرح ببكاء الطفل المزعج رويد .. لقد أنقذها ببساطة من أسئلة ناي التي تأتي دائمًا في الصميم ...

---

استلذوا بأكل العجائن المحشوة بالجبن .. بينما كان آدم – رغماً عنه – في وادٍ آخر .. ماذا يجب أن يفعل لكي لا يخسر مرة أخرى ؟ ماذا لو كانت مرتبطة الآن ؟ ماذا لو رفضته أصلاً إن تقدم لها ؟ ...

نفض عن رأسه تلك الأفكار جميعها وهو يصبّر نفسه بانتظار إشارة أخرى .. سيصنعها بنفسه إن لم تأتيه ..

أخيراً أنهى سلام اتصاله .. ليوجه حديثه نحو آدم قائلاً بحماس : لقد أغلقت الطرق نتيجةً لتراكم الثلوج .. سيكون من الصعب علينا المغادرة ! بتْ عندنا الليلة يا آدم ..
رد آدم بإحراج :" لا داعي لذلك .. أستطيع تدبر أمري .."
ليحسم مجد الموضوع قائلاً بصرامة : لا تَهَرُّب .. ستبات عندنا الليلة .. لم نرك منذ زمن يا رجل !!
- لكن !! .. حسناً سأتصل بأمي لأخبرها كي لا تنتظرني ..

---

كان ظهرها يؤلمها بشدة ... تذكُرُ أنها قضت يومها بين عجنٍ وحشوٍ وخبز ..... واضطراب ..!

بدّلت ثيابها وصففت شعرها ثم أخيراً تبرجت بزينة خفيفة تُوائم رقة ملامحها ..

ارتشفت رشفة شاي بنكهة " دقة البلاط " .. بينما تناولت قضمة من معجناتها المعدة بإتقان .. وضعت رجلاً على رجلٍ وهي تسبل جفنيها لتخرج تلك الـ ( آممم ) عذبة من شفتيها نتيجة لتيارات اللذة التي سرت في خلاياها جميعاً دون استثناء ...

وفي اللحظة التي أخذت تروق فيها صدحت أوتارٌ صوتية صغيرةٌ كبيرة المفعول بأنغام مزعجة .. لتصرخ خروجاً عن إرادتها بـ : نااااي اسكِتي آلة الصياح وإلا ألقيتك معها من النافذة ..

همّت ناي بالنهوض .. وقد انبعجت ملامحها بما يشبه التذمر ... إذ أن صغيرها لم يمنحها ولو قليلاً من النوم ليلاً ولا بضع دقائق من الراحة نهاراً .. أشفقت أندلس عليها .. فتناست كل المتاعب .. ووقفت وأشارت بيدها لناي لتجلس مجدداً ... أمسكت الصغير وكتفته بقماط قطني ودخلت به إلى غرفتها .. أطفأت الإنارة .. وتركت خيطاً من النور يدخل عن طريق الباب الموارب .. أخذت تغني له " يلا تنام " بينما دست في فمه زجاجة الحليب ... استغرق معها الأمر ثماني عشرة دقيقة .. بالطبع حسبتها بالثانية .. فهي خلال سيرها به لكي ينام ما كان أمامها سوى أن تنظر إلى عقارب ساعة الحائط التي كانت تتحرك بتوانٍ سمِج .. مسّدت رأسها بعدما وضعته على سريرها وهي تتأكد من أنه قد نام فعلاً .. دثـّرته بلحافها ... وأرسلت له قبلة في الهواء .. بينما أخذت تتعجب سراً من سحر الكون .. كيف يزعجها هذا الصغير بصراخه الدائم ومع ذلك لا تستطيع أن تستثقل وجوده في حياتها بل على العكس تمامًا!! .. كيف يكون شرساً وهو مستيقظ بينما يصبح ملاكاً وهو نائم .. إنه حقاً قطعة من الجنة ..

أغلقت الباب خلفها بهدوء ولم تنسَ إضاءة اللمبة ذات النور الخافت ... عادت مجدداً إلى غرفة التلفاز حيث كانت أمها وناي تجلسان .. لتسمع ناي خلسة وهي تفضفض لوالدتها بأسى : كل ما في الأمر أن الصغير يأخذ من وقتي أغلبه ... وفي الوقت القليل المتبقي أكون منهكة بالفعل فلا أقوى على فعل شيء ... سلام يساعدني عندما يكون موجوداً لكن ذلك لا يمنع أننا لم نعد كالسابق ... لا أدري كيف يجب أن أقسِم الحب بينهما ! لا أريد أن أكون أماً فقط فأخسر سلام .. ولا زوجة فأخسر طفلي ... أريدهما معاً !

فرّت من عينيها دمعة واحدة فقالت تعقيباً : لأول مرة أشعر بالعجز ...

تنهدت قلورياس وقالت بحنان : الأمر بسيط يا ابنتي ... أنتِ كامرأة .. ينبغي عليكِ أن تضاعفي الحب .. لا أن تقسميه .. يمكنك أن تَعُـدِّي هذا مفتاح الحل ...
سطع بريق الأمل من عيني الأم الشابة .. لتقول بعدها بتحديٍ : سأفعلها قريباً ..

جلست أخيراً أندلس وهي تقول بانتصار : لقد نام طفلكِ .. والآن نأتي إلى الفقرة الأجمل في الحفل ... ضحكت وهي تقول : " طق الحنك "

----

في المساء ..

أعدّت الشابتان العشاء ... ثم اعتذرت أندلس عن الجلسة لحاجتها إلى النوم بشدة بعد تعب النهار .. كانت قرابة الثامنة .. دسّت نفسها تحت اللحاف .. وعدّت حتى الخروف الحادي عشر لتغط في سبات عميق ... غير سامحة لنفسها بأن تشطح بعيداً بالأفكار .. إييه مر زمن طويل .!!

لقد أصبحت في الرابعة والعشرين ... في الواقع هي متمسكة بهذا الرقم ولا تنازُلَ عنه حتى يأتي يوم ميلادها بعد أسبوعين .. لتصبح في الخامسة والعشرين ... هي جميلة ،. تسكن في سماء الحسن كما نعتها شاب ذات يوم في رسالة .. لديها من المميزات الكثير .. خلوقة ، ناجحة .. متدينة وذات حسب ونسب ... ما الذي أخر نصيبها إذن ؟.. في كل من تقدم لها نجحت بإيجاد عيب لا يمكن التغاضي عنه .. كالتفاهة والجهالة وقلة الدين .. حتى إن كان البقية جيدين .. إلا أن الزواج وهي لم تنهِ بعد دراستها كان أمراً مبتوتاً فيه ولا تراجع عنه ... لنكن صريحين ... كانت إضافة لذلك ترغب بمعرفة هوية ذاك الشاب .. أن تغامر يوماً بقلبها ضمن المسموح ... في كل ليلة كانت تفكر جدياً باحتمال أن يكون مقلباً من إحدى المتحاملات عليها لأسباب معروفة ... لكنها كفتاة .. لم تستطع أنْ تنكر رغم كل ذلك أنّ رسالة واحدة نجحت في اختراق صلابتها المصطنعة دون عناء ...

---

تشعشع النور خَفِراً من قداسة الثوب الجديد .. لتهبّ متحاملة على البرد الذي نخرها فور إزاحتها اللحاف ميممة صوب النافذة ، أزاحت الستار لتطمئن على الثوب الذي غزلته أنولة السحب الركامية بمهارة حائك متمرس ..

ما أبدعه من منظر .. يذكرها بأن القلب مهما أسودّت حجراته ذنباً فهو لا بد له من نقاءٍ تمطره رحمة الله على أراض القلوب المذنبة لتستحيل نقيّة بلون الثلج والبرَد ..

تمتعت بجرعةِ قراءةٍ صباحية لمدة ساعة كاملة .. خرجت من غرفتها صوب المطبخ .. صبت الحليب في كأسها المقوْلب على شكل بقرة مضحكة .. هذا الكأس غالٍ على قلبها فقد اشترته قبل سنوات من معرض الربيع الذي أقيم في الجامعة .. أخذت تشرب الحليب وهي تمشي في الممر .. " يبدو أنهم لا يزالون نياماً " .. هذا ما فكرت به بينما لمحت أشعةً تتسلل عبر فتحةِ بابٍ سفليةٍ والتي كانت جدُّ واضحة لأن الممر كان مظلماً بعض الشيء ... استغربت .. فهذه الغرفة مقفلة .. ولا يدخلها أحد .. هي فارغة نوعاً ما .. ودون انتظارٍ مدت يدها لتفتح الباب ...

---

- أنـ د أندلس .. !! أندلس .. لديّ ضيوف ....

هذا ما أخذ يردده سلام بملامحَ محتقِنةٍ .. بينما هي تشرب من كأس الحليب متقدمة إلى الداخل .. الغبية تنظر بداخل الكأس .. أين هي شاردة .. لولا أن صديقه أخذ يضحك بعلوّ .. وهو كذلك نظراً لغباوة الموقف .. لصَفَقَها بـيده ...

رفعت نظرها أخيراً عن الكأس بعد شغوره .. لتواجَهَ برجلين دفعةً واحدة !

ما الذي شعرت به ؟ هي نفسها لا تعرف ... أخيراً فهمت أن سلام بات عندهم الليلة هو وضيفه ... وأنهما ناما في الغرفة الفارغة ... " أوه أنداا ... لا تكفين عن الحماقات " .. هذا ما قالته لنفسها وهي تخرج كبرقٍ من الغرفة لتصفق خلفها الباب بحدة بعد تلك الـ " يييي " التي صدرت منها بـِبَلَهْ لتزيد الطين بلة !

---

تغيبت أندلس عن وجه سلام طِوال اليوم ... كم أحرجها بلفته للموضوع أمام العائلة بعد رحيل الضيف .. كان يضحك بجنون .. وكأن ما شاهده محضَ مشهد مضحك في فيلم كوميديّ .. لم تتوقع ردة فعله الغريبة .. كانت تنتظر منه توبيخاً .. أي شيء .. أن يُراعِ مشاعرها .. ولكنها تقبلت سخريته أخيراً بصدر رحب ...

في المساء ..

كان سلام يلتفت إليها بطريقة غريبة .. غمز ناي فغادرت الغرفة التي كانا فيها .. فالأمر محرجٌ نوعاً ما ... أخيراً قال :

- أندلس ....
- ها !! ( قالتها وهي ساهمة ) ...
- ما حدث اليوم .. أمرٌ مضحك ليس إلا .. ( أخذ يضحك مجدداً وهو يسترجع الموقف بعدها فتأففت بصوتٍ عالٍ )
- وما أدراني بأنكم ستباتون عندنا الليلة .. لقد نمتُ باكراً البارحة .. كل ما جال في خاطري أن لصاً قد اقتحم المكان !!
- يا سلام ! ما شاء الله .. لصٌّ وستهاجمينه ببقرتك المضحكة .. لا وتفتحين الباب ثم تشربين من الكأس .. لمْ تنظري حتى إلى الداخل .. ثم إن لصاً لن يضيء المكان .. غبية !!
- سلاااام .. كف عن مضايقتي ... إنسَ باختصار ! .. منذ الصباح وأنت تلمّح للموضوع ..

- ولن أنساه لأجيال قادمة .. سأخبر أطفالك ذات يوم بطريقة تعرفك على والدهم ... لن يصدقوا أبداً .. فهذا لا يحدث حتى في الأفلام ...
- سلام .... تَوَقّـف عن تفوهك بـ الـتـرهاا ...

قطعت كلمتها الأخيرة التي كانت تنطقها أصلاً ببطء وهي تشهق بصوت عالٍ : ماذا قلت لتوّك ؟؟

- كما سمعتي ... لقد تقدم آدم لخطبتك .. وهو ينتظر منك رداً .. !


انتهى الفصل قراءة ممتعة للجميع .. سأسعد بردودكم جداً

هذا الفصل إهداء لصاحبة أروع خلية نحل تذوقتها في حياتي ..
صديقتي مروة وأختها دعاء .. والمحتوى غير مخفيّ لكي تستطيعان رؤية الإهداء ..


صحيح ... الفصل القادم يوم الخميس ... نظراً لعودة المدارس وانشغالي بهذه الفترة ،

دعواتكم..


priscila ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

الفصل الثالث..

الجزء -2 - ... أحبيني بلا عُقَـَدٍ !

( خلسةً بتُّ استرق شيئاً من شيء يخصني ... أصبح الآن يخصني ..
السؤال الذي يطرح نفسه الآن .. ما الغريب في تصفحي الفيس بوك .. ؟ بل ما الغريب في أن أشاهد حلقة معادة من برنامجي الذي أقول بصراحة أنه المفضل فقط إنْ عُنْـوِنَ بـ " حشكي لمين " .. ؟ دعوني أخبركم بأن الغريب وحده هذه الأيام .. هو نظرات أمي التي باتت تلاحقني بتعابيرَ – عذراً – سمِجة ... فنظراً لحظي الضارب في هذه الفترة غَدَت دماء العربيات تجري في عروقها الإسبانية بشكل مثير للضحك ...
رغماً عني .. وعن جميع طوائفي .. تجعلني تلك النظرات الغريبة أؤمن بأني بتُّ اهتمُّ حقاً بـسعيد الحظ ! حتى هذا .. ما الغريب فيه ؟ مع أنني -و يا للسخف- أقوم بما اعتدت القيام به منذ عام ونيّف !
سؤال آخر يرتد وقعه في جميع أنحائي .. لمَ الأمر صعب هكذا ؟؟
لِمَ القرارات التي كانت تندفع إليّ أشد الاندفاع لأتخذها .. تسكنُ الآن -في نذالة تامة- وتحتاجني لأنتشلها .. لأنتزعها انتزاعاً !!
ما الذي أريده بالضبط ؟؟ ......... يا رب عونك )

أغلَقتْ دفتر مذكراتها بتروٍّ أظهر بوضوح السكينة التي اعترتها لأول مرة منذ يومين .. نظراً لارتياحها للقرار الذي تبنّـته بعد أن كان طافياً على السطح .. فكّرت بأن مِن حقها أن تجلس معه ... فبعيداً عن مسألة الإعجاب .. هي لا تغترّ بالبهارج الخداعة .. ولن تتخذه كواجهة اجتماعية ... فلن يكون هنالك كاميرات ولا كاتبو سيناريوهات عندما تكون زوجته إن قدّر الله ... هي لا تعرف حقيقته .. ولن تشتري سمكاً في ماء !

توجّهت للمرآة المنتصبة بقرب الحائط الموشح بجميع الألوان ..
أخذت تتأمل ملامحها .. غاضة طرفها عن الهالة السوداء الباهتة التي أحاطت بمحجريْ عينيها نظراً لقلة النوم .. عدمه بالأصح ! فمنذ فجّـر سلام قنبلته تلك قبل يومين وهي تتصرف بغرابة .. بدءًا من ردها عليه الذي اختصرته بـ " ها " قالتها بعدم تصديق .. مروراً بإفسادها لعجة البيض الذي تلخّص بإحراقها بالكامل .. انتهاءً بـاختلال نظام نومها الذي لم تشُـبه شائبة منذ أن تخرجت من الجامعة بدرجة الماجستير ...

بالرغم من كل ذلك .. كانت ترى أندلساً جميلة ..... جميلة بشكل لا يصدّق ! ترى مجدًا ظنتهُ ضائِعًا .. ترى سعادةً شعّت من عينيها لتفضح ما اعتراها من فخرٍ نتيجة للأمر غير المتوقع ... سعادة لم تنجح في إخفائها مع أنها حاولت لكي لا تبدو ( خفيفة ) كما يقال ..

ودون مزيدٍ من الانتظار .. أخذت تبحث عن والدها ... لتتوجه أخيراً إلى غرفة نومه .. طرقت على الباب ثلاثًا فلم تلقَ استجابةً ... لتتعجّب محوِّلةً بصرها نحو إحدى ساعات الحائط المنتشرة في كلِّ مكان في هذا البيْت ..
- أوه ... إنها السادسة صباحًا !

قالتها باستغراب ... لتدرك كم هي مجنونة .... إذ لم يدخُل آدم باشا حياتها بعدُ – إن كان مقدرّا له الدخول – وها هي لا تعرف ليلها من نهارِها منذ الآن ...

( لا تراجُـع ) قالتها بإصرار وهي تستريح على أرضية الممرّ مقابل باب الغرفة ... منتصرة على سطحه البارد جداً ..

---

الثامنة والنصف صباحاً ..

خرج مجد من غرفته بملامحه التي كانت ما تزال نائمة ... وسار في طريقه إلى الحمّام .. ليتعرقل بجسد صلب ... الانزعاج الذي ارتسم على محياه .. لم يلبث أن اختفى ليحلّ محله شعورٌ آخر ..... غريـب ... غريب جداً .. ليردد في سره " متى كبرت صغيرتي ليتقدم إليها الخاطبون " !

- أندا ..... صغيرتي ... هيا انهضي ، الأرض باردة .. ستمرضين !

كم كانت مثيرة للشفقة بجسدها المنكمش وقد شغل حيزاً صغيراً مفترشًا الأرض ..

انتفاضتها المعتادة فور أن يلمسها أحد وهي نائمة .... جعلت والدها يضحك وهو يقول سرًا : المسكين .. لا يعرف أن عفريتًا سيتخبط كالممسوسِ أمامه إن أراد إيقاظها يوماً من النوم ...

حرك بصره الذي كان مستقراً على جسدها المتكوّر إلى رأسها ليقول مجدداً : أما شعرها المنكوش فسيجعله يشعر بأنه تزوج كومة من القطن ... !

- لِمَ تضحكُ الآن ؟ ( قالتها عندما فتحت عينيها لترى والدها يرمقها ببعض السخرية )
- عذراً يا ابنتي .. نسيت أن نومكِ خفيف للغاية !

أكمل في سره وهو يتحرك وراءها إلى المكتب الذي توجهت إليه بخطوات ثابتة .. : لكنه سيكون سعيداً .. سعيداً للغاية إن حظي بكِ !..

----

في المكتب ..

قالت بتردد .. بعد أن فقدت جميع الحلول التي توفر عليها خوضاً في عراكٍ مع الحرَج الذي يتلخص بنقعها احمراراً مباغتًا إياها كلما همّت بفتح الموضوع مع أحدهم :
- بابا ... لم أكن أتخيل أن الأمر صعبٌ لهذه الدرجة ! ولهذا جئت إليك متأخرة ...

الإيماءةُ التي تحرك بها رأس مجد بمعنى " والمطلوب! " .. جعلتها تكمل بنبرة منخفضة فهم منها إحراجها البالغ :
- أثق جداً بتزكيتك ... لكنني أحتاج أن أجلس معه مرة واحدة فقط تكون كفيلة بجعلي أحسم الأمر .... أرجوك بابا ....
- لكنها خطوة جريئة ... للغاية يا ابنتي ! ( قال مجد بينما حرك حاجبيه مستنكرًا )
- مِن حقي .... وأقسم لك ... لن يَبْدُر مني شيءٌ خارج عن العُرف .. أبداً
- أعرف يا ابنتي .. وأقطعُ لسانَ الذي يقول غيرَ هذا .. لكنّ العادة تقول أن الشاب هو الذي يجب أن يطلب طلبًا من هذا القبيل ... ليس الفتاة ،.
- أبي .. هذا آخر كلامٍ عندي .. كيف أوافق أو أرفض وأنا لا أعرف شيئاً عنه ! إنه زواج تقليدي .. قد لا يعجبني إن تكلمتُ معه .. أو قد لا أعجبه إن تكلم معي .. فهذا النوع من الرجال يكون عادة متطلباً خاصة وأنا أكاد أجزم أنه يرى أشكالاً وألواناً من النساء نظراً لطبيعة عمله .. ( قالتها بلؤم اتضح من مطّـة شفتيها الشريرة فابتسم ابتسامة ساخرة سرعان ما تحولت لشيء يشبِهُ الضحك .. بينما طأطأ رأسه ليداري سحنته عن ابنته التي ستغضب بالتأكيد إن رأت انفعاله غير المبرر من وجهة نظرها الحادة ) .

- حااضر يا ابنتي ، سأفعلها من أجلك ... غيرُه !
- لا شيء بابا ، ( قالتها ثم أتبعتها بقبلة طويلة أرسلتها عبر الهواء إليه ) لتقول بعدها بتطلب :

- آه تذكرت .. بعد إذنك .. أعلمني مسبقاً عن موعد زيارته لأجهّز نفسي كما يليق .. فهذه الهالةُ اللعينةُ حوْل عينيّ ظهرت في وقتٍ حرِجٍ للغاية ...
- ضحك ضحكة مجلجلة وقال : من عيوني ... نصيحة لكِ آنسة أندلس .. هذه الهالة تحتاج قليلاً امممم اقصد كثيراً من النوم وستختفي وحدها ...
- شكراً لكَ يا خبير التجميل ...

قالتها ثم ولته ظهرها وغادرت صوب غرفتها .. فلكم اشتاقت حضنَ الفراش ! ... هي فعلاً تحتاج كثيراً من النّوم ..

---

العتمة ... تغلف المكان ، الوقت متأخر ... ذات السيدة تجلس على ذات الأريكة الطويلة التي قابلها التلفاز ... وقد أخذت أشعته الملونة تنعكس عليها بإيقاع جميلٍ غير منتظم ...

هو في الداخل الآن ... لكن أخوه في الخارج ... والتاريخ يعيد نفسه ..

سرًا ردد عبارة لطالما أستحقتها والدته وبجدارة : جزاكِ الله عنا خير الجزاء .. بينما ظل يتقدم باتجاهها وهو يحشد كل ما في نفسه من شجاعةً ... فالموقف محرج وإن كان ليس إلى ذلك الحدّ .. في نفسه قال مسرّيًا طيفها : الشابّ يشعر بالإحراج فكيف بكِ يا أندا ؟

لم تختلف ثقة خطواته التي لم تكن خرساءَ هذه المرة .. لقد تغير كثيراً في هذين العامين ... كثيراً لدرجة لم يتخيلها تحدث ولا حتى عندما يقارع الستين من عمره !!


توسّد حِجرها .... فلم تغني له أغنيتها التي تُـشعره دوماً بحنين يخنِق أحشاءه التي لا تقوَ على تحمل هذا الإحساس .. لطالما آمن بأن الحنين أقسى بكثير من أي شيء ... أقسى حتى من الإحساس بالألم .. فالألم قد يختفي بمخدِّر أيا كان نوعه .. أما الحنينُ فلا .... " إشارة جيدة أمي " ...
أخيراً خرج عن صمته بعد أن سمع والدته تقول بينما غرست أناملها بين ثنايا شعره : ماذا هناك الآن ...

- نعم !!؟ ، " قالها بعدم تصديق " .. لتردّ عليه والدته بإجابة مُلجِمة :
- لا تنسَ الأم شيئًا يتعلق بابنها وإن طال الزمان .. ليس فقط يوم ولادته .. يوم خروجه من المشفى ... وحتى أول يوم دراسي فقط .. إنها لا تنسى كذلك يوماً يشابه يومي هذا والذي حدث قبل حوالي سنتين .. يومها أخبرتني عن رغبتك بالعمل .. وكنت محقاً ، الآن .. ما الذي تريد إخباري به ؟

- أمي .. خطوة خطوة !! .. تدهشينني دائماً ... كيف عرفتِ ؟ يا الله حاستك السادسة قوية جداً !!

سكت ثم وضع عينيه نصب عينيها .. ليقول لها بنبرةٍ .. لم تصفها أمه سوى بالمشتاقة .. بعد أن اعتدل كما في تلك المرة : أمي ... سأصبح بعد أشهر قلال في الثلاثين ... ألا تظنين بأن شيئاً ينقصني .... شيئًا يشبه الذي كُنـّاه معاً قبل رحيل والدي ...

وضعت يدها على فمها وهي تضحك بنغمةٍ غريبةٍ جداً .. جداً ، جعلت آدم يستغرق زمناً وهو يتبيّـن إن كانت ضِحكة أو شيئًا آخر، بينما جادت عيناها بأدمعٍ غِـزار .... لتقول بعدها بنبرة يكاد يقسم آدم بأنها الأكثر تأثرًا على الإطلاق : بنيّ .. تعلم أنني أعيش لهذه اللحظة ...

ضحكت مجدداً لكن الآن بنبرةِ ضحِكِها المعتادة لتقول بعدها مستجوبة إياه : مَن هي سعيدة الحظ ،.. ؟

بدأ وجهه يحمرّ .. نعم يحمرّ ، فهو وإنْ تغيّـر تظل روح آدم هي الصابغة لكل انفعالاته .. إذ لا يستطيع وإن حاول نزع ذاته عن ذاته .. ليرضى أخيرًا بانفعالاته كما هي وإن كان بعضها مزعجاً له .. قال بعد ثوانٍ من الصمت بينما رست نظراته على الأرض :

هي ابنة أحد معارفي .... جميلة .. بل حسناء ، رائعة جداً بكل المقاييس ... باختصار تفوق الوصف ... اسمها أندلس ... تخيلي أمي ، اسمها أندلس .. وهي فعلاً أندلس مصغرة ...

شهقت والدته بعدها وهي تقول بتأثر : أوه ولدي ... أنت مولع بها ! .

لم يأتها أي ردّ .... لتكمل وقد استشفت شيئًا من صمته : لكن .. هل وافقت على الارتباط بك ؟ .. ستكون مجنونة إن رفضت ! بلهاء حمقاء و خرقاء أيضًا !!

- مهلاً .. أمي على رِسلِك ... كل ما في الأمر أنها تحتاج أن تجلس معي لمرة واحدة .. كي تتخذ قرارها ... ألم أقل لكِ أنها مختلفة !.... أخبرني والدها ظهرًا على مضضٍ برغبتها التي تقبلتُها بصدر رحب .. هي بالفعل لا تعرف عني شيئًا .. بالعكس ردّها الناضج جعلني أتأكد مئة بالمئة بأنها هي المناسبة تمامًًا ...
---


يتبع


priscila ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

---

أدار المفتاح في مقبض الباب ثم فتحه .. فلم تفاجئه العتمة التي أخذت تتسلل لجسده المنهك دون عناء ... يا الله ... موسم الأعراس لا يأخذ غفوة حتى عندما يكون الشتاء قارسًا .... بحق الله .. كيف تقيم مجنونةٌ عرسها في هكذا جوّ ؟ ...

عبْـر الأشعة الزرقاء لمح آدم أصبع والدته الذي أشارت به إليه لكي يصمت ... ابتسم رغماً عنه وهو يقول بخفوت : المسكين .... وِقعته غير واقِفة !! ، بينما تذكر كيف كانت ترتعد فرائصه وهو ينتظر توبيخ والدته المسائي عندما يتأخر ..

قالت بنبرتها المعروفة عندما دخل بخطواتٍ خرساء .. والتي تبرز خوفاً وغضباً : أسد !!
ليجيب بكلمات معتادة : نعم أمي .. تأخرت في العمل .. أعتذر عن عدم اتصالي بك ... إذ لم أستطع حكِّ رأسي طوال النهار ....

تحركت والدته نحو قابس الكهرباء لتُشعل الإنارة بينما وقفت وهي تشبه إعصارًا هائجاً قائلة بفورة نادرة : انتهى ..... ( لتصفق بكلتي يديها وتكمل ) .. لا عمل بعد اليوم في هذا المكان المشؤوم ... لم تكن تقوَ على حكِّ رأسك ها .... بالطبع فأنتَ منشغلٌ برؤوس الأخريات !

- أمي لا داعي لهذا الكلام ... تعرفين جدّيتي في العمل ، ( قالها بينما عض على شفته ليذكرها بالاتفاق الذي أبرم بينهما في الخفاء )

- أنتَ الذي ستصمت من الآن فلاحقًا ... لأنك لا تعرف كيف تدير نفسك أبداً ... والذي يفشل في إدارة نفسه يستطيع أن يوكل إدارتها لغيره ... لا ينقصك المال .... أبداً ، وإن كنت ترغب في تحقيق ذاتك فهاكَ دراستك .. نصف من أعرفهم يتمنوْن أن يلتحقوا بالجامعة ليدرسوا الهندسة .. لست غبياً لتضيّع نفسك ..

عند هذه الكلمة .. قاطعها آدم بنبرة تضج حدةً وقد جحظت عيناه بانفعال لا تستطيع تعابيرُ الغضب كلها وبكل اللغات أن تصفه : لحظة ..... ما هو عملك يا سيد ؟ .. لا تقلها .. بحق الله .. إن كانت هي فلا تقُلها ...

- سأقولُها يا آدم .. وبملء فمي .. أعمل في صالون حلاقة نسائيّ .. وهي مهنتي التي لا أقبل أن يعيبها أحد ... تدخلتما في حياتي بما فيه الكفاية ... وأنت أيها الفنان الشهير .. أتمنى فقط لو أصدق أن انفعالاتك هذه سببها الخوف الحقيقيّ على مصلحتي .. ليكن في علمك .. هي حيااتي التي لن أقبل أي تدخلٍ فيها من الآن فصاعدًا .. ولتفهما ...

قال كلمته الأخيرة ( ولتفهما ) بتهدج .. بينما تدحرجت دمعتان نزلتا من عينيه وهو في قمة الأسى .. ومع ذلك لم تنجح كلمته اليائسة في تخفيف غضب شقيقه الذي أخافه وإن لم يصرّح بذلك ..

ظل آدم صامتاً لوهلة وهو يحاول استيعاب تصريح أخيه الذي لم يتوقع أن يسمعه منه يوماً .. وفي هذه اللحظة استطاع أسد أن يستشف من ملامح أخيه الممتقعة اسودادًا غضبه الذي سيحرق ما تبقى فيه من كرامة إن بقي واقفاً أمامه لثانية إضافية .. ليهرب بنفسه وبكرامته بخطوات جاهد ليمنحها الثقة .. وكخطوة إضافية صفق خلفه الباب مزلزلاً سكوناً عرفَه البيتُ قبل ساعات قليلة من نفس اليوم ..

ردّ آدم بنبرة صارخة بينما استوطنت الشفقة ملامح الوالدة التي وجهت بصرها إليه بتعبير مؤنب لا يدري على مَ : دموووعُ التماسيــح ..

---

وقفت أمام المرآة ... وابتسمت لا إراديًّا لا لكلام ناي حولَ هيأتها والذي صنفته بـ " العسل " ولكن لـكومة القطن الكبيرة التي تكوّمت فوق منضدة زينتها .. وتساءلت .. كم مرة مسحـت زينة وجهها لتستبدلها بأخرى ؟ مئة مرة ! ربما أكثر .. لكنّ عُذرًا معها .. إذ يجب عليها أن تشطب من ذاكرته المشهديْن المؤلميْن للفتاة الخرقاء التي رآها قبل أقلَّ من أسبوع ...

وقبل أن تستدير لتواجه ما يحمله لها القدر اختفت ابتسامتها لوهلة وهي تستذكر أحدًا طلب منها مسح كُحلها ذات يوم .. وكأنما رأت شبحه على المرآة .. قالت مؤنبة إياه بكل ما تحمل من لؤم : عذرًا يا صاحب الرسالة .. لكنني لن أنتظر أكثر .. لن أنتظر لأصبح عانساً بفضلك " قالتها بينما هزت رأسها بتعبيرٍ أبله " ...

سحبت نفساً عميقاً وهي تحملق في نفسها بالمرآة لتقول : المستقبل ... المستقبل ... المستقبل ..

وبحركة سريعة توجهت نحو خزانتها التي دفنت في إحدى أرفها ورقة كانت قد بدأت تصفرّ بالفعل .. وهمّت بتمزيقها ... لكنها بعد أن نالت من طرفها قالت بمكر : لربما أحتاجكِ يوماً ما ... مَن يعرف ... قد تكون إثارة الغيرة حلاً ناجعاً لأنثى جميلة ..

ضحكت وهي تسمع طرقات خفيفة على الباب سرعان ما قال مُصدِرُها بحنان : أندلس .. جاهزة ؟

- نعم ، ماما .. ثوانٍ فقط وسأخرج ،.

وبالفعل .. رطّبت شفتيها ثم أمسكت مقبض الباب الذي شعرته ساخناً بينما هي كانت ترتعش .................. برداً ؟ ... بالطبع لا !

سارت في الممر الذي كانت صالة الضيوف تقبع بآخره ..
" حسنًا .. هو لَبِق ... إذ لمْ يَجلِس مواجِه مدخل الصالة وبالتالي هو بمكان لن يستطيع منه كشف المنزل ، إشارة جيدة " .. قالتها وهي تحاول شَغل نفسها بشيء آخر علها تفلح بجعل الأمر ولو شبه طبيعيّ ...

كما توقّعت ليس معه أحد ... هناك باقة وردٍ على طاولة السفرة المواجهة لطقم الكنب وكذلك علبة شوكولا فخمة للغاية ..

دخلت بخطواتٍ مرتجفة وصوتٍ لعنته ألف مرة لأنه كان أيَّ شيء ما خلا طبيعيّا وهي تقول : السلام عليكم ..
ليرد عليها جميع الحاضرين بما فيهم نجم الحفل الذي شاركها بالبطولة : وعليكم السلام ..

جلست على كنبة شاغرة ... كانت – ويا لحظها – قريبة منه ... مؤكد هذا ترتيب سلام ... لقد غدا ماكرًا بعد زواجه بناي .. يا الله ستقطّـعه إربًا !

لم يكن هناك أي كلام يذكر .. بينهما .. عندما صدح رويد بأناشيده العذبة لتغادر ناي .. وبعدها بدقائق سلام ..... مجد ... ثم أخيرًا لتبقى قلورياس وحدها مع الشابين !

حتى قلورياس ...... ما لبثت أن قالت بفبركة : سأعِدُّ لكما العصير .. لتختفي من أمام ناظريهما بسرعة البرق ... ويرتسم الخوف بفنٍّ على حدقتي عينيها الزرقاوين ..

تنفس آدم الصعداء ...
بعد صمت استمر لدقائقٍ قال بلطف : كيف حالكِ ؟
نبست بخجل : الحمد لله .. بخير ، وأنت ؟
- اممم .. جيد ،، جيد جداً مرتفع ... قال بنبرة حفظتها من " حشكي لمين " ...
ضحكت رغماً عنها وقالت بتلقائية : ذكرتَـني بأيام الجامعة .... أنت حقاً مضحك !
- شهادةٌ اعتز بها ... شكرًا لكِ .

ما الذي قالته ... يا الله ! لم تُظهِر خجلاً كما قرأت في دراسة لجذب الجنس الخشن .... عادت لتكتسي حلة الجدية ... وصمتت مجدداً .. ليباغتها بكلام لم تتوقع أن يقوله بهذا الوضوح ...

- سأدخل في صلبِ الموضوع ... أنا آدم حشكي .. عمري ثلاثون عامًا تقريباً .. طولي مئةٌ وثمانون سنتيمترًا أما وزني فقد نسيته .. خرّيج صحافة وإعلام .. مممماذا أيضًا ؟ .. راتبي ممتاز ... سيارتي شيفروليه كروز .. و ...

- أوقفته وهي تقول : أعرف عنك كل هذه المعلومات ...

" لساني لساني .. تحتاج لِقَطْعِكَ يا لساني " ما الذي قالته .. ستُـشعره بأنه مهم جداً وهذا ما لم تُرِده ..

خرجت من حالتها إثر ضحكة قصيرةٍ صدرت منه .. قال بعدها : أما أنا فلا أعرف عنكِ شيئًا سأكون سعيدًا بـ..
لتقاطعه وهي تقول بـ ... ثقة : أندلس معلى .. خمسٌ وعشرون سنة .. طولي مئة وستون سنتيمترًا أما وزني فأتحفظ على الإجابة ( قالت بتعبير مضحك وأكملت ) ... خريجة ماجستير هندسة معمارية ... لم أعمل مذ تخرجت قبل حوالي بضعة أشهر ..
- كما توقّعت ..
- توقعتْ ؟
- دعيكِ مني الآن .. سأقول لكِ كلمة جئت من أجلها ....

يجب أن تعلمي أنني أستطيع أن أنسجَ لكِ الحكايا حول مثاليتي بطريقة تجعلك تصدقينني بلا أدنى ريْب .. لكنني أستطيع أن أكون حينها أفاكًا كذلك .. أنا إنسان ... أخافُ الله ... وهذا لا يمنع أنني لست كاملاً ... هذا ما أستطيعُ قوله الآن عن نفسي ... بصراحة لست مستعدًا الآن لكي أبوح بأسراري لأحدهم وأتمنى أن تحترمي صراحتي ... المهم .. سيُعقـد القران بعد أن آخذ منك جوابًا غداً صباحاً بالموافقة بعد حوالي أسبوع .... شهرين كخطبة ستكون كفيلة بجعلك تعرفينني أكثر .. وإن لم نتوافق ففسخ الخطبة ليس أمرًا صعبًا في هذه الأيام ... ها ما رأيكِ ؟ ...

" يااااه ... كيف يستطيع أن يكون باردًا لهذا الدرجة ؟ ... لا وواثق جداً لدرجة مؤرقة .. و فوق كل هذا يقول بكل عنجهية : أتمنى أن تحترمي صراحتي " .. رددت في سرها بينما خرج الكلام من فمها لا تدري كيف .. لتقول بـتساؤل : ألا تظن بأنني قد أخرج خاسرةً من هذا الرهان ؟
- ليس هنالك خسارة ولا رهانًا ... هناك مغامرة ...
- بل مقامرة ..
- مغامرة ممتعة ...
- وأغامر بنفسي مثلًا ؟؟؟؟؟ " قالت محاولة فرض رأيها لتصعَـق من إجابته "
- لن يصل الأمر إلى تلك المرحلة قلت لكِ أنني أخاف الله .... ثم إن نفسكِ تهمني
أرادت أن تجيبه بعناد على الرغم من النبرة المميزة التي قال فيها " نفسكِ تهمني " عندما دخلت سمنتا ( الخادمة ) بعربة الضيافة لتتركها بعيداً عنهما ... مما دفع أندلس للوقوف كي تتمكن من إحضار العصير لحضرة الضيف الذي تهمه نفسها ..

سارت على استحياء ... أيًا كانت ثقتها .. فجانبها الأنثوي لا يزال طاغياً ... قدّمت إليه العصير بينما ضغطت على مسكتي الصينية بشدة .. مقاومةً ارتعاش أناملها .. لينحرف بصرها نحو عينيه اللتين كانتا تنظران نحو كأس العصير .... وبحركة مدروسة .. رفع بصره لتلتقي عيناهما لأول مرة ...

واضح جداً أن الزمن قد توقف بلا مبالغة .. ليقول مباغتاً تلك اللحظة التي اعتقد لسبب خفيّ أنها لن تطول بنبرة جديدة على مسمع أندلس .. بعد أن وجد بحرًا هادر الأمواج يرمق غابة عينيه بتوهان كامل :


- لا تطيلي النظر إلى عينيّ ... ستقعين بحبي إن فعلتِي .


انتهى الفصل .. قراءة ممتعة للجميع ،

أتمنى أن يكون مستحقًا للانتظار .. الفصل القادم يوم الخميس

صحيح " إلى الآن أعمل بنصيحة مروة ذات الصديقة عندما قالت لي : اكتبي اشياء مفرحة ... بكفي حياتنا هههههه

أتمنى أن أعرف بمدى رضاكم عن سير الرواية إلى الآن ..

مع حبي .. رَغـ‘ـد ،.


priscila ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

الفصل الرابع..

الجزء -1 -.. ما كل ما يلمعُ ذهبًا !

( خاصمتني فوق ثلاثٍ يا أخي ... )
قالها أسد وهو يتقدم إلى غرفة أخيه المعتقةِ برائحة الكتبِ القديمةِ مصفرةِ الأوراق ... ليجده منكبًا على كتاب ضخم يقرأ فيه ... كتابٌ غُـلِّف بما يعرف بـ" الهارد كفر " ليتماشى على أعلى مستوى مع الثقافة الغربية التي تضرّجت بها ثقافته العربية خلال عامين من الغربة .. ليغدو ذاك المزيج الرائع من الشخصية الآسرة ... والمنطقِ الأخاذ !

كم تمنى أن يصبح ولو حتى نصف آدم ... بكل شيء ، لكنه كان عندما لا يستطيع أن يكون نسخة مكربنة عنه يلتفت إلى قاع ما فيه من مساوئ ليُحرج أهله بها أمام الناس .. وكأنه يكتفي بتشويه مجد آدم وفخرِ ذويه فيه بتصرفاته الرعناء ... لكنه مع ذلك .. لم ينجح بزعزعة احترامه لأخيه .. فتراه يصمت تلقائيًا ويذعن تلبيةً للأوامر المسداة إليه و التي ما انفك يقول آدم أنها تصبُّ صرفًا في مصلحته ..

- آاادم !!!!

رددها بنفاد صبر وهو يطبقُ دفتي كتابِه .. ليرفع آدم طرفًا حادًا لأخيه سرعان ما تحوّل لآخرَ يقطِرُ لطفاً وحناناً .. ليتذكر أسد أن شهرة الذي يشاركه بالدم وبعض الطباع لم تغيّر فيه شيئاً .. فعلى أبسط الأصعدة لم تتغير نوعيّة ثيابه ولا تسريحة شعره ولا حتى تعامله السلس المتسامح مع الآخرين .. ما تغير فيه فقط هو سيارته القديمة ووقوفه الاضطراري في أحيان كثيرة ليلتقط مع المعجبين صورًا تذكارية أو ليظفروا بتوقيعه في حال تقابلوا معه على إشارة مرور أو ما شابه ...

كيف نطق بتلك العبارة التي ما أحس بها أبداً ... عبارة فاسدة برائحة البيض .. جرحت كيان أخيه الذي يصفه علناً بالحساس ... وإن لم يعلن له آدم عن مقدار تأثره بها إلا أنه يؤمن أن ما سببه لأخيه بعبارته تلك والتي كانت استجابة لأزٍاتٍ خبيثةٍ من شيطانه الرجيم تركت جرحاً غائرًا سيحتاج وقتًا -الله وحده يعلم مقداره- ليندمل !

- لا تكن طيبًا .. تجعلني أخجل من نفسي يا أخي ...

قالها أسد بنبرةٍ تـَسِمُها الندامة .. ليجيب آدم بشيء مما راوده في ليلة الأمس الطويلة .. والتي قضاها ساهرًا يفكر فيها بأسد وبأحدٍ آخر ...

- ربما كان كلامك صحيحاً .. كما يقولون " كلمة الحق تسبق " .. كنت أحتاجها لأضع قدمي حيث يجدر بي وضعها .. على أيّة حال لستُ متأثرًا لتلك الدرجة .. أفضّل أن أسمعها منك عوضًا عن غيرك .. أود إخبارك بشيءٍ أكثر أهميةٍ الآن ..

بنبرة مختلفة بعيدةٍ عن الجفاء الذي كانته أردف : سأدخل " القفص الذهبي " بعد فترة وجيزة .. أحتاج عونك يا دبّ ..

قالها لتبتهج أسارير أسد مما دفعه بتلقائية مداعبة .. ليدقّ على صدره قائلاً بنخوة :
- أنا موجود إن احتجت مصففًا محترفًا دون أجرة ..
- اخرررررس ..
قالها ومدّ يده نحو حزامه بحركة هادرة بينما تميزت نظراته غيظاً وهو يتخيل المشهد ..
- امزح والله امزح ... ضحك وهو يقولها بينما ارتفعت سبابته إلى فمه وبدأ " يبوس التوبة " ...

أعاد الحزام إلى موضعه وهو ما يزال غاضبًا على أخيه الذي وصل لهذه المرحلة المتأخرة .. ليقول بنبرته التي اختص بها أسد منذ وفاة أبيه ..

- مزحة سخيفة كتسريحةِ شعرك ..... كم ساعة وقفت أمام المرآة لتهندزها يا حضرة المهندس ... كم كنتُ فرحًا عندما أخبرَتني أمي ذات صباح عن نتيجتك المشرّفة في الثانوية ... لمْ أصدق أبدًا أنك أعدت جميع الامتحانات لكي تُـدخل سرورًا إلى قلب تلك المسكينة .... وعندما دخلتَ كلية الهندسة .. قلتُ أنك وصلت لنقطة اللا رجوع .. خِلتك قادرًا أخيرًا على تحمل المسؤولية .. لكنك كنت أي شيء ما عدا مسؤولاً ...
أسد .... لا أصدق كيف أغواكَ الشيطان لتأكل ذاك القرش الحرام .. كيف سَمَحَتْ لك رجولتك يا أخي ؟ كيف ضحّيت بأجمل اللحظات لتقضيها في صالون حلاقة .، على أية حال .. أدرك داخليًا عمق ندمك الحالي .. لكنك لا تستطيع أن تبدو متقهقراً أمام الجميع ... دعني أخبرك بأنّ شجاعتك الحقيقيّة تظهر في تراجعك عن خطأك .. في اعترافك بفشلك .. أيّا كان عُمُرُك .. و أيّا كانت خطيئتك ...

قالها آدم .. بثقة عالية .. ليعود إلى حيث كان بحرفنته الخاصة في تقليب المواضيع ..

- اسمها أندلس ..

ليتفاجأ أسد ملء شدقيه ويقول : أندلس معلى !!! مؤكد هي .. أقسم أن أحداً لا يمتلك اسمها في كل الوطن ..

- من أين تعرفها ... ؟ قالها والشرر يتقاذف من عينيه ..
- هدّئ روعك يا رجل .. بالتأكيد ليست زبونة عندي ... كانت من أوائل دفعة الهندسة بدرجة الماجستير في الجامعة الفصل الماضي .. لطالما سمعت أنها بارعة الجمال .. حظك دائمًا من الجنة !!

لم يردّ عليه آدم بضحكاته المعتادة .. إنما بعينين اتسع محيطهما بشدة ... ليقول باستهزاء : لست مضحكاً ..

ويغادر بعدها المنزل غير قادر على انتظار والدته أكثر وقد ذهبت وخالته لزيارة العروس .. يا الله .. لقد كان عصبياً في التعامل مع أسد !! لكن ذلك كان خارجاً عن إرادته .. إذ أنه ظل يستفزه ببلهنته أيما استفزاز ....

انصرف أسد لعمله المسائي متسائلاً .. لِمَ لمْ يُـقدّر أحد اهتمامه بدراسته ؟ .. هو يحبّ الهندسة ولم يفكر أبدًا بالعمل طوال حياته سوى تحت مسمى " المهندس " .... لكنه كان يرغب كذلك بكسب حرفةٍ كمهارةٍ إضافية ... حرفةٌ صرّح برغبته في الحصول عليها - لسوء حظه - أمام أحدِ رفاق السوء ... ليبدأ باستدراجه لذلك العمل ..

كانت تجربة جديدة عليه .. امتحاناً لأخذ قرارٍ جادّ بعيدًا عن أوامر آدم ونصائح الوالدة التي كانت تريحه بعض الشيء ... ليوافق عليه أخيرًا عندما أخذ ذاك الرفيق نفسُه يطعن في رجولته متعللًا بخوف أسد من الإقدام على تلك المهنةِ " الواصِلة " كما وصفها أمام بقية الرفقة خوفًا من أخيه الفنان ومن والدته المتحكمة فيه كطفل صغير ...

كيف يتراجع الآن أو يتقهقر -كما قال آدم- ... كيف سيقول لأحدهم أنه بات يكره جنس النساء بأكمله نظراً لدناءة اللواتي عمل معهن ! بات يقرف رائحتهن التي تسد الأفق .. وهي تقدم دعوة صريحة له ولغيره .. ثيابهنّ التي ما اعتاد على رؤيتها أبداً جعلته يشمئز مع أول رأس عمل عليه .. أجواء التدخين والموسيقى الصاخبة و دلعِهن الواضح جداً ادّعاءُه ما زاده سوى مقتًا لأي شيء تضاف إليه نون النسوة ... كيف سيخرج من هذا المأزق !! كيف سيحرق كل لحظة مزعجة قضاها في ذاك المكان من ذاكرته ... لن يكون مبالغاً إن قال أنه لن يفكر بمسألة الارتباط لعقدٍ مقبلٍ كاملٍ ...


دلف الصالون ليجده ممتلئاً عن آخره كما دائمًا ... هذا العمل يجلب أطناناً من المال ! هن على كل ما فيهن .. يبقى أنهن فارغات الرأس إذ لا مانع لديهن من إفراغ كل ما في جعبتهن من مال ليبدين ولو أجمل بقليل .. نفس الوجوه تتكرر .. أو أنه ما عاد يرى فرقًا بين واحدة وأخرى !


- اللعنة ..
قالها وهو يرى ربة العمل ... ستبدأ الآن بإلقاء الأوامر عليه وكأنه أخُ سندريلا بالرضاعة ... لكن هذا ليس جوّه أبدًا ... وبرحمة من الله وجد نفسه يردد عبارة واحدة :
- كن رجلاً ، كن حرًا ...
وبمشهدٍ تراجيديّ وجد وجوه عائلته كلِّها تطالعه بنظرةٍ خائبة ... ليقول في نفسه ( كم أنتَ حقير ) أخيرًا خرج من الصالون .. غير عابئ بشيء .. سوى أنه كان يحاول أن يكون حرًا ... حرًا تمامًا دون قيود ، دون نفسٍ خائفة .. دون قلبٍ متردد .. ودون معصية جديدة !

---

ذات الصباح – في منزل سلام

ألقى أطباق الطعام بغضب في المجلى .. لتصدر أصواتًا عاليةً تعمّد إثارتها علّها تفهم أنه يئس من الوضع الراهن .. لقد زادت حالتها سوءًا في آخر أسبوع ... ما الذي حدث لها .. ؟
انتظر دقيقة كاملة وهو يستند إلى الثلاجة بينما أخذت رِجله تهتزُّ معبرةً عن توتره ..

لم تطلّ عليه بقامتها المديدة .. ولم تقل حتى كلمتها الغاضبة ( كف عن التدمير! ) كما جرت العادة عندما يصدر صوتًا كالذي أصدره !

فقد الأمل ... ليتوجه أخيرًا إلى غرفتهما التي لم تنم فيها أمسًا .. أخذ معطفَهُ الراقي وتوجه بنيّـة الخروج إلى العمل ... خلال سيرهِ في الممر ألقى نظرة عابرة نحو غرفة ابنه رويد ... قائلاً في سره من شدة غيظه : " لو تعلم فقط كم أتعبني مجيؤك " .. لكنه عندما لاحظ ذاك الجسد النحيل يقف قبالة مهد الصغير ازداد غضبه أضعافًا ليقول : " أخطأتُ يا صديقي .. أمك هي التي أتعبتني " ... ولم يكتفِ أبدًا بأن يحتفظ بغيظه لنفسه ليقول أخيرًا موجهاً كلامًا ساخرًا لها :

- ابقيْ مكانكِ ... لا تراوحي الصغير ... سيأكله العوْو إن ابتعدتِ عنه قليلاً !

وخرج غير سامحٍ لنفسه بأن يسمع كلمةً منها !

---

بعد ساعاتٍ عاد ليأخُذها إلى منزل العائلة ... اليوم ستأتي والدة آدم في زيارة رسمية لترى أندلس .. وتتعرفَ على العائلة ... يجب أن تكون ناي موجودة .. مجبورٌ هو إذن على الحديث معها ...

أدار المفتاح في مقبض الباب ... ثم دلف إلى الداخل ..
الهدوء يلفّ المكان ، تلقائيًا وجد نفسه في غرفة الصغير .. لكنه تفاجأ جداً عندما وجد ناي متمددة على الأرض بلا حول ولا قوة ... والصغير يرقد في سلام ... نظر إليها في حنان وقال :
- ناي ... حبيبتي ، تمزقين قلبي .. !

حملها بروية لكي لا يوقظها ... ووضعها في سريرهما .. ثم غطاها باللحاف ... ابتسم رغماً عنه في شفقةٍ ... ثم تناول هاتفه من جيبه ... وقصد أخته في اتصاله .. ليقول بعد السلام :

- أندلس ... لن تتمكن ناي من القدوم الآن .. أعتذر عنها
- لاااااا تقلها !! لِمَ إن شاء الله ؟ لن أسامحك أبدًا إن كنت أنت السبب ...
- ضحك بخفوتِ يائس وقال : أتمنى أن أكون السبب .. ليس كما تظنين أبدًا .. على أية حال سأخبرك لاحقًا ..
- تحتاج سبباً قويًا وإلا ....
- حسنًا حسنًا .. لكِ حرية تقبل السبب ! الآن يجب أن أذهب ....
أغلق بعدها الهاتف ... ولم يقاوم رغبة جامحة دفعته لأن يتمدد بجانبها ليدس نفسه تحت ذات اللحاف ... لكم افتقد وجودها بجانبه ... قربها يثير به عاصفة ناعمة من الدفء تـُغرقه في حب الحياة !

بعد حوالي ساعتين ...

استيقظ فزعاً من ضربات ضعيفة هاجمت صدره العاري ... ناي جُنّت بالفعل ! هذا ما فكر به وهو يرى ردة فعلها غير المبررة على نومها معه في الفراش .. أو ربما هي لم تعد تعير أمرهما معاً اهتمامًا .. بالتأكيد هي غير راضية على تواجدها بعيدًا عن رويد ...
- كم أنت قاسٍ ..! كيف هان عليكَ ترك الصغير وحده في الغرفة ... مؤكد بكى كثيرًا دون أن يشعر به أحد ..
وبسرعة البرق قامت مُحدِثة ثورة في اللحاف .. لتتجه إلى غرفة الصغير الذي كان يبكي بدوره ..

حملته وأخذت تبكي بحرقة لتقول بعدها بصوتٍ متهدج : حقك عليّ .. آسفة يا روحي .. لن أتركك مجدداً .. أبدًا أبدًا .. لا تبكِ
ماما .. لا تبكِ أرجوك !

هدهدته حتى أخذ يغفو من جديد .. لكنها هذه المرة لم تضعه في سريره خوفًا من أن يغافلها النوم كما حدث أول مرة ...
- لقد زاد الوضع عن حده ...... زاد كثيــــــــرًا !!

قالها بصخب ثم ارتدى قميصه لا يدري كيف ... وحمل نفسه هامّاً بالمغادرة ... قاصداً والدها .. لا يُعقل ! أبدًا لا يُعقل ... ما تفعله كثيرٌ جداً عليه ...

---

- سبحان الله كيف يأتي النصيب ... لا أحد يعلم !
- بالطبع أم آدم ... قصتي مع مجد تؤكد كلامك ... فقبل خمس و ثلاثين عامًا تقريبًا عملتُ في مركز لتدريس اللغات ... أما هو فكان طالبًا هناك ... عندما جاء لأول مرة وعرّفنا بنفسه قال أن اسمه مجد ... تلقائيًا قلت له .. : أنت مجد أما أنا فأمجاد .. معك قلورياس ومعنى اسمي ذكرته آنفاً ... أهلًا بك بيننا ..
ضحكَتْ ثم قالت : لا أدري كيف تمّ كل شيء بعد ذلك ....


- جميل ... جميل جداً ، عائلتكِ رائعة سيدة قلورياس .. أهنئك عليها ...

ألقت نظرةً سريعةً نحو أندلس إنما متفحصةً لأدقّ تفاصيلها ... وقالت في سرّها : " كم أنتَ قويّ ... قال طيب وعلى نيّـاته .. لا أحدَ على نيّـاته في هذه الأيام "

قلورياس و مروة .. بدتا على وفاق مبشـِّـر ... الحديثُ أخذ يجرُّ أحاديثاً ... ليراودهما ذاك الإحساس الذي يفيد بأن كلًا منهما تعرف الأخرى منذ زمن .. ربما لأن الطيبين تجاوروا يوماً في عالم آخر ...

بصراحة .. وبعيدًا عن المجاملات ... وجدت أندلُس نفسها في معركة حامية الوطيس .. فكلًا منهما تحاول الانتصار بطريقةٍ ما .. قلورياس تنتصر لابنتها وهي تسهب في الحديث عن مآثرها أما مروة فكان واضحًا حبها ورضاها عن ابنها بشكل لا متناهٍ من عباراتها وإيماءاتها وهذا أمر طبيعي .. ففي نهاية المضمار وجدت كلا السيدتين نفسيهما مقتنعتـيْن تماماً بشريك المستقبل الذي اختاره القدر ... أما الخالة فكانت شبه ممتعضة ... مروة تعرف السبب ... لكنها لا تستطيع أن تفرض فتاةً على ابنها ... والصدق أنها لا تراها أبدًا مناسبة .. فشتان شتان !


وجهت كلامها أخيرًا لأندلس الذي ابتدأ بالسؤال عن حالها وعن دراستها وعن أشياء معتادة ... عندما قالت لها أخيرًا أن ابنها كان محقًا بوصفها بتلك الكلمات الرائعة التي تفيض حبًا وإعجابًا ..

لتدرك أندلس أن الكلام الذي حرق دمها في اليومين الفارطين والذي صدر عن السيد آدم ما كان سوى محض ترهاتٍ لا قيمة لها .. قالها ليخفي ما اعتمل قلبه من شعور إزاءها .. حسنًا هي موافقة .. لكنه سيدفع الثمن .. وكاملاً !

انتهى الفصل .. قراءة ممتعة للجميع


priscila ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

الفصل الرابع..
الجزء - 2 -... أهواكَ بـ أملٍ !
عقارب الساعة تشير إلى الواحدةِ وثلاثٍ وثلاثين دقيقة ..... ( أوووووف ) زفرت بحدة بعد أن أخذت شهيقًا أنفيًا وصل على إثره الهواءُ مقـننًا إلى جوفها بحيث لم يتناسب مع مقدار القوة التي بذلتها لتحصل على جرعة كبيـرة منه .... " زكام .. والآن ! حمداً لك يا رب "

قالتها وهي جدُّ فرحة .. يا سلام كم كان شعورها رائعًا وهي تفكر بإصابته بالعدوى بعد أول قبلة سيضعها على وجنتها كانتقام ..

نعم .... فـمع إطلالة شمس اليوم .. ستسجَّـل في الأحوال المدنية على أنها زوجة آدم حشكي رسميًا ... شعورٌ غريبٌ ذاك الذي اعتراها ليجعلها تشعر بأن الجو حارُّ للغاية .. مع أن منتصف شباط يكون عادة الأقسى برودة ...

ربطت شعرها بـربطة تضعها عادة على حافةِ سريرها بعد أن تحسسته لتجده رطبًا ... بينما تأملت ذاك الدُّبّ متوسط الحجم بيجيّ اللون .. ( أيعقل أن أفتقد حِضنك يا رفيقي ! )

حسنًا لهذا الدب قصة طويلة مع أندلس ... إذ جاءها هدية من ابن عمها في أول رحلة تجارية للصين .. قبل حوالي عشر أعوام ..

تذكـُر الضربة الموجعة التي تلقّاها ذاك الطفل الذي جاء بصحبة والدته في زيارة لأمها .. عندما ظفر بيد الدب القصيرة لينتشر القطن على أرضية غرفتها ورديةِ اللون بشكلٍ أثار حنقها وجنونها ... صِغَر الفتى لم يشفع لهُ .. إذ أنه لم يكتفِ بدخول غرفتها عنوةً بل خلع يد أحب الدمى إلى قلبها .. لتطاله قسوة غضب المراهقة آنذاك ...

لا تذكر هي سبب وجود القطب البيضاء على نواحٍ أخرى لم ينل منها الولد ... لكنها تذكر المرات العديدة التي قطبته فيها والدتها ليبدو من جديد ولو شبه دب ... مظهره الآن يشبه شاباً بلطجيًا مُعَلَّم الوجهِ .. ومع ذلك يظل دافئًا عزيزًا .. تحبه لأنه الذكرى الوحيدة من ابن عمها الذي اقتنصته يد الموت الباردة في ليلة خلت من ضوء القمر إثر تحطم طائرة في رحلة تجارية أخيرة للصين !

عين الدب السوداء الغامزة بمكر جعلت عقلها يردد عبارة صنفتها بالوقحة مفادها : ( ستنشغلين عني يا رفيقة بحضنٍ آخر )

---

الثالثة وستٌ وخمسون دقيقة ...
كيف مر الوقت ؟؟ يجب عليها أن تنام وإلا بدت عروسًا فاقدةَ الرونق بهالاتٍ سوداء سرعان ما ستنتشر حذو عينيها كالنار في الهشيم .. وبحركة ضَجـِرة تناولت البخاخ لتَحُلَّ مُعضِلة أنفها الذي يحرمها الآن من نَـفَـس واحدٍ حقيقيّ ! لتغرق أخيرًا بعدها في سباتٍ ضمّخته الأحلام !

على الجانب الآخر ... وبعيدًا تمامًا عن أفكارها الهشة كان يفكر جديّا بإسعادها .. بالبيت الذي سيؤسسانه معاً .. بأمه وأخيه ... ولم ينسَ أبدًا ماضيَه الذي خشيَ أن يغتال رقتها .. كم يحتاج حضنًا حنوناً تكون هي مصدره .. يحتاج دفءً تجود به عليه .. ياااه أخيرًا سيعاين حُـلُمَهُ الذي ظنَّ لليالٍ طوال أنه لن يتحقق ... يغمره الاشتياق .. وهو يكاد لا يطيق صبرًا انقضاء تلك السويعات التي تفصله عن أن تكون حقًا ملكاً له !!!

---

الضجة ،... كائن كريه يستوطن الأرض .. لكنه يتمركز حاليًاً في منزل مجد .... فعليّ ونور يفعلان الأعاجيب دون أن تقدر شادن على وضع حدٍ لهما نظرًا لاحتمائهما الدائم بالجدة قلورياس ... أما أندلس فتفكر جديًا بالاستفادة من " سوبر ناني " بخلق بقعةٍ للأشقياء تضعهما فيها تأديبًا لهما بشكل دوريّ !!
- تعال إلى هنا أيها الشرس .

قالتها أندلس بنفاد صبر بعد أن لمحت عليًّا يركض كالريح في الممر جيئة وذهابًا محدثًا إعصارًا صوتيًا أقعدها من نومها ...
الغبيّ اندفع نحوها دون أن يفكر بعاقبته وهو يقول بصوته الغضّ " أندُث أندُث " ... لتردّ عليه في سرها متوعدة :
- تعال لترى وِقعتك الوخيمة مع أندُث ،.

اعتدلت وهي تستقبله بقبلة حارة ... قائلة من بين أسنانها : أتلعب معي ؟

ليومئ الطفل ببراءة متناهية قائلًا كالأبطال وهو يتقمص دور " سوبرمان " الذي يرتدي زيه " ننننننعععم .. "

اللعبة كانت " من ينام أولاً " .. المسكين انطلت عليه الحيلة ونام .. لكنها لن تخلف وعدها الذي قطعته له .. ستشتري له كيسًا من الحاجيات فور استيقاظه من النوم .. لتتذكر أخيرًا حالته الصحية وهي تكاد تتقطع حزناً ... يا الله .. كيف يعاني طفل بهذا الجمال من كل تلك الأوجاع ؟ ستسأل شادن عن الحلوى البديلة التي يمكن أن يتناولها لتجلبها له ...

الهدوء يلف المكان الآن ... لتهرع نحو المطبخ طمعاً في كوب القهوة الصباحي قبل أن تستيقظ نور ...

ضحكت وهي ترى الاجتماع النسويّ .. لتقول ممازحة : لمَ جميع اجتماعاتكن تكون في المطبخ ...

الكلام طبعاً كان موجّهاً لـقلورياس ، شادن وناي .. التي كانت تحمل رويدًا وهو ينعم بحصة نومٍ هانئة حسدته عليها لتقول لها : ...

- ما الذي أتى بكِ منذ الصباح ؟
- جئت اختصارًا للمشاكل .. سلام يرغب بإحضاري باكرًا وقد تعبتُ من مزاجه الذي أصبح نزقاً منذ فترة ....
- لم أقل شيئًا لتسردي عليّ قصة حياتك .. أهلاً بكِ في أيّ وقت ..

قالتها وهي تضحك ... لتنهض شادن نحوها محتضنة إياها ... كم كانت سعيدة عندما أفصح لها أوس عن مفاجأته التي ملت انتظارها ... والتي تلخصت ببطاقات سفرٍ ثلاثٍ ... لتحتضنه كما لم تفعل منذ مدة .. سترتاح أخيرًا قليلاً .. الحمد لله أن الوقت مُوَاتٍ كذلك .. كم كان صعبًا عليها أن يزفّ عزّاب العائلة – جميعاً – دون أن تشاركهم الفرحة ... فهي تحتاج بشدة أن تعيشها .....

- أشعر بالخجل ..

قالت أندلس وهي ترى العيونَ الكثيرة المحملقة فيها .. لتتحوّل عنها نحو الشاب بسيط الهيئة .. مديد القامة والذي أتى محمّلاً بأكياس المعجنات وخلفه الرياضيّ مجد الذي احمرّ وجهه نتيجة جريه الصباحيّ السريع .. ليحظوا معاً بإفطار عائليّ على شرفة المنزل الواسعة المطلة على جبال العاصمة ...

شعرت ناي بنظرات حادة ترمقها بشكل مخيف .. لم تمثّل حتى أنها تهمّ بحمل الأكياس معه لتشارك والدته وشادن ترتيب الأطباق .. بقيت متسمّرةً في مكانها لتشعر بنظراته التي أخذت تزداد حدة تكاد تخترقها ... غادرت المطبخ متعلـّلة بوضع الصغير في غرفة أندلس لكي لا يستيقظ ...

تنتابه الشفقة ... ما سمعه من والدها لم يكن ليصدّقه أبدًا لولا تصرفاتها المثبتة له بشكل قاطع !! أيعقل أن تكونَ ناي .... يا الله كيف أهمل ذلك الجانب منها ...

يجب عليه أن يعاملها بطريقة أخرى لكي لا تتدهور حالتها .. وبنفس الوقت يجب عليه أن يمدّها بالدعم الكافي .. كيف سيحقق هذه المعادلة الصعبة خاصة وهي واعية تماماً لمشكلتها وبالتالي ستكون كل أوراقه مكشوفة في حال استغباها !!

استعان بالله ووضع الأكياس من يده ثم كبرقٍ دلف غرفة أندلس وأقفل الباب .. غير عابئٍ أبدًا بنظرات العائلة التي كانت تحوم حوله بتعبيراتٍ جائعة لمزيد من التفاصيل ... تفاصيلُ لن يمنح أحداً حق حيازتها ...

---

ما إن اختلى بها حتى نسي كلّ شيء .. كل ما كان يفكّر به ... ليوقن تماماً أن حل معضلته مواجهتها ببساطة .... مواجهتها بالحقيقة الماثلة وبعاطفته ...

- يا حظي ! عندما تقررين إبعاده عنكِ أخيرًا نكون في منزل العائلة !

رفعت له طرفًا منكسرًا وهي تكاد تذوب خجلاً منه ومن الحماقات التي ترتكبها رغماً عنها .. واللهِ رغماً عنها .. لا يد لها بها ..

- سلام .. أنا حقًا آسفة ، أنت تستحق امرأة تفوقني بعشراتِ المرات ..

قالتها وأخذت تبكي .. فاقترب منها قائلاً بجبر خاطر : هذا ما أستحقه فعلاً .. أما ما أحتاجه فهو أنتِ وحدكِ !

لتستعيد شيئًا من ثقتها التي بعثرتها بإهمال حبهما وتقول باندفاع ..

- " أنت تستحقني وتحتاجني ولن أسمح لك بغير هذا ... " قالتها لتردف بضعف : يجب أن نتكلم ...
- امممم .. يجب أن نتكلم .. ( قالها وهو يومئ برأسه بتعبيرٍ مريح .. )
- لكنكَ سمعتَ قصتي من والدي قبلاً ..
- وأسمعها من أجلكِ عشرات المرات ..

وكأنه قال كلمة السر .. لتندفع نحوه ويستقبلها بدوره بذراعين مفتوحتين ..... اشتاقت حضنه الدافئ ... أما هو فاشتاق احتِواءَهُ لها بشكل يغري رجولته على الدوام .. أحاط وجهها بأنامل حنونة وهو يطمئِنُّ على لمعان عينيها الذي تختصه به دائمًا في لحظات مشابهة ... نظره ينحدر وهما يقتربان من بعضهما الآن بانجذابٍ كبير ..

اللحظة لم تدم .. نظرًا لسماعهما طرقات مجنونة على الباب .. ليلعن الساعة التي فكر فيها بالحضور مبكرًا ...
- افتحوا الباااااب ...

قالت نور الشقية .. وقد أخذت تزمجر بغضب .. بعد أن فتلت عتلة الباب لتجده مقفلاً

" كم هي مدللة " قال سلام متأففاً .. ليفتح الباب وهو يكاد ينشطر حنقًا منها ... " نعم خالو .. ماذا تريدين! " ...
- قالت لي خالتي أنها تركت لي كيسًا من الحلوى في غرفتها ..
- تفضلي ... أين هو .. ! ( قال وهو يشير لها بيده لكي تدخل ) ..
لتتبعها أندلس في الدخول .. رامقة ناي الخجِلة بنظرة مغتاظة .. وقد تفهمت الجريمةَ التي مورست في غرفتها ...

- خالة .. قلت لكِ أن النقود في غرفتي لا كيس الحلوى ..

انفجرت نور بكاءً لتبدو فعلاً مضحكة بهيأتها التي كانت ما تزال تستيقظ ، وبوجهها الذي لم تغسل عنه بعد آثار النوم ... ليفهم سلام أنْ لا وجود لكيس الحلوى .. بل يوجد فقط أندلس متطفلة !!

قال لها متحلِّفًا : نردها لكِ في الأفراح ...
لتضحك ناي ملء فمها بينما احمرّ وجه أندلس خجلاً .. لتقول معتذرة : كنت أتضوّر جوعاً وأمي أصرت أن تنتظركما ريثما تأتيان ... أجِّلاها لوقت لاحق ...
قالتها وخرجت من الغرفة ليتبعها الجميع ..

---

يتبع ...


priscila ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

L .. is for the way you look at me

O .. is for the only one I see

V .. is very, very extraordinary

E .. is even more than anyone that you adore can
شدا .. وهو يمرر شفرة الحلاقة على ذقنه .. شعره مبتل والمنشفة تستقر على كتفه اليسرى بدلال ...

رأته والدته على تلك الحالة الاستثنائية من الانبساط الكامل لتحل لجام دمعاتها .. وهي تقول بمداعبة : لو أعرف كنت زوجتك منذ زمن ... فقط لكي أسمع شدوك الحنون !
- أمي ... لم تطلبي مني قبلاً أن أغني لكِ .. وإلا لأزعجتك أبدًا بصوتِيَ النشاز !
- حبيبي .. صوتك ليس نشازاً .. أفكر بالطريقة التي يمكن فيها أن تتمالك فتاة نفسها وهي تسمع ألحانك .. !
- أين أسد ؟... وددتُ لو يكون شاهداً على عقد القران .. ( قال مغيرًا الموضوع ) ..
- أسد في الجامعة .. لديه اليوم امتحاناً .. سيقدمه ثم يأتي حالاً .. قال لي أنه سيكون هنا قبل الثانية عشرة ظهرًا ..

---

عصرًا ...

جلس على ذات الكنبة ... وأخذ يتذكر حاله وهو يجامل عائلتها بحديثٍ حاول أن يخفي فيه ارتباكه ... بينما داخله يبقبقُ شوقًا .. أخذ يتلاعب بالدبلتين التيْن استقرتا في جيبه .. وحده الآن في صالة الضيوف ... أمه وأخوه غادرا قبل نصف ساعة .. مجد تعلل بعمله وانصرف .. سلام وناي غادرا كذلك برفقة شادن والصغار رغبةً في نزهة ... السيدة قلورياس في الداخل .. أندلس مختفية ... والخادمة سمنتا تجر الآن عربة الضيافة لتضعها ثم تغادر ...

- دقيقة واحدة إضافية وسأدخل لأجرك من شعرك ...

قال في سره ممتعضًا من تأخيرها ..

---

لم يقف ليستقبلها .. بل ظل جالسًا يتأملها بعينيْن متفحصتيْن ... يتأمل جمالها الذي جذبه أول مرة ... جسدها الممشوق والذي نحتت تضاريسه بفستانٍ أسودٍ طويل ضيق ذو أكمامٍ ساترة ... وشعر تهدل وراء ظهرها .. ليس قصيرًا كما يحبّ .. إنه يصل لمنتصف ظهرها ... كان يتوقعه أفتح بقليل ... لكن هذه النتيجة هي التي كان يتمناها ... وجهها بريء .. وهذا ما يهمه حقاً .. سيستطيع فهمها من نظرة وحيدة .... ليست صعبة كما خمّن .. متأكد هو من ذلك !

يقسم أنها تفكر بشيءٍ ما ليحمرّ وجهها بهذا الشكل .. لم يقل لها كلمة بعدُ ... ترى كيف ستكون حالتها إن علمت بالذي يفكر به ...

جلست على كنبة بعيدة نسبيًا ... ولم تقل شيئًا .. بينما نظرها استقر على السجادة .. لتظل على تلك الحالة لفترة قدرها بالطويلة جداً ...

لن يبدأ بطريقة اعتيادية ولذا استلّ هاتفه وأخذ يطبع أحرفاً ما .. بينما عيناها اللتان كانتا تراقبانه بشكل سادر اشتعلتا غيظاً ... لتقول في سرها : كم هو وقح !!

أقل من خمس دقائق وسمعت نغمة الرسائل خاصتها تصدر عن هاتفها ... لم يخطر ببالها أنه هو .. وبالتالي أي شيء آخر هو أقل أهمية الآن ... لم تقم لتنعم بتذكر شركة الاتصالات لها برسالة خدمة .. استغرق الهاتف زمناً وهو يواصل صدحه .. عندها قال ببعض الحدة :
-هناك هاتف يرن ...
- إنه هاتفي .. ( قالت بارتباك ) ..
- .. افعلي شيئًا إذن .. أعرف إنساناً يقوم ويحضر هاتفه !!

كان يجب عليها أن تقوم .. خاصة وأن نغمتها أحرجتها نوعاً ما بكلماتها الهائمة : روحي إليكَ تسافر ... وتذوب فيكَ تفاخرُ ....

أحضرته دون أن تفتح الرسالة .. ثم عادت إلى حيث كانت ..
( لِمَ هي باردة ؟ ) قال في سره عندما خيبت توقعه بردة فعلٍ عالية المستوى ... ليقول عندها .. ( من المتصل ؟ ) ...

- ليس اتصالاً ... بل رسالة ...
- ممن ؟
- لا أدري! لمْ أفتحها ...
- ولمَ لمْ تفتحيها إن شاء الله ؟

وكإجابة عن سؤاله فتحت الرسالة لتقرأ تلك الكلمات بشيء من الصدمة ...

" ادنُ شيئًا أيها القمَرُ .. كاد يمحو نورَكَ الخفَر
أدلالٌ ذاك أم حذرُ "
لتقول بدهشة بعد شهقة صدرت منها بحماس
– تحفظ الموشحات ..
- بالطبعِ نعم .. فـخطيبتي أندلس

قالها ثم ضحك وغيّر موقع جلوسه " إنه مختلف .. يكون أكثر هيبة عندما يتكلم بحنان " فكرت في سرها ..... لتظل صامتة .. وأخيرًا كسر حاجز الصمت بقوله :

- السلام عليكم ... هكذا يقولون عندما يدخلون ..
- وعليكم السلام .. ( ردت بإحراج )

وقف ومدّ يده وهو يقول :- وهكذا يصافحون ...

صافحته وباطنها يغلي من افتعالِه إحراجَها .. اقترب منها بنيّة زرع قبلتين على وجنتيها ... خشِيَت أن يقول ( وهكذا يقبّلون ! ) " فأخذتها مِن قصيرها .. "

أرادت انتزاع وجنتها التي أحسّتها قد التصقت بوجنته ... عندما همس لها : ناعمة يا أندا ....

ااااااااه كيف يستطيع أن يكون حساسًا هكذا !! ... لا لا .. يجب أن تضع حداّ لهذه المهزلة .. أين ذهبت خطتها التي حبكتها طويلاً ؟

ابتعدت وهي لا ترغب بذلك ... لتفصلهما عن بعضهما مسافة قلّت عن الخمسين سنتيمترًا .. بينما ظل هو تحت تأثير عينيها التائهتين ...

تتنفس من فمها ... هي تلهثُ إذًا .. يااه غيرها احتاج أكثر من ذلك ليصل إلى هذه المرحلة ... كم هي بريئة .... !

لم يتمالك قربها وبُعدها في آن ... ليحاوط ذراعيها بيديه القويّتين .. عندما رغب بتقريبها عنوةً .. لا ليس عنوة .. لأنها لم تبدِ تمنعاً يذكر ...

جاذبيته ساحقة .... وقعت تحت تأثيرها بسهولة .. فرق الطول الواضح جعله يشعر بحاجتها له ... امم هو يحتاجها كذلك ، لكن تأثيره عليها لن يحاكي أبدًا تأثيرها عليه ...

أخطأ الحسابات .... هي تتحكم بنفسها .. تنساق للعاطفة لكن ليس بحجم انسياقه هو ... هو لا يطيق صبراً .... سيفعلها والآن ..

أرضت غروره باقترابها ... عندما خرجت تلك الـ " آتشووو " منها في توقيت حَرِج !

تلقائيًا أخذت تبحث عن منديلٍ ورقي لتجده على طاولة السفرة ..

يضحك الآن وكأنه لم يفعل منذ مدة .. لتتساءل ما الغريب في الأمر !!....
جلست أخيرًا حيث كانت قبلاً .. وهي تقول بغضب – ( لا تضحك ... ) ليعلو ضحكه .. مما دفعها لتكرر – ( لااا تضحك ... ) ..

- آسف حقًا يا عزيزتي .. لكنك مضحكة ....
- ماذا أفعل ... أصبت البارحة بالزكام .... !
- عموماً لا أضحك عليكِ بل على تلك الآتشوو اللعينة ... ( قال بعينين حطتا بوقاحة على شفتيها )
- ستضحك كثيرًا إذن على الآتشووهااات التي ستصدر منك غداً صباحاً عندما تصيبك العدوى ( ردت بتبرم )
- ليقول بمراوغة : صدقيني .. آخر ما أفكر به حاليًا هو الزكام !..

و بعد فترة من الصمت قال بعاطفة : أنتِ الآن زوجتي أتعرفين !!

ردت بحياء : أعرف ..
ليقول لها بتسلية : وإذًا ... أولى متطلبات الزواج " ارتداء الخواتم " .. أتسمحين لي يا سيدة ؟

انتهى الفصل .. قراءة ممتعة للجميع ..
لا تحرموني
تعليقاتكم و تقييماتكم ...


priscila ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

الفصل الخامس..فيك هامَ قلبي !
استندت على حافة سريره .. وأخذت تبكي بحُرقةٍ وهي تراه ممدداً خائر القوى بعد أن كان يتخبط صائحًا رفضًا لتجدد الألم ...
( يا الله ... يا الله مُنَّ على صغيري بشفاءٍ من عندك ... يا الله وحدك تعلم بآلامِه ... )

في هذه اللحظة دخلت أندلس ... لتجدها منكبّة على البكاء ....

- شادن .. ! أنتِ مؤمنة .. ( قالت بقوة تصنعتها )
- لا أستطيع الاحتمال .. كلُّ إبرة إنسولين أحقنها في جسده الضعيف تستقر خنجرًا في صدري .. تفتك بأضلاعي ... أخشى أن ترفق صورتي في ذهنه مع الأيام بصورة الألم .. أخشى أن يكرهني لأنني دائمًا ما أحقن به الوجعَ يا أندلس ..

- " لا .. لا شادن .. أنتِ أحنّ أم رأيتـُها في حياتي ... قدَرُكِ شاء أن تـُظهري حبكِ بشكلٍ مختلف .. عندما يكبر طفلكِ سيعرف كم عانيتِ من أجله وسيقدّر لكِ ذلك ..." قالتها بعاطفةٍ شديدة بينما تهدّج صوتها رفضًا لما تعانيه أختها من ضعفٍ ثمّ سكتت وهي تستشف استجابتها لما قالته .. لتردف :

- كيف علمتِ بالأمر ؟ ...
ارتفع نشيج شادن .. ثم قالت بعد هنيهةِ صمتٍ : أكملَ العامين .. دون أن ألاحظ شيئًا يُذكر .. بعد فترةٍ لاحظت شراهته الزائدة نحو الطعام .. مع ذلك كان ينحُلُ باستمرار .. استغرق الأمر زمنًا لألحظ أنه يتبول بكثرة .. خلت ذلك أمرًا طبيعيًا ... وعندما أخذ يتقيّأ بشكلٍ يوميٍّ .. أخذته أخيرًا إلى الطبيب ...

قالتها ولم تعد أندلس تميّز شيئًا مما تقوله .. إذ أخذت تكتم شهقاتها بتجبُّر ... بينما شحُبَ وجهها في عدم تصديق .. وكأنما تسمع كلام الطبيب لأول مرة ..

شحوبها لمْ يدُم طويلاَ .. عندما استعاد وجهها حمرتَهُ وهي تقول بإيمان : استغفرُ الله ... حمدًا لله على كل حال ...

تنهّدت بارتياحٍ ثم قالت بطيبة وهي تراه يرقد كأجملِ ملاكٍ : لو تعلمين يا أندلس كم هو ذكيّ .. كم هو حنون ! عندما يراني حزينةً أو متعبة ... يجري نحوي ويقبّـلني ببراءة ... وكأنما يواسيني .. على قدر تعبي معه إلا أنني لا أتخيل حياتي من دونه ... حتى أوس ... يحبّه كما لم يفعلْ أبٌ من قبل .... تخيّـلي أنّ نور تغار منه ... أحياناً ألاحظ نظراتها المغتاظة والتي تكون حاقدة أحياناً ... مع أن الامتيازات التي تحظى بها مرموقة للغاية ... ( هزت رأسها برِضاً وأردفت ) صدقيني .. ستعرفين قيمتهم عندما تجربين ... شعور الأم يختلف تماماً عن أيّ شعور .. إنه يسعدكِ تمامًا .. بغض النظر عن مقدار التعب الذي يسببه ...

- هنيئًا لكِ إذن .. ألم أقلْ لكِ أنكِ رائعة ...
- اممم بالطبع .. أمي هي قلورياس ... توارثْتُ منها روعتي بالجينات .. .. نعود لموضوعنا الرئيسي ... كيف هو معكِ ؟

- مَنْ ؟
- ابن الجيران !!! .. من يعني ؟ .. آدم بالطبع !
- عاديّ ... ( قالت وهي تهز رأسها بلا مبالاة )
- عاااديّ ؟

- أقصد أنني لا أمنحُهُ الفرصة ليكون غير ذلك .. عندما يتصل بي مساءً .. أتعلل بعملٍ ما ... لستُ سهلةً كما يظن ... وهو إن كان يشكّ للحظة بأنني كشفتُ جميع أوراقي فهو ليس إلا مخطئ .. اللُعبة لم تبتدئ بعد .. سأعـلّمه من تكون أندلس ... تخيلي يا شادن قال لي أول مرّة كلامًا سخيفاً .. " بصراحة لست مستعدًا الآن لكي أبوح بأسراري لأحدهم " ( ضحكت شادن وهي ترى أندا تقـلد آدم بصوتٍ اخشوشنَ في قمة الغضب ) .. أنا أحدُهُم يا شادن .. أنا .. لكن بسيطة ... ما عليْكِ .. سأريه نجوم الظهر ... وأنا ابنة أبي ..

- حسنًا يا ابنة أبيكِ .. أنصحكِ بألا تكوني معتوهةً .. عندما يريدك رجل فهو يعرف تماماً كيف يستجلبك إليه .. مكرُهُم لا يساوي أبدًا مكرنا .. إنهم عباقرة عندما يريدون !! اسأليني أنا ...

- شادن .... أنتِ في صفّ من .. ؟ ( قالت بـحنق )
- * أنا في صف الحب * ... وأردفت بعدها بمكر : آدم يحبّك .. هذه تصرفات المحبين .. دعكِ من ذاك الكلام الكبير الذي لن تطالي به شيئاً .. وعيشي اللحظة ... خاصة وأنّ خطيبك مشهور ! أخرجي معه مرة وسترين بنفسك كيف تتهافت عليه الفتيات !!

قـالتها وولتها ظهرها خارجةً من الغرفة ... عندما دق ناقوس الخطر باستيقاظ نور .. والذي بانت بشائره بصوتها الموروث عن والدها والقائل بصخب : مــامــا ..

لتبقى أندلس حائرة .. تفكّر بـما قالته شادن .. هي محقة ... لكنها لن تستسلم أبداً ! مع ذلك قدرتها على المراوغة تقل مع الأيام .. خاصة وهي تشاهد حلقاتهِ الجديدة .. إنه يبدو فيها مختلفاً .. أنيقاً بشكل خطير , وأغلب التعليقات كالسابق تصدر من الفتيات .. لكنهن الآن غير مرحبٍ بهن إطلاقاً.. كلماتهن سخيفة بشكل لا يصبّ أبداً في مواضيع الحلقات .... بل غالباً في وسامة سيد الحسن وفي كاريزمته ... لتوصلها أفكارها أخيراً إلى " لمَ لا يجد عملاً آخر !! "

كانت ساهمة تماما عندما سمعت رنين هاتفها .. لتستغرب كثرة الأرقام ( مكالمة خارجية ؟؟ ) .. ردت أخيرًا على المتصل :
- السلام عليكم ...
- وعليكم السلام ... مبارك أندلس ..
- مَنْ .. أوْس ؟ أهلاً بك يا أخي ....

--

وصل أخيرًا إلى الحيّ فارتاح .. الجو ماطرٌ اليوم وقد بات يكره الجامعة لأنها تذكره دائمًا بالإنسان السيء الذي يحاول طمس معالمه .. إنها توجب عليه رؤية رفاق السوء .. مناعته ليست كافية تماماً لصدّ هجمات الإغراء التي يقدمونها له على طبقٍ من فضة وكأنها أفضل ما وجِد في العالم .. هذا ما يعرفه جيدًا ويخيفه ...

تهلل فرحاً نظرًا لاقتراب موعد الغداء وهو يرفع بصره ليرى شرفة المنزل ... رائحة الطعام تفوح من كل مكان .. لتحفل بها مستقبلاته الشمّيّة بشكل مبالـَغٍ فيه ... مع ذلك ظل قادرًا - كما دائمًا - على تمييز رائحة طبيخ والدته .. لطالما سأل نفسه عن سر ذلك .. لكنه نهايةً ينسى أن يسألها عندما يرى وجبةً شهيّةً بانتظاره ... فيتفرَّغُ كليًا للتذوق من ثمّ الاستغراق في الأكل ...

وصل واجهة العمارة .. فرأى الباب مفتوحاً على مصراعيه .. ولم يستغرب ذلك عندما رأى وجوهاً جديدة تحمل الأثاث صعوداً عبر السلالم .. ( جيراننا الجدد ! ) ..

ألقى التحية على رجل مخضرم ... بدا له ربُّ الأسرة ... وصل حيث يقطن ... ورأى الباب المقابل لشقته منفرجًا ..

ألفى نفسه يقول فجأة وهو يفرك راحتيه ( حماااس .. سيسكنون قبالتنا ! [ ليرفع يديه وهو يدعو ] .. يا رب .. فلتـكن رازِقـُهُم ببنتٍ واحدة .. نَـبُـلُّ بها ريقنا .. )
قالها ونفض رأسه سريعًا وهو يضرب خدّه بخفة ويقول : أستغفر الله ..

أدار مفتاحه في مقبض الباب ضاحكًا على نفسه ... و ردّ التحية .. ليجد نفسه في المطبخ .. .. رائحة الطعام تتمركز بشكلٍ مهول ... هناك على الموقد عدة قدور .. أمه كعادتها تقوم بالواجب .. وكرمها حتّم عليها أن تُعـِدَ الطعام للجيران الجدد والذين يبدون " عائلة كبيرة " ..

- كيف أبلى ولدي في امتحانه الأخير .. ( سألت بحنان )
- اااه أمي .. يبدو أنكِ كنتِ تدعين بإخلاص .. بإذن الله علامة كاملة ..
- ممتاااز .. أحسنتَ يا بطل ... تستحق جائزة ..
( قالت ثم فتحتْ الفرن وأخرجَت منه قالب الكيك الذي يحبه مذ كان صغيرًا )

تنهّد بارتياحٍ وهو يقول : بطل وقالب الحلوى الفريد أحتاج فقط نومًا هنيئًا في حضنك وأعود خمسة عشر عامًا إلى الوراء ... فكرة رائعة ماما .. " قالها كالأطفال " ..

- حضني مفتوح 24/24 ... إنه ينتظرك أصلاً بنفاد صبر ...
- أنتِ ..... تفوقين الوصف .. سأبدل ثيابي لأحظى بـوقتٍ خاصٍ مع أروع مخلوق .. ( قالها وغمزها .. لتبتسم ثم تضحك وهي تفتخر سرًا بابنها الذي قرُب من السير على الطريق الصحيح .. )


---

يتبع ..


priscila ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

قفزت لتتفادى بركة ضحلة تشكلتْ بفعل مطرٍ اشتدّت وطأته .. تسعَدُ هي كثيرًا بالشعور بالبلل وهي تنسلخ عن كِبَرِها لتعود تلك الطفلةَ التي لطالما حلُمت بالوقوف تحت المطر ولو لدقائق .. دون أن تحقق حلمها البسيط ذاك نظرًا لإحاطة والديها بها برعايةٍ تامةٍ تكون خانقةً أحيانًا ..

حسنًا هي تحبّ المطر .. وتحبه أكثر عندما يكون طلًا يستقر على ثيابها بكبرياء .. لكن – صدّقوني - أن تتراقص حولكَ نِكاتُ الماءِ الملوثِ بعد أن لامست سطح الشارع .. خاصةً وقد رشقتها حولُكَ سيارةٌ ينعم سائقها بكل الدفء .. فذلك ربما يكون أسوءَ شيء يحصل لك لفترةٍ لا يستهان بها !

اشتاطت غيظًا وهي تلتسع أكثر من البرد بعد أن أصبحت شبه مبللة بالكامل ... مخها أُقفلَ تماما وهي مستعدة الآن لصفع أولِ شيءٍ يظهر أمامها وبقوةٍ !

---

المطر والموسيقى الكلاسيكية برفقةِ تلك الكلمات المستجدية جعلتْه يحلم تماماً بقربِها .. تمنى سرًا أن يكون والدها قد أخبرها عن طلبه الخروج برفقتها لكي تكون جاهزة ..
( اووووووه .. شكرًا يا رب ... تحقيق سريع لأمنيتي ) ..

كان قريبًا من منزلها عندما لمحها تسير على الرصيف .. من حسن حظه أنه لن ينتظر لوقتٍ إضافيّ يحرق ما تبقى فيه من جَلـَد بينما يركن سيارته ويصعد السلالم ...

اقترب منها وفتح النافذة بينما قال لها بمزاحٍ نتيجة لعدم استجابتها لمزمار سيارته :
- الله العليم .. لو فجرت قنبلةً بجانبك ما تكرّمتِ عليّ بالتفاتةٍ ..

كلمته كانت ستبتـلعها لو كانت في وضع طبيعيّ .. لكنها لا تزال غاضبة .. من أجل ذلك ردّت عليه بمقت جعله يكتم ضِحكته وهو يراها غبيةً بشكلٍ لا يصدق :

- اسمع ... أنا غضبى ... أتمنى أن تفهم ما أعنيه بتلك الكلمة .. حسنًاااا !!!

رماها بنظرة حادّة ... ثم دلف إلى سيارته ... ظل ينتظر ركوبها لكنها لم تركب ... أخيرًا قال بغضب :

- ... " معزومة " ..
لتردّ ببله : على ماذا ؟ ...
- على الركوب ...
- ومن قال لك أنني أرغب بالركوب ؟ < قالت بحدة ..
- ستركبيـن ....
- لن أركَـب .... أبدًا !

ترجل من سيارته لمرة ثانية ... وعندما ارتفعت يده ليمسكها من ذراعها برغبة عارمة بجرّها عنوة .. وجدها ترتعش .... رفع بصره ليعاين شفتيها اللتيْن خبُر منهُما أيَّ بردٍ تُقاسي ....

- أندا ... ترتجفين ... !
- وكيف سأكون ! ... لقد رشقني ذاك اللعين بالماء ... يسير بسرعة وكأنه في رالي سياراتٍ غيرَ عابئ بالمشاة !
- تؤتؤتو حبيبتي أعتذر نيابة عنه .. غبيّ كيف رشقكِ بالماء .. حقُّكِ عليّ !

ابتسمت برضًا تام .... " حبيبتي " – وإن ذكرت عرضًا - خرجت من فمه كبركان صهر ارتعاشتها بالكامل .. يجب أن تتغاضى عن جملته المستهزئة وتركب ... يستحق مكافأة ..

عضّت شفتها بينما حطّت ببصرها على أرضية السيارة .. ليبدأ هو القولّ :

- كيف أنتِ ...
- بخير !
- واضح أنكِ بخير ..
- لم أخبر أبي أنني سأخرج معك .. لذا أرجو أن تنزلني الآن .. " قالت باستدراكٍ وهي تشيح بوجهها صوب النافذة .. "
- ضحك وقال : حسنًا والدك على علم بالأمر .. بمَ كنتِ منشغلةً طوال الأسبوع ؟ ...
- .. أمور خاصة ... لست جاهزة لأبوح بأسراري لأحدهم ...
- أنتِ حقًا حانقةٌ عليّ إذًا ...
- أنتَ من بدأ اللعب .... أليس كذلك ! ( رفعت حاجبيها وقالت بتشفّي )
- حمقاء .. مع احترامي الشديد ... ولهذا سأمنحكِ الخبرة .. في المرة القادمة خذي بالحسبانِ الحفاظ على سرية الأمر .. طبعا في حال رغبتِ بالانتصار .. وإلا عرف خصمكِ كيف ينتزعِ كل ذرة غلّ له في قلبكِ .. خاصة إن كان حبيبًا ! وهذا ما سأفعله الآن ...

- تضاعف حنقها .. لتقول بغيظ : لا تبلي حسنًا ...
- .. ما رأيكِ إذًا بطريقة كلاسيكية في المصالحة ؟
- كيف ؟ < قالت بمراوغة لتثبتَ له أن عقلها كالحاسب .. يركّز فقط على آخر معطىً ... وذلك بالطبع من حسن حظه ... قال أخيرًا باستعطاف مُدّعى ,

- أولاً .. أنتِ طيبة القلب .. ولهذا ستسامحينني .. ثانيًا .. أنا لستُ أهلاً للعب ... وآخر ما أفكر به الآن الانتصار على حبي .. بين أقواس " الذي هو أنتِ " ..

- X ... فضّت بها عباب البخارِ المتكاثف بثقلٍ على صفحة الزجاج الأمامية بأنامل تقطر أنوثة خاصةً وهي تُسبِلُ أهدابها بغرور ..... كنايةً عن عدم نجاعة حله ... ليضحك قائًلا بمكر :
- جميل .. هذا ما كنتُ أرغبُ فعلاً به ... ننتقل إلى ثالثًا إذًا ...

وباحترافية .... أزلق أنامله على الـ gear .. لتتحرك السيارة بسرعة ... ولتصدر أندلس صوتًا أفاد مفاجأتها ....
- لن أخطِفَكِ .. اطمئني .. ... " غمزها ثم أكمل " نعود إلى ثالثًا ...

حملقت فيه بغيظ وهي تراه مستمتعاً تماماً بما يفعله .... بينما كان يُدير عجلة الصوت ليرتفع نغم الموسيقى ... ويشدو مع المغني ..

Love is all what I can give to you ..

Love is more than just a game for tow ..

Tow in LOVE can make it ..

Take my heart and please don't break it ..

LOVE … WAS MADE FOR ME AND YOU
احمرّ وجهها من غزله الصريح و استجداءاتُه المبطنة تنخُر صلابتها لتذوب فعلاً ... لكنها عندما حملقت فيه لتجده يرمقها بوقاحة .. ويقول بعدها ببرهة : ( كيف كان أدائي .. ؟ ) قالت بردّ اعتبارٍ وهي ترفع ذَقنها بشموخٍ بينما حرّكت رأسها مُعرضةً عنه ليشكّ للحظة بأنه ينتظر رأي لجنة تحكيم في برنامج للهواة ... : اممم يعني ... تحتاج مزيدًا من الإحساس ...

ضحك بخفة وقال : إحسااااس ؟؟ .. لقد كدت أموت إحساسًا !

- اللااااه !!! ( قالتها بهمسٍ .. وقد سئمت فعلاً حذلقته معها في الكلام .. مستحيل .. كيف يمكن أن يكون كلامه مرتجَلاً ؟ كيف ستردّ عليه الآن ) ولِتكتمل المسرحية .... ضغط زرًا استقر على يساره ... لتُفـتح النافذة ... تعجّبتْ بشدة .... ولم تملك إلا أن تقول بما يقرُبُ الجنون : - ما الذي تفعله بحق الله ؟

- عادةً لجنة التحكيم تتألف من ثلاثٍ .. وأنتِ واحدةٌ فقط لسوء حظك ...
- يعني ؟
- يعني .. سأنتظر أول فتاتين يرسلهما القدر لأرى تقييمهما لأدائي ...
- مستحيـــــــــل ! كفاكَ هراءً !!!!

ضحكَ بشدةٍ بينما كادت أعصابها تنفجر فيه ليعرف خطورة اللعب على أوتارٍ حساسة ... إلا الفتيات !!

جَفنُها الذي أخذ يرفُّ بسرعة خاطفة لم يُـثنيه ... بل على العكس .. رأسه كان يطل من النافذة في محاولة جدية لفعل ما قاله .....

- مجنون ... ووو

همست بصوتٍ مسموعٍ وبحشرجة .. بينما امتدّت يدها لتوقِفَهُ ممسكةً بذراعه القريبةِ منها لتشعر بتصلّبها ... استدار برأسه لينظر إلي وجهها الذي كان بريئًا بشكل أخذ بقلبه ..

- و أتعبتـَــني

قالتها ليُغرق عينيْهِ تمامًا في بحر وجهها غامض الإيحاء ... ولتكسِرَ لحظة الصمت الطويلة تلك أردفت باستجداء :
- ألا يوجد رابعًا ..... ؟

قسماتُـه التي كانت حادّة أخذت تـلين بأمَل .. ليقول بعد أن ابتسم بسحره الخاص :
- بلى ... لكن رابعًا تتألف من جزأين ...
- لا مانع لديّ ....
- أيًا كانت ؟؟

هزّت رأسها برضا ... فركن سيارته في زقاقٍ خالٍ ... ليبوح بسرّه على طريقته ... الصبر تـَرَفٌ لم يعد بحوْزته .. نظر تمامًا إلى عينيها .. وقال بشجاعةٍ كاملةٍ ما أراد قوله منذ زمن .. وصفه بالغابر ...

" فيكَ هام قلبي لما أطلعَك ..
في سماءِ الحُسنِ ربي أسكَنَك ..
يا جميلاً كلما أبصرتُه .. ذاب وجدي وانثنى كي يتبَعَك ..
لا تَمَلْ عني فإني مغرمة ... واعفُ عني إنْ سهرتُ الليلَ لك ...
عذّب الحُبُّ فؤادي يا هنائي .. ليس يهنا في الهوى من عذبك .. "

ودون أن يخبِرَها بالجزء الثاني من رابعًا كانت تميل نحوَهُ في تحليق تامٍ في سماء اللقيا !ّ

--

ابتعدت عنه وأخذت تتحسس شفتيها بأناملها المرتعشة .. أغمضت عينيْها وهي تعودُ لوضعيّـتها الأولى في الجلوس ووجهها يشتعل حياءً ... بينما استقر هو في أقصى اليسار .. فعلاً هذه المرة ...

ازدرد ريقه ثم قال متفاديًا إحراجها وإحراجه في آن ... " إلى أين كنتِ ذاهبة .. ؟ "

- " لااا تلك قصة كبيرة .. لا أستطيع إخبارك بها وإلا فلن أفلت من لسانك لبعدِ غدٍ " ..
- بالله عليكِ إلى أين .. أعدكِ ، لن أقول شيئًا ...
- .. كنت أود ابتياع الفلافل ... ( قالت بتردد وهي تجرّ أذيال ثقتها )
- فلافل ؟؟؟؟
- ألم أقل لـَك ... " قالت بتأفف وهي تشيح بوجهها "
- لكنني لم أقل شيئًا ... أحلى فلافل لأحلى أندا ... من عيوني ..

---

ناولها كيس الفلافل الورقيّ من نافذتها لتقول بعد أن تناولت حبة ....
- امممممم ، ألذّ فلافل أذوقه في حياتي ....
- أندا إنه مطعم حيّـكم ... وبغض النظر عن كونه الأغلى ثمناً نظرًا لوجوده في هذه المنطقة .... إلا أنكِ تأكلين هذه الفلافل باستمرار ...
- أنتَ حقًا بطيء الفهم ... ( قالتها وضحكت باستمتاع وهي تراه يكزّ على أسنانه بينما يسير ليعود إلى مكانه .. وما إن دخل حتى ناولته حبةّ ليباغتها باقتناصها من أصبعها وبقضمةٍ واحدة ) ..

- أنتَ إلى أين كنت ذاهبًا ... ؟
- إليكِ ..
- اوووه ... كم أنا محظوظة .. " آدم حشكي " بشحمه ولحمه كان آتيًا إليّ ...
- و رغم أنفه ... ( قالها مغمض العينين بينما تراقصت الكلمتان في مسمعها بإيقاعِ شقيّ )

ضحكت بعذوبة ..... وقالت له بعد دقائق من الصمت وقد اصطفّ في كراج العمارة ..

- آدم ........ شكرًا على أروعِ يومٍ في حياتي ...

ليفكر بأنه لم يفعل شيئًا .. لم يكن يومًا أصلاً بل أقل من ساعة ... ما الذي قاله لتتقد جذوة فرحها تلك ... أيعقل أن رسالته التي كانت عابرة تركت لديها أثرًا ... حتى وإن كان متوقعًا لذلك .. إلا أن معاينته الأمرَ على أرض الواقع تختلف تماماً ..

ترجلت من سيارته .... ثم عادت إليه بسرعة وهي تقول ..
- أنقدني .. لقد نسيت ... ( قالت وهي تضرب ناصيتها براحتها ... )
- ما الذي نسيته ؟
- ما خرجتُ فعلاً لأجله ....

---
بعد نصف ساعة ...

استلمتْ علبةً مقوْلبة على شكل قلبٍ رائع الألوان من مكتب البريد السريع .... تركها أوس هدية لشادن , وقاومت رغبتها في فتحها بجسارة .. بينما آدم يرمق نظراتها الحالمة بشيء من الشفقة ...... عادا أدراجهما ... ثم استأذنها لدقيقة وعاد وبرفقته باقة من الأزهار .... الباقة الأجمل لعينيْ أندلس .. لتقول له باندفاع :

- كنت سأخبرك أن تحضر لي واحدة ...

" أنتَ حقاً رااائع .. " همست بها وهي تحط بعينيها على بطاقة الإهداء الصغيرة والتي كتب فيها بذات الخط المميز كلماتٍ مقتضبةٍ وصمها بحركاتٍ إعرابيةٍ لمْ ينسَ منها واحدة :

) إلى قاهرةِ الحُسنِ .... حوّاءُ قلبي .. (


priscila ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

الفصل السادس ... مغامرة !
تخطُرُ بُخُيَـلاء ، تحمِلُ بيديها جوهرتيْـن .. ترياقَيْ سعادة .. لقلبيْنِ طيبيْن ، قلبٌ آمنت بأنّ فيه من الحبِّ ما فيه ستؤدّيه لشادن .. وأولى هدايا آدم لها .. باقة الورد ،
البطاقةُ وحدها تحملُ كنزاً مكتمِلَ البريقِ ..
( قاهرةَُ الحُسنِ )

لقبٌ يناسبها تماماً .. لا لشيء بل لأنها آمنت أبدًا بأن الحُبّ يأخُذُ قيمَتَهُ من تفردّه .. عندما يخُصّكَ أحدٌ ما – يعني لكَ جُلّ العالمِ – بكلمةٍ تخرُج من فمِ الدنيا لأولِ مرّة ...

" افتح يا سمسم "

قالتها وهي تفتحُ باب العمارةِ من فَرَطِ سعادتِها .. لتظنّ محلِّقةً بأنها ستجدُ بريقاً ألِقًا ينتظر بشغفٍ بحرّ عينيها لينعكس على سمائه .. متحررًا من سجنه الأزليّ .. فتُطبِقُ جَفنيْها عنوة !
بالطبعِ لم تجد شيئًا من ذاك القبيل .. ومع ذلك أطبقت جَفنيْها كتسريةٍ .. لتحسُد الأربعينَ حرامي على مهاجمةِ ذاك البريقِ الحقيقيّ أعيُنـَهُم دون غيرِهم ! لكنها الآن تنعُم ببريقٍ أسطعٍ ينيرُ داخلها ... بريقُ العاطِفة ..


أخذت تجتاز السلالم .. درجةً درجةً .. ببطءٍ جليّ .. تبحثُ عن نملةٍ ما تخبرها بسرّ سعادتها ! لكنها ما وجدَت نملةً .... بل مَيْ ..

- هييي أنتِ .. ( قالت مي وهي تلوّح لها علّها تستجلب انتباهها عندما صادفتها عند الباب )
- امممممم ( همستْ مُغمِضَةُ العينيْنِ كمن يستيقظ من أول نومته )
- ولا اشي !!!!!!! ماذا هناك ؟
- ميْ ... أحبكِ يا ميْ ... ( واندفعت إليها تحتضنها بينما روحُها تشردُ نحو مكانٍ آخر )
- انظري .. قلبي يدقّ .. ( قالت وهي تشير لقلبها )
- إنّه يدقُّ دائمًا ما الجديد ؟ ..... ( سألتْ ببله )
- اووف .... أقول لكِ يدقّ، يدقّ ... ( بحالميةٍ ردتْ )
- اااااااااااااااااه .... كنتِ معه إذًا ، وأنا أقول .. أندلس تحمِلُ شيئًا آخرَ غير الكتب .. غريب !
- يبدو أنّ مزاجَكِ غيرُ رائقٍ بالمرة ... أذهبُ لأرى شادن ... تشاااو ( ولّوحت بيدها الحرة )
- طمئنيني عنكِ في حالِ وصلتِ قبل غدٍ شقـتكم ... ( ضحكتا معاً )
- ووو لنا لقاءٌ آخر ...
غمزتها مي ... وأكملت : أموتُ بقصص الغرام ...

---

- أرى وروداً وقلوباً ووجوهاً تضحك ... كيف كانت الساعة الماضية ؟ ...
- حلوة مثلُكِ ماما .. ( ردت بحنان )
- حسنًا .. سأسمع منكِ لاحقاً كلّ شيء ... ستقولين كلاماً كثيرًا باندفاع وستـُحرجين بعدها لأنكِ قلتِ لي بعض التفاصيل ... شادن في غرفتِك ... اذهبي إليها ..... ريثما يجهزُ الغداء ..
- غداءٌ بنـَفسٍ منشرحة ... مُـثـيــــر !

قالتها وقبّلتها بعاطفة ... ولم تغفل عن الهدوء الذي يلفّ المكان ... دلفت غرفتَها وسألتْ ...

- أين الصغار ؟
- ذهبوا مع خالِهم في نزهة .. " ردّت شادن

قامت وتمعّنتْ بها .. لترى وجهاً مكتملَ الانبساط ... ( اووه .. هدايا أيضًا ) قالت وأكملت بعد أن لاذت أندا بصمتٍ مريبٍ ...
- تكلمي ،
- شادن ... أحبه يا شادن .. أحبّه ! ( قالت بصوتٍ غائب )
- تيرارا .. ( قالتها وهي تعزف في الهواء ) .. قولي .. ما الذي حصل ؟
- قولي ما الذي لم يحصلْ .، غنى لي .. وقرأ فيّ شعرًا .. وصالحني بطريقة خلابة ... ووووووو اشترى لي الفلافل ... وباقة وردٍ ..
- اووووه كل هذا دفعة واحدة ... " سأريه نجوم الظهر " هاا .. والله أنتِ غبيّة ..
- اششش دعيني أحلّق .. نعتني بقاهرة الحسن .. أنا .. أنا قاهرة الحسن طُقي وافقَعي ... هاكِ الدليل .. ( ومدّت يدها ببطاقة الإهداء .. )

- خطٌ جميلٌ .... " نبستْ شادن " ..

تلقائيًا أخذت أندلس تتفرّس في الورقة بعينٍ أخرى أكثر جدّيّة .. لتجد كلماتٍ كتبت بقلمِ حبرٍ أسود سائل ... أين رأتْ هذا النمط من قبلُ في الكتابة ؟ .. " الحُسْنِ " النون الممدودة والنقطة المصمتة وحتى الكسرة الممتدّة أسفلَ النون .. ذاتها التي رأتها قبلاً ،.

وبعقلٍ مفكّرٍ أخذت تحاول فكّ الأحجية ...
تناولتْ ملابسها وخرجتْ بغيةَ الحصول على حمّام دافئ .. ولمْ تنسَ أن تناول شادن قلبها ..

---

الألوان ... الله ما أجملها عندما يرسلها إليكَ أحدٌ .. ما آمن قبلاً بأهميّـتها .. أحدٌ ما سأل عنكَ منذ زمن .. والأهم أنه أحدٌ مهما فعلَ بك يظلّ مهمّا ...

( إلى أيّ سماءٍ سترفعني أوس ... وإلى أيّ أرضٍ ستهوي بي بعدَها !! لمَِ يا أوس ؟؟ .. )

مدّت يدًا وأدتْ ارتعاشتها منذ مدّة ... وبوافرٍ من الصبر قاومت تمزيق ذاك القلب قبل أنْ تفتحه .. أخيرًا فتحته بذات الشادن المتزنة ... دون أن تتسارع وتيرة نبضها .. ولكن ما إن أطلّ طرف الجوْرَبِ الصوفيِّ الأزرقِ الصغير حتى أخذت تُمطِرُ عينيها وابلاً من الدموع ... كما وابلاً من الاشتياق .. لذاك الكيان الذي يدعى أوس ... لذاك الجبروتِ المتآكلِ الآن .....

هناك جوارب صغيرة ... زرقاء وورديّة .. صورتهما الأثيرة معاً بفستانها الأبيض وحلته الأنيقة بينما وجههما يشعُ حبًا .. شهادة تقديرٍ من معهدِ إيجابيّ للتنمية البشرية للطالبة شادن معلى مذيّلةً باسم الدكتور أوس بدّار ..

( كم عنيْتَ لي يا أوْس .. وكم عنيْتُ أنا لكَ بالمقابل .. ؟ لا شيء ! أمْ أقلّ من ذلك حتى بكثير ؟... هل عددتني شيئًا يا أوس ؟ .. أدفع نصف عمري مقابل إجابتِك .. )

لم تنتظر أكثر .. مدّت يدها نحو هاتفها وتناولته .. تحتاج إجابة الآن .. عدم استعمالها لتلك الأرقام المتسلسلة منذ فترة ليست بالوجيزة لا يعني نسيانها أبدًا .. تجاهُـلها لها بداعٍ يختلف تماماً عما تُكنّه لا يعني تغيير اسم صاحب الرقم .. فما يزال " حبيبي " وإن تعثر حظها فقط أمام تلك اللفظة ..

ضغطت زر الاتصال .. بمقتٍ كاملٍ لذاتها التي لا تزال ضعيفةً أمامه و أمام ذاك السؤال .. " ماذا أعني لك ؟ " بسرعةٍ جاءها الرد ... صوتٌ غائمٌ بالاندهاش .. :
- شادن !!

أنفاسٌ متقطعة فقط ، تكون مضطربةً أحيانًا ...

- شادن .. شادن .. أعرف أنكِ أنتِ ... لا أخطِئ رقمكِ أبدًا .. شااادن ، أرجوكِ .. لا تتكلمي فقط اسمعيني ...
لاذ بالصمتِ لفترة طويلةٍ لم تستطع أن تراها كذلك ... وبحُرقةٍ قال : " أعتذر " ...

لم يستطع أن يكمل ... و لم يَبْدُ لها متأثرًا لذاك الحد الكبير .. تعرف سبب إطراقاته الكثيرة .. يحاول تنميق الكلام لكي لا يخرجُ عن مساره الذي يرسمه قبل أن ينطقه بحذر ..

لم يخرج من فترةِ الصمتِ الطويلةِ تلك إلا بكلمة واحدة ... كانت " أشتاقـُكِ " ليتشجّع بعدها ويقول : أشتاق كل شيء فيكِ .. تبريراتـُكِ الكثيرة لي لأنني كثير الشكِّ ... إدعاؤكِ النوم كلما أتيتُ متأخرًا رغم يقيني بأنكِ لا تستطيعين النوم قبل أن تطمئني عليّ كل ليلة ... أشتاق حتى ضبطـَك لي بالجرم وأنا أهرّب لعليّ حبة من الشوكولا .. صراخك بعدها وانهيارك شبهُ التامِّ لأنني لا أبدي تعاونًا يذكر ... شـا..

- .. أوس سأعود بعد أسبوعين ... لا ترهق نفسك بالأعمال المكتبية .. عليّ يحتاجك .. وكذلك نور ...
- ماذا عن أمِّهما ؟
- أمُّهُما ... تبحث عن ذاتها ، وهذا كل ما تحتاجُه الآن ! شكرًا لأنك ذكرتني بالتي كُنتها يومًا ... خذ بالك من أزهاري .. إنها تذبُلُ بسرعة ،


وأقفلت الهاتف .... بينما همست بضعف وعبراتها تجري بجرأة نادرة : أحبك ...


جاءه إقفالها مُرْبـِكًا .. طاعنًا لداخله الذي بات أجوفًا .. كأرضٍ ماحِلة ترى أمَلَها يعبُرُها دون أن يلقي بِحمله مهما يكن ثقيلاً أو خفيفاً ... فكّر بأنه قد يحتمل أيّ شيء .. إلا أن تعود وفكرة الانفصال ما تزال ماثلة أمامها .. لا لا .. شادن ليست من هذا النوع .. كما أنها طلبت منه الاعتناء بأزهارها .. مهلاً .. متى كان أوس طوع اختيارٍ سيدمّره وإن صدر عن شطر روحه .. يجب أن يضعها تحت الأمر الواقع بحنكة وربما مواربة ! ولكن كيف .... ؟

---

خرجت من الحمّام وهي تلفّ المنشفة على رأسها .. لتصطدم بشادن التي كانت خارجة من الغرفة ... لتقول لها : انتبهي ...
فجأة وجدت نفسها تتذكر كل شيء .... هرعت إلى الداخل .. وأخرجت تلك الرسالة .. مفتاح الحلّ كان " أنتِ امرأة اسكنها ربي في سماء الحُسنِ " إضافة لذات الخطّ تذكرت شِعره ... : ".. في سماء الحُسنِ ربي أسكنك " ..

وببَكرة التفّت سريعًا في رأسها وجدت نفسها تفكّر بأن الرسالة وصلتها في ذات اليوم الذي جاء فيه آدم حشكي في زيارة لمحاضرة الأستاذ ..

إنه هو ...... إنه هو ! ولكن ماذا الآن .. ؟

---

كيف نسيَ مفاتيحه ... ومفتاح خزانته .. وضع فيها اللاب كوت خاصته وكذلك مسطرته .. لن يُدخله الدكتور مختبر الرسم في حال تأخر ... وبسرعة كان يعود أدراجه ليأخذها ..

- كَمِلـَتْ ..

زفر بحده وهو يتذكر أنه أقفل باب العمارة وهو خارج .. أمه وآدم بالتأكيد نائمان ... من سيفتح له الآن ... كان يضغط بأمل على زر ( الانتركم ) وهو يدعو أن يستيقظ أحدهما .. نهاية سمع صوتَ أزّة الباب ليبتسم بامتنان ... لكن الباب عندما انفرج ظهرت منه فتاةٌ ترتدي زيًا مدرسيًا ... تحملُ في يديها كتابين ... استطاع منهما أن يعرف بأن تخصصها " العلميّ " ... كلمة " المستوى الثالث " على غلاف أحد الكتابين عنت له أنها طالبة في الثانوية العامة ... لم تنظر إليه أبدًا بل تجاوزته برأس مرفوع ... ليأتي صفيق الباب موقظًا له ... ويقول بمقتٍ هادر ... ( وجــع ) ،. هذه الـ***** أقفلتِ الباب وراءها .. ( ماذا رأتني .. هواءً مثلاً .. ؟ )

لا يملك مزيدًا من الوقت رنّ على هاتف البيت فردت أمه بعد ثلاث رناتٍ وفتحت الباب .. ذرع السلالم بسرعة وعندما وجدها على الباب تحمل مفاتيحه اقترب منها وتناولها .. ليقول بخشونة .. " جيراننا الجدد .. ألديهم ابنة ؟ "
ردت أمه : بلى ... إنها ندى .. كم هي خلوقة ... !

- خلوقة ؟؟ .... إن شاء الله مخنوقة ... وجع ...!
- كنتَ متأخرًا أليس كذلك .. أنصحك بالذهاب ... " قالت أمه وهي تدير ظهره ناحية الدرَج "
وبنفس السرعة ... أخذ ينزل السلالم ...

---

- الجوّ جميلٌ اليوم ...
- نعم ....... جميل ،

ردت ناي وهي تحملق في الواجهة الزجاجية لمحلّ الألعاب ... بينما نور وعليّ يسيران أمامها ليدخلا .. رويد استقرّ في عربته وسلام أخذ يجره فيها بيدٍ واحدة وفي اليد الأخرى كان يمسك بيد ناي لينتشلها من إطراقتها ....

- اعتقدُ أنها آخر شتوةٍ في هذا الموسم ... " قالت ناي وهي ساهمة "
- كان شتاءً باردًا ناي ... فلينجلي ..

ابتسمتْ ثم ضحكت وهي ترى نورًا تجرّ عليًّا بتسلّط ... أما عليّ فبدا مفتونًا بروعة المكان ...

انتقوا ألعابًا مميزة .. ثمّ عادوا إلى السيارة .. وأجّلوا نزهة الحديقة ليومٍ آخر يكون فيه الجو صحوًا .. مع ذلك لم يفوّتوا على أنفسهم متعة التجوّل في شوارع العاصمة ...

---
بعد أسبوع ...

صفّر بإعجاب وهو يراها تفتح باب العمارة ترفع رأسها بأنفةٍ وكبرياء ... كما أنها قد ازدادت طولاً ،. ليضحك ملء شدقيه وهو يفتقد مشيتها العمليّة .. أما هي فكانت تحيد ببصرها عنه لثوانٍ .. ثم ما لبث أنْ أخضع حيدها عنه له عندما مال ببصره عنها ...... أخيرًا لوّحتْ له ... ليلوّح لها هو الآخر ..

- تأخرتِ أندا ..
- حبيبي وما المشكلة .. انتظرني قليلاً .. غيركَ انتظر لسنوات دون أن يملّ ..
- ( يا وااد يا جامد ! ) هذه للشق الأول من كلامك .. كان موزوناً جدًا !
" قالها متغاضيًا بقوةٍ عن الشق الآخر من كلامها "
- تقصد " حبيبي " .. سقطَت سهوًا ..
- عساها تسقط دائمًا سهوًا إذًا ... ( قال مستدركًا بحنكة )

ضحكت قبل أن تقول بلطف بينما تأبطت ذراعه مما فاجأه ليرفع حاجبيه متعجبًا :
- لِمَ لا تدعُ عنك حذلقتك تلك .. كن على سجيتك .. كلامك يكون أجمل عندها ..
- أنتِ جميلة جداً .. والكعب العالي يناسبك تمامًا .. ( قال بينما وضع يده الحرة في جيبه )
- رأيتْ ... تكون رائعًا عندما تتكلم ببساطة .. أستطيع فهمك بوضوح !
- حسنًا .. ما رأيك أن نسير .. يبدو أننا سنكمل رحلتنا واقفيْن هنا ...
- نسير ؟؟ تمزحْ ! أين سيارتُك .. ؟
- ركنتُها على بعد كيلوين اثنيْن ..
- آدم .. قل لي أنك تمزح ، لباسي لا يسمح لي أبدًا بالسير لكيلوين ( قالت وهي تشير بيدها لحذائها ) .. لمَ لا نُحضر سيارة أمي .. لنركنها هناك ثم نكمل بسيارتك ..،
- أندلس قلت لااا .. وليكن في علمك أنني لن أسمح لكِ أبدًا بقيادة السيارة لا الآن ولا لاحقًا !

قالها بغضب شديد مما أخافها .. لم تقل شيئًا يُـغضبه .. لمَ هو ينفعل هكذا بسرعة! ... تداركت أخيرًا أمرها لتقول بهدوء يخالف تمامًا داخلها المستعر ..

- لمْ أقل أنني سأقودها .. قلت نحضرها وتقودها أنت إن أحببت ، على كلّ حال ليست تلك مشكلة كبيرة .. كلها كيلوين .. سأسيرها برفقتك ولتذهب قدماي إلى الجحيم .. لكنني لست متأكدة من كوني رفقةٌ جيدة للسير .. لساني عندما أسير ينطلق أيما انطلاق .. تحمّلني إذًا .. ( أكملت بسلاسة لتفضّ التوتر الذي ساد للحظات )

- غريب.. أنا أشعر أن كلامك دائمًا يكون مقتضباً .. متحمسٌ لرؤية انطلاقتك ..
- اءحم حسنًا إذًا ... ما رأيك في نكتة ( قالت بينما بدآ بالسير ) ؟
- نكتة ؟ عجيب !! أتخيلك تقولين نكتة ... الفكرة وحدها مضحكة ..

وتابعا السير .. لم تكن تعرف فلسفته الخاصة بشأن فكرته الغريبة ...... كان يؤمن أنه عندما يكون سعيدًا يجب عليه قطع الطرق الطويلة .. أيا كانت صعوبتها .. كان يفضلها لسببين أولهما أنه ودّ لو يخبر المدى على وسعه بسعادته .. وثانيهِما أنه شُـغِل بسعادته فنسيَ بذلك طول المسافة ...كان مؤمناً ببساطة بقدرته على قطعها معها ...

- إلى أين الآن ؟
سألت أندلس بعد قطعهما لمسافة طويلة .... ليجيب بعزمٍ نافذ ...
- سنصعد الجسر لنصل إلى الجادّة الأخرى ...
- ستجعلني أصعد الدرج وأمشي على الجسر وأنزل من الدرج لأصل إلى الجادة الأخرى .... عِشِ المغامرة ..

وبانطلاقةٍ جريئة أمسكت يده وتقدمت عنه خطوتين وبدأت تهرول مسرعة لتقطع الشارع بينما هي تجرّه وراءها ..


priscila ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

لم يصدق آدم حقيقة ما يمر به ، تجربة جديدة فعلياً وكليّاً على شخصه ، هل حقاً هو آدم حشكي صاحب برنامج ( حشكي لمين ) يمشي مجروراً من يده خلفَ قاهرة الحسن ذات الكعب العالي وكأنه لم يتجاوز الخامسة من عمره ، شعَـر بغليان في داخله خاصةً وهو يلاحظ التفات البعض في سياراتهم و كأنهم عرفوه .. ترى ما رأيهم بحشكي الآن !
عندما وصلا إلى سيارته كان الغضب قد أخذ منه كل مأخذ ، وجد نفسه يحرر يده من قبضتها بعنف شديد فاجأها خاصة عندما قال لها بتحدٍ :
- بما أنكِ تحبّين المغامرة فستجرّبين الآن مغامرَة حقيقيّـة ...
ولجا إلى السيارة ولم تستطع إلا أن تلاحظ عنف تحركاته .. وكان أول ما فعله أنْ وضع لها حزام الأمان ليضغط على دواسة البنزين بقوةٍ قدّرتها بالخارقة .. شعرت بالرعب وهي ترى السيارة تقفز في مكانها قبل أن تنهب الأرض بسرعة جنونية أثارت رعبها!
كان يتفادى السياراتِ بمهارةٍ لم تنتبه لها من شدةِ اضطرابها و سرعتُه تتزايد وكأنه يجد متعته الحقيقية في القيادة بهذه الطريقة المحترفة ! رمقها بنظرةٍ سريعةٍ وابتسامةٌ بطيئةٌ ترتسمُ على شفتيهِ ، بينما صرخت هي بصوتٍ عالٍ:
- توقّف
قلبها أخذ يهدر بهيجانٍ .. لتشعر بالغيظ وهي لا ترى أدنى استجابةً منه .. بل على العكس تماماً كان يسرع أكثر .... أعادت المحاولة وهي تمسك جانبي الكرسي وعيناها تتسعانِ في كل مرةٍ ترى فيها حادثاً محتماً في مخيلتِها ويتفاداه هو ببركة من الله:
- آدم توقّف أرجوك ..
قالتها وأخذت تبكي .... تكره السرعةَ والقيادةَ المتهورةَ ، بينما هو بدا مستمتعاً بكلِّ مصيبةٍ تحاشاها باحترافيةٍ بل و ثقةٍ ، سمِعَت صوته الهادئَ يصلها برزانته المعتادة :
- بسكويتة ..
رفعت عينيها الدامعتيْـن نحوه لتلحظ ابتسامةً ساخرة مع تقطيبةِ استهزاءٍ تعلو جبهته وهو يتأمَّلُها باستخفاف أيضاً ، تضايقت بشدةٍ من نظرتهِ المترفعةِ التي بدتْ لها غير متفهمةٍ لما تمر به ، لاحظت أنهم في كراجٍ جانبيّ خاص لأحد المطاعم المعروفة ، ففهمتْ أنها ما بكت إلا في الوقت الذي كان هو يصطف فيه وينهي جولةَ الرالي التي كان يتسابق فيها..
ظلت مطرقة لوهلة وهي لا تعرف كيف تثبت له أنها فعلاً كانت خائفة من قيادته العجيبة، قبل أن تمدّ يدها لا إراديًا لتنتشل يده عن الـgear .. ولتحطّ بها على صدرها ... ليتحسس بباطن راحته سيمفونية نبضها اللاهث .. و بظاهرها برودةَ باطن كفها الناعم ..
انمحت التقطيبةُ واختفت نظرة الاستخفافِ وتلاشت الابتسامة ، ليكسو الوجوم ملامحه وهو يعي أن يده فعلياً على صدر أندا الناعم ، وملابسها الرقيقة هي الحاجزُ الوحيدُ الذي يقف بين ملامسته لبشرتها التي يتوق لها ، لرائحتها ، لدفئها .. لأي شيء فيها!
تحركت أنامله بمداعبات ناعمة وهو يشعر بدقاتِ قلبها تكاد تخترق صدرها ، تحركت عواصف هوجاء بداخله وهو يستمر بملامستها بطريقة زادت دقات قـَلبِها هياجاً ، نظراته الداكنة التي أسرت البحار المتلاطمة في عينيها حكت لها الكثير ، عن ما يريده آدم حشكي الآن وفي هذه اللحظة ، ما يريده و يرغبه ويتمناه ، اشتدت قبضته على جسدها لترفعها هي برفق وهي تقول بتلعثم :
- هل .. هل لاحظت كم أرعبتني بقيادتك ... المت.. المتهورة تلك !
استعادت شفتاه التوائَهما السابق وهو يقول كلمةً واحدة فقط قبل أن يخرج من السيارة :
- بسكويتة دلوعة ..
اتسعت عيناها دهشة وهي تردد لنفسها :
- أنا بسكويتة دلوعة ؟؟؟ أنا أندلس بسكويتة ... و دلوعة أيضاً ؟؟!!
قاطع تساؤلاتها المصدومة صوتُ بابها وهو يُفتَحُ مِنْ قِبَل آدم ويمد يده أمامها بحركةٍ دراميةٍ مقصودة ويقول :
- تفضلي بالنزول سيدتي ..
وما إن رأى حركة قدميها وهي تقف مبتعدة عنه بأنفةٍ ، همس بجوارها وهو يغلق الباب :
- دلوعة !
استشاطت غضباً من الكلمة ، يا الله كم هو قادر على أن يستفزها بأقل الكلمات ، تماماً كما هو قادر على إمتاع جمهوره وإضحاكهم بأبسط الطرق!
حركت رأسها بكبرياء وهي تخطُرُ متجاوزة إياه بطريقة جعلته يرفع أحد حاجبيه استنكاراً ، تبعها بصمت ليراها تتوقف مرغمةً كي تنتظره عندما استقبلها النادل بابتسامة سائلاً إياها عن الحجز لترتسم ابتسامةُ انتصارٍ بريئةٍ على ملامحه الواثقة جداً من نفسه وهو يقترب منهما ببطء كي يقول :
- حجز باسم آدم حشكي !
أرشدهما النادل إلى مائدتهما ليساعد أندلس بالجلوس قبل أن يرفع البطاقة المدون عليها كلمة "محجوز" ويمد أمام كل منهما قائمة طعام فاخرة الشكل ، شعرت أندلس بالفخر وهي تراه ينظر إلى القائمة بلا مبالاة و كأنه حفظها ، إيماءاتٌ حفظتها عن ظهر قلبٍ من متابعتها له على ( اليو تيوب ) ، سألها باتزان :
- هل قررت ما تريدين ؟!
ظهرت ابتسامة ماكرة على شفتيها وهي تقول :
- أريد رقائق الذرة بالحليب .. لكن يبدو أنها غير متوفرة !
أتبعتْ تساؤلها الحزين برسم تعبيرِ خيبةِ أملٍ على وجهها ، سرعان ما انمحى لتحل محله نظرة انتصارٍ وهي ترى اتساع عينيه بعدم تصديقٍ لطفولتها لتردف قبل أن يتفوه بكلمة :
- لمَ أنتَ متعجّب ؟؟!! هذا طعام " الدلوعين " عادة ً!
ظهرت لمعة فهم سريعة في العينين الداكنتين وهو يرفع حاجباً بتحدٍ لها :
- لديكِ حس فكاهة لا بأس به!! من الجيّد أنك ذكرتني بدلـع مرافقتي ، لأنني كنت على وشك طلب الطعام حاراً !
بدأ الغضب يأخذ مكان التصبر الذي كانت تحاول أن تتحلى به ، عصفت بحار عينيها بطريقة خلبت لب آدمها وهو يتأمل شرارات عصبيتها تظهر في انحناء شفتيها وحدّةِ نظراتها وارتفاع ذقنها وهي تقول :
- لست متأكدة من ذوقك في الطعام لكنني حتماً لا أتناوله إلا حاراً !
لمعة إعجاب مرّت سريعاً في عينيه قبل أن يشير للنادل وهو يطلب الطعام الحار وعيناه لا تحيدان عنها ، لدرجةٍ شعرت معها أن هذا العشاء سيكون امتحاناً لقدرتها على التحمل ، شكرت الله وهي تسمعه يطلب العصير فمن الضروري تواجد ما تطفئ به لهيبها بعد الذي ستتناوله !

بعد عدة لقيمات من الطعام بدأت تشعر بالحرارة تكاد تخرج على شكل ألسنةٍ من اللهب من أذنيها ، تماسكت بشدة وهي بالكاد ترد على كلامه وانطلاقه المعتاد في الحديث ، ليتنبه أخيراً أنها ربما تشعر بحدة الطعام ، نظر إليها بحاجب مرفوعٍ بتساؤل وقال :
- هل الطعام حارٌ أكثر مما يجب ؟؟!! أستطيع أن أطلب لك غيره!
تساؤله في ذلك الوقت أشعرها بالقهر منه لتجيبه وهي تمسك بقرن فلفل وتقول :
- هل هو حار فعلاً ؟؟!! بالكاد أشعر بذلك !
اتسعت عيناه بصدمة وهو يراها تقرّب قرن الفلفل من فمها ليقول محذراً إياها باندفاع :
- ستكونين مجنونة لو فعلت !
بنظرة انتقام قضمت من الفلفل الحار قضمةً كبيرةً ، لتعرف عندما حركته في تجويف فمها أنها إنما تقضي على نفسها ، سعلت قليلاً ، واندفعت الدموع تلسع عينيها ، وراحت يدها تتحرك أمام وجهها بحركات سريعة وكأنها تبحث عن الهواء ، اقترب آدم منها بسرعة وهو يغادر كرسيه وبيده كأسٌ من الماء وضعه أمام فمها وهو يقول بلهجة آمرة تتميز غضباً من فعلتها :
- إشربي الماء بسرعة !
لم تشعر بنفسها إلا وهي تتجرع الماء ليطفِئَ شيئاً من لهيب جوفها ، عاد آدم إلى مكانه وهو يراها أفضلُ حالاً ، لكن لم يفته تنفسها الثقيل من فمها بحثاً عن الهواء الذي قد يخفف من الحرارة التي يتلظى بها لسانها ، طلب لها كأساً من المياه الغازية لأنها تساعد في تخفيف أعراض حدّة الطعام الحار !
مرّ الوقت بعدها بهدوء تام لأن أندلس كانت بكل بساطةٍ غيرُ قادرة على مشاركته الحديث ، تأملها آدم وقلبه يتلوى قهراً منها وعليها ! منها لأنها أفسدت له الوقت الذي كان ينتظر أن يقضيه برفقتها بفارغ الصبر وهو يمني نفسه بتطوير تقاربهما أكثر فأكثر .. وعليها لأنها قبلت تحديه بتناول طعام حار بل و زادت عليه قرن الفلفل مما جعلها تعاني لمدة تزيد عن الساعة .
استيقظ من تأملاته على صوت شاب يقول له :
- آدم حشكي أليس كذلك ؟!
رفع آدم عيناه للشاب قبل أن يقف ليرد تحيته هو و صديقيه باحترام فيم كان شاب آخر يقول :
- يا إلهي إنه فعلاً أنت ! هل تعرف أنني أتتبع حلقاتك بتزامن متسلسل ومتقارب بحثاً عن كل جديد لك ؟!
ابتسم آدم و هو يجامل معجبيه ويرد على كلماتهم وتساؤلاتهم!

بعد التقاط الصور التذكارية و توقيعها ترك آدم حساب المطعم ، قبل أن يرمق أندلس - التي كانت قد وقفت أثناء حديثه مع معجبيه – بنظرة نارية محت الابتسامة عن وجهها وهو يومئ لها برأسه كي تلحقه .
عنف إغلاقه لباب السيارة جعلها تمسك بيده - التي كانت على وشك أن تديرها - برقة وهي تقول :
- أرجوك آدم لا تكرر تجربة قيادتك السريعة مرة أخرى ، اووه ما الذي حدث وجعلك تتضايق الآن ؟؟!!
أبعد يده عن يدها ليلتفت في جلسته نحوها وهو يقول :
- إن كنتُ في كل مرةٍ أقابل فيها أحد معجبيّ من الشباب ستقفين فيها بجواري وتبتسمين بسعادةٍ أمام تساؤلاتهم وتشاركينهم أيضاً طرح أسئلة أخرى كما فعلت قبل قليل فبالتأكيد سأتضايق بل سأجن أيضاً !
شعرت أندا بالصدمة لأنه صورها وكأنها فتاة غبية سطحية وساذجة ، وهمست باندهاش :
- لم يكن الأمر كما تقول !
هذه المرة اختار أن يزمجر في وجهها بغضب :
- لم يكن ينقص سوى أن تقفي معنا لتتوسطي الصور التذكارية !
شهقت أندا لكلماته ليكمل :
- من الجميل أن أجد بعدها عناوين إحدى المجلات الاجتماعية تتحدث عن غداء حشكي مع زوجته الحسناء! أو ربما زوجة حشكي قاهرة الجمال تشاركه الوجبات والصور التذكارية في الأماكن العامة ، ولن أستغرب أن أجد بعدها صورتك على ملفي الخاص في الفايس بوك موضوعة من قبل أحد متابعي برنامجي كهدية ذكرى زواجنا مذيلة بعنوان جميلة حشكي!
لم تكن أندا تعي مما قال سوى أمران أولهما غيرته الشديدة عليها وهذا ذهب بعقلها ، ثانيهما نعته إياها بالحسناء وقاهرة الجمال لكن أكثرهم تأثيراً بقلبها كان " جميلة حشكي " ، تأملته وهي تشعر بعصبيته تليق جداً به لأنها تراه على هذا النحو لأول مرة في حياتها ، اعتادت أن ترى ملامحه مبتسمة أو متزنة أو متحدية وحتى مستفزة ، لكن هذا الغضب والانفعال أشعراها برجولة ساحقة اكتسحت حواسها وجعلتها ترغب بشدة أن تكون حقاً حسناء هذا الحشكي !
نظر إليها ليهدأ تماماً وهو يرى نظراتها إليه والتي أشعلت الفتيل في أشواقه الحارة اللامتناهية لها ، إنه يخلق جوّاً استفزازياً في كل لقاء بينهما فقط كي يهدئ من روع مشاعره المفتونة بها ، عيناها الآن تكاد تذيب قلبه ، زفر أنفاسه ببطء وهو يقول محاولاً التركيز على ما كان يطلبه منها قبل قليل :
- إذا سمحت أندا ، إن جاءني أحد ما يوماً و ألقى علي التحية أو أراد مني توقيعاً أو حتى صورة تذكارية ، رجاءً .. لا تتدخلي في الحديث أو الحوار بأي شكل من الأشكال ، تصرفي و كأنك غير موجودة ، أنا لا أطيق فكرة لفت الأنظار إليك !
امتدت يدها نحو يده التي ضربت المقود يأساً من الفكرة الأخيرة التي قالها ، وقبضت على كفه بنعومة وهي تهمس له :
- آدم أرجوك لا تغضب أنا لم أقصد أن أقاطعك أو أن أشاركك الصور .. أنا فقط .. كنت ... فخورة بك !
ذابت عيناه تماماً وهو يرى اهتماماً حقيقاً منها تجاهه لأول مرة بشكل واضح ، توقفت أنفاسه وعيناه تلتهمان كل خلجة في محياها المكتمل الجمال ، توقفت نظراته مطوّلاً على شفتيها وهمس لنفسه وهو يطلق نفساً حاراً : يا لهاتين الكرزتين اللتين لم أعرف مذاقهما سوى مرة واحدة وعابرة .. لكنها لا تنسى!
شعرت أندا بالحرج من نظراته التي التهمت ثغرها الندي ، وبحركة ارتباك حاولت أن تسحب يدها من على يده لكنه هذه المرة هو من قبض على كفها الصغير وهو يقترب في جلسته منها و يقول :
- راحتاك دائماً باردتان !
شعرت بالحرج وهي تخفض رأسها ارتباكاً لتقول بصوتها العذب أول شيء خطر في بالها :
- يقولون أن أصحاب الأيدي الباردة قلوبهم دائماً دافئة !
اقترب منها أكثر لكن ببطء مدروس وهو يهمس لها :
- أنظري إلي !
ارتفعت عيناها نحوه للحظة قبل أن تعيد خفض رأسها بإحراج شديد ، امتدت أنامله إلى عنقها ليرفع وجهها نحوه متأملاً جمالها عن قربٍ شديدٍ ليهمس بعذوبة أمام شفتيها المنفرجتين ارتباكاً :
- سبحان من خلقكِ و سوّاكِ !
أغمضت عينيها وهي ترى عينيه تقولان الكثير أثناء اقترابه المقصود منها والذي فهمته متأخرة ، لتشعر بقبلته ناعمة كما الحرير ، رائحة عطره تغلغلت في وجدانها وهو يحرك ذراعيه محيطاً جسدها بتملك رجولي أضعفها وشدها نحو جسده بحاجة ملحة.
لحظات طويلة مرت وهي تتعلّم معنى أن تكون ملكية خاصة لحشكي لمين ، شعرت بالخدر في حواسها و أطرافها وهي تـُنهي تواصلهما بخجل شديد لتهمس بعدها بصوت أبح :
- آدم .. أرجوك !
حررها قليلاً وعلى مضض ليهمس قرب عنقها :
- أحتاجك و أشتاقك وبي لوعة إليك ... لا تقولي أرجوكْ ... أرجوكِ !
هذه المرة كان أكثر تطلباً وهو يحرك راحتيه على ظهرها وكتفيها لتستقرا أخيراً حول وجهها ، استمرار شغفه جعلها تستجيب بانبهار له ، لكنها بعد لحظات قلائل وضعت راحتيها على صدره الذي عشقت رائحته كي تبعد نفسها عنه وهي تقول :
- هذا يكفي .. آدم .. يكفي !
لمس شفتيها وهو يقول بصوت أجش أسعدها لأنه أخبرها عن مشاعره المتأججة :
- آدم يريد حواءه ..
ابتسمت له بهيام ليقول وهو يحاول أن يستعيد رباطة جأشه :
- هل تعلمين أن أحضانكِ شريرة ؟؟!!
اتسعت عيناها بعدم تصديق ليكمل قبل أن تقول شيئاً :
- نعم شريرة جداً وتشعرني برغبة في البكاء !
هذه المرة ابتسمت وهي تسأله :
- بكاء ؟؟!!
أجابها وهو يدير محرك السيارة :
- لأنني أحتاجها وأنت تبخلين علي بها ، وكلما عشت تجربة احتضانك من جديد كلما ازددتُ ظمأً و شوقاً إليك !
ابتسمت بخجل ليردف و كأن تواصلهما العاطفيّ أطلق لسانه :
- أنا متعب أندا .. متعب جداً .. ومضغوط جداً .. ومرهقٌ أيضاً .. وجداً أحتاجكِ معي .. أريد أن أدخل منزلي مساءً لتنسيني هموم يومي بأجمعه !
شعرت بحميمية غريبة لكلماته فأجابته وهي ترى اقترابهما من منزلها :
- سيكون ذلك قريباً .. حبيبُ أندا !
أوقف السيارة أمام منزلها وما إن ترجلت حتى قال لها بنفاد صبر :
- سيكون موعد الزفاف بعد شهر لا أكثر من الآن .. هل هذا واضح ؟؟!!
أغلقت الباب وقبل أن ترد عليه بشيءٍ كان يقود السيارة بذات الطريقة المتهورة التي بدأت تحبها ، مع ذلك تفاجأت من أسلوبه لتُخرج هاتفها النقال وترسل له :
" حاضر كما تريدُ .. أيها الفظ "
ولم تنس أن تضع في الرسالة الوجه المحمر غضباً بقرونه الشيطانية ! أبقت الهاتف في يدها وهي تدخل إلى شقتهم وتتجه فوراً إلى غرفتها قبل أن تلاقي أحداً ، لتصلها رسالته :
" فظ يريد زوجته .. ماذا في ذلك ؟!.. على فكرة ... أرتجف خوفاً من الوجه الذي أرسلتِه ؟!"
ضحكت رغماً عنها على سخريته من غضبها وهمست لنفسها .. بطلُ حشكي لمين .. الكوميديا في دمه .. وكم تليق به !

انتهى الفصل

تقييماتكم وتعليقاتكم يا حلوين


أدوات الموضوع البحث بهذا الموضوع
البحث بهذا الموضوع:

بحث متقدم
طريقة العرض

موقع غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات
جميع الحقوق محفوظة منتديات غرام
iTraidnt by ROMYO
جميع الحقوق محفوظة منتديات غرام
iTraidnt by ROMYO

SEO by vBSEO 3.6.1