priscila ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

الفصل السابع ... أنت لي !
تناولتْ هاتفها المحمول بشيءٍ من الغضب .. لتردّ دون أن ترى اسم المتصل الذي هي متأكدة منه ..
- هل من الممكن أنْ أنام ؟
- ليس تمامًا ...
جاءها رده باتًا ... لتتحول نبرتُها إلى ما يشبه الملل ..
- آدم ، أقفلتَ الخط لتوّك .. ما الذي جدّ في أقل من دقيقتين ... ؟
- ما جدّ أنني لم أسمع صوتكِ فيهِما .. ألا يكفي هذا ؟
- بلى ، يكفي تمامًا .. ( أجابت بحبٍ ضاحكة ) ،
شعرتْ بعدها بصوتِه يتماوجُ فسألته : "- ماذا تأكل ؟ " ليجيب باستمتاعٍ يضاهي تماماً استمتاعه بذوبان الشوكولا في فمه :
- آكل الشوكولا .. تويكس تحديدًا .. يقولون أنها لكَ ولنصفكَ الحُـلو ..
- غشاش كبير .. نصفكَ الحُـلو يحسب طعامه باللقمة نظرًا للحمية التي ألزمته أخته بها وأنتَ تأكل ما يحلو لك !
- هل طلبتُ منكِ ممارسة حميةٍ ما ؟ إذاً أنا لم أغشكِ .. ثم تعالي.. أنتِ أين قضيت يومك ؟
- في صالون التجميل ... ( أجابت بتلقائية )
- إذًا هي معادلة ، أنتِ تقضين يومكِ في صالون التجميل وأنا أقضي يومي واقفاً على السلم .. أُكمل تعليق الستائر وأصلح إنارة بيتنا ... فمن الطبيعيّ أن تحسبي اللقمة وأنْ آكل أنا الشوكولا
- بيتنا ! ....... ( قالت وهي تتنهّد بسعادة وترقب )
- بيتنا .... وغدًا سنكون معاً به .... في مثل هذا الوقت .. ليس غدًا تماماً لأننا سنبيت ليلتنا الأولى في الفندق وبعدها سنسافر...
بطريقةٍ ما أحرجتها نبرتُه اللعوب لتقول باندفاع : حسنًا وداعًا ....
- خائفة ؟
سحبت نفساً وهي تقول بموضوعية :
- لستُ كذلك ..
ابتسم بحذق وهو يجيبها بنبرته الخشنة الواثقة التي باتت تعشقها :
- واضح جدًا من احمرار وجنتيـْكِ ... لكأنني أراهما أمامي رأي العين ! ( ضحك ليكمل ) ... لا تخافي أبدًا .. لستُ هنا لأخيفكِ ..
- آدم ....
- لستُ آدم ... أنا حبيبُ أندا ...
شعرت بقلبها يهدر للكلمة ، بل لنبرة صوته أثناء قوله لها وسألته ببراءة وهي تشتاق له بطريقة غريبة:
- كيف يخطُر لكَ الكلام ؟!
- سرُّ المهنة ....
- بما أنكَ تحتفظ بأسرارك إلى الآن فأنا يجب عليّ أن أذهب .. سأنام الآن واللهِ وأنا أكلمُك .. كما أنني عندما أنعس أهذي بالكلام ...! ثم لن تكون جميلة مني أن أنام غدًا في فستاني الأبيض ..
- آآه إلا النوم في الفستان الأبيض .... إن كان من أجل ذلك فنامي جيدًا ...
- وقح ! ( قالتها وهي تضحك لتنتهي المكالمة ) ..

---

أمسكَ دفتره الخاص بـ " يومياتِ عاشقٍ شرقيّ " لا يعرفُ أحدٌ بعمله هذا ، يذكر جيدًا الليلة التي كان فيها بما يشبه عشاءَ العمل .. عندما قال له صديق السيد رامي – رئيسه في شركة ستاند أب كوميدي الشرق – أن الناس هنا متمسكون برأيهم المغلوط عن العرب والمسلمين ... وأنه نادرًا ما قابل عربيّاً يحمل فكرًا متطرفًا .. ليعرض عليه بعدها أنْ يخصص له مساحةً في الصحيفة التي يعمل فيها كرئيس تحرير عندما تحدث السيد رامي عن عبقريّة آدم في عمله السابق كصحفيّ .. لم ينتظر آدم كثيرًا وقتها قبل أن يجيب بالموافقة ... لكنه طلب من السيد أن يعطيه الثقةَ أيًا كان الموضوع الذي سيتطرق إليه ... وعندها خطرت له فكرة اليوميات .... لم يَبْدُ السيد رونالد متحمّسًا لها .. لكـن آدم استفاد من دماثة أخلاقه ومِن خجله من سحب ثقته – بصراحةٍ – !
الجدير بالذكر أن السيد رونالد غيّر رأيه تمامًا عندما أطلعَهُ آدم على مسوّدته .... فإضافة لأسلوبه الجميل ... و"العاطفيّ" كما سمّاه ، أعجب بالبدايةِ الغريبةِ لقصةٍ ربما ستضج يومًا في أنحاء بلده الغافل تمامًا عن حبٍ دافئ من هذا النوع ..
( أعزائي ...... سأخبركم أخيرًا بخاتمة القصة ....
لقد أصبحتْ لــــــي ...... )
فكّر بروعة أن يملأ عاموده بهذه الكلمات القليلة بخطٍ كبير وينهي الحكاية التي بهّرها كثيرًا .. ستكون فكرةً جديدة ... لكنه شعر بأنها ليست النهاية ... فكتب تحتها بخطٍ صغير .. " ربما ألقاكم بعد شهر العسل " ...

---

الجوّ يزداد لطافةً .. وهذا دفعه للرغبةِ بالنوم على شرفة غرفته ... تسللت لمسمعه نغماتٌ ما ... هناك أحد ما من الجيران يسمع الأغاني في هذا الوقت ؟ .، أيْ نَعَم الوقت متأخر .. إلا أنّ سماعَه الموسيقى الخليجية الدافئة وكلمات هائمة تتراقص داخلها دفعه للتغاضي عن هذا الفعل الذي لا يهضمه عادةً .. يكفي أنّ المستمع رهيفُ الحِسّ ...
فتحَ باب الشرفة لتتواثب الستارة البيضاء على وقع تحريكِ النسيم النديّ لها ، أراد بسط لحافه على أرضيّة الشرفة لكنه تراجع أخيرًا لسببيْن ... أولهما أن أمه ستوبّخه صباحاً على اتساخ لحافه وإن لم يكن متسخًا .. وثانيهما أن الجلوس على أريكة القش الصغيرة بدا له أكثر إثارة ... خاصةً أنه سيكون غبيّاً إن تركَ ليلةً مقمِرةً كهذه تسهرُ وحدها دون أن يتأملها بعينٍ عاشقةٍ للجمال !
استلّ كتابًا ما .. وبعض المكسرات وأضمر في داخله نيّة إعداد الشاي ....
خطا إلى الشرفة ليصدمه النور القادم من شرفة الجيران الجدد .. و ليتفاجأ بعدها بأن ظلاً ما -يرتدي خرقة بيضاء على رأسه- جالسٌ على كرسيّ وأمامه طاولةٌ رست عليها بعض الكتب وهاتف محمول عرف أنه مصدر الصوت ...
كانت تنكّس رأسها .. تحلّ مسألة ما ... أما هو فكان يراقب تحركاتها بنصفِ عينٍ لكي يُسكِتَ الصوتَ الذي علا بداخله ليخبره بأنه أعجب بشكلها العام ، عندما رفعت رأسها ووجّهت إليه طرفًا ...
ثوانٍ قليلة أخذتها قبل أن تبدأ بلمّ حاجياتها بانزعاجٍ عرفتْ كيف توصله إليه ... أطفأت الإنارة لتسمع قبل أن تدلف غرفتها .. ( نسيت أنّ حضور الملائكة يستلزم غياب الشياطين )
- أنا شياطين ؟
قالت في سرّها بمقتٍ كامل ... لتتراجع بتحدٍ وتعود لتشعل الإنارة وتضع حاجياتها على الطاولة ..
رفع حاجبيه متعجبًا .. ليقول في داخله ( كم هي قوية ! ) بينما ظل جالسًا على أريكته يُظهِر قراءته للكتاب الذي يحمله في يده .. أما هي فكانت تتظاهر بالدراسة بينما لم تكن تفعلها .. أصلاً هي تدرس في شرفتها لأنها لا تتقن الدراسة تحت أي عين ترقبُها..
أخيرًا دخل غرفته عندما علا صوتٌ من أصواته الكثيرة أمره بأن ( استحِ ) ... بينما هي انتظرت دخوله مطوّلاً لتلِـج غرفتها وتنام .. كادت تغفو على كتابها لولا أنّ رغبتها بكسب التحدي حثتها حثًا على البقاء !

---

- أكرَهُكِ ...
كانت هذه الكلمة - بل الصرخة - أول ما قفز لمسمع سلام عـندما فتح باب شقته لتتوقف الدماء في عروقه عن الجريان ، هرع إلى الداخل ليجدها منهارةً تمامًا .. بينما رويد يبكي ،
- ... حبيبتي ، اهدئي
قالها محاولاً طمأنتها ليعلو صراخها وهي تكرر " أكرهكِ ، أكرهكِ "
- ناي .. توقفي !
صرخ بصوتٍ لا يحاكي أبدًا صراخها ... كان صوتًا يشبه الرعدَ في دويّه ، ومع ذلك لم تتوقف ... أخيرًا اقترب منها .. لتشعر بصفعته القوية تهزّها وتنتشلها من البحر الذي غاصت في لجّته المظلمة ،...
احتضنها وهو يمسحُ موضع صفعتِـه بينما تمتم بكلمات الاعتذار ويده الأخرى تحط على شعرها المربوط بإهمالٍ حاكى تماماً حالتها النفسيّة الرثة ....
- قالت في آخر لقاء صحفي أنها تعيش في تفاهم تامٍ مع ابنتها لا بل وتخرج معها على الدوام هي وحفيدها رويد ... تعرف من ابنتها .. إنها أنا يا سلام ... أنا ابنة تلك اللامعة ! تكذب !؟؟ ألا تعرف أنني أسمعها ؟ ألا تراعي مشاعري إلى الآن ..
- لا يهمّ حبيبتي لا يهم .... دعيها ؛ ستعرف يومًا أيُّ قيمة تلك التي أهدرتها .... أنتِ اهدئي فقط الآن ، رويد يبكي .... ألن تذهبي إليه ؟
صمتت .. وهي تسير برفقته ، أحاطت جذعه بذراعيها لكي تستمدّ منه القوة ، تأملته بعاطفة ... بينما أخذت تبكي ببؤس شديد .. حملت رويدًا أخيرًا لتقول وهي تبتسم ألماً بينما ترمقه :
- لا أعرف كيف يمكن لامرأة أن لا تنحني أمام نداءات ابنها ... أن تتركه يبكي دون أن تكفكف دمعه ... تخرج دون أن تطمْئِنَهُ بأنها عائدة .. تتركه لخادمةٍ دون أن تسأل عن أهليتها ... تدمر حياتها وحياة الرجل الذي أحبها وأحبته من أجل المال وإدارة الشركات ... تخيّل ؛ قالت لأبي أنها لا يمكنها المجيء لحضور حفل زفافي نظرًا لانشغالها بالخارج ... وأبي المسكين قال أنه لم يخبرها مراعاة لي ... لم يكن يعرف أنني تسمعت على مكالمته كاملة .... اكرهها يا سلام ، اكرهها وأكره أحياناً أنني أم لأجلها ... أخاف أن أكون يومًا مثلها ..... حتى عندما غادرت حياتي وبلا رجعةٍ إن شاء الله .. تركت فيّ عقداً لا أعرف شفاءً لها ...
كان ملتصقاً بها ويده لم تتوقف عن مسح شعرها وكتفها بحنان شديد ، في الوقت الذي كان قلبه يعتصر ألمًا لأجلها ، شدد من احتضانه الجانبي لها لأنها تحمل الطفل وهو يقول بعاطفة صادقة :
- ناي .. لا تقارني نفسك بها أبدًا ، لم أنتِ خائفة ؟ ... لو تعلمين كم أحمد الله لأنك أم طفلي ... معكِ لا أخاف عليه أبدًا .. لأنني أوقن تمامًا أنكِ نعم الأم له .... ( قالها لتهدأ .. ثم أردف بامتعاضٍ و ربما استغلال ... ) مع أنني أغار منه أحياناً وذاك شيء آخر ،
ضحكت ملء فمها متناسية كل شيء قبل أن تضع رويدًا في سريره إذ كان قد نام مجددًا .. مسحت دمعاتها بطفوليّة يحبها .. التفتت نحوه ورمقته بملامح ماكرة تليق بها جدًا كما شعر وقتها قبل أن تقول بجرأة : أنا لك ...
- سبحان الله !!!! دائمًا الوقت غيرُ مناسب ... ( قالها بخفة لتضحك و ليكمل بتبرم ) ستذبحنا أندلس إن تأخرنا عليها ... وأنتِ ستتأخرين كالعادة في تجهيز نفسكِ .... وأنا المسكين ، أريدك أن تكوني الأجمل !
- مُحِقّ ... ( قالت باستدراك قبل أن تدير ظهرها هامّة بالخروج من غرفة رويد ... )
- هيييي تعاليْ .. قبلةٌ واحدة لن تؤخرنا ...
- " صرّت على أسنانها وهي تشيح بوجهها ناحيته لتقول بدلال : ما زلتَ كما أعرفكَ واضحٌ بشكلٍ مخيف .. لكنْ مع ذلك ليس الآن .. أنتَ لمْ تنجح قبلاً بجعلها قبلةً واحدة ...
- من يعرف ؟ ربما أنجح الآن .....

---

- ماما ..... أريد طلاءَ الأظافر الورديّ ، هذا غير جميل ..
- سأجنّ بعد قليل ماما .... منذ ساعةٍ وأنا رهن أوامرك ، يكفي إلى هنا ...
- لمَ فعلتِ كل شيء لعليّ ؟ أعرف .. أنتِ لا تحبينني كما تحبينه ،
- نوور !؟ من أينَ جئت بهذا الكلام .. ؟ منذ متى ونحن نتصرف بقلة تهذيب .. ؟
- أنا لاااا أحبك ماما ...
قالتها نور بقوة ... لتصل إلى مسمع شادن بأضعاف قوتها ... ( نور لا تحبني ؟؟ ) وكأنها تسمع تسائلها .. أردفت بإجابةٍ مُلجِمة .....
- أحبُ بابا وفقط .... أريد بابا الآن ....
- نوور !!!!!!!!!!
صرخت شادن بها لتبدأ نور بالبكاء ... قبل أن تدخل قلورياس لتأخذها وهي تحتضنها بحنان وتهدهدها بصوتها العذب المطمئن قبل أن تقول ...
- سنضع الآن طلاء الأظافر الذي تحبينه ... هيا تعاليْ معي يا حُـلوتي ،.
وأخذتها بينما أشارت لشادن بأن تهدأ ...
كيف ستحلّ معضلتها ؟ كيف ستعود دون أن تهدر كرامتها .. ؟ إن كان متمسّكاً بها ألا يجب أن يطلب منها العودة ؟ حتى إن عادت ... هي لن تحتمل مجددًا كلمة شكٍ إضافية ..، لربما كانت ستقدِر على نزعه من حياتها لو كانت بمفردها ، كانت ستتألم وكثيرًا .. لكن ألمها مهما كان موجعًا وقتها سيظل محتمَلاً .. هناك طفلان الآن ... يقتلانها بنظراتهما المشتاقة لوالدهما ... والوضع يزداد سوءًا ! فها هي نور تخرج من مرحلة النظرات لتصل إلى مرحلة التصريح .. كم ستحتمِـل !؟
كانت ساهيةً تمامًا ورأسها يعجّ بالتساؤلات عندما دخلت ناي لتجدها على تلك الحالة ... ولتتكلم تلقائيًا مسريةً إياها :
- اسمعي ... لا تشكي لي ... سأُبكيكِ ... كلنا لدينا همومنا التي ليس وقتها الآن .. سنفرحْ ، حسنًا ؟
أومأت لها شادن أنْ " حسنًا " .. قبل أن تمدّ ناي يديْن حطتا على ظهرها لتربتا عليه مانحتيْها الدعم .. ولتقول بعدها .. : لا أعرفكِ منذ زمن .. لكن الله يعلم كم أحببتكِ ... وكم أتمنى لكِ الخير ..
جاءها كلامها موقظًا ... فعلاً ليس الآن ، يجب عليها أن تتحلى بالقوة ....
- حبيبتي .. وأنا أيضًا ، بالفعل يجب علينا أن نفرح و قسريًا .. أندا قادرة تمامًا على جذبنا من شعرنا وأمام الناس إن لم تشعر بفرحنا الحقيقيّ يلفها ..

---

- اللهم صلِّ على سيدنا محمد ....
قالتها مروة بينما رمقت آدم بحلته الأنيقة ... بدا لها كما لم تعرفه من قبلُ رجلاً ... لا لشيء إلا لأنها دائمًا ما كانت تراه طفلها الذي لن يكبر ... تقاذفت دمعاتها تباعاً ... بينما بدا آدم ممتناً لها .. على كل ما قدمته من أجله ليصل إلى هذه المرحلة !
- واللهِ أنتنّ النساء .. لا تـُفهَمْنَ أبدًا ... لم البكاء الآن ؟!!
قالها أسد ... لتتحول نظرات أمه ناحيته ....
- لن تعرف ... لأنك لست امرأة !
وخرجوا جميعًا ... آدم أصر على أن يقود سيارته المزدانة بالزهور بنفسه ... أما أسد فاستأجر سيارةً اليوم لكي يكون أكثر حرية في تحركاته وأمه ....

---

- قلتُ لكَ أن الوقت ليس مناسبًا الآن ...، حسنًا .، ماذا ؟ ليس تماماً ..، سأتصل بك لاحقاً .
سمعت شادن لتكاد تموت فضولاً لمعرفة الشخص الذي تكلمه والدتها بالإسبانية ... أحست ارتباكها ، وحتى انزواءها ربما خوفًا من أن يسمعها أحد ...... ( ترى ماذا هناك أمي ؟ ) ..
- شادن ماذا تفعلين هنا .. ؟ ( سألت قلورياس بصدمة ... )
- لا شيء أمي ... جئت لكي أستعجلك .. الجميع بانتظارك لنذهب ... بدأ المعازيم بالتوافد ..
وخرجتا ،....

يتبع ....


priscila ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

^ بعد الحفل ^

رنّ هاتف شادن للمرة السادسة على التوالي ... كان المتصل سلام ، أخيرًا ردّت عليه وهي تقول بنزق :
- يا أخي فهمنا أنك تتصل .... شُغِلتُ قليلاً بـأمي وهي تبكي آخر العنقود ... ماذا تريد ؟
- تعاليْ حالاً خلف الفندق .. أريدكِ في أمرٍ هام .... قولي لأمي أنْ تخرج مع نور فوالدي ينتظرهما في سيارته ومعه عليّ و رويد ...
- سلام .. ماذا هناك ؟ هل أصاب ناي مكروه ... ليس من عادتها أن تفرّط برويد ... قل بسرعة ، أقلقتني !
ضحك بانتصار وهو يرقب ناي قادمةً نحوه قبل أن يقول : " ناي لم تفرّط فيه لأن لا علم لها بالأمر ... تركَتْ رويد معي وأنا سلّعتُه .. ليس هناك ما يقلق ، هي بخير .. أريدك في أمرٍ خاص فلا تكثري الجدال وتعاليْ ! "
سارت وهي تبتهل إلى الله أن لا تكون هناك مصيبة ما في انتظارها ... حذاؤها عالي الكعب قيّد سرعتها خاصةً وهي تحاول أنْ لا يعبث الهواءُ بعباءتها .... خافت وقد أخذ المكان يتلفع بالظلمةِ شيئًا فشيئًا .... وقفت قليلاً قبل أن ترنّ على سلام لتجد هاتفه مغلقًا ... اشتاطت غيظًا وهي تبحث بعينيها عنه دون أن تراه ، أرادت أن تهمّ بالعودة عندما شعرت بأنامل قويةٍ تغطّي بلمحِ البصر عينيها لتحجب عنها الرؤية ... أحستْ هذه المرة بخطرٍ حقيقيّ يداهمها فأخذت تتخبط محاولة التملص من الشخص الذي يحاول أن يكتّفها بيديه الآن لكي لا تهرب ... أرادت أن تصرخ بملء فمها عندما سمعت تلك " الشادن " الهامسة المختلفة تخرج من بين شفتيه ...

---

ظل أسد ينتظر والدته وقتًا لا بأس به ... لتطلّ عليه أخيرًا ووراءها امرأتين ... أو بالأحرى امرأة وفتاة ،.. و لم يستغرق كثيرًا من الوقت ليعرف هويتهما .... بلباقةٍ رحّب بالسيدة التي تقترب من والدته عُمرًا .. ودخل السيارة ... لتجلس والدته بجانبه ... والجارة وابنتها خلفهما ،
بدت السيدة محرَجةً للغاية لأن زوجها وأبناءها الثلاثة غادروا قبلها بينما هي ظلت وابنتها لنهاية الحفل مجاملةً للسيدة مروة التي طلبت منهما البقاء .. لتطلب منهما العودة أخيرًا بصحبتها لأن السيارة فارغة ،..
باحترافيّة ونصف عينٍ كان يوجّه نظراته عبر المرآة إليها ... ونظرًا للظلامِ لم يستطع أن يتبيّن ملامحها جيدًا ، مع ذلك عرف تمامًا أنها تدّعي الوداعة من صمتها طوال الطريق ... رآها مرتيْن فقط واستطاع أن يعرف منهما أي فتاة قويّة هي ... ليخرج من إطراقته الطويلة عندما سمع والدته تتكلم مع الخالة عن دراسة ابنتها ندى .. وأنها ذكية في المدرسة وتنتظر منها نجاحًا باهرًا في الثانوية ... لكنها تجد صعوبةً في مادة الفيزياء .. وربما ستحضر لها أستاذًا خصوصيًا ... لتقول السيدة مروة أن ابنها أسد بارع في الفيزياء .. وأنه يمكنه أن يقدم المساعدة ....
- لا نريد أن نُتعب ابننا أسد ... لا شك أن دراسة الهندسة وحدها تستغرق كل وقته ...
- لا لا ... إنه ينظم وقته بشكلٍ جيد ... كما أن ساعة في النهار لن تأخذ من وقته الكثير ... أليس كذلك يا أسد ؟
أراد أن ينفجر في والدته ليقول : كلا .. ليس كذلك يا أمي ! ... لكنه أخيرًا لم يُـرِد أن يكسر كلامها .. وبصراحة بدت له الفكرة جيدة ..... كما أنه عندما وجه طرفه إلى المدعوة ندى نجح بقراءة " اللا " من شفتيها الملويتيْن كنايةً عن عدم موافقتها على الأمر ، ولأن معاكسة الفتيات في آرائهن تجري في دمائه قال بكل رحابة صدرٍ ... ( بلى أمي ... لن تأخذ من وقتي شيئًا ... أصلاً أكون في قمة السعادة حين أقدم عوناً للجيران )

---

يا الله هل وصل بها الحال لكي تتخيله معها .. إنها تحلم .... عرفت أنها تحلم ومع ذلك استجابت سريعًا لحاجتها إليه فأخذت تستنجد به ، تناديه باسمه بأقصى ما اعتراها من اشتياق وحنينٍ وحتى تعب .. !
احتضنها بقوةٍ عندما أجهشت بالبكاء ..... طال بهما الوقت وهو يحتضنها بينما هي لا تزال تبكي .. تبكي لألفِ سبب ، ربما لأنها متعبة .. مكتئبة .. حزينة ... ولكن تلك الأسبابَ كلها كانت واهية ... كانت تعلم يقيناً أنها تبكي لأنها لم تصدّق أنه أتى ..... أتى أخيرًا .. وهي مشتاقةٌ إليْه ....
بصمتٍ قادها إلى سيارة قلورياس ... فمجد سلّمه مفاتيحها بكرمه المعتاد لأن أوس أتى متأخراً وبالكاد حضر حفل الزفاف ،.. ركبت بجانبه ... دون أن تنبِسَ بكلمة وهو كذلك ! ،.. ظل يقود السيارة شبه ضائعٍ وهو يبحث عن النقطة التي سيبدأ منها ، عن وجهته .... ليصطفّ أخيرًا عـند بوابة المعهد الذي كان بداية حكايتهما ، بطريقةٍ ما قاده القدر إلى ذاك المكان .. هو حقاً لم يخطط للأمر ... لكنها ما فهمت سوى أنه يحاول أن يضغط عليها مجدداً .. فوجدت نفسها ترخي سمعها لأصداء اتهاماته المتكررة لها بالخيانة ... فما كان منها إلا أن أصدرت ضحكة قصيرةٌ أخرجتها عمدًا بسخرية قبل أن تقول بقسوة ... ( لم جئت يا أوس ؟؟ ) وليردّ هو عليها بـ ( جئت لأنهي هذه المهزلة ! جئت لأعيد عائلتي يا شادن. )
ضحكتُها هذه المرة كانت أعلى وأطول زمناً ...... لتقول نهايةً بذات القسوة ،
- قُل أنك عُدتَ لأنك لا تطيق يومك دون تقاريري اليوميّة حول تحركاتي ... قل أنك عدتَ لأن نفسك الشكاكة حثتك على العودة .... قل أيّ شيء إلا أنك جئت لتعيد عائلتك ! أنت فاشل جداً عندما تدّعي الوداعة يا أوس ....
- حسنًا ..... كما تريدين !... لكنني لن أسمحَ لكِ بالذهاب ، لن أسمح لكِ أبدًا ...
- لن تسمح لي ؟؟؟؟ حقًا أنتَ غريب ، وكأنك لا تتعلم من أخطائك ... متى تفهَمُ أنني أنا من يقرر ... ليس أنت ..... ليس أنت !
- منذ متى أصبحتِ قاسية ، تقِـفين لي على الكلمة .. تعاملينني وكأنني لست أوس ... ( قالها مستجديًا وكأنه يذكـّرها .. )
- أعلم أنك أوس ... أوس الذي ظننته شخصاً لأكتشف فيما بعد أنه شخصٌ آخر أبعد ما يكون عما حلمت به .. لكنك لست من يسيّر حياتي بعد الآن ... أنا من سيقرر عندما يتعلق الأمر بي من الآن فصاعداً ... وليس أنت !
- حسنًا ليس أنا ... لكنني سأدفع عمري من أجل أن أجعلكِ تقررين العودة ...

---

بحثت بعينيها عن صغيرها فلم تجده .. اضطربت .. لكنّ ملامح سلام المستكينة تماماً بعثت فيها شيئًا من الاطمئنان ... لتشعر بملامحه تنقلب مئة وثمانين درجةً وهو يكلّم أحدًا ما على الهاتف بينما هي مقبلةٌ عليه ... نظرت إليه بخوفٍ وقالت :
- مع مَن تتكلم ؟
إجابتُه التي تلخّصت بملامح وجمت في خوف لصٍّ متربَّصٍ به جعلتها تقطّب حاجبيها تحفّزَا لكلمةٍ خشيت أن يقولها ...
- أين رويد ... ؟
سألت بفزعٍ .. فقوبِلت بضحكة سلام اللعوب وهو يتحدّث على هاتفه ، ليومئ لها بعدُ بأنه بخير ...... اطمأنّت لجانب رويد .. لكنّ جانبًا آخر بدأ يأخذ من صبرها كل مأخذ ........
- سلام مع مَنْ تتكلم ؟؟؟
لم يأتِها أيُّ ردّ ... ليتحرّك مبتعدًا عنها بينما هي تلاحقه بعينيها بعدم فهمٍ ولا تصديق ! شعرَتْ بِهِ يرتاح كثيرًا مع متحدّثه الذي باتت شبه متأكدة أنه " امرأة " ... أخيرًا ذرعت المسافة بينهما ... لتنتشل منه الهاتف مباغَتةً ... وليبرِزَ عدم موافقته لفعلها بملامحه التي تغضنت غضبًا !
كتلميذٍ مؤدب أعادت الهاتف إليه ... ليتقدّمها سيرًا نحو سيارته بذات الملامح الواجمة ... سارت خلفه ليدخلا السيارة معاً .
قهقه عاليًا فور ركوبهما ... لتشعر بأن فُصامًا ما يحوم في الأفق ،. قال بعدها بتشفٍّ وهو يعضّ على شفته السفلى ...
- رائعة عندما تغارين !
- سلاااام .. مع من كنتَ تتكلّم ؟
سألتْه بنفاد صبر وقد ارتفعتْ نبرتُها قليلاً ..... ليجيبها بصمتِه الماكر ويبدأ القيادة ،..
ظلت تلاحقه بعينيْن يتطاير منهما الشرر .. وهو " وكأنه ليس هنا " ... أخيرًا مدّت يدها وأمسكت ذراعه لكي تجبره على الالتفات إليها .... التفتَ أخيرًا لتقابلَهُ بعينيْها المتسعتين تساؤلاً .. وليقول بتلقائية : مع شادن ...
عيناها اللتان ضاقتا بعدم تصديقٍ أرسلت له إحساساً أفاد نعتها إياه بالكاذب ... ليتمكّن صدقُ تعبيرِ عينيها من جعله يشكّ بنفسه إلا قليلاً ..
أخيرًا استلّ هاتِفَهُ وفتح سجل المكالمات بعد أن توقف عن القيادة ... وفعلاً كان اسم " شادن " هو المتربّع على قمة سجل المكالمات ,.. لكن اسمًا آخر لم تعرف كيف رأته عيناها قفز أمام نظراتها وكأنه الوحيد في سجل المكالمات ، ناشرًا دواماتِ قلقٍ في كيانها كله .... مَنْ هي " سلمى " التي كتب سلام كلمة " جامعة " بجانب اسمها ؟
رأى بَرْقَ الترقّبِ في عينيْها ... ليستذكر أن هاتفه معَها وهي تحرّك أصابعها بحريةٍ على شاشته الكبيرة .. أطبقَ جَفنيْه وقد دار الأمر في مخه ... وبخفةٍ سحب هاتِفَه من يدها وبتلعثُمٍ قال : - لمْ تسأليني عن رويد ؟ " ليعود مجدداً إلى القيادة ....
ظلت مطرقة لوهلةٍ قبل أن تستشفَّ من ارتباكِه تحفظه على فتحِ الموضوع الآن .... وبصبرٍ عميمٍ تداركت نفسها وقالت بهدوءٍ : - أين هو ؟
- إنه عند أمي ... ( ردّ وهو يحرّك حاجبيْه نصرًا )
- لكنْ !! ..... رويد يكون مزعجاً ليلاً وسينغّـص نوْم ماما قلورياس .......... ( أكملت بخفوت ) وووو أنا لا أستطيع أن أنام دون أن أراه !
حملق فيها بتطلّبٍ قبل أن يقول برجاء :
- أمي ستسْعَدُ بهِ .. هي ليلة واحدة ! ناي ... لا تفسديها أرجوكِ ..
- لكن ... رو.ي....
قاطعها قبل أنْ تُكمِل.... ليقول بغضبٍ ونزق فارَ في دمائه فجأة كبركان ...
- ناي ..... سأشتم رويد وأبا رويد وأم رويد بالمعيّة بعد قليل !!!!! فقط لو تركّزين جديًا فيما تفعلينه ... تدفعينني لمكان لا أريد الوصول إليه ،.. لست سوى رجلٍ بالنهاية !!
صمتَ طوال الطريق بعدها ، أما هي فظلت كلمته الأخيرة تتردد في مسمعها جيئة وذهابًا ... أحستها وحشًا ضاريًا يتوق لالتهامِ مملكتها .. سلام حبيبها ترى في هاتفه " سلمى جامعة " وبعدها بقليل يُذكّرها بأنه ليس سوى رجلٍ ، ( هل فعلتَها يا سلام ؟ ) وعند هذه النقطة شعرت بروحها تحترقُ ثمّ تضرمُ نارُها مجددًا لتعود وتحترق !
ترجّل من سيارتهِ وصفَق خلفه الباب لتستيقِـظ من هوْل المفاجأة .. حتى إن لم يخُنها بعدُ فهي في خطرٍ حقيقيّ ، ( سلمى وسلام ) جاءها شقها المجنون ليخبرها بأن اسميهما يليقان ببعضهما تمامًا .. ليقرع قلبها طبول الحرب ... ولتقول في عقلها "أنْ حان وقتُ تصحيحِ المسار" .... لن تجعل من نفسها امرأة فاشلة تبكي ضياع زوجها .. حتى إذا ما راجعته بالأمر قال لها بكل قسوة أنها السبب ... وأنّها بنفسها منحته العذرَ !
هرولتْ خلفه مسرعةً ... وقطعت السلالم كفهدٍ يعدو خلف فريسته ... أما هو فكان قد استقلّ المصعد ....
وصلتْ باب البيتِ قبله فوقفتْ تنتظره ... ثوانٍ وشقّ نور المصعد ظلمة العمارة ليشرق وجود سلام بقلبها بنورٍ مماثل ... تجاهلها تمامًا ودخل دون أن يشعل الإنارة ..... دلف غرفة رويد ... خلع حذاءه وفكّ ربطة عنقه .. رمى جاكيت بدلته على الأرض وحلّ أزرار قميصه .... شرُد قليلاً وهو يتطلع إلى الشارع الهادئ ... بطريقة ما شعر بالكآبة تزحف إليه ..... لو يعرف طريقًا يفهّمها فيها أنّ الضغوط من حوله كثيرة ... وأنها الآن باتت إحداها !! كان حانقًا عندما فكّر بالنوم على الأريكة شبه المهجورة المستقرة في غرفة رويد ... فتح النافذة وأزاح الستارة لكي يأنس بضوء القمَر وهو يتسلل إلى الغرفة ........
ربما .. هي طريقةٌ واحدة تلك التي يعرفنها النساء لكي يصالحنَ بها أزواجهنّ .. لكنّها لم تكن مجرد طريقةٍ لناي ... كانت أكثر من ذلك ، عنتْ لها طوق النجاة ... فكرت بأنه ربما سينسى المدعوة سلمى – إن كان يفكر بها – عندما تشعِرُهُ بقربِها كحبيبة .... كحبيبة عاش معها أجمل الليالي وأعذبها ...... ارتدت فستانَاً هجرتْهُ منذ زمن ..... أرخت شعرها لينسدل وراء ظهرها وأحاطتْ عينيها بتلك الهالةِ الارستقراطية التي وضعتها لها المزينة يوم خطبتها ...... سارت حافيةَ القدميْن ... ولم تخجل من قِصَر فستانها .... بجرأةٍ حسدتْ نفسها عليها دلفت غرفة رويد .... الغرفة التي لطالما أشبعَتها ألمًا لفقدها حنان الوالدة وحتى دفء الحبيب الذي أُغدِقت به عاماً كاملاً قبل أن تصبح أمًا ...
انخطفت أنفاسه فور رؤيتها بتلك الطلة الجريئة .... لكنه لن يُفسد الخُطة التي جاءت معه على السليقة ويبدو أنها نجحت تماماً بإظهار ذوبانه وضعفه أمامها .. ولذا ظلّ ساكتًا ..
بدأت تخاف ... فسلام لم يحرك ساكنًا لمجيئها ،. شعرت بكرامتها تـُراق أمامها ... ( يا الله فلتأخذ روح سلمى الآن إن كانت قد خطفت زوجي مني ) تمتمتْ بها بحقدٍ أسود .. ولتخفف من وقع مصابها ظلت تمشي في الغرفة لتستقر أخيرًا أمام النافذة المفتوحة ..........
بدأ الصبرُ ينفد منه ... فها هي ذا تختال أمامه في دعوةٍ صريحة للانقضاض عليها .. لكن وقوفها أمام النافذة المفتوحة ليبدأ شعرها بالتراقص مرةً ذات اليمين ومرة ذات الشمال وجسدها يحتضنُ الهواء القادم عبر النافذة بدا له مشهداً غير عاديّ أبدًا ..
احتمال أن يكون أحدهم ما واقفاً في الشارع وبالتالي ينعم بهذا العرض المسائي أيقظ فيه شيطانه ليقول بغضب أهوج : هييييي أنتِ ، كيف تقفين هكذا أمام النافذة ؟ ابتعدي فورًا ...
شعرت بكلماته الهائجة أياً كانت وهي توجَّه لها انتصارًا ... أدارت وجهها ونظرت إليه قبل أن تقول بمراوغة :
- لن ابتعد إلا إنْ أبعدتَني أنتَ ...
- نااااي .... لا تثيري غضبي فهو مُثارٌ خِلقةً ....
هزّت رأسها رفضًا ليفهم أنها لن تتحرّك ... هذه المجنونة لو تعلم كم يحبها لسبب يجهله ... ليست خارقة جمالٍ ولا أميرة ماس ولا حتى سليلة عائلة شرفاءٍ ... لكن ذلك بعينِه ما يعنيه الحب ....
تقدّم نحوها وأمسك ذراعيها بتملك .. أبعدها بقسوةٍ نحو النقطة الأكثر ظلاماً في الغرفة .. وخطف منها قبلة مجنونة حاكت تمامًا شوقه الكبير ......... ابتعد قليلاً عنها ليتأكد من مشاعرها فوجد في عينيها خير دليل .... وليقول بعدها بصوتٍ ضجَ رجولةً : " أنتِ لي وحدي " ...

---

يتبع ...


priscila ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

كانت تقف في وسط الجناح الخاص بارتباك شديد وهي تنظر إلى كل شيء ولا شيء ، ما التالي أندا ؟! حفل الزفاف وكان بروعة الخيال .. نعم .. ولكن الآن .. ما المطلوب ؟؟ ماذا يفترض بها أن تفعل ؟! ضايقها الصمت وهي تتساءل أين آدم أو ما الذي يفعله في هذه الدقيقة بالذات ؟! رفعت عينيها قليلاً لتفاجأ به يجلس في وضعية نصف استلقاء على السرير الواسع وعيناه مسبلتي الجفنين لكنهما ترسلان شرارات ملتهبة نحوها ، شعرت بالحرارة تندلع في شرايينها خجلاً وخوفاً وارتباكاً و .. ترقباً
همس لها بصوت متحشرج يحمل من المشاعر ما لا قِبَل لها بتفسيره :
- تعالَيْ إلى حبيبِ أندا .. يا حبيبة آدم !
اتسعت عيناها استغراباً ، هل حقاً قال لها تعالَيْ ؟ أهملت كلماته التي أعطتها دفعة من الثقة كي ترفع القفطان الأبيض الذي ارتدته فوق بدلتها البيضاء ساعة خروجها من القاعة ،و لم تلحظ عينا آدم اللتان اكتسحتا ما ظهر من جسدها وكأنه كان يتوق أن ينفرد بها بصورتها البهية التي كانتها في الحفل ، يتوق أن يتأملها بعيداً عن النظرات الفضولية ، أن يلامسها دون موسيقى تصويرية من الشهقات النسائية .. أرادها أن تكون له .. بلا أي مشوشات !
غادر السرير كي يقترب منها فالتفتت إليه بتحفز حالما شعرت باقترابه ، لامس بشرة كتفها المخملية بظاهر يده وهو يهمس لها بعاطفة مكبوتة بينما يقترب منها ببطء مدروس :
- رؤياك متعةٌ للنظر ..
ابتسامةٌ صغيرة ظهرت على شفتيها قبل أن تميل بوجهها حياء منه ، فاقترب منها أكثر لدرجة شعرت معها بأنفاسه الدافئة تلفح عنقها وكتفيها ، حطت أنامله على ذقنها ليرفع وجهها نحوه وهمس أمام شفتيها بصوته الذي بات يحطم حصونها أيًا كانت مناعتها :
- لا تلمني! لم تلمني.؟..........خفق القلب لعين سحرتني
إن تلمني سأغني!............."عين حورا قتلتني"
تأملت عيناها عينيه اللتين كانتا بدورهما تتأملان عينيها ، تلاقت النظرات لتروح في عالم من الخيال ، العواصف التي تبادلاها بلغة العيون ، كانت كفيلة بإصابة كليهما بصعوبة في التنفس ، همس لها هذه المرة وشفتاه تلامس عنقها :
- أنت جميلةٌ يا أندا .. بل خلابة .. وكلما نظرت إليك كلما تهت في سماء حسنك أكثر ... حواء قلبي!
همس كلمته الأخيرة وشفتاه تحط على شفتيها قبل أن تعزفا أرق ألحان الحب ، لكن المشكلة كانت بيديه اللتين اتجهتا إلى سحاب فستانها ، وضعت يدها فوق يده وهي تبتعد قليلاً عنه وهمست :
- آدم !
أظلمت عيناه بالعاطفة من جديد وهو يسمع اسمه من بين شفتيها ، لتقول هي بارتباك وقد بدأت ترتجف :
- أحتاج أن أبدل ملابسي !
ابتسم بهدوء وملامحه تستعيد شيئاً من تعقلها وهو يقول متصنعاً البراءة :
- أنا كنت أعرض خدماتي فقط في مساعدتك .. هذا كل شيء !
بعد نصف ساعة كانت أندلس في الحمام المرافق تتصارع مع نفسها كي تخرج بثوب نومها الملائكي بلونه الأبيض ، أخيراً نظرت إلى نفسها بالمرآة كي تتأكد من زينة وجهها وانتظام شعرها ، قبل أن تفتح الباب وتخرج ،، تفاجأت بالغرفة الفارغة .. لتنتبه بعد قليل إلى باب الشرفة الزجاجي المفتوح ، كانت على وشك أن تقترب منه كي تخبره بوجودها عندما دخل إلى الغرفة على وجه السرعة وهو يقول بانفعال :
- إياك أن تقتربي أكثر ، قد يتمكن البعض من رؤيتك !
ابتسمت وهي تشعر بغيرته اللذيذة عليها كي تقول :
- كنت أريد أن أقول تصبح على خير .. ذلك كل ما في الأمر !
ارتفع حاجبه بمكر وهو يسألها أثناء اقترابه منها :
- هذا كل ما في الأمر ؟؟!! هل تعتقدين كذلك ؟!
تباعدت أندلس وهي تتجه إلى السرير لتقف بجوار أحد جانبيه وترفع الأغطية وهي تقول بتلعثم مستغربة عدم لحاقه بها :
- أنا .. متعبة .. صدقاً .. أشعر ...... أعني .. أنني مرهقة ... وأشعر بالنعاس !
تأملها للحظات بتركيز كي يقول وعيناه عصية الفهم بالنسبة لها :
- حسناً يا أندا .. تصبحين على خير !
شعرت بالحيرة .. لماذا لم يمانع ؟!! لمعت عيناها بخيبة أمل وهي تتخلص من مئزرها بتمرد جعل عيني آدم تجحظ وهو يتفاجأ بقميص نومها ، قبل أن تندس في السرير ،مغطية رأسها بالكامل ، لحظات قليلة مرت ثم سمعت خطواته المكتومة على السجادة الوثيرة وهو يقترب من السرير من جهتها ، رفع الغطاء بحركة فاجأتها وتسببت بصدور شهقة قوية منها ، تأملها بحرية على ضوء الأباجورة الجانبية للسرير ، ولما لاحظ ثغرها المفتوح انشداهاً ، قال بتلقائية :
- افسحي لي .. أنا معتاد على النوم على هذا الجانب من السرير !
ضمت حاجبيها بتركيز شديد وهي تسأله بتشكيك :
- وهل أنت معتاد على النوم في سرير مزدوج !
أومأ لها بالموافقة وهو يعض على شفته السفلى بتسلية ويقول :
- أحتاج مساحة كبيرة للنوم ، ولطالما أحببت الحركة بحرية شديدة ليلاً !
ابتلعت ريقها بتوتر وهي تزحف ببطء نحو الجهة الأخرى من السرير ، قبل أن يستلقي آدم في مكانها ويطفئ ضوء الأباجورة لتغرق الغرفة في الظلام ..
شعرت باضطراب تنفسها للحظات طويلة وهي لا تعرف كيف يمكنها أن تهدّئ من روع قلبها وتوترها بالكامل ، ليصلها صوته عبر الظلام :
- هل حقيبتك جاهزة للسفر غداً ؟!!
احتاجت دقيقة كي تستجمع تركيزها وهي تجيب والدهشة لا تغادرها من تصرفاته :
- نعم!
عاد الصمت يخيم على المكان ، وهي تتساءل ما الذي حدث لاندفاعه وتشوقه ؟! شعرت بالتعب من توترها الذي جعل جسدها مشدوداً كما الوتر ، فاستلقت على ظهرها وهي تحاول أن تسترخي بعض الشيء ، لتفاجأ بيدي آدم تحطان على وسادتها حول وجهها وهو يميل بوجهه نحوها ويهمس :
- هل ارتحت الآن ؟!
وقبل أن تتحرك شفتيها كان يأسرهما بقبلة نارية وأنامله تتحرك بحرية على جسدها فيم تنهيدة استمتاع تفلت من بين أنفاسه!
****
استيقظت على مداعبات رتيبة لذراعها لتسمع همسه الرجولي قرب أذنها تماماً :
- ألهذه الدرجة أرهقتك ؟؟!
شعرت بخجل شديد من إيحاءات كلماته الخبيثة ، دفنت وجهها في صدره القريب منها وهمست :
- كم الساعة ؟!
- بلغت التاسعة قبل دقائق قليلة .. ونحن يجب أن نكون في المطار في تمام الحادية عشرة !
شهقت أندلس وهي ترفع رأسها وتقول باندفاع :
- يا إلهي لقد تأخرت !
عينا آدم كانتا في عالم آخر و كأن التأخير الذي تتكلم عنه لا يعنيه أبداً ، تأملها بجوع وهو يقول :
- كم انتظرت هذه اللحظة !
التفتت نحوه بتساؤل ليكمل :
- تخيلت نفسي وأنا استيقظ صباحاً ليكون وجهك الفتّان أول شيء تقع عليه عيناي .. و رغم روعة خيالاتي إلا أنك في الحقيقة أشد روعة .. مدام حشكي !
عضت شفتيْها ارتباكاً وهي تحيد بنظراتها عنه ، قبل أن تنسحب كي تستعد لرحلة شهر العسل التي بانتظارهما ، لكن قبضته اشتدت على رسغها وهو يسألها بحاجبين مضمومين :
- إلى أين ؟!
- لقد تأخرنا بما فيه الكفاية ، يجب أن نستعد للسفر !
لكن آدم الذي كان ينتظر استيقاظها بفارغ الصبر شدها حتى استلقت على السرير وقال وعيناه تتامل عينيها :
- مازال أمامنا الوقت مدام حشْكي .. !


priscila ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

الفصل الثامن .. تَحَرُّر !
هي شمسٌ واحدةٌ ، تطلُع على كلِّ مَنْ يزفِر الأنفاسَ ... ليستقبلها بعضُنا بالأمل .. ولينامَ بعضنا الآخر عنها خوفاً من اليومِ الوليدِ ... ومِن المعاناةِ الجديدة ، ومِن ومِن ! ....
شادن كانت من النوع الثاني ... ولذا تأخرتْ بالاستيقاظ .. ليس فقط خوفاً بل وتعبًا كذلك ... فليْلةُ البارحةِ قضتها سَاهرة .. كيف ستنام و أوس يشاطِرُها هواءَ المدينةِ نفسهُ ... ظلتْ تُفكِّرُ فيه ... وتذكّرتْ كلماتِهِ التي جعْجَعتْ كثيرًا بِرفضِها لها لتصلَ إلى ... " سأدفع عمري من أجل أن أجعلكِ تقررين العودة ؟ " لتبدأ بالتخمين ... هل توقّع حقًا أنها ستنتظِرُ دفعَهُ عُمُرَهُ قبلَ أن تَعود ، هناكَ شيءٌ ما خاطئ !!! لتَصِلَ إلى مرفأِ تلك الفِكرة .. ألمْ تُخْبِرْهُ عندما هاتَـفَتْهُ آخر مرةٍ أنها عائدةٌ بعد أسبوعين ؟ إذًا لمَ جاء ! ... أخافَ من نَـكْثِها الوعد ؟ هي لمْ تعُـد بعد أسبوعين ولا بعد أربعة أسابيع حتى نظرًا لزفاف أندلس ، كم سيكونُ رائعًا أن تصطدم بعقبةِ ما لا تدري عنها جاءَ من أجلِها وهي مجرّدُ ذريعةٍ ليبرّر إتيانَهُ ، يعني منذ متى وأوس يترك عمَلَه من أجلِ سببٍ بدا لها سطحيًّا من معرفتها به ! ... وفي خضمّ ذاكَ الإعصارِ لا تدري كيف قفزَتْ كلمةُ إحدى الصديقاتِ لمسمَعِها حولَ الشخصيةِ الشكّـاكةِ عندما وجّهتها لها بتوريَةٍ مفضوحَةٍ ... ( أيُّ شيءٍ يا شادن .. إلا الانفصال ، فبما أنني صِرتُ في بيْتِه ورضيتُ به .. فأنا سأظل معَهُ إلى أنْ ينتهي أجلي .... طبعًا ما دُمتُ أحبّه ) استراحت ملءَ نفسِها وقتَها و غضت بالتالي طرفها عن كل مَن قالوا لها أنْ لا حلَّ هناك ، لكنّ أوس مع ذلك ظلّ بالنسبةِ لها لغزًا .. فأحيانًا يكونُ الأروع .. وفي أحيانٍ أخرى يكون قاسيًا متبلّدَ الإحساسِ ليس فقط في تعامُلِهِ معها بَلْ وحتّى في تعامُلِهِ معَ طَلَبَتِه ... تذكرتْ عندما كانت طالبةً في المعهدِ الذي يعمل فيه قبل ستِ سنواتٍ عندما بدأتْ قصّتُهُما بتوجيهه الكلامَ الجارِحَ لها بسبب لدغتِها وتفضيلِها الصّمت ، لا تُنكِرُ أنه لم يقلها أمام الجميعِ .. ولكن حتى لو قالها بينَهُما فعلى أيّ أساس ؟ علاقتُهُما وقتَها لمْ تتجاوَزْ علاقةَ أستاذٍ بتلميذه .. كيف أحبّتْه ؟،.. استيقَظَتْ أخيرًا لتسمعَ جلبةً في المنزل ... ليستْ جلبةَ نور وعليّ وحتى رويد المعتادة .. جلبةً من نوعٍ خاص .. ترى مَنْ لدينا هذا الصباح ؟ ...

--

استيقظَ أوْس على رنينِ هاتِفِه ... ليجد أنّ المتصل هو عمّه مجد ... دعاه للإفطارِ مع العائلة ... فلبّى الدعوةَ برحابةٍ ، الحمد لله أنها جاءت مِنهُ وإلا كان سيُقحِمُ نفسَه في صباح العائلةِ الذي خمّن أنه لن يكون رائقًا بوجود طِفليْهِ المشاكسيْن ... مسّد رقبته وهبّ منتصبًا ليفتحَ نافذة الغُرفَة ليُنْعِشَهُ نسيمُ الربيعِ وهو يتواثَبُ نحوهُ باندفاعٍ ليستَقْبِلَهُ هو بابتسامةٍ ...
لمْ تَطُلْ وَقفةُ تأملهِ للشارع عندما حثّه اشتياقُه لطفليْهِ على الإسراعِ في تجهيزِ نفسِه ليراهُما وأمهما ! ارتدى ثيابَه كيفَما اتّفقْ .. واستقلّ المصعدَ ليصل إلى بهوِ الفُنْدُقِ ... عند صالة الاستقبال طلب من الموظّفَةِ أنْ تستأجِرَ له سيارةً .. ظلَّ ينتَظِرُ وقتًا رآهُ دَهْرًا ثم حَمَل نفسَه وغادر ميمّمًا صوْب بيتِ العائِلة ...
استقبَلَهُ عمّهُ مجد ومِنْ خلفِه الخالة قلورياس استقبالَ الحاتميين ... جلسوا زمناً في صالة الضيوف قبل أنْ تغادِرُ قلورياس متعللةً بأعمالِها المتكدّسة ... ليجلِس الرجلانِ وحدَهُما .. لمْ يخْفَ على أيّ مِنهما ما يرغبانِ بالحديثِ عنه .. فمجد كان يحتاجُ لإجاباتٍ وافيةٍ حول وضع ابنتِه مع زوجِها .. و أوْس احتاج أنْ يحظى بدعمِ عمه مجد لهُ .. خشِيَ أنْ يبدأ هو فظلّ صامتًا إلى أنْ بدأ مجدٌ الحديثَ بثقةٍ وثباتٍ ..
- لِمَ لَمْ تَبَتْ عِندَنا البارحة ؟ ظننتك عائدًا مع شادن .. لكنها عادت وحدها !
أغمض عينيْه لثانيةٍ قبل أنْ يقول بصوتٍ حاول أن يكون واثقًا لكي لا يفضح أيُّ كاذبٍ كبيرٍ هو :
- لقد جئت في مؤتمر يا عمي .. ولذا وجبَ عليّ أن أنام في الفندق كما جميعُ المؤتمِرين .. تعرِف ، ترتيبات ..
بدا فاشلاً جداً في اختلاقه الكذِبة تلك ... لم تكُن ملامحُ وجههِ بذاك الصدقِ ليصدّقه مجد بدوره ! .. لقد بدا له باختصارٍ رجلاً ضعيفاً .. رجلاً معلولًا ... رجلاً مشتاقاً ... أخيرًا حرّك مجد حاجبيهِ متسائلاً بجديةٍ لكي لا يُشعِرَ أوس باكتشافِه كذِبَهُ ....
- ومتى سينتهي المؤتمر .. ؟
إنْ كان قد أحرجَ أوس بسؤالِه الأول .. فقد أحرقه إحراجاً هذه المرة ... ودّ لو يقول له أن لا مؤتمَر هناك ... لكنّ مجد كان فطِنًا .. فاختصرَ المسافةَ وقال بهدوء :
- بنيّ ... أعرِف ابنتي من نظرةٍ واحدةٍ .... فكيفَ لا أعرفُ أنّ شيئًا ما يقضُّ مضجَعَها وهي عندي منذ شهريْن ويزيد ، إنْ كان هناك مشكلةٌ .. أقصِدُ أنني يمكنني أنْ أتدخّل ... لن أقفَ مكتوف اليديْن وأنا أراها تذوي أمام عينيّ ... سأقولها بصراحةٍ ... إنها تحبّك .. والسبب الذي دفعها للمجيء لا بدّ أنه كان قويًا ... لذا يا أوس .. كن صريحًا معي ..،

ماذا سيقول له ؟ هو يخجَل من ذكرِ الأمرِ بينَهُ وبينَ نفسِه ، فكيفَ أمام مجد ؟... إنْ كان من الممكن أنْ يستميل قلب شادن نحوه فذلك لن يكون ممكنًا إن علم عمه بالأمر .. لن يتقبل هُدران كرامةِ ابنتِه وقتَها حتى لو رآها تحترقُ رغبةَ العوْدةِ ... لو كانت نور في مثل هذا الوضع لقطـّع زوجَها إربًا وقطّعها كذلك قبل أن تنبِس بكلمةٍ .، لأنها صبرتْ عليه كل تلك الفترة ...

كان مُطْرِقًا .. لا يقوَ على أنْ يلوكَ كلمةً بل حرفًا في فمِه ... عندما دخلتْ نور مُنْدَفِعَةً نحوه بمنامتها الورديّة وهي تقول كلمة ( بابا ) بإحساسٍ عالٍ وصله من صوتِها المزلزِلِ .. فتحَ ذراعيهِ لها واستـقبَلها بوجهٍ ضحوكٍ ليقبّلها بعدها بحنانٍ كبير .. كم اشتاق صديقتَهُ المشاكسة هذه ... غادَرَ مجد وقدْ عرَفَ طرَف الخيطِ وهذا يكفي مؤقتًا .... المسكينُ أوس ... لمْ يفهَم أنّ عمّه مجد كانَ يُخَمّنُ فقط .. وهو بكلامِه أكّد ما ساوَرَهُ مِن شكوكٍ .... فشادن نَجَحَتْ تمامًا في إخفاء الأمرِ على والدِها نظرًا لالتزامها الصمت في أحيانٍ كثيرة .....

باندفاعٍ تسلقتْ نور حِضنَ أبيها ، أزاحت خصلاتَ شعرِها التي انتشرتْ بعشوائيةٍ حول وجهها وأخذت تحرّك رجليْها كرقّاصِ الساعةِ لتتكلم بعفويّة وهمسٍ وهي تقترب من أذنه لكي لا يسمعها غيره : - البارِحة قلتُ لماما أنني لا أحبها وأنني أريد بابا لأنني أحبه وحده .. ولهذا جاءت بكَ صحيح ؟
التمعَ الغضبُ في عيْنيْهِ فقال لها مؤنبًا بشدة : - نوور !!! كيف تقولين ذلك لأمك .. ؟ إلا إنْ كنتِ لا تحبينها فعلاً ... ألا تحبين ماما يا نور ؟
نور الصغيرة قالَتْها وهي لا تعي حَجْمَها ... لكنّ الطريقة التي أنّبَها فيها والدُها أشعَرَتْها بأنها ارتكبتْ ذنبًا كبيرًا ولذا قالت باندفاعٍ ...
- بلى أنا أحب ماما كثيرًا .. هي تقرأ لي القصص و تأخذني دائمًا في نزهةٍ ... لكنني قلتُ لها ذلك لكي تحضرك فأنا اشتقت إليكَ .. وفعلاً أحضرَتك وأنا أحبها الآن أكثر...
كادَ قلبُهُ يتقطّعُ لشادن .... هذه المرأة الصابرة تتجرّع الأسى كأسًا بعدَ كأس ومِنَ الجميع ... ما الذي يُجبِرُها على احتمالِ كل ذلك .... إنها فقَطْ تواجِه الحياة بروحٍ جسورٍ دون أنْ تُظهِر مللها ممن حولَها ... ومِنْهُ هو شخصيًا .... وجدَ نفسَهُ يقول أخيرًا بعد أن رأى عيني نور ترمقانِه وفيهما عطش كبيرٌ لردّه :
- لكن ذلك يعدّ كذبًا يا نور ... والأطفال الجيدون لا يكذبون أبدًا .... أليس كذلك ؟
- لم أقصد أن أكذب أبدًا .. أنا لا أحبّ الكذابين .. ( عضت شفتها وحَملَقتْ فيه بتساؤلٍ لتردف بما أسماهُ الخيبَة ) وماذا أفعل الآن ؟
ضحك وهو يتأمل رقة ابنتِه ... ليقول لها أمرًا وهو يوشوشها في أذنها لتقفز نور من حضنه وتركض .... وليضحك هو مجددًا على ابنتهِ الشقية !!

---

اصطدمتْ نور بالجسدِ الذي كان واقفًا بالخفيةِ وراء باب الصالة الموارب لكي يتسمّعَ على حديث الأب وابنته .... صدرَت من نور تلك الشهقة الخفيفة .. ولِـتئد شادن بقية ردِّ فعلها حملَتْها وقبلتْها ... تعلّقت نور بها ... وقبّلتها هي الأخرى قبلةَ طويلةَ وقالت : " أنا أحبك ماما .. " وأكملتْ بغباء واسترسالٍ : " بابا قال لي أنْ أقول لكِ أنني أحبك لكي لا أكون كاذبة ، لأنني كذبتُ عندما قلت أنني لا أحبك وأنا أحبكِ فعلاً " ...
- حبيبتي أنتِ التي لا تعرفُ الكذب .. موااه لأميرتي الحُلوة ...
وأرادتْ أنْ تأخذها لكي تبدّل لها منامتها بثيابٍ مناسبةٍ وتغسِل عنها آثار النوم ، عندما جاءت قلورياس وانتشلت الصغيرة منها قائلةً بحنقٍ على تصرفاتها أنّ هناكَ أمورًا أهمّ الآن من تبديل ثياب نور ... أمورٌ عالِقةٌ كما أسمتها ، وأشارتْ بيدِها إلى الصالة ...

رمَتْ إلى الصالةِ طرْفًا فشَعَرتْ بارتعاشةٍ خفيفةٍ تتسللُ إليها ... وكمواراةٍ لإحساسِها الغريب التفتت لأمها وقالت بتردد :
- لكن أمي ... بمنامتي سأدخل ،.. على الأقل أبدل ثيابي ....
- وكأنه لا يحفظكِ ... تعيشين معه منذ سنوات ما الذي سيتغير الآن لو رآكِ هكذا .. ؟
- لكن مامـ.....

وكانت قد وصلت إلى الصالة بعد الدفعةِ الصغيرة التي أخذتها من أمها لترى أنها قد صارت أمامَهُ ... وقفتْ كالخرقاءِ لتتحرّكَ أخيرًا وتجلس على كنبةٍ ما في الغرفة .......

تفاجأ بتعثرها على باب الصالةٍ ليراها أمامه فجأة لكنّه ابتسم ولمْ يقُلْ شيئًا .. في الواقع كان لسانه قد عجز عن الكلام .. لمْ يرها على هذه الحالة منذ زمن ... شكلها النائم تقريباً دَبّ فيه الحنينَ للأيام التي استيقظ فيها ليجد أن وجه شادن هو أول ما يطالعه ... أخيرًا بدأتْ هي القول :
- كيفَ أنتَ ؟ ( سألتْ بنبرةٍ ثابتة )
- لستُ بخيْرٍ أبدًا ! ( قال وركّز على الكلمةِ الأخيرة ) ...
- مؤشرٌ جيّد .... ( قالتْ براحةٍ وربما تعجب )
لمْ يدرِ ما الجيّدُ في الموضوع ... لكنّه ابتلعَ الكلمةَ ولمْ يشأ أنْ يعَقّبَ عليْها .. شعَرَ بِلسانِه يُلْجَمُ فجأةً لكنّه أخيرًا بذلَ جُهدًا لا بأسَ بِه ليقول باستجداءٍ ودون أن يأخذ نفسًا واحدًا ..

- شادِن أنا حقًّا لا أعرف ماذا يقولون في مثل حالتنا هذه ... لكنّ ما أعرِفهُ أنّ عائلتنا جميلة .. جميلةٌ بشكلٍ لا يصدق ... نور وعليّ ... وأنا وأنتِ .، كيف يُمكِنُ لعاقلٍ أنْ يفرّط بعائلةٍ رائعة كهذه ! ... فقطْ فكّري مليًّا .. لا أطلبُ منكِ شيئًا آخر ....
كلامُهُ على هذا المنوال أخذ يثيرُ مللها ... ففي كلّ مرّة يتكلمان فيها مؤخرًا بات يلتزمُ بالتطرّق بل وعدم التكلمِ سوى بموضوعِ الانفصال ..... كم مرّةً لمّحت له أنها عائدة .... إنّه يضغطُ عليها دونَ أن يدري ... ولإنهاء الموضوع قالتْ بنبرةٍ تضُجُّ ضَجَرًا :
- أوْس ... ، أنتَ تُصِرُّ على فكرةِ أنني أريدُ الانفصال ... لقد قلتُها سابقًا اعترفْ ... لكنني تراجعتُ بعدها .. حتى أنني في آخر مرةٍ قلت لك أنني عائدة ، إلا إذا كنتَ تريدُ أن يكونَ لكلامِكَ مفعولٌ عكسيّ فذاك أمرٌ آخر ! ... كل ما في الأمرِ أنني مددتُ موعدَ السفر لكي أحضُرَ حفل زفاف أندلس ...... أيًا كانت خلافاتنا فأنا لن أحرِمَ طفليّ من والدهما ، إنهما يحبانِك بشدة .. أكثر ربما مما يحباني ولذا سأعود من أجلهما فقط ...... فقط ! ... ( تنهّدتْ وهي تهزّ رأسها وقد شعرتْ بالذنبِ لأنها تحثّ طفليها على الصدق بينما هي تكذبُ على والدهِما .. إنها عائدة من أجلها كذلك .. فلا تُنْكِرُ أنّ انتماءها لأوسٍ أصبحَ جزءًا لا يتجزأ أبدًا من انتمائها لنفسها .. أكملت لتشعر بأنها لا تقول جُمَلاً مفيدة ) على أيةِ حال سأذهب قليلاً لأبدّل ثيابي وبصراحةٍ أريد أن أمشط شعري .. لأنه كما ترى ثائرٌ ... ثم سنُفطِر فقد أعدّت أمي طعامًا شهيًا .. كما سمعتُ فقد تمت دعوتك على الإفطار ...

أشعره حديثها بحميميةٍ غريبة .. تتكلم بتلقائية وهذا رائع ... كما أنها قالت دررًا جعلت داخله يغني طربًا ... إنها عائدة حقًا ، ( من أجل طفلينا فقط ؟ ... حتى لو من أجل العفريتِ الأزرق المهم أنكِ عائدة ) وهو سيعرفُ تمامًا كيف يعيد نهر حياته إلى مجراه !

سمِع أخيرًا عبارتها الأخيرة وهمت بعدها بالذهاب ... أمسكَ رُسغَها فشعر بجمودٍ غريبٍ يلفها وقد رمَتْهُ بنظرةٍ ما لم يتبيّن ماهيّتها .. ليقول لا إراديًا : - ابقيْ هكذا ... أحبّ أنْ أراكِ بمنامتِك ... حتى شعركِ هكذا يذكرني بصباحاتٍ جميلة فِقتُ فيها ليكون أول ما أراه !............. ابقيْ هكذا ،

ولمّا لمْ يهتزّ لجمودها شعرةٌ قال مطبِقًا جفنيْهِ هامسًا " شششادن " ... لتتشظى إطراقـتُها أشلاءً وتقول بتعجبٍ :
- غريبْ !! أنتَ غريبْ ، يُعجِبُك شعري هكذا مع أنّ أبي دائمًا وعلى عُمري هذا ينعتني بكومةِ القُطن عندما يراه على هذه الحالة ،.. نادرًا ما يُعجَبُ رجُلٌ بشعرٍ أشعث .. أتعرف ، أحياناً أشعر أنني محظوظةُ لأنكَ زوجي ...!

قاطعها قبلَ أنْ تـُكمِل وهو يضعُ يدًَا على قلبِه وأخرى لوّح بها بثورةٍ لكي تَصْمُتَ ففهِمَتْ أنه لا يقوَ على التزامِ حدودِ المسافةِ التي رسّخها الجفاء بينَهُما .. أخيرًا جاءت سمنتا الخادمة وأخبرَتْهُما أنّ الإفطارَ جاهزٌ ... وَبَعْدها طَلبَ من شادن أنْ تَسمَحَ لهُ بأخذ الطفليْن في نُزهةٍ وأنْ تكونَ هي معهم كذلك ... رغبت بالموافقة .. لكنّها ما رغبتْ بأن تقولها سريعًا لكي يُصِرّ عليها أكثر .. لكنّ أمها التي كانت تشاركهم الجلسة .. أومأت لها برأسها محذرةً إياها من الرفضِ فوافقت .

----

ظلّ يتأمّل استكانةَ ملامِحِها مطوّلاً وهي نائِمة ... ليخرج بنتيجةٍ واحدة .. * يجبُ عليه أن يحمي عائلَتَه * ، ناي تستحقّ أن تعيش بأمانٍ حتى هو .. يستحقُ أن يعيش الحياةَ التي حلُمَ بها مطوّلاً ... ولا يدري من أينَ خرَجَتْ له تِلكَ الفكرة ...

هبّ واقفاً واستلّ هاتفه ... اتصل بها وردّت عليه فقام من السرير رويدًا رويدًا وأخذ يمشي في الممر على رِسلٍ لكي لا يوقِظها ... لكنها كانت قد استيقظت بالفعل مِنْ قبلِ أن يقوم .. سمعت اسم " سلمى " ينفلِتُ مِنْهُ و لا تدري كيف صارت أمام الباب ولا من أين جاءتها القوة لكي تلتزم الصمتَ إلى حينِ إنهائه المكالمة ،

- سلمى ، سأتأخر اليوم قليلاً عن العمَل لذا سأرسِلُ لكِ الآن اسمًا في رسالة نصية ... ومعه المطلوب .. أريده بأسرعِ وقتٍ اليوم ،.. أعتمِدُ عليْكِ ... ظني لا يخيبُ بكِ أبدًا !

أنهى اتصاله وابتسم بدهاءٍ للخطّةِ التي لمْ يستَطِع سوى أن يلومَ نفسَهُ على تأخّرِه في رَسمِها .. رفع وجهه ليرى عينيْن مشتعلتيْن تنظران إليه بغضبٍ جسيم ، لمْ تدرِ لمَ كان ذاك الإحساس الصّعْبُ الذي تملّكها فجأة يراوِدُها عنْ البقيّة الباقيةِ مِنْ عَقلِها ... يقولُ لها أنه سيتأخر في العمل .. يطلُبُ مِنها الإذنَ مثلاً ؟ لا وبكلّ عينٍ قويةٍ يُكملُ ليقول أنّ ظنّهُ لا يخِيبُ بها أبدًا !! .. ولكي تبيّن له عدمَ اكتراثِها قالتْ بسخرية بصوتٍ اخشوشنَ ليحاكي صوته : " سلمى .. اعتمدُ عليكِ .. ظني لا يخيبُ بكِ أبدًا " وأكملتْ بحنقٍ كبير : " يبدو أن ظنك قد خابَ قبلاً بأحدهم سيد سلام ! "

ضحكَ بصوتٍ عالٍ وقد أوصلَ له كلامُها إحساساً مغايرًا تماماً للإحساس الذي أرادت إيصاله إليه ليقترب منها وهو يقول : " سبحان الله .. تريدين أنْ تسجّلي عليّ واحدةً بأيِّ طريقة !! "
" آااااااه هكذا إذن .. ؟ " شهقتْ ثم قالتها بتساؤلٍ ليردّ عليها بالْـتهامةٍ سريعةٍ لمظهرها العام ويُتبع ذلك بغمزةٍ واحدةٍ قال على إثرها بمَكرٍ : " صباحُ الخير " ... نكّسَتْ رأسَها بحرَجٍ وهي تتذكر ارتداءها لهذا الفستان وما جرى بعدَه لتدْخُلَ الغُرفَةَ وهي تقول بممازحةٍ مبطّنة : " سلام ينجح دائمًا في جعل ناي ثائرة ! "

ليردّ هو بدورِه باستمتاعٍ تام " ناي تنجحُ دائمًا في الرقص على دقاتِ قلبِه لسلام " ليسمع ضحكَتَها القصيرة من وراء الجدران ...

دخل بعدها ليجدها واقفةً أمام المرآة تتطلّعُ إليها بعينٍ ثاقبة .... لتقول بصوتٍ خافِتٍ وقلةِ ثقة ،..

- ... هلْ تراني جميلةً ؟
أرادَ أن يجيبها بصفعةٍ تهوي على وجهها نظرًا لغباوة السؤال ... ليقول بعدها بتصميمٍ وهو يحرّك أنامله بين ثنايا شعره :
- دعيني أفكّر ...
وظلّ مُطْرِقًا عن قَصْدٍ لوهلةٍ قبل أن يرى الخيبة وهي تتَّـقد في عينيْها ....
- إذن أنتَ حقاً لا تراني جميلة ... وإلا لما فكّرت في الإجابةِ أصلاً ! ربّما أقُصُّ شعري ... أو أغيّر هندامي كاملاً .. لكنْ وجهي ؟ ماذا أفعَلُ بِوَجـ ...
وقاطَعَها قبلَ أنْ تُكمِل بإشهارِهِ سبّابته لتكفّ عن التفوه بالترهات ،
- أنتِ أجملُ امرأةٍ يا ناي ... قلبًا وقالبًا ، كيف يُمكِنُ لرجلٍ أنْ لا يقول عنكِ أنكِ فاتنة ... أيُّ إجحافٍ ذاك !

ابتسمَتْ وهي ترى الإعجاب يقطِرُ من نظراتِه ، لثوانٍ فقط قبل أنْ تتحوّل ابتسامتُها لتكشيرةِ توجّس ... ببساطة تذكرت مما سمِعَتْهُ قبلاً أنّ الرجال هكذا يفعلون عندما يريدون أنْ يخبئوا على زوجاتهم أمرًا ما ... ليطفو ذاك الاسم على سطحِ ذاكرتها ... مما أفاد بأنّ امرأة واحدة هي التي يعنيها أمرها الآن ... " سلمى جامعة " وأكمَلَتْ من عِندِها " خطَرُ الموْتِ " خاصةً وقد عرفت من كلامه أنها تعمَلُ لديهِ في الشركة ، لتستيْقِظَ على نداء سلام الثالث ربما وهو يدعوها لكي تجهّز نفسها فهما ذاهبانِ لمَنْزِلِ العائلة ليأخذا رويد ويسلما على أوس ثم ربما يذهبانِ إلى منزل والدها لكي يطمَئِنّـا على العم يعرُب ...


---

يتبع ...


priscila ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

كالعادة .. سَبَقَتْهُ إلى الشاطئ ، عَرَفَ ذلك عندما استيقَظَ ليجدها قد غادَرَتْ الغـُرفَة ... رفع بصرَهُ فوجد ورقةً على المنضدة المجاورة للسرير كتبتْ فيها - كما هو واضحٌ - على عجلٍ " آدم الكسول .. أنا أنتظِرُكَ عند الشاطئ ..... لا تغضبْ .. هيا أزِل تقطيبة حاجبيك لأنني خِفتُ منذ الآن ، ... ( التوقيع : أندا حبيبة آدم .. ) "

ابتسم باستمتاعٍ وهو يرى إمضاءَها الصغير ، ( أنتِ عند الشاطئ يا مشاكسة ! ح س ن ًا )... اغتسل وبدّل ثيابَهُ ، فتحَ الباب وهمّ بالسيْرِ قبلَ أنْ يعودَ ليأخذ هاتفه المحمول .... نزل السلالمَ وهو يُبَعْثِرُ سكونَ صباحِ عامِلِ النظافةِ بجلبَة نشاطِه ليبتسم لهُ مصبِّحًا ... ألقى التحيّة على موظف الاستقبال ثم أعطاه مفتاحَ الجناح خاصّته ...

لا يدري لمَ تذكّر صديقَهُ الأثيرَ عندما رأى طفليْن صغيريْن يتناوشان على لعبةٍ واحدة ، اتصل عليْه ... ليأتيهِ صوتُـه مبحوحًا عبر الأثيرِ ، تكلّم معه آدم وسأله عن حالِهِ لكنه لمْ يطمَئِنَ لكُحّتِهِ الحادّة .. قال له أنْ لا جديد .. وأنّه يرتكب مخاطرةً جسيمة باتصاله به وهو في شهرِ العسل ... ليضحك آدم ملء فمه وينهي المكالمة مودّعًا إياه ....

عبر واجهة الفندق الزجاجية نجح طيفها بالتسلل إلى مرمى عينيْه ليتلاشى من حولِه البحرُ على وسعِه والرمال على وِفرَتها ... رآها وحدها وفقط ... كانت تجلسُ على الرمال المجرّدة ، تعبَثُ الأمواجُ على مقرُبَةٍ منها أمّا هي فواضح أنّ شيئًا ما قد نغّص صباحَها من إيماءاتها الغاضبة .. تقدّم نحْوَها وعرَفَ السّبب .... كانت تُمْسِك بيدها أشلاءَ وردةٍ ، تقضي على البقيّة الباقيةِ من بتلاتِها وهي تتمتِم بـ " يحبني ؟ لا يحبني ! " .. خمّن من البتلات المتناثرةِ حولَها أنها ليستِ الوردةَ الأولى ... خرج من تخمينه ذاك ليراها تصل أخيرًا إلى آخر بتلةٍ من الوردة التي لا شكّ أنها كتمتْ نَـفَسَها بقبضتها القويةِ حولَها لتنتزعها بغيظٍ وهي تقول بخيبةٍ " لا يحبني ! " ... قالتْ بعدها بتهديدٍ وكأنما تنتَقِم منها ... " ليس على خاطِرِه .. يحبُّني ومُرغَمًا " ثم أخذت تنتزع سبلاتها بقوةٍ حتى وصلتْ إلى ساقها وقطعتها إرَبًا وهي تهمس بحنقٍ " يحبني ... يحبني .. يحبني "

شهَقَتْ وقد أصبَح أمامَها فجأة ليقولَ بصوتٍ ماكِر " اللهْ ! ما هذه التراجيديا الرائعة ؟ " فعلاً أرعَبَها فقالت بعدها بتلقائية : " يا الله يا آدم .. كم مرّةً قلتُ لكَ انْ لا تَخرُجُ أمامي فجأة .. أنتَ حقًا تُرعِبُني هكذا " ...

جلَسَ بجانِبها ومدّد ساقيْهِ دون أن يردّ عليها ... أخذ يزيح البتلاتِ المبعثرة وقال مشفقًا وهو يضعُ بَعضًا منها في راحَتِه .. ( مُجـرِمة ... ! ) لتَرمِقَهُ بعينٍ كامِلةٍ وتشيحَ بعدها بوجهها عنه .....

ضحِكَ لصَخبِها الخاص في التعبيرِ عن مَشاعِرها .. أمسَكَ يدَها فأدارتْ وجهها ناحيته .. حرّكَتْ رأسَها يمنةً ويسرةً بتساؤلٍ عندما رأت حَمْلَقَتَهُ غير المبررةِ فيها والتي أحرجَتْها في آن ... ليعكّر بعدها بثوانٍ صفوَ سكونِهما بصفوٍ أجمل بقولِه ... ( لو سـألْتِني لأجبتُكِ ولما تكبّدتِ عناءَ زَهْق كلّ ذاك الكمّ من أرواحِ الورودِ تلك .. ) ففهِمَتْ أنه كان موجودًا في مكانٍ ما منذ بدأت ممارسةَ طقسِ غبائِها ذاك لكنّها فضّلَت أخيرًا أن تدّعي عدمَ الفهْمِ لتعود وتحركَ رأسَها تساؤلاً مرةً أخرى بينما أسبلتْ أهدابها بدلال ....عضّ شفّتهُ ونفضَ رأسَه قبل أن يقول بهدوئه الذي بات يوازي عندها البحر في هديره : ( حرامٌ عليْكِ .. ارحميني ) وأشارَ لِقَلبِهِ بينما اكتسى وجهه حُلّة العاطِفة ... شعرتْ بفيضاناتٍ جديدة من المشاعر تتدفّقُ في حشاياها نحوه ... أرخَتْ رأسها على كتِفِه بينما تطلّعَتْ إلى الأفُقِ وتأبطتْ ذِراعَهُ بتلقائيةٍ ... لتقول بعد فترةٍ من الصمتِ دون أنْ تنظُر إليهِ : ( أشعُر أنني لا أنتَمي إلى البحر ! ) وأكمَلَتْ دونَ أن تهتّم لإطراقَتِه ...... ( أنتمي إلى لونِ عيْنيْكَ ... إلى الغابة ! أشعُرُ أنها تُشبِهُك تماماً في كل شيء .. ) وحملَقَتْ أكثرُ فيهِ بِرفعِها رأسِها لتقابِلَها عيناه اللتان ضاقتا عليها لتطالعاها فقط حتى أنها شعرتْ بالكون يتّسع فجأة ليحتوي مقطوراتِ سعادتِها ... أرادَتْ أن تُفَصّل أكثر عندما قاطعها بقولِه الدافئ وهو ينظر تمامًا إلى عينيْها ( إذن أنا أنتمي إلى البحر .... ) وأكمل على نفسِ الوتيرة ... ( إلى لونِ عيْنَيْكِ ) ....... عرفَت بعدَها أنّ دمعةً قدِ انسابَتْ من مُقلَتِها عندما دفَنَت وجهها في صدره لتجد أثرها على قميصِه شاهدًا !

حنانُه أبكاها .. فكلامُهُ كُلُه عَذبٌ تماماً كقلبِه ... إنه بسيطٌ وتلقائيّ .. تخرج منه الكلماتُ شَهداً دونَ تشدّق ، يمكنكَ أن تعرف ذلك من محادثتِهِ الثالثةِ وربما الثانيةِ لشخصٍ أكثرُ منها خبرةً .. إنه حتى لا يستغرِقُ زمنًا ليردّ عليك ....

( أندلُسْ ... لِمَ البُكاءُ الآن ؟ ) فاقت على هذه الكلمة لتجد أنّ بقعَة دموعِها قد اتسعَتْ على قميصه .. رفَعَتْ رأسها وهي تشتعلُ حرَجًا من بلِّ قميصِه دونَ سببٍ حقيقيّ ، لتروي لهُ قِصّةً ما بعد أنِ انقشعت غيمةُ احمرارها " كان يا ما كان .. في قديم الزمان ، سالفِ العصر والأوان .. لحتى كان ... يُحكى أنّ فتاة جميلةً عرَفَتْ طريقًا إلى الله ... كانت عاطِفيةً ، واحتاجتْ في مرحلةٍ ما إلى رفيقٍ .. كان ذلك ممكنًا وبشدّة إلا أنّها عندما ضَعُفَتْ جاءَتها الإشارة ... قال لها أحدٌ ما أنْ لا أكمَل من انتظارِ وقتِ الشيء وأوانِه .. وأنْ لا أجملَ مِن أنْ يكونَ المرءُ تجرُبةً أولى لأحدهم كما هو جميلٌ بالضبطِ أن يكون أحدهم تجربة أولى لك ... قال لها أيضًا أنّ الله لنْ يضيّع صبرَها هباءً .. سيرزقها ولا شكّ بأحنّ رجل .. وأصدقِ رجل ... رجُلٌ يكون مؤمنًا ويخاف الله ... كل ذلك لأنها غالية وستحافظُ على نفسِها بكلّ تأكيد ... أصغَتْ إلى الإشارة وهي الآنَ أسعدُ امرأةٍ في العـــــالـَـم ... "

أنهَت سردَ القِصة .. وأخذَتْ نَفَسًا طويلاً بينما أغمضتْ عينيْها وهي تَشعُر بامتنانٍ حقيقيّ يفيضُ بقلبِها ، لتَشْعُـرَ بعدها بيدٍ حنونٍ تُـغَلّفُ يدها ويقول صاحِبها بعدُ بصوتٍ أجشٍ وعينيْنِ تحكيان الكثير : " وهو أيضًا ........ أسعدُ رَجُلٍ في العالَم "

ضَحِكَ فجأةً بعد أنْ وَجَه طرفًا إلى زوْجٍ يشارِكهما رَملَ الشاطئ ليجدَ عيوناً مفتوحةً على وسعها ترمقهما بشدَهٍ .. ليقول بعدها لأندلس وهو يكاد يقع أرضًا من شدة الضحِك لانبعاجِ ملامحهما بذاك التعبير الغريب : " لا شكّ أنهما يُفَكّران الآن بأنّ حَوَلاً ما قد أصابَهُما ... ولسانُ حالِهما يقول : هل فعلاً هذان المتطرفان يجلسان جِلسة عاطفية ؟ ... أنظري لملامحهما إنها الأكثر ( ازبهلالًا ) على الإطلاق ! "
وبعدها أشار بيدِهِ لهُما ليقول بصوتٍ عالٍ : " هاي قايز ! " .. وباليدِ الأخرى كان يَرْتَكِزُ لينهَضَ عنِ الأرْض .. بينما أشار برأسِه لأندَلُس بمعنى " هيا بنا " ... لتشير له الأخرى بمعنى " لنَبقَ " بعد أن استوعَبتْ ما فَعَلَه زوجُها الذي يكون مجنوناً أحيانًا .،

لمْ يـُجِبْها .. كان قد بدأ فِعلاً بلمّ الحاجيّات القليلة التي جلبتْها ... ليبتَعِدَ قليلاً قبل أنْ تقولَ " آدم " بنداءِ المُتَوَعِّد ،
أخيرًا قال باستعطافٍ وهو يحرك يده فوق معدته .. " جائع يا أندلس " لتهبّ هي الأخرى لحاقًا به .

---

بدا لها مهموماً ... يُفَكـّرُ في أمرٍ ما ، بدا ساهِمًا حتى أنّه لمْ يَشْعُرْ بدخولِها غرفـَتَهُ ... نَشّفَتْ يديْها بمِنْشَفَةٍ كانتْ تحمِلُها ، ونَفَضَتْ عن جلابيّتها آثارَ الطّبخ ، جَلَسَتْ بجانِبِه فخُضَّ بعضَ الشيء لِتمزُّقِ شرودِه في تلكَ اللحظة ، نبِسَ بـ " بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ " ، وقالَ بعد أنْ هدأ لكوْنها أمه " أعطاكِ الله العافية .. "

- وإياكَ يا ليوني الصغير ! ( وقبّلَتْه )
امتعضَ بشدةٍ قبل أنْ تعلو نبرتُهُ ليقول بغضب : " لست ليون أحدِهم ! أنا أسدْ يا أمي ... ولمْ أعُد صغيرًا ... "
لتخفُتَ نبرَتَهُ بتداركٍ ويقول بعدَها معتذِرًا : - آسِف أمي .. لمْ أقصِد !
ظلتْ صامِتَة قبل أنْ ترفعَ وجههُ ليقابِلَ نظراتِها المتسائلة : - ماذا يشغَلُك ؟
ما الذي يشغَلُه ؟؟ أهذا سؤالٌ يوجه إليه بحق الله .... إنها تعرِف أنّ اليوم موعد أولى دروسه الخصوصية مع ندى ... كان يشعُرُ بإحساس الذي سيَركَبُ الموْجَ دون أن يكون قادرًا على مجابهتِه .... كان يعلمُ يقينًا ضعفَهُ ... ولذا كان خائفًا ... أخيرًا قال لأمه :
- لا شيء يا أمي ... أشعرُ فقط أنني تورّطت !
- بمَ ... ؟ ........... آآآآآه تقصِدُ تدريسَ ندى ؟ وما المشكلةُ في ذلك لا أعرِفُكَ ورِعًا ما شاء الله !!! ... عمومًا هي مرةٌ أو اثنتان كما فهِمْتُ من والدتِها فهي تحتاج حلًا لبعض المسائل فقط ...
- أحسن ........ أرَحتِني !
وهبّ واقفًا يمشّطُ شعرَهُ قبلَ أن يسأل والدته عن رأيِها بقَصّةِ شعرِهِ الجديدة ... لتضحك لمّا سألها " ألا أبدو كالأولِ على الصف ؟ " ........
تحوّل بعدها الحديثُ عن آدم ... فأخبَرَتْهُ أنه عائد بصحبةِ زوجَتِه في بحر الأسبوع القادم ... وتمنّتْ لهما مِن كُلِّ قلبها السعادة .

---

ها هُوَ الهُدوءُ يعودُ ولوْ جزئيًا للمنزل بعـد ذهابِ رويد ، كما أنّ أوس أخذَ طفليْهِ و شادن في نُزهَةٍ ،

جلسَ مَجْد على الشرفة ... وأخذ يُفَكّرُ في حالة كلٍّ من أبنائه ... لمْ يكن خائفًا على شادن فهي لو كانت تُريدُ أنْ تَصِلَ إلى مكانٍ ما لوصلتُه منذ شهرين ولَمَا انتظرتْ كل هذه المدة ! هي تتلكأ فقط ... و أوس سيكون غبيًا إنْ لم يفهمْ ذلك ، أما سلام فهو بعد عامين ويزيد من الزواج قادرٌ تماماً على مجابهةِ حياته التي تكون قاسيةً أحيانًا نظرًا لظروف عملِه ، وحتى عائلتُه الصغيرة .. هناكَ خيطٌ مفقودٌ في أحجيَتِها ، لكن ما يطمْئِنُهُ دائمًا أن سفينةَ ابنهِ مع كل ذلك تعبُر من كلِّ مضيقٍ في حياتِه بسلام !

بطريقَةٍ ما كان خائفًا على أندلس .... لمْ يكُن مرتاحًا تمامًا ..... ليس لسوءٍ في آدم ... هو رجُلٌ بكلِّ ما للكلمةِ من معنى .. وهذا بالضبطِ ما أخافه ، ظروف عمَلِه .. وازدياد جراءتِهِ في الحلقات الأخيرة كما تَطَرُّقُه للسياسة دون تورية جعله يخافُ حقًا ، إنه يقول كلِمته دون اعتبارٍ لليدِ الطائلةِ التي يَخِزُها ! أندلُس فتاةٌ رقيقة ولربما كانت القاضيةَ لها إن حصَل له مكروه ... إضافة لذلك التعايش مع وضعِها الجديد لن يكون سَهلاً .. بعيدًا عن الغَرَقِ في العَسَل .. الحياةُ لا تسير كما نتمنى ، حتى إن سارت كما تمنّينا فليسَ كُلُّ ما نتمناهُ يكون رائعًا وتلكَ حقيقةٌ لا يمْكِنُ إعطاءُ الأذن الطرشى لها !

لوّحَتْ قلورياس أمام وجهه بيدِها الحُرّة بينما حمَلَت بيدها الأخرى صينيةٌ وضعت عليها فنجانيْنِ من القهوة ...... تنحنَحَ وهو يَخْرُجُ من بوتقةِ مخاوِفه ... أخَذَ منها فنجانَ قهوَتِه ... وتمتمَ بشُكرِها ،
رآها تلتَزِمُ الصمْت ... فعَرَف أنه ذات السبب ...
- متى كَـلّمْتِهِ آخر مرة ؟
- بعدَ عُرسِ أندَلُس بأسبوعٍ ، إنّهُ يُريدُ أن يجيءَ يا مجد ! وأنا لا أدري حقًا ما أفعَل ! ( قالتْ وهي تتنهدُ بحسرةٍ )
- أهذا سؤال ؟ بالطبعِ دعيهِ يجيء ... النقاطُ ستُضعُ على الحُروفِ عاجلاً أم آجلاً ، كان خطأي منذ البداية ، فأنتِ لم تُخفي شيئًا ... وبما أننا لم نجدْ إليهِ طريقًا فلم أشأ أنْ أقحِمَ أبناءنا بقصةٍ معقدة لن تفيدَهُم في شيء ... أما الآن فلا ،
- لنْ يتقبّلوا الأمرَ بسهولةٍ يا مجد ... سلام خاصةً ! أنا خائفة حقًا من ردّ فِعلِه ..
- إنهُ أخوهُم يا قلورياس ( قاطعها وقال بحدة ليُكمِلَ بتعاطُفٍ وهو يخفف من حدة نبرتِه ) شاءوا أم أبوا ... حتى أنتِ مِنْ حَقّكِ أنْ تريْهِ أمامكِ بعدَ كُلّ تلك المدة ... إلى متى ستظل ساحة الإنترنت هي الوسيلة الوحيدة لتواصلِكُما .... فكّري فيهِ وَحدَهُ للحظة ... لقد ماتَ عنهُ والِدُه ولمْ يَترُكْ له من عائلتِه سوى اسم والدته وصورة قديمة لها... مع ذلك ظلّ يبحَثُ عنكِ إلى أن وجَدَكِ عن طريق الفيس بوك ... ألا يعني لكِ شيئًا كل ذلك !!!

كلامُهُ أراحَها .... لكنّ مخاوِفها كبيرة ... ولذا وجدتْ نفسها تحطّم الآمال التي لم تتوقع أن تلقاها من زوجِها ربما لأنها لمْ تُصدّق تسامُحَهُ غير المبرر .. فمهما كان رائعًا يظل مجد رجلاً شرقيًا !
- مجد ... أنا لا أفهَمُك ... تسامُحُك هذا يشعِرُني بأنّ هناك شيئًا ما غيرُ صحيح ... !
تحامَلَ على نفسِه وقال ما أرادَ عقله قولَهُ لها وبعيدًا تمامًا عن صوتِ قلبه ... كان يعلمُ سرًا أن الأمر سيكون أصعب حتى مما تتخيلُ قلورياس ... لكنّ الحياة التي بدأتْ تسيرُ بهِ وعائلته في منحى آخر لن تتوقف على تلك المسألة ، على الأقل ستسعَدُ قلورياس ولو مؤقتًا برؤية الذي حلُمت مطوّلا برؤيته .. ليس رؤيته فقط بل وحتى التساؤل الذي كان يغمرها أبدًا حوله إن كانَ حيًا أو ميتًا دفعَهُ لدعمِها بكل ما أوتيَ مِن عزمٍ ...... وها هي الحياةُ تفتحُ عليهم جميعًا أبوابًا قد لا تُغلَقُ لزمنٍ هذا إن أغلِقتْ ....

- لمَ ؟ ..... أنا أعرِفُ كل شيء منذ البداية ... سأكون نذلاً إن حمّلتُكِ وزرَ الماضي ، قد يبدو لكِ ذلك مثاليًا لكن الإسلامَ يجبُّ ما قبلَه .... ثمّ أنكِ لمْ تفعلي شيئًا خاطئًا مذ تزوّجنا ! اطمئني ... كل شيء سيسير على ما يُـرام ..

---

- فهِمتي الآن ؟
- نعم ... فهِمتْ ..
إيماءاتُ وَجهها قالتْ لهُ أيّ شيء إلا أنها فهِمَتْ .. لمْ يتمالَك نفسه بعد أنْ عادَ المسألة للمرة الثالثة دون تجاوبٍ منها فقال بنزق :

- أقطع يدي إن فهمتي شيئًا مما قلتُه ! يااا أختي .. هذا هو القانون .. والاشتقاقُ ليسَ صعبًا لتلكَ الدرجة ... عوّضي بالمعطيات وستخرجُ لكِ الإجابة نفسها بالأعشار !!!
وصلتها كلماتهُ كإهانةٍ شخصية ، إيماءاتها لا علاقة لها بفهمِ المسألة ... إنها فقط تشعُرُ بالخَجَل .. لاحظ بعدها امتقاعَها وبالتالي استرجَعَ ما قالَهُ فشعَرَ أنه قد زوّد العيار قليلاً .....

- اعتذرُ يا ندى ....
- واللهِ فهِمْت ومِنَ المرة الأولى .. هاتِ مثالاً وسأحُلُّه لكَ حرفيًا ! ( قالت وهي تتماسكُ لكي لا تنفلتَ دمعةٌ ما )
- هاكِ ورقةَ العمل ... وبعدها تنتهي الحصة ، ( قال وهو يكبِتُ شفقَتَهُ .... )
كانَ يدعو الله سرًا أن تجيبَ إجاباتٍ صحيحة ، فلتنتهي الساعة ويغادِر ...

أقل من نصف ساعة وكانتْ قد أنهَتْ حلَّ الأسئلة ... صحّحَ الأجوبةَ ففوجئ من كمالِها ..... لتقول له أخيرًا بعد أن تنفّست ملامحهُا قليلاً مِنَ الارتياحِ ...
" أستاذ ... أنا واللهِ أفهم ، وأستطيع حلّ المسائل المقررةِ في المنهاج كلِّها وإن واجَهتُ مشكلةً ما أذهب إلى المعلمة ... لكنّ مخاوف أمي التي لا داعي لها تُجبِرُني على أخذ الدروس الخصوصية! .. لذا أرجو أن تُطَمْئِنَها قليلاً لأرتاحَ مِن هذا العبء .. ووو شكرًا على حصة اليوم ... لقد استفدتُ كثيرًا منها "

هل تقومُ بكنْسِه من البيت ؟ ما استشفّه من كلامها أنها أُرغمَتْ على هذه الحصة .. وكأنه هو الذي راح بإرادته !!!! لا وتنعتُها بالعبء ... ثم كيفَ تناديه بالأستاذ ؟؟؟ هذه الفتاة حقًا مجنونة ... هذا ما فكّر به بينما هو ينتظرُ والدتَها ليوصل إليها رسالةَ ابنتها بطريقةٍ ما .


---


priscila ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

دعتِ الله أنْ تجِدَ حالَهُ مُختلِفًا ، أنْ تتجرأ على فتحِ الموضوع معَه مجددًا ... تذكُر لمّا أخبَرَها بمسألة اعتِـزالِه .. يومَها لمْ تَجِد مُبرّرًا ، لكنّه قال لها أنّ مِزاجَ العَزْفِ لمْ يَعُد يَستَحضِِرُه والتزمت هي بتقبّل قرارِه وإن لم تقتنِع بهِ .. رُبّما لأن جوّ السّكينَةِ لا يوائِمُ مَلَكَةَ الإبداعِ خاصته ... هو مُرتاحٌ الآن .. هكذا يقول لها دائمًا ... لكنّها لا تُصدّق ذلك ولو حاولتْ إقناع نفسِها بأنها تصدّقه ...

ترجّلت من السيارةِ وهي تجرُّ رويدًا بعرَبَتِه ، أما سلام فتعلّلَ بعملِه مما أثار حَنْقَها وذهب ، لكنّ ذلك لا يهمّ الآن .. يجبُ أن تلقى والدها بوَجهٍ طَلقٍ ، مشتْ في حديقة المنزِل ولا تدري لمَ أحسّتْ أنها ستَجِدُ والدها مع البستانيّ وهما يشذبان أشجار الزينة التي تملأ المكان .. وفعلاً صدُقَ إحساسُها .. لوّحتْ لهما بسعادةٍ وتقدّمت نحوَهُما بخطواتٍ واسعة ، صبّحتْ عليهما وخصّت والدَها بعناقٍ حارٍ وجدَتْ نفسَها تتوقُ إليه .. انشغلَ عنها قليلاً بمناغاةِ الصغير ورضوخًا لرغبتها جلسا في الحديقة ... تكلما كلامًا عاديًا ، سألها عنْ حالِها وحالِ سلام ... فأجابتْه بالرضا ،، مع ذلك ظلت كلماتٌ ما تتراقص في جوفها مدغدغةً إياه ، لتلحَّ عليها بطريقةٍ غريبةٍ لكي تُخْرِجَها فقالت باندفاع ( بابا ...... ) ، عيارُ شجاعتِها كان قدِ ارتفع لتقول هذه الكلمة وحدَها فسكتتْ بعدَها .. استغربَ يعرُب اندفاعَها ثم تَراجُعَها ، ولذا ردّ عليها مُطمئِنًا ( عيناه ... ماذا هناكْ لمَ سكتّي ؟ ) تلعثَمَت قليلاً ورطَبت حَلقَها بـالعصير ... لتقول بعدها ( لا شيء ... ليسَ مهمًا ) وأردفتْ وكأنما تخاطبُ نفسَها ..
- بلى مهمٌ ... وسأتكلم ! ،،،... بابا ... كنتُ أودُّ أنْ أفتَحَ مَعَكَ موضوعًا ..

وجدَتْ نفسَها تحت مرأى نظراتِ والدِها القلِقَة ... فلا تَدري كيفَ خَرَجَتْ مِنها تِلك الكلِمة بتلكَ الحماسة ( لِمَ لا تَتَزوّج ؟ ) حقيقةً كانتْ تَرغبُ بقوْل الكثير ... لكن ما رغبت به لمْ يتحرر من جوفها .... لتخرج عِوَضًا عنه تلك الكَلِمة ... ولتجدَ أنها متمسّكة بها فجأة لا بل وتدافع عنها أيّما دِفاعٍ ....

- أجل ، لِمَ لا تتزوج ... ؟ أنتَ لستَ عجوزًا ، ما زلتَ في أوائل الخمسينات ... كما أنّك وسيمٌ ولا ينقُصُكَ المال ، لو تعرِفُ مقدارَ قلقي الدائم عليْكَ ، دومًا أجِدُني أتساءل عما تَفْعَلُه .. وأدري أنكَ ما زلتَ مُتَمَسّكا بوِحدَتِك ولكن لِمَ .. عندما أفكر لا أجدُ جوابًا لسلبيّتِك ... أما آن الأوان لتنطَلِق يا أبي .... أنْ تتجاوزَ عتبةَ ذلكَ اليومِ الذي انفصلتَ فيه عن تلك ! أنْ تَتَحرّر من عُقَدِك .. أنْ تجابِهَ الحياةَ بمقدارِ القوة التي تستحقها نفسٌ طيبةٌ كنفسِك ..... ألا تكفي ثمانُ سنواتٍ قضيتَها خارِجَ إطارِ عُمرِكَ الحقيقيّ ؟

كلامُها كانت ملحًا جَلَد موضِعَ الجُرْحِ لكلٍ مِنهُما .. ولذا التزما الصمتَ بعدها .. عندما فضّه يعرُب بصوْتِهِ الغائب ..
- وهلْ يُلدَغُ المؤمنِ من جُحْرٍ مرتيْن ؟
وبجرأةٍ ردّت – يا الله يا أبي ... لمْ أتوقّع أبدًا أن تكونَ جبانًا لتلكَ الدّرجة ... من ناحيَتي لوْ عُدتُ بالعُمرِ عشرينَ عامًا لفعَلتُ ذات الذي فَعَلتُه ولاخترتُ نفس الأبِ ونفسَ الأم ، أتدري لِمَ ؟ ..... لأنّ المِحَنَ التي تمرّ علينا تُعَلّمنا الكثير ... وأنا قطعًا لستُ نادِمةً على كل ما فعلتُه في حياتي!! فذاك الألمُ يجْعَلُكَ منفردًا عن غيرِك ... بالخبرة ، برهافة الحِسّ وحتى بتقديرِ الذي بينَ يديْك ... لن أقولَ أنني أدركتُ ذلك منذ فترة طويلة ... لكنني أدرَكتُه وهذا يكفي ...

أنهتْ كلمَتَها فأرادتْ أنْ تصفّقَ لروعةِ الخطابِ الذي ارتجلَتْه بحكمة .... أما والدُها فكان مستغربًا لكوْن التي تكلمت لتوّها ناي ! لكنّه ومع ذلك لم يستطِع أنْ يتجاوَزَ كلماتِها بتلك الروحِ المستغربةِ فقط ... لقد نجحت تمامًا في إيصال ما تريد إيصاله إليه ..

- ناي .... ومَنْ صوّر لكِ حياتي بذاكَ الكمّ من المعاناة ؟ أنا حقًا سعيدٌ بالمآل الذي وصلتُ إليه .... لديّ حياتي الصغيرةُ التي استمتعُ بكلّ تفاصيلها ... لديّ منزلي الكبير .. بمساحاتِه الواسعة وحديقَتِه التي تشرحُ الصّدرَ .. لديّ ناي وابنُها رويد .......

وقاطعتْهُ ضاحكةً قبل أنْ يُكمِلَ بقولها :- وستظل صغيرةً على فكرة إنْ ضِفْتَ لها فَردًا واحِدًا ..
ضَحِكَ وقال – سأفكر في الأمرِ .. لكنني لا أعِدُكِ ....

وهُنا بدأ رويد نوْبَتَهُ البكائية ..... أبْقَتْهُ مع جدّهِ ودلفت المَنزِل لتـُعِدّ له الحليبَ إذ أنها نسيَتْ أن تضع الماء المغليّ في حقيبته ...

شَعَرَتْ فجأةً بسعادةٍ غريبة وهي تتمشّى في أروَقَةِ المنزل .... كانَ أوّل ما طالَعها ذاك البيانو الأبيض ... لمْ تُصدّقْ أنّ والدَها أخرَجَه حقًا مِن تلكَ الغُرفَةِ المغلَقة المُظلِمَة ... إنه يتعافى .... فلطالما عنى لها البيانو الاستقرار ، كان والدُها يعزِفُ دائمًا لها عندما تكون متضايقة فتستكينُ ... حتى هو كان يعزِفُ لنَفسِه ليحلّق تعاليًا عن كل منغصاتِ حياتِه التي تبدأ بطليقتِه وتنتهي بها ... ولما غادرت حياته ارتاح ببساطةٍ فلم يعُد يحتاجُ للعزف .. هكذا كان يقول لكنها تؤمن أنه عكَس الآية بقوله والحقيقة مغايرةٌ تمامًا....

وصلت المَطبَخ .... فسَعِدَتْ أكثر ، المكانُ يعبَقُ برائحة الجوري .. والِدُها عادَ كما كانَ يحبّ التماعَ المكانِ مِنْ حولِه نظافةً ! تذكّرَتْ فجأةً ذقنه الحليقَـة ... لتشعرَ بأنه عادَ مُجددًا إلى الحياة الحقيقيّة ..... تماماً كما عادتْ هي من ليلة البارحة ... كان سببُ عوْدَتِها واضحًا ، أما هو ....... فتساءلت ... ترى ما سبب زَحْفِ الحياةِ إليْهِ من جديد ... ؟!

---

سمِعَتْ ضجّة تقدِمُ مِنَ الخارجِ ... وتلقائيًا وَجَدَتْ بَعضًا مِنَ الخوْفِ يتسللُ إليها نظرًا لقوّة صوتِ الرَّجُلِ المدوّي في أنحاءِ مكتب السكرتيرة التي أخذت تحاول منعه من الدخول ، لكنّها عندما أحسَتْ بانفتالِ عتلةِ البابِ اكسَتْ ملامِحَها قوة وقسوة معتادتيْن لكي لا تعطي للقادِم كائنًا من كان انطباعًا يفيدُ خوْفها وبالتالي اهتزاز صورَتِها التي أطـّرَتْها بالأنَفَةِ والكبرياءِ يومًا بعد يوم على مدار سنواتٍ طويلة !

توقّعتْ أن يكونَ أيّ أحدٍ سوى الذي رأته فوْرَ انفراجِ الباب .. كانَ رَجُلاً مديد القامةِ ، عظيم البُنية .. وتساءلت أينَ رأتْه مِنْ قَبْل !! يا الله ... ليسَ سلام معلّى ،

نجَحَ سلام بقراءةِ خوفِها عندما نظر إليها .. ليس خوفها فقط ربما مفاجأتها كذلك ... ولمْ يدرِ حقًا سببًا لذلك ... ألأنه رجلُ الأعمالِ المعروف أم لأنّه زوج ابنتِها ؟....
- لمْ أتوقّع أنْ أكونَ مخيفًا بتلكَ الدرجة لامرأةٍ مثلـكِ يا سيدة سناء !

قال بغُرورٍ وعِزّة .... لتستيقِظََ أنَفـَتُها منْ هوْلِ الأمرِ غيرِ المتوقَّعِ فجأةً بعد كَـلِمتِه تلك وتقول بغرورٍ مشابِهٍ هي الأخرى ..
- وأنا لمْ أتوقّع أن يكونَ سليلُ عائلةِ معلّى بِتِلكَ الوقاحَة ... كيف تقتَحِمُ المكان بهذه الهمَجيّة ؟ سأستدعي الأمنَ إنْ لمْ تخرُج حالاً .....
ردّ بسخرية وهوَ يتوقّعُ كلامَها الذي قالتْهُ بالحَرفِ ، بينما أسرى في يديه رعشةً تعمّد إظهارَها ...
- انظري إليّ ، إنني أرتعدُ خوفًا ........

ملامِحُها بالنسبة لسلام كانت قد تبدّلت .. قست ، تحجّرت .. إنها حقًا امرأة من حديد ... هذا ما فكّر بِهِ وهو يستوْعِبُ رتابةَ هيأتِها .. شَعرُها القصيرِ جدًا والمصفـفِ بكلاسيكيّة باردة ، جَسَدُها المصقولُ تحت طقمٍ رسميّ حتى نظارتها المؤطّرةِ بلون شابه لون طقمِها .. كل ذلك أوحى له بأنّ لهذه المرأة روح لا تشبه روحَ معظَمِ النساء ....

أنهى تأملاتِه التي لم تستغرق ثوانِيَ معدودة وهو يتقدّمُ مِنْ مكتَبِها العريضِ ليَرتَكِزَ بيديْه الاثنتينِ على حافّتْه واقتربَ مِنْها بجذعِه ليطالِعَها بسلاحِه السّرّيْ .. نظراتُهُ .. أخيرًا قالَ بحزمٍ كبير وهو يتعمّد جَرْحَها ..

- حسنًا يا سيّدة سناء ... بعيدًا عن مسألةِ الوقاحةِ التي يجبُ أنْ لا تذكريها على لسانِكِ لأنّ الذي بيتهُ مِنْ زجاجٍ عليْه أن يرميَ بحجارتِهِ الناس ...... ما عَلَيْنا ، هما كلِمَتانِ لا ثالثَ لهُما ... ناي لا تذكُريها على لسانِك وكذا رويْد أبدًا أبدًا أبدًا ، أتريْن هذا الرجل ( وأشارَ لِنَفسِه بسبابتِهِ ) واللهِ قدْ يتحوّل وحشًا إنْ مسستي عائلته بكلمةٍ واحدةٍ مجددًا !
واستقامَ هامّاً بالخروجِ منَ المكتَبِ عندما سمِعها تقول بجرأةٍ : - وماذا ستَفْعَلُ يعني .. ؟ أنا لا أخافُ من لعبِ الصغار هذا !!

أعجَبَهُ مصطَلَحُها الغريب " لعِبُ الصغار " فعاد واستدارَ ليقابِلَها بوجهٍ تضمّخَ لؤمًا ليقول بنبرةِ لؤم تناسِبُه ...
- آه حقًا !! .. مِنَ المؤسِف أنكِ ذكّرتِني بلَعِبِ الصغار ...، عموماً ماذا كان اسمُ شركتكِ الصغيرة ؟ تذكّرت ، لا داعي لتذكيري باسمها ............ ( وسكَت وهو يطالِعُها بعينٍ حَمْلَقَت فيها بقمّة الاستهزاءِ وأكمل ) سيدة سناء ( قالها بتشفٍ وهو يرفعُ حاجِبيْه ) ...

وكما دخَلَ بدونِ سابِقِ إنذارٍ خَرَجَ بذاتِ الطريقة .... لتتفاجأ السكرتيرة به وهو يشرّع الباب في وجهها عندما وقَفَتْ خلفَهُ لكي تروي ظمأها لأي تفصيل عن السيدةِ التي تعمل لديها .. منَحَها بملامِحِه بعضَ التساؤل ، ومرّ مِن جانِبِها محدثًا إعصارًا ببابِ مكتبِها الذي صفَقَهُ خلفه بحدّة ... أما بابُ مكتبِ سناء فقد تركه مُـشَرّعًا لتجدَ نفسَها تحتَ مَرأى عينيْ سكرتيرتِها المتطَفّلة ...... لم تقوَ وقتَها سوى على الصراخِ بها بأعلى صوتِها وهي تهدِرُ قائلة :
- هي أنتِ ............ ما الذي تفعلينَه عندَ الباب ؟

---

بدَوَاْ في قمّة السعادة وقد أخذ أوس يؤرجِحُهُما رويدًا لكي لا يقعا ... كانا يُشرقان بابتسامةٍ تنبُع من القَلْب .. وهذا كَفُـلَ بجعل خلاياها كلِّها تطفَحُ بالسعادةِ ... بدا لها عادلاً كفايةً أنْ تموتَ كلَّ يومٍ ألفَ مرةٍ مقابِلَ أن ترى ابتسامةً واحدةً لطفليْها كالتي تراها الآن ! لقدْ بالغت قليلاً ... لنْ يصلَ الأمر للموْتِ ولا لمرةٍ واحدةٍ حتى ، فأوس ليس بهذا السوء !! ... إنّها حقًا مشوّشة .. لِمَ تشعُرُ الآن أنها تحرّرَتْ مِن رسوخِ فكرةِ عدمِ التراجُعِ عن القرارِ الذي تبنّتْهُ منذ فترةٍ حولَ أوس ، لِمَ تجدُ نفسَها قادرةً مجددًا على خوضِ هذا المضمارِ وربما الظفَر به ... ؟!

بتلقائيةٍ كانت تبْتَسِم وهي تراهُ يتقدّمُ نحوَها ... كان ينْفِضُ عن طرفِ بنطالِه رَملاً علِقَ بهِ ... وجّهتْ طرْفًا سريعًا نحو الطفليْن فوجدتهما غارقيْن تماماً في الرملِ بل وفي أشدّ حالات استمتاعِهِما على الإطلاق وهما يلعبان ..... أوس كان قد استقامَ واقترِبَ منها بينما تسلّلْت لشفتيْه ابتسامةُ امتنانٍ ... ليجدَ نَفسَهُ يقول وهو يجلسُ بجانبها ..
- شكرًا يا شادن ... كان يومًا رائعًا بكلِّ المقاييس ...
- على مَ ؟ أنا التي أودّ أن أشكركَ ... ( وأكملتْ بمُزاحٍ ) طبعًا ليسَ على إغراقِهِما بالرملِ واتساخِهِما بالكامل . !

ما زالتْ تتكلمُ وهي تحيدُ ببصرِها عن أيّ شيء ،.. تستخدِمُ يديْها كثيرًا للتعبير ، ملامِحُها التي كانت تماماً معهُ وهي تتكلمُ أشعَرَتْه بأنها تُقَدّرُهُ لاستماعِه لها ، إنها ذات الشادِن التي لفتتْ نظرَهُ مِنْ بينِ جميعِ الطّلَبَةِ قبلَ ستّ سنواتٍ لأسلوبِها المتفرّد في كلّ شيء ... أخيرًا فكّر بأنه الوقتُ المناسبُ تمامًا لإطلاعِها على الأمر ....
- شادِن ، كنت أودُّ أنْ أُخْبِرَكِ شيئًا ....
- تفضّل ( قالتها وهي تهزّ رأسها بمعنى " أنا أسمعُك " بينما تفرّغَتْ للنظرِ إليْه )

تلفّعَتْ عيناهُ بقتامةٍ غريبةٍ استطاعَتْ الإحساسَ بِها فوْرَ التركيزِ في حدَقَتَيْ عينيْه .. شَعَرَتْ بهِ يتعالى عن صعوبةٍ ما ... و أخيرًا بدأ الاعترافَ بهدوءٍ يناسِبُهُ تمامًا ...
- لقدْ ....... طلبتُ من المُديرِ أن أعود للعمَلِ هنا ، والمُديرُ لمْ يعترض .. خاصّة أنني رتّبتُ الأمر مع زميلٍ سينتقل هو للعملِ مكاني ... ( تنهّد وأكمَل بشرود ) بدأت المشاكِل منذ وطأنا أرض ذاك البلدِ الغريب ... ما سأقوله ليس سهلاً أبدًا عليّ وأنتِ تعرفين ذلك أكثر مني ! ... دراسةُ نفسيّاتِ الناسِ والتعامُلِ مع المريضةِ منها يجعَلُكَ أحيانًا تفقِدُ القُدرةَ على التوازن ... تلكَ المُعادلةُ الصعبةُ التي أنجحُ بمهارةٍ في تعليمِها للناس أفشَلُ في تحقيقِها وذلكَ يجعلني أشعر بقمة الفشل ! .... ربما لأنني لم أفهم نفسي كما يجب .... ( سكتَ ثوانٍ ليُردِفَ باندفاعٍ ورُبّما احتياجٍ للطمأنة ) عمومًا لستُ متأكداً من قرار العودةِ إلى هنا .. لكنني أعلمُ أنّ روحَكِ متعلّقةٌ بهواءِ الوطَن ... وبما أنكِ ستكونين سعيدةً هنا فلا شكّ أنكِ ستسعدينني يا شادن ......

نظرَ إليْها فلاحظَ اتساعَ دهشتِها ... ليتحوّل انفعالُها بعدَ ذلكِ إلى قمةِ الفَرَح .... لمْ تُصدّق أنّ أوس قال كلّ ذلك ودفعةً واحدة ! وجدتْ نفسها تُحَمْلِقُ فيه بتركيزٍ شديدٍ قبل أنْ تقول بتأثُّر :
- وهلْ سنعودُ لنسكُنَ في بيتِنا القديم ؟ قل نعم بالله عليك ........ !

حماسُها دبّ فيه حماساً مماثلاً .. ولذا أومأ لها برأسِه بتعبيرٍ إيجابيٍّ ... تكلّمَ كثيراً اليومَ فالتزمَ الصمت بعدَها .... لتتكلّم هي عِوضًا عنه باندفاع وهي تقوم وتحثّهُ بيديْها على فِعْلِ الأمرِ ذاتِه :
- هيا بنا ...... ماذا ننتظِرُ إذن ... يجبُ أنْ نجهّزَهُ سريعًا للانتقال إليه .... قُمْ هيا لمَ أنتَ جالس ؟ ثمّ لقد أطلتُ مدة مكوثي في منزِل العائلة ..... نور ، عليّ .. هيا بنا يا أولاد !

--

* بعدَ شهريْن *


أدارت عجلةَ الموْقِدِ لتطفئ النار عن الطعام .. وتأكدت من كوْنِه شهيًا عندما تذوقتْ الأرزَّ والمَرَق ... دارتْ في البيتْ دورةً سريعةً لتتأكد من كونِه يُشعُ نظافةً .... وقفتْ أمام خزانةِ الملابس لكي تنتقي ثيابًا مناسبةً بينما كانت تقولُ بحنان : " حبيبي آدم ... سيتأخّرُ اليومَ في التصوير .. "

أنهتْ تجهيزَ نفسِها ثم ارتدت طقمَ الصلاةِ وأخذتْ بيدِها حقيبة حاسوبهِا المحمول ... فتَحَت بابَ الشُرفةِ الصغيرةِ فأحسّت بنسمةٍ صيْفيةٍ عليلةٍ تستَقبِلُها ، وتساءَلتْ كمِ الساعةُ الآن ؟ لتجدَ أنها ما زالتِ التاسعة !! هنالِكَ ساعة أو اثنتانِ قبلَ أنْ يعودَ آدم ... وهي ستستَغِلُّها أبشَع استغلالٍ ....

أطلّتْ عليها شاشة الفيس بوك المألوفة ... وتلقائيًا وجدت أصابعَها تتحركَ فوق لوحةِ المفاتيحِ لتطبَعَ اسم " آدم – حشكي لَمين ؟ "

ضحِكَتْ للعبارةِ التي كانَ قدْ تََرَكَها منذ خمسِ ساعاتٍ ، عندما راهَنتْهُ على أنّه لن يضعَها صباحاً ، متجاهِلةً آخِر تحديثٍ في الصفحةِ ...

( تعلَمُ أنّك قدْ وقعتَ في الحُبِّ عندما ترى الكون في عينيْها ... وعينيها الكوْنَ كُـلّهُ ! ، بينَ قلبيْن ♥ إلى واحدة ♥ )

دغدَغَتْها بعضُ التعليقاتِ التي كانتْ تحسُدُها على حظِّها الوافِرِ لأنها حظيت بآدم ! .. لتقولَ تلقائيًا برجاء : اللهم احفظْهُ لي من عيونِ الناس !

أخيرًا ارتفعَتْ بفأرة الحاسوب إلى قمةِ الصفحة .... لتعِقَدَ حاجِبيْها غير مُصَدّقة للخبرِ المنشور ...

( ترقّبوا الحلقة القادمة مِن حشكي لمين برفقة الجميلة سيما بيارجان ...... )

أخذتْ رموشها ترِفُّ وهي تحاول أنْ تُكَذب عينيْها ... الأمر كان يتعدى مسألة الغيرةِ بالنسبةِ لها ، فقد تعايَشَتْ معَ الوضع خلال الشهرين المنصرمين ... لكن أنْ يتّخِذَ قرارًا مِن هذا النوعِ دون أنْ يستشيرَها فتلكَ مسألةٌ عصيةُ على التحملِ !!

لمْ تدرِ كيف مر الوقتُ وهي ساهِمَةٌ تماماً في السماءِ المُظلِمَةِ .. فاقتْ على صوتِ احتكاكِ المفتاح بفرزةِ الباب .... وتلقائيًا وجدتْ نفسَها تُضْرِبُ عن ردِّ السلام ..... آدم الذي اقتربَ مِنْها ليُقَبّلها فوجئ بمُرورِها من أمامِهِ وكأنّه غيرُ موْجود .... رآها تتوجّه نحو الثلاجة ... تُخْرِجُ قارورةَ ماءٍ مِنْها ... ثم تعودُ لتُرجِعَها وتُخرجُ بدلاً منها مكعبًا مِن الثلج !

أرادَ أن يصرُخَ بأعلى صوْتِهِ لكي يلزمها بتفسيرٍ حتى ولو كانَ أحمقاً لما تفعَلُه .... ها هي ذا تضَعُ مكعبَ الثلجِ في فمها .. وصوْتُ كسحِه بين أسنانِها يصلُه بوضوحٍ ... أخيرًا انفجر فيها وهو يقول : ( هل من الممكِنِ أنْ أفهم ؟ .. ) بينما أشار لفمها بيدِه ..... توقّعَ أيّ شيءٍ إلا ردّها : ( أكظُمُ غيظي ... )
ومجددًا كانتْ تمرُ من جانِبِه دونَ أنْ تُعيرَهُ انتباهاً ... جُنَّ جُنونُه ، فمنذُ ساعاتٍ فقط كان كلُّ شيءٍ على ما يرام عندما كلّمها في استراحةِ الغداء !!

دَخَلَتْ غرفتهما ... وهي تحاوِلُ أن تستعيدَ جُزءًا من صفائها الذهنيّ ... وفضّـلتْ لو تتحاشى آدم الآن لأنها عندما تكون غاضِبَةٌ قد تفعلُ ما تندَمُ عليْه .... أخيرًا انتشلَها صوتُ وقعِ خـُطاهُ المدوي على الأرض مِنْ محاولتِها الهدوءَ .. خافَتْ فعليًا وهي تسمَعُ صوتَ اقترابِه يهزُّها لكنّها أخيرًا تحلّتْ ببعضِ القوةِ التي كانت كفيلةً بالنسبةِ لها لتقدِرَ على مُواجَهَتِه ، وفكرتْ أخيرًا بأنّ عليها أنْ تنتَصِرَ دون أن تشعِرَه بذلك وظلت تردد سرًا " تكلمي بعقلانية " .... آدم الذي ظلّ واقفًا بدوْرِه ينتَظِرُ مِنها توضيحًا فضّلَ أنْ ينفِّسَ قليلاً مِنْ حنقِه في وجهها لكي لا يموتَ واقفاً الآن من تراكم الضغوطات عليه ...

- اسمعي .. صدقًا لا ينقُصُني أبدًا دلالُكِ هذا ... إن كان هُناكِ مُشكِلةٌ ما فمعكِ خمس دقائق لتقوليها وإلا فلا داعي لهذه السيناريوهات !!!

دلال وسيناريوهات ؟؟؟؟ عن أيِّ دلالٍ يتحدّث ..... كلمتُهُ التي قالها نَجَحَت تمامًا في إغضابِها أكثر ... ولذا ردّت بُصراخٍ :

- دلال ؟؟؟ تسمّي الخبرَ الذي قرأتُه لتوّي في صفحتِكَ دلالاً ... ( وأكمَلَتْ بسخرية ) " ترقبوا الحلقة القادِمَة من برنامج حشكي لَمين .. برفقة الجميلة سيما بيارجان " يا أخي فقط أخبر رِجلَ الكُرسي الذي ينتَظِرُك في المنزِل ، ما كُنتُ لأمانِع على فكرة !!

وجهُهُ الذي تجهّمَ أوْضحَ لها مِقدارَ صدْمتِهِ مِما سمِعَهُ .. لكنّها حقيقةً لم تدرِ ما الذي صدَمَهُ في كُلِّ ما قالتْه ... ودون أنْ يردَّ ولو بكلِمةٍ واحدةٍ كان يخرُجُ مِنْ البيتِ صافِقًا خَلْفَه البابَ كإعصارٍ مدمّر .. لتتساءل أندلس وهي تتطلّع إلى البابِ غيرَ مُصَدِّقةٍ ذهابَهُ بينما قفزتْ الدموعُ إلى عيْنيْها ... تُرى هلْ ستكون الليلة الأولى التي ستنام فيها بمفردها ؟

يَتْبَع < ولكن في الفصل القادم


priscila ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

الفصل التاسع ... إني اخترتُكَ يا وَطني !
تَحْبِكُ لها الذكرى ألفُ قصيدةِ " أحبُّكِ " ، ومع ذلك تسمحُ لجملةٍ واحدةٍ قرأتْها بأنْ تنقُضَ غزلَها أنكاثاً !!
( نَقْضُ الغَزْلِ ) ..... هذا ما أحستْ أنها فعلَتْهُ بفوضوية تفاعُلِها مع الحدَث ، كيْفَ لا وهي التي ضيّعتْ صبرَها خلال الفترةِ الماضية على أسباب مختلفةٍ هباءً بانفلاتتِها الأولى والتي تود لو تقسِمُ أنها ستكون الأخيرة .. ماذا تَفْعَل ؟ إنها المرةُ الأولى التي ينصرِفُ فيها آدم من المنزِِل غضبًا منها !! أحقًا هو غاضب ؟ ولكنْ لمَ ؟ هوَ منْ أعطاها مساحةً ما ، كان مِنَ الصعبِ عليْها أنْ تضيقَ عليْها فجأة .. لقد كان يستشيرها في كلِّ شيء .. وفي النهاية تجدُ خبرًا كهذا منشور على صفحتِه .. لتكون آخر من يعلم ..... ومع ذلك لو أنها تروّت .. ولو أنهُ قالَ كلمةً واحدةً فقط قبلَ أنْ يخرُج .. كلمةً ما تسرّي نفسَها بها إلى أنْ يعود .... ربما قالَ " أعتذر " .. لا لا ، لِمَ يعتذر هي التي أخطأت ، هي التي أقحَمَتْ نفسَها في معمعةِ ذاكَ المشهَدِ السخيفِ دون استئذان أو حتى طرقِ الباب المناسب !... لوْ صرَخَ بها ، كأن يقول مثلاً " كفاكِ حُمقاً " ... أيُّ شيء ،

ها هيَ ذا .. يأخُذُ فكرَها الندمُ إلى أقاصي الدنيا ، تجوب على بساطِه الأفقَ ، لتعودَ مجددًا إلى تلكَ البقعةِ المُقفِرة حيثُ أرعَبَها اختفاءُ ظلهِ المفاجئِ خلفَ عتمة البابِ الخشبيّ ... حيث انسحَبَ بصمتٍ من المشهَدِ !

يمرُّ الوقتُ دونَ أنْ تسمَعَ احتكاكَ مفتاحِهِ بفرزةِ الباب .. يمرُّ الوقتُ وهي تعضُّ أناملَ الخوْفِ طمعاً في انتصارٍ على وِحدتِها الآن !

( لا يا آدم ... لستَ قاسيًا .. لنْ تتركني وحيدةً أكامِدُ هذا الليلَ الطويلَ ... ولوْ ، أنتَ العاقِل )

اتكأت على حائِطٍ ما .. وتلفعتْ عيناها بغشاوةِ الدمْعِ لتشعرَ بقمةِ الوَهَن .. بينما أرختْ على خيبَتِها ستارَ الوجع وهي تهمِس أخيرًا بتبتّلٍ ( يا رب ... تعرِفُ أنني أحبّه ! ) .

---

أتعرفُ ذاك الإحساس ؟ ....... عندما تنكبُّ عليكَ شُهُبُ الأفكار .. لِنَقل عندما يصطلح الجميعُ على أنكَ قد " جاءك الوحي " ، كيف تسترسِلُ وقتَها بشرحِ قضيّتِك! ، هبْ أنكَ كاتِبٌ مثلاً ... كتبتَ قصتكَ الأجمل في مصادفةٍ محضة ... وعندما أردتَ أنْ تُنْهِيَها بحدثٍ التمعَ ألَقُهُ فجأة في ذهنك ويختلفُ تمامًا عن الذي رسَمْتَهُ لها أثناءَ كتابتها نفدَ الحِبرُ مِن قلمِك!! ...

" التمزّق " هذا ما تشعُرُ به وأنتَ تحاوِل كَنْسَ بياضِ الورقةِ بقتامةِ الأزرقِِ عبثاً .. يطولُ بكَ الزمن فتحدثُ شقًا في الورقةِ وأنتَ تحاولُ دَرّ الحبر بعد أن نفد ... تنتَكِسُ حالتُك .. فتنسىْ وأنتَ تُكافِحُ لكتابة النهايةِ النهايةَ التي رسمتَها ... تزهَدُ كل النهاياتِ في عينيْكَ فجأة وأنتَ تتخيلُ قصتَكَ التي لا يليقُ بكمالِها سوى تلكَ النهايةَ " المنسيّة "، لتُلقي بما كتبتَهُ في أقربِ سلةِ مهملات ،

يبدو لكَ ذلكَ غيرُ منطقيّ لكنّه ما يحدث بالضبطِ مع كثيرٍ منا ... ولذا تشعُرُ داخليًا أنكَ وفي كل مرة تهمُّ بها بقراءة قصةٍ ما بأنَكَ على أعتابِ قراءةِ القصةِ الأجمل ، يتضح لكَ ذلك من مقدمتِها ربما .. لكنك عندما تنهيها تشعرُ بأنها ليست هي .... ربما لأنّ كاتِبَها نسيَ كتابةَ نهايَتِها التي التمعتْ فجأةً في ذهنه ولمْ يكُن شجاعًا بما يكفي ليلقيها وراء ظهره ....

آدم ... شعرَ بكلِّ تلكَ الأحاسيسِ تختَلِجُهُ فورَ سماعِهِ كلامَ أندلس ، كلامها الذي نزل عليهِ كالصاعقة ... ليدرك أنّ المديرَ أخذَ يلعبُ بورقةٍ أخرى ، ورقةً لا تناسبُ الأوضاعَ المشحونة أبدًا .... آدم كانَ بتمسّكِهِ بالمبدأ كمن جاءَهُ الوحيُ ... فقدّم بالتالي تلك الحلقاتِ التي تحدّثت عن " مبدأ " الوطنِ بأسلوبٍ جريء جلبتْ له -و خاصة المعنوَنةَ بـ " إني اخترتكَ يا وطني "- شهرةً مضاعفة ... لكنّ ذلك ترافَقَ مع نفادِ الحِبرِ والذي تلخّصَ بانقلابِ السيدِ رامي عليْهِ بعد أنْ جاءتْهُ تهديداتٌ ما من طرفٍ ثالثٍ ،

يظنّ السيدُ رامي إذن أنّ إحداثَ شِقٍّ في الورقةِ يتمثّلُ بـ قـَلبِ " موود " البرنامجِ بحلقةِ يقدّمُها والزميلة سيما بيارجان قد تجدي نفعاً ... ولذا تساءل وهو يخرجُ مِنْ البيتِ بعدَ أنْ وصلَ إلى سماءِ غضبِه السابعة .. هل يعرفُ السيد رامي أنّ خلقَ نهايةٍ ما غير المرسومة لإرضاء أحدِ الأطرافِ سيجعَلُ مَن يتابِعُ البرنامجَ يقول عندما ينهي الحلقة القادِمة بأنه ليس هو ،.... والسبب أنّ مؤدّيه " تناسى " ولمْ ينسَ النهاية الألِقة !

لنْ يسمَحَ بذلكَ أبدًا .. وإلا فإنه سيكون شجاعاً وسيرمي ببقيّةِ مجدهِ المُقَدّرِ له –ربما- في أقربِ سلةِ مُهملاتٍ ! إلا " المبدأ " ... هو خطّهُ الأحمرُ الذي لا تجاوزَ عنهُ ..

فوْرةُ غضبِهِ توافَقَتْ مع كمِّ الضغوطاتِ التي انسكبتْ على كاهِليْه لتولّد انفجارًا عظيمًا دخلَ على إثرهِ مكتبَ المُديرِ بثورةٍ مُستَمِرة ليقولَ باندفاعٍ ما ساوَرَهُ مُنذُ زمنٍ ....
- كُنْ شجاعًا سيد رامي .... لا تكُن جبانًا ... !!!!!!!!!!!!!

جمودُ السيدِ رامي وهيْبَتُه طغتْ لوَهلةٍ على ثورَتَه ... ففكّرَ فيها بأنّ لكلِّ مقامٍ مقالٍ وأن السيدَ رامي .. يبقى السيد رامي ... خفّتْ وتيرة حدّتِه هذه المرة وقد حكَمَ أخيرًا على أعصابِهِ المنفلتَةِ بالعودةِ إلى عُقالِ الرشد ... وعلى إثر ذلك قال بتروٍ :
- لا تخف .. لمَ أنتَ خائف !؟.... معكَ الرأيُ العامُّ برمته ، أنتَ عندما تقولُ الحقَّ ينبغي أنْ لا تخاف ... همْ من يجبُ عليهِم أنْ يخافوا .. وهم خافوا فعلاً ولذا استعرضوا قوتهُمْ أمامكَ بطريقةٍ مبتذلة .... صدقني .. ليسَ بمقدورِهِم فعلُ أيِّ شيء ... همْ يخسَرونَ الآن آخر جولاتِهِم ومصيرُهُم إلى زوال !

إيماءاتُ السيدِ رامي نجحَتْ بجعلِ آدم يطمئنُ قليلاً ... فهو يعلمُ جيدًا أنّ السيدَ ليسَ ممن يبحثون صِرفًا عن المال ... كلامُه المتّزِنُ بعدها أيقظَ آدم إلى حقيقةٍ ماثلة .....

- بُنيّ ... هناكَ فرقٌ بينَ الخوفِ والحِرص ، لديكَ عائِلَةٌ الآن ، والأمرُ لا يشبه أبدًا " يوميات عاشقٍ شرقي " .. ولا يتعلّق بإفراغِ ما في جُعبَتِكَ فقط ... أو في تقديم ما تشعُرُ به تجاه وَطنِك دون مواراة وإنْ كان أسلوبكَ هزليًا .. ! صدّقْني .. ما فعلتُهُ يصبُّ في مصلحَتِكَ قبل الشركة .. وإنْ كان على إعلان الحلقةِ دونَ إخبارِكَ فلأنني أعلمُ أنكَ لنْ تسمحَ لي بذلك إنْ شاوَرْتُك وربما انتهى الأمر بتغييرِكَ كلمة السر الخاصة بصفحةِ البرنامج على الفيس بوك وحتى بإلغائِكَ لمعاونك على الصفحة من إدارتها .... ويا سيدي أعتذر عن ذلك .... لا أدري كيفَ سمَحتُ لكَ بعرضِ الحلقة ... " إني اخترتكَ يا وطني " ؟؟؟ ... العنوانُ وحدَهُ دون مشاهدة " الدواهي " التي تندرِجُ تحته كفيلٌ بتربص العيونِ بك وبنا !!

كلامُهُ كان منطِقيًا جداً ... جدًا جدًا ، خاصةً عندما ذكر " عائلتَه " ليلوحَ طيفُ أندلس أمام ناظريْه .. هل تهوّر فعليًا ؟ أواقعٌ هو بينْ جحيميْن .... جحيمُ ما قد يفعَلُهُ هؤلاء إنْ استمرّ .. وجحيم الخَرَسِ ؟........ لكنْ ما الفرق ... كِلاهُما جحيم !!

" المبدأ ... المبدأ " ، كلمةٌ ظلتْ تنعكِسُ على مرايا أفكارِه مِنْ خلالِ ذِكْرِ السيدِ رامي لـجملةِ " إني اخترتُكَ يا وطني " ليتذكر أنه كان يعلمُ كلّ ذلك منذ قرّر أن يعتزِل الصمتَ حيالَ ملفاتِ الفسادِ التي تكدّستْ بها محاكِمُ البلد .. وبأنّه عندما يُفتـِّـحُ أعينَ الناسِ على حقائق كثيرةٍ إنما ينقذُ بذلك وطنَهُ على قدْرِ استطاعته ... قد يبدو ذلك صغيرًا في أعينِ الناس وليس مستحقًا للمخاطرة ، ولكنه بدا لآدم العالم كله بما فيه ، ردّ بعزمٍ أكيد ...
- أعرِفُ ذلك منذ حرَفْتُ مسار البرنامج ، وإن كان العنوان الماضي قد أزعجكَ وقضّ مضجعهم إلى ذلك الحد فاعلمْ أنني ربما أعنْوِن الحلقة القادمة بـ " فليتنكر لي زمني " والتي لن أقدمها بالطبعِ مع سيما ، فلتكُنْ حلقتنا الأخيرة إنْ كنتَ متأكدًا مِن موقِفِك ، وأنا سأجِدُ لي عملاً آخر ... وبذلك تنقذُ مؤسستكَ من لسانِها الوقِح ، والذي باتَ يجلبُ لكَ المشاكِل مؤخرًا ، لا أقول إلا يا حيْف !! يا حيْف على رجلٍ مثلك يا سيد رامي ........ !!

ودونَ انتظارِ الردِّ كان يولّي خارجًا ، بعدَ أن أفرغ ما في جعبَتِه .. ربما لأنّه كان يحتاجُ لأحدٍ ما يحثُّهُ على التمسكِ بمبدئه لا أنْ يخيفَهُ مما هو آتٍ ، وبالطبع ربُّ عمَلِه لن يحقق له مبتغاهُ بخوْفِه أو حِرصه كما قال ....

---

تناوَلَ هاتِفَهُ الذكيَّ وبعدَ عدة نقراتٍ على شاشتِهِ كان قدْ أتمّ مسحَ الخبرِ عنِ الصفحة ... ( مِنْ غيرِ المنطقيِّ أنْ تسيرَ ضدّ التيار .. ثم تتوقعُ أنْ يكون " التيارُ " معك ! ) كلمةٌ ولجتْ كالسهمِ إلى رأسِه ليتذكّر معها صاحِبها .... صديقُه الذي انقطعتْ أخباره منذ شهرٍ تقريبًا .. زفرَ بضيقٍ ، كل شيءٍ أصبحَ مُعقّدًا ! ولا أحدَ لديْهِ يـُظهِر ضعفهُ أمامه ... المديرُ وقف في مكانٍ ما مِنَ الحدث ، صديقُه غاب عنِ المشهد برمته .... وأمه تحتاجُ مَنْ يُطمئنُها ... أما أندلس فهو لمْ يُقحِمها بعدُ في المسألة .... ربما قريبًا ..

فتَحَ البابَ لِيَجِدَ المكانَ مُظلِماً ، لسببٍ ما أحبّ العتمةَ فلم يشأ تبديدَها ولذا كان يمشي وهو يتحسسُ أثرًا ما في الظلام ... أخيرًا اصطدَمَ بما يبحثُ عنه وتلقائيًا كانَ ينحني بجسدِهِ ليوقِظَها مِنْ النومِ بتربيتاتٍ خفيفةٍ أبتْ إلا أن تضعْضِعَها بتخَبُّطِها ... تخبُّطٌ لمْ يدمْ لثوانٍ أتبعتْهُ بشهقةِ غزالٍ وليدٍ .... ( آدم ؟؟ ) شعورٌ هزيلٌ بالحاجةِ كاد يُبْكيهِ وهو يرى طريقتَها في لفظ اسمِه بكل ذاك الضعْف ليستَشفّ مِنْ نبرتِها أنها كانتْ تبكي ... ( قلبُه ... ) ... قالَ بحنانٍ وهو يحاوِل طمأنَتَها ...

- خِلْتكَ لنْ تعود ............ آسِفة ......
قالتْ بتهدّجٍ وهي تُطالِعهُ بنظراتٍ واءمَها وصفُ " المرتعبة " ، ليردَّ عليْها بنبرةٍ متسائلة مطمئنة ....
- ولِمَ لا أعود ، أصلاً لمَ تتأسفين ؟ ..
- ولِمَ ذهبتَ إذن ؟ ( سألتْ بدهشةٍ .... )
" آهٍ يا أندلُس ....... فقطْ لوْ تعلمين .. أين أنا ، وأينَ أنتِ !!!! " ردّ عليها وهو يتنهّدُ :
- مسألة عالقة ، تتعلقُ بالعمل ........... صحيح ، في ما يتعلّق بالحلقة ،.. أُلغِيَتْ !

" أُلغِيَتْ " كلمة جاءتها كالمُخلّص ... لتشعرَ أنها عيدُ الميلادِ وهو يتجسّد بكلٍّ هداياهُ أمامها ، ذاك الشعورُ الذي ينتابها حيالُه ليس بيدِها ... كما ليس بيدِها بالضبطِ أن تحبّه بهذه الطريقة .....

- أنتَ لستَ غاضبًا مما فعلتُهُ ... صحيح .... ؟
سألتْ بلهفة .... وربما تعلّقٍ بأمل ليجيبها بتقليدٍ تامٍ لنبرتِها ( وَمِمّ أغضب ؟ ... )
- آدم !!!!!!!
- على فكرة ... لمْ يكُنْ لي عِلمٌ بالأمر ، هناكَ مدير آخر للصفحة .. وهو الذي وضع الخبر .... وببساطةٍ أزلتُه لأنه عارٍ عن الصحة ...
قال بأريحيّة لتتفاجأ وهي تُخَمّنُ مِقدار السخف الذي أمطرَتْ نفسها به ... ليُكمِلَ بتسلية :
- يا ذكاء !! أستشيرُكِ بالقميص الذي سأرتديه ... ألن أستشيرَكِ بأمرٍ هامٍ كهذا !! وصدقًا لو أنني فعلتُها أستحقُّ الذبْحَ ليسَ فقط ما فعلتِه ..

ضَحِكَ بخفةٍ وهو يتخيّل انبعاجَ ملامِحِها لكلامِه .. وضحكَ وهو يخمّن انبعاجَ ملامِحها رفضًا لضحِكِه ...

توجه نحو قابِسِ الكهرباءِ ليشعل الإنارة ... وأكملَ طريقَهُ في استجابةٍ لنداءاتِ معدتِهِ الخاوية نحو المطبَخ وصوتُهُ يأتيها من خلفِهِ ليُعلنَ لها عنْ جوعِه .... قامتْ وهي تُعَدّلُ ملابِسَها وتوجهتْ إليه حيث كانَ يسترِقُ لقيْماتٍ من القِدرِ الصغيرةِ مباشرةً وبتأنيبٍ كانتْ تسحَبُ المِلْعقَةَ مِنْ يدِه وتديرُ ظهرَهُ ناحيةَ البابِ بينما قالتْ بحزمٍ :
- بدّل ثيابَك بينما أسخّن الطّعام ...

بضجَرٍ كانَ يستَجيبُ لما قالتـْه .. عادَ بعدَها إلى المطبخِ فوجدَها تنهي تجهيزَ المائدةِ الصغيرة ... تناوَلا الطعامَ ثمّ تشاركا معاً لمَّها ، شَعَرَ بأنه يحتاج أنْ يكونَ قريبًا مِنها أكثر ، أن يخْتَزِنَ في مُخيّلَتِه كثيرًا مِنْها ... كانَ قَلِقًا وفقط .... !

- ماذا لدينا هذا المساء .. ؟
بتساؤلٍ قال آدم ... لتردَّ عليْهِ بهدوءٍ ...
- لدينا النوْم ... تجاوزت الثانية عشرة ولديك عملٌ صباحًا ... كما أنكَ لم تنمْ جيدًا البارحة .. ظللتَ تتقلبُ في الفراش ..
شعرَ بخيْبةِ أمل ... خيبةُ أملٍ لم يستسلمْ لها ، صحيحٌ أنهُ مُتعَب ... و جدًا يحتاجُ إلى النومِ ، لكنه فكّـر أخيرًا بجدوى جسِّ نبضِها ، فرأيُها سيشَكّلُ ربما طبيعةَ المرحلةِ القادمة ... إنه ليسَ لنفسِه ببساطة ..

- لا أرغبُ بالنومِ ، ( وأكملَ وهو يمسِّدُ جبهتَهُ بيدٍ واحدةٍ ) ما رأيكِ في فيلمٍ مثلاً ؟
الحماس الذي اكتسى وجهها أسرى فيه حماسًا مماثلاً ، صفّقتْ بفوْرةٍ ثم أومَأتْ لهُ برأسِها كنايةً عن موافَقَتِها .. لكنّ التوجُّس سرعان ما تمرّد على حماسِها فقالت استجابةً لذلك ..
- لنْ تضحَكَ عليّ .. وينتهي بنا الأمر كالعادةِ ونحنُ نتابِعُ نشرةَ الأخبارِ ... صحيح !
- لا ... سينتهي بنا الأمر ونحنُ نتابِعُ فيلمًا يا آنسة .... أ ، أقصد يا مدام ..

ضحكتْ ضحكة قصيرة ليتوجه آدم نحوَ الغرفةِ التي استقر فيها التلفاز ويبدأ رحلة التقليب بحثًا عن فيلمٍ مناسب ... تبعتْهُ بعدَ قليلٍ بكأسينِ من الشاي وكميةٍ وافرةٍ من الفوشار .. جلسَتْ بجانِبِه على الأرض .. كان لا يزال يبحثُ .. إلى أن أطلّت عليْه شارةُ بداية فيلم " الحب الحقيقيّ " صفّقَ حماسًا ... أمّا هي فاندهشتْ لتفاعُلِه.. أخيرًا قالت باستغراب :
- .. لمْ أتوقّع أنْ تكونَ مِن أنصارِ هذا النوعِ من الأفلام .. !
- لستُ مِن أنصارِهم ، لي معَهُ ذكريات .. شاهدتُه أثناءَ سفري في السينما مـ .. ع ....
وَسَكَتَ فجأة بعد أنْ تغضنتْ ملامحه بصدمةٍ راوَدَتْهُ عن كلماته !

شيءٌ ما في داخِلِـها بدأ يُنْبِتُ غصةً ... فخلال الشهرين الماضيين كان لآدم بعض الوقفات التي لا تستطيعُ تفسيرَها بل تخاف أنْ تُفَسّرها وتخاف أيضًا أنْ تسأله عنها لسببٍ ما ... شرُد قليلاً ثم عادَ وهو يجلي صوتَهُ قائلاً بخفوتٍ ... ( سيُعْجِبُكِ )

شعرتْ بشيءٍ ما يتغلغَلُ فيها ... شيءٌ ملأ داخِلها بشيءٍ أخذ يرتـَفِع مِن أخمصِ قدميْها حتى شعرت به يسدُّ رئتيها ... شيءٌ موغِلٌ في الإبهام لا قِبَلَ لها بتفسيرِه ...!

ابتسمتْ بمجاهدةٍ بينما رَمَقتْه بنظرةٍ أرسلتْ لهُ بحثَها عن الاطمئنان ... ظلا صامتيْن مدةً لا بأسَ بها وكلُّ مُرسِلٌ طَرْفَهُ نحو التلفاز .. أخيرًا قفزَتْ كلمةٌ إلى فمهِ بقوةٍ غريبةٍ ....



- أحبُكِ ....


--

يتبع ...


priscila ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

- أحبُكِ ....

قالَها بكلِّ وضوحٍ وصراحةٍ ، قالَها بصدقٍ .. صدقٌ بدّد إحساسَها بذاك الشيء ... صدقٌ جعلَها تطمئنُ إلى جانبه –كما دائمًا- بشكلٍ عصيٍّ على التفسير ،..... صحيحٌ أنّها تشعرُ أحيانًا بالضياع .. لكنها سرعان ما تتذكر أنه آدم ، الذي لنْ يخذلها ، وهذا يكفي ...

- أتسمحُ لي ؟
سألتْ وهي تستقيم بجذعِها .. لتتبدّل ملامِحُهُ معلنةً عنْ تساؤلِه ...
- أسمحُ بِماذا ؟

سأل بحيرةٍ لتجيبَه وقد رَقّ صوْتُها بقمةِ القوة ..... ( باحتضانِك .. ) واحتضنَتْهُ بِالفِعل ... أغمَضَتْ عينيْها بحـثًا عن رِواءٍ مِنه .. لسببٍ ما أحستْ بأنّهُ مُسافر ، بعيدًا عن الحلقةِ المفقودةِ التي تشُعرُ بها .. هناكَ جزئيّاتٌ كثيرةٌ لمْ تجرؤ بَعدُ على مناقشتها معه .... كيف تقنِعُهُ بشيء هي ليستْ مقتنعةً به أصلاً .... يا الله ... تشعُر بأنها مختـلةٌ ( مشاعِـريًا ) معه فقط تشعُر بالاشتياق والسعادة والاطمئنان والترقب والخوف والضياع وكلِّ شيء .. كيف يمكن أنْ يخْتـَزِلَ قربهُ كل تلك المشاعِر فيها ....

- أحبُّكِ ...

ردّدَها مُجدّدًا مِرارًا بشغـف وهي لا تزال تحتضِنُه ... لتَفلِتَ مِنها شهقةُ بكاءٍ أتْبَعَتْها بـ " أثقُ فيك .. " وشهقةٌ أخرى قالت معها بتهدّج " أنا خائفة " ... ابتَعَدَ قليلاً ، نَظَر إلى وجهها فوَجد في ملامِحها كل تصديقٍ لما قالتْه ...

لوْ أنّه يستطيع المكابرة ... أنْ يمضي متغافِلاً عنْ حقيقةِ أن هناك ما ينغّصُ حياتَهما ليس فقط الماضي ، بل وحتى عمله والكثير ... يؤلمُهُ أنها تعرِف لنقل تشعُـر .. وأنّ كلاهُما غير قادرٍ على التطرقِ للموضوع صراحة ... نظرةُ أنها تَحْفَظُهُ التي تـُطِلُّ منْ عينيْها الآن تجعَلُه يشعُـر بعُريّ أفكارِهِ تمامًا أمامها .. وهذا يقتُلُه .. فهو لمْ يعتَدْ قبلاً على أن يكون مكشوفًا لتلك الدرجة !

- ظننتُكِ تثقينَ فيّ لدرجة لا تشعرين معها بالخوْفِ ...

قالَها وهو يعي أنّ كلامَهُ محضُ فارغٍ .. فأي عاقلٍ كان ليرتاب ، نظرَتْ إليْهِ فقرأ عظيمَ الحيرةِ في عينيْها ..، رأى انفراج شفتيْها في محاولةٍ للبدء .. لتعود وتطبِقُهما بقسوةٍ ثم تعاودُ الكرّة ...... لمَحَ وميضَ القـُدرة في عينيْها فعَرَفَ أنها اللحظةُ التي ستبدأ فيها ... حيثُ نقطةُ اللا رجوعِ !

- أثِقُ فيكَ لدرجةٍ تُشعِرُني بالخوْف ... الخوْفُ المُجرَّدُ يا آدم ، مِنْ كُلِّ شيء .. لدرجةِ أنني عندما أحسستْ بأنني أريدُ أنْ أفَهم قلتُ لكل التساؤلات التي في خاطري موتي .. فهوَ لنْ يخذلكِ ، وفكرةُ أنكَ قد تفعَلُ عندما أفكرُ بشطحاتِكَ القليلةِ الغريبةِ تلك ، تفتك بي أشد الفتكِ !

كلمةُ ( شطحاتِكَ ) نجَحَتْ بسَنِّ مِعوَلِ الذكريات .. ليعودَ به الزمنُ إلى ذلك اليومِ الكئيب حيث قطراتُ الدمِ تتأرجَحُ على واجهة سيارتِه وهي لا تزال طازَجَة لمْ يُجَفّفها صقيعُ البَرْدِ ..، تلكَ النُّقطَةُ في الماضي لو أنّها ما شوّهتْ صفحَته .. لو أنّ حُلْوَ حاضِرِه طمسَها ... أوْ أنها أخذَتْ معها روحَهُ فلم يشعُر بقبْحِ الإحساسِ بالذنب ... ذنبُ أنه ما استطاعَ أن يُسرِعَ ليتفادى القدَرَ .. عندما خانتْهُ قدماه عنْ ضغط الدواسة المناسبة .. وذنبٌ أكبرٌ لأنه يشعر بالخيانةِ الآن كلما نـظَرَ لعينيْ حبيبتِه ليُدرِك مجددًا كمْ كانَ موجِعًا تناسيهِ الماضي في الفترةِ التي قابَلها فيها مجددًا بعد عاميْن ، لكنّه فعلاً وفي لحظةٍ ما نسيَ كلَّ شيء ، وبعدَها بقليلٍ كان يحاول رتقَ فَتْقٍ قديمٍ .. ومع ذلك يشعر الآن بأنه كانَ غبيًا عندما قال لها بوضوحٍ أنه لنْ يسمحَ لأحدٍ بالاضطلاع على أسراره ! لو أنها تشبّثتْ بحقّها في المعرفة ولو أنها أخذت كلامه على محملِ الجد .. ولو أنها ولو أنها !

جَلَبَةٌ نهوضِها المفاجئ وهي تهرَعُ خارجةً مِنَ الغُرفةِ نجحتْ بإخراجه من زوبَعَة " لو " التي تلَبّستْه فجأة .. ليُغْمِضَ عينيْهِ وهو يُفَكِّرُ بأنَّ الوقتَ ليسَ مُواتِيًا الآن سوى لإصلاحِ ما يمكن إصلاحُه ... فكلامُها أوْضَحَ له أنهـا بدأت تشعُر بشيءٍ ما منذ زمن ....

قامَ مُسرِعاً وهو يستَرْجِعُ قيامَها المفاجئ عندما شرُدَ مِنْهُ شرودُه ... وجدها ترتَكِزُ على حافةِ الحوْضِ وبيدِها مِنْشَفةٌ صغيرة .. بدا له أنها متوعّـكة فشَعَر ببعضِ القلق ..
- لمْ أمُتْ ! تنْظُرُ إليّ وكأنّ الروحَ قدْ غادرتني ...

سمِعَها تقولُ بتهرُّبٍ ليُدْرِكَ أنّ نظراتِهِ حملتْ كمًا مِن الجمودِ أخافَها ...
- يا الله .... النومُ على البلاط مجددًا .. كمْ مرّة قلتُ لكِ أنْ تكفي عن هذا الحُمْقِ .. ! ( قال بتسلُّطٍ )
- أ .. أنتَ السبب ، عندما غادرتَ جلستُ أنتظِرُكَ ثم غَفَوْت .. ( ردتْ بلعثمة .. )
- ... إذن عندما قلتي لدينا النوم لمْ تقوليها رأفةً بالعبدِ الفقيرِ إلى الله ... قلتِها لأنكِ أنتِ التي ترغبُ بالنوم !
- أبدًا ليس كذلك ... !
- هيا هيا .. إلى النوْم ( قال وهوَ يُحَرِّكُ يده ليُـنهِ النقاشَ )
- وَحِّدِ الله !!! لمْ أصدّق أننا فكَكْنا العُقدة وتكلمنا أخيرًا كراشديْن ...

... حسنًا ، هل تفكِّر في مشاركته الهموم ؟ لا مــانِـعَ أبَدًا !

قف للحظة ... تمهّل يا آدم .. هلّا فهمتَ نفسَكَ ؟ متى فكّرْتَ في أنْ تكون متفانيًا لتلك الدرجة ؟ لو أنكَ وضعتَ احتمالاً واحداً لكشْفِ المستورِ لكشفتَهُ قبل الآن ... ليسَ مِنْ حقك أنْ تُدمِّرَ حياتَها وهي في طوْر التشكُّل بحقيقةٍ ربما لن تغيّر شيئًا معرِفتُها سوى أنها ستجلبُ المشاكِل ...علاوةً على ذلك لديكَ العمل ، والأمر الخاصُّ الذي أطلعكَ عليْهِ مجْد لكي يضمَنَ وقوفَ أندلس في صفِّ والدتِها ... حتى إنْ رغبتَ بالبوْحِ لترتاحَ مِما يُثقِلُ كاهليْكَ .. حتمًا ليسَ الآن الوقتُ المناسب ...

- بِمَ تُفَكّر !! لِمَ أنتَ ساهِم .. ؟

نَفَضَ رأسَهُ ليزيحَ عنهُ كلَّ شيء وفكَّر بأن الحاضِرَ أمامه .. وبما أنه بدأ بتناسيِ تلك العُقدةِ فهو سيكمِلُ ما بدأه .. لمْ يعلمْ أحدٌ بالأمرِ من قبل .. وبما أن القصةَ انتهتْ فلا داعي ليعلم أحدٌ بها الآن ،. مِنْ ناحيةٍ أخرى .. عُقَدُ الحاضِرِ أوْلى بالفكفكةِ وأدْعى للمجابهة ....

تنهّدَ وهو يبتَسِمُ لها في حُـنُوٍ .. غرسَ أنامِلَهُ في ثنايا شعرِها وسمَحَ لها بأن تعانِقَ خُيوطَ الشمسِ التي استرسلتْ إلى منتصف ظهرها بينما هي تتلكأ رفضًا لعناقها الخشن ...

- شَعري يا رجل ! ليسَ بهذه الثورةِ ...

ضحكَ مِن صميم قلبِه وهو يسمع تشبيهها أنامِلَهُ وهي تعبثُ بكل شعرةٍ من شعراتِها بالثورة ! رفعَ حاجبيْهِ مُستَنْكِرًا بتنَدُّرٍ وقال أخيرًا بمزاح :
- أشفقتُ عليهِ فقد كانَ يعيشُ جوًا مِنَ الرتابة لا يليقُ به ... وبما أنكِ ذكرتِ الثورةَ فأنا أحبه وهو ثائرٌ يحاكي صاحِبَتَهُ ...

لوَتْ فمَها بينما ضربتْ كفًا بكفٍ وهي تقول باندفاع ..
- يا حسرة !! إنْ كنتُ أنا ثائرة .. فماذا تسمّي الفتيات الثائرات بحقٍّ ، إنْ كانت ثورتي صفرًا فثورتهنّ واحِدٌ بجانبي .. وعلى جميع الأصعدة ما شاء الله !!

ظنّتْ أنها ستُضحِكُه .. أو ربما سخِرَ مِنْ تبرمها الواضح ... إلا أنها بحالٍ من الأحوالِ لم تتوقـع وجومَهُ ذاك .. لوّحَتْ أمامَ وجهه بيدٍ لكي تنتشِلَهُ مِنْ حالتِه ... لتجدَ أنه كان أسرع مِنْها في اقتناصِهِ يدِها .. أمسكها بقوةٍ غيرِ موجعة .. حمْلَقَتْ قليلاً بقبضتِهِ الملتفةِ حولَ رُسْغـِها ولسببٍ ما كسَتْها الحمرة، رفعتْ عينيها بقليلٍ مِنَ الخجل ... خجَلٌ تزايد وهي تستوْعِبُ الكلماتِ مِنْ حركاتِ شفتيْهِ قبلَ أنْ تصل لأذنيْها ....

- حسنًا يا فتاتي ... حوارُنا أصبحَ مُمِلاً ، لمَ لا نلعبُ أدوارًا تناسِبُنا ... ( إهداء لعذراء الجليد )
- أيُّ أدوارٍ .... ؟

تساؤلها غيرُ البريء جعلَ عينيه تجولانِ على محياها قسَمةً قسَمة ... ليكتفي بـ " امممممم " وقِحة كإجابة عليْه ...
- آدم !!!
- لستُ آدم ....

تذكّرتْ عندما قالـَها لها قبلاً .. كيف أكمَلَها .. لتطبقَ جفنيْها و تـردّدها بهمسٍ مسموع ( حبيبُ أندا )
- آااه .. قلبي الصغيرُ لا يتحمّـل !

وأشارَ لقَلبِهِ في حركةٍ مفتَعَلةٍ .. بينما غامت عيناهُ " بسَهْوَكـَةٍ " ...

- أنتَ حتى آدم كثيرةٌ عليْكَ .. لأنكَ لا تعرِف كيف تكفّ عن السخرية ! سأذهبُ لأتابِعَ الفيلم .. يا آدم " حافْ " ..
وشدتْ على كلِمةِ ( حاف ) وهي تديرُ ظهرها ليعودَ ويُمسكها مجدداً وهو يقول بتساؤلٍ عابث ...
- تقصِدينَ " الحب الحقيقيّ " ؟ ...

أجابته بهزةٍ عنيفةٍ لرأسِها ليردف بذات النبرة :
- وهذا ما سنفعَـلُه ......،

وقبلَ أنْ يسمع ردّها كان يُرَتّل بقُـربِ أذنِها ...

لماذا نسائل هذاالطريق .. لأي مصير ، يسير بنا ؟
و من أين لملم أقدامنا ؟
فحسبي، و حسبك أنا نسير... .. معا، للأبد..

... توقّفَ قليلاً ... وغَمَزَها ليكمِلَ بهمسٍ ...
( حبيبان نحن، إلى أن ينام القمر )

---

قَرْعُ الهاتِفِ المجنون أيقَظَها مِنْ غمرةِ النومِ ... تَلمّستْ إليْهِ طريقًا على المنضدة المجاورة للسرير ولمْ تُفْلِحْ سوى بالضغط على زر الرفض ... عادتْ لتنام ، لكنّ هاتِفها سرعان ما تمرّد مجددًا وأخذ يصيح ... ردّت بلا وعي على المتصل :
- نعم ...
قالتها بصوتٍ متراخٍ نتيجة للنوم ... ليأتيها صوتُهُ الشديد موقظًا ...
- هكذا يردُّ الناس !! ............. ( وعندما لم يأتِهِ أيُّ رد صاحَ بغضب ) هااي أنتِ أينَ ذهبتِ .،؟

- بابا واللهِ أنا نائمة ... فقط انتظر لحظة ، ( وتمَطّتْ ثم فركتْ عينيْها لكي تستيقظ ) ... كمِ الساعةُ الآن ؟
- إنها العاشرة .. العاشِِرة ، تنامينَ إلى العاشِرة !! ... مِنَ المؤكّدِ أن آدم غادَر دونَ إفطارٍ بسببكِ ....

أغمضتْ عينيْها وهي تبْتلع بهدلته الصباحيّة .. قبل أنْ تفتحَهُما لـتبدد مزاعِمَ والدِها عندما وجدتْ آدم لا يزال نائمًا بجانبها .. تبسّمتْ بعد أن أنهتْ تثاؤبها وهي تقولُ له بهدوء ...
- بابا ... صباحُ الخير ، ماذا هناك ؟ أقصِدُ أنني سعدتُ باتصالك .. لكنك أبدًا لا تتصل عادةً في هذا الوقتِ .. خيرًا إن شاء الله.

كانتْ قد ضربتْ على الوَتَر ... وعلى إثر ذلك تنحنَحَ قليلاً قبلَ أنْ يردَّ بصوتِهِ الوقور :
- كل خيرٍ بإذن الله ... فقط كنتُ أرغَبُ باجتماعٍ عائلةِ معلى .. غدًا مساءً بمشيئة الله ... السابعة تمامًا يا أندلس ....
رغبتُهُ باجتماع العائلة ، تحديد الوقت " تمامًا " كما قال .. ونبرتُهُ قبلَ ذلك ، كله مجتمعًا نجحَ بوخزها .. بصوتٍ متوجّسٍ ردت :
- هل هناكَ ما يقلق ؟ صحتك ووالدتي .. أكل شيء على ما يرام !
بطمأنةٍ رد : لا تخافِي كل شيءٍ على ما يرام .. فقط تعاليْ غدًا كما قلتُ لكِ ... أنتِ وآدم بالطبع ،

ودّعَتْهُ وقلبُها لا يزال يخفِقُ متوجّسًا فكلامُهُ لمْ ينجَحْ بطمأنَتِها ولوْ شعرة ً !

يدٌ عابِثة نجحتْ بانتشالِها مِنْ إطراقَتِها عندما مرّت على وجنتِها مسرعةً دون رِفقٍ لتنتَفِضَ كالممسوس ... حمْلَقَتْ فيهِ بعينٍ كاملةٍ لثوانٍ وشفتاها مزمومتانِ بتعبيرٍ حانق ... حانقٍ بمزاح ، قبلَ أنْ تسمَعَ تصبيحَتَه " قليلة الأدب " ..
- أتدري كم الساعة .. ؟
- إنها العاشرة .. العاشِِرة ، تنامينَ إلى العاشِرة !! ( وقلّد نبرةَ والدِها الموبخة تمامًا .. )

- بسم الله الرحمن الرحيم ، قل أعوذ برب الفلق !! كيف سمعتَ كلام والدي ؟
- أنتِ عندما تستيقظين لا تعرفين شرقًا مِنْ غربٍ ، كنتِ قد ضغطتْ زرَّ " السبيكر " دونَ أنْ تشعري ...

ضحكتْ وهي تستذكر تخبّط أناملها على أزرار الهاتف .. لكن ضحكتها لم تلبث أن اختفت .. ليحلّ محلها الحيرة ....

- ليسَ مِنْ عادتنا أن نأخذ موعدًا إنْ رغبنا بزيارةِ بيت العائلة ... حتى همْ إنْ أرادوا اجتماعنا كانوا ليأمرونا بزيارتهم فورًا ... دون تحديد الساعة !! أشعر بأن هناكَ أمرًا ما ... قلبي ينبُض بطريقةٍ لا تبشر بالخيـْر ...

- دعكِ مِنْ هذه المخاوف .. لا أرى أنّ هناكَ داعٍ لها ، غدًا يذوب الثلج .. ويظهر المَرْج ..

طمأنَتـْها كلماته القليلة ... ليسَ كثيرًا لكنها نجحتْ بتوجيهِ الحوار ناحيته ...
- تأخرتَ كثيرًا عنِ العمل ...

أطبقَ جفنيهِ وسمح لـ " أوف " واحدة بالانفلات من بين شفتيْه ... غرزَ أنامِلَهُ في شعره بكسَلٍ قبل أنْ يقول :
- لا عمَلَ اليوم .... لديّ الكثيرُ لأنهيه ...
- كثيرٌ لتنهيه ؟؟؟؟
- أجل ،، عملٌ مِنْ نوعٍ آخر ....

واعتدَلَ وهو يفكر بإزاحةِ حِمْلِ " يوميات عاشقٍ شرقيّ " عنْ كاهله .. ليحسم أمره أنْ حان موعِدُ اليوميةِ الأخيرة ... فالوَضعُ الراهِنُ لا يسمَحُ بالمتابعة .. كما أنّ مِنَ الصعبِ عليْهِ أنْ يستمرَ ... لأسبابٍ عديدة منها أن حياتَـهُ " مِنْ بابِ الغيرة " ليستْ مشاعـًا الآن ، فَقَبْلُ كان عِشقُهُ محضَ أمنية .. تحدّثَ عنْها كما يتحدّثُ الطفلُ عنْ رغبتِهِ في أنْ يُصبِحَ رائد فضاءٍ ربما .. وربّما كان مجرّدَ بوابةٍ وصلَ مِنْ خِلالِها لشريحةٍ واسِعَةٍ – بعض الشيءِ – ليعّرفهم بنفسِهِ كشرقيّ ويحقق مآربـَه التي وُجِدت يومياته لأجلها ،.... أما الآن وقدْ أخذَ كلُ شيءٍ منحى آخر فالأمر يختلفُ كليًا ..


--


priscila ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

تناوَلَتْ مِنديلاً فرَكَتْ به يديْها لتخفّـف - ولوْ قليلاً – مِنْ عشوائية الألوان المُلطّخَةِ لهما في مُحاوَلَةٍ للردِ على الهاتِف الذي يرَنّ الآن للمرةِ الثالثة ..
فكرتْ أخيرًا بجدوى إمساكِه بكتِـفِها لتأخذه عن المنضدة المجاورة بينما هي ترسل قبلةً للّوحةِ التي تحتاجُ للمساتٍ أخيرةٍ كي تكون مُكتَمِلةً تعبيرًا عنْ فخْرِها بها بينما هي تهمّ بالردِّ على المتصل ...

كان المتصل والدَها ..، أخْبَرَها – بعد السؤال عن حالِها – عن اجتماعِ العائِلة ....

شادِنْ التي تشْعُرُ منذُ زمنٍ بأنّ أمرًا ما سيَحصُلُ لمْ تستَطِعْ أنْ تُفَكّرَ بأنّ الأمر طبيعيٌّ ، بل وَجَدَتْ إحساسَها يقودُها إلى أمها بمباشَرةٍ مخيفة ! .... فهي تذكُرُ ليلةَ زفافِ أندلس عندما سمعتْ أمها تكلّمُ أحدًا ما بالاسبانية وكيف خُضّتْ لمّا رأتْها تقفُ على مقرُبَةٍ مِنها ... ليسَ ذلكَ فَحَسْب .. ففي ذاتِ يوْمٍ عندما كانت في بيتِ العائلة همّتْ بفتْحِ حسابِها على الفيس بوك لتَجِدَ أنّ أحدًا ما قدْ تركَ حسابَهُ مفتوحًا والذي كان والدَتَها ...
فوجئت بعدها بأن صندوق رسائِلِها مفتوحٌ ، لتصطدمَ عيناها بحوارٍ عديدِ الأسطرِ كان قد دارَ بينَ أمها وذاك المجهولِ الذي لمْ تستَطِع قراءَةَ اسمِه جيدًا لأنه فيما يبدو مكتوبٌ بلغةٍ أخرى ليستِ الانجليزية بالتأكيد ...

نَفَضَتْ رأسَها لتكفّ ظاهريًا عنِ التفكيرِ بالأمرِ ولتحاولَ أنْ تُعيدَ مجددًا صفاءَ ذهنِها كي تعود للرسم .. لكنّها عبثا كانت تحاول ؛ ولذا استلّت هاتِفَها ووجَدَتْ أنها قد اتصلتْ بأندلس .... أندَلُس التي كانتْ قدْ تجاوَزَت الأمرَ لمْ تَجِدْ ما يدعو للقلق كما أخبرها آدم .. لكنّها بدتْ لها مشغولـةً مِنْ كلامِها ذي الإيقاعِ السريعِ بعضَ الشيء .... ولمّا سألتْها عن سرِّ الأمر نصحتْها نصيحةً راقت لها ... أقْفَلَتْ مَعَها الهاتِف لتَجِدَ أنّ هناكَ مكالمتينِ فائـتَتَيْن مِنْ أوْس ... فَضّلتْ أنْ تذهب لتطمئِنّ على عليّ الذي يكون نائمًا عادةً في مثلِ هذا الوقتِ قبلَ أنْ تعاود الاتصال به ... أخذتْ معها هاتِـفها في حالِ عاودَ الرنين .. رأتْهُ يستغرِقُ في النّوْم .. وعلى شفتيْهِ شفيرُ ابتسامةٍ .. كمْ كانَ يبدو جميلاً ، لم تتمالَكْ نفْسها فصوّرَتْهُ بهاتِفِها المَحمولِ .. ودَعَتْ أنْ يحفَظه الله بينما تهاوت دمعاتها لا تدرِي لمَ ..

رنينُ هاتِفها ذكّرَها بأنّ أوس كان قد رنّ عليها مرتين مِنْ قَبْل ... عضّتْ على شفتها وهي تُفَـكّر بأنه قد شُغِلَ عليْها بالتأكيـد ... مسَحَتْ دمعاتِها القليلةِ وأخذتْ نفسًا قبل أن تردّ عليْهِ ..

- أهلاً حبيبي .. أعتذرُ فقد كنتُ أكلمُ أندلس ثم ذهبتُ لأطمئن على عليّ ونسيتُ أنكَ اتصلتَ .. قُـل لي .. كيفَ أنتَ ؟

كانَ مشغولاً عليها بالفعل .. لكنه اطمئنّ الآن أنها بخير .. فشادن بالذات تفضحُها نبرَتُها في حالِ لمْ تكن كذلك ،
- بخير حبيبتي .. قولي لي أنتِ ، هل أنهيتِ رَسمَ اللوْحة ؟

شَعَرتْ بفورةِ سعادةٍ لحظية تكتسِحُها .. فأجملُ ما في الأمر أن أوس الآن باتَ يقدّرُ فنّها بل ويشجّعها على المُضيّ قُدُماً .. أما قبلاً فكان يرى في الأمرِ محضُ إضاعةٍ للوقتِ لا أكثر ... لا وربّما وصلَ بهِ الأمر لتسفيِهِها على رَسمِ تلكَ الخطوط المتشابِكة فيما يعرفُ بالفنّ التشكيليّ وأن طفلاً صغيرًا ربما خرَجَ بنتيجةٍ مُشابِهة ... عُمومًا ، الحياةُ الهادئة الآن هي كلُّ ما تحتاجُهُ لكي تحافِظَ على بناء عائلتِها .. لكنّها مع ذلك ظلتْ تشعرُ بترقبٍ بطعمِ التوترِ يعتريها ... صفاءُ الحياةِ فجأة لمْ تعتدْ عليْه .. تُرى .. ما القادم !

---

جَلَسَ على كرسيّه منتشيًا بانتصارِه الأخير ، المسكينة سناء ... كيفَ هُوَ حالُها الآن ، وقدْ ربِحتْ المناقصةَ التي دَخَلتْها في منافسةٍ مع شركةِ تـْرِنش التي يكونُ سلام شريكًا فيها ، حقًا مسكينة لأن رغبَتَها في الظّفَرِ بالمنافسة جعَلتْها تغضُ طرفَها عنِ المخاسِر الجسيمةِ التي ستلحقُ بشركَتِها نظرًا للثمنِ البخسِ المدفوعِ لها مقابلَ تشييدِ بناءٍ خاضعٍ للمواصفاتِ القياسية أي لا مجال للغش إن حاولتْ اللجوء إليه خاصةً وأن لجنة المراقبة يرأسُها صديقٌ قديمٌ له ويعرف مدى إخلاصه في العمل ! ... لا شكّ أنها ستُعلنُ في القريبِ العاجِل تقديمَ حصةٍ تتجاوز الخمس عشرة في المئة مِنْ أسهم شركَتِها للبيع ... و ياااااه كم ينتظِرُ تلكَ اللحظة !

جاءَهُ صوْتُ سَلمى عبر الانتركم مُعلِناً عنْ وُصولِ ضيفٍ مُهِمٍّ ... استَغرَبَ لأن لا مواعيد " مهمةٍ " لديه اليوم كما أخبرَتْهُ صباحًا .. لكنّه أخيرًا دعاها لإدخالِه ... سعادةٌ غامِرة شعرَ بِها فوْرَ إطلالةِ رويد الصغير وهو واقفٌ يمسك بيدِ ناي ... ليقولَ بحماس .. ( يا ألفُ أهلاً وسهلاً .. )

سرعانَ ما توَجّه نحوَهُما وملامِحُهُ تعُجُّ بالمفاجأةِ .. مفاجأةٌ صنّفَها بذاتِ العيارِ الثقيل وهو لا يكفُّ عن الترحيبِ بهما ،. نَزل إلى مستوى رُويد وحمله مناغيًا إياه قبلَ أنْ يرتَفِعَ إلى مستوى ناي ويقبّلها مُسلّماً عليْها ، ناي التي جاءت في جوْلةٍ تـفقّدية نَجَحَتْ بتغليفِ نظرتِها الثاقبة بنظرةِِ حُبٍّ خالصة ...

جلست على الأريكةِ الجلديّة التي أخذت إحدى جانبيْ المكتبِ الفخمِ .. أما سلام فجلسَ على الأريكةِ المقابلة لها وبدأ القول بينما يده تعبثُ بشعرِ رويد :

- أنَرْتُم الشركة .. رِواقًا رواقًا ،
- حبيبــــي ... ( منورة فيك ) .، أتمنى أنْ نكونَ ضيوفاً خفيفي الظل ...
- ضيوف .. !! أنا ضيوف ممكن .. أما أنتم فمستحيل ،

ناي التي كانـتْ تتقلب على جمرِ الترقّبِ لمْ تُفسِدْ ألفةَ الجلسةِ بأيِّ تعبيرٍ خارجٍ عن الإطار .. إلى أنْ تحرّكَ سلام نحو مكتبِهِ ليطلُبَ لها العصير .. وبعدَها بدقائق كانتْ السكرتيرة تدخـُل حاملةً كأسيْن مِنَ العصير ، ولمْ تغفَلْ أبدًا عنْ رَسْمِ ابتسامةٍ جميلة على وجهها .. تلقائيًا كانتْ ناي تتفرّسُ في هيئتها من أخمصِ قدميها وحتى رأسِها لتعطيها تقييمًا قدره تسعةٌ ونصف من عشر .. ولولا أنها غارتْ لمنحتها عشرًا على عشرٍ ...

- تـَفَضلي مدام ،

بصوتٍ ناعمٍ كالحريرِ قالتْ سلمى ، لتضحكَ ناي ضحكةً قصيرةً مستهزئة جعلتْ حدقتيْ سلام تدوران تساؤلاً .. ( ماذا دهاها هذه المجنونة !! )

- فضّلَ اللهُ عليكِ يا حُلوة ..

سلام الذي أحسّ بأنّ وجهَ سلمى قد امتقع نظرًا لكمّ اللؤم الذي أبدته ناي من عبارتِها ونظراتِها في التعاملِ معها جعله يحاوِل ترقيعَ الأمر وهو يوجّه لسلمى دعوة في الانضمام لجلستهم بدعوى أنها صديقةٌ قديمة ...

لكنّ ذلك بالفعلِ لم ينجحْ أبدًا في ترقيعِ أيّ شيءٍ كما ظنّ سلام ... عرفَ ذلك عندما رأى ناي تضعُ رجلاً على رجلٍ في تكبرٍ صريحٍ أتبَعَتْهُ بـ .. " لمَ لا ؟ جلوسكِ سيحلّي القَعْدة ! " وهي تشيحُ بوجهها عنها بينما سلمى لا تزال واقفةً ..

- شكرًا لكِ مدام ناي .. لديّ عملٌ يجب عليّ إنجازُه ،

سلام الذي شعَر بأنّ سلمى قدْ ظُلِمَتْ بالفعل من حركاتِ زوْجته التي لم يجد لها داعيًا أصَرّ على أنْ تشاركهما الجلسة .. كي يُعرفهما على بعضهما على أملِ أنْ تعرفَ ناي الحقيقة الرائعة لهذه الإنسانة التي تدعى سلمى وأنها على عكسِ ما تتخيلُ البتّة !!

- لا يا سلمى ... ستجلسينَ معنا إنها فرصةٌ رائعة لنعرفكما ببعضِكُما ، وإنْ كان على العمَلِ فلا ضيرَ بقليلٍ من الراحة ..

ناي التي رددتْ وراءَ سلام " لا ضيرَ بقليلٍ من الراحةِ " بنبرة مختلفةٍ بالطبع ، جوبهت بنظرةٍ صارمةٍ من سلام مفادُها " توقفي " جعلتْها تشتعِلُ غضبًا لأسبابٍ عديدة .. منها أن سلام ينادي سلمى باسمها مجرّدًا ومنها إصرارُهُ على جلوسها معهما ! أما من الخارجِ فمنحتهُ إيماءةٌ مفادها " كما تريد " ...

- حسنًا كما تريد سلام !

يا حلاوة !!!!! وهي أيضًا تناديهِ باسمهِ مجردًا .. يا للروعة ، هذا ما فكّرت به ناي وهي تراها تتحرّكُ فعليًا للجلوس على الأريكةِ المقابلةِ لها بينما سلام يتحرك للجلوس على الأريكةِ خلف المكتب ويملأه تمامًا بهيبتِهِ ! ...

- سلمى ، صديقتي من أيّامِ الجامعة يا ناي .. كانتْ مِنْ أوائلِ القِسم ... ناي ، أم رويد .. زوجتي وهي خرّيجة هندسة معمارية ..

- تشرّفتُ بمعرِفتِكِ يا ناي .. اسمكِ جميل ، بصراحةٍ صورتكِ مع رويد التي يضعها سلام على مكتبه تظلمكِ جدًا .. أنتِ في الواقع أجمل بكثير ،

قالتْ سلمى بتسامُحٍ لتبتَسِمَ نايْ في شُعُورٍ غريبٍ منها بأن سلمى لطيفةٌ بعضَ الشيء .. ولولا غيرتُها لقالت أنها لطيفةٌ جداً .. عمومًا .. الأمنُ لا يزال مستتبًا ، وها هِيَ سلمى تهمُّ بالمغادرةِ بعد خمس دقائق لا أكثر ،

سلام الذي كانَ قد بَدّل ملامِحَهُ فور خروجِها ليَظهَرَ غضبُهُ جليًا مِنْ ناي قال في غضبٍ وصوتٍ خفيضٍ ..

- أنتِ حقًا غريبة ... ماذا فعلتْ لكِ المخلوقة لكي تعامليها بكل هذه الفظاظة ! لولا أنها فتاةٌ محترمة لردّت عليكِ بنفسِ أسلوبكِ الجلف هذا ...

ناي التي كانت قدْ هدأت بعد أنْ أحسّتْ مِنْ خلال كلامِها معَ سلمى بأنّ الأمر طبيعيٌّ بعض الشيء أعادها كلامُه إلى حالِها الأول .. لتقول بسخريةٍ يشوبها القهر وتنتهي نبرتُها إلى عدائيةٍ بعض الشيء ..

- يا سلام !! منذ متى يا سيد والسكرتيرات يقدّمنَ العصير ؟ لا والكُـلفةُ مرفوعةٌ بينكما وكأنكما لا تزالانِ في الجامعة ! و فوقَ كل هذا تدعوها للجلوسِ معنا وكأنها مِنْ بقيّةِ العائلة ... ثم تلومني أنا بكل بساطة !!!!!!!!!!!!!

سلام كان يشعُر داخليًا بنصرٍ لذيذٍ لكن ذلك لا يعني أنّه لمْ يحنَقْ على الموقِفِ الذي وقعتْ بهِ سلمى نتيجةً لمخططاتِهِ هو عندما أخذ يذكُرُها مرةً أو اثنتينِ أثناء حديثِهِ مع ناي بين حينٍ وآخر ، أخيرًا قال في محاولةٍ لتهدئتها بعض الشيء ..

- ناي ... الفتاةُ عندما رأتْكِ ورويد علمتْ أنكِ زوجتي فقالت أن ضيوفًا مهمّينَ قد وصلوا مع أنني حذرتُها من إدخالِ أحدٍ أيًا كان دون موعدٍ مسبق ! و هي ما ضيّفتكِ بنفسها العصيرَ إلا لأنها فتاةٌ خلوقة ... ثمّ تعاليْ هنا ... صديقتي من قبلِ أنْ أعرفكِ تريدينَ مني أن أناديها فجأة بآنسة سلمى وهي بالمثل ... أما دعوتي إياها للجلوس معنا فجاءت نتيجة تعاملكِ الفظ معها وكأنها خادمتك يا سيدة القصر !!

إنْ كان يظنّ سلام أنه هدأها بكلامهِ وإنْ كانت نبرتُه متفهّمة فهو ما زاد الطينَ إلا بلةً .. فناي التي كانتْ قدْ شَعَرتْ بأنّها على شفيرِ البكاءِ همّتْ بالنُّهوضِ وتقدمتْ نحوَهُ لتأخذ الصغيرَ بينما هي تشعر بقمة الإهانة والغضب ، خاصة جملة " صديقتي مِنْ قبلِ أنْ أعرفَكِ " لا تدري لمَ أحستْها نصلاً غيرَ حادٍ يتلذذ بالولوجِ لقلبِها ببطء أليم ...

بطريقةٍ ما أحسَّ بأنّه قد زوّد العيار عندما رأى تضييقَها لعينيْها في محاولةٍ للتماسك .. لكنّه حقًا لمْ يقصِـد .. !!!!

يدُها التي كانتْ قد امتدّت لتأخذ رويد مُنِعَتْ عنهُ بيد سلام التي كانت قدْ أوقَفَتْها في محاولةٍ لتطييبِ خاطِرِها قبلَ أنْ تذهب ،
- نـاي .... ما الذي تريدينه بالضبط وأنا مستعدٌ لفعلهِ الآن ...

ياه يا سلام ... كم تكونُ غبيًا كما جميع الرجال عندما تريدون ! ما الذي أريدُهُ يعني .. ؟

- تعرِفُ ما أريد .. لا تفصِلْها مِنَ العمل .. فقطْ دعها تعملُ في فرعٍ آخر للشركة ...

لوْلا أنها لمْ تتكلم بنبرتِها المتهدّجةِ كفاقد الوالديْن ! نبرتُها التي تشكّل نقطة من نقاط ضعفِه القليلة ، سلام الذي ابتَسَمَ وهو يمسَحُ دمعةً فرّت مِنْ عينها اليمنى قال بهمسٍ مُطـَمْئِنِ ..

- لكنها أأمنُ لكِ من أيِّ أحدٍ الآن .. على الأقل تضمنين أنها ركبتْ قِطار الخطوبة ولمْ أعدْ أشكّل هدفًا لها ،

سلمى ... مخطوبة !!؟؟؟؟ نزلَ ذاكَ الخبرُ على رأسِ ناي بردًا وسلامًا .. لكنها في لحظةِ تشكيكٍ أخيرةٍ عقفتْ حاجبيْها تساؤلاً .. لتفكّرَ بصوتٍ مسموعٍ وتقول ..

- لكنني تفرّستُ فيها " بالنتفة " ولمْ أرَ في يدها خاتمًا أو شيئًا مِنْ هذا القبيل .. إنها حتـّى لا تلبس أيَّ نوعٍ من الاكسسوارات !!

ضَحِكَ سلام ملء فمه .. بل قهقه عاليًا وهو يقول " يا الله ... لستنّ طبيعياتٍ بالمرة " وأردف بحنانٍ وهو يقتربُ منها أكثر " وماذا يهمني أنا ؟ تلبس خاتم الخطبة أو عمرها ما لبسته !! أنا بامرأةٍ واحدة وأقول يا رب سترك .، ! ليس هناكَ مجالٌ لأخرى يا ناي .. "

،... أحيانًا تشعرُ أنها في قمة الهبل وهذه اللحظة كانت إحداها ، لأنها تُصَدّقُه كالعادة أيًا كانَ كلامُه بطريقتِهِ الغريبةِ في الإقناع ..

- بالمناسبة ... غدًا سنذهب لزيارة بيتِ العائلة ، ( وأكمل ممازحًا ) هناك اجتماعٌ رسميّ ....

---


priscila ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

... بدتْ أندلس مُرتَبِكةً جدًا بعدَ أنْ رسا مزاجُ آدم على كعكة " لا يدري ما اسمها " كانت تعدّها والدتُهُ باستمرارٍ .. وأن كل ما يعرفُهُ عنها أنّ لونها يحاكي لونَ الشوكولا ! .. سبحان الله ، وكأنها عرفتها مِنْ لونها .. هناك على الأقل مئاتُ وصفاتِ الكعك ذي اللون " الشوكولاتي " عُمومًا حمدًا لله أنّ شادن اتصلتْ بها في ذاك الوقتِ وإلا لما اهتدتْ للحلّ الذي نعتتْ نفسَها بالغبيةِ لأنها لمْ تُفَكّر فيه ...

ملامِحُ مستفزة استقبلتْها فوْرَ دخولِها الصالون لتجدَ آدم معتكفًا على حاسوبه الشخصي وأوراقٌ كثيرةٌ منتشرةٌ حوْلُه .. ملامحُ أوصلتْ لها استخفافَهُ بقدراتِها ...

- بشّري ... أهناك أمل بنجاحِ مشروع المنسف ؟

شعرتْ بأنها ستقوم بلكمه الآن نظرًا لاستخفافه الكبير لكنها أخيرًا فكّرت بالردِ عليه بذات أسلوبه ...

- منْ يسمَعُكَ يقول أنني أعرف " اسمًا " للمنسف ! لكنني أبشّرك .. لنْ يطولَ الأمرُ كثيرًا ..

وبحركةٍ مختالةٍ كانتْ تتبختر أمامَهُ رغبةً بانتشال الهاتِفِ اللا سلكي من جانِبِه بينما حركتْ حاجبيْها نصرًا ... غضبُهُ المفاجئ عندما اقتربتْ منْ حيثُ يجلسُ أخافها .. إذ صرخَ بصوتٍ غريبٍ وهو يقول " لا تقتربي " .. وعندما سألتْه بعد أنْ ابتعدت تلقائيًا عن السبب أجابَ بتلعثمٍ أنّه لا يحبّ أنْ يقترب منه أحدٌ أثناء عملِه حفاظًا على سرّيتِهِ وعلى " مووده " الخاص ... لا حاجة للقولِ أنّ السبب لمْ يقنِعْها .. وأنها داخليًا شعرتْ بأنّ شيئًا ما يهمُّ آدم على حاسوبه الشخصيّ لا يرغب بأن يضطلع عليهِ أحد .. تجاوزَتِ الأمرَ وهي تفكر بأنّ مصيره أن ينساهُ مرةً مفتوحـًا .. وعندها ستعـرفُ لِمَ ينبغي عليها أن " لا تقتربْ " ..

أخيرًا قالتْ :
- إذن .. هاتِ الهاتف من جانبِك ...
- سبقَ وقــُلنا أن الغشّ ممنوع ..
- لا تخف .. الغشّ ليس واردًا في مخططاتي !
ودَخَلتْ إلى المَطبَخِ مقفلةً خلفها البابَ بهدوء ، أدخلت رقم الخالة مروة ... ثوانٍ فقط وجاءها صوتُها مُرَحّبًا ...


- أهلاً بالغالية ... كيفَ أنتِ وآدم ؟
- بخير الحمد لله ... ابنكِ يضعُني في مأزِقٍ تلو الآخر ، و لا مُنْجِدَ لي سواكِ ...
ضحكتْ الخالة مروة من صميمِ قلبِها على صوتِ أندلس الذي أوضحَ لها أنها فعلاً في مأزقٍ .. مأزقٌ يشبه المآزق السابقة .. قالت بتوعّد :

- ماذا فعل هذه المرة وأنا سأفرك أذنه فركةً محترمة لأجلكِ ...
- أيُّ فركةٍ يا خالة !! ، كُلُّ ما في الأمرِ أنهُ يريد مني إعدادَ كعكة الشوكولا التي تعدينها والتي لا يدري ما اسمها ، يتحدّاني كالعادة ... بالطبعِ كعكتي لنْ تكون شيئًا أمام كعكتِكِ لكنني سأحظى بشرفِ المحاولة ...

ضحكتْ الخالة مروة مجددًا وحمدتْ سرًا الله على زوجةِ ابنها الرائعة وردّت بحبٍ :
- حبيبتي ... كعكتي لا يميّزها شيء .. وهي سهلةٌ جدًا ، اسمها كعكة الشوكوكولا وسأعطيكِ الآن المقادير وطريقةَ التحضير .. ولكن بشرطٍ ...
- تحت أمركِ بالطبع ...
- ما رأيكِ أنْ تزورينا اليوم أنتِ وآدم ، سأطبخُ اليومْ طبخة يحبها .. و أنتِ ستحضرين الشوكوكولا ، اتفقنا !

- بالطبعِ نعم .. ومنها آخذ منكِ مزيدًا من الوصفات ....
- هيا إذن .. أحضري ورقة وقلمًا .. وستدعينِ لي من كلِّ قلبكِ ..

كانتْ قدْ أحضرتْ ورقةً وقلمًا بالفعـل ، نقـلتها الوصفة فأخذت تتأكد من المكوّنات .. وسمّتْ بالرحمن قبل أنْ تبدأ ؛ فهي بالطبع لن تكونَ مسرورةً في حال لم تكن الكعكةُ كما يجب ... فهي قد تسلمُ مِنْ لسان الخالة .. لكنها أبدًا لنْ تسلمَ مِنْ لسانِ آدم ..


---


الحمدُ لله أنّ آدم كان قد انتهى مِِنْ عملِه قبلَ موْعِدِ الغداء ... وإلا لما ذهبا لزيارة الخالة مروة وأسد ، كان الطعامُ شهيًا ... أما الآن فحانت لحظةُ الحقيقة ... أندلس كانتْ تشعُـرُ بتوترٍ خفيفٍ ... خاصّة وأنّ آدم لمْ يطمئنها عندما أخرجتْ الكعكة من الفرنِ لتجدها منتفخةً كما يجب .. بل اكتفى بقوله " سأنتظر حتى أتذوق المضمون " ،

سُرعانَ ما كسا الفخر ملامح الخالة مروة عندما رأتْ الكعكةَ منتفخةً وفي أبهى حُلَلِها بتلك " التلبيسة " الرائعة مِنَ الشوكولا الذائبة المُضاف إليها الكريما والقليل من الزبدة وكمية معقولة من الكولا و فوقها رشةٌ خفيفة من السكر الناعم ...

قبّلتْها وهي تقول " عاشتْ أندلس المُبدعة " لتشعـر أنها طفلـةٌ في السادسة قامتْ المعلمة بوضع نجمةٍ صغيرة على جبهتها ، أخيرًا قالتْ الخالة مروة وهما تتجهانِ نحو الصالةِ حيثُ آدم وأسد أنّها فعلاً كما يقول لها آدم دومًا .. وعندما سألتْها عما يقولُهُ عنها قالتْ لها وهي تغمزُها أنّه يصف عملها بالمتقن .. وأنّ قدراتِها تستحق التقدير بالنسبةِ لفتاةٍ تبلغُ منَ العمر خمسًا وعشرين عامًا ... احمرّ وجهها في سعادةٍ غامرة بينما حمدت الله على انتصارِها في هذا التحدي ، أما آدم ... فسيرى عندما يحلُّ المساء ...

---

مرّرَ أصابِعَهُ بخفةٍ على لوحةِ المفاتيحِ الخاصة بالبيانو .. لتصدر منه نغماتٌ موسيقيّة عشوائية حاكتْ تمامًا عشوائية إحساسِه وهو يتمرّن مجددًا على العزفِ ليقدّم ألحانه أمام الناس ، أحضرَ ورقةَ وقلمًا ليَحاوِل رَسمَ النوتات التي ستشكّـل مجتمعةً مقطوعَتَه الموسيقيّة الجديدة .....


كانَ بالُـه فارغًا تمامًا عندما مرّت صوَرُ أطفالِ المبرّة في ذهنِهِ وابتسامـاتهم تلقّنه الدروس درسًا تلو الآخر على الرغمِ من كلِّ ما تعرضوا له .. وَجَدَ نَفسَهُُ أخيرًا قادرًا تمامًا على تأليفِ المقطوعةِ الجديدة عندما اصطفت النوتات في ذهنِه بوحيٍ إلهي ! ... وجدَ نفسه فجأة قادرًا تمامًا على إحياءِ تلكَ الليلةِ التي سيذهبُ ريْعُها للمبرّة بعدَ أنْ اقترح على مجلس الإدارة أن يقيمَ حفلاً يحضرُهُ الناسُ عامّة بتذاكِـر معقولةِ السّعـر .. وعندما طمأنهم بأنّ دعايةً جيّدة وتقديمِ دعوةٍ لمجموعةٍ من رجال الأعمالِ ستكون كافيةً لسدّ العجزِ وافقَ الجميع برحابةٍ على الفكرة ......


ربما أسمى المقطوعةَ الجديدة " أوجاع للفـُرجة " وربما ألّـف واحدةً أخرى أسماها " حروب " لكنّه حقًا سيعدّل على مقطوعته الشهيرة " أحبك مهما تكن مظلِـماً " ،
تمنّى أخيرًا من الله أنْ يوفّقه رحمةً بأولئك الضعفاء ... وأنْ يجني الحفلُ ريعًا يحسّن أوضاع المبرّة ! لكنْ منْ يعرف ... ربما جنى مِن وراء الحفل ريعًا آخر ......

---


الهدوءُ عمّ المكانَ فجأةً على الرغمِ مِنْ اجتماعِ الجميع في مكانٍ واحدٍ باستثناء الأطفالِ الذين كانوا قد دخلوا إلى غرفة أندلس السابقة ليلعبوا فيها مع سمنتا الخادمة ....

لحظةُ صمتٍ لحقتْ بِها لحظاتٌ أخَرٌ ... قطعتها في بعض الأحيانِ عباراتُ السؤالِ عنِ الحالِ وما إلى ذلك .... البعضُ كان يحاوِل أنْ يقنِعَ نفْسَهُ بأنّ الأمرَ لا يدعو للقلق .. لكنهم جميعًا كذلك أيقنوا بأن هناك ما يثير الريبة ... خاصةً وأنّ ملامِحَ قلورياس الواجمة لمْ تدع مجالاً للشك !

لا مزيدَ مِنَ التساؤلات .......... هذا ما فكرتْ به شادن وهي تسمَعُ قرع الباب المفاجئ وفي نيّتِها حثهم على البدء بدلاً من السكوت الأبلهِ هذا عندما تعود ، ( ماذا يريدُ البوّاب الآن ؟ ) .... لتبتسمَ وهي تهمُّ بفتْحِه ابتسامةَ لم تعرفْ لها سببًا .....

صدمةٌ ما بعْدها صدمة جعلتْ عيناها تفتحانِ على وُسعِهِما وهي ترى شابـاً مديدَ القامةِ يُطِلُّ مِنْ خَلْفِ الباب ... شابٌ شعرتْ بأنه يشبِهُ أحدًا ما ... أوْ لنَقُلْ أنها لمْ تشعُر بغربتِه ،

صوتٌ حازمٌ مِنْ خلفها تكلمَ بلغةٍ لا تفقَهُها " تفضّل ... أهلاً بكَ فابريغاس "

لتوجّه طرفها تلقائيًا نحو والدتها قلورياس وترى على وجهها دمعتان مشتاقتان تسحّانِ منْ مقلتيْها لسببٍ لمْ تَفْهَمْه ... أندَلُس التي شعرتْ بالتوَهانِ فجأة تأبطت ذراع آدم الذي كان يجلس بجانبها .... أما سلام فكان الأجرأ إذ لفظَ السؤال الذي دار في ذهنِ الجميع ........


" مَنْ يكون هذا ؟ "


أدوات الموضوع البحث بهذا الموضوع
البحث بهذا الموضوع:

بحث متقدم
طريقة العرض

موقع و منتديات غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات
جميع الحقوق محفوظة منتديات غرام
iTraidnt by ROMYO
جميع الحقوق محفوظة منتديات غرام
iTraidnt by ROMYO

SEO by vBSEO 3.6.1