priscila ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

الفصل العاشر .. أرجوكَ ، لا تتغير .. !
" من يكون هذا ؟ "
بوضوحٍ أعلنَ سلام عنْ تساؤلِه .. دونَ أنْ يسمَحَ لنفسِه بالتروي بغيةَ الوصولِ إلى أنّ الزائرَ محضُ ضيفٍ لا ينبغي الحديث عنه بصيغة الـ " هذا " .. بوضوحٍ ناسَب شخصيّتَهُ تمامًا .. فلطالما كان حادًا كالسيفِ في آرائه وإن كانَ بعضُها متطرّفًا .. على الجانبِ الآخر دعونا نفكر ... أَمِنَ المُنْصِفِ لوْمُه على كلمةٍ قالها بطريقةٍ قليلةِ تهذيبٍ ربما رآها البعضُ قالَها في لحظة طالَب فيها بأنْ يفهمَ حقيقةً ما ، بعدَ أنْ كانَ بعقليّتِهِ التلقائية قد رتّبَ بالفعلِ كل الأوراقِ ترتيبًا شبه صحيحٍ ! هناكَ شيءٌ ما ربما لا يدعو للقلقِ لكن يكفي أنه لم يعرفْ عنه شيئًا بعدُ !! اجتماعُ العائلةِ بتلك الطريقة المريبةِ والمثيرةِ للشكِ ونظراتُ التوجّسِ التي نضحَتْ بها عيون الجميعِ لأسبابٍ عديدةٍ وخاصّةً نظراتُ والدتِه التي واءمها وصف الضائعة نجحتْ بفضِّ جوّ الأريحيّة الذي اختصتْ به كل اجتماعاتهم السابقة على مدار سنواتٍ طويلة ....
وِقفَةُ سلام المهيبة بطولِهِ الفارِعِ وصوْته الذي كان قاسيًا بقوةٍ وهو يتساءَل بـتعبيرٍ جافٍّ ... جعلَ جوفَ أندلُس شاطئًا هجَرَتْهُ المياهُ بعد جَزْر ليلةٍ مكتملٍ قمَرُها .. أخذتْ تبتلع ريقَها تأهبًا .... وبتلقائيةٍ كانت تعتصِرُ ساعد آدم الذي تأبّطَتْهُ قــَبلاً بينما رمقتْهُ بنظرةٍ تضجُ غِبْطَةً على هدوئه الشديد .. أما شادن ... فاكتفت بتضرعٍ وحيد ناجتْ فيه ربها وهي تهمِس بعدَ أنْ كانتْ قد ابتعدتْ قليلاً عن الباب لتسمحَ لوالدِها بالترحيبِ بهذا الضيفِ الذي جاء الآن ليخلط كل الأوراقِ .. " يا ساتر "
" هكذا ترَحّبُ عائلةُ معلى بالضيْوفِ .. ؟ "
قالها مجد بطيبة وهو يُرَبّتُ على ظَهرِ سلام ليدعوه بعدَها إلى الجُـلوس مومِئًا إليهِ بتعبيرٍ مريح وقدْ تقدّم الرجل إلى الداخل ... جلس سلام وهو يحل أزرارَ جاكيتِهِ الرّسمي .. وهو يشعُرُ ببعض الامتعاضِ..
الكُلُّ في جلبتِهِ الخاصة كان غافلاً عما تعانيِه قلورياس .. من جِهةٍ كانت تكامدُ شوْقها الذي يحثّها الآنَ على احتضانِهِ بكل ما أوتيت من قوةٍ وإن أحرقَ لهيبُ شوقِها أضلُعَهُ بين يديْها .. لليالٍ طويلةٍ كانتْ تتخيّل شكله .. قسماتِ وجهه ، تدرجاتِ لونِ شعرِهِ ، شبحُ زُرقةِ عينيْهِ الذي كان يلاحِقُها كلما رأتْ زرقة مشابهة في عينيْ ابنتِها الصغيرة .. تخيلته طفلاً لم يتجاوَزْ مِنَ العمر عامًا تُرْضِعُهُ أخرى ضانّة عنه بقليلٍ مِن حنانٍ .. بعدَ أن أبعَدَهُ عنها والدُهُ الذي كان مِنْ عِليةِ المجتمعِ بحجةِ أنّ طفلَه لنْ يتربّى على يدِ امرأةٍ عاديةٍ .. ! سحقًا .. أصبحتْ عادية الآن بعدَ أنْ أفلسَ والدُها وأصبحتْ شراكتُهُ غيرُ مجدية ... ما ذنبها إنْ كان متورّطاً بحبِّ امرأةٍ أخرى وقدْ أجبرَ عليْها ، كيف أصبحَ إذلالُها انتقامًا مِن عائلتِهِ التي أرغمتْهُ على الزواج بها ... لتجدَ نفْسَها أخيرًا في الشارِعِ دونَ طلاقٍ رسميٍّ منه بعد أن لاذت بالفرار يائسةً مِنَ الدنيا وما فيها ...
بقليلٍ من المالِ وجدت نفسها تنساقُ إلى حيٍّ متوسّطِ الحالِ خُصِّصَ لجاليةٍ أجنبيةٍ .. ليقودها القدَرُ إلى " عائشة " الفتاة التي كانت تقاربُها عمرًا ...... كانتْ على مشارِفِ هوةٍ لا قرار لها عندما كان يوغِلُ فيها الظمأ .. ليسَ ظمأ معتادًا .. إنما ذاك الذي جفـَّـف فيها كل الآمالِ والتطلعات .. لتقاسي مُرَّ ولادةٍ جديدةٍ لا تشبه بحالٍ من الأحوالِ ولادةَ ابنها الذي عرفت مؤخرًا بأن اسمه " فابريغاس " .. مُرُّ التشردِ ، لمْ تستطِعْ وقتها اللجوءَ إلى عائلتِها التي لنْ تستقبِلها بالترحابِ الآن وقد خرجتْ كسيرةً تحتَ جُنْحِ الليلِ تعاني آلامَ الولادةِ مِنْ قصرِها الفاره .. لسببٍ ما لن يسامحوها على فِعلتِها ... لتشعُرَ بالضياعِ وهي لا تجدُ لها ملاذًا آمنًا إلى حين استردادها عافيتَها على الأقل ...
عائشة التي ما حاولتْ بكامل جهدها معرفة الكثيرِ عن زميلة السكنِ الجديدة وجدتْ في صمتِ قلورياس ستارًا لهمٍّ إضافيّ هي بغنى عنه .. لكنّها خرجت من بوْتقة صمتِها عندما بدأت قلورياس تحتسي الشراب غير عابئة بقِرشِها الذي لن تجدَ غيره إن صُرِفَ الآن ، حيثُ أنها لا تستطيعُ العيشَ في بيتٍ تفوحُ مِنه رائحة الشراب فذلك لا يرتضيه دينُها .....
دينُها ... كلمةٌ عرفتْ قلورياس أبجديّتها فقط من فمِ عائشة ... لتلتفتَ بعدها إلى زيها المحتشمِ الغريبِ .. ولترى نفسَها أخيرًا مُبْصِرَةً النورَ عندما تمّ اختيارُ الله لها ...
لكنّها مجددًا ولا شعوريًا ظلت تفكر بابنها .. فلنضعْ بعدَ المسافةِ جانبًا هناكَ الآنَ بعدٌ آخر ستقاسِيه ... بعدُ الديانة ! وها هو فاصلٌ جديدٌ يحولُ بينَهما .. حالتُها كانتْ تسوء مع أنها تشعُرُ الآن بأنّ حزنَها لنْ يذهبَ هدَرًا فقد أخبرتها عائشة بأن هناك شيء ما يدعى " الاحتساب " .. حيثُ أنّ الله سيجازيها إنْ هيَ صبرتْ ..
أخذتْ تقرأ وتقرأ وما ازدادتْ سوى اقتناعاً بما فعلتْ .. أحسّت بذلك عندما وجدتْ ظمأها يُروى تدريجيّاً .. ويصير بذلك همّها الشاغل أنْ تنتَشلَ ابنها من جوِّ تلك العائلة الفاسقة .. !
عائشة التي انتهت مدة إقامتها لمْ يَحْلُ لها تركُ قلورياس وقد أضحتا أختيْنِ في الله .. مُدْرِكةً بأنّ قلورياس قد تفعلُ أيّ شيءٍ في سبيل استعادة ابنها بحميّةِ الأم وإنْ كان في ذلك تخلّيها عن دينها الجديد .. فالشيْطانُ لمْ يمُتْ وهي لا تزال تشعُر بفقدِها كلما خَلَدتْ إلى النّومِ وفاقتْ منه ..
قلورياس التي ما سألَ عنها أحدٌ قطُ منذ ذهابِها أحستْ بالغَدْر يقفُ وقفة السنَدِ إلى جانب كل أوجاعِها .. فلو سأل عليها أحدهم لاستطاع إيجادها بيدهِ الطويلة .. ومع كل محاولاتها لأخذ ابنها والتي باءت بالفشل لمْ تجدْ بُدّاً من الرحيلِ .. لتجدَ نفسَها في هذا الوطن ، ولتعملَ بعدها في مركزٍ للغاتِ كمعلمةٍ ويشاء القدرُ أنْ تلتقي بمجد ...
خانتها عيناها عندما ذرفتْ دموعًا كثيرة .. لتتوجّه الأنظارُ ناحيتَها ، أنظار متباينة لكنّ أحدّها كانت الموجهة من قبل سلام ...
بمباشَرةٍ قال مَجْد .. " أعرّفكم ... فابريغاس دي ألبرتو ... " لتقاطِعَهُ شادن وهي تقول بتساؤل " أخُ أمي .. أليسَ كذلك .. ؟ يكونُ خالي !! "
شهقةُ حنينٍ صدرتْ مِنْ قلورياس جعلتْ شادن تتأكدُ مِنْ شكوكِها ، لثوانٍ فقط قبلَ أنْ تتبددَ مزاعمها في الهواءِ ويحل محلها الصدمة على وقعِ صمتٍ خيّمَ على الجميع ... " لا يا شادن ... إنهُ أخوكِ أنتِ "
أندَلُس التي أخذتْ تنظّفُ أذنها في حركةٍ تلقائيةٍ انفلتت منها ضحكةٌ قصيرةٌ في صدمةٍ جوبهت على إثرِها بنظرةٍ قاسيةٍ من آدم أغنتْها عن نظرةِ والدها المشابهة ... لتفغَرَ بعدَها فاهًا في محاولةٍ لعدمِ التصديقِ ... تُصَدّقُ ماذا ؟ أنّ أخًا لها لا تعرفُ بوجودهِ أصلاً يقفُ أمامها رأيَ العينِ بعد خمسٍ وعشرين سنة !!!
شادِنْ التي رسمتْ مسبقًا في ذهنها كل السيناريوهات المحتمَلة لمْ يحفَلْ عقُلها بتعقيداتٍ مشابِهةٍ ... لكنها أخيرًا وجهتْ طرفها ناحيةَ أوس علها تستشفُ شيئًا يجدر بها القيامُ به .. لتجدَ ملامِحًا ساخرةً تُشرِفُ على القهقهة يعجّ وجهه بها ، الوضعُ لا يحتمِل .. ولذا كانتْ تعضُّ شفتها في محاولةٍ مِنها لردعِهِ عنْ تلكَ الملامِحِ التي لا تليقُ بالموقف .. ردُّهُ الوحيدُ كان إيماءة منْ وجههِ حملت لها تعبيرًا صادقاً مفاده " وماذا تنتظرين مني .. أنظري إلى وجه الجميع .. ملامحهم لا تقلُ غرابة عن ملامحي ! " وتلقائيًا كانتْ تجول بعيْنيْها على صفحة وجه سلام ... لتجدَ تعبيرًا مشابهًا تمامًا يستقرُّ على وجهه ...
" أخُ مَنْ ........ شادن .. ؟!! "
قالَها سلام بسخرية شديدة ليضحكَ حانقًا قبل أنْ يلتفتَ إلى والديْهِ قائلاً بوقاحةٍ و بفوْرة من بينِ أسنانِه :
- أخوها لأبيها أم لأمها ....... آه تذكّرتْ لأمها ، لأن اسمه فاب .. ماذا كان اسمه ؟ "
لو أنّه أصغَرُ بكثير .. أو أنّ زوجَتَهُ لا تجلس بجانبه .. كان ذلك سيُسَهّل عليهِ الأمر ... صفعُهُ الآن على وقاحتِهِ ليسَ جيّدًا .. هذا ما فكّر بهِ مجد وهو يستغربُ الوحشَ الذي استيقظَ فيه .. كان يتوقّع ردةَ فِعلٍ قويةٍ منه .. ولكن ليسَ أن يكون وقِحًا في لهجته ...
" سلام ....... فلتحفظ حدودَكَ .. إنه أخوك ، شئتَ أم أبيْت .. واسمه فابريغاس دي ألبرتو ... "
بقوةٍ رد مجد ليبرهنَ للجميعَ أن زمام الأمور ما تزال بيدِه .. وأنّ الأمر صار واقعًا لا مجال للتشكيكِ فيه أو عدم تقبّله ... لكنّ ذلك بالتحديدِ ما جعل سلام يفورُ أكثر وهو يرى صمتًا مُحدِقًا من الجميع لم يجد له تفسيرًا منطقيًا .. صمتٌ كرهه وسط أنظارهم الذاهلة وعلى إثر ذلك قامَ مِنْ فوْرِهِ وهو يصرخُ بناي لتحضِرَ رويد معلنًا عن عدم احتمالِه لتلكَ المهزلة .. وقبلَ أنْ يخرجَ منَ البيتِ نظرَ لأمهِ شزرًا قبل أن يقول لها بلؤمٍ : اشبعي فيه .. ( ورفع حاجبًا بتعالٍ ليكمل بقسوةٍ ) يا أم فابريغاس ..
قلورياس التي غاصتْ عيناها تأثرًا في غيابٍ كاملٍ عن واقِعِها وكلمَتُهُ تترددُ في مسمعِها " اشبعي فيه " وكأنه يقول لها بملء فمِهِ أنها المرةُ الأخيرةُ التي ستراهُ فيها كانت على شفيرِ السقوطِ وقد خارتْ قواها ... يا الله ... تعلم حالي ، أفقد ابنًا عندما أجدُ الآخر ,, !
همساتٌ خجولة أخذت تتعالى بينَ كلِّ زوْجين نجحت بفضِّ الصمتِ المقيتِ الذي خيّمَ على الأجواء بعدَ رحيلِ سلام وناي .. إلى أنْ سقَطَتْ قلورياس أرضًا لتتلقّفَها يدُ فابريغاس السريعة ...
توالتْ بعد ذلك الأحداث ... إذ تم استدعاءُ الطبيبِ لمعاينةِ قلورياس من ثمّ غادر الجميع منشغلي البال بعد الاطمئنانِ عليها باستثناء فابريغاس .. بناءً على طلبِ مجد ..
كُلٌّ كان يفكر بنفسِـه .. غاضًا فِكْرَهُ عن حقيقةِ الأمرِ وعما قاسَتْه قلورياس وحتى فابريغاس الذي لمْ يعرفْ أحدٌ عنه شيئًا بعد .. !!


*

- مِنْ عادتِكِ زجري أثناء القيادة ..
قال آدم وهو يركّز بصرهُ على الطريق ليكسر جو الصمتِ البهيمِ المخيِّمِ عليهِما .. ليسمعَ تنهيدة تعبٍ صدرت منها قالت على إثرها بصوتٍ غائبٍ وهي تحدّقُ في الأشجارِ المارةِ مِنْ جانِبِها مرَّ الريحِ مودّعةً إياها في الطريقِ إلى البيْتِ ... " ومنْ يقوَ على الكلام بعد الذي حصل ! "
آدَم الذي أثارتْ الحادِثةُ وحشَ الذكرى فيه بقسوةٍ وسطوةٍ أخضعتْا عقلَهُ ليرحَلَ إلى الراقدةِ بسلامٍ تحت الثرى ... أراد أن يفهَمَ فلسفتها الخاصة حولَ الموضوعِ بكاملِ كيانِه ليرى إنْ كانَ قادرًا يومًا على التنفيسِ عما يكبِتُه ... ومن زاويةٍ أخرى كان يؤمِنَ أشدّ الإيمان بأنّ قلورياس تحتاج دعمَ ابنتِها ، ولذا قال بنبرةٍ متفرّدة أوصلتْ إليها ألَمَهُ وأمَلَهُ في آنٍ لسببٍ لم تتفهّمه ...
- وما الذي حصل ؟ أنتِ لمْ تنتظري حتى لتسمعي شيئًا من والدتِكِ عنْ حقيقةِ الأمر ... فورَ استيقاظِها أشرتِ لي لنَـرْحل ... لمْ أتوقّع أنْ تكوني قاسيةً بهذا الشكل .. مَنْظَرُها وهي تستجدي مِنكِ دَعمًا مادّة يدها إليكِ أمامَ الجميعِ لتخذليها كان يفطِرُ القلب ..
ما حدثَ اليومَ كثيرٌ جدًا عليْها ... ويأتي هو في آخر النهار لينعتَها بالقاسيةِ .. لمَ ؟ هو لا يشعُرُ بما تشعرُ بهِ مِن إحساس ... لا يشاطِرُها ألمَ صفعةِ القدرِ غير المتوقعة ... لا ينتظِرُ كما تنتظرُ هي نظراتِ الناس التي لن تلبث أن تتراشَقَ حولَها والعائلةَ متسائلةً بلؤمٍ عن الغموضِ الذي يكتنِفُهم الآن ... هل فكّرَ أصلاً بالوَرْطَةِ التي وقعتْ بها العائلة الآن إثرَ ظهور هذا الدخيلِ .. هل فكّرَ بكيفيّة رأب الصدعِ الذي تشكّل بين سلام والعائلة وبينهم جميعًا ؟ .. الجواب بالطبعِ نفيُ كلِّ ما سبَقَ .. إذن لا يحلُّ له باختصارٍ وصفُها بالقاسيةِ على ما فعلتْ وهو أقلُ ما استطاعتْ أنْ تظهرهُ أمام الجميع من خيبتِها الكبيرةِ بوالدتِها نتيجةَ صبرٍ الله وحده يعلم مقدار ما بذلتْ من قوةٍ لتتحلى به لأسبابٍ عديدة منها أن أمها لمْ تعلن لها قبلاً عن وجودِ أخٍ لها ربما كان سيعني لها شيئًا وجوده في حياتها منذ زمن !
- ششش ... أنتَ لا تعرفُ شيئًا ، لا تنعتْني بالقاسية ... فأنتَ تظلمُني بادّعائك .. الصدمةُ كانتْ جدُ قويةٍ .. وغيرُ ذلك انتظارُ الآتي الآن لا يمكنُ لكلمةٍ وصفه .... لذا باللهِ عليكَ ، قلْ خيرًا أو اصمتْ ...
العدائيةُ التي كشّرتْ نبرتُها عنها أيقظتْ في آدمَ خذلانًا لا حدودَ لهُ فتعامُلها بإيجابيّةٍ مع الأمر كان يعني لهُ الكثير .. أما وقد تفاعلتْ مع الأمرِ بتطرّفٍ فذلك دفعَ لسانَهُ لنطقِ ذاك السؤالِ بعد دقائقَ من الصمتِ عملاً بنصيحتِها الأخيرة و الذي لو أعادَ التفكيرَ فيهِ لمرةٍ أخرى ما نطقه ...
- كنتِ لتفعلي ذات الشيء معي .. ؟
- أيُّ شيءٍ ؟
استفسارُها السريع منَحَهُ وقتًا إضافيًا ليعاودَ التفكير .. ومع ذلك أردفَ بشجاعةٍ متسائلاً ...
- أقصدُ ... لو أنني فعلتُها بكِ .. ما كنتِ لتسامحينني !!!!!!!!!!!
جاءها سؤالُه ماكِـرًا ليستميلَ قلبَها ناحيةَ أمها .. هذا فكّرت .. وهو إنْ كانَ يظنُّها ستلين بسؤالِه الغريب هذا فهو مخطئ بالتأكيد ... ردتْ بإصرارٍ أتاهُ مخيفًا ..
- ما كنتُ لأسامِحَكَ قطّ يا آدم .. قطّ !
لا يدري كيف انفلتت منه السيارةُ في لحظةٍ خاطفةٍ من التخبّطِ أسراه جوابها فيه ... لتصدُرَ منها شهقةُ رعبٍ بل صرخة !
سرعانَ ما استعاد زمامَ القيادةِ وهو يصرِفُ بصَرَه الذي كان مستقرًا عليها للحظاتٍ ناحية الطريق بعدَ إغماضةٍ واحدةٍ لعينيْه جَلَدَ بها كل إحساسٍ بالخوفِ اعتراه ....
مجددًا كان يتحوّلُ بنَبْرتِهِ إلى المتندّرة ليبدد اختناقَتَهُ المفاجئة وهو يقولُ لها مُـسرّيًا لا كاذبًا ..
- حسنًا ... لحسنِ الحظِّ أنني لمْ أفعلْها إذن ... ( وأردَفَ بتعقلٍ ) أمكِ لمْ تفعلْ شيئًا خاطئًا يا أندلس .. كانتْ متزوّجة قبلَ إسلامِها .. وعندما لمْ تجدْ صلة تستطيع أنْ ترتبط بها بفابريغاس الذي يكون "أخوكِ" فضلتْ أنْ تحتفظَ بألمِها لنفسِها وألا تشارككم إياه ... والدُكِ كان يعلم ..... أينَ المشكلةُ إذن ، أنا أرى ما فعلـَـتْهُ تضحيةً كبيرة .. يكفي بعدُها عن ابنها لمدة تقارب الخمس وثلاثين عامًا !
حاجبا أندلس كانا يرتفعان في ذهولٍ مع كل كلمةٍ قالَها ... لتصلَ أخيرًا إلى حقيقةٍ أخبرتها بها كلماته المنسابة " إنه يعرف كثيرًا من التفاصيل التي تجهَلُها " ... وبكيانٍ ذاهلٍ وجدتْ نفسها تقولُ بصدمةٍ ...
- كنتَ تعرفُ كلَّ شيءٍ من قبل ....... ! وأنا كالحَمقاء .. أحاولُ تفسيرَ هدوئك المتبلّد ذاك .. بينما أنا في قمةِ توتري وترقبي ..... لمْ أتوقع منكَ فعلاً مشابهًا أبدًا !!! ( وأكملتْ بعنفوان وصله كإهانة ) هاتِ ما عندك ... ماذا تعرفُ أيضًا ... !
إنها حقاً في قمة الغباءِ اليوم ....... هل تحاولُ استنطاقَهُ مثلاً .. ثمّ إنّه لا يسمحُ لامرأةٍ بأنْ تخاطِبَهُ بذاك التعالي المتعدّي الحدود ... يتفهّمُ أنها ما تزال تحت تأثير الصدمة .. لكن ليس أنْ يصلَ بها الحالُ إلى أنْ تخاطِبَهُ بتلك الطريقة .. أخيرًا اصطفَّ على قارعةِ الطريقِ بحركةٍ مفاجئةٍ جعلتْ أندلس تشهقُ مجددًا ليقول لها فورَ أنْ توقفت السيارةُ بغضبٍ كبير ...
- هااي أنتِ ... ماذا جرى لنا ؟ أرى لسانكَ قد انطلقَ الآن .. من يراكِ قبل قليلٍ يظنّ بأنكِ قد ابتلعتيه .. ويستحسنُ لو فعلتي عوضًا عن هذا الكلامِ الفارغِ الذي تفوهتِ به .. أندلس ..... ( وأشارَ بسبابته إليها محذرًا ) أحذركِ مِن استخدامِ هذه النبرةِ معي مجددًا ... أنا حقًا لن أتورّع عن ردعكِ بأي طريقةٍ ما دمتِ ستستخدمينها ...
حسنًا قد يكون انفعالها زائدًا عن الحدِّ لكن يجبُ عليهِ تفهُّم توترها .. إنها مشوّشة ولا تدري ما تفعل ... لمَ هو قاسٍ هكذا ! كلامُه أيقظَ فيها الرغبةَ في البكاءِ والتي كبتتها منذ فُجرتْ تلك القنبلة .... لن يتورّع عن ردعها ! ... هل سيضرِبُها يومًا ؟ ..
حملقتْ فيهِ بعدمِ تصديقٍ .. بينما أخذت الدموعُ تنهَمِرُ من عينيْها متدفقةً من ينبوعٍ لا ينضب لأسبابٍ كثيرةٍ كان آخرها آدم ، دموعٌ لم تتمكّن من السيطرةِ عليْها جعلتْه يشعر بأنه في قمةِ الحقارة لأنه كان سببًا بتحرُرِها .. لقد نجح بمهارةٍ بجعلها تنسى كلّ شيءٍ لتفكر بآخر كلمةٍ قالها ...
- ستضربني يا آدم ... !
بتهدُّجٍ نطقت الكلمة من بين دموعها وبالكادِ فهِمَها .... إنهُ لنْ يفعَلَها ما دام حيًا .. كيفَ تُفكّرُ بأنه قد يملك القدرة على فعلها أصلاً ...
- ستُقطَعُ قبلَ أنْ تفكرَ بأن تمتدّ عليكِ يا أندا ... ( ونظَرَ إليها بحنانٍ ليكمل ) ولوْ ،........ أنا آدم ... الذي ما كان ليفعَلَها ما دامت روحُهُ تتنفس ..
كلماتُهُ كانت كل ما تحتاجُهُ فعلاً لتستمرّ في البكاءِ ، لكن هذه المرة لأنها بحمايةِ رجلٍ بكل ما للكلمةِ من معنى ... أمَاْ قالتْ قبلاً أنه لنْ يخذلَها !!
- أنا مُتْعَبة ... متعبة بشكلٍ لا يمكنُ لعقلٍ تخيُّله ... أحتاجُكَ جدًا ... جدًا ..
كمْ يعشَقُ ضعفَها الذي تُصرّحُ له فيهِ علنًا دونَ خجل ... يعشقُ أنها ترى كمالها فيه ، أنها تقولُ بصراحةٍ أنها تحتاجُ إليْهِ حتى يكونَ كما ترغبُ بالضبط .. إنها توأمُ روحِه الذي طرَقَ بابَهُ قبل زمنٍ في يومٍ لمْ تسطّرْهُ ذاكرةُ النسيانِ ولنْ تفعل .. يومَ كانت تمشي في الشارِعِ بلا أدنى اعتبارٍ للسياراتِ المارةِ بحذوها .. بثقةٍ عمياءَ جعلتْها تهجرُ الرصيفَ وكأنها تعلنُ للشارعِ أنها لا تقلُّ قوةً عن المركَباتِ العابرة فيه ... دونَ أنْ تُخْبِرَهُ بأنّ رجلاً واحدًا فقط استطاعَ رؤيتها بشكلٍ مغايرٍ مما حدّهُ للنهوضِ منقذًا إياها مِنْ براثنِ تلك الحافلةِ التي كانت ستفتكُ بها لوْلا أنّ قدرهُما ليلتقيا كان أسرعَ ... أتراها تذكر ذلك اليوم وهي التي ما منحتْهُ يومَها سوى نظرةِ امتنانٍ كادت تطيحُ بهِ ..
- أرجوكَ .... لا تتغيّر !
باستجداءٍ قالتْ عندما شعرتْ بحرارةِ صدرِهِ وهي تصهَرُ كل بواعثِ الخوفِ والترقب داخلَها .. بينما هو يشدد عناقَهُ لها ، فهو وإنْ لمْ يصرّحَ يحتاجُها ربما أكثر مما تحتاجه هي ....

( استغفِرُ الله ... استحِيا ... وأنتَ خفْ على شرَفِك ودع بنت الناس تذهبُ في حالِها ! )
رجلٌ حمائيٌّ تجاوزَ الخمسين قالَها وهو يمرُّ ببطءٍ شديدٍ بسيارتِه مِنْ جانِبهما وكأنّهُ لنْ يذهب إلا في حال اطمأنّ على " بنت الناس " ..
كمنْ رُصِدَ متلبّسًا بجريمةٍ كانت أندلس تعتدلُ في جلستِها بينما اصطبغ وجهها كليًا بالأحمرِ .. أما آدم فوجدَ شمالَه ترتفعُ تلقائيًا ليشيرَ بإبهامِه إلى بنصره مُظْهِرًا حلقةَ الفضةِ التي التمعت بفعل نور انعكسَ عليها من الشارعِ قائلاً وهو يبتَسِمُ شبهَ ساخِرٍ ...
- إنها زوْجتي يا عمّ ..
- مَنْ !!!! آدم حشكي لمين .. ؟
كان الرَّجُلُ قدِ استطاعَ تمييزَهُ بعد أن ابتعدَ عنه ظِلُ الفتاةِ التي كان يعانِقُها والتي صرّحَ له بأنها زوْجَتُهُ ليكشفَ النورَ عن تفاصيلِ وجهِهِ ... أما نبرتُهُ التي استمَعَها قبلاً في البرنامجِ فأكدت له أنه هو ..
( يا وَقعة سودة ! ) قالها آدم بهمسٍ لأندلس لتضحكَ بدورِها بالسرقةِ وهو يحكّ رأسَهُ متبرّمًا عندما رأى الرجلَ يركنُ سيارتَهُ في موضِعِها ويترجّل منها بغيةَ مصافحتِه ..
ترجّلَ آدمُ بدوْرِهِ وصافَحَهُ ثمّ التقطَ معَهُ صورةً وبعدَها عاد أدراجه مستحوذًا كرسيّ القيادة .. أما الرجل فتقدّمَ من أندلس ليقولَ لها غامزًا تحتَ أنظارِ آدم الشاخصة وكأن مزاجَه الحشري قد اختلفَ تمامًا " أعتذر عن الحرجِ الذي سببتُهُ لكِ .. " وأردف بنبرةٍ ممازِحة .. " لو كنتُ مكانكِ لمنَعتْهُ عن التمثيل .. كثرٌ هنّ المعجبات وابنتي إحداهُن .. ستجنّ إنْ عرفتْ بأنني التقيتُ به .. "
ضحكَتْ بخفةٍ مانعةً نفسَها مِنْ تهشيمِ واجهةِ الرجلُ الأمامية نظرًا لإعجاب ابنتِه بزوْجها .. إلا أنه أخيرًا انصرفَ قبلَ أنْ تفقِدَ صبرَها ليضحكَ آدم مطوّلاً وهي كذلك حتى أنهما كادا يقعانِ أرضًا من شدة الضحكِ عندما استرجَعَ آدم ما كان يقولُه الرجلُ بنبرةٍ حانقة " دعْ بنتَ الناسِ تذهبُ في حالِها " وغمزَ مجيبًا بجرأةٍ مشيرًا إليها بقلةِ حيلة " وكأنها سترضى أنْ أدعها تذهب في حالها .. " لَكَزَتهُ بيدِها وهي تعي ما قالَه لتستشهِدَ بكلامِ الرجل " استحِ ... " وليغضا بالتالي طرْفَهما عما يحملـُهُ قادِمُ الأيام ....

*


priscila ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

*

- لم أجدْ تفسيرًا منطقيًا واحدًا للكرنفال الذي كنتَ تفتعلُهُ بحركاتِ وجهِك ...
قالتْها شادن بصوتٍ حاولت جعلَهُ منخفضًا فوْر خروجِها من غرفةِ الطفليْنِ بعد أن تأكدت من خلودِهما للنومِ .. لترى برودًا شديدًا ينضحُ من عينيْهِ وكأنها تكلمُ الحائط خلفه بينما هي تغلي لألفِ سبب ....
- ومن طلبَ منكِ إيجاد تفسيرٍ منطقي ... نحنُ بالعادة نـُخدعُ بكنّ دون أن نجدَ تفسيرًا واحدًا أيًا كان نوعه !
كلامُهُ الذي قاله بلؤمٍ ليحمِلَ معنىً واحدًا غُرزَ في قلبِها تاركًا جرحًا خمنتْ أنه سيضاف لقائمة الجروح التي لم تندمل ....
- ماذا تقصِد .. ؟
حاولتْ أن تجدَ لكلامِه تفسيرًا آخر .. محاولةٌ كانت تعلم أنها ستبوء بالفشلِ من قبلِ أن تختلِقَها ... لتجابهَ بصمتِه الذي يُتْبِعُهُ عادةً برفعِ إحدى حاجبيْهِ بمعنى " تعرفينَ قصدي .. "
- أوس ... لن أكونَ قادرةً على فِعلِها من جديد !
قالتْ محذّرةً إياهُ مِنْ قوْلِ المزيدِ بمعنى أنها لن تستطيع مسامَحَتَهُ مجددًا ... بينما همَسَتْ برجاءٍ " أرجوكَ .. لا تتغير ، كان كل شيءٍ رائعًا منذ فترة ! "
ضحكَ بغلٍّ وهوَ لا يأخذُ كلامَها على محملِ الجد بينما حلّ زِرّيْ قميصِه العلويّيْن بعد أن نزع ربطة عنقه .. ليردّ بمرارةٍ عليْها ،
- كلكنّ خائنات .. مخادعات ، حتى أكثركنّ شرفًا تقدِرُ على الغدرِ بلا رحمةٍ دونَ أنْ تسأل بمشاعِرِ أحد ....
كانَ يقولُ كلماتِهِ بحُرقةٍ وهو يُـغرِقُ بصرَهُ في اللا مرئي .. دون أن يتطلّعَ إليْها ... وكأنه يقولُ أنّ كم الكُرهِ الذي أبدَتْهُ نبرتُهُ يكفي تمامًا لتعرفَ حقيقةَ مشاعِرِه ... " مقتٌ خالص " لكل ما خُتِمَ بتاء التأنيث ونون النسوة .. لكنها لن تصمتَ أبدًا بعدَ أنْ فتحَ عليْها النارَ ... لنْ يلطِمَها بقسوةِ كلماتهِ لتعطي له الخد الآخر .. !
- واللهِ ... كلٌّ يرى الناس بعينِ طبعِه .... بعينِ من ......... طبعِه يا أوس ... وأنتَ تفهمُ جيدًا ما أعنيه ...
ردتْ عليْهِ بنبرةٍ تشبهُ إلى حدٍّ بعيدٍ نبرته الخاليةَ مِن الرفق أو اللين ... ليصدِمَهُ أنها لا تزالُ تتذكر ... وهو الذي ظنّ أنها استطاعتْ بعدما بذلهُ من إخلاص نسيانَ الأمر ... قالَ بعدمِ تصديقٍ ...
- عن ماذا تتحدثين ؟ مضى على القصة أعوام !!
لمْ يُحرجْها بسؤالِهِ بقدرِ ما أزعجَها بارتمائه على الكنَبةِ بألمٍ علقمٍ شعرت به يتجرّعه ؛ لتشعرَ أنه نفسه لم يتجاوز الأمر أبدًا ولن يفعل ... وإلا ما ظهر الأسى عميقًا من عينيْهِ حنينًا لها .... هكذا كانت تعتقد ... إلا أنّ الأسى الذي ظهر ما كان سوى لأنه شعرَ مجددًا بمرِّ خيانته لزوجته .. ومرِّ خيانةِ تلك له لتذهب نحو رجلٍ آخر تكون تجربته الأولى – ولو كذبًا – أمام الناس ، بعدَ المشاعر التي علّمتْه شادن كيف تكون والتي لم يبخل بها عليها عندما شُغلتْ عنه بحملِها الأول .. لترحلَ مخلّفةً وراءَها عُقدًا فيه .. و ........... كرهًا لنفسِه لأنه خان حبّهُ الأول !
- أنظر لشكلك ! يمكنكَ أن تكونَ لقطةَ الموْسمِ تحتَ عُنوانِ " الرجل الذي يُقتـَلُ التياعًا " أظننتَ أنّ مُضيّ الأعوامِ كفيلٌ بجعلكَ تنساها يا أوس ... أنا حقًا أستغرب ؛ فأنا كامرأة ما كنت لأستطيعَ أن أترك زوجي لأجلِ رجلٍ أحبه ، خوفًا من الفضيحة ... أمّا وأنت رجلٌ فيمكنكَ ذلك ببساطة ... فقط بكلمةٌ تقولها .. تتحرر إلى الأبد .. لمَ لمْ تقلها يا أوس .... حتى أكونَ حرة أنا الأخرى منك ....
كان يسمَعُ كلامَها دون أنْ يصدق أنّ شادن التي يعرفها استطاعت أخيرًا أن تنطِقَ به ... الكلام الذي انتظرَ لليالٍ طويلةٍ اللحظة التي ستقوله بها ... كان يتخيّلُ أنه سيكون قاسيًا .. إلا أنه لم يعتقد بحالٍ من الأحوالِ أن يكون قاتلاً .... قاتلاً محييًا ليعود ويقتُلَه من جديد !! .......... لكن ماذا قالتْ في الأخير ؟
كوميضٍ يقاومُ اندثارَهُ اندفعَ نحوَها حتى أنها لمْ تعرف متى صار يقفُ أمامَها بكامل سطوتِه وملامِحِه التي تكون مخيفةً عندما تنبعجُ رفضًا ..... وأمسكَ ذقنها بقسوةٍ قائلاً وهو يحملقُ فيها بغضب ..
- أنتِ لنْ تتحرري مني .... لا الآن .. ولا لاحقًا ...
وظلّ يحدّقُ بها لثوانٍ إضافيّة عندما شعر بارتجافتِها نظرًا للقوةِ التي أمسكها بها كما لاحظ تضييقَ عينيها في محاولةٍ للتماسك .. أفلتَها كالملسوعِ وهو يزجُرُ نفسَهُ على ما فعلَهُ ... ليشْدَهَهُ تعبيرُ القرفِ الذي ارتَسَمَ بفنٍّ على محياها كلِّه .. لتقول بعدها بنبرةٍ تشابه تعبير وجهها ...
- أعرفُ أنني لن أتحرر منكَ وإنْ حرّرتني منكَ فعليًا ... ولذا لا أزال واقفة هنا ... لا تصدّق أبدًا لعبةَ اشتياقي للبيتِ أو حنيني إليْك ... وهل من عاقلةٍ تحنُ لرجلٍ مريضٍ مثلك ... لوْلا أنّك كبلتَني بطفليْكَ لما رأيتَ وجهي أبدًا منذ زمنٍ ..
كانت تتوسّلُ داخليًا أنْ لا يصدّقَ كلامَها ... فهي محضُ كاذبة .....
لن تتحرّر منه فعليًا لأن قلبَها الغبيّ معقودٌ به نبضُهُ ، لا تزال واقفةً هناك لأنها تشتاقُ إليْهِ وتحنّ .. أما عن عقلِها فهي لا تهتمُّ لمن ينعتها بالجنون لأجله ... و عليّ ونور ....... آهٍ منْ عليّ ونور ؛ هما أجملُ قيْديْنِ يمكنُ لأحدِهِم أن يُكبَّل بهما !
لكنْ لا بأس ... يجبُ عليْهِ أنْ يعرفَ بأنّ الكونَ لا يدور حولَ المُخلِصِ الوحيدِ الزائفِ المدعو أوس ... التفّتْ تغادر الصالةَ فهي لم تعد قادرةً على احتمالِ المزيدِ اليوم .. يكفيها أنه شغَـلَها عما يجدر أنْ تفكر فعليًا به ... لكنّ عيناها وقعتا فجأة على الظلينِ القصيريْنِ للطفليْن الواقفينِ حذوَ البابِ .. كانا يرمقانِهما بخوفٍ شديدٍ وعلى وجهيهما الحبيبيْن آثارُ النومِ اللذان أقعداهما منه بصراخِهما ... أخيرًا لاحظت يدَ نور التي ارتفعت لتستقرّ على خدّها مؤنبةً عليْ بقمةِ الصدمة .. وأسنانَها التي عضتْ شفّتَها السفلى عندما بدأ يعلو بكاؤه ... وعندما نظرت شادن له أذهلَها بنطالُهُ المبلل ...
أوس الذي ابتعدَ تلقائيًا عن الموقِفِ بقمةِ الأسى وجدَ نفْسَهُ يخرجُ مِنَ البيتِ طمعًا بنفَسٍ خالٍ من التوترِ والتعب عله يجدُ فيه شفاءً لألمِه الذي أصبحَ الآن فتّـاكًا برؤيته عليّ وقد بلَّ نفسه ونور التي لمْ يقلّ حالُها عنه سوءًا بملامِحِها المتغضنة ... أما شادن فقد صرّحتْ له فعليًّا أنّها لولا طفليْهِ لما جلستْ لديهِ دقيقةً واحدة !
ربعُ ساعةٍ فقط عادَ بعدَها إلى البيتِ ليجد شادن قد أنهت تبديل ثيابِ عليّ ووضعتْهُما في سريرِهما ... كانت تهدهد عليًّا في محاولةٍ لطمأنَتِه ... ولا يدري ما السؤال الذي وجهه إليها لتجيبَهُ بـ " لا يا عمري ... أنا أحب بابا أوس جدًا "
كانَ يعرفُ أنها تقولُ كلمتَها لإشاحةِ الخوفِ الذي رآه على وجهيهِما قبلَ وقتٍ قليلٍ فقط .. لكنّه أراد استغلال الفرصةِ فما كان منه إلا أن جلس على طرفِ سرير نور التي كانت منكمشة بدورِها ليقول بعدها بصوتٍ حنون :
- وأنا أيضًا أحب ماما شادن ........ جدًا جدًا .. جدًا
نظرَ شادِنْ الذي كان قاسيًا لوهلةٍ عندما توجّه إليهِ منحه شعورًا بالازدراء .. لتعودَ وتلتفت عنهُ مؤكدة ما قاله لهما بإيماءة وحيدة صدرت منها ... ظلا معهما إلى أن ناما ... وخرجا بعدَها معًا إلى الخارجِ قبلَ أن تقولَ شادن باتّةً في الأمر بنبرةٍ منخفضة هذه المرة ..
- يبدو أنّ علينا إعادة ترتيبِ الأوراق ... ( وصمتت لتعود وتردف ) " أحكيلك " رتبْ وحدَكَ ما شئت .. سأخلد للنوم .. قليلٌ من الوقتِ ريثما أحضرُ لكَ وسادة وملاءة ..
راقبَ ظلّها يغيبُ عن مرمى ناظريْه .. وهو بلا حولٍ ولا قوة يقفُ خجِلًا من نفسِه ، يرمقُ حكايتَهما وهي تذوي بعينٍ خانعة ... فهُما وإن ظلا معاً بحكم الرباط الذي يوثقهما .. حتمًا لن يعودا كالسابق !

*

- أسد ........... ! أسد !!
كررت مروة نداءها لابنها دون أن تلقَ استجابة أو حتى كلمة " لحظة " التي يقولها بمعنى أنه قادمٌ بعد قليل .. لتحنِقَ عليْهِ مُجددًا بحُكمِ أنه يتثاقَلُ عن تلبيتها كالعادة ....
سارتْ بخطواتٍ ثقيلةٍ متوجهةً صوبَ غُرفَتِه .. لتجدَ بابها مفتوحًا .. والستارة البيضاء تتحركُ .. أي أنّه إما على الشرفةِ أو أنه خرجَ ونسيَ بابها مفتوحًا .. وفي كلتا الحالتين يستحقُّ توبيخًا .. ففي الحالةِ الأولى تجاهُلُها ليس جيدًا .. وفي الأخرى خروجُهُ دون أنْ يُغلقَ الباب يعني تركُهُ البيتَ دون إعلامِها وفتح البابِ على مِصراعيْهِ أمام جموعِ " البعوض " الذي يقتنِصُ فرصًا مشابهة لاحتلال المكان في مثل هذا الوقت من كل عام ...
حسنًا هو في الداخِلِ وهذا جيّد ... نجحتْ بمعرفةِ ذلك عندما رأت طرف بنطالِ بيجامَتِه من الأسفل .. تقدّمت إلى الداخل بخطى خفيفةٍ لكي تضبِطَهُ بالجُرمِ وهو " ينامُ " على هاتِفِه ذائبًا تمامًا وهو يستمع إلى الطرف الآخر ... !!
بخفةٍ كانت تنتشِلُ الهاتِفَ منْهُ وتضعُهُ على أذُنها ثم قالتْ بعدها بـ " تحقيق "
– ألو ... ألو ..... من معي ، ردي عليّ يا ابنة الـ ...
وكان محدّثه قد أقفلَ الخطّ بوجهها ... أسد الذي ارتَـبَكَ عندما رأى الهاتفَ خاصتَهُ بحوزة أمه في لحظة واحدة .. وجّهَ طرفَهُ ناحية الشرفةِ المجاورة ... لينجح برؤية صاحبة الخرقةِ البيضاء وهي تتسحّبُ حبوًا خارجةً من الشرفة بعد أن نزلت تلقائيًا إلى أخفض من مستوى " الدرابزين " ... ليتنفّسَ الصعداء وهو يرى نظرَ أمّهِ في ناحيةٍ بعيدةٍ كلَّ البعد عن شرفة الجيران .. تفرّغَ بعدها لمحاولةِ قلبِ الموضوعِ على رأسِ أمّه كما يفعلُ الشبابُ عادةً ...
- أنتِ كيف تأخذين الهاتف مني هكذا ... ماذا يقول عني صديقي !!؟
أمُّهُ التي فهمت تمامًا ما سيفعَلُه تبسّمتْ في وجهه ابتسامةً خبيثة فهِمَ منها أنها حفِظتْ لعبته الغبيةَ هذه ....
- صديقَك !!!!!!!! أخشى أنْ يكونَ " محمد سليم " كما في تلك المرة !
حسنًا ... لقد أصابتْ .. فهو الاسم الوهميّ الذي قفزَ لذهنِه - كما دائمًا - مذ بدأت علاقته بندى تتخذ منحىً آخر ... لكنها بلفظِها الاسم جعلته يضحكُ مقهقهًا ليقولَ بعدَها مستذكِرًا آخر مرة ..
- لنْ تطلبي مني أنْ أعتذر له عن الشتيمة التي كنتِ ستتلفظين بها .. أليسَ كذلك !
مروة .. كانتْ تريدُ أن تلقّنَهُ درسًا .. وهي إن لمْ تعرف بعدُ بهذه الشيطانة ستعرفُها يومًا ... وريثما يحين ذاك الوقت ... ستغزِلُ غزلَها على الناعم لتستدرجَ أسد ... فهو لنْ يلبث أنْ يقع في حبائلها معتـرِفًا بلسانِه الذي سرعان ما ينفلت ...
- لا ... لا تعتذر لي منه فقد بتنا عشرةً منذ آخر اتصال ... وهو لا بدّ أنه يتفهّم حرصي عليك ... ( وأردفت باستخفاف ) يا ليوني الذي لن يصبحَ أسدًا بالمرة ! ...
وخرجتْ بخطواتٍ ثقيلة هذه المرة ... ليتنهّدَ تنهيدة عميقة ... لم توازي بحالٍ من الأحوالِ مقدارَ العُمقِ الذي أراد للأكسجين الذي عبّهُ أن يصل إليه .. وبالتالي لمْ يستطِع أن يفكّر جديًا في مسرى حياتِه .... ولم يتساءَل ، متى نقطةُ التحوّل !

*


priscila ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

*


^ بعدَ أربعةِ أشهر ^

تطلّعتْ أندَلُس بعينٍ راضيةٍ إلى المرآة تعبيرًا عن إعجابِها الشديد بمظهرِها الذي كان بالأناقةِ التي تريد تمامًا .. لتحيدَ بعينيْها بعدُ عن المرآة موجّهة بصرها نحو ساعة الحائط الكبيرة ... ولتزفر بعدها بتذمر " ما يزال هناك ساعتان على الموعد " ...
توجّهتْ بعدها إلى الصالون .. حيث آدم لا يزالُ يحتَضِنُ حاسوبَهُ الشخصيّ بشكلٍ فجرَ فيها الغيرة كما في الآونةِ الأخيرة ...
- آدم .......... لا تزال جالسًا هنا ! ستثير جنوني بلا مبالاتك ... ( وأكملتْ بخوفٍ حقيقيّ ) صحتك حبيبي .... الطبيبُ أمَرَكَ بتلافي الجلوسِ لساعاتٍ طويلةٍ والتحديق في الحاسوبِ بهذا الشكل ... !
آدم الذي كان يطـّلع على ملفاتٍ مهمةٍ حصلَ عليْها بعدَ بحثٍ طويلٍ عن اسمٍ شهيرٍ لمَعَ اسمه فجأة إثر تقليدِه منصبًا مهمًا في البلد .. كان يفكر في أي شيء سوى صحتَه والحفلَ الذي سيقامُ بعد ساعتيْنِ من الآن تقريبًا ...
- آدم ........ هل أحضرت بذلتك من " الدراي كلين " ،
بنفاد صبرٍ سألتْه وهي تراه منغمِسًا بشكلٍ غير منقطِعِ النظير .. يمسَحُ نظّارتَهُ الطبيةَ التي ما عادت جديدة بالنسبة لها وقد اعتادت بالفعل عليها بعد شهرين وأكثر بمنديلٍ خاصٍ دون أنْ يتوقّفَ عن القراءة ..
- آاااااااااااادم !! هلا قمت لتحضِرَ بذلتك ...
بغضبٍ قالت وهي تطبق واجهة الحاسوب الشخصيّ ليقوم متذمّرًا وهو يقول لها بنَزَق ..
- حاضر ... حاضر يا أندلس ..... لا أعرِف منذ متى صرنا نحضر حفلاتٍ موسيقيّة ... سأقوم لأحضِرَها حالاً ...
وَرَفَعَ بصرَهُ عن أوراقِهِ التي لَـمْلَمَها مُسرِعًا لينظُرَ إليْها " مصفّـرًا " بإعجابٍ قائلاً وقد ابتسم ابتسامةً بلهاء بعد أنْ تمطّى قليلاً ليخفف من تشنج عظام رقبته إثر انحنائه الطويل ...
- يا أمي ........ !!!!!!!! متى صرتِ جميلةً هكذا ...
ها هو ذا يعودُ آدم .... ابتسمتْ بحبٍ وهي تقولُ مذكّرةً إياه ..
- منذ أن ارتديتَ النظاراتِ ولم تعُد ترى أمامك سوى الحاسوبَ والأوراق و...... الكاميرا وقت التصوير ،
حسنًا .. فكر آدم بأنها تعود مجددًا لإلحاحِها الدؤوب عليهِ ليتركَ عملَهُ جانبًا في البيت .. لكنّها ما عرفتْ بعدُ بأن عودته إلى العمل كممثل ستاند أب كوميدي بناءً على إلحاحِها أيضًا بالتزامن مع إلحاح السيد رامي وبعد جلساتٍ كثيرةٍ من الإقناع حتمتْ عليْهِ أنْ يتفرّغَ في البيتِ للاستمرار في أبحاثِه حول بعضِ الشخصيات الهامّة لينشُرَ حوْلها مقالاتٍ موثقة بالمعلومات الدقيقة والمراجعِ في مدوّنتِه التي تأكد من أنها لا تحملُ أيّ صلةٍ به ... فهو لمْ يصرّح باسم ممتلكِها الذي باتَ يشكِّلُ ما ينشرُهُ موضوعًا هامًا للكثير من البرامِجِ الحواريّةِ السياسيّةِ ، الإذاعية منها والتلفزيونية .... أخيرًا قام على عجَلٍ لينسى في خضمِّ صخبِهِ الخاص بعد الكم الهائل من المعلومات التي حصل عليها إقفال حاسوبِهِ أوْ حتى انتزاع " الفلاش " خاصتَهُ من الحاسوب كما جرت العادة ..
غادَرَ دونَ أنْ يُعَقّبَ مسرعًا ليحضر بذلته بعد أن طبعَ قبلةً شقيةً على خدها ..
- واللهِ أنتَ ستثير جنوني حقًا بما تفعَلُه ...
قالتْ فورَ خروجِه عندما ركّزت بصرها بشكلِ الصالون الذي صنفتْهُ " بالمريعِ " بتبرم .. وتوجّهتْ إلى الطاولةِ بغيةَ ترتيبِ الأوراق المتناثرة هنا وهناك وإن كانت تعلمُ أنّ الأمر سيثير حنقَهُ عندما يعود ... لكنها أخيرًا التفتت إلى الحاسوب الشخصي المتربّعِ على عرش الطاولة .. لتبتهِجَ وهي ترى القطعةَ المستطيلةَ البيضاء الخارجة من إحدى أطرافِه ...... لتنتشي نصرًا وهي تقول بفورةٍ ..
- أخيرًا يا كـــَـنزي المنتـَظـــر !!
وبسرعةِ البَرْقِ كانتْ تهرعُ إلى حقيبتِها لتُخرِجَ منها هاتِفها والوصلة الخاصة به .. وهي تُفَكّرُ بأنها ستعرِفُ أخيرًا سرَّ عملِهِ الدائم ... والذي لمْ يحكِ لها عنه شيئًا ... اللهم يُسمِعُها كلماتٍ مُبهَمة حول ما يعنيه له وأشياءَ من هذا القبيل ....
بيدٍ مرتعشةٍ كانت تقوم منتَفِضةً لتقفلَ الباب خوفًا من قدومه المفاجئ ... لتعود وتفتح الحاسوب الذي أقفَلَتْهُ بنفسِها بيدٍ مرتعشةٍ أيضًا خوفًا من معرفتِه بما تفعَلُهُ فهو حتمًا لنْ يتجاوزَ الأمر بسهولةٍ .. لكنها فكرت أخيرًا بأن من حقها معرفةُ ما يجري ...
أدخلت طرف وصلة الهاتفِ بالحاسوب والطرف الآخر بهاتِفِها .. وبأنملةٍ متلهّفةٍ لمعرفةِ حتى شكل محتوياتِ فلاشته الخاصة كانت تنقُر نقرتيْن متتابعتيْن على عنوانِها الذي كان فقطْ رقمَ هاتِفِه ... أخيرًا فتحتْ عينيْها على وسعِهِما وهي ترى عددًا كبيرًا من الملفاتِ لن تكون قادرة على تصفحِها لعام مقبلٍ كامل !
جالت بعينيْها على عناوين الملفات وفي نيّتها إقفالُ هذا العالمِ الذي لمْ تعرفْ له مدخلاً من مخرجٍ .. إلى أنْ لَمَحتْ ملفًا عُنْوِنَ بـ " VIP " ليسيل لعابُها ترقبًا لمعرفةِ ما فيه .... فتحت الملف ففوجئت بثلاثة ملفاتٍ مترتبةِ فيه على التوالي ..
( 2009 trip with Sami ) ( يومياتُ عاشقٍ شرقيٍّ ) و ( New folder )
حسنًا ستنقُلُ هذا الملفّ ... وبسرعةٍ كانت تنقر على اسمه لتفعّل خيار " إرسال إلى " وتنقله إلى هاتفها .. بينَما هي تكاد تطيرُ سعادةً للشيء الجديد الذي ستعرِفه عن زوجِها الذي باتَ صندوقًا محكم الإقفال في وجهِ كل محاولاتِها لاستنطاقِه ورأسها يعجُّ بالتساؤلات حول ما تخفيهِ هذه الملفاتُ عنها ....
كما قامتْ بسرعةٍ بإنجاحِ الأمر قامتْ بإعادةِ كلِّ شيءٍ كما كان عليْهِ تمامًا و حتى الأوراق أعادت نثرَها على الطاولة لنفيِ أيِّ شبهةٍ أو ذرةِ شكٍ قد تتسللُ لعقلهِ لتوصل إليه أنها عبثت بمكنونات حاسوبه الشخصي .... نهضتْ عن الكنبةِ التي كانت جالسةً عليْها وهرعتْ تُشغِلُ نفسَها بشيءٍ ريثما يعود ليخرجا فهما يجب عليهِما حجزُ مقعديْهِما قبلَ أنْ يمتلئ المسرحُ عن آخره ... أما الملفات ... فستتصفّحُها غدًا حرفًا حرفًا عندما يغادرُ إلى عمله في الصباح .... وياااه ما أبعدك أيها الصباح !

*

تِك تك .. تِك تَك .. .............. طق طق طق ،
سماعُهُ لتكتكاتِ الساعة تزامنَ مع طرقاتٍ خفيفةٍ على الباب ... ليقولَ بصوتٍ أنيقٍ .. " تفضّل "
فـُتِحَ البابُ .. لِتُطـلّ عليهِ ناي ومعهَا باقةٌ مِنَ الوردِ جلبتْها له خصّيصًا كتهنئة قبلَ الجميعِ على نجاحِ الحفلِ الذي هي متأكدةٌ منه منْ قبل ابتدائه ... قامَ إليْها وقبّلها بحبٍّ وهو يأخذ منها باقةَ الوردِ الجميلة ... أخيرًا قالَ لها بامتنانٍ ...
- كل معزوفاتي ... هي إهداءٌ حصريٌّ لكِ أنتِ يا ناي ... يا عُمُري الذي لنْ ينتَهي أبدًا ما دمتِ تتنفّسين ،
كادتْ تبكي وهي تعي حجمَ الذي عاشه والدها من معاناةٍ ليخرجَ هذا الحفلُ بهذا الشكلِ الذي واضحٌ أنه متعوبٌ عليْهِ من كمِّ التجهيزاتِ التي رأتْهُا منذ وصولِها .. فالكلّ يحوم في جلبةٍ لإنهاء ما كُلِّف به .. ما لمْ تصدِّقهُ أصلاً أنّ والدَها عاد ليعزِف .. حتى أنّه لمّا أخبرَها عن نيته إقامةَ حفلٍ موسيقيٍّ لم تصدق إلا عندما رأت إعلاناته تغزو شوارِعَ الأحياء الراقية يوم كانت وسلام في جولةٍ حول المدينة ...
- أعرِفُكَ عازفًا لا شاعِرًا ...
قالتْ وهي تحركُ حاجبيْها امتنانًا لكلامِهِ المنمّقِ جدًا فوقَ العادةِ اليومَ .. أخيرًا احتَضَنَتْهُ مادّةً إياهُ بكل ما احتاجَ مِنْ دَعمٍ ليعطي كلَّ ما لديهِ اليوم بينَما هو يضحكُ تأثرًا عِوضًا عن دمعة كان من الممكن أن تخونَه لولا أنه كان أسرع منها ...
- أثقُ فيكَ بابا .. وأثقُ بأنني سأسمعُ اليوم أجمل ما عزفتْ يداك ...
وشددتْ من احتضانها له وهي تستَرجِعُ ذكرى آخر مرةٍ عزف فيها على البيانو .. يوم خطبَتِها .. لتمنَحَهُ سريعًا قبلةً على خدّه قبلَ أنْ تذرفَ دمعةً سيكون تأثيرها سلبيًا بالتأكيد .... وخرجت ...
انتهى من وضعِ ربطةِ عُنُقِهِ ولمْ يسمَحْ لنفسِهِ أبدًا بتجاوزِ صورِ وجوهِ الأطفالِ الذينَ سيذهب ريع الحفلِ لهم ... أخيرًا جاء أحدُ القائمينَ على الحفلِ ليُعلنَ له أنْ حانَ موْعِدُ البدء ..

*

سلام الذي استقر في مقعدٍ من المقاعدِ الفخمةِ والتي تناسِبُ روّاد الدرجةِ الأولى مِنْ رجال الأعمال .. أثار وجودُ عددٍ من المدعوين حَنْقَهُ .. أمثالُ سناء التي كانتْ تجلـسُ على مقربةٍ منه بحُكمِ أنه قد تمتْ دعوَتُها للحفل من قِبَلِ القائمينَ عليْهِ وهي بالطبعِ وجدَتْها فُرصة مقدمةً على طبقٍ من ذهب لتحققَ مأربًا ما وبالتالي لم ترفُضْها ...
ليس وجودُ سناء فقط ما أثار حفيظَتَهُ ... وإنّما عائلتُهُ بالكاملِ والتي اصطف أفرادها جلوسًا بجانبِ بعضِهم دون أنْ يفْصِل بينهم أحدٌ غريب ................... تبًا سلام ! بلى ... هذا الدخيلُ الذي يجلسُ بجانبِ أمكَ من جهةٍ وبجانب شادن من الجهة الأخرى .. قُم ماذا تنتظر .. لقد شغَلَ مكانَكَ أنت ... وكأن وجوده يغني عن وجودك .... وهذه الغبيةُ شادن .. كيف تجلسُ بجانب هذا الرجلِ وتضحك معهُ بهذا الشكل المبتَذَل ...... ها هي ذا تضربُ كفًها بكفِه بتلقائيةٍ إثر نكتةٍ قالَها أحدُهُم أو ربما لمحاولتِه النُطقَ بكلمةٍ ما بالعربية بطريقة لم تنجح بالطبع !!
والدتُهُ لم يبدُ له أنها تأثرتْ بغيابِه – كما هو واضحٌ - طوال الأربعة أشهرٍ المنصرمةِ .. إنها حتى لمْ تحاوِل أن تتصلَ به فهو لمْ يسبق له أنْ أقفلَ هاتِفَهُ في وجهها .. يبدو أنها اكتفت بهذا الغريم .... معقول !! تنساه هكذا فقط لأن بكرها الحقيقيّ أصبحَ تحتَ كنفِها !! كان سيرضى بقليلٍ من الاهتمام .. اهتمامٌ يسكتُ غيرتَهُ التي لم يختبِرها من قبل ... ما سمِعَهُ من شادن إثرَ محاولتِها مرارًا فتحَ الموضوعِ معه أوضح لهُ أنّ أمه لمْ تفعلْ شيئًا خاطئًا تستحقُ به عقابه أو تعصُّبه تجاهها ... لكنّ أحدهُم لمْ يحاول أنْ يبرّرَ له شيئًا أصلاً سوى شادن .. حتى أندَلُس التي قلّما رآها في الآونة الأخيرة وكما سمِعَ منها في آخر اتصال منذ أسبوعٍ تقريبًا أنها قلما ما تزور بيت العائلةِ أيضًا نظرًا لانشغالِ آدم الدائم .. كانت تتحَفّظَ على الخوضِ في حديث معه عن ذلك اليوم .. هو حتى لا يعرِفُ وجهة نظرِها أو حتى إنْ كانتْ تعرف .. لكنّ جُلوسَها وآدم مع العائلة أوضحَ له أنه الوحيدُ المنبوذ .......
أخيرًا نظَرَ إلى الساعةِ وهو يتأففُ مِنْ بطءِ سيرِ عقارِبها .. بقيَ بالضبط اثني عشرة دقيقةً على بدءِ الحفل ! أيْ ما يعادل اثني عشرَ شهرًا وأكثر .. سيقضيها وهو يرغي ويزبد في نفس الموضوع مع الشخص الوحيد الذي يسمعه ........ نفسُهُ ... وهذا دفعه للتساؤل .. أين هي ناي ؟
وكأنها سمعتْهُ سرعانَ ما جاءتْ لتجلس على المقعدِ المحجوزِ لها بجانبه .... منتظِرَةً إطلالة والدِها التي ستكون رائعةً بوسامته .... لكنها عندما دارت بعينِها دورة سريعة على كلِّ المقاعد فوجئت بآخر إنسانةٍ توقعتْ أن تراها ....

*


priscila ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

قلبُها يتفَطـّرُ مجددًا وهي تراهُ يجلسُ بعيدًا نائيًا بنفسِهِ عنْها في أولِ مرةٍ تراهُ بعدَ أربعةِ أشهر وكأنّها لا تعني له شيئًا ، لتشعرَ أنها وسط كلِّ عائلتِها ليست سوى منبوذةً ... هي لا تنكر امتنانها لأنها استطاعت كسبَ شادن وأندلس بعض الشيء ... لكن سلام لا يزال يشكّلُ لها معادلةً صعبة لا تعرفُ لها حلًا !
بتلقائيةٍ كانتْ تتحسّسُ يدَ مجد الجالس على يمينِها لتشيرَ له بعينيْها إلى حيث يجلسُ سلام في نظرةٍ حملتْ كل معاني الحسرةِ والفقد .. ليومئ لها مُطمئنًا بأنّ سلام مصيرهُ العودةَ إلى كنفِ عائلتِهِ المـُحِبّة ...
نظرتُهُ أشعَرَتها براحةٍ وقتيّةٍ .. لكنها ما إنْ أشاحتْ وجهها ناحية فابريغاس حتى أحسّت بأن المشوار أمامها طويـــــل وأن الخطوة الأولى فيه ليست إلا تصالُحها مع سلام ... هناك الحاجزُ الذي بناهُ دينُ ابنها المختلف ... وحاجزٌ آخر أسسه الشقاقُ الذي سينشبُ بسبب سلام وفابريغاس اللذان يتسمانِ ببعض الصفات المتشابهة وإنْ تقبل كل منهما وجود الآخر في حياتِه ... منها العند والاعتداد بالنفس ... وهذا سيشكّلُ عقبةَ ما يعرفُ بالتقاء الجبالِ الذي يكون بالطبع مستحيلاً في مثلِ حالتها هذه !

*

تصفيقٌ حارٌ علا أنبه الجميعَ إلى دُخولِ نجمِ الليلة ... " يعرب " ... العازف الذي تركَ فراغًا كبيرًا في سماء عالمِ الموسيقى منذ اعتزاله .. لتنقشعَ غماماتُ الأفكار من رأسِ كلِّ واحدٍ منهم ... وليصبّوا جُلّ تركيزِهم على القادمِ من الألحان ...
بلا مُقَدّمات ... كانَ يتحرَّكُ إلى البيانو الأبيض خاصتَهُ بعدَ أنْ حيّى الحضورَ بانحناءةٍ واحدة لبقةٍ إلى الأمام .. ليُعَدّل بعد وضعية المايكروفون بحركاتٍ متمرّسة ...
نحنحاتٌ بسيطة أتبَعها بالترحيب بضيوفِ الشرفِ و الجمهور ... ليقول بعدَ ذلك بصوتٍ أبح ...
- أقدمُ لكم مقطوعَتي الأولى الجديدة ... " مدينةُ الدموع " ... وهي إهداءٌ لابنتي التي كنتُ لأسميها "بيانو" بلا اكتراثِ لولا أنْ قالتْ لي إحداهنّ وقتها أنّ اختيار اسم آلةٍ موسيقيةٍ أخرى سيكون ذا رونقٍ أجمل .. وتحت إلحاحِها صارت " ناي " ...... ناي ، أحبكِ جدًا ....

*

لمَ مدينةُ الدموعِ يا أبي ....... وأمامَ المدعوةِ " أمي " ... لمَ تُخبِرُها بألحانِكَ المعـذِّبة أن غيابَها قتلَ فيّ كل معاني الحياةِ لسنواتٍ طويلة قبل أن أعتاد على الأمر ... لمَ تخبرها أنّ غيابَها أضعفني .. أذواني .. أبكاني حتى بنيتُ مدينةً للدموعِ في كُلِّ زاويةٍ من زوايا غرفتي .. لمَ تُجبِرني على التفكيرِ مجددًا بما فعلتْهُ بي ... لمَ تثير فيّ الرغبةَ المدفونة التي تدفعني الآن لأطرحَ كل عذاباتِ السنينَ جانبًا طمعًا بحضنٍ واحدٍ صادقٍ منها لن يكون أبدًا .. لن تتمكن من منحي إياه .. رغبةٌ تدفعني للاشمئزاز مني لأنني لا زلتُ أحنّ إليها .... لمَ يا أبي ..... !!

*

كان يعزِفُ بإحساس ... يترَنّحُ ألماً مع كل نوتةٍ يصدرها بأنامله التي تتنقل بينَ كلِّ مفتاحٍ ومفتاحٍ بطريقةٍ لا تقوَ على نسيانها مع مرور الزمن ... وكأنه يعزِفُ على أوجاعِها فقط ! .. يذكّرها بخذلانِها له في كلّ يومٍ وكل ساعة ... يُذَكّرُها بأنها ما عادت موجودةً في حياتِه كما رغبتْ بالضبطِ .. بحديثه عنها في مقدمتِه ليقول " إحداهن " وليس طليقتي على الأقل ! وكأنها ما عنتْ له شيئًا قط ! وكأن رابطًا ما جمَعُهما .. له من العمرِ خمسة وعشرين عامًا !
وها هي ذا ... تَتَطلّعُ إلى ما بنتْهُ يهدمُ كقلعةٍ من رمال عبثتْ بها موجة غادرة ... لتخرجَ صفر اليدينِ ، خاوية الوفاض .. والسبب زوجُ ابنتِها ... الذي لا يتورّعُ عن كسرها بأي طريقة ..... وكان آخر ما فعله أن استحوذُ على سبعة عشر بالمئة من أسهم الشركة وتحالَفَ مع شركاءٍ يملكون ذات النسبة لتتساءَلَ أخيرًا ... إلى أينَ يُسيّرُها القدر !!
- مقطوعَتي الأخيرة ..... " أحبُّكَ مهما تكُن مظلماً " ..
تصفيقٌ حارٌ دوّى إثر سماعِ الحضورِ لاسم المقطوعة الأثيرة من فم يعرب .. لكن سناء ما شعرتْ سوى بمرارةِ الحنظلِ تزحفُ إليها وتسطو على كيانِها كُـلّه مع كلِّ كلمةٍ قالَها من اسم المقطوعة .. لم تكن محض كلماتٍ بل رصاصاتٍ أطلقتْ في مسمعِها لتخترَق صلابتها الهشة وتتركها وراءها أشلاءً ... كان يعزِفُ بقسوةٍ وهو يمرر أصابعه فوق المفاتيح لتشعُرَ بأنّه إنما يقول أكرهك ... أكرهك .. أكرهك ... كانت تراهُ لأول مرةٍ يعزفُ بقرف .. وكأنما يودّ خنقَ المقطوعةِ لا عَزْفها ... لكنها مع ذلك تساءلت .. كيف استطاع جعلها تؤمن مجددًا بأنها أجمل ما سمعت وستسمع !
تصفيقٌ حارٌ آخر ارتفع فور انتهائه من عزف المقطوعة الشهيرة ... ليتحرك من وراء البيانو خاصته بالتزامن مع تبدد ظلمةِ المكان .. بنورٍ رافقَه من الكشّافاتِ التي أسرتْ في المكانِ بهرجًا برّاقًا ... ليكون المشهدُ مكتملاً تمامًا كما أراد ...

*

أُسدِلَ الستار على الحفل ... تاركًا وراءه ألمًا .... وغصةً .. و حشرَجاتٍ !
ناي التي تحمّلت اليوم كثيرًا من الوجَعِ بثباتٍ من أجل والدِها رأتْ في انتهاء المقطوعةِ الأخيرةِ متنفسًا .. لتطلبَ من سلام الرحيل في التو ... وهو الذي بدا لها مهمومًا لم يمانع بالطبعِ عندما رأتْه معلقًا بصرَهُ على ثلةِ آل معلى وهمْ يهمّون جميعًا بالنهوض معًا في آن وكأنهم متفقون .. أخيرًا استأذَنَتْهُ لتودّعَ والدِها الذي اختفى من المسرح متوجّهًا صوبَ غرفته الخاصة ..
مضى سلام قدُمًا ... وشيءٌ ما أخبَرَهُ أنه لمْ يتَعَمّد المرورَ بجانبِ العائلة .. شيءٌ كاذبٌ بالطبع ...
مرَّ دون أن يلتفتَ لأحدِهِم ... كان يهمُ أخيرًا بفتحِ سيارته ليجلس فيها ريثما تأتي ناي .. عندما أوقفه ذاك الصوتُ المألوف ...

*

ناي التي كانت تحتَرِقُ رغبة مفارقةِ المكان .. توَجّهتْ مسرعةً إلى الغرفةِ المخصصة لوالِدها حتى تودعه وتغادر ... أمْسَكَتْ مقبَضَ البابِ وأخذت نفَسًا أخيرًا كبتتْ بهِ كل الدموع التي تجمّعتْ في عينيها بلا سبب ... ثمّ زفرتْ بصوتٍ مسموعٍ .... كانتْ تشعُرُ بأنها ضعيفة ... محطمة ومهشمة ... ترغب صدقًا لو تبقى حتى تتأكدَ من خروجِ آخر حاضرٍ لينتفي لديْها الإحساسُ السخيفُ الذي جعلها تشعُر بأنّ أمها ستظلُ بانتظارها .... ستظلُ موجودةً لتقول لها شيئًا .. ربما لتعتذر بعد كل هذه السنوات ... أو حتى لتسألها عن ابنها الذي لمْ تره مطلقًا ، أنْ تهنئها ولو مرّ على ولادتِها أكثر من عامٍ ونصف .. بنفسِ الوقتِ كانتْ ترتعِدُ خوفًا من لحظةٍ مشابهة .. لأنها كانت تعلمُ يقينًا أنّ أمها إن جاءت لنْ تفعل أيًا مما أملتْ أنْ تفعَلَهُ ..... لكنّ القدَرَ شاءَ لها أنْ تتعذّبَ أكثر ... فكانت سناء هي الواقفةُ خلفَها لتناديها بصوتٍ تشرذَمَ ترددًا ... " ناي "

*

- سلام ...
وقفتْ قلورياس أمامه تمامًا ومنَعَتْهُ مِنْ فتْحِ باب السيارة ... لتنبسَ اسْمَهُ في اشتياقٍ ... كانَ أكثر مرونةً مما توقّعتْ إذ لمْ يُبدِ تمنّعًا يذكر ... بل على العكس تمامًا ... نظرَ إليْها بملامحَ لـيّـنة .. لتشعرَ أنه يودُ أن يحتضِنَها بالفعل بعد كل هذه المدةِ منَ الجفاء ... إنها المرةً الأولى التي يطولُ فيها خصامُهُما .. فلطالما كانا الأكثر تفاهمًا في كلِّ العائلة ... رأتْهُ يأخذُ نفسًا ثم يبلع ريقه ليبدد قليلاً من حرجِهِ و ....... شوْقِه ، وفي لحظةٍ فكّرَ فيها بأنّ أمه بذاتِها جاءت إليْه لتكون هي المُبادِرة شعرَ بأنّه كان لئيمًا لدرجةٍ كادت تُمَزّقُه .. هزّ رأسَه أخيرًا هزةً قال على إثرِها بصوتٍ غريبٍ عليها تمامًا لم يتكلمْ به من قبلُ ... " أنا أعتذر أمي " ... وتقدّمَ منها مقبّلاً رأسها ، ليقول بعدَها وقد سمعتْه يقول بنبرةٍ تتهدّجُ حنينًا " سامحيني " ...
كانت تعلَمُ يقينًا أنّ ابنَها ليس لئيمًا .. ولا متحجّرًا .. إنما هو يفيضُ حنانًا و لينًا .. لكنّه فقطْ لا يـُفْهَمُ جيدًا نظرًا لعصبيتِه التي تكون مخيفةً عندما يفورُ فجأة لسببٍ كان .... فما كان منها إلا أنْ قالت " أسامِحُكَ صغيري "
- غدًا صباحًا سأزوركم ... اشتقت للفطائر التي تعدّينها ( وهَمَس مدّعيًا الخوف من مجيء زوجته مباغتة ) ناي لا تجيدُ إعدادها أبدًا مهما حاولتْ ..
ضحكَتْ بصوتٍ كانَ قد حنّ إليه ... لتردِفَ أخيرًا بسعادةٍ " لكمْ اشتقت لعائلتكَ سلام .. رويد الصغير المشاكس خاصةً )

*

- ناي ..
ببطءٍ كانت تدورُ برأسِها وهي تحاوِلُ أن تُخْطِئ حدْسَها الذي أخبرها بأنها هي ... لكن أحدًا غيرها لا يلفظُ اسمها بتلكَ الوتيرةِ ... فكرةُ أن سناء بذاتِ قدْرِها تقفُ وراءها أسرتْ فيها قشعريرةً قويةً جاهدت لتخفيها ... لتتصببَ عرقًا وهي تتخيلُ شكلَ الحديثِ الذي سيدورُ بينَهُما ...
- نعم !
قالتها ناي بلؤمٍ وقسوةٍ ما كادت لتؤمن أبدًا أنها تمتلِكُهُما ... لتقشَعِرّ مجددًا وهي ترى والدتَها بعدَ كلِّ هذه المدة ... حقيقةُ أنها لمْ تتغيرْ أبدًا من حيثِ قصةِ شعرِها وطبيعةِ لبسها أخبرتْها بأنّ سناء لم تتغيّر مطلقًا من الداخل وربما لنْ تفعل !
- أنا أراكِ مُجددًا بعد كل هذه المدة ...
قالتْها سناء بتأثّرٍ اتضحَ مِنْ نبرتِها ... تأثرٌ استغربتْهُ ناي جدًا جدًا جدًا ... لكنها أخيرًا وجدتْ نفسها تضحك .... تضحك بسخريةٍ ... لتقول باستهزاءٍ وخبثٍ ..
- أعتذرُ لسوء حظكِ ، أعلمُ مدى كرهكِ لرؤيتي ...
كادتْ تبكي وهي تقولُ آخرَ كلمةٍ .. بعد جهدٍ منها بنبرةٍ لمْ تتهدّج كما تمنّت .. لتصطدم سناء بالمرأةِ الواقفةِ أمامَها ... إنها حتى لمْ تتخيّلْ أن تكونَ ابنتُها بتلكَ القوة ....
- ناي .... تعرفينَ أنّ كلامكِ غيرُ صحيح ...
لا لا ... الوضعُ صار مسخرةً ... سناء تتكلمُ بهذا الشكل !! لا يعقل أبدًا ... لمْ تكن تزورُها في أحلامِها بهذه الهيئةِ الملائكية لتراها فجأةً واقعًا أمامها ... هناكَ شيءٌ خاطئٌ بالتأكيد ....
- تؤ تؤ تؤ ... ظلمتُكِ ... أعتذر مجددًا ..
بلؤمٍ كانت تردُ ناي تلقائيًا على سناء ... لتوقنَ الأخيرةُ أنّ ابنتَها ما كانت لتسامِحها مطلقًا ! أخيرًا كانت تتفَرّسُ هيئتِها ... لتجدَ امرأةٍ ناضجةً بالفعل تختلفُ أيما اختلافٍ عن المراهقةِ الغبيةِ التي تركتْها تبكي يومَ أن غادرت بلا رجعةٍ ... حتى شكلُها تغير .. لقد امتلأت قليلاً بعد حملِها بشكلٍ جميلٍ عوضًا عن نحولِها السابق .." حملِها ".. كلمةٌ ذكّـرتْ سناءَ بأن لناي ابنًا .. أي أنّ لها حفيدًا الآن .. وتلقائيًا كانت تقول بلهفة ..
- أينَ رويد ؟ ليسَ معَكِ ... أريدُ رؤيتَه ...
يا الله !!!!!!!!!! يا الله !!!!! إنها حقًا تسأل عن رويد ... كما تخيلتْ بالضبط ، لكنّ ذلك لا يمكن أنْ يكون واقعيًا ...
- رويد !! .. ليس معي ، تركتُهُ مع المربّية ... واطمئني .. أحضرتُها اليومَ فقط .. فأنا لا أترك ابني للغريبات .. كما أنني طمأنتُهُ عندما غادرتُ بأنني عائدة ....
كانت تعرفُها طيبة .... حنونة ... وضعيفة ... متى صارت بهذه القسوة والقوة واللؤم ... ناي توجّهُ لها هذا الكلام ! عذرًا هذه السهام .. إنها تقتُلها دون أن تحدَّ السكين ... حسنًا لقد أخطأت وكثيرًا ... لكنها لن تجابَهَ أبدًا بهذه الطريقة عندما تفكّر بتصحيح المسار ... وبتحفزِ كبريائها كانت تردُّ هذه المرة عليْها بنبرةٍ تألفُها ناي جيدًا ..
- حقًا لقد نجح سلام .... بجعلكِ لئيمةً مثلـَه وأكثر ! إنه يستحقُ شهادةَ تقديرٍ على هذه المهمةِ المستحيلة .. لقد ألغى فيك المراهقةَ الغبية المدعوة ناي ...
وبعدَها أخذتْ تصفقُ بخفوتٍ ... لتشعُرَ ناي برغبةٍ حقيقية في صفعِها ... ليسَ فقط وإنما بقتْلِها .. إنها تقولُها في وجهها لأولِ مرة ... لأول مرةٍ لا تسمَعُها مصادفة وإنما عمدًا .... عمدًا لا من وراءِ الجدرانِ عندما كانت تتنصتُ على خلافاتِها مع والدِها قبل زمن .... أيُّ وقحةً هي .... بعدَ كل هذه المدة تأتي لنعتِها باللئيمة !!
- سلام ... الشيءُ الوحيدُ الحقيقيُ في حياتي يا س .. سناء ... وهو إنْ كان لئيمًا فأنا أراهُ كذلك حقًا لأنه جعلني أتناسى حقدي عليكِ .. حقدي الذي ما كان ينبغي لهُ أنْ يخفّ أبدًا ... وحسنًا إنه يستحقُ كل أوسمةِ الدنيا لأنه جعلني قويةً لئيمة ( وشددتْ عليْها ) كما ينبغي أنْ تكون امرأة والدتُها هي أنتِ ...
بدونِ تفكيرٍ كانتْ تردُ سناء ببغضٍ و......... استجداء :
- ليسَ صحيحًا ... وأرجوكِ ... إنها المرةُ الأولى التي أرجوكِ فيها .. قولي لهُ أنْ يكفَّ عن تدمير اسمي في السوق ... يكفيكِ ما فعلَهُ بي كانتقام ... أنا انتهيت يا ناي ....
والتفـتْ مغادرةً دون أن تنتظرَ ردًا من ناي ... ناي التي ما كان باستطاعتِها أن تفهمَ شيئًا مما قالتْهُ والدتُها إذ بدا لها كلامُها أحجيةً بالغة التعقيد ..... فمن جهةٍ كان الزلزال الذي ضربَها قد تجاوزَ مقياس ريختر بمراحلٍ عندما علمتْ حقيقةً أن أمها ما جاءت إليها ... ما تنازلت إلا لتحافظَ على عمَلِها مجددًا .. وهذا ما جعل قواها في خوارٍ تامٍ وهي تتحركُ خارجةً من المبنى الضخمِ دون وداعِ والدها ميممة صوب السيارة .. ومِنْ جهة أخرى كان سؤال وحيد يعيث في تلافيف مخها بغيةَ الوصول إلى جوابٍ له دون أنْ تقدر على ذلك بالفعل .. " ما الذي فعلَهُ سلام بأمي ؟ " لتجدَ نفسَها أخيرًا قد وصلتِ السيارة ... لتفتَحَ بابَها في ذهولٍ تام ........ ذهولٌ تزايدَ وهي ترمِقُ سلام بنظرةٍ ......... ضائعة ..

*

صباحَ اليومِ التالي ..
للمرة الأولى تشعرُ أندلس بسعادةٍ غامرةٍ إثرَ خروجِ آدم للعمل ... آدم الذي لمْ يشعُر بترقبِها مطلقًا فقد أجادت التصرفَ باعتياديةٍ أمامَهُ ...
مسبَقًا كانت قد أنهتْ كل ما عليْها من أعمالٍ ... لتتوجّهَ أخيرًا صوبَ حاسوبِها الشخصي وهي تفركُ يديْها حماسًا .. لتصلَ أخيرًا هاتفها بالحاسوبِ ... وتنقُلَ إليه الملف المعنوَنَ بـ " vip " ...
الملفاتُ الثلاثة بدت لها سرًا مشوِّقًا ... لكنها حتمًا جزمت بأن ملفّ " يومياتِ عاشقٍ شرقيٍّ " كان أكثرها جذبًا بمغناطيسيته الرهيبة ..... فتحت الملف ... لتجدَ عددًا من المستندات ... فتَحتْها .. وكانتِ الصدمة ...
المشاعِرُ التي اعترتْها وهي ترى كتاباتِه التي تحدّثَ فيها عنْ بطلةٍ تدعى " أندلس " وعن المعاني التي مثلتها له كانت أكثرُ من أن تصفها الكلمات ..... فما كان إلا أن ابتلّ وجهها بدموعِ التأثر ..... استمرت بالقراءة بسدارةٍ وشغف .. و لم تصدق الحبَّ الذي كنُّهُ آدم لها من قبلِ أنْ تعرفه شخصيًا ولتفاجأ بأحداثٍ جمةٍ تساءلت عن مُحدثِها لفترةٍ طويلةٍ ليكون هو .. آدم ...
وصلتِ اليوميّة الثامنة .. لتبدأ معاناةُ الغربة ... وتبدأ البـُكاءَ على ما قاساه آدم في تلكَ الفترةِ التي كانت معلوماتُها عنها صفرًا .... لتقرأ آدم بعينٍ أخرى أكثر عمقًـًا ...
الأمرُ لمْ يقف عند ذلك الحد .. فالقدر شاء لها أن تقرأ يوميّة حملت من الرقم عشرةً ... لتبدأ السكاكينُ بذبحِها .. والمعاوِلُ بنَهشِها ... ومع ذلك بقوةٍ لا تدري من أين أتتها أنْهتها ......
فما كان الألمُ إلا مبرّحًا ... مُبرّحًا ........................................ مُبرّحًا ..


*


priscila ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

الفصل الحادي عشر ... سقوط الأندلس ..
بقوةٍ لا تدري من أينَ أتَتْها أنْهَتْها ... فما كان الألمُ إلا مبرّحًا مبرّحًا .. مبرّحًا ...
وهكذا ببساطةٍ غُرِسَ الوَجَع .. غُرِسَ دون تهيئةٍ ... أودِعَ فيها من عدم .. لتشعر به يتدفّق إلى كيانِها مكتسحًا إياه تدفــُقَ الطوفان الذي يجَرِف معه كل شيء ... حتى أحست به يجري في عروقِها مجرى النفَس .. لتضجّ شرايينها رفضًا لهذا الضغطِ الذي كاد يهرُسُها ... مع كلِّ ذلك كانَ داخلـها يتورّعُ عن السقوطِ .. ربما لأنها آمنت وقتها أنّ ما قرأتْهُ محضَ كابوسٍ سينجلي إنْ هي أعادت القراءة .... وهكذا كان ..

*
يومياتُ عاشقٍ شرقيّ .. \ اليوميّةُ العاشرة ..
كنتُ قدْ أخبَرتكـُم عني الكثير ... إلا أنني الآن وفي هذه اللحظةِ بالذات سأكشِفُ لكم سرَ هذا الآدمِ غير المثاليّ والذي لمْ تتعرفوا إليهِ جيّدًا بعد ..
لطالما تخيّلتُ شكلَ الحياةِ هنا ... طبيعةَ العيش .. ما اصطلَحْتُ على تسمِيَتِهِ تقدّمًا حقيقيًا .. إلا أنني بحالٍ مِنَ الأحوال لمْ أتخيّل أنني سأجدُ مما صبوْت إليه ( صِفرًا ) ..
هناكَ في وطني الكثيرُ من المجمعات التجارية ، تمامًا كما هنا .. والشوارعُ تعجُّ عادةً بكل أنواعِ السيارات ... حتى الفيراري منها واللامبورغيني ..
إلا أنّ ثمِلاً لا يستطيعُ السيرَ في شوارعنا متحدّيًا وضَحَ النهار .. وامرأةً لا تقدِرُ على البوْحِ بِعُهرِها علنًا !
ولذا كانَ داخلي المؤدّب .. ينسلخُ عني شيئًا فشيئًا .... وببساطةٍ وجدتُ أنّ رغباتي التي لمْ تُسمِعني صوتَها منْ قبلُ " بالمعنى الحقيقيّ " قد صارتْ مع انبلاجِ ذات صباحٍ وحشًا ضاريًا لا يُمكن إسكاتُه ..
كنتُ منْ قبلُ رجلاً ، أعترِفُ ... ولكن رجلاً عرفَ كيفَ يُحافِظُ على نفسِه ... ففي وطني لا يمكنكَ أنْ ترى تلكَ الأشياء إلا إنْ ذهبتَ بِرِجلِكَ لها .. أما هنا فيمكنكَ أنْ تصطدمَ بها في طريقكَ إلى العمل ... وهذا بالضبط ما حدّني لأتساءَل بواقعّيةٍ .. متى سينتهي بي الحالُ في ملهىً ليليٍّ أو في أحضانِ عاهرةٍ !
لا تفغروا أفواهكُم بتلك الطريقةِ الغبيةِ .. بدعوى أن الرجلَ المثاليَّ الذي أكونُه ما كانَ ليفعَلَها ... اطمئنوا ... سيفـْعلها بفضلِ ما رآه منذ وطئت قدماه أرضكم ........... وأيُّ نهايةٍ حزينةٍ ستكونُ تلك لرجلٍ شجاعٍ كنتُهُ ؟
لا .... لا .... لن أسمَح بمجيء ذلك اليوم ، لنْ أفعَلَها وإنما ... سأخبرُكم بالآتي ...
التقيتُ صدفةً - لا أدري أمْ على قدرٍ - بفتاةٍ من أمّتي ... إنها نظيفة ... وهذا بالضبطِ ما أحتاجُهُ ..
عرَضتُ عليْها الزواجَ .. ليسَ لأنها أعجبتني فحَسب .. وإنما لأنني شعرتُ نحوَها بالمسؤوليةِ ، وأنا بالمناسبة لا أنوي أبدًا أن يكونَ زواجي منها سريًا أو مؤقتاً ...
... ألمحُ سؤالًا يدورُ في أذهانكم ... هذا السؤال بالتحديد ليس لديّ سوى إجابة وحيدة عليْهِ ... لقد صمَمْتُ آذانَكم مِنْ قبْلُ بكمالِ حبي ونقائه أعرف ... و لذا دعوني أعلنُ لكم الآن كاعتذارٍ ... أنّ الحبَّ لا يُسمِنُ ولا يغني ........ مِنْ جوع ...

*

ربّاه ....... ها هي ذا أعادت القراءة فلمَ قرأتِ الشيءَ نفـْسَهُ .. لمَ لمْ ينتهِ الكابوس فحسب ؟ ...
مجددًا كان وجعُها يزحَفُ إلى كلِ جزءٍ مهما صغُرَ أو كبُرَ من كيانِها .. ينتشرُ فيها انتشار الخلايا الخبيثةِ .... وبالرغم من ذلك تشبثتْ بأملٍ وُلِدَ عقيمًا .... لتقولَ على عجَلٍ وهي تحركُ المؤشر نزولاً ( ربما كتبها في الواحد مِنْ نيسان ... وبذلك يكون كل ذلكَ كذبًا ) ...
كانت على شفيرِ هوّةٍ ... لكنّها لمْ تسقُط بعد ... ولذا شيءٌ سطَعَ بداخِلها ومع أنه كان يضمَحِلُ إلا أنّها تمسّكت بهِ سريعًا قبل أن يكمل امّحاءه ... لتقرأ ...

*
يوميّاتُ عاشقٍ شرقي .. \ اليوميّةُ الحادية عشرةَ ..

لقد كانتْ " زوجتي " جميلةً جدًا بفستانِها الأبيضِ البسيط ..
ولأولِ مرةٍ أعترِف بجاذبية الجمالِ الأسمر ،...
كانَ كلُ شيءٍ رائعًا في الحفلِ المتواضع الذي أقمناهُ بحضور بعض الأصدقاء ....
لا أعرفُ إنْ كانَ يجدُر بي أن أخبركم بهذا الأمر أم لا .. لكنني حقًا متوتّر ... فبعد ثمانيةٍ وعشرين عامًا ستكون تلك علاقتي الأولى ..
--
كـــــــ فـــــــ ــــــــــى ...
صَرَختْ بِها وهي تُطبق واجهة الحاسوب صابًة جامّ غضبِها عليه ... لم تعُد تحتَمِل ... لمْ تعد تحتملُ المتابعة .. فلربما كتبَ في التالي تفاصيل ليلتهم الأولى .. ربما ناداها بـ " حبيبةِ آدم " .. وربما رتّل على مسمَعِها ذات الأبيات الأثيرة " خفقَ القلبُ لعينٍ سحَرتني .. " وربما .... ربما فيما بعدُ زفّ إليهِم خبرَ مولوده الأول .. وكل ذلك مجردُ التفكيرِ فيه قاضٍ ...
وكان الوَجَع ... ولكن هذه المرة ليَمْنَحها عزمًا تمكّنتْ على إثره من ضربِ حاسوبها الشخصيِّ بعرضِ الحائط ليتهاوى على الأرضِ أشلاءً كقلبِها ... مُحْدِثًا ضجةً ما كانتْ لتُقعِدَها من صدمَتِها التي أخذتْ تدورُ في فلكِها كإعصارٍ مدمّر .. لتتحول فجأةً إلى قمة الذهول .. و قلبُها يرفض أنْ يُسَلّمَ بالأمر مُرددًا بقوةٍ رغمَ جراحهِ العميقةِ النازِفة " لا تصدقي .. لا تصدقي .. "
( بلى سأصدق ... سأصدق )
صرخ بها عقلـها وهي تتلوّى قهرًا .. وكمدًا وبؤسًا وتعاسةً ... لتردد أخيرًا بقلةِ حيلةٍ " أيها النذل الحقير ... أيها الوغد "
" لكن يا ربِّ والله يقولون أن المرأة تشعُر ... ! أيعقل أن أكون بتلكَ السذاجة ... بذاك الكمّ من الحمق والغباء ؟؟؟ "
أخذت تناجي بصوتٍ سافرَ متخيّلاً باشمئزازٍ امرأة أخرى تتنعّمُ بأحضانِ آدم وهي تحملِق ظاهريًا في الحائطِ الذي خلـّف ارتطامُ حاسوبِها فيه " ندبة " .. لتطبِقَ جفنيْها لاعنةً الساعةَ التي فكّرت فيها باقترافِ تلكَ الجُنحة .. ولتُكمِلَ أخيرًا وهي ترجِعُ رأسَها إلى الخلف دونَ أنْ يرفّ لها جفنٌ بمرارة .... عندما أخذ كلُّ شيءٍ يتلفـع بالضبابية من حولِها ...
" .... أنا لستُ ساذجة ... لا حمقاء ولا غبية ... أنا متوجّعة ... متوجّعة بقدَرٍ تخيلتُ أنني سأموتُ قبل أن أكون قادرةً على تجرعه .. "

*

الوَجَعُ الذي تمَطّى فيهِ منتشيًا باكتساحِه إثر الكلام الذي لمْ يتوقّع سماعه مطلقًا ، كانَ كفيلاً بجعلِهِ يصطَفُ عنوةً على قارعةِ الطريقِ لكي يُرَكّزَ مجددًا في الكلماتِ المتتابعةِ التي كانت كثيرة على أن يستوعِبها .. علَّه يرى لها تصريفًاً ثانيًا يصلُ على إثره لمرفأ آخر أكثر أمانًا ... ليستَرْجِعَ قبلَ الكلماتِ نبرةَ الشقاء والعذاب التي تحدّثَ بهما المتصل ... عندما رنّ هاتفُه فجأة في طريقه إلى البيت ....
- كيفَ حالُك .......... يا أنا ؟
قالها الصوتُ مثخنًا وكأنه لا يقدِرُ على التفوّهِ بالكلام دفعةً واحدة .... بدايةُ الحديثِ كانت عادية " كيف حالك " لكن الصوتَ ما إن قال " يا أنا " حتى انقبَضَ قلبُ آدم ....
- من المتكلم ؟
سألَ آدم متوجّسًا مِنْ أن يكون غيرَهُ ... ليجيبه الصوتُ مكررًا بنبرةٍ منهَكة إنما موبّخة ...
- قلتُ .. كيفَ حالك ........... يا أنا
- ســــــــــــــــــــــــــــــــــامـــــــــي ؟
ما إن كررها حتى تأكد آدم من أن المتصلَ هو صديقه بعيْنِه .. صديقه الذي اختفى منذ ما يزيد عن ستةِ أشهرٍ لسببٍ مجهول ... كاد يجنّ وقـتها عندما وجدَ أن هاتِفه دائمًا مغلق ... إلى أنْ عرَفَ أخيرًا أن سامي وأخوه قد سافرا إلى الخارج ....
ما لَمْ يتوَقّعْهُ آدم وقتَها أنّ صديق عمرِه قد سافر في رحلةٍ علاجيّة .... وأيُ رحلةٍ ... رحلةُ الموت ... السرطان !
- يبدو أن رحلتي قد شارفت على الانتهاء .. هكذا يقول الأطباء
- بعدم تصديقٍ وكأنه يرفض حتى سماعَ الفكرة كان يرد آدم : اصمت ... اصمت
- لمَ يا رَجل .. أنا حتى مشتاقٌ لتلك الساعة ... ( وسكتَ برهة ليلتقط نفسه ورباطة جأشه ) ... ولكنني أخشى أنْ تأتي قبل أن أراك ...
- تهدّج صوتُ آدم رغمَ مكابَرَتِه .... ليسلم أخيرًا بقضاء الله ... : أينَ أنت ... سآتي إليك حتى لو كنت في آخر العالم ..
أخبَرَه صديقُه بعد ذلك بمكانِ المستشفى الذي يطبب فيه ... وهكذا قرر السفر في غضونِ أيامٍ .... ليراه ولو لمرةٍ أخيرة ، عازمًا أن لا يطيل مدة مكوثه ....

إيــــــه كم كانت الحياة حُلوةً يا آدم ... تساءَلَ بمرارةٍ وهو يتكئ برأسِهِ على زجاج نافذة سيارتِه ليسمحَ لدمعةٍ وحيدة بإخلاء سبيلها ... ويفكّر بعدها بأسىً بأن نهاية صديقه المقتربة إنما توضِحُ له بطريقةٍ ما نهايتَهُ ... مقررًا أخيرًا بأنّ النهاية قد تأتي قبلَ ساعةِ الموتِ الحقيقيّة .... ولكن أندلس ...... أندلس الفتاةُ الرقيقةُ التي دخلتْ حياتَهُ يومًا مجددًا بطبق معجنات ... مقسمةً بذلك بأنها لنْ تخرُجَ منها حتى تخرجَ منه روحه ... وفجأة بتلك الذكرى تفجّر فيه الاشتياق .. اشتياق يكاد يقسم أنه ما شعر به من قبل ..

*

أخذ يصعَدُ درجات السلم وقلبُهُ يضجُ " توْقًا " .. سيسافِرُ عنها بعدَ أقل من أسبوع .. سيفترقا لأول مرةٍ ... يتألمُ نعم ... يتفطرُ نعم .. ولكنّه لنْ يسمح لنفسِه بأنْ يفسِدَ من عمرها ولو ليلةً .. كان يسيرُ بخطواتٍ متثاقِلة .. ليسَ تعبًا وإنما رغبةً باقتناص كل ثانيةٍ يستطيع بها محوَ تفاصيل ألمِه عن وجهه ...
دلفَ إلى الداخل ... فوجد ظلمةً حالكة تجثـُمُ على صدرِ المكان ... بحَثَ عنْها بصوتِه .. فـلَـم تجِبْهُ أبدًا .. وبينما هو يهمُّ بالاتصال عليْها داخلاً إلى المطبَخِ رآها من باب الشرفةِ الموارب ، كانت تجلس هناك ..... تُحمْلِقُ في السماءِ الداكنة .. وكأن الزمن قد توقف عند ذلك المشهد البانورامي ... بدتْ له صورةً باهتةً جدًا عن امرأة تدعى أندلس ... تشبهها شكلاً ... ولكن قطعاً ليس روحًا ... ليفكّر بأنها ربما منحت روحها ساعةً من الوقت لتنام .. أو ربما أوْدعتها سربًا من الطيور المهاجرة فباتت دون روح ..
خطواتهُ التي أنبأت باقترابه ما كانت لتكسِرَ سكونها المطوّل ... بل ما كانت لتُشعِرها بوجوده ... كانت مشغولةً في السماء الممتدة أمامها بلا انتهاء ... تراها فعليًا لأول مرةٍ قبةً بعيدة بعــــيدة ... تماماً كلحظةِ سلام تريدها وبشدةٍ لتطغى على إحساسِها بالغدر ... ولكن كيف ... كيف والقمر مكتملٌ اليوم ... تمامًا كوجعِها .. طامسًا بذلك نورَ كل النجومِ المتناثرةِ من حولِه ... لاغيًا وجودَها ...
كان قد صار أمامَها ... ومع ذلك لمْ تبدِ انفعالاً ... لوّحَ أمامَها بيدِه قائلاً بلهجةٍ مرحة محاولاً انتشالها من إطراقتها الغريبة ( السلام عليكم ) ...... لا ردّ ........ ( كيف حالكِ ؟ ) ........... لا ردّ ........ ( بسم الله .... ماذا هناك ؟ ) ........
برزَ فيه وميضُ الخوف .. للحظاتٍ فقط قبل أن يسحَبَ كرسيًا ويجلس قبالتها بينما أخذ عقله يقول أنها فـقط في مزاجٍ عكِر ... فلو كان هناك شيءٌ لما كان ذاك انفعالها .. كانت ستتكلم تلقائيًا كما في كل مرةٍ ... ولذا اطمأن داخله واستكان .. حسنًا وإن لم ترغب بالحديث معه فهو يرغب بالحديث معها ... أنْ يشعر بأنها تسمعه وفقط ... فالليلةُ مقمرة ... والسماء على وسعِها أمامه ليشعر أنه بإمكانه احتضانها وبيدٍ واحدة ... حتى هي .. تجلسُ وكأنّ همها في الحياةِ أنْ تنعُم بتلك الساعة الهادئة خارج إطار الزمن ، وبذلك كانت الصورةُ مكتملةً لديه ...
- اليومُ كان جميلاً ... ليسَ جدًا ، لكن ..... يعني .... المهمّ أنني اشتقت إليك كالعادة ... وأنت .. كيف كان يومُكِ ...
صمتَ قليلاً منتظرًا منها جوابًا ... كبروتوكول فقط فقد كان يشعر أنها لن تجيبه وأردف بعدَها وهو يشرئبُ بعنقه تماماً كما تفعل متطلعًا نحو السماء .. ليراها كما رأتْها من قبل مسترجعًا بذلك حلم طفولته .... أخبرها عن حلمه القديم بأن يصبح رائد فضاء ... قالَ لها أن السماء تعني له كل صعبٍ بعيدٍ ... ولذا كان يتطلّع للاقتراب منها .. قالَ لها أنه لطالما تأمل القمر ... متسائلاً بجدية إن كان يومًا قادرًا على وطئه .. طالَ به الزمن وهو يتحدّث .... وكأن كل الأحاديث طاشت فجأة في مخيلته ....
أرادت أنْ تأخذ قرصَ القمرِ الذي تغنى به كثيرًا الليلة لترميَه به .. يا الله لمَ " يرغي " هكذا اليوم ! ما عرفتْهُ ثرثارًا .. ألم يشعر بأنها لا تريدُ الحديث معه .. لا الاستماع إليهِ ولا حتى ............ أنْ تشعر به بقربها ... مانعًا إياها من ساعة " وِحدة " .. تنفسُ بها عن ألمِها و إرهاقها ... تفكّر فيها بلا شيء ... وهو بذلك إنما يُجبِرُها على أن تفكر " فيه " وفقط .
تصنيف شعورها ما كان بالأمر السهل .. فهي لم تكن تشعـر بشيءٍ أبدًا ... مجردُ أحاسيس متشابكة جدًا .. تفاعَلَتْ مع بعضِها لتولّد لديها فيضانات من الحزن والغضبِ اللذان أخذ منسوبهما يرتفع داخلها .. لتخشى أن يفيضَ بها الكيلُ فتفعل ما لا يُحمَدُ عقباه .... كانت قد بدأت تتمتمُ بعجزٍ بـ " لا حول ولا قوةَ إلا بالله " وهي على شفير البكاء .. لكنّه ما كان ليَسمَعْها .. كان لا يزال يركّز بَصَره على تلك القطعةِ السوداء في الأفق ... يتحدّث عن شيءٍ يدعى " زخ الشهب " ...... استيقظَت فيها الرغبة للاستماعِ لحديثه فجأة .. فأعادت على مسمعِها مجددًا ما قاله أخيرًا بذلاقة ..
- أتعلمين .... شاهدتُ في حياتي معظم الظواهر الكونية ... الخسوف والكسوف والمذنبات ... بقيَ في نَفْسي أن أرى ظاهرةً تدعى " زخ الشهب " ... يقال أنها عبارةٌ عن ملايين الومضات .. يخيّل إلى الرائي أنها تأتي من مركزٍ واحدٍ من القبة السماوية .. لكنّها ما تلبَثُ أنْ تختفي ........ ( وأردف بنبرةٍ شابها الأسى للحظةٍ ) يشبّهونَها بالسعادة ..
ما إن لفظ كلمته الأخيرة حتى انفلتت منها الشهقات ... وكأنه يتكلمُ عنها .. بالفعل ، السعادة عندما تأتيكَ نُذُرُها .. تأتيكَ كثيرةً كثيرة .. وفي الغالب من مصدرٍ واحد كان بالنسبة لها لفترة طويلة " آدم " وفقط ... شعرتْ بأحشائها تتقلّص .. ثم تتمدد .. لتعود وتتقلّص حتى شعرتْ بها تتقطّع وجعًا .... أخذت تبكي بصوتٍ مسموعٍ من شدةِ الألم ... ألمٌ كان جسديًا كما كان نفسيًا بالضبط .... ارتعشت فأحكمت من وضع الشال عليها ... ليلتفتْ فجأة ناحيتها بعد أن كان مركزًا بصره في السماء وقد لفتَ الشال الذي تتلفع به انتباهه قبلَ دمعاتِها المتهاوية وشهقاتِها التي أخذت تضربُ جدران قلبِه بشجوِها المعذب ... ماذا دهاها .. الجوُ حار فلمَ ترتدي الشال ؟ .... يا الله ... لمَ تبكي في الأصل .. شهقاتُها هذه لمَ تعذبه بها ؟ لوْ أنّهُ يعرف ... ومع هذا الهاجِس شعر بحنجرتِه تهتـز اهتزازًا عنيفًا في جوفه وبريقِه يكاد يكون مرًا كالعلقم ليبحث عن شيء يلغي به إحساسه به ... شيءٌ ما استطاع إليه سبيلاً ...

*

كانت تبكي ... تشهق .. كارتدادٍ لسماعِها حديثه الذي فجّر فيها حنينَها و مشاعِرها التي لطالما كانت خالصة له وحده ولا قدرة لها على السيطرة عليها ، ليأتيها كلامُهُ الأثير كصفعةٍ أنبَهتها إلى أنّ آدم الذي يجلس بقربِها ، يتحدّثُ معها ، أيًا كان ما فَعله ... إنما هو قلبُها الذي يخفق نبضًا ... روحُها التي حتى وهي تتعذبُ بسببه تتلذذ بقربه .. تتشبثُ فيه وكأنه آخر ما فيها ولها من رمق .. وكل ذلك أشعرها بالذل والهَوان .. أشعرها بالعجزِ إضافة لشعورِها بالألم الحقيقيّ الذي ما اختبرته من قبل .. لأنها كانت تعرف أنها لنْ تستطيع أنْ تترُكه .. لنْ تستطيع أنْ تنتشله من حياتِها وكأنه لمْ يكن ... وكأن نَفَسَها ما اقترنَ بنَفَسه .. كأن عينَها ما أبصرت بعينِه .. كأن كيانَها ما وصم بكيانِه إلى الأبد ... يا الله ..... إنه آدم .. ذات الشابِ الحلُم ... ذات الشاب الأمنية ... ذات الشاب " الملاك " ... كيفَ يُمكن أن يكون غادرًا .. خائنًا ... مستغفِلاً ..... وفجأة صرخَ كيانُها بذاك السؤال ... أما نبرتُها فكانت مثخنة بالجراح .. معلقةً رغمًا عنها بحبال الـ ............. أمل
- هل كُــلُ ما يكتبه الناس واقع ؟
- بالطبع لا ...
بتلقائيةٍ أجابَها .. وكأنه ما صدّقَ أنها تتكلمُ أخيرًا .. وكأنه لمْ يسمع صوتَها منذ عصرٍ مضى ... وبذلك كانت كل الخيالات التي كان يفترضُ أن تتراقصَ في مخيلته فور سماعه لذاك السؤال " تتلاشى " ... مفكرًا بأنها نطقت أخيرًا بعد نصفِ ساعةٍ ربما من الحديث الذي تجاذب أطرافَهُ مع نفسِه .. ليستغربَ ملء كيانِه أنّ ما قالتْهُ كان محضَ سؤالٍ لا يمتّ لحديثه الطويل بصلة .... ومع ذلك لم يقف عند تلك النقطةِ مطوّلاً ...
- وأخيرًا نطقتِ !
قالها كالأطفال و ضحكة انتصارٍ تنفلتُ منه .. غيرَ منتَبِه إلى أنّها عادت مجددًا إلى شرنَقَة صمتها ولكن هذه المرة بتعبيرٍ جديدٍ ارتسَمَ على وجهها ما عرف له تسميةً عندما تفرّسَ فيها من جديد ... سأسميهِ ضياعًا .. تخبّطًا .. تجاوُزًا أملاً بأنْ يكونَ كل ما قرأتْهُ أصلاً عن شخصٍ خياليّ غزلتهُ بنات أفكاره .. وهذا منَحَها للحظةٍ واحدةٍ فقط شعورًا بالأمان ...
- أندلـُس ... تذكّرت ، غدًا ستأتي خالتي وابنتها في زيارةٍ لأمي .. وأمي تود أن تكوني موجودة .... ( وأردف بتساؤل ولّده خوفُه الحقيقيّ من حالتها الغريبة ) أنتِ لستِ مُتعبة أليسَ كذلك ..... أيمكنكِ الذهاب ؟
تساءَل بنبرةٍ حائرة ... ليدورَ عقلـُها دائخًا وهي تفكّر بأنّ خالتَه التي تعتذِر لأنها مضطرة لنعتِها بالسمجة .. وابنتُها كذلك المتكبّـرة تعتبران ضربتان في الرأس الموجوع أصلاً ... والأحمق يتساءَلُ إن كانت مُتْعبة .... ( لا يا عزيزي أنا لستُ متعبة ... أنا أحتَضر ! )
- حسنًا سأعتذر لكِ من أمي نيابة عنكِ ...
قالَ معتذِرًا منها وهو ينفِضُ رأسَهُ خجلاً من عرضِه الذي قدّمَهُ لتوّه ... أيُ عاقلٍ كان ليعرِفَ أنّ مزاجَها عكِرٌ من مجرد رؤيتِها على تلك الحالة وربما هي متوعّكة ... ليُفَكّرَ أخيرًا بأنها غيرُ قادرةٍ على مقابلتِه هو ... فكيف ستقابل خالته وابنتها ...
- لا بأس .. سأذهـب ... لا أحب أن أخذل أحدهم ...
ردّت بصوتٍ قاسٍ .. ليحس بأن كلمتها مجرد " شتيمة " استقرّت في مسمعِه محدثةً جلبةً في كيانِه كلّه وكأنها صفَعَتْه .. مما أثارَ فيهِ تساؤلاً عن الشيءِ الذي فَعَلَهُ حتى يستحق به هذا الجفاء ... صوتٌ نبيلٌ صار ينادي فيه ( آدم إن نفسيّتها متعبة اليوم ... دعها تنفّسُ فيكَ شيئًا من حنقها ... ) ...
- حبيبتي ... شكرًا لأنكِ رائعة ( قال بحنانٍ بالغٍ وهو يهمُ بتقبيلِها من خدّها كعرفانٍ منه عندما أشاحتْ بوَجهها عنه برفضٍ واضحٍ ليردِفَ بخفوتٍ وهو يغمضُ عينيْهِ أسَفًا وكأن ماء وجهه قد أريق ) سأدخل لأبدل ثيابي ... ( وأكمَـلَ بنبرةٍ جاهد لكي لا يجعلها حادة ) وأنـــام ..

*


priscila ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

- قبلها بليلةٍ -


فتحت ناي باب السيارةِ بذهولٍ تزايد وهي ترمِقُ سلام بنظرةٍ .... ضائِعة ،
نظرَةٌ أسْرَتْ في سلام شعورًا أفاد بأنّ ناي ليستْ بخير ... ليبدأ قلبُه بالهبوط وهو يفكر بـ .... ، يا الله ، لا تكن سناء .. !! أصبع اتهامه اتجه نحوَها و فقط .. لأن شيئًا مما في الداخل لا يمكن أن يجعل حال ناي بهذا السوء سواها خاصة وهو يراها تستقرُ بجانبِه بحركاتٍ منهَكةٍ بطيئة أشعرته بأنها عجوزٌ في الغابرين ... وهكذا بدأ ضميرُهُ بوخزه ... ليلوم نفسه على تركِها وحيدةً هناك .. كان يجدر به انتظارها إلى حين خروجِها من غرفةِ أبيها ليحول بينها وبين لقاء سناء .. لقاءٌ شعَر بأنه إن كان سيكون كارثيــًا على ناي الهشة جدًا عندما يتعلق الأمر بوالدتِها ... ومع ذلك كاحترامٍ لقداسةِ الدمعةِ التي شارفتْ على السقوطِ من مقلتِها آثـَرَ الصمتَ إلى أنْ تُقرر هي البدء بالكلام ..
ناي التي شعَرَتْ فوْرَ دُخولِها سيارة سلام بدخولها دوّامة حقيقيّة سببها عدم تصديقِها لما جاءت والدتها للحديث عنه بعد هذه السنوات .. وجدت نفسها تغوص في لجةٍ سحيقةٍ مما أفقدها إحساسها بكل شيء ... قوةٌ غريبة كانت تشدُها إلى البعيدِ حيث كانت طفلةً ... لتبحث عن مشهدٍ واحدٍ على الأقل يكون سعيدًا لها مع أمها لكنها عبثًا كانت تحاول ...... ليس هنالك شرٌ مطلق نعم .. ولكنها لم تستطِع تذكر لحظةٍ نادرةٍ بعدما تكالبت عليها تلك اللحظات المؤسفة التي قضَتْها مع والدتها بضربة رجل واحدة ...
ظلت صامِتَةً لمدةٍ طويلةٍ قبل أنْ تَضحكَ بمرارةٍ غير مصدقةٍ لكل ما حدث .. مما جعل سلام يخاف في أولِ الأمر ليتملكه من بعدُ شعورٌ بالقلق إزاءها ... ولذا ردد كمن يوقِظُ أحدًا بـ " ناي " عدة مرات ...
ضحكُها انقلبَ فجأة لبكاءٍ مريرٍ عندما فكّرت بأنها الآن تحرقُ نفْسَها حرقًا .. وتأكل بعضَها بعضًا على امرأةٍ لا تُفكّر الآن – إن كانت تفكر– إلا بالنتائج التي ستجنيها من حوارِها مع ابنتها .. دون أن تكترث لنداء سلام مما جعله يشعُر بالعجزِ الكامل أمام انهيارها ...... لكنّها فاجأتْه أخيرًا أيما مفاجأة عندما بدأت تتكلمُ وهي تركّزُ بصرها على الطريق وكأنها تتحدث أمام المرآة وبلا مبالاةٍ تامةٍ تامةٍ توقّع نقيضها ...
- أتدري يا سلام ... قمةُ الغباءِ أنْ تكترث لمن لم يكترث لك ... ولذلك يا عزيزي أعترف بأنني غبية ...
فوجئ تماماً بحديثها الغريب ... وتأكد من شكوكِه إزاء سناء .. لقد تحدثتْ معها بالتأكيد .. إذ أن ناي جلبت سيرة " الاكتراث " .. أراد استدراجها لتحكي له عن طبيعةِ الحديث الذي دار بينهما ... فقال بتساؤل كاذبٍ ...
- عن ماذا تتحدثين .. ؟ ولمَ تنعتين نفسكِ بالغبية !
أجابته بهدوءٍ وثباتٍ استغربهما بشدةٍ ... بعدما نسفت طريق الدموع الذي أخذ يثير حكاك بشرتِها بمسحةٍ قاسيةٍ بيديها مرت بها على وجنتيها بالكامل وهي تنهضُ بنفسِها وكأن ما كانت فيه محض تأثيرٍ عرضيٍ لتعود إلى حالتها الطبيعية بشكلٍ سريعٍ جدًا .. لا بل وتظهر ابتسامةً نابعةً من القلب ميّزها سلام ... لتبدو غير متأثرة بالمرة وكأنما تتحدث عن شخصٍ آخر .. لكنه ما فكّر أبدًا بأنها وصلتْ فعلاً لقمة ذهولِها من نفسِها قبل كل شيء ...
- لأنني لم أكن أتوقع أن تقول سناء شيئًا عندما تراني غير الذي قالتْه ومع ذلك عندما قالته تفاجأت تمامًا .. وكأنني ما تخيلتُ أنني سأسمعه في حياتي .... لكن الحمد لله هناك تجديدٌ في خطابها منذ آخر مرةٍ .. ففي السابق كانت تنعتني بالمراهقة الغبية .. أما الآن بالمرأة اللئيمة ... ( وضحكتْ بمرحٍ تام لتكمل ) تقول أنني صرتُ مثلكَ ... هههه وربما أكثر ...
شعرَ سلام فور سماعِه لكلامِها بالدماء تفور في بدنه ... وبوجهه يحتقنُ من شدة حرارتِه حتى فكّ ربطة عنقِه رغبة بالتبريد على نفسِه من شدة الغضب الذي استعر في خلاياه كلها ... ليكتفي بقوله الساخط ..
- إنها امرأة مريضة ... دعكِ منها ...
أكملتْ ناي بسخريةٍ شديدةٍ وبتلقائية وهي تكمل له ما قالته والدتها ..
- رجتني أن أقول لك : كف عن تدميرها في السوق ... يكفيكَ ما فعلتَه بها كانتقام ...
لتصمت فجأة وقد صُعِقَتْ مما قالته أخيرًا ... فطوال فترةِ ما بعد لقائها بوالدتها كانت تفكر بشيءٍ واحد .. الحوار الذي دار بينهما وشعورُها برغبةٍ حقيقيةٍ بنفيها من حياتِها لأنها ليس من الممكن أن تكون " أمًا " ليسَ من الممكن أنْ تكون بلا قلبٍ و بلا رحمة ... لكنها ما تنبّهت سوى الآن وهي تسترجع كلامها كله إلى أمر أخبرتها به ... أمرٌ أخذَ عقــلُها يفقد صوابه بغيةَ معرفتِه والتأكد من صحتِه .. لتقول أخيرًا بوجومٍ شديد وهي تنحّي رأسها صوبه ...
- ماذا فعلتَ لأمي ، سلام ؟
يشهدُ الله أنّ ما فعَلَه كان لأجلِها وحدها ... لكي يكفّ شر تلك الإنسانة عنها ... لكنّه لمْ يُفكّر مِنْ قبلُ بطبيعةِ رد فعلها إن هي علمت بالأمر وهذا أسرى فيه رهبةً خفيفةً سرعانَ ما تحوّلت لغضبٍ جسيمٍ قال على إثرهِ من بينِ أسنانه ..
- ماذا قالت لكِ تلك الحرباء ... ؟
تساؤل سلام لمْ يأتِ في محلّه أبدًا ... إذ أن ناي كانت في وضعٍ لا يحتَمِلُ أن يوجه إليها فيه أيّ تساؤلٍ وإن كان صغيرًا .... كانت تحتاجُ لإجاباتٍ وافيةٍ وفقط ... ولهذا ردتْ عليهِ وهي تقطب حاجبيْها بوجومٍ لم تحلحله مطلقًا ..
- لم تقل أي شيءٍ إضافي ... لكنني أحتاجُ لإجابةٍ منكَ أنت والآن ... ماذا فعلت بها سلام ؟... ( وأكملت وهي تمسد صدغيها بتعبٍ ) لأن رأسي لمْ يعد قادرًا على الاحتمال .. سينفجر في أي لحظة من كثرة الأفكار التي تعصفُ به ..
من أينَ يبدأ .. تساءَل وهو يتفادى حادثًا محققًا ليقول أخيرًا لها : سنتكلمُ في البيت ... لستُ مستغنيًا عن أرواحنا لأجل امرأة كهذه ....
فورَ وصولِهما البيتَ ... اطمأنت ناي على رويد الذي كان قـد نامَ في سريره ... لتشكرَ المربّية على قضائها تلك الساعات برفقة رويد ولتنقدَها مبلغًا من المالِ قبل أن تصرِفها ... توجّهتْ نحو غرفة النوم وبدّلت ثيابها كما كان سلام قد فعل ... لتجلسَ أخيرًا بجانِبِه ... وتنظر إليه نظرةً متوسّلة ... لتومئ إليه برأسها بمعنى أنها جاهزة للاستماع إليْهِ ... ليبدأ القول بنبرةٍ صنفتها ناي بالمترددةِ بعضَ الشيءِ لأنها تعرف نبرته المعتادة الثابتة جيدًا ...
- ناي .... عندما عدت ذات يومٍ ووجدتكِ على تلك الحالةِ لمْ أصدّق أنكِ تعانين لأجلِ امرأةٍ لا تكترثُ لكِ ... أصلاً لا تتكلمُ عنكِ بصفتك ابنة لها إلا في حديثِ الصحافة ... ( وأكمل بأسف وهو يشهر يده أمامها ) أما أنتِ فتكادين تشعلينَ حياتنا على العشرِ توترًا كلما سمعتِ لها مقابلةً أو قرأتِ عنها مقالاً ما ... ( بتوضيحٍ أردَفَ قبلَ أنْ تفهمه بشكلٍ خاطئ ) لا ألومُك ... لو كنتُ مكانكِ لفعلتُ أكثر بكثير مما فعلتِه ... لكنني كرجلٍ لم أستطِع أن أرى عائلتي في خطرٍ حقيقي دون أن أفعل ما في وسعي لإنقاذها ....
وبعدها أشاحَ بوجهه عنها وهاجِسُ ما قد تفعَلُه إن علمتْ بتتمةِ التفاصيل نظرًا لطيبتِها التي يراها متجاوزة جدًا للحد الطبيعيّ يلوح أمامه .. لتستنطِقَهُ أخيرًا وهي ترفع حاجبًا قائلةً بصدمة ...
- وماذا فعلت لتنـقذها ؟ قل ... تكلّم ... ( وأكملتْ برجاء ) لا تطل صمتَكَ .. أرجوك ...
بعينٍ كاملةٍ نظرَ إليها بعد أن رفع رأسه الذي كان منكسًا للحظاتٍ بشموخٍ وعقله يقول له أنه لم يفعل أبدًا شيئًا يخجلُ منه ... ليردَ عليها قائلاً بقوةٍ تناسبه ...
- أبدًا ... توجهت إلى مكتَبِها وحذرتُها من العودةِ مجددًا لذكر اسمك أو اسم رويد على لسانِها في أي حديث كان ... لكنها لم تكترث لتحذيري ولم تحسـِب له حسابًا ... وبالتالي استحقّت عقابي لها .. لتعرفَ أن سلام ابن مجد ما كان ليلقي كلامه أرضًا ...

ومع آخر كلمةٍ قالها كانت شفتها تهتزُ في محاولةٍ للتماسكِ .. ورموشها تتذبذب بسرعةٍ بغيةَ تبديدِ أي دمعةٍ ستـُرْديها صريعةً للبؤس في مهبِ نظرِ سلام !! .... يا لكِ من مسكينةٍ يا ناي .... يا لكِ من بائسة ... أظننتِ حقًا أنه فعلها من أجلكِ !!!! .... تلقـّيْ إذن ؛ ها هو ذا يقول بملءِ فمِه أنها استحقّت عقابه لها لـ " تعرف من يكون " ... ولتعرف " أن كلامَه لا يـُلقَ أرضًا " .... وأنتِ التي كدتِ تطيرينَ منَ الفرحِ لكلامِه الذي أشعركِ بقيمتك في أمسّ حاجتكِ لأحدٍ يشعرك بأنك مهمةٌ حقًا لديْه .. حمدًا لله إذن أنكِ لم تطيري ... كنتِ ستقعينَ غزًا على رأسك فوقَ وقعتكِ أصلاً ... صدق من قال " جاء الحزين ليفرح ... فلم يجد له أيَ مطرح "
هزّتْ أخيرًا رأسَها بانكسارٍ وهمهمتْ بمعنى " أكمِل " ....
- دخلتُ ندًا لها عن شركةِ ترِنش في مناقصةٍ ضخمة ... ورغبتُها بكسبِ التحدي أعمَتْها عن التكاليف اللازمة لتغطية المشروع .. خاصةً عندما علمتْ أن سلام الذي أتى لمكتبِها محذرًا إياها من قبل هو الممثل للشركة .. قدّمَتْ عرضًا "واقعًا" وبذلك رسا عليها المشروع ... لكنها سرعان ما اكتشفت أنها أخطأت خطأ جسيمًا عندما تكالبت عليها الديونُ من كلِّ صوْبٍ .. فما كان منها إلا أن عرضت جزءًا من أسهم شركتِها للبيع .... وهكذا اشتريتُ أنا ..... وبعدَها صرتُ أعارِضُ كل اقتراحاتِها في اجتماعات مجلس الإدارة ... ولمْ يكن صعبًا عليّ أن أقنِع المُدراء بوجهة نظري التي كانت تكون أحيانًا في منتهى الغباء .. إلا أنّ اسم سلام معلى وحده كان كفيلاً بجعلهم يقولون نعم لكل ما أقوله ....
أنهى حديثَهُ ليتنفس الصعداء ... وكأن حملاً ثقيلاً قد انزاح عن كاهله ... لكنّ التعبيرَ الذي ارتسم على وجهها ما كان ليريحه أبدًا ..... صفّقت له بمرارةٍ ... وهي تـشعُر بخوارٍ تامٍ لم تقدِر على إثرِهِ من التحركِ بغيةَ مغادرةِ الغرفة ... لتُفَكّر أخيرًا بأن لكل مَنْ يحيطونَ بها أجندةٌ خاصة عندما يتعلق الأمر بها ...
- لمَ تنظرينَ إليّ هكذا ... لا تقولي أنكِ أشفقتِ عليْها .. أصلاً هـي أبرمت صفقة مع شركةٍ مشبوهةٍ لتزويدها بالاسمنت ومواد البناء ... ليتبيّن فيما بعدُ أنّ المواد التي تستوردها الشركة مغشوشة ... لكن المشرف على البناءِ كان صديقي الذي يعرفُ بدوره تاريخ بعض تجاوزاتها وغشّها فلم يمانع عندما عرضتُ عليهِ أن يُطلعني على تفاصيل عقودِها مع تلك الشركة المشبوهة بغيةَ كشفنا لأي محاولةٍ للغش ... وبالفعل كان كل شيءٍ خالّا بالمواصفات .... تخيّلي أنها كانت ستهدِمُ مستقبل كثيرٍ من العائلات في المجمع السكنيّ بغية الحصول على المال ! ..... لا أستغربُ أبدًا ... فهي ما تورّعتْ عن هدم بيتِها ... وبالتالي هدمُ بيوتِ الناس لن يكون صعبًا عليْها .... واللهِ لو عرفتِ خفايا عملِها ما نظرتِ إليّ بتلك الطريقة ...
لمْ تستَطِع أن تعقّب على كلامِه بشيء ... أعصابها أتلفت من زخم المعلومات التي قالَها منذ قليل فما كانت قادرة على تأدية عملها بشكلٍ فعال .. كما أن قلبها ظل ينزف مجروحًا من كلام سناء الذي كان لا يزال رطبًا في مسمعها ... ولذا كانت تشعر بتعبٍ شديدٍ ..... أخيرًا دسّت نفسها في السرير وهي تقول بوَهن ...
- أريدُ أن أنام ...

*

صباح اليوم التالي ...

استيقَظَ سلام على نغماتٍ مشرقةٍ جعَلَتْهُ ينفِضُ رأسه ليصدّقَ أنّ التي تغني هي " ناي " ... ناي نفسُها التي كانت في قمةِ كآبتِها البارحة ... شطَحَ قليلاً في تَفكيره وهو يتخيل ما جرى لها لتستيقظ متبدلة الحال .. لكـنّ تمايُـلها بدلالٍ أمام المرآةِ بحركاتٍ ناعمة بينما كانت تقولُ الكلماتِ وكأنها توجه رسالةً لنفسِها أعماهُ عن التفكيرِ سوى بهذه اللحظة التي ظنّ لوهلةٍ أنّ أحلامه اقتنصَتْها من أيام زواجهم الأولى ..
الدنيا حلوة وأحلى سنين .. بنعيشها واحنا يا ناس عاشقين
ننسى اللي فاتنا ونعيش حياتنا عالحب متواعدين ... انسى
انسى اللي راح على طول على طول .. ما تسيبش زعلك مرة يطول ...
افرح شوية واضحك شوية .. كدة خلي روحك عالية وهــاي
ويا قلبي غني كمان وكمان .. وصل غنايا لكل مكان
وانا لو عليا دلوقتي جاية ... علشان اقول يا زعل باي باي
الدنيا حلوووة ...
كانت تهزُّ كتفيها وكأنها تتخلّصُ من حِملٍ ثقيلٍ ... بينما أمسكت مِشطَها بيديها الاثنتين وقربته من فمِها وهي تحرّكه بتلقائيةٍ أمامها ... أغمضت عينيها بغنَجٍ وهي تدندن أخيرًا بـ " الدنيا حلووووة "
وجّهتْ نظرها نحو سلام عندما رأته من خلالِ المرآة وهو يرفَعُ نَفْسَه قليلاً ليضع يده اليمنى خلفَ رأسِه وعلى فمه ابتسامةٌ واسعة وكأنه يرغبُ برؤية الحدث بأبعادٍ ثلاثة .. قبلَ أنْ يُحرّكَ حاجبيْه مستغربًا وكأنّه يتساءَل عن سر هذا التحول الكبير ... لتتحركَ نحوَهُ بحركاتٍ خفيفةٍ كدوريٍّ يتدرب على الطيران ...
جلستْ بجانِبِه على حافة السرير وابتسامَتُها تمتد لتصلَ مساحاتٍ ما وصلَتها من قبلُ ... لمْ تكن ابتسامةُ الفمِ فقط .. إنما ابتسامةُ العينيْنِ والوجنتينِ ... كلها على بعضِها كانت تبتسم ... مما انعكَسَ عليهِ ليبتسم بدورِه ابتسامةً عريضة ... قبلَ أن تقولَ بصفاءٍ وهي تمرر يدَها على شعـره القصير الذي تخلّلَتْه شعيراتٌ بيضاء قليلة زادته وقارًا ..
- صباح الخير ....... حبيبي
انفلتت منه نغمةٌ قصيرة أشبهُ بضحكةٍ كتعبيرٍ عن استمتاعِه الشديدِ بتدليلِها غير المتوقّع له ... خاصةً وهو يتأمل وجهها القريبَ منه ينظُرُ إليه بهُيامٍ خالص وأنامِلُها الرقيقة تعبثُ بشعرِه كعبثِ نسمةٍ صيفيةٍ عليلةٍ بغصنٍ لمْ يشمّ رائحة الهواءِ منذ زمن ... أخيرًا حركت رأسَها بخفةٍ وهي تقولُ برغبةٍ لسماعِ " صباح النور " تنفلتُ من بينِ شفتيْه لكي تتأكد من أن صباحها قد اكتمل فعليًا ...
- ستَظَلُ صامتًا ؟
رَفَع يدَهُ الحُرّة ليتحسس وجهها بلطفٍ شديد وكأنه يناغي طفلاً له من العُمُر أيام قبلَ أنْ يقول بهمس ...
- في العادة عندما أحلم .. ما إن أتكلم حتى ينتهي كل شيء ... ولهذا أفضّل أنْ أظلّ صامتـًا ...
اقترَبَتْ مِنهُ أكثر ... وأسبَلَتْ أهدابها الكثيفة حولَ عينيها سرمديتي البريق وكأنما تحميهِما من اكتساحِ نظرِ سلام الوقحِ لهما ... قبلَ أنْ تقولَ بطمأنة : لكنك لا تحلم ...
هزّ رأسَهُ رافضًا ... ليقولَ أخيرًا بعدم تصديق : أقرصيني لأتأكد ...
حركت رأسَها وهي تقولُ بجرأة : أنا لا أقدر على قرصِك لتتأكد ... يمكنني أنْ أقبلك إن أحبَبْت ...
وكان يحيطُ وجهها بأنامِلِه المشتاقة ... يمسكُ به وكأنه يخشى ضياعه من بينِ يديه ... يقبّلها بشغـفٍ حتى شعَرَ بدمعةٍ ساخنةٍ تسقط من سماء عينيها لتستقرّ على أرضِ إحدى يديه المحيطتين بوجهها سقوط النيازك .... تصلّبَ جسَدُهُ بإباءٍ مستهجنًا دمعتَها ... ليُبْعِدَها عنه بلطفٍ خشيةَ جرحها ... ليقولَ بعدها وقد اختفت ابتسامتُه ليحلّ محلّها الضجرُ ....
- كان عليّ أنْ أعرِف أنهُ كان حلُماً ...
ارتَعَشتْ بشدةٍ وهي تهزُّ رأسَها خوفَ أنْ يفهَمَها بشكلٍ خاطئ لتقولَ بتوسُّل ...
- لا ..... لم يكن حُلُما ( ومسحت دمعتها لتبتسم مجددًا ذات الابتسامة المميزة ) أنا أبكي لأنني اكتشفتُ مؤخرًا حقيقةً كان ينبغي عليّ اكتشافُها منذ زمنٍ سلام ...
وعدّلَتْ مِنْ وضعيتِها لتلائم الكلام الذي ترغب بقوْلِه ... بينما حرَفَت بصرها بعيدًا عنه وكأنها تخجلُ من نفسِها ...
- أبكي لأنني اكتشفتُ أنني نغّصتُ حياتنا الجميلة لأجل لا شيء .... ( وأطرقت قليلاً لتكمل ) عندما فِقتُ صباحًا .. كنتَ إلى جانبي ... كما تفعلُ دائمًا ... بإخلاصٍ وكرمٍ لا متناهيين ... ما كان أحدٌ ليصبِرَ على امرأةٍ تكدّر حياتها بهذه الاستمرارية سواك أنتَ سلام ... سلام الذي أحتاجُه بشدةٍ وقد أفقد عقلي إن اختفى من حياتي يومًا ........... البارحة ... فكرتُ بغباءٍ كبيرٍ بأنّ ما فَعَلتَهُ كان انتقامًا لنفسِكَ قبلَ أي شيء ....
حرك رأسَه نافيًا بشدة وهو يقول بانفعالٍ : قطعًا هذا غير صحيح ...
رفعتْ سبابتها اليمنى حتى لامست شفتاه وقالت " هششش " ... لتكمل بنبرةٍ متعقلة ..
- للوهلةِ الأولى فكرت بالأمر على أنه هكذا .. كنتُ مستنزفةً بالفعل بعد الحوار العقيم الذي دار بيني وبين أمي سلام .. والشيطان كان يريد أنْ يخرّبَ بيننا ولذا هرعت إلى النومِ خوفًا من أن أقول شيئًا أندم عليْه .... إلا أنني عندما صليتُ الصبح وجلستُ أطلب من الله عونًا وجدتُ أن عقلي يخبرني نقيضَ ما فكرت به تمامًا .... لأصِلَ إلى أنّك ما كنتَ لتفعل شيئًا مما فعلته لولا أنك رغبتَ صدقًا بحمايتي ... أصلاً لولايَ لما كان لكَ ناقة ولا جمل في كل مهاتراتك مع سناء ..
عيناه كانتا تجولانِ عليْها بإعجابٍ شديدٍ ومفاجأةٍ لكلامِها الذي كان عقلانيًا بشدةٍ .. عندما قالتْ أخيرًا بـحسرة ..
- لنْ أكونَ من بعد اليوم " ناي " الحمقاءَ جدًا ... الحمقاء لأنها كادت ستسمح لحبّها بالذهاب مع الريح لأجلٍ عُـقدةٍ لن تحل ... كما لنْ أسمَـحَ لسناء بأن تعكر حياتي بوقوفها الدائم كعائق بيني وبين السعادةِ الحقيقيّة التي أنشُدُها معك ومع رويد ... وربما أنجبنا طفلاً آخر .. منْ يعرف ... المهمّ أننا سنعيش حياتـنا بتفاصيلها ولن أسمَحَ لأحدٍ بأن يشغلني عنك ..
سلام الذي سمِعَ لتوّه ما تاق لسماعه منذ مدةٍ طويلةٍ كان يرى في ذلـك انتهاءً لكل مشاكِلِهم وهذا كان كثيرًا عليه .. لذا كانَ يرْغبُ بأن يسمع جوابًا قاطعًا منها مجددًا ... وبتأكيد تساءل :
- لستِ غضبى مما فعلتُه .....
حركت رأسَها نفيًا وهي لا تزال مبتسمة وقالت : أنتَ أدرى بعملك مني ... ولذا لا دخل لي به ..... ثم أرجوك ... عندما نكون معًا لا أريد للعملِ أن يقف بيننا ... ولا أي شيء آخر أيضًا .... فقط أنتَ وأنا ...
كان يهمُ بتقبيلِها مجددًا عندما جاءَ رويد حبوًا ... ليلتفت عنها سلام قائلاً بنزق .... : يبدو أن هناك أنتِ وأنا وهو ....
ليضحَكا معًا بعدَها .... هبت ناي لتحضِرَه تحت أنظار سلام ... الذي سألها أخيرًا عن الساعة .... لتجيبه بأنها ستكمِلُ الثامنةَ بعد قليلٍ ... ليتذكّر أنّ أمه تنتظره وعائلتَه على الإفطار ...

*


priscila ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

*

قلورياس والخادمة كانتا تعدّان الفطائر في المَطبَخ .. عندما قدِم فابريغاس وهو يضعُ المنشفة على إحدى كتفيه خارجًا من الحمّام مصبّحًا على والدتِه التي رفضت بدورِها الردّ عليه ... اقترب منها وهو يهمُ بتقبيلها قبلتَهُ الصباحيّة ... لكنها أشاحَتْ بوَجهِها عنه .. استغرب ذلك فهو لمْ يفعـل ما تُعاقبه أمه لأجلِه ... وعندَما سألَها عن سبب ما تفعله كانت ترتكِزُ بيديها على الحوْضِ بإرهاقٍ قائلةً ...
- فاب ... تأخرك في العودةِ مساءً لا يمكن أن نتقبّله هنا ... قد أفعلُ إن تأخرت مرةً في الأسبوع ... ولكن ليس في كلِّ يوم ... عمك مجد يرفض أن يتأخر أحدٌ من سكان بيتِه عن الثانية عشرة بشدةٍ إلا أنه يمتنع عن توجيه أي تنبيه صريحٍ إليك لأنه لا يملك سلطةً عليك ... حتى لي لم يقل ... ولكنني أعرفه عندما يكون منزعجًا من شيءٍ ما ..... أرجوكَ بني ... أنا ما صدّقتُ أن الأوضاع تتحسن شيئًا فشيئًا ... لا تخرب كل شيء ..... أرجوك
خروجه سيخرّب كل شيء !!!!!؟ لمَ العُقد هنا كثيرةً .. ؟ لا تخرُج ليلاً ولا تكلّم ابنة جيراننا بتلك الطريقة .... حتى أن السلام ممنوع .... يبدو أن الحياةَ لن توائمه هنا .... مع ذلك كان يردّ على أمِه بتـفهّمٍ ...
- أمي ... لو قلتِ لي من قبلُ لفعلت ... أنا أخرجُ لأنني أحب اكتشاف المدينةِ التي أقيمُ فيها .... تعرفتُ على شاب إسبانيّ يعيش هنا .. ونحن نجولُ في المنطقةِ ويأخذنا الوقتُ أحيانًا فنتأخر .... لا تخافي ... لا أظنّ أن هناكَ حاناتٍ هنا أو ما شابه .. حتى أنني نسيتُ طعم الشراب منذ قدِمت إليكم ...
بعدها بقليلٍ جاء مجد إلى البيت بعد أنْ أنهى رياضته الصباحيّة ... ليتوالى من بعدُ قدوم سلام وناي ورويد ...
لم تكن الأجواء مريحةً جدًا عندما قدمت ناي خلف سلام وسلمت على عمها مجد ... ليمد فابريغاس يدَهُ نيةَ مصافحـتها .... وعلى إثر ذلك جوبه بنظرةٍ نارّيةٍ من سلام الذي سلّم عليهِ قبلاً على مضضٍ ... شعرَ بكثيرٍ من الإحراجِ عندما غلّت يدها عن مصافحته .... وكاعتذارٍ قال بإنجليزيته الممتازة بلباقةٍ شديدة ..
- أعتذر ... لكنني عندما رأيتكِ تسلمين على العم مجد .. ظننتُ أنكِ منفتحة تسلمين على الرجال ...
ودون تفكيرٍ كان يردُ عليهِ سلام بنبرةٍ احتدّت قليلاً ...
- تسلّم على أبي شيء وعلى باقي الرجال شيءٌ آخر .. كما أن مصافحة الرجال لا علاقة لها بالانفتاح ...
ترحيبٌ شديد قامت به قلورياس لفضِّ هذا الجو المخيِّمِ ، نجحت على إثرهِ بتهدئة سلام الذي شعَر من اهتمام والدتِه به بأنه الوحيد هنا ....
على الإفطارِ كانت الجلسةُ هادئةً بينما فابريغاس يبدي إعجابه بالطعامِ العربيّ الذي وصفه " بالأنيق والغني " .... لكنّ الدماء فارتْ في عُروقِ سلام بعد أن قامَ الجميع عن طاولة الطعامِ ليجلسوا في غرفة استقبال الضيوف ... لاحظَ نظراتِ فاب الغبية تتوجّه نحو ناي ... ليسألها بعدَها عن اسمها .. فأجابته بتحفظٍ .. ليبديَ إعجابًا كبيرًا وهو يُحرّكُ رأسه قائلاً بلباقة ...
- مسز ناي ... اسمكِ جميلٌ للغاية ... لنقل أنه سهل النطق ... فأنا لم أعرِف معناه بعد .. كما أنّ جمالك مُبْهر .. أنا سعيدٌ حقًا بأنني رأيتُ الجمال العربيّ بأمِّ عينيّ ...
قلورياس التي كانت توجّه نحو فابريغاس نظرةً موبّخة وهي تعض على شفتها السفلى ما كانت لتفْهِمَهُ سببًا لنظرتها فهو لمْ يفعل شيئًا .. ولكنّه ما توقّع أبدًا احتقان وجه سلام بتلك الطريقةِ الغريبة أو حتى كلامهُ الذي وإن لمْ يفهم منه شيئًا أشعره بأنه لم يكن جيدًا في حقه ..
- لا حول ولا قوةَ إلا باللهِ العليّ العظيم ........ آمنتُ بالله على هذا النهار !!!!!!!!!!!!!
لمْ يُطِلْ سلام جلوسَهُ بعدَها .... فبعد مرور نصف ساعةٍ تقريبًا كان يشيرُ لناي ليغادروا متعللاً بعمل ما ... ولكنه قبلَ أنْ يغادِرَ كـلّمتْهُ أمه على انفراد ... أفهَمَتْه أنه لا يفقه شيئًا من العادات والتقاليد وحتى حدود الدين ... ولهذا يظنّ أنه إنما يتكلمُ بلباقةٍ عندما يبدي إعجابه بامرأةٍ ما ... ركّزت على تلك النقطةِ لأنها كأم كانت تعلمُ حساسية سلام الشديدة تجاه ناي وإنْ كانت ناي نفسُها لم تختبِرها بعد .. أخيرًا رجَتْهُ أن يخرجا معًا في يومٍ ما حتى يتقربا من بعضِهما أكثر .. وحتى يعرّفه بطريقةٍ ما على العادات والتقاليد .. فهما يظلان رجلين يفهمان على بعضِهما أكثر ... فما كان منهُ إلا أن أبدى موافقتَهُ بعد أنْ أحرجَهُ طلبُ أمه بموضوعيته فلم يشأ رفضه ... وهكذا تمّ الاتفاق على الموعد مع فابريغاس ...

*

السماءُ لم تتغيّر ... لا تزال كما ترَكَتْها بالأمسِ ممتدةً ... كوَجَعها الذي ما تضاءل أبدًا ... القمرُ يختفي شيئًا فشيئًا ليحلّ محلّه قرصٌ آخر أكثر سطوعًا وبروزًا .... قرصٌ يظهَرُ مِنْ بين الجبالِ البعيدةِ مطلاً برأسهِ المتموّج بين درجات الأحمر على خجلٍ كطفلٍ يخشى عقاب والديه .... الطيورُ ترفرف مارّة بحذوِ درابزين شرفتها .... تزَقزِقُ منتشيةً بطلوع الصباح ... ها هي ذا ... تجلسُ على ذات الكرسيّ .. تتأمل كلّ شيءٍ من حولِها طمعًا بلحظةٍ واحدة تتناسى فيها ما حصلَ بالأمس ... إحساسُها بالألمِ كان يخدّر عقلها عن العمل تخديرًا تامًا ... لكنّها أخيرًا قرّرت أن تحاول ....
من أينَ تبدأ ... ماذا تقولُ لآدم ... كيف تبررُ له معرفَتَها بالأمر برمته ... أتقولُ أنه جاءها كوحي إلهي ! رباه كيف تسوق الأمر إليه ؟ فكرة أنّه بطبعه العصبيّ يستطيع قلبَ الطاولةِ عليها لتصبحَ هي المُخطئة لا هو .. أثارتْ دموعَ ضعفِها لتبدأ النحيب .. نحيبٌ ودت أن تصفع نفسَها بقوةٍ لكي تخرجَ من بوتقة وهَنِه ... ودّت لو تنفجِرُ في نفسِها وينتهي الأمر .. لم تعتد أنْ تكون انهزاميّة بهذا الشكل المثير للشفقة .... أنْ تنذوي كشمعةٍ أحرقتْ نفسَها بنفسها لكي لا يحرِقها الناس ...
أندلس .... كفاكِ حمقًا بحق الله ... تفكّرين فيما لا ينبغي أنْ تفكّري فيه ... قومي الآن .. أقعِديهِ من نومه بأقذع الوسائل ... قولي له في وجهه وبرأسٍ شامِخٍ أنه خائنٌ ظالمٌ غادرٌ طعنك في ظهرك وفي الصميم ... هزّي قصر صمتِه العاجيّ بقوةٍ ... زلزليه من تحتِ قدميه ... وجهي إليهِ تساؤلاتكِ كلها وأجبريه على أن يجيبكِ .... وأخيرًا لا تضحكي على نفسكِ لأنك لن تقدري على فعلِ أيٍّ من ذلك .... لأنكِ جبانة ... لنْ تستطيعي الوقوف في وجهه ريثما يُـنهي إدلاءه بتصريحاتِه النارية ستكونين قدْ صرتِ في عالمٍ آخر ....
كانت لا تزال تحت تأثيرِ صدمَتِها ... أذناها كانت تطنّانِ بشدة حتى شعرتْ بأن طنينهما كفيلٌ بتفتيتِ كل ما يحاول الاقتراب منها ... كفيلٌ حتى بتفتيت الأفكار المحاولة الطفو على السطح فكانت بذلك تفور في رأسِها لوَهلاتٍ قبل أن تعاوِدَ الغطْسَ مجددًا في مستنقع ذهولِها .. صوت عراكٍ قادمٍ من أحد البيوتِ القريبةِ جاء لمسمعِها كضربةٍ أيقَظَتْ فيها الوعيَ بحجمِ مشكلتِها ... الشتائم التي تبادَلَها الزوجان كانت شنيعةً بشكلٍ آذى فيها السّمع والإحساس ... لـتتساءل بصدقٍ عن طبيعةِ المشكلةِ التي أدّت بزوجينِ إلى أن يُسمعا صوت شجارهما للجيران ... أيُ حماقةٍ تلك ... على الأقل ما كانت هي لتفعلَ ذات الشيء ... وما كان آدم ليَفضحها أمام الناسِ بإهانتها علنًا .. لكن لحظة .... هي لمْ تتوقّع من قبلُ أن يكون آدم متزوجًّا بأخرى وها هو ذا .. يتّضِحُ إليها في ليلةٍ لمْ تخلُ من ضوءِ القمَرِ أنه متزوج ... فتـُرى ماذا سيفعَلُ إنْ علِمَ بمعرفتها لما يخفيه ... وهذا السؤال بدأ يثير فيها هاجسًا جديدًا غريبًا ...
مرتْ عليها الساعاتِ وهي تتحاشى الاحتكاك بآدم خوفًا من لحظةِ انفجارٍ محتملة ... إلى أنْ حانَ موعدُ ذَهابِها إلى بيتِ أهلِه .. حتى وهما في محيطٍ ضيقٍ في السيارةِ كانت تشيحُ ببصرها عنه وكأنها ترفضُ لعينِها النظرَ إليه خشيةَ الحنينِ لتفاصيلِه كلها ... خشيةَ الرضوخِ لقلبِها الذي يرفض الابتعاد عنه حتى الآن أيّا كان ما فعَلَه وكأنما يرفض النبضَ في حال خروجه من حياتها بلا رجعة ....
اصطفّ آدم أمام بيتِ أهلِه ليتسنى لأندلس النزول ... كان لا يزال يشعـر بغيابها التام عن الواقع .... بتحليقِها نحو عالمٍ آخرٍ لا ضجيج فيه ولا صخب .. طوال ستةِ أشهرٍ وأكثر ما خبرَ منها صمتًا لكل تلك المدة الطويلة .... وهذا أثار في نفسِه تساؤلاً وخوفًا حقيقيّاً على فتاتِه التي بدتْ له خلال اليومين الفارطينِ جسدًا بلا روحٍ ولا حياةٍ بشكلٍ لمْ يتخيّل أنه سيراها عليه ....
كانتْ تهمُّ بفتحِ الباب عندما أمسك يدها القريبةَ منه في محاولةٍ للاطمئنان عليها لمرةٍ أخيرة ..... متسائلاً بنبرةٍ قلقة :
- هل أنتِ حقًا بخير .. ؟
كان يتوقّع منها إجابةً بغضِ النظر عن كوْنها ستكون نفيًا أو إثباتًا .. إلا أنه لمْ يتوقع خرقها لصمتها بتلك الضحكةِ الكئيبة لتجيبَه بعد ذلك بنبرةٍ منهزمة ... ( أنا بخير .... على الأقل حتى اللحظة .. ) وبقوةٍ هزيلةٍ كانت تزيلُ قبضته الملتفة حول يدِها رغبةً بأن لا تبرحَ معه مكانًا واحدًا لدقيقةٍ إضافية وكل ما قرأتْه في الأمس يظهرُ أمام عينيها تباعًا ... لتشعُر أنّ الحقد عليه يأخذ منها كل مأخذ ..
رآها تسيرُ بخطواتٍ منهكة حتى اختفت من أمامه وهي تصعد الدرج ... أناقتُها الشديدةُ ما كانت لتطغى على مظهرها الكئيب المتعب .. ليقفِزَ إلى ذهنِه تعليقٌ ساخِرٌ رغمًا عنه مفادُه " أعانها الله على لسانِ خالتي وابنتها " ... قبلَ أنْ تهدِرَ سيارتَهُ معلنةً مغادرتَهُ المكان ....
رنت جرس البيتِ ففتحت لها الخالة مروة ... وبمجاهدةٍ كبيرةٍ كانت تبتسِمُ لها لكيْ لا تشغلَ بالَها ، لأنها لن تقدِر على منحِها أي جوابٍ لبقٍ إن سألتْها عن سر حالتها الغريبة ......
دلفت إلى المنزل فكانت تلك الفتاةُ أول ما استقبلها ... بجسدِها الرشيق المتناسق وثيابِها الأنيقةِ حدّ البذخ وزينتِها الخفيفةِ بشكلٍ أبرز سمارَها الجذاب ... وما إن خطر على بالها كلمة " سمارها " حتى عادَ المغصُ إلى بطنِها بشكلٍ فوريّ .... وبتلقائية كانت الرغبةُ في اكتساحها تستيقظ فيها لتدبّ فيها الروحُ القتاليةُ بعد أن كانت قد غادرتها منذ صباح الأمس ...
سلمتْ عليها ببرودٍ وهي تردد عباراتِ التحيةِ ... بينما ابنة خال آدم تفعلُ المِثلَ معها ... وحتى خالتُهُ كانت تسلّمُ عليْها بذات الطريقةِ وإنما بعينيْن نضح الازدراء والتعالي منهما ... أما الخالة مروة فكانت تقف من الجميعِ موقِفَ المتسامِح ....
جلسوا جميعًا يتحدثون عن مواضيع كثيرةٍ ... وسجالٌ ناعمٌ يدور بين الشابّتين اللتان خاضتا في الموضة والسياسة والفنّ وحتى تاريخ عائلة كلٍّ منهما .... ما لمْ يعجب أندلس إطلاقـًا حديث ابنة خالته " ريما " عن ماضي آدم وكأنها تعـرِفه كما يعرِفُ الصديق صديقه ... مما أثار فيها غيرةً كانت مثارةً بالفعل ..... إنها تتحدّث باسترسالٍ وعن نقاطٍ متفرقةٍ اتضحَ منها أنها فقط ترغب بإثارتها .. لتتساءَل أخيرًا بانكِسارٍ لم تجعل أحدًا يشعر به .. هل كان سيكون ذلك حالها لو عرفت بما تعانيه هي الآن من أسىً ووجع ! .. هل كانت ستكون بتلك القسوةِ لوْ عرفت أن غريمَتها أندلُس لم تتمكّن من اقتحامِ معاقِل قريبِها كما توهّمت .. كما لمْ تتغلغَلْ في كيانِه على مدار أكثر من نصف عام مما جعلها جاهلةً بكل تلك التفاصيل ... تنبّهت أخيرًا إلى معلوماتها التي لم تكن تعرف عنها شيئًا ... لتتذكر أنها قالتْ أنّه يفضل البوظة بالفانيليا ... ويفضّلُ من الألوانِ الأحمر .. أما عنْ أبرز ميولِه السابقة فتعلم الخطُ العربي كان يتربع على عرشِها ... حتى أنها أطلعتها على فنانِه المفضّل .. و روائيِّه الأثير ...... لتخبِرَها أخيرًا عن أكثرِ صورِهِ نكتةً وحتى عن أنهُ يحتفظُ بها ومجموعةً من الصورِ في غرفتِه القديمةِ هنا .... لتتحرّك أخيرًا بُغيةَ إحضار تلك المجموعةِ من الصورِ حتى يتسلّوا بها ليستمتعوا بالجلسة ....
السيدة مروة لم تبدِ تمنّعًا يُذكر عندما همّت ريما بالوقوف ....

*

( أندلس " الخارقة " ........ تماسكي ..
أندلس " الخارقة " ........
تماسكي .. تمـ ا سـ كي )
كانت تريدُ أنْ تبكي بشدةٍ بعد كمّ الهموم الذي تكالبَ عليْها بشكلٍ سلّمتْ معه بقضاءِ الله .. أما عقلها فأخّذَ يردد تلك الكلمة بجنونٍ كاد يفتِكُ بها ( تماسكي تماسكي ) .. فكانت تمتثلُ لمدلولاتها امتثالاً خانعًا رغبةً بأن تكف عن التردد في مسمعها بتلك الطريقة الماجِنة فهي لم تعد تحتمل صدقاً هذا الإيقاع المجنون للأحداث غير المتوقعة في حياتِها في غضونِ هذه الأيام القليلةِ المنصرمة .. وبذلك كانت تقفُ بشموخٍ في طريق ريما مانعةً إياها من التقدمِ نحو غرفةِ زوجِها القديمة .. وعلى وجهها أماراتُ التحدّي ... فما كان من غريمتِها إلا أن عادت إلى مكان جلوسِها وهي تقول محرّكة رأسها بطريقةٍ مستفزة " على رِسلِكِ طيب !!! "
سارت برأسٍ مرفوعٍ وبخطواتٍ مدروسةٍ واثقة كتحدٍ للتي تنظُر إليها .. تتفرّس فيها من رأسِها حتى أخمصِ قدميها بحثًا عن غلطةٍ فيها لتتوجّه إلى غرفةِ آدم التي كانت قد ظلت كما رأتها مرةً بشكلٍ عابرٍ ... غرفةٌ متوسطةُ المساحة ... تنتصبُ في إحدى زواياها مكتبة تمتدُ على طولِ حائطها .. شعرَتْ عندما رأتْ عدد كتبِها الكبير بأنها لمْ تعرِفْ شيئًا من قبلُ عن قارئها ... تمامًا كما لا تعرفُ الآن شيئًا عن محتويات هذه الكتب ...
فجأة عاد شبح الذبولِ إليها ... لتبدأ التحرّك بتثاقلٍ عندما تفتّقتْ جراحها التي اندَملت ظاهريًا رَفضًا لشفقةِ أحدهم فورَ أن أغلقت خلفها باب الغرفة ... لتعودَ أوجاعها إلى التراقُصِ داخِلَها هادّة بذلك حَيْلها الذي كان قدْ هُدّ سابقًا بما يكفي لتشعُر بتعبٍ جسيمٍ يكتسحها ...
شيءٌ ما في داخِلها بدأ يصرخ .. أنْ ليس الآن الوقت المناسبُ إطلاقًا لإشهار رايتك البيضاء .. هناك في الخارجِ أناسٌ ينتَظرون خروجكِ بفارغ الصبرِ وفي رفقتِكِ صورُ طفولةِ نجم النجوم ...
آآآآآاااه الصور ... وضَعَت يدها على رأسِها وهي تشعُرُ أنها في ورطةٍ حقيقيّة .. من أينَ ستبدأ رحلةَ البحثِ ... من أينَ ستبدأ ... لا يوجَدُ أصلاً في الغرفةِ سوى سرير خشبي بحثت تحت ملاءَتِه لتجدَ لا شيء ... وخزانةٌ خشبيةٌ عندما فتحتها وجدتها شبه فارغةٍ تمامًا ... وبهذا لم يبقَ لديها سوى احتمالٌ وحيد هو المكتبة ...
بدأتْ تبحث في المساحات القليلةِ التي ما عُبئت بالكتب لتنتَقِلَ سريعًا إلى الرفوفِ القريبةِ منها .. شعورٌ بالغيظِ كان يستحوذ عليها بشدةٍ وهي تتساءَل بتذمّرٍ عن جدوى كلِ ما تفعله ... أخذت يداها تتحرّكان بعشوائيةٍ بين الكتب ... حتى بقيَ لديْها رف أو اثنانِ للبحثِ فيهما .. كانا مرتفعين فلم تكدْ تصِلُهما بطولِها ولذا كانت تقفز في محاولةٍ لرؤيتهما عن قربٍ وهي ترفعُ يدًا باحثة ...
عضتْ على شفّـتها وهي ترى الكتب تتهاوى من أحد الرفوف بعد أن اصطدمت به أثناء بحثِها ... شهقتْ في بادئ الأمرِ ثم سُرعان ما نزلت على الأرض لكي تعيدَها إلى مكانِها قبلَ أنْ يشعُر أحدٌ بالكارثةِ التي أحدَثتها في المكان ...
ما لمْ تتوقّعهُ أن يكون في وقوع كتب ذاك الرفِ منحَتَها ... إذ أنها ما إن رفَعت كتابًا كان قد ألقي على قفاهُ حتى وجدت تحتَهُ عددًا جيدًا من الصور ...
وبغريزةِ انتصارٍ كانت تقول " يسسسسس " وابتسامةٌ واهية ترتسِمُ على شفتيها ... لكنّها ما إن رأتِ الصورَ حتى أخذت دموعُها تتدفّقُ بغزارةٍ ... رأت آدم الطفل .... وآدم المراهق ... وآدم في ريعان الشباب ... وآدم الرجل ... صوَرُه كانت حقًا نُكتةً ... إذ أثارتْ فيها رغبةً بالضحكِ على الرغمِ مِنْ دموعِها المنسابة بلوعةٍ وحرقة ...
صورةٌ كانتْ قد وصلتْ إلى مكانٍ أبعدٍ بقليلٍ عن رفيقاتِها جعلت وجهها في جمودٍ كامل وكأنما تحوّل تمثالاً من الصخر .. جمودٌ لمْ يستغرق معها ثوانٍ قبل أن تظلمَ ملامِحُها بعدمِ التصديق .... بالذهول والصدمة الحقيقيين ... لتشعر بأن كل ألمها الماضي ووجعها كان مجرد لعبةً مقارنة بما تشعر به الآن ..
أمسكت الصورة بيدٍ ارتعشتْ حتى ما عادت قادرةً على الإحساس بملمسها الناعم ... قلبُها هبَطَ في أسفل قدميها هبوطًا مدويّاً وهي ترى ثنائيًا رائعًا تشع السعادةُ من وجهه كشعاعٍ استــُلَ من هالات الشمس .. وكأنّ لا هموم لديهِما ولا أحزان .. يعيشان حياةً كاملةً لمْ تؤطرها التفاصيلُ المُقلِقة .... رأت آدم .. ومعه فتاة سمراء ... خلابة كما وصفها في يوميّاتِه .. مقتربان من بعضهما في وضعيّةٍ مريحة ... هو يجلسُ على كنبةٍ كلاسيكية وهي تجلس إلى جانبه ... تلتصقُ تمامًا به .. أما رأسها فقد اتخذ صدره وسادةً كما تفعل هي ...
حسرةٌ كانت تُحرِقُ قلبَها لتتركه كومةً من رمادٍ ... الغدرُ الذي شعرت به كان كمُديةٍ دخلت أحشاءها على حينِ غِرةٍ لتلتفّ داخِلها بقسوةٍ مزلزلةً كل أشلائها المنهارة لتتحول إلى محض أنقاضٍ ..
لم تعُد تحتَمِلُ المكابرة و صوت إحدى النسوة يستعجِلها من الخارج .. فما كان منها إلا أن كفأت الصورة على وجهها خوفًا من دخول أحدهم على حين غرّة ليتشمت بها وكأن ذلك ينقُصُها ...
( حبيبتي ...
أيًا كانت الظروف التي جمَعتنا ... لستُ نادمًا على الارتباط بكِ )
ضحكت بهستيريّة تعيسةٍ وهي ترى الكلماتِ المكتوبةِ بذات الخط اللعينِ وكأنما تـُردد في مسمعها " لا مفر من السقوط " ... ضحكةٌ سرعانَ ما انقلبت إلى خوارٍ تـام وغياب عن الواقع ... وما إن أغمضت عينيها حتى رأت نفسها تنهارُ من أعلى برجٍ سامق الارتفاع لتصلَ إلى أرضٍ سحيقةِ البعد ... وهكذا ............... سقطت الأندلس .


priscila ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

الفصل الثاني عشر .. آخِرُ العهْدِ بك ..
الجزء الأول ..
قالولي العيد بعيوني .. و ع درب بعيد دلوني
غمضت عيوني تشوف العيد .. لا شفت العيد ولا درب بعيد ..
وبعتم الليل رميوني ...

*

يتعدّدُ البشر ... يتكاثرون .... وتمرّ كل ثانية فيستبدّ صراخٌ صغيرٌ في أذن " من أصبحا الآن " والديْن .. فتتعدد المشاعِر ... وتتعدد معها معانيها ... و كما يولد للحبِّ ألفُ معنى .. يولد للوجع ألفُ معنى .. ولأن السقوطَ يُخضِعُ أحبةً ومتوجّعين ... حُقّ أن يكون له ................. من المعاني " آلافــًا " ...


كل شيءٍ صار ملموسًا .. ما عاد مقروءًا فقط ، كادت تغور في لجةِ غيابٍ شديدةٍ عن الواقع إلا أن شيئًا ما أخضعها لشعورٍ غريبٍ يسمى غــثـيــان .. مع ارتجاع شيءٍ ما في مريئها كانت تقـف محاوِلةً مباغتةَ الوقتِ حتى لا تتقيأ هنا ... كانت قد أمسكت الصورةَ في يدِها اليمنى .. سحَقتْها بلهيبِ ألمِها فغدت كرة صغيرةً مخنوقةً بقبضةٍ خُنقتْ صاحبتُها من قبلُ بهوْل الصدمة ... أما اليد اليسرى فكانت تــُبسط أمام فمِها ... تؤثر عليهِ بقوةٍ كبيرةٍ في محاولةٍ لإرغام ما استقرّ فيه على عدمِ التدفقِ الآن ... هرعت خارجةً من الغرفةِ تحت أنظارِ النسوةِ اللواتي تفاجئنَ من انفراج الباب بذاك الشكلِ الهمجيّ مما جعل إحداهنّ تشهقُ صدمة .. مفاجأةٌ سرعان ما تحوّلتْ لدى الخالةِ مروة إلى قَلَقٍ حقيقيٍّ على الفتاةِ التي لمْ تبدُ طبيعيةً أبدًا وهي تهروِلُ صوبَ الحمام مكممةً فاهها .. أصلاً لم تبدُ طبيعيةً منذ دخلت ، هذا ما أحست بهِ وهي ترى أندلس فاقدةً لحيويّتها المعتادة عندما استقبلتْها عند الباب .. وابتسامتـها وإن كانت مرسومةً على وجهها فهي حتمًا لم تكن نابعةً من القلبِ ...

قامتْ بسرعةٍ لتطمئنّ على أندلس التي استقرّت الآن في الحمامِ مُقفلةً خلفها الباب ، ليتعالى من ورائه صوتُ قيئها ... وعلى إثر ذلك قالت مروة بنبرةٍ قلقة " أندلس .. هل أنتِ بخير " ... أجابتْها بصوتٍ متعبٍ متقطع " بخير ... "
خرجت وهي تحمِلُ في يدِها منشفةً صغيرةً جففتْ بها وجهها بعد أن غسلتْه لتستعيدَ شيئًا من نشاطِها ، مُغمِضةً عينيْها وقد اجتاحها إعياءٌ كامل وسطَ تغضّن ملامِحها بإرهاق شديد ... سندتْها مروة لتُدخِلها فيما بعدُ إلى المطبَخ لضمانِ ألا يسمع حوارهما أحد .. مخضِعةً إياها فيما بعد لنظراتِها المستفسرةِ عن سرِّ حالتها الغريبة ولتساؤلاتِها أيضًا ... فما كان منها سوى أنْ أجابت باقتضابٍ عنْ كُلِّ أسئلتها التي لمْ تبدُ ذاتَ أهميةٍ لأندلس ... وكأن أكبر همّها الآن تناول الطعام أو التدثرِ جيدًا ليلاً ... سؤال أخيرٌ نجَحَ بإيقاظِ مشاعِرِها التي خمَدَتْ إثرَ فورةِ إعيائها الأخير "هلْ أنتما متشاجــِران ؟ " .. لترتبِكَ نظراتُها وهي تحاولُ أن تشيحَ بوجهها عن مرمى نظرِ مروة التي همهمَتْ بكلماتٍ غير مفهومةٍ إثر نظرات أندلس المتباعدة بقليلٍ من التذمر ... بينَما هي تتقدّمُها إلى غرفةِ الضيوفِ مجددًا ...
شعورٌ بالسعادةِ اللحظية كاد يعتريها وهي ترى نظراتِ ريما الحاقدة مسلّطة عليها بحنقٍ كبيرٍ .. وكذا نظرات أمّها الفضوليّة التي لم تكتفِ بنظراتها فقط وإنما قالت وهي تنظُر لمروة هامسةً بطريقةٍ ما " نقول مبروك ؟ " .... مروة التي فَهمتْ ما تعنيه أختها لم تعلق بشيءٍ سوى بملامحها التي كانت تلينُ أملاً بأن يكون ما تفكرُ فيهِ أختها صحيحًا ...
أندلُس التي كانت تسافر بفِكرِها إلى أماكِن بعيدةٍ جدًا ما كانت لتلحظ شحوب وجهها الشديد ... أو حتى عينيها اللتيْن غامتا بتعبٍ واضح وشفتيها اللتيْن ابيضّـتا وكأنهما ينتميانِ لشبحٍ لا لأندلس التي - كانت - تتقد حياةً... لكن مروة بالطبع كانت تلاحظ كل ذلك بعينٍ متفحّصةٍ ... ولذا لم تجِدْ بدًّا من الاتصال بآدم ليأتي ويأخذها إلى المنزل كي ترتاح قليلاً .. أندلس التي كان سماعُ اسمِ آدم كفيلاً بجعلِها تتذكّر كلّ شيءٍ دفعةً واحدةً شعرت بجرحٍ أنجَلٍ يخترِقُ حناياها ليستقرّ متربّعًا في قـلبها دونما لطفٍ أو شفقة ولذا وَجَدتْ نفسَها تــقولُ باندفاعٍ دون أنْ تفكّر بشيء... " لا ... لا تدعيهِ يأتي .... " وعندما لاحظت وجومَ الخالة مروة ونظراتِ كل من المرأتين الجائعتين إلى تفاصيل أخرى أردفتْ بنبرةٍ أقل حدةٍ وابتسامةٌ زائفة تلوّن شفتيها " لا داعي لإقلاقه عليّ ... مجردُ غثيانٍ بسيط ... "
بعدَها بنصفِ ساعةٍ كان آدم قـد وصل فعلاً إلى البيْتِ وَصَعَد تحت طلبِ أمّه ليأخذها من هناك .. إذْ أنّ حالة أندلس لم تتحسّن مُطلَقـًا خلال المدة التي استغرقها في المجيء ... ظلتْ شاردةَ الذهنِ ، متباعدة النظرات وفي عينيْها شجَنٌ عميق ..
رؤيَتها لآدم في تلك اللحظةِ لم تكن لتسعفَها قط .. بل على العكس كانت توقد فيها جذوةَ الألمِ والصدمةِ ... وكارتداد لذاك الإحساس المرير كانت تترنّحُ لثانيةٍ فقط قبلَ أنْ تستعيدَ توازنها وهي تهمّ بالاقتراب منه رغمًا عنها إذ كانَ يقِفُ على مقربةٍ من البابِ بعدما خرجَ مسرعًا من المنزل خشية أن تستدرجه خالته إلى أحاديثها المملة غير عابئة على الإطلاق بسبب مجيئه ، كما أن نظراتِ ابنتها التي كانت تلاحقه ما كانت لتخفى عليه .. مكتفيًا بسلامٍ عابرٍ متعللاً بتعب أندلس و عملِه الذي ينبغي أن يعود إليه على وجه السرعة ...
كان يعرِفُ أنها متعبةٌ منذ أوصَلَها قبل ساعتينِ تقريبًا .. لا ، كان يعرفُ ذلك منذ الأمس ... وعندما اتصلتْ به والدتُهُ كادَ يجنُّ وهي تحكي له عن إعيائها الشديد ... ساخطًا على نفسِه لأنه عبـئ بإجابتِها الواهية عندما قالت له أنها بخير ... لكنه ما تخيّل أن يجدها منتهيةً بهذا الشكل ولا في سابع أحلامه .. ليعرِفَ أن الأمر يتجاوزُ الإعياءَ .............. بمراحل !
*
سرعانَ ما تجاوَزَتْه وقد دبّتْ فيها الحياةُ للحظةٍ لتتفادى الاصطدام به ... لكنه أحاط كتفيْها بذراعه الطويلة القوية وخوفٌ حقيقي من سقوطِها يلفّ عقلَهُ ... ما لمْ يتوقّعْهُ مطلقاً انكماشها بقرفٍ لتنتشل نفسَها من قوتِهِ التي باتْ حنينُها إليها منذ الآن يفتكُ بها فور اختفاءِ والدته خلف باب البيت الذي انغلق لتوّه .. ليحدجَها بنظرةٍ مستهجنة لمْ تعِرها أندلس أي انتباهٍ وهي تتقدّمُه شاعرة بعجزٍ خذَلَ ركبتيْها مما اضطَرّها لتؤثر عليهِما بقوةٍ ما توقّعتْ أنها ستملِكُها عقبَ كل ما حصَل ...
طِوال الطريقِ ظلت تحدّق بحقيبتِها التي استقرت في حجرِها بعدم تصديق .... لم تكن تنظُر إليها حقيقةً إنما للكرةِ الصغيرة المجعّدةِ التي نجحت باختلاس لحظةٍ من الزمنِ لم تتوجّه فيها الأنظارُ إليها عندما كانت في الأعلى لتدسّها في حقيبتها مما أثار فيها الرغبةَ بالبكاءِ الآنَ وهي تستعيدُ شكلَها عندما كانت صفحة ملساءَ مصقولة وتفاصيل الشابيْنِ الذين كانا يجلسانِ معًا بحميميّةٍ كبيرةٍ تكاد تشلّها ... لتُفكّر أخيرًا بأنّ عليْها أنْ تختلِقَ حلاً لمشكلتِها وإنْ استنْزَفَها ذلك كثيرًا ،... لتوجّه طرفها إلى آدم تلقائيًا بإباءٍ جسّدته بالتفاتها عنه فور أن التقت أعينهما وسطَ ملامِحِهِ التي تدرّجت بين القلق والخوف ... لتصلَ إلى أنّها ستجِدُ حلاً لا تكون فيه الخاسرة ... ولكن قطْعًا ليس الآن فهي متعبةٌ جدًا ...
كان يريدُ أنْ يأخذها إلى الطبيب ليطمئن عليها ... لكنّها رفضتْ بشدةٍ وبـ " لا " قاطعة قالتْها بعد فترةٍ من الصمتِ وهي تنفعِلُ بعضَ الشيءِ لينزِل عند رغبتـِها أخيرًا ويذهبَ بها إلى البيت ...
فورَ وصولِهما دَلَفتْ غرفة النوْم لتبدّل ثيابَها وتأخذ قِسطًا من الراحة ... علّها تجِدُ في نومِها متسعًا من الوقتِ لا يملؤه آدم .. لكنّه بقلقِه الذي استبدّ فيه ما كان ليمنَحَها مرادها .. على الأقــل حتى يعرِف منها سرّ حالتِها الغريبة وشرودها غير المبرر منذ البارحة ...
سألها بنبرتِه التي لطالما أثارت قريحةَ صمتِها لتتكلّم عنوةً فور إطلالتِه من خلفِ الباب بقامتِه التي تثير خوْفها الآن لأولِ مرةٍ وهي تعي فرق طولِه عن قامتها الضئيلة هيَ وكأنما يجسّد تباعُدَهما الحقيقيّ الذي لم تكد تراه قبل الآن ... عندما قالَ مستجوبًا إياها بنبرةٍ أوشكت على فقدان صبرها ... وقتَها تلاشى الكلامُ كلُّ الكلامِ من مخها .. لتجِدَ لا شيء يُمكِـنُ أن تقولَه بعقلانيّة بعيدًا عن تلقائيتها في النطق بكلِ ما تفكر به دون أنْ تسأل نفسَها عن وقعِه في نفسِ مستمِعِها .. وإن كان تمامًا " على الوجع " كما تريدُه ..
- لا شيء ... ( وأكملت وهي تبتسم بمرارة ) أنا مكتئبة ... كما يكتـئب الناس عادةً ! ( لتردِفَ بخفوتٍ بعد أن كادت دمعتها تتدحرجُ فاضحةً إياها لتشيحَ بوجهها عنه مجددًا ) اذهب لعملك ... سأكون بخير .
كلامُها ... ابتسامتُها التي فطـَرت قلبه بتعاستِها .. دمعتُها التي لمْ تخفَ عليه ، كل ذلك نجحَ بإيصالِ رسالةٍ إليه على النقيضِ تماماً من أنها ستكون بخير ... ولذا كان يذرعُ المسافةَ بينَهما في محاولةٍ لإعادةِ أندلس التي يعرفها جيدًا ويحبُها بينما قال وهو يحرك رأسَهُ مهيّجًا شجنَها عندما أثار فيها كلامه موضعًا جديدًا من الألم بنبرتِه التي كانت صادقةً و دافئة حد الإذابة ..
- مكتئبة !!!!!! وأذهبُ لعملي .... وأهونُ عليكِ لتتركيني منشغل البال ....
برقةٍ شديدةٍ كان يتحسسُ وجهها الذي شعَرَ به يتغضّن تحت أصابِـعـه في محاولةٍ لتبديد توترِها غير المألوف مِنْ قُربه ... أما أهدابها فكانت مسبلةً وكأنما تخشى أن تحتفظ عيناها بصورةٍ حميمةٍ جديدةٍ له ستعذبها في حال انضمّتْ إلى ركبِ صورِه التي تلاحِقُها منذ الآن إنْ هي حاولت الابتعاد ...
شيءٌ ما أثار جنونه وهو يلاحظ انكماشَها ... ليَفْهَمَ أنّ الأمر يتعدّى موجة اكتئابٍ أو حتى وعكة صحية ...... فهي ما كانت لتتشنّج هكذا من اقترابِه دونَ سبب حقيقيّ ...
لمْ يتْرُكْها تحت أنظارِها الذاهلةِ مِنْ نفسِها قبل أيِّ شيء .. وإنما احتضنها بدفءٍ في محاولةٍ لطمأنتِها رغمًا عن الممانعةِ الهزيلةِ التي أبدتها في بداية الأمر لتجهشَ بعدَها في بكاءٍ أليمٍ دوّى في مسمَعِه كهزيم الرعد وهي ترتكزُ بكل ثقلِها على صدرِه بعد أن خارتْ قواها تماماً .. بكاءٌ لمْ ينجَحْ سوى بإثارةِ القلاقل فيه ليتساءل عن مدى جدّية الأمر الذي أحالَ حبيبتَهُ ورقة صفراء هشة فاقدةً لكلّ معاني الحياة ...
- أنا هنا لأجلِك ...
قالها وهو يربّتُ على رأسِها بحنانٍ أذابَها وهي تشعُر به يستحوِذُ على كيانِها كله .. كما دائمًا .. مما أثار حنقها على نفسِها .. فهي يجبُ أنْ تشعُر إزاءه بأي شيءٍ سوى ما تشعر به الآن من مشاعر سخيفةٍ تراوِدُها عن غضبها منه مما أثار فيها رغبةً جديدةً بالبكاءِ عندما أحسّت بحجمِ ضعفِها الحقيقيّ أمامه ..... لكنّها وجَدَتْ نفسَها تقول بتمتمةٍ ضعيفة من بينِ شهقاتِها كإجابةٍ على جملتِه الأخيرة بنبرةٍ تهدّجتْ بؤسًا ... " ليتَكَ لم تكن " ...
ما كان ليتبيّن ما قالتْه وقتَها مع اختلاط كلماتِها القليلة بشهقاتِها ودمعاتِها التي أدمت قلبَه ... ما فَهِمه فقط أنّها وَصَلتْ مرحلةً ما عادت قادرةً معها على الوقوف أبدًا وهو يشعُر بها تكاد تنفلتُ مِنْ بين يديه بعد أن خذلتها ساقاها عن حملِها ... كان سريعًا عندما حملَها واضعًا إيّاها برفقٍ في السرير .....
سرعان ما تكوّرت على نفسِها وهي تشدّ طرفَ الملاءةِ القريبِ منها بقبضتِها التي أودَعتها جُـلّ غضبها الذي لم تستطِع ... واللهِ حاولت .. لكنّها لمْ تستطِع أنْ تصُبّه على آدم .... آدم الذي ما إنْ لفظتْ أفكارها اسمه حتى رأتْه يهبّ واقِفــًا مشرِفًا عليْها بطولِه الفارع وملامِحُه تقسو وهو يشرفُ على الجنونِ ذارعًا المساحة الصغيرة التي فصلتْ بين السرير و الخزانة الملتصقةِ بالحائط جيئة وذهابًا من تبدّلها وكأنها امرأة أخرى ما عرفها قط .... ليقول بحزمٍ أجفلها لوهلة ...
- الآن .. وفي التّو .. ستقولين لي سرّ حالك هذا !! ليسَ مِنَ المعقول أنْ يكون " اكتئاب " عادي سبب لكل ما تمرّين به ....
شهقةٌ أخرى ارتفعت منها حاولت كبتَها دون جدوى ... لتستغرِقَ في موْجَتِها الأخيرة ... استغراقٌ سَحَقَ البقية الباقِيـة مِنْ صبره وهو يراها منهارةً تمامًا بينما هو عاجزٌ تمامَ العجزِ عن فعلِ أي شيءٍ لإيقافِها ... بدأ بالتخمينِ بصوتٍ عالٍ ....
- تشعرينَ بألمٍ ما ...
لمْ تُجِبه .... لمْ تدرِي بمَ تجبْه ... كلّ ما عَـرفتْه أنّه لا يساعِدُها البتّة ...
- أفــْــطرتِ ؟
لمْ تُجِبه أيضًا ....... خوْفًا منه هذه المرة ... إذْ أنّه لن يكون متسامِحًا أبدًا إنْ قالتْ له " لا " بأم صوتِها .. خاصةً وهي تدركُ أنه سيتبع سؤاله بسؤالٍ آخر هو " تعشيْتِ البارحة ؟ " ولن تقدِر وقتها على أن تجيبَه بـ " لا " أخرى .. مع ذلك كانت الإجابة واضحةً لديه وضوح الشمس ....
- أندَلُس ... وماذا بعد !! تريدينَ قتلي يعني ؟ كفي عن إثارتي أرجوكِ .... أرجوكِ ، أتعلمين كمّ الضغوطات الذي انسَكب على كاهلي فجأة من لا مكان ...... واللهِ أنا متعب .... وأنتِ تتعبينني أكثر بـلا مسؤوليتك ...
يــــااااه يا رجل !! أنا أتعبُك بلا مسؤوليتي ؟؟ ... حسنًا أنتَ قتلتني وانتهى الأمر .. ومن هنا وصاعدًا لن أكون مدعاةً لتعبكَ .....
كلامُه ما كان ليعني لها شيئًا لو أنّها كانت في وضعٍ طبيعي .. كانت ستتجاوزه بقليلٍ من المشاكسة ... لكنّها الآن أعجزُ من أن تقدِر على أن تسوق الإجابة الصحيحة إلى عقلِها في حال دارت فيه الأسئلةُ ... مع ذلك كادت تصفّقُ له وبقوةٍ لأنه أيقظَها مِنْ غمرةِ إحساسِها الغر الساذج بأنّ الحياة ستظل وردية ... صفَعَها بحقيقة الواقع الذي امتدّ أمام عينيْها بوضوحٍ لتهربَ منه لاهثةً خلف سرابِ ما يعرف بـ " السعادةِ الحقيقية " .. ها هو ذا يقولُها بكلِ وضوحٍ وشفافيّة ... يقول أنها تـُتْعِبه .. ولا تدري حقيقةَ ماهيّة الضغوطات التي أثقـلت كاهِله .. ربّما يكونُ مشوّشًا بين بيتيْن ... من يعرف ...
الأفكار الخبيثةُ التي تلاحقتْ في ذهنِها كانت تزيد طينَ تعاستِها بللًا .. تملأ رأسَها حتى كادت تقضي على خلايا دماغِها لتجدَ لها مساحةً واسعة تفترشها .. شيءٌ ما سحقَها وهي تعي حجم كارثتِها ... آدم كان يتسلّى ... يستمتع بسذاجتِها ... وربما كان يضحكُ على بلهها فورَ أنْ تخمدَ للنوم بعدَ أنْ يسمعها بيتًا سخيفًا من الشعر .....
ما كان يقصِدُ أذيّتها ... كان يريدُ أن يرمي لها طرفَ الخيطِ حتى تسأله عن سرّ ضغوطاتِه .. كي يجد فرصةً يخبرها فيها عن سفرِه بعد ثلاثةِ أيامٍ ... كان يرغب بأنْ تقوم هي بتجهيز حقيبة سفره الصغيرة ... أن تختار له هي ما تحب من الثياب ... أنْ تريحَهُ من العبءِ الذي أضافتْه على كاهِلِه الآن وهو يسافر منشغل البال كما لمْ يكن من قبل ...
فكرة أنه استغفَلَها طوال تلك المدّةِ أخذت تعتمِلُ في ذِهنِها بلا هوادةٍ .. مما أثار في نفسِها هيجانًا من الغضب مما حدّها لتقول وهي تُشرِف على الجنونِ بضعفٍ وصلَه في قمةِ القوة ونبرتها تتهدّج وجعًا ...
- حقك عليّ .............. أتعبتُك ..... ( وكقنبلةٍ انفجرت دون سابق إنذار قالت ) أغرب عن وجهي ( وأكملت تصيح ) لا أريد رؤيتــَك ...
الطريقةُ التي نبَسَتْ فيها بـ " حقك علي .... أتعبتُك " جعلتْه يشعُر بأنه أقذرُ ما وُجد على البسيطة ... ليشعر أنه كان أنانيًا نذلاً وهو يفكّر بنفسِه حتى وهو يراها على تلك الحالةِ غير المستقرة .. وبعدَها عندما سمِعَ بصوتها العاصِفِ " أغرب عن وجهي " شعَر بلكمةٍ قويةٍ تسدّد إليْهِ لتتركَهُ مذهولاً .. وهو يراها تصرُخُ فيهِ لأولِ مرةٍ بتلك الكراهية .... وكأن كلمتها الأولى لم تكفِه قالت " لا أريدُ رؤيتك " !! ....
ياه يا أندا !! لا تريدين رؤيتي ... تقولينها ببساطةٍ وكأنها " صباح الخير " ..
عقلُه سرَحَ لوهلةٍ وهو يفكر بعمقِ كلمتِها الأخيرة .. قبلَ أنْ تستيقظ فيه كبرياؤه كالمارد .... ليوجّه إليْها نظرةً أرعبتْ كل خليةٍ من خلاياها متبعًا إياها بـاستدارةٍ لجسدِه ولّى على إثرها مدبرًا ولم يعقّب ... صافقًا خلفَه البابَ ليُصدِرَ صوتًا ما واءَم بحالٍ من الأحوالِ هدير قلبِها الذي ارتفع وجيبه وقد أخذَ يأنّ ....


priscila ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

كانت لا تزال مستلقيةً على سريرِها وآلامٌ لا قِبَل لها باحتمالِها تجتاحُها الواحدةَ تِلو الأخرى ... لتخلّف فيها أنقاضًا من الوجع ومخيماتِ منكسِرين .. كلُ ما عَرَفَتْهُ من الشمسِ القويةِ التي تسللتْ خيوطُها إلى غرفتِها عبر النافذة أن النهار قد انتصف تقريبًا .. شعرتْ بعطَشٍ وجوعٍ شديديْن يطوفانِ في كيانِها فجأة فهي بالكاد تناولتْ شيئًا منذ يوميْن أو ربما أكثر ...... عندما غادَر آدم صافقًا خلفه الباب ..

في اليومينِ الماضيينِ لم ترَهُ كثيرًا .. بدا لها مشغولاً جدًا من الإرهاق الذي نضَح به وجهه .. متعـبًا من الهالاتِ السوداء المحيطةِ بعينيه ... كان يأتي ليأكُل مساءً ويُبَدّل ثيابَه غيرَ عابئٍ بالمرة بوجودِها ... لم تكن طريقته توضِحُ إليها أنه يعاقبها .. ربما يتجاهلُها أصح ... أو ربما كان فقط متعبًا جدًا كما هي وبالتالي نحّاها من حياتِه إلى أن تخف أزمة ضغوطاته ... فكرت بسخطٍ وهي تكاد تضحك بتعاسة ... فقد كان يأتي في آخر الليل لينام بجوارِها ... موليًا ظهره ناحيتها ... غيرَ شاعرٍ أبدًا ببكائها المرير الذي لازمها منذ تلك الحادثة ....

سمِعت صوتَ الباب يـُفتح فعرفت أنه هو ...
هذه المرةَ عندما دَخَــل الغرفة كان مختَلِفًا ... كان شاحبًا .. مصفرًّا .. و بطريقةٍ ما " مشتاقــًا " .. رؤيته على تلك الحالة كسرَتْ قلبها فوق كسرِه .. رأتْه يعقد حاجبيهِ ويحني كتفيه بكلل ..
على كلِّ حالٍ تكاد تتأكد الآن من أنه ما لمَحها وهي تحط بنظراتها الملهوفة عليْه فقد أصبحت خبيرة باستراق النظر في اليومين الماضيين ..
استعر في داخلها بركان وهي تراه يتقدّم نحوَها مركّزًا بصره عليها بنظراتٍ حازمة ... لتفكر بأنه أعارها انتباهه أخيرًا ..... أيَرْغَبُ في الحديث معها يا ترى بعد كل هذه المدة ... إذ أن الليالي الثلاث الماضية مرت عليْها مرورًا عسيرًا دونَ أن تسمع صوتَه قبلَ أن تخلد للنوم .... كم هي مثيرةٌ للشفقة ....
برغمِ كل ما اعتراها من مشاعر مجنونةٍ كادت تفضح اشتياقَها .... إلا أن جـُرحها كان أنجلاً .. رطبًا .. غـــــائـرًا ... لمْ يُرتق بعدُ ... ودون أن تُفَكّر وَجَدَت أنّها تُشيحُ بوَجهها عنهُ بألمٍ واضح .....
- استيقظتِ لتوّك ؟
قالَها بصوتٍ متعبٍ وهو يتّجِه نحوَ الستارةِ ليفتحها .. مُكمِلاً وهو يتَطَلّعُ إليْها ...
- لقد أذن الظُهر منذ فترةٍ يا أندلس ...
لمْ يرَ شطر انفعالٍ منها ... ظلتْ جامدة وكأنه لم يتكلم معها أبدًا .. تنّهدَ بنفادِ صبرٍ وهو يقترب منها ليجلس بجوارِها على طرف السرير ..... قائلاً بصوتٍ أجش ...
- ما زلتِ مكتئبة !؟ ( وهزّ رأسَهُ متسائلاً ليُرْدف بنبرةٍ ضعيفة ) ظننتُ أنكِ تحسّنتِ بعَدم رؤيتي تقريبًا منذ فترة ...
وكانت تدْخُلُ في نوبةٍ جديدةٍ مملةٍ من البكاء ... بدت له دون سببٍ ... أما هِيَ فشعرتْ بأنها تريد أن تلكمه بقسوةٍ لكي يعي حقيقةَ أنه ما زاد حالتها سوى سوءًا بجفائه خلال اليومين الماضيين ... وكأنّ غيابها عن حياته أمر عاديّ يمكن التعايش معه بسهولة .... جزءٌ ما منها أخبَرَها بأنه الواقع ..... أما الجزءُ الآخر فكاد يجنّ رسميًا من مجردِ التفكير بالأمر على هذا النحو ..
- أندَلُس لقد نـفِـد صبري وانتهى الأمر ... قولي الآن شيئًا .. ( وردد بنبرةٍ حادة ) الآن ...
ليتَ الأمرَ سهلٌ يا آدم حتى أقوله الآن ........... نفِدَ صبرُك .. ؟؟؟؟ لقد نفِدَتْ مني الحياةُ كلها يا رجل !!
صعب .. الأمر صعب ... ليسَ مِنَ السهل قوُله وكأنه موجز من الأخبار .. كما أنّه غاضب وهذا واضحٌ من وجهه الذي أثارَ خوْفَها مُجددًا ..
صمتُها ومَظهَرُها الهشّ بمنامة قطنية بيضاءَ بحمالاتٍ رفيعةٍ وشعـرها الذي عقصته فوق رأسِها بإهمال لتتواثَبَ شعيراتٌ صغيرةٌ متمردة حولَ وجهها بفعـل نسمةٍ صيفيّة تسللت من الشباكِ ... إعراضُها عنه وهو يرغب بشدةٍ بتوديعِها على طريقتِه ... كل ذلك ما كان ليزيدَ غضبَه سوى عنفوانًا وشدة ...
- ابقي صامتة ..... كالجماد ... أما أنا فسأحضر حقيبتي لأن طائرتي ستقلِع مساءً ...
نــــــــــــــــــــعـــــــــــــــــــم !!!!!!!!!!!!!!!!
وكانت ملامِح وجهها تدورُ اندهاشًا بشكلٍ مثيرٍ للضحك ...... ستقلع مساءً !! يا الله " ورفعتْ يديها تمسَحُ دمعات هبطن ساحقات ماحقاتٍ على صفحةِ خدها ".... كيف يأتي بكل عينٍ قويةٍ لكي يقولَ لها أنه مسافر و طائرته ستقلع مساءً قـبْلَ إقلاعها بساعاتٍ قليلات ... كم هو قاسٍ وأنانيّ ......
كانت تتوقّع أنْ تكونَ نبرَتُها حادّة كالسيف ... ثقيلةً ثقيلة على مسمعها قبل مسمعه ... إلا أنها كانت هزيلةً كإحساسها بكلِ شيء الآن ..
- ومتى كنت تنوي إخباري !
أجابَها وهو يتحاشى النظر إليها .. ناهضًا من فوْرِه صوبَ الخزانةِ بحركاتٍ يائسة ليـُخرج منها حقيبة سفره الصغيرة بصوتٍ يملؤه الأسف ....
- كنت أودّ إخبارك منذ أيام ... لكنّك كنتِ في حالة يرثى لها ... كما أنكِ كنت تصدّين عني بكلِ قوّتك ... وأنا كدتُ أجنّ لأعرِف السبب ... أما أنتِ فكنتِ ترمين بصركِ إليّ بطريقةٍ غريبةٍ وكأنك تتعمدين أن تقولي لي بأنك لستِ نائمة وإنما تعاقبينني بأقذع الطرق وأكثرِها إيلامًا ...
وها هو ذا جُرحٌ آخر ينكأ في حشاياها .... جُرح لا يشبه بحالٍ من الأحوال الجراح السابقة التي دُست فيها على مهَل ... جُرْحٌ على الرغمِ مِن حداثتِه إلا أنه فاقَ بوجعه كل الجراح القديمة .....
ماذا تفعل ... ما الذي يفترض بها أن تفعَله ... إنه يجهـّز حقيبة سفرِه بالفعل ... وهي لا تعرف شيئًا عن وجهته ... كما أنّه يبدو متعبًا جدًا ووضعُهُ الصحي يؤرقها ... قلبُها يتفطّرُ عليه وهي تراه مرهقًا بهذا الشكلِ الذي دقّ فيها ناقوس الخَطر ...
وجدت نفسَها تنهَضُ لكي تساعده في تجهيز حقيبَتِه بتلقائية ... إلا أنّ جسدَها خانَها فكادت تسقُطُ على الأرض لتتلقّفَها يداه ... وسرعان ما أعادها إلى السرير ساندًا إياها وهي تخورُ مجدّدًا ...
يا الله لم يسبق لها أن بكتْ بتلك الوفرة من قبل .. دموعها التي سقطت في الأيام القليلةِ الماضية كفيلةٌ بأن تحلّ مشكلة نقصِ المياه في العالم !!! ... حتى هي سئمت دموعها التي تنسابُ بلا كلل أو ملل ... كادت تموتُ وهي تشعُر بألمٍ حقيقيّ يعتصر بطنَها ... لتشدّ على شفتها السفلى في محاولةٍ للتخفيف من الوجع .... دون أدنى فائدة ....
صوتُ ارتطامِ حقيبته بالأرضِ أفزَعها .... لترى آدم بعدها وهو يتقدّم نحوَها ببؤس كبيرٍ ليجلس على الأرض مستندًا على حافةِ السرير بحيث يكون مقابلاً لها ... لتركّز بصرها على شعره الطويل نسبيًا والذي لطالما كان مرتعًا لأنامِلِها تعبث فيه ... كان أشعثًا بشكلٍ سحقَ ما تبقى فيها من رمق وهو يستنجدها بطريقةٍ ما لكي تلمسه ... من ناحيةٍ كان " لاكتئابها " كل الأثر عليه .. إضافة لضغوطات عملِه الكبيرة التي تكالبت فوقَ رأسِه لينجزها حتى يستطيع أخذ إجازةٍ قصيرةٍ لمدة أسبوع ... حتى صديقُه الذي عرَفَ من أخيه بعد مكالمةٍ أجراها معه مؤخرًا أنه يلفظ أنفاسَه الأخيرة ..
لأولِ مرةٍ رأته ضعيفًا ... هشا .. تمامًا كما هي ... وكأنهما انتهيا معًا في ذات الوقت .. ليعيش كلٌ منهم الضراء على حدةٍ في آن !!
نظَرَ إليْها بعينٍ متعَطشة ... ليلفظَ نفَسًا قبلَ أن يمُد يدَهُ ليحتضن يدها الناعمة محرّكًا إياها ببطءٍ على وجهه وكأنه يرغب بأنْ يعبّ منها أكبر قدرٍ ممكن ... معبّرًا بذلك عن اشتياقه لملمس أصابعها الحريريّ على بشرتِه ... أخيرًا قال " مستعْطِفًا " بقمةِ العجز ...
- " مشان الله " ....
وأخذ يُقبّل يدها بعاطفةٍ مثيرةٍ للشفقةِ لكي يُشعِرها بخوْفِه الحقيقيّ وهو الذي ما اعتاد رؤيتها على ذلك الحال قط .. لكيْ ترحمه لأنه لن يستطيع أنْ يُسافِر وهو يراها ذابلةً بهذا الشكل .... ذاويةً بهذا القدر المعذب له قبل لها ....
- إن كنتِ تحملينَ في قلبكِ ذرةَ معزةٍ لي فقولي الآن ولا تتركيني أجَن .. ما الذي جرى لكِ ؟ .....
كلامُه بذاك الشجنِ العميق قطّع قلبَها .... اعتصَرَهُ ليتركه قطعةً باليةً غادَرتها دماؤها بلا شفقةٍ ... لمْ تكن تتوقّع مُطلقًا أن يكون لآدم ذات التأثيرِ عليها بعد كلِّ ما حصل ... لمْ تتوقّع أبدًا أن يُشعِرها كلامُهُ بأنها الظالمةُ لا هو .... وبتلقائيةٍ كانت تمُدّ يدَها نــحو حقيبة يدها التي استقرّت على المنضدةِ الصغيرة المجاورةِ للسرير وصبرُها يوَدّعها بلا رجعة ...
بأسىً و بعرضٍ بطيءٍ كانت تفتح حقيبتَها تحت أنظارِه المتسائلة لتـُخرِجَ لهُ تلك الكرة المجعدة ذاتها .... نظَرَتْ إليْها أخيرًا نظرةً متألّمة قبلَ أن تبسُطَ راحتَهُ لتضعها فيها وتحكم من بعدُ قبضتَه حولَها .... أنظاره التي أوْصلتْ إليْها أنه لمْ يفهَم شيئًا جعلتْ لسانَها ينطَلِق لتتكلم بتهكميةٍ بائسة جعلتْ قلبَهُ يهبط في أخمص قدميه ...
- افتَحْها .......... كل ما أنا فيهِ سببُه صورة ... ( وأكملتْ بتهدج ) لا بدّ أنك تريد ذبحي الآن على سخافتي ! ... أليس كذلك ؟
ما إنْ أنهت كلمتَها حتى أشاحتْ رأسها عنه لثوانٍ ... لترى بعد ذلك وجهه يمتقع امتقاعًا شديدًا ... يحمرُ حتى أنّها لمْ تكد تتبيّن ملامحه .. ليغمضَ عينيه بعد ذلك أسَفًا وكأنه يرفض استرجاع الذكرى ..
ما حصَل بعد ذلك لمْ يكُن ذا أهميةٍ ... إذ أنّه ظل صامتًا لنصفِ ساعةٍ ربما ... نصفُ ساعةٍ مرت مرورًا ثقيلاً ومع ذلك سرعان ما انتهت ... فكلٌ منهما كان يحتاج وقتًا إضافيًا ليفكّر فيه أكثر ... ليبحث فيه عن الكلمة المناسبة والفعل الأنسبِ لظرفٍ كهذا حتى لا يخرجا منه خاسريْن ...
آدم كان لا يزال تحت تأثير الصدمة .... عقلُه الذي كان يعصِف بألف فكرةٍ وفكرةٍ ما كان ليصلَ إلى هذه النقطةِ بالذات ... ربما أملاً فحسب .... لكنّها عندما صارت واقعًا .. بدتْ لهُ أشبَهَ بالخيال .... الأمر لا يتوقّفُ على الماضي الذي وإن كان جميلاً إلا أنّه انتهى نهايةً مؤسفة ....... انتهى ... إنما على مدى تقبّلها له وتصديقِها لكل كلمةٍ سيقولها بادئ ذي بدء ! ليفكّر أخيرًا ... هل ستصدّقُ إحساسَهُ .. إحساسه الذي يصرُخُ فيه بملء فمِه أنه يحبُ الآن امرأة واحدة .... تدعى " أندلس " وأنه أخلص لها بكلِ كيانه .. أصلاً لا يرى سواها في كلّ النساء ...
انقشاعُ أندلس القديمة .... المرِحة القوية بتلك الطريقةِ القاسية ليحتلها البؤس والضعف .. كان يؤكد له أن الأمر لن يمر مرور الكرام ... وأنّه ربما سيستغرق من الوقتِ زمنًا قبل أن تستطيعَ مسامَحتَه على إقحامِها في ماضيهِ دون استئذان .. على فرْضِ " آدم " المختلف كليًا عما عرفت أو توقّعتْ أن تعرف عليْها .... دون أنْ يعطيَها الخــَـيار لتقبله أو عدمه ...
نظرُهُ الذي زاغَ لوهلةٍ صوْبَ حقيبَته الفارغة تقريبًا صفَعَهُ بحقيقةِ أنّ سفرَه قد اقتَربَ ساعةً أخرى دون أن يجهّز حقيبَتَه بعد ... وبإرهاقٍ بالغٍ كان يمسّد جبهته ليقول بوجهٍ بعَجَه الإيقاع السريعُ غير المنتظم لحياتِه فجأة بعدَ أن وجّه نظره لأندلس ليجد وجهها فارغًا من كلِ ما يمتّ للحياةِ بِصلة ! ...
- لا يُمكن مناقشةُ الأمر بساعةٍ أو اثنتيْن فسفري سيكون الليلة ... ثقي أنني سأكون موْجودًا لأجيب عنْ كلِ تساؤلاتِكِ فور أن أعود ... رحلتي ستستغرق أقل من أسبوع ... أربعة أيامٍ ربّما ... وريثما أرجِع .... أرجوكِ لا تفكّري بأي شيء ... ( ورفع حاجبًا لينحي وجهه بتلقائية قائلاً بواقعية ) من المستحيل ألا تفكري ؛ لذا فقط حاولي أن تمنحيني عذرًا ... أو ....... تجهّزي نفسيًا لتقبّل الأمر فحسب ..
كلمةٌ " تجهزي نفسيًا لتقبّل الأمر " كانت ملحًا هيّج فيها مواطن الوجَع وكأنه يخبرها بأن ما حصل واقع ... وأن عليها أن تقبله شاءت أم أبت .. لتقولَ لهُ بملءِ صوتِها وكأنما استفاقـت فيها كل المشاعِر فجأة ...
- لن أتجهّز لقبول أي شيء .... لا في الأربعةِ أيامٍ القادمة ولا في أي زمنٍ لاحق .... لقد خدعتني ... استغفلتني يا رجل وأنا كنتُ كالمراهقةِ الغبيةِ بين يديك .. غسَلتَ دماغي بكلامك المعسولِ حتى ظننتـك الرجل الملاك الوحيد على الأرض .. لا وتنعتُني بألقاب ما خطرت على قلب بشر .... وأنا كالخرقاء ما دريتُ بأنك تدرّبتَ على هذا الكلامِ كثيرًا من قبلُ مع غيري .. أتدري كم تساءَلْتُ عن الطريقةِ التي تستدرُ فيها الكلام ... وأنا أقف عاجزةً كالبلهاءِ ذائبةً بحُلوِ كلامِك .. لأكتشف فجأة ( وفرقعت بأصابعها ) كوميضٍ التمع كالبرقِ أن كلامك ما كان مرتجلاً قط .... أي وقاحةٍ تلك ...... ( ونكّستْ رأسها تقولُ باستدراكٍ ونبرة انخفضت في أشدِ حالاتها فقدًا ) .................. أي خسارةٍ تلك !
وَكممتْ فمها بيدٍ مرتجفةٍ رفضًا لأنْ يرى مدى ضعفِها ودموعُها تنهَمِرُ انهِمارَ وابلٍ صيّب ... وبعدَ ذلك .... لمْ تقُل أي كلمةٍ وتركت لحالتِها المستاءة أن توصِلَ إليهِ كل المعاني التي نطقَ جسدُها بها .... تمامًا كما فعَلَ هُو ... لِينصرِف أخيرًا صوب حقيبتِه ليجهزها بحركاتِ رجلٍ آليّ ملاحظًا عينيها اللتين كانتا تزوغان نحوَه بين حينٍ وآخر بعدم تصديق ..... وكأنها ما توقعت سكوتَه اللئيم ذاك ... ما توقّعت بحالٍ من الأحوال أن يستمِرّ بما كان يفعله و كأنها ما فجّرت لتوّها قنبلة الموسم ..... وما توقّعت أن ينضَحَ وجهه بذاك الكم من المرارة ... وكأنه هو الذي صُفِعَ من هوْلِ الصدمة ....
كانت منشغِلةً بنفسِها .... تُبلوِرُ فكرةَ أنها الضحية ....... الفكرةُ التي لطالما وقفت منها موقف المعارِض .... الفكرة التي كانت تشمئز من تمسكِ أحدِهِم بها بدَلاً من فعلِ أيّ شيء أكثر قيمةً ... غيرَ سامحةٍ لنفسِها بأن تفكّر ولو لحظةً باختلاقِ أي عذرٍ له ... ومع ذلك ما كان أحدهم ليلومَها ... من ناحيةٍ كانت صدمتُها لا تزال في أوّلِها وإنْ مضى على معرفتِها بالأمر أيام .. ومن ناحيةٍ أخرى كان وجعُها حاضرًا فيها بكامِلِ سطوَتِه فلم تعد قادرة على الاحتمال .....
مرّ بِها الوقت وهي لا تدري إن كان كلّ ما حصل ويحصُل مجردَ كابوسٍ أو واقعٍ تمخّض عنهُ ألمها ... مرّ بها الوقتُ وهي تراهُ أمامَها يتحرّك بلا روحٍ البتة وهي في أتمّ عجزِها عن مساعدتِه .. يا الله .... حتى فكرة أنها سببتْ له قليلاً من وجعٍ تثير فيها الكراهية تجاه نفسِها إلى أبعدِ حدّ ... كيف يمكن أنْ تكون بذلك الغباء ! كيف يمكن أن تستشر فيها تلك الرغبةُ المعتوهةُ بإزالةِ كل مسحاتِ التعب عن وجهه .... بمنحِه نفسَها دون أن تفكّر بعقلانيةٍ .. وهي التي لم تصدّق أبدًا بأنه سيسافر حتى وهي تراهُ يُحكم إغلاق حقيبتِه الصغيرة ... لينزِلها عن السرير الذي وضعها عليه ريثما ينهي تجهيزها .. محرّكًا إياها خارجًا من الغرفةِ واضعها قريبًا من باب بيتِهم ....
عاد ليدخل إلى الغرفة مجددًا ... وإحساسُه بأن عليهِ أنْ يودّعها الآن يكاد يعتصِره .. يسحَقُه بقبضةٍ من حديد .... فوداعها كان سيكون صعبًا في وضعٍ طبيعيّ ... فما بالك الآن وهو سيترُكها خلفه صريعةً لأفكارِها – المحقةِ فيها – والتي ستأخذها إلى أبعدَ بكثيرٍ من الحقيقة .. الحقيقةُ التي بدت له الآن ضئيلة جدًا ... وتافهةً جدًا جدًا أمام احتماليّة أنْ لا تسامِحَهُ على كتمانِها عنها وفرضِها عليْها ....
لأولِ مرةٍ وجَدَ نفسَهُ يستعرضُ شريطَ أحداثِ حياتِه الزخِم بترتيبٍ عجيبٍ دون أنْ يُغفِلَ شيئًا ..... ليلومَ نفسَهُ بحسرةٍ كما لم يفعل من قبلُ على العذابِ الذي سببَهُ لنفسِه قبلَ أيّ شيء ولأجل لا شيء .. عندما وجَدَ أن ما أخفاهُ كان عاديًا جدًا ويمكِنُ تقبّله .. لام نفسه على العذاب الذي سببه لفتاتِه الحبيبة .. وحتى لأمِه التي لن تتجاوزَ فكرة زواجِه بأخرى في الماضي بسهولةٍ بعد كل تلك المدة ... أما أخوه .... فسيرى فيه قدوةً جوفاء ... لا معنى أبدًا لكل القيمِ التي صدَحَتْ بها على مسمعه ... ما الذي فعَلتَهُ بنفسِك يا آدم ........ كيف جنيتَ على نفسِكَ بتلك الطريقة ....
لو كان يعرِف بأن الأمر سيؤول إلى ما آلَ إليه .. بأنّها ستعرفُ حقيقة زواجه بأخرى ما كانَ ليصمت ... ما كان ليضع نفسَه في موقِع الخَجِل .... مفكّرًا بأننا كلنا كبشرٍ عندما نقفُ أمام ماضينا -وإن كان عاديًا -... نشعُر بالخِزي ... وغالبًا لأجلِ لا سبب .... نصمِتُ خوفًا من " العار " ... نتقوقَعُ في شرنقةٍ لا قِبَل لنا باحتمالِ مساحتها الضيقة .... تمامًا كما يشعُرُ الآن بالخزي وهو يرى وجهها الذي يضجُ غضبًا ليرسِلَ إليه رسالة مفادُها " لا أمل " ...
ما كان ضرّك لو قلتَ لها أنك تزوّجت في الماضي يا آدم .... مِنْ فتاةٍ عربية ما فقِهت من العربيةِ شيئًا ... أنكما عشتما معًا حياة هادئةً لمدةٍ قصيرةٍ قبلَ أن يعودَ طيفُ حبيبَتِك لملاحقتِكَ في كل مرةٍ كنت ترى فيها وجهها الأسمر... منْ كانَ يظنّ أن " أندلس " .... الجالسةُ أمامك بقمةِ ضعفِها كانت سببًا في أولِ خلافٍ نشب بينكما ... وفي آخِر خلافٍ أيضًا .... مَنْ كان يظنّ أنها هي .. حتى قبلَ أنْ تدخُلَ حياتَك بالمعنى الحقيقيّ كانت تعتقِلُ أفكارَك .. تقيّدك بأغلالِ عينيها الكحيلتيْن .. وأنك بطريقةٍ ما لن تستطيع مسامَحتَها على الوحشيّةِ التي سلبتْ لبك فيها لتستلم دفةَ قيادةِ حياتِك دون أن تعرفَ .. حتى ما عدتَ قادرًا على التفكيرِ تفكيرًا سليمًا .... لدرجةِ أنك عندما رأيتها مجددًا بعد عامين كامليْن صرت مستعدًّا لبذلِ أيّ شيءٍ في سبيل حصولك عليْها ... وإنْ كان عذاب ضميرِك في المقابل ....
رنينُ هاتِـفه أيقَظَه من غمرة أفكاره ... كانت المتصلةُ والدته التي ودّعَتْه مجددًا بنبرةٍ باكية ... لتستفيقَ أندلس على صوتِه الذي قطَعَ سكون المكانِ بطريقةٍ هادئة ... سمعتْهُ يقول " أمي ... لن أطيل مكوثي ... قلتُ لكِ لأربعة أيامٍ فقط ... "
*
نظرةٌ ألقتها إلى النافذةِ نجحتْ بجعلها تدركُ أن سطوع الشمسِ يخفُ تدريجيًا ... لذا هبّت تصلي العصرَ قبلَ أن يغادرها موعد الصلاة ...... بعدَها .. عادت إلى الغرفة .... كانت قد تماسَكتْ بعض الشيء بعدَ أنْ تضرّعت إلى ربّها بأنْ يساعِدَها في مِحنتِها ... أن يمدّها بالقوةِ لكي تتخذ قرارًا لا تندمُ عليهِ لاحقًا ... رأتْه مبدّلا هندامَه فعرفتْ أنه سيُغادِرُ الآن ....
لمْ تدرِ ما الذي يفترض بها فعله الآن .... أتودّعُهُ أم لا ... أتحتَضِنُه كما ترغبُ وبشدةٍ أم لا ...... أم تقولُ له فقط أنه خَذَلَها .....
كل الاحتمالاتِ لمْ تبدُ لها ذاتَ أهميةٍ إذ من الواضح أنه اتّخذ قرارَهُ بالفِعل إزاءَ الموقف ..... ولذا كان يتوَجّه نحوَها بعزمٍ أكيد .... غاضًا طرفَهُ عن مشاعِرِها جملةً .. احتَضَنَها بكل قسوة ... بكلّ سطوةٍ .. حتى شعرتْ به يعتصِرها ... وكأنما أراد أنْ يقولَ لها أنها له .. شاءت أم أبت ..
بقوةٍ تدفقتْ فيها من لا مكان ... دفعتْه عنها فابتَعَد .. حتى فصلت بينهما مسافةٌ ما ... ليقولَ أخيرًا بنبرةٍ ثابتةٍ واثقةٍ أشدّ الثقة ... وكأنما مدّه ذاك العناقُ بكلِ ما يحتاجُ حتى يعودَ إلى آدم المحنّك ... آدم الذي لطالما عرف كيف يتصرف في كل شؤونه ...
- أندلس ..... أنتِ غالية ... غالية جدًا ... و واللهِ ما كنتُ لأفرّطَ فيكِ بالمرة .. لا في الماضي ... ولا الآن ، الأمرُ أيسَرُ بكثيرٍ مما تتخيّلين ... أعرِف أنك صُدمتي ... وشعرتِ نحوي بالخذلان .. لكنني أؤكد لكِ أنني عندما أخبركِ بكل شيء ستجدينَ فُسحةً لمسامحتي .... كل ما أريده منكِ الآن أنْ تؤمني بي ( وأكمَلَ برجاءٍ وهو يقتَرِبُ منها ) فقط انتظريني ... لأربعة أيامٍ ... ( وهمَسَ بقربِ أذنها متوسّلاً بنبرةٍ ضعيفة ) أرجوكِ ..... لا تقسي على نفسكِ بهذا الشكل .. جسدكِ ضعيف .. ولن يحتمِل عزفكِ عن الطعام ..................... أرجوكِ ... أنتِ تجعلينني أشعر بأنني أحقر إنسانٍ في الدنيا ما إن أراكِ تعانين .... واللهِ لا أحد يستحق أن تعاني لأجله ... ( وثبتَ بصره على عينيْها قائلا ) اتفقنا ؟
ردّها كان إيماءَات عديدةٍ أقرت كلامه ... لا لأنه أثار " شفقَتها " بنبرتِه المنتهية فحسب ... وإنما لأنه أقنَعَها بكلامِه أيما إقناع ! حقًا هو صادق ... لا أحد يستحقُ أن تعاني لأجله وإن كان ذلك الأحدُ " آدم " ... حياتُها وعمرها !
ومع ذلك ...... ما إن توارى خلف الباب حتى ازدادت حالتها سوءًا عن ذي قبل .. وكل ما قالَه يذهبُ أدراج الرياح .... تفرّست في الغرفة لتجدها فارغةً من حِسّه فأخذت تبكي بهستيرية كما لمْ تفعل من قبلُ وهي تعي حقيقة أنه قد غادَرَ بالفعل ...
شعرتْ بأنها فقدتْ إحساسَها بكل أعضائها لدرجةٍ أحستْ معَهَا بالخطر ... فما كان منها إلا أنْ بحثتْ بعينِها عن هاتفها بغريزةٍ للبقاء ....... وجدتْهُ وبأنامل منهكةٍ كانت تبحثُ عن رقمٍ ما ....

*


priscila ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

*


- شادن .... أنا متعبة ......... تعاليْ بسرعة ....... ولا تحضِري معكِ أحدًا ...



كلماتٌ مقتضبات قالتْهنّ أندلس نزلنَ كالصواعق على رأس شادن .... نبرتُها لوَحدِها أثارتْ رعشةَ الخوف في أوصالِها ... أما فحوى كلامِها فكان كفيلاً بجعلِها تشهق بعدم تصديقٍ مرددة " أندلس " بمعنى أنها تريد معرفة المزيد .. إلا أنها فوجئت بانقطاع الاتصال ......
شعــرت بأطرافها تعقد لتقف مكتوفة اليدين ... يجب أن تخرج الآن لترى أندلس فهي بالكاد تستطيع التقاط نفسِها مِنْ خوفها عليها ... وعلى الجانب الأخر لا تستطيع ترك طفليْها وحيديْن إلى حينِ عودتها ... ومؤكدٌ الوضع لا يحتمل أن تأخذهما معها .... ماذا ستفعل ؟
كانت على عجالى من أمرِها فلم تجِد أمامَها سوى أن تتصل بأوس .... مع أنّ ذلك كان شديدًا على نفسِها إلا أنه لا خيار أمامَها سواه ....
أوْس الذي رأى اسم " شادن " ظاهرًا على هاتفِه لمْ يصدّق أنها تتصل حقًا به .... بعد كل هذه المدة من الانقطاع التامِ بينَهما ... حتى عندما كانا في خصامِهِما الأخير كانت تردُ عليهِ في حالِ اتصل بها ... أما الآن فهي لا تكلمّه مُطلَقًا في البيتِ ولا ترد على اتصالاتِه التي توقّف عنها بعد شهرٍ من هدران الكرامة ... وكأن شهرًا من الانقطاع الكامل ما كفاه ليتعلّم فعليًا الدرس .. خصامهما الآن تجاوز شهرَهُ الرابع ... وصبره بدأ ينفد إن لم يكن قد نفد بالفعل .. للحظةٍ تناسى كل شيءٍ وهاتفه يلحّ عليْهِ لكي يردّ مما أثار فيه قلقاً من أن مكروهًا أصابها أو أصاب عليْ أو نور .... ردّ بلهفةٍ ..
- شادن ؟!!
باقتضابٍ شديدٍ ردّت وبنبرةٍ جادةٍ : - يجبُ أنْ أخرج حالاً من البيت فعُد لتجلس مع علي ونور ريثما أعود ... لا تتأخر .. أنتظِرُك ....
وأنهت الاتصال .... كلامُها أثار غَضَبَه الشديد .... السيدة زمرد تريد أن تخرج ! يا الله .... كم هو أمرٌ مهمٌ جعَلَ نبضَه سيتوقّفُ وهو يتخيل الأسوأ .... على الرغمِ من ذلك كان بتلقائية يتوجّه صوب المدير ليأخذ إجازة لبقيةِ اليوم عائدًا إلى البيت ...
فتَحَ باب البيتِ ليفاجأ بأنها تنتظره عنده وقد ارتدت ثيابها فعليًا وهمّتْ بالخروج غير متكرّمةٍ عليه بـأي تفصيلٍ عن وجهتها المهمّة التي جعلتْه ينصرف من العمل ليجلس مع طفليْه ! مع ذلك بدتْ له خائفة ... أما وجهها فغادرته الدماء فبدا ذابلاً ... ليتساءَل عن مدى جدية الأمر .... وما إن أنهى تساؤله الذهنيّ حتى نظَرَ إلى الدرجِ فوجد أنها قد غادرت مسرعةً كالريح !

شادن التي رنت الجرس مرتيْن دون جدوى فتلتْ عتلة الباب بتلقائيةٍ فحمدت الله أنه كان مفتوحًا ... لتصطدم بهدوءٍ شديدٍ مخيّمٍ على المكان ... هدوءٌ أسرى فيها خوفًا مضاعفًا ... أخذت تنادي بـ " أندلس " على وَجَل ... وفكرةُ أنّها لمْ تردّ جعلتْ قدماها تخورانِ في أرضهما ... بحثت في الغـُرف القليلة المكوّنةِ لهذه الشقةِ الأنيقة الدافئة فوجدتها أخيرًا في غرفة النوم ولكن بحالٍ يرثى لها ....
رأتْها تجلسُ على الأرض .. تحتضِنُ وسادةً ما ... تنكّسُ رأسَها في ذهولٍ تام ... أما عيناها فكانتا تذرفان دموعَ الفقدِ بطريقةٍ أذابتْ قلبَها .....
هرعتْ نَحوَها ... خاطبَتْها بأندلس عدة مراتٍ بنبرةٍ خفيفةٍ لكي لا تـُفزِعَها ... إلا أنها لمْ تلقَ استجابةً مما دفعها لتهزّها برفقٍ موقِظةً إياها من شرودها .... بكاؤها صارَ مسموعًا .... مما أثار جنونها لتعرِف أي شيءٍ .... وكأن أندلس عرفتْ برغبتِها كانت تقولُ بصوتٍ غـــــائب بالكاد سمعته ...
- لقد سافرَ يا شادن .......
وأجهشتْ بالبكاءِ على صدر شادن لتتلقفها بحنان ......
صوتُ رنينِ هاتف أندلس أيقظَ شادن من غمرةِ إحساسِها بالألمِ لأجل أختها التي اتضحَ لها مِنْ كلامِها أنّ سفرَ زوجها ما كان في ظروفٍ عاديةٍ قط ... .... نبّهتها إلى رنينِه فما رَفّ لأندلس جفن ...
لا تدري كيف أبعدَتْ أندلس عن صدرِها ولا كيف صار الهاتِفُ بيدِها .... المهمّ أنها قطبتْ حاجبيْها استغرابًا ...
- أندلس إنه آدم .... رنّ لثماني مراتٍ دون أن تردي عليه !
راقبتْ انفعال أختِها الذي كان صمتًا ... خرقَتْهُ عدة شهَقاتٍ متواترة ... لتفورَ فيها الدماءُ مجددًا وهي في أتم استعدادها لتدفع نصفَ عمرِها مقابِلَ أنْ تعرفَ شيئًا بدلاً من وقوفها هنا كالأطرش في الزفة .... قالت بحزمٍ ...
- أندلس .... أريدُ أنْ أعرف الآن ... ما الذي حَصَل ... لمَ أنتِ منتهيةٌ بهذا الشكل ! ولمَ لا تردّين على آدم ....
ما إن أنهت سؤالها حتى ارتفع رنين الهاتف مجددًا ... نظرتْ إليه وهو يهتزّ ثم أعادت نظرها إلى أندلس لتجد لا تغيير على ملامِحِها إطلاقًا وكأنها ما سمعتْ تساؤلاتِها لتوّها .... سرعانَ ما تحرّكت شادن نحو الهاتف وهي تكاد تفقد صبرَها كليًا من أختها التي تراها غريبةً هكذا لأول مرة ....
في ظروفٍ عادية كانت لتتقبّل عدم رد أندلس على زوجِها ... لكنّ رؤيتَها على تلك الحالةِ المزرية ... نكأت كل جراحِها في آن ... تمسُكُ آدمَ بالحديثِ مع أندلس إلى تلكَ الدرجة جعَـلها تعقدُ مقارنةً فوريةً بين الطريقة التي تنتهي بها مهاترات آدم مع أندلس ومهاتراتُها مع أوس .... فآدم لا يدّخر جهدًا في المصالَحة .... أما أوس .. فينتَظِرُ كل الوقت .... عادي ، ولا يشكل ذلك فرقًا لديه !
استشاطتْ غضبًا مِنْ فكرةِ أنه ما زال يرنّ عليها وهي لا تحرّك ساكنًا ... فألفتْ نفسها تمسكُ هاتف أندلس وتضغطُ زرّ الرد ...
آدم الذي تفاجأ أولاً بردّها الذي ما توقّعه ... تفاجأ ثانيًا من صوتِ شادن الذي استقـبله .. ليذهب فكرُهُ نحو الأسوأ .... قالَ بهلع ...
- هل هي بخير ؟ لمَ رددتِ عنْها ...
قالت مُطَمئنة : - إنها جيدة آدم .... ( وأكملت بحزمٍ وهي تتجه إلى طرفٍ من أطرافِ الغرفة مكممةً فمها لكي لا تسمعها أندلس ) لا أدري ما الذي جرى بينكما .... لكنّ حالتَها حتمًا لا تبشّر بالخير .... إنها تبكي منذ وصلتُ إليْها .. وترفض قطعًا الحديث ... ما قالت سوى أنك سافرت .. لقد عُقدَتْ يداي ولا أدري ما أفعَلُ لها ... أخشى أن تفقدَ وعيَها بعد قليلٍ فوجهها شاحبٌ كما لم يبدُ من قبل .....
كلام شادن جاءه كالسهام ليَختَرِقَ كيانَهُ المكلومَ ... طلبَ منها أن تتوجّه نحو أندلس لتعطيها الهاتف ... هلَعُهُ تزايدَ لمّا سمِعَ صراخًا مفاجئًا " أقفلي الهاتف .... لا أريدُ سماع صوتِه ..... أقفِليه "
قال لشادن برجاءٍ :- شادن أرجوكِ .... اضغطي زر السماعةِ الخارجيّة ....
استجابت شادن لطلبِه ...... فجاءَ صوتُه لمسمعِ أندَلس " سلامًا " بطريقةٍ لم تتخيّلها ... استكانَ ألمُها وهي تسمَعُ صوته الشجيّ يقولُ بحزنٍ تسلل لنبرتِه ...
- أندا .... لا تحمّليني ما لا أطيق .... عِديني أنكِ ستكونين بخير ... كوني عند اتفاقنا أرجوكِ ..... أربعة أيامٍ فقط ................................ ( وَصَمتْ حتى ظنّتْ شادن أنه أنهى المُكالمة .. ليقول أخيرًا بصوتٍ دافئٍ صادقٍ ) .......................... أحبكِ ...... جدًا .

*

ما إن أنهى الاتصال حتى صَرَخت بها شادن بتأنيبٍ شديد اللهجة بعد أن رفعتْ رأسها عن الهاتِـف لترى أندلس وهي تكتمُ نشيجها بطريقةٍ آلمَتْها هي شخصيًا ... إذ كانت قبضتُها اليسرى قد استقرّت أمام فمِها لتعضّ على سبابتِها حتى كادت تفتكُ بها دون أنْ تشعُر وهي تهزّ جذعَها بآليةٍ ....
" كفي عن هذا الغباء ....... أيًا ما حصل بينكما .. فهو لا يستحقُ ما تفعلينَه بنفسِك .... قال أنّه يحبّك ألا يكفيكِ هذا ..... أتعرفين عدد النسوة اللواتي يتمنّين زوجًا كزوجكِ .. بينما أنتِ لا تقدّرين النعمةَ التي بينَ يديْكِ .... لا تظني أبدًا بأنّك الوحيدة التي تعاني على وجه الأرض إثرَ سجالٍ عاديّ بينكما ... معاناتكِ الخرقاء هذه لا معنى لها أمام معاناة الناس الحقيقية ! ... هذا وليس لديكِ أطفالٌ بعد .. ماذا ستفعلينَ في المستقبل إن اعترضتكِ مشكلة حقيقية ها !!!!!!! "
في خضمّ كل أحاسيسها .. كان كلامُ شادن اللازم تمامًا لها لتستيْقِظ ... نظَرَتْ إليْها بعينين وسّعهما برقُ الذهولِ الذي سطع منهما فجأةً ....... " هذا وليسَ لديكِ أطفالٌ بعد " هذه الكلمة نجحت بصفْعِها ... باختراقِ رأسِها غاضّة طرفها عن امتلائه بالفِعل بالأفكار المضنية ... لتسأل شادن سؤالاً بدا لها في لَمْحةٍ اختصارُ كل الدنيا ...
- كم التاريخ اليوم ؟
الإجابةُ التي أجابتْها شادن بها دون أنْ تفهَمَ شيئًا جعلتْها تحرر قبضتها لترفع يدها ممسّدة صدغيْها وهي تضيّقُ عينيْها بعدم تصديق ... بينما نزَلتْ دمعةٌ أخيرةٌ ختمت بها بكاءها لتقولَ باستدراكٍ ....
- يا الله ........ لقدْ مضى أكثر من أسبوع !!!!!!!!!
شادن التي سكتتْ فجأة وابتسامةٌ شقيةٌ ترتسمُ على شفتيْها وَجَدتْ أنها تنظُر إلى أندلس بعينين لمَعَ الفرحُ فيهما ... على إثر نظرتِها تلك كانت أندلس تقول بصدمة .......
- ما الذي فعلتُهُ بنفسي !!! ........
ومع هذا السؤالِ كان التعبُ الشديدُ يطوفُ في جسَدِها مُذكّرًا إياها بالمدةِ الطويلةِ التي بالكاد أكلت فيها شيئًا ... وبالنومِ الذي ضنّتْ على نفسها به حتى خاصمَها منذ يومين وأكثر ... إضافةً لذلك ضميرُها وخزَها إلى الطريقةِ الفِجة التي تعاملت بها مع نفسِها بذاك التطرّف ... اكتساحُ الوجعِ لبطنِها صارَ غير محتمَلٍ ...... وضَعَتْ يدَها عليهِ وهي تقولُ بخوفٍ وهستيريّة لشادن ...
- أريد أن أذهب للطبيب ..... الآن يا شادن ...... ( وأكملتْ برجاء ودمعتُها تكاد تهبطُ دون وقارٍ ) خذيني الآن ... أرجوكِ
شادن التي شعَرتْ بأمَلٍ غريبٍ يسحَقُ كل كآبتِها في الفترةِ الماضية وجدت في كلامِ أندلس عينَ العقل .... حتى تقطَعَ الشكّ باليقين وتطمئن على صحتِها التي بدت لها متدهورةً جدًا ...
اتّصلتْ بفابريغاس حتى يأتي ليأخذهما إلى الطبيبِ لسببين إحداهُما أن لا عملَ لديه ... والآخر أنها وجدت في الموقفِ فرصةً جيدةً للتقريب بين الأخويْن في لحظةٍ حكّمت فيها عقلَها ... وهكذا كان ...
*
كان يشعُر بنفسِ شُعورِ الغُربةِ الذي تسلّلَ إليْهِ عندما سافرَ لعملِه قبل ما يقرب الثلاثة أعوامٍ وهو يجرّ حقيبتَهُ الصغيرةَ في المطار حاملاً بيدِه جواز سفرِه وتذكِـرة طيرانِه ليعطيهما للموظف .. مع أنّ رحلتَهُ هذه لن تستمرّ سوى لأربعةِ أيامٍ فقط ....
إحساسُهُ كان غريبًا جدًا وهو يمدّ تأشيرته .... شعَرَ لوَهلةٍ بأنه إنما يمدّ حياتَه كلها إليه ... يُعطيهِ إياها على مِصراعيْها مودّعًا أمه وأخاه .... و................. أندلس ... بأنه سيشتاقُ إليْهِما بعد ذلك كثيرًا جدًا ......
بعد تفكيرٍ صغيرٍ توصّل إلى أنه مشوشٌ بعضَ الشيء بسبب مشكلتِه الأخيرة ... ليفكّر بأن ذلك الإحساسَ سخيفٌ للغاية وأنّ عليهِ أن لا يشعُر به .. لأنّه سيعودُ بعد أربعةِ أيامٍ ليجدَ أن حياتَهُ على حطةِ يده ... وربّما تكون أندلس قد هدأت .. وبالتالي سيشرح لها كل شيءٍ بهدوء .. ستتقبّله .. ستسامِحُه بعد أنْ يبذل كل شيء في سبيلِ ذلك .. سيخبِرُ والدتَهُ أنه يحبّها فهو لمْ يفعل ذلك منذ مدةٍ ... أما أسد فسيشكُمُه بشدةٍ ... وسيوبّخه لأنه علِمَ من أمِه أنه لا يسيرُ على الطريقِ الصحيح مجددًا ...
تعوّذ باللهِ طاردًا ذلك الهاجِسَ مِنْ عقلِه وهو ينتَظِرُ الموظّف الذي كان يحرك أصابعه على لوحةِ المفاتيحِ الخاصة بحاسوبه .... قبلَ أنْ يصطَدِمَ بملامِحِه التي اختلفتْ وهو يقولُ له بعمليّة ...



- سيد آدم .... اسمكَ على القائمةِ السوداء ... أرجو أنْ تراجِع الإدارة ....


أدوات الموضوع البحث بهذا الموضوع
البحث بهذا الموضوع:

بحث متقدم
طريقة العرض

موقع و منتديات غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات
جميع الحقوق محفوظة منتديات غرام
iTraidnt by ROMYO
جميع الحقوق محفوظة منتديات غرام
iTraidnt by ROMYO

SEO by vBSEO 3.6.1