priscila ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

ضحِكَ من قرارةِ نفسِه بيأسٍ وهو يستوْعِبُ أنها تُلَمِّحُ إلى أمرِ زواجِهِ السابِق ... إذ كان قد تذكّرَ بصدمةٍ ما حدثَ قبْلَ أن يسافِر .. يا الله ! أينَ هو وأينَ هي ! ما زالت تفكّرُ بالأمرِ إلى الآن ... أخذَ يضحَك بنبرةٍ مستفزّة وهو يشعُرُ بالضياعِ ؛ مما دفعَها لتشعُرَ بغَضَبٍ أعمى يلفّها من رأسِها حتى أخمصِ قدميْها ! وكأن الأمرَ يحتَمِلُ الضّحِك ... حسنًا ؛ لحسنِ حظّهِ أنّهُ توقّفْ وإلا كانت ستـُخِرُّهُ هدًّا .. لتفكّر بعد ذلكَ بقليلٍ بأنّه آدم ... آدم الذي لنْ يجعَلَها تنتَصِرُ مُطلَقًا وإن كان من حقّها أن تنتصِرَ بعد كل هذه المدة .... وبذلك كانت تتوجّهُ إلى كرسيِّها مجددًا وهي ترتشِف من كوبِ قهوتِها رشفةً بأسى لتوقنَ للمرةِ العاشرةِ بعد الألفِ أنّ يديْها مما علِقــَتْ بهِ صِفرُ ... أخيرًا قالتْ بحَسْم ..
- لوْ سمَحت ... يجبُ أن تتركني لعمَلي الآن قبْل أن يستيقظ كلّ من سيف و إيف ...

لقدْ ذكرَتْ اسميْن ... !! وبمفاجأةٍ كان يسألُها مسترجِعًا أنها ما تفوّهتْ من قبلُ باسميْ صغيريْه ...
- ماذا سمّيْتِهِما !؟
أعصابُها تلِفَتْ ... رُحماكَ يا ربّ ! هلْ يطـلُبُ منها معرِفةَ اسميْ طفليْه وقد أتما العاميْن !!!!!! ... صرَخَت وقد عيلَ صبرُها ..
- أنظُر لنفسِك ... لا تعرِف حتى اسميْ طفليْك .... ( وأكملت بغيرةٍ وحقدٍ لا متناهيين ) ربّما كنتَ منشغلاً بأبنائك الآخرين ... من يعرِف !!!

لقدْ جُنّتْ هذه المرأة ... عنْ أيّ أبناءٍ تتحدّث ...
- آدَم ... أرجوك ... أخرج من هنا .. ويفضّلُ أن تخرُج من البيْتِ بأكمَلِه ... و.. وأتمنى أن يكون ذلك سريعًا ... !
قالتْ بترددٍ ... ليتوجّه فعلاً خارِجًا من الغُرْفَةِ وقد تذكّرَ أنّ أمامه قصةً كبيرةً يجبُ أن يوضِحها لزوْجتِه ... وقبلَ أن يتجاوزَ الباب كان يقول دون أن يستدير مولّيا ظهرهُ لها بصوتٍ قاوَمَ لإخراجِه واضحًا دونَ ترعيد بعدَ صِراعٍ شديدٍ مع نفسِه وهو يشعُرُ بأنّ الزمنَ يتوقّفُ كليًا ليستمِع إليْه وليسَ فقط هيَ ..
- لقدْ توفّيَت من قبْلِ أن أتزوّجَكِ ..
وكانَ يريدُ تجاوزَ البابِ لكنّها كانت تتحرّكُ عدْوًا لتصلَ إليْهِ قبْلَ أنْ يغادر ...
- كـ .. كـي ... كيف !!!!!!
تنَهّدَ بارتيــاحٍ وهُوَ يرى تلكَ الروحَ القتاليّة تتصاعَدُ فيها شيئًا فشيئًا ...
- قلتُ لكِ أنها توفّيَت من قبْل أن أتزوّجَكِ .. أتحتاجُ تلكَ الجُملةُ توْضيحًا !

وَكان يتحرَّكُ لـيجلِسَ على كُرسيّ مكتبِها .. يرتشف من كوبِ قهْوتِها رشفةً تحت أنظارِها الذاهِلة ... قبلَ أن تنبَعِجَ ملامِحُهُ و هوَ يعي أنّ القهوةَ ليست مرةً وفقط .. إنما ثقيلةٌ أيضًا بشكلٍ غير مستساغٍ ... وكأنه لمْ يقُل لتوّه شيئًا أكثرُ أهمّيّة كان يقولُ بموضوعيّةٍ ...
- كنتِ لا تشربينَ القهوة ! وعندما صِرتِ تشربينَها صرت تشربينها مُرّةً !
صاحَتْ فيه بحنق ...
- كُنت .......... كُنت ، وما عاد فيّ شيءٌ مما تعهَدُهُ على حالِه ... ( وارتفعَ صوتُها أكثر لتُكمِل ) أما عنْ سبب شُربي للقهوةِ مرةً فلأنني أصِبتُ بسكّري الحمْل قبل أكثر من عاميْن .. وبعدَها صار لزامًا عليّ أنْ أتجنّب السكّريات لأن احتمال إصابتي بالمَرضِ باتت مرتفعة .. ( ونظرتْ إليْهِ بسخريةٍ شديدةٍ مُردِفةً ) تدري .. كنت أعيشُ مرتاحةً جدًا .. !!!
وبلا وَعيٍ كان يسألُها سؤالاً تأخّرَ جِدًا وقد علِقَ في ذهنِه كلامُها عما أصابها بحملِها..
- وكيْفَ هيَ صحّتُكِ الآن ؟
ضحكَتْ بهستيريّةٍ وهي تتأكّدُ مما سمِعَتْـه .. أيسألُها عنْ صحّتِها حقًا ! ردّتْ عليْهِ بنبرةٍ هدأت هدوءًا شديدًا أخافَه ..
- على أتمّ ما يُرام ... شكرًا لاهتمامِك ... والآن ، هلّا سمَحتَ لي بإتمامِ عمَلي !
لمَ تُعاقِبُه بهذه الطّريقة .... تُشعِرُه مع كلّ كلمةٍ تقولُها بكراهيَتِها .. تتعامَلُ معه برسميّةٍ قاتلةٍ ... " هلا سمحتَ لي " وَحدَها كانت كفيلةً بجعْلِه يستشيطُ قهرًا !
- ليْسَ قبْل أن أشرَحَ لكِ كلّ شيء ... ليسَ قبلَ أن أُبرّئ ساحتي لديكِ ... ليْسَ قبْلَ أن تسامحيني ... !
ولم ينتظِرْ منها ردّا .. كانت تجلسُ على الأريكةِ الطّويلةِ وقد بان التعبُ على محياها كلِّه .. لم يبالِ أبدًا بترحيبِها مِن عدَمِه بما سيقولُه ... لكنّه أرادَ أنْ يرتاحَ ولو من عبءٍ واحدٍ بعد أن كان مخطئًا وهو يظنّ أنه سيخرُجُ ليجدَ حياةً مفتوحةً على مصراعيْها أمامَه ... تنتظِره ليكملَها من حيثُ توقفتْ ...

- كنتُ وحيدًا في الغُربة ... والأحوالُ كانتْ مُزرية .. ولذا وجدتُ في فتاةٍ عربيّةٍ قابلتُها هـُناك فرصتي الأخيرةَ لأنقذَ ما تبقّى من نفسي ... كنتُ قد أحببتُكِ من قبل ... حبًا طاهِرًا يا أندلس .. لكنّ طيْفكِ الذي كان يلاحقني في كلّ ليلةٍ ما استطاع سوى أن يزيدَ طينَ قلبي بللاً .. تزوّجتُها وكنتُ مُخلِصًا لها ... لكنّها عرفتْ بطريقةٍ ما أنني ما زلتُ أحبكِ أنتِ .. في الحقيقة قرأتْ ما كنت أكتُبُه في جريدةٍ .. حيثُ كان لي هناك عمودٌ أسبوعيّ .. قرأتْ ما كتبتُه بعد زواجنا وأنّ الحبّ كاللعنة يظلّ يلاحقنا بأشباحِه إلى آخر رَمَق ومهما تبدّلت أحوالنا .. فاستحالتْ حياتُنا جحيمـًا .. مع أنني واللهِ حاولتُ جاهِدًا أنْ أعوّضَها عن كل ما افتقدتْه بالغُربة ... وذاتَ يوْم كنّا خارجيْن معًـا وبدأت توجّه إليّ الاتهامات .. أخذتْ تصرُخُ حتى ما عُدتُ قادِرًا على التركيز بالقيادة ... وكان آخر ما سمِعتُه منها " انتبه " .. لكنّ السيارةَ الأخرى كانت قـد اصطدمتْ بنا بالفِعل من جهتِها لأنني لمْ أستطع اختيار المكبحِ المناسب .. وهكذا ماتت ..

توجّهَ ناحيَتَها .. كانت قد أخذت تبكي بحُرقة لا يدري لمَ .. فقصتُه تلك تافهةٌ جدًا وهو يستدعيها الآن ولا تحتاجُ ذلك التأثر البالغ منها ... وقفَ أمامَها فنهضتْ من فوْرِها وهي تصيحُ به ..
- حقير .... وَغْد .. ( وبعد سيْلٍ من الشتائم خرجتْ رغمًا عنْها كانت تقولُ بغضبٍ أهوَج ) أكرَهُك ...
تلقى الكلمةَ بابتسامةٍ خرجت مُرّة كروحِه التي نهَشَ الزمانُ روْنَقَها ... قبْل أن يشتعِلَ فيهِ الغضبُ وهو لا يصدّق أنها تقول له " أكرَهُك " بملءِ إرادتِها !!!!!!! تحركَ كعاصفةٍ قويّةٍ .. كان يضعُها على الأريكةِ لتصطدمَ فيها بعُنْفٍ قبْل أن يُغلِق الطريقَ أمامَها بجلوسِه القُرفصاء .. مرتكزًا بمرفقيه على كوعيْها العاريَيْن حتى شعرت أنهما اخترقتا عظمَها من شدةِ القوةِ التي تأثرَتْ بها .... بينما كان يقتَرِب منها بوجهٍ لَفَح وجهها بغضبهِ الناريِّ ... لتُلاحِظَ الآنَ نُدبةً تقتربُ من حاجبِه الأيسر بملامِح مذعورةٍ بعدَ أن صارَ وجهه كل ما تراه في هذه اللحظة .... سألَها بقسوةٍ وعينين اتسع محيطـُهُما بشكلٍ أخافَها حتى جفّت الدماءُ في عُروقِها .. بل تبخّرت كليًا تحت لهيبِ نظراتِه ...
- حقًا تكرهينني !!
وبكِبْرٍ كانت تُغمِضُ عينيْها بينما سالتْ دموعُها لتومئ إيجابًا " أكرَهُك " .....
إنْ كانت تظنّ أنّه كان غاضبًا فهي ما كانت سوى مخطئة تمامًا ... لأنّه الآن بعروقِ وجهه التي نَفرتْ بما يُشبِه الحِقْدَ لا يقارَن أبدًا بكل حالات غضبِه السابقةِ مجتمعةً ..

لا تدري كيف صار مستحوِذًا عليْها بالكامل ... كان يرتفع من مكانِه لتشعُر بهِ يصيرُ فوْقَها بلمحةٍ حتى ما عادت قادرةً على الفكاكِ منهُ وقد شعرتْ بضعـفٍ كبيرٍ يخترِقُها بمجرّد احتكاكِ جسدِه بجسَدِها ... اقتربَ منها أكثر ... وخطَفَ منها قُبلةً شرِسةً حتى شعرت بفكّها يتحطّمُ تحت قوّتِها ليبرهنَ لها عكس ذلك .. قبلةٌ نسفتْ كل ما ادّعتْه أمامه من كُرْهٍ وهي تُبادِلُه إياها بأخرى أكثر عاطِفةً وحنانًا !
نظَرَ إليْها أخيرًا ... وقال بحزْمٍ وقسوةٍ واءمته ...
- لا تكذبي مُجددًا ... وإلا سيكونُ عقابكِ وقتها كاملاً !!
وجلَسَ بهدوءٍ بجانبها على الأريكة وكأنه لمْ يفعلْ شيئًا .. ليَسمَعَها تقولُ بهمْسٍ مخذولٍ أذواهُ بضعْفِه وقوّتِه في آنٍ بعدَ صمتٍ طويلٍ ...
- لمَ خدعتَني .. ؟
أجابَها بصِدقٍ بعْدَ أن ضربَ فخذه بقبضتِه آسِفًـًا : - لمْ أخدَعْكِ ... كنتُ خائفًا وحسب ... ظُهورُكِ أمامي فوْرَ عوْدتي كان إشارةً صريحةً إلى أنني يمكنني أن أجعل حُلمي الذي كان أنتِ واقعًا بعد كل ما تكبّدتُه من عناء !... كيفَ ظننتِ بالله عليكِ أنني سأمتلكُ الجرأة الكافيةَ لأخبِرَكِ بكلّ شيءٍ ... وأتلوّى بعدَها على جمْرٍ من الحَسرةِ بعدما تعلنينَ رفضَكِ الارتباط برجلٍ تزوّج من قبْلِكِ امرأةً " نفقتْ " في حادثِ سيْرٍ كان هو سببه !
هتفتْ رفضًا :- وفضّلتَ ألا تمنحني الخَيار ... أجبَرْتني وحسب !! أتعْلم ... لا تُكمل شيئًا ... لا أريدُ أن أعرِفَ أيّ شيءٍ عنْكَ بعد الآن ... لن أهتمّ مجددًا ....
نظَرَ إليْها بعينيْنِ كانتا تضيقانِ بخيْبةٍ وهو يشعُر بأن الأبواب كلّها توصَدُ في وجهه :- هكذا ببساطة !
صوتُها الذي ارتفَع بصخَبٍ بعد أن كانت نبرتُهُما هادئة قبل قليلٍ اخترَقَ جُدرانَ قلبِه وهو ينبِهُهُ إلى حقيقةِ أنّ الأمرَ مُعقّدٌ جدًا وأكثر مما يتصوّر ....
- عن أي بساطةٍ تتحدّث .. ! ( ودفعته بقبضتيْها ليبتعِد تلقائيًا عنها ) ... إن كان ما يقارب الثلاث سنواتٍ التي مرّت بسيطةً عليْكَ فهي لم تكن أبدًا كذلك عليّ ... ( وأكملت وقد أخذ صوتُها يتهدّج بألَمٍ لطالما عذّبها ويعذّبُها ) هل سألتَ نفسَكَ عن الآلامِ التي تجتاحُ الحامِلَ !!! ... ناهيكَ إن كان بِكرها ... وتوأمًا ... دون زوْجٍ يطمئنُها أو يُشعِرُها حتى بقيمتِها ... هلْ فكّرت بالخوفِ الذي كاد يفتِكُ بي وأنا أتخيّل طبيعةَ الحياة المقبلةِ عليها مع طفليْن دون أبّ ... هل تخيّلت الصعوبات التي وقفت عقبةً في طريقي وأنا أحاوِلُ أن أكرّسَ حياتي لابنيّ حتى ما عدتُ قادرةً على أخذِ نفَسٍ ولو واحدٍ براحةٍ لكي أعوّضَهُما عن فقدِهما والدِهما الجبان !! والدهما الذي غادَر وقد أشبع والدتهما وعدًا بأنّ رحلته ستستغرِقُ أربعةَ أيامٍ فقط .... وكان ذلك وجهُ الضيْف .. آخرُ عهدي بك !!!!!!!!!!!!
هدَرَ بعنفٍ وهو يرفُضُ أن يكون مظلومًا بهذا الشكل دون أن يدافعَ عن نفسِه ..
- لا تعرفين شيئًا ... وتتكلّمين كأنكِ الضحيّةُ الوحيدة ... هناك جريمةٌ كاملة ... مورِستْ بحقّي وأنتِ الآن تأتين لإكمالِها ... لن أرضَ بذلك مطلقًا ...

- جريمة !!!!!!!!!!!!!!!!!!! أراك واقفًا أمامي بلا أدنى خدوش .. ( وأكملت بموضوعيّة ) حسنًا ربما أنا لا أعرف شيئًا نعم ... لكنني لا أرغب بمعرفةِ شيءٍ أيضًا كذلك ... هذه اللحظة لي .... من حقي وحدي أنْ أحاسبك على كلّ ما جرى لي وليْس من حقّك أن تتكلم .. لقد أخطأت .. أخطأتَ كثيرًا ... وصدقًا لا أجدُ نفسي قادرةً على تفهّمِك حتى .. كلما تناسيْت ألما ما ؛ جعجع ألمٌ آخرٌ فيّ ليخبرَني أنك لا تستحقّ ولو فرصةً واحدة .. ( أكملت بأسى وهي تنهارُ باكيةً ) لمْ تتصل ولا حتى تلفونًا واحدًا طوال عامين ونيّف .. كم أنتَ أنانيّ !!!

ظلتْ تبكي بضعـفٍ ليتقطّع قلبُهُ لهُ بعد ذلك وهو لا يدري ما يفعل ولا ما يقول لكي يخفّفَ عنْها ! .. خشي حتى أن يقتربَ منها وهو يرى في نفسِه نذالةً لا يحقّ لها خدشُ نقاء تلك الباكيةِ على مقرُبَةٍ منه ... كاد يتهاوى وهو يشعُر بأن آخِر خيوطِ الحياة تتلاشى من بين يديْه ... ليقرر بذلك الخُروج من الغُرفةِ وهو يحاوِل خداعَ نفسِه بتعليقِها بأمَلٍ قد يكون قريبًا .... ليأتي صوتُها موقفًا له ... صوتُها الذي كان محتقنًا بدموع الوداع ..

- أأحزِمُ أمتعتي وأغادِرُ أم ....... تغادِرُ أنت ؟
مال بوجهه قليلاً ناحيتَها ... ليقول أخيرًا وهو يغضُّ بصرَه عنها لسببٍ لم يعرِفه بينما بدت نبرتُه غامضةً جدًا ...
- لا ... ابقيْ هنا مع الأولاد ... أنا من يجبُ عليه أن يغادِر .. ( وأردَف بعد ذلك بقليلٍ .. ) فقط امنحيني أقل من أسبوعٍ ريثما أدبّر أموري ..

يتبع ..

priscila ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

لقدْ مرّت الأيّامُ بسرعةٍ ... إنّه اليومُ الخامِسُ من بعـد آخِر يومٍ تحدّثا فيه ... هذا الصباحُ لا يبدو مُختلِفًا ... تجهّزَت للذهاب إلى عملِها ولُحسن الحظّ أنها ليست مضطرّة لأخذ الطفليْن إلى الحضانة لأنها تأخـرَتْ بالفعـل .. كما أنهما تعلّقا بآدم تعلُّقًا ملفتًا ... وهو يظلّ في البيتِ إلى حين عوْدتِها من العَمَل .. وجودُه في البيْتِ وإن كان سيتلاشى في الغد القريبِ إلا أنها لم تستطع أن تُنْكِرَ أنّه منحها إحساسًا رائعًا بالأمان ... يكفي أنها تنام وتصحو وهي تشعُرُ بأنّ هناكَ رجلاً في البيْت سيدافع عنها إن طرأ أمرٌ ما خلال الليْل ... كان ينام على الأريكةِ في غُرفةِ المكتب وتنامُ هي والطفليْن على السريرِ ..

خرجت من المطبخِ وهي على عجَلَةٍ من أمرِها بينما كانت تشربُ من كأسِ القهوةِ الصباحيّ .. أخذتْ تجولُ في المنزل لكي تتأكدَ من أن كلّ شيءٍ في مكانه .. ليُفاجئها رنينُ هاتِفِها .. كان أخوها فابريغاس ... أخبَرَها أنه قادم اليوم هو ولمى لزيارتها في المنزل .. كادتْ توافقُ لكنها رفعتْ وجهها أخيرًا بعد أن نظرت لساعة يدِها ؛ لترى آدم على مقرُبةٍ منها يرمِقُها بوجهٍ مُحذّر .... أخذ وجهها يحمرّ وهو ينظُرُ إليْها بتركيزٍ شديدٍ ليتأكّد من أنها لن تخبر أخوها عن مسألةِ قدومه كما يفعل مع كلّ اتصال يأتيها .... وجهها أخذ يتبدّل وهي تعتذر منه بحجج واهية دعت أن لا يفهم منها أنها لا ترغبُ بزيارتِه ... أقفلت الهاتف أخيرًا .. لتَسمَع صوتَ آدم يأتيها من خلفِه وهو يتوجّه إلى غرفةِ المكتب يقولُ بنبرةٍ ثابتة ..
- اطمئني .. لن يكون هناك حاجةٌ للكذب مجددًا ... سأغادِرُ اليوم ..
وبذلك كانت تخرُجُ من البيْتِ وهي تشعُر بوَهَنٍ عظيمٍ يكتسِحُها ... لتتساءَل ؛ أحقًا سيغادر اليوم ؟ هذا الرّجُلُ ما فتئ يفاجئها يومًا عن يوْمٍ بتصرّفاتِه ... ما فتئ يكونُ صندوقًا محكَمَ الإغلاق بوَجه كلّ محاولاتِها لفتحه ! طوال الأسبوع الماضي ما لمّح أبدًا إلى تحقيقه وعدِه لها ... صحيحٌ أنه لم يتكلّم معها نافيًا مغادرتَه لكنّ تصرفاتِه كلها كانت لا تنبئ بذلك ... حسنًا كانت تخرُجُ إلى العمَل خلال النهار لتعودَ وتجده برفقةِ الصغيريْن يلاعبُهُما وهما في أتمّ حالاتِ انبساطِهما ... ينتظِرُ وقتًا قصيرًا يجهّز به الغداءَ " لها " ثم يبدّل ثيابه ويخرُجُ من البيت ولا يعودُ قبْل منتصف الليْل .. لقد ظنّت بغبائها الدائم عندما يتعلّق الأمر به أنه يماطِلُ لأجل استمالتِها حتى تتقبّل سماعَه من ثمّ مسامَحَته ... لسُخْفِها كانت تتدللُ عليْه بطريقةٍ أوْصلتْ إليْه أن الأمل منها عقيمٌ ... مع ذلك تبصُمُ بالعشرةِ أنّ قلبَها كان ممتلئًا عليْه عن آخِرِه خاصّةً بعد سماعِها لدهاليزِ حياتِه السابقة قبلَ أنْ يتزوّجها .. وتبصمُ أيضًا أنه امتلأ أكثر وهي تتخيّل المكان الذي كان فيه إن كان احتمالُ أن يكون عند زوجتِه السابقة معدومًا لتصلَ إلى لا شيء ...

تحتاجُ وقتًا ... وقتًا يكون كفيلاً بجعلها ترى فيه الحبيبَ الذي اشتاقتْه فحسب ... و ليس الرجُل الذي عذّبها طويلاً بغيابِه غير المـُبرَّر .. ليْسَ الرجُل الذي ظلتْ تذوب احتياجًا إليْه بينما هو لا يسمَعُ مناجاةَ قلبِها له لكي يعود .. ليس الرجُل الذي تكرَهُ فيه أنها غير قادرةٍ على كـُرهه أبدًا !!

بعد ساعات عملٍ طويلةٍ كانت تعودُ إلى البيْت ورأسُها يدورُ فيه ألفُ احتمالٍ واحتمالٍ ... أيكون الآن قد غادَرَ أم لا ! جانبٌ منها تمنى أن يكون قد فعل .. بينما جانبٌ آخر لا يمكن تجاهُله كان يبكي دمًا وهو يتخيّل أنه نفّذ وعدَه بالمغادرة !!! ما هذا الألمُ يا ربّ ...
دخلتْ البيْتَ فوَجَدت هدوءًا غريبًا يهيمِن على جَوِّه .. وما احتاجت وقتًا قبْلَ أنْ تعرِفَ أنهما نائمان بفضلِ السوبر ناني " آدم " .. إنه حقًا بارعٌ في كلّ شيءٍ يفعَلُه .. لديه مقدرةٌ عجيبةٌ على جعل الطفليْن ينامان قريريْ العيْن بهدهداتِه الحنون !
المسافةُ التي استغرقتْها لقطْعِ الممرّ شعَرَت أنها طويلةً جدًا وهي تُخمّن أن عينيْها ستصطدمان في لحظةٍ وأختِها بحقيبةٍ ستكون هذه المرّة كبيرةً لكي تتسعَ لأمتعته وثيابه التي لمْ تعبثْ بها أبدًا منذ غادَر بل تركتْها على حطّة يده ! سيأخذ هذه المرةَ كلّ أثَرٍ لهُ .. سيترُكها وحيدةً مُجددًا ولكن بناءً على رغبتِها ... ماذا تفعل ... كيْف تشطُبُ ثلاث سنواتٍ تقريبًا من حساباتِ زمنِها لتعيدَ لحياتِهما الجميلةِ الغابرةِ الروحَ ! لقدْ ملّتْ نفسَها اللئيمة التي تمنَعُها من أن تقول لها " اذهب وأنتَ الطليق " من حقدِها عليه ... وفي نفس الوقتِ لا تستطيع .... لا تستطيع مهما حاولت فتحَ صفحةٍ جديدةٍ لهما ...
مرّت في طريقِها على المطبخ فوجدت الغداء جاهزًا على الطاولةِ وموضوعًا بطريقةٍ حميمةٍ درّت الدموعَ في مقلتيْها .. لمْ تستطِع منعها هذه المرة فكانت تسيرُ في طريقِها إلى غُرفةِ النّوْمِ لتطمئنّ على طفليْها متمّة بذلك بحثِها عن آدم بطريقةٍ غيرِ مباشرة ...

ظَهْرٌ عريضٌ كانت عيناها تتلقّفَ ظلّه لثانيةً لتضيقا بعد ذلك بعدم تصديق بينما تتقدّم إلى الداخِل بخطواتٍ خرساء ... إنه ذات الرّجُل ... بذات المنكبين العريضيْن وذاتِ القامةِ التي تحفظُ كلّ شيءٍ فيها منذ زمن .. لكنّ ظهرَه !!!!!!! شهقتُها العاليةَ جعلتْه يلتفتُ برُعْبٍ ليطالعَ وجهها المصدومَ بنظراتٍ مصدومةٍ هي الأخرى من تواجدِها الآن في الغُرفة بينما كان هو يبدّل قميصَه ...

دموعُها أخذت تنحدِرُ دون توقّفٍ وهي تكتم شهقـةً أرادت أن تخرجَ مجددًا براحتها مكمِّمَةً بذلك فمها .. بينما يتحرك رأسَها بذهولٍ كاملٍ وكأنّما لا تصدّق ما تراهُ بعينيْها ... اقتربتْ منه دون أن تقولَ كلمةً وقد عُقِدَ لسانُها تمامًا ...
كانت يدها تهمّ بلَمسِ ظهرِه المشوَّهِ حرفيًّا بآثار الجـَلْدِ والتّعذيب لكي تتأكد مما تراه .. إلا أنّه ابتَعَد بعدائيةٍ عنها قبل أن تتمكّن أنامِلُها من ملامسته ... شهقتْ مُجددًا بعدَ أن توجّه صوْبَ النافذةِ ليعمَلَ وضَحُ النّهار كاشِفًا لها عن كلّ مليمترٍ من مساحةِ ظهرِه .. لترى كل الجُروحِ بمختلفِ حجومِها وألوانها !
اقتربتْ منْهُ مُجددًا ... همّتْ تلمِسُ ظهرَه وعقلُها يكاد يتلاشى كلّيًا وهي تُفكّر بطبيعةِ الأمرِ الذي أوصل ظهرَهُ لهذه المرحلةِ المتأخرة ليبدو كلوْحةٍ تشكيليّةٍ تُعذّبُ الناظرَ إليْها بفظاعتِها ، بينما هو يرتكِز بيديْه على حافّة النافذةِ ينظُرُ إلى الأفقِ أمامه ليقولَ بصوْتٍ منخفِضٍ أخافَها بشدّةٍ وهو يحذّرُها شاعِرًا باقترابِها مِنْهُ ...
- ابتعدي ..... ( وأردفَ بعدائيةٍ شديدةٍ ) لمْ يعُدْ صالِحًا لتلمسيه ........... ( ليكمِل بموضوعيّةٍ ) ولا حتى لتنظري إليْه !

صوتُها كان يرتفِعُ نحيبًا وهي تـتأذى من النّظَرِ إليْه وفي نفسِ الوَقتِ تتألّمُ مِن كلامِه الذي كان جارِحًا وهو يمنَعُها من المساسِ به ولو حتّى لتختبِرَ وجعه الجسديَّ نفسيًّا .. أخذت تنحّي بَصَرَها في أقصى اتجاهٍ بعيدًا عنه وقد أزعجَها المنظرُ كثيرًا حتى خشيَت أن تتقيّأ فيفهَمَها خطأً .. أخيرًا كان يتقدّم منها كفهْدٍ يلفِظُ أنفاسَه الأخيرة و يعدو خلفَ طريدته غير مبالٍ بجراحِه النازفة ... هزّها بقَسوةٍ ونبرتُه تتشبّعُ غُلاً بعدَ أن فاضَ به الكيْلُ فجأة ليثورَ على صمتِه ...
- هذا ما كنتِ رافضةً معرفـتَه ..
وتقدّمَ منْها ليمسِكَها بيدٍ من ذقنِها بقوةٍ آلمتْها لتغمِضَ عينيْها قبلَ أن يهزّها بيدِه الحُرّةِ لتفتَحَ عينيْها عن جديدٍ ...
- هذا ما منعني عنْكِ لسنوات ...
لم تكُن تملِكُ شيئًا سوى البكاء ... البكاءُ وفقط ! بلَعتْ ريقَها أخيرًا بشقّ الأنفُسِ وهي تسمَع كلامَه الذي كان قاسيًا وهو يحطّ بثقلِه على كاهِلها بينما حاولتْ بشدّةٍ أن لا تصدّق ما حكاه لها بجبروتٍ ...
- كنتُ نذلاً نعم .... حقيرًا نعَم ، ( هتَفَ بشدّةٍ ) و كَلبًا إن أردتِ بكلّ ما فعلتُه بكِ ... لكنّ ذلكَ كلَّه ما كان مُـشكلتي ... كنتُ سأراضيكِ فعلاً بعد أنْ أعودَ .. سأبذُلُ كلّ شيءٍ في سبيلِ ذلك ... لكنني كان يجبُ أن أذهبَ لأودّع صديق عمُري الذي كان يلفظُ أنفاسَه الأخيرةَ بعد أن استشرى به السرَطان ... وفي المَطارِ يا أندَلُس ... ( وأغمَضَ عينيْه لكي يمنَعَ دمعةً من السقوطِ مخلخلةً صورتَه الرجوليّة في عينيْها ) وفي المَطار .... تمّ الاقتصاصُ لكِ منّي على " دوزبارة " ! ... ولتسمعي إذن ... اعتُقِلتُ بعدَها ولمْ أعرِف شيئًا عن العالمِ من حوْلي إلا من كلامِ المحققين .. كانوا يهددونني بكِ .. يستخدمون مصطلح " إقامة حفلةٍ على شرَفِ حضورك " مع الضبّاط لإرغامي على الاعترافِ بشيءٍ لا أعرفُ عنه شيئًا ! يهددونني بكلّ معلومةٍ يوصلونها إليّ عنكِ .. مرّةً بأنّكِ تذهبين لزيارةِ الطبيبة .. ومرّة بأنك رُزِقت بمولوديْن وغيرها الكثير .. وتخيّلي كم كان صعبًا عليّ سماع ذلك .. أن أعرِف أنني صرتُ أبًا دون أن أعرف شكلَ ابنيّ أو اسمهما ولا حتى أن أمنَحَ فُرصةً لأكون مع زوجتي التي أعشقُها وهي تلد من سيحمل اسمي !... أتدرينَ لمَ صارَ كلّ ذلك ..... لأنني على كلّ عيوبي كنتُ حُرًا ... حُرًا بشكلٍ قضّ مضجع من نهبوا ثرواتِنا .. حرًا بشكلٍ أزعَجَ الضمائرَ النتنةَ من حولِنا ..... حرًا لأكون ومَنْ هم من مثلي شوْكةً في حلـْقِ جريمتِهم الكاملة .. لتتحوّلَ خيوطُ الاتهامِ نحوي وفقط عندما خرجتْ .. رسموا خيوطَ الجريمةِ بحرفيّة حتى نسفوا كلّ ما بنيْناهُ عن آخِره .. صيّرونا أنذالاً في عيونِ عائلاتِنا .. وبذلك نجحوا بإخراسنا بطريقةٍ أخرى عندما انشغلنا عنهم بإصلاحِ ما تبقّى من حياتِنا المغتالة ليعودوا ويعيثوا في الأرضِ فسادًا على راحتهم ... أفسدوا حياتنا ليس السياسيّة والاقتصادية وحسبٍ ... وإنما حتى حياتَنا الشخصيّة ... قتـلوا كلّ النبْضِ في قُلوبِنا ... كلّ الأمل ... ( وحطّ ببصرِه على الأرض قائلاً بحسرة تاركًا إياها لتلتقطَ نفَسًا بعد كلّ ما سمِعَته ليُردفَ بعد زمنٍ قصيرٍ ) .. أنتِ مُحقّةٌ.. يجبُ أن أتركَكِ .. أتدرين لمَ ! ... لأنني أصلاً لم أعُد رجلاً تستطيعُ أي امرأةٍ العيْشَ معه ... فهنا في قلبي حِقدٌ تجاههم لن يُذْهِبَهُ أيّ شعورٍ آخر ... حتى وإن كان حُبي لكِ هو المقارِع له .. سأذْهَبُ الآن .. لكنني – لكي تعلمي - سأظلّ أعشَقُكِ حتى تفيض روحي إلى بارئها .. ربما سأسافر لأنني لم أعُد قادرًا على العيش في وَطَنٍ مزّقني كليًا ... لكنني مؤكدًا سأتصل بكِ بينَ حينٍ وآخر لأطمَئِنّ عليْكِ وعلى طفليّ ... ( ومرّ بأنامِله أخيرًا على صفحةِ خدّها الرائقةِ مودّعًا قبل أن يلتفت عنْها ) فليحفظكُم الله ..

وكان يتحرّكُ نحو قميصِه ليَرتَديه بسُرعةٍ ويأخُذ حقيبته ليقِفَ عند السريرِ مطوّلاً وهو ينظُر لطفليْه مودّعًا إيّاهُما ويلتفتُ أخيرًا نحوها مركّزًا طَرْفَهُ على كل قسمةٍ من قسَماتِها .. ليبتَسِم بوجهٍ مُحبٍّ لم ترَه صافيًا كهذا منذ مدةٍ ابتسامةَ حُبٍّ خالصة ذَرَفتْ على إثرِها الدموع لتبادِله إياها بأخرى مشابِهة بينما أخذت نيران الحسرةِ تشبُ في جسديْهِما شبيبًا ازدادت لهيبُه حُرقةً مع كل ثانية وهو يتصالَحُ مع فكرةِ أنها ستكون المرة الأخيرة التي يرى فيها وجهها ! ...
رأتْه يتحرّكُ خارِجًا من الغُرفةِ فشعَرتْ بروحِها تُسلَبُ منها إلى الأبدِ إن هي لمْ تفعل شيئًا لإيقافه ... ولتعرف وقتَها وفقط أننا نكون أغبياء عندما يستشري فينا الشكُ تجاه من وثقنا بهم يوْمًا أكثر من أنفسِنا .. كيْفَ نترُك قلوبنا تنزِف بغيابِهم مُجددًا وقدْ علِمنا بالتجربةِ أنّ نزيفَ الشوْقِ مبرّحٌ لا يمكنُ احتمالُه ... كيف نترك أنفسنا للألَمِ بتمسّكنا دوْمًا بقناعاتٍ باليةٍ تعبنا ونحنُ ننسجُها على أنوِلةِ غرورِنا وكبريائنا المقيتةِ .. لكي لا نلتمِسُ لروحنا المتمثلةِ بِهِم ولا عُذرًا واحدًا يكون السلوى لنا ريثما يعودون .. ليثبتوا لنا أنهم لم يتخلوا عنا مطلقًا ...
كان يفتَح الباب فهرَعت نحوه وهي تلفِظُ اسمه بلوْعةٍ ما عرَفتها قبلاً ... ليَلتفتَ نحوَها بوَجهٍ نضحت منه الكآبة بشكلٍ أدمى قلبها لينزِفَ صديدًا وهو يضعُ حقيبَتَه أرضًا ... ظلّتْ تنظُرُ إليْه بعشقٍ عذّبها لليالٍ وهي تتخيّلُ أنها لن تراهُ مجددًا ..... لتسمَح لقلبِها بتنفيذِ وعدِه بأن يرتميَ على صدْرِهِ فوْرَ أن تراهُ مُجددًا عندما كانت تطلبُ منه أن يعودَ وحسب ...

وأخيرًا كانت تقدِرُ على التمييزِ بين حياةٍ حقيقيّةٍ .. وحياةٍ ستكون موتًا إن لم يكنْ موجودًا بها ...
أخذت ترطّبُ شفتيْها اللتيْن كانتا قد جفتا وهي تتخيّل أنها لن تلحَقَ به ... لتقول أخيرًا بعفوٍ صدَرَ جميلاً من قلبِها وأمَلٍ عظيمٍ بأن يتقبّل عفوَها ...

- لا تثريبَ عليكَ اليومَ ....... يغفِرُ اللهُ لي ولكَ ...

***

نلتقي غدًا أو بعد غدٍ ... مع الخاتمة
كل عامٍ ونحن جميعًا إلى الله أقرب .. دعواتكم

priscila ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

الخاتـمة ..
تتبّعَتْ على جانِبِ الرّصيفِ خطًا صغيرًا نما ... كان خطّاً أخضَرَ اللوْن ... خمّنَتْ أنّها الفيوناريا .. بدت لها عاديّة القِوام .. بيْدَ أنها كانت تتعجّبُ سِرًا مِن سِحْرِ هذه الخضراءِ الصغيرة .. فهذه الخضراءُ لا تبدي سرَّ جمالِها للعابِر .. فقط يعرفُ سرّها مَنْ يُقحِمُ عينيْهِ متطفّلاً لعالمِها الترابيّ .. ليستيْقِنَ مدى الصبْرِ الذي تبْذُلُه تلك الصغيرة .. لتُبْصِرَ وُريْقاتُها النورَ ناميةً على السطحِ بعدَ ليْلةٍ مُمطِرةٍ ....

كانت تهمّ بركوبِ سيّارةِ الأُجرةِ التي توقفتْ لها أخيرًا بعد انتظارٍ لمدةٍ تزيدُ عنْ الربْعِ ساعةٍ تحت وطأةِ السماءِ الماطِرة .. أخرجتْ هاتفها لتنظُرَ إلى الساعةِ فشعرت أن اليومَ هذا لن يمرّ دون بهدلةٍ معتبَرة من مُديرِها في المكتبِ الهندسيّ نظرًا لتأخرِها للمرةِ الثالثة في أسبوعٍ واحدٍ عندما فوجِئتْ برقمِ رياض الأطفالِ يشعُّ في صفحةِ هاتفها .. يا الله لمَ أخرجتْ الهاتف .. ها هي ذا لا تفلتُ من خُنّاقِ مشاغلِها العائليّة حتى بوَضعها هاتفها على الصامت ! ... تأفـّفتْ بتذمُّرٍ وهي تخمّنُ طبيعةَ الفَصلِ الجديدِ الذي قام به ولداها الشقيّان لكي تتصل بها إدارةُ الروْضةِ ... ركبتْ التاكسي وأشارت بيدِها إلى السائقِ لكيْ يسيرَ في طريقِ عمَلِها .. بينما ردّت على الهاتف وهي تُحاوِلُ جاهدةً أن لا تنفّسَ غضبَها في الآنسة " مينشن "..
- أهلاً آنسة تماضُر ... كيْفَ حالُك ؟
ردّت عليها بحزْمٍ وهي تقول ...
- بخيرٍ يا أم سيف ... كالعادة ولداكِ لا يكفّانِ عن افتعال المشاكل .. يجبُ أن تحضري الآن أنتِ أو والدُهُما ... لا يمكن السكوتُ عن هذه الفوْضى ولن أقبل بهذا الوضعِ أبدًا ....

أقفلت الهاتف بعدَ أنْ اعتذرت من الآنسة نيابةً عن طفليْها وقد تلوّنَ وجهها خجَلاً ريثما تأتي إلى الروْضة .... أغمَضت عينيْها بتعبٍ وهي تتذكّرُ وجه مديرِها في العَمل .. وتلقائيًا كانت تتّصِلُ بآدم بعد أن نظرت مجددًا إلى الساعةِ لتتأكّدَ منْ أنّ برنامجَهُ الإذاعيّ المباشر لم يبدأ بعـد ... تلكَ النوتات المتقطّعة أوْصَلَت إليها إحساسًـا بالاحتقان وهي تترقّبُ قدومَ صوْتِه ليردّ عليْها أخيرًا على عجَلَة من أمرِه ...
- نعم أندلس ...
وكادت تنفجِرُ فيه وهي تَرى تذمّره واضحًا من اتصالِها ...
- آدم ... لقدْ تعبت.. كُلُ يومٍ والثاني تتصلُ بي إدارةُ الروْضة ... والعَمَلُ مع طفليْك !!.. لقد ضِقتُ ذرْعًا بِهما ...
بانشغالٍ كان يقولُ وبسرعة بينما يدخُل غُرفةَ البثّ ...
- أندلس إنهم أطفال .......... حسنًا سنناقشُ هذا الأمرَ لاحقًا .. دقائقُ وسأكون على الهواء ...
- آاااااادم !!!
- أراكِ في المنزل ... سلام !

وأقفَلَ الهاتِفَ لتشعُر بأنها ترغَبُ بتهشيمِ أقربِ واجهةٍ زُجاجيّةٍ في طريقِها ..... لتقول بقلّةِ حيلةٍ للسائقِ أن يعدُل عن طريقِ العمَل مُرشِدةً إياه إلى الروْضة ...

*

^ على العَشاءِ ^

أنهتْ صفّ الأطباقَ على الطاوِلة لتنادِيَ الجميعَ قائلةً بصوتٍ مرتفع :
- العشاءُ جاهِز ...
وكانَت عائلتُها الصغيرة تتوالى تباعًا في دخول المطبخِ بدءًا من زوجِها الذي كان يحاوِلُ تهدئتَها وهو ينظُرُ إليها مستعطِفًا لكي تخففَ من حدةِ غضَبِها بعد الكلامِ الحادّ الذي سمِعَتْه من المعلّمة صباحًا وما جرى بعد ذلك دون جدوى ...
سيف و إيف اللذان كانا يسيران خلفَ والدِهِما برأسٍ مُنَكّسٍ أخذا يشعُرانِ بالخَجَلِ من والدَتِهِما التي لم تُكلّمْهُما منذ عادا من الروْضة .... ليبدأ الجميعُ تناولَ الطعامِ بصمتٍ ... وبعدها بفترةٍ كان سيف يذهَبُ إلى أمّه وهو يحمِلُ طبَقَه بيديْه بعد أن كانت ساهمةً تمامًا غيرَ مُنتَبِهةٍ إليه وهو يطلبُ منها من مكانِه سَكبَ المزيد ... مرآهُ أمامها بتلك الملامِحِ المنبعِجةِ بترقّبٍ لتراها لذيذةً جعلها تبتسِمُ له بحنانٍ لا إراديٍّ وهي تسكُبُ له في طبقِه لتعودَ مجددًا وتقطّبَ حاجبيها في استكمالٍ لمقاطعتِها لهُما ....
ثوانٍ فقَط وكان آدم يتحسسُ ظاهرَ يدِها مُلفِتًا انتباهَها إلى ما يُحاوِلُ الصغيرانِ فعلَه ... رفَعَت رأسَها أخيرًا فأخذت تضحَكُ رُغمًا عنها وهي ترى كلّا منهما يمسكُ بيدِه شوكةً وباليدِ الأخرى ملعقةً يحاولان تنغيمَ الكلامِ الذي ينطقانِه بطريقةٍ رخوة ...
- نحن آسفاااااااااان ... و نحبّووووك ... يا أحلى ماما ..

توجّهت نحوَهُما بعد أن قامت عن كرسيِّها لتقتربَ منهُما وتضمُّهُما معًا إلى صدرِها قائلةً بتسامُحٍ ..
- وأنا أحبّكما ............ جدًا .. ( لتحتدّ ملامِحُها قليلاً وتردِف بِحَزْمٍ وهي تبتعِدُ عنهُما ) لكننا يجبُ أنْ نَجِدَ حلًا لمُشكِلتِكما في الروْضة ... امممم ( وأكملت بلؤمٍ ) ما رأيُكـُما بإخبارِ البابا عما تفعَلانِه وبذلك نجدُ حلًا معًا ....
ملامِحُ الصغيريْن أخذتْ تتغيرُ وهُما يتخيّلانِ شكلَ العِقابِ الذي سيمارِسُهُ والدِهما خاصّة وأنهما متفقانِ معه على أن يخرجا بصحبتِهِ في نهايةِ الأسبوعِ فيما يعرفُ بـ " طلعةِ البابا " التي يكونان فيها على أتمِّ راحتِهما لأن والدتَهُما الحازمة لا تكون موجودةً فيها وبالتالي " لا ممنوعات " ...

أخيرًا قالت أندلُس بنبرةٍ شديدةٍ ...
- أنظر يا بابا ... لقدْ ادعت إيف أنها ترغبُ بالذهابِ إلى الحمّام لتهربَ من الحِصّة صوْبَ غُرفةِ الألعاب .. وعندما وجدتْ هناكَ طفلاً آخَرَ هرعت نحو المعلّمةِ لتفتن عنه ... وفي إحدى الاستراحات نشبَ شجارٌ حادّ بين ذاك الولد وبين أبناء حشْكي ! ..... شتماهُ وضرباهُ وكانت الغلبةُ لهما كالعادة .. لا وفوْقَ كلِّ هذا قالا للمعلّمةِ أن الحقّ عليه ورفضا الاعتذارَ منه وكانا وقحيْن في كلامِهِما أيضًا ... ( وتوجّهت صوْبَ آدم لتسألَهُ وهي تعض شفتها في إشارةٍ له لكي يكون حازمًا ) ماذا يجبُ أن نفعلَ الآن برأيِكَ ؟

أخذ آدم يسيرُ أمامَهُما بوجهٍ مُفَكِّرٍ وهو يحكُّ رأسَهُ كالعادة ليلتفتَ أخيرًا ناحية زوْجتِهِ وهو يقولُ لها بملامِح لانتْ كما خمّنتْ لتشدّ على أسنانِها غيْظًا من تسامُحِه المُفرطِ معهُما ...
- ما رأيُكِ بسماعِ القصةِ منهُما أوّلاً ... أنا متأكّدٌ أنّ هناك تفاصيلُ ناقصةٌ ... ما كان ابناي المؤدبان ليفعلا ذلك دون سببٍ ... أليسَ كذلك يا أولاد ؟

وكان الصغيران قد بدآ بهزّ رأسيْهما إثباتًا ... ليشيرَ آدم بيدِه إلى سيْف ليبدأ الكلام ... قال الصغير أخيرًا وهو ينظُر إلى يديه اللتين شبّكَهُما بارتباكٍ تحت أنظار أمه الحازمة ....
- والله والله يا بابا الحقّ ليْسَ علينا .. فأثناء الاستراحة جاءَ الولدُ ذاك إلى إيف وأخذَ يشتِمُها أمامي .. تخيّل ..... ( وكانت عيناهُ تقدح شرَرًا وهو يقولُ بـ" عضلنجيّةٍ " مقلّدًا عمّه ) ما أوقحَهُ !!! قلتُ له أن يصمتَ فلمْ يردّ عليّ .. فما كان مني إلا أن شتمتُهُ وضربتُه لأنه تلفظَ بكلماتٍ نابيةٍ في حقكَ وحق والدتي ... ( وأشار بيدِه إلى أختِه مُكمِلاً ) رأتنا هذه الغبية إيف نتصارعُ فحشرتْ نفسَها في المُشكلة وأخذت تضربُه معي ....... جاءت المعلمة وأخذ يبكي أمامها ... قال يعني مسكين ... وهذا كلّ شيء !

شهقتْ أندلُس باستنكارٍ وهي تسمعُ كلامَ ابنِها ليتوَجّه آدم نحوه بعد أنْ غمَزَه بمعنى " أبليْتَ حسنًا " بعيدًا عن نظرِها ليقول بحزمٍ مُصطنَعٍ أخيرًا أمامَ والدتِه ..
- حسنًا ... لقد أخطأت عندما لجأت إلى الضرْبِ والشتْم بعد أن رفضَ التوقف عن التلفظ بكلماته النابية .. كان يجبُ عليكَ أن تتوجّه إلى المُعلِّمة ... ثمّ لا يجبُ أن ننعتَ أختنا بالغبيّة ... هيا اعتذر منها فوْرًا ..
اعتذرَ منها سيْف برحابةِ صدْرٍ ليأمُرَهُما آدم أخيرًا بالتوجّه إلى الحمّام لكي يغسلا أيديهما وينظفا أسنانهما من ثمّ يتوجّها إلى غُرفتِهِما فقد حانَ موْعِدُ النوْمِ ...

*

فوْرَ خلودِهِما للنّوْم نفثتْ أندلُس نفسًا بعصبيّةٍ رغم محاولتِها أن تكونَ هادئةً قدْرَ الإمكان وهي تدخُلُ معقِلَهُما في غرفةِ المكتبِ بقدحيْن من الشايِ يدفّئان به نفسيْهما .. لتقول لهُ بمعارَضةٍ وهي تضعُ الشاي على منضدةٍ قصيرةٍ قُربَ الأريكة الطويلة ..
- آدم أنتَ تُدلّلُهُما كثيرًا ... سيْف تحديدًا كان هادئًا جدًا ... لا أدري ما الذي يجري لهُ فور أن يختلطَ بأخيك ... هذا ليس صحيًا أبدًا لهُما ... ثمّ بتّ أترقّبُ اتصالاً من الروْضَةِ يومًا بعدَ يومٍ ... يجبُ أن نجِدَ حلاً جذريًا لهذه المُشكلة ...
بدا آدمُ مشغولاً بالفيلم الذي يعرضُ على قناةٍ ما بينما هو يكاد يحتضِنُ المدفأة من شدةِ البرد ليدير وجهه ناحيةَ أندلُس وهو يدعوها للاقترابِ منه قائلاً بموضوعيّة ...
- بصراحةٍ ... الحقّ على ذاك الولَد .. ثمّ ليست إدارةً تلك التي تتصلُ بالآباء في كلّ يومٍ والثاني !
قالت بنفادِ صبرٍ رادة عليهِ ..
- آدم .. إنها الروْضةُ الثالثة ... ثمّ إنني بحثتُ عن معلّمةٍ قوية الشكيمةِ خصوصًا لأضعهُما في صفّها ... وحتى ذلك لم يُجدِ نفعًا ... ألا ترى أنّ في ذلك مشكلةً !
التفت إليها وعلى وجهه أماراتُ الخبثِ قائلاً بموارَبة وهو لا يرى في ذلك فعلاً مشكلةً ..
- أعتقِدُ أن علينا متابعتَهُما عن كثبٍ و بشكلٍ أكبر ... ربّما سنتمكّن من ذلك إن توقفتِ عن العمل ... كما أن وضعنا المادّي تحسّن كثيرًا و لا داعِي لـ..
قاطعته رافضةً ...
- آدم ... وما دخْلُ عمَلي في كل القصة ! لقد بتّ تُدخِلُه في كل شيءٍ .. حتى في شِراء كيلو من البصَل !
حاوَلَ أن لا يُظْهِرَ سببَ امتِعاضِه الحقيقيّ وهو يفتِلُ طَرَفَ الموْضوع لتصيرَ هي المحقوقة لا هو ...
- ظننتُ أنّك تحتاجين لأن ترتاحي .. فأنتِ ضائعةٌ بين العمل وبين الأطفال ( وأكمل غامزًا بمَكرٍ وعلى فمِه شفير ابتسامةٍ خبيثةٍ ) وبيني ... ( ورغمًا عنْه كان يخرُجُ عن طوْرِه الهادئ قليلاً وهو يقطّبُ حاجبيْه متذكّرًا مديرَها ) كما أنّ مُديرَك السمِج ذاك لا يُمكِنُ احتماله .................... ( وشتَمَ مُكملاً ) قطيعة !!
كانت تُريدُ أن تضحَك وهي ترى غيرتَهُ تتأججُ مع كلّ كلمةٍ يقولُها خاصّة وهو يتطرّقُ لموضوعٍ لا علاقةَ له بالموضوعِ الرئيسي الذي كانا يتناقشان حوْله لكنّها أخيرًا قرّرَتْ أنْ تدفّئ الأجواء بمهاتَرةٍ خفيفةٍ ستنتهي بالطبع كما تخطِّطُ لها ...
- حرامٌ عليْك ... إنه شابٌ طموح ... مكتبُه الهندسيّ يحتلّ شهرةً جيدة ... كما أنه لبِقٌ في التعامُل مع مرؤوسيه ... يكفي أنّه يُقدِّرُ ظُروفي جيّدًا ويفوّتُ لي تأخيرًا واحدًا في الأسبوع ...
أخذت تضحَكُ أخيرًا وهي ترى امتقاعَ وجهِهِ يتزايدُ مع كل كلمةٍ قالتْها .. ليهتِفَ فيها أخيرًا بنزَق ..
- واللهِ !! صار محمودًا لديكِ الآن .... أنظري إليّ ( وحدّقَ بها بعينٍ لاذعة ) لا عمَل إذن بعد اليوْم ... وهذا أمرٌ نهائي ..
والتفت صوْبَ التلفاز يتابِع الفيلمَ ملاحِظًا من زاويةِ عينه انكماشَ وجهها في محاولةٍ لمناقشتِه في قرارِه التعسفيّ ... ليقول بحسْمٍ مباغتًا إياها دون أن ينظُرَ إليْها ...

- ولا كلمة ... قُضِيَ الأمرُ الذي فيه تستفتيان !!

*

أخيرًا إنها عُطلةُ نهايةِ الأسبوع .. استيقَظَتْ صباحًا لتَجِدَ نفسَها وحيدةً في السرير .. تساءَلَتْ سرًا عن الوقتِ فكان نظرُها يحطّ على ساعة الحائط تلقائيًا ليجيبَها بأنّها لم تتجاوزِ السابعةَ صباحًا ... أتُراهُم خرَجوا معًا في " طلعةِ البابا " دون أن يودّعوها حتى !
ثوانٍ كانت هي الفاصِل بيْنَ الشكِ واليقينِ عندما دخلَ الصغيرانِ بحيويّةٍ كبيرةٍ ليقفِزا على السرير بجانبِها ويهلّا عليْها بوابلٍ من القـُبَلِ الصباحيّةِ قبْل أن يدُسّا نفسيْهما تحتَ اللّحافِ ليبدآ بعدَ ذلكَ الزّنّ على غيرِ العادةِ عليْها لتخرُجَ معهُم في مشوارِهم ... شعرت برغبةٍ شديدةٍ لتخرج معهم ولتعاينَ رأي العيْن ما يفعلونه معًا لا أن تسمع منهم كل شيءٍ بالتفصيلِ عندما يعودون وحسب .... لكنّها خشيَتْ أن توافِق فلا يُرَحّب آدم بعد الأيامِ التي قضياها متباعدان قليلاً بسبب فوْرتِه الأخيرة بقدومِها .... وبمكرٍ كانت تسألُ طفليْها بصوتٍ منخفضٍ خشية أن يأتي زوْجها على حينِ غرّة ...
- هل تظنّان أنّ والدَكما سيرحِّب بالفكرة !؟
وهنا كانت إيف تخبِرُ والدتَها برأسٍ تُشعُ منه النباهة ...
- بابا هوَ من أخبرنا أن ندعوكِ لمرافقتِنا ...

*

ركبوا جميعًا في السيارةِ الأنيقةِ وتأكدت من وضعِ الجميع حزامَ الأمان .. بينما سؤالٌ غريبٌ ظلّ يلحّ عليها لكي تجِد له إجابةً ... لمَ أصرّ عليها آدم لكي تعيد أغلبَ المستلزمات !
بدايةُ الطريقِ كانت ممتِعةً لها ولآدم وهما يسمعانِ تعليقاتِ إيف وسيف الطريفة حول أمورٍ متفرّقة لتفاجأ أخيرًا بأنّه يسيرُ في طريقٍ يؤدي إلى بيتِ ....... إلى بيتِ شادن وبتساؤلٍ كبيرٍ كانت تقول لآدم ..
- آدم إنّه طريقُ بيتِ شادن ....
لتسمعَ ضحكةً من الجميعِ عرَفتْ على إثرِها أنها وقعتْ في شَرَكٍ نصبوهُ لها منذ البداية ... ليقولَ آدم بعدَ ذلك وهو يغمزُها بتلاعـبٍ ..
- الأولادُ يرغبون بـقَضاء العُطلةِ عند نور وعليّ كما أنهما اشتاقا كثيرًا لرؤيةِ محمد الصغير ...
وهنا فغرت فمها اعتراضًا وهي تقول ...
- هكذا إذن !
ليبدأ بتحريكِ رأسِه وهو يرفع يديه عن المِقوَدِ للحظاتٍ أعلَنَ بها استسلامَه مدعيًا الخوف مُلقيًا ما فعله على كاهل الصغيريْن ...
- هما مَنْ خطّطا للأمر ............. ( ولكي لا يكون كاذبًا أمام ابنيْه أرجَعَ نظره إليهِما مكملاً ) و قليلاً أنا ...
ليَضحَكَ الكُلّ بعدَ ذلك بما فيهِم أندَلُس ....
سُرعانَ ما وَصلوا إلى بيتِ شادن لينزِل الصغيرانِ بخفةٍ وفرحةٍ غامرةٍ برفقةِ آدم متوجهين صوْب البيت ليستَقبِلَهم أوْس عند الباب .... سلّم عليْه آدَم مُمتَنّا ليقولَ بعد ذلكَ للصغار وهو يهمّ بالعودة إلى السيارة ..
- لن أسمع كلمةً هكذا أو هكذا من عمكم أوس .. أليس كذلك ، كونا مهذّبيْن .. اتّفقْنا !؟
ردّ عليه الصغيران بحماسةٍ وهما يدخلان المنزِل ( اتفقنا )
وقبلَ أن يركَبَ السيّارةَ كان أوس يقول على عَجَل لكي يدخل بسرعةٍ إلى الداخل وقد صار البرْدُ شديدًا ...
- على وعدِنا ... حسنًا !

أندَلُس التي كانَ المشْهدُ طبيعيّا لها باستثناء كلمةِ " على وعدِنا " .. التي قالَها زوج أختها نظرتْ لآدم بتفكيرٍ وهي تسألُه ...
- أيّ وعدٍ ذاك الذي بينكما !؟
أخذ يتهرّبُ من الإجابةِ ليقول أخيرًا بتلعثُمٍ شديدٍ ...
- ... مسألةٌ عالقةٌ بين رجُليْن ...
استغـرَبَت أكثر ... مسألة عالقة وبين هذين الصاحبيْن " على العظم " ... هناك أمرٌ ما خطـأ ...
- آدم باللهِ عليْكَ .. قل لي .. ماذا بينَكما !
- اووه أندلس ... لا تكوني زنانةً هكذا ..
حسنًا ... لن تسألَه عن " وعدهِ " ذاك ... ولكن .. صغيريْها ، سيزعجان أختها في العطلةِ وهي التي تكادُ تجنّ من ضراوةِ صوْتِ ابنِها الصغير الذي سيُكمِلُ العامَيْنِ بعد أيّامٍ ومن عنفوان نور المبكّر وكذا شقاوة عليّ .. ليأتي طفلاها ويُكمِلاها فوْقَ رأسِها ... قالت أخيرًا وهي تحاوِلُ جَعْلَ كلامِها استفسارًا ...
- ألَنْ نشُقّ عليْهم بطفليْنا في نهاية الأسبوع ... ؟
أخذ آدمُ يتأفف بشدةٍ وهي تعود لتكرر ذات النُقطة ... قال بتسامحٍ أخيرًا لينهيَ المسألة وتبدأ رحلتُهُما الشخصيّة بعيدًا عن همومِ الأبوة والأمومة ...
- لا تخافي ... ( وأخذ وجهه يتبدّلُ قليلاً ليضحَكَ رُغمًا عنه وهو يسرّ لها بأمرٍ ما ) أوْس لا يفعل شيئًا إلا ويكون ضمنَ حِساباتٍ دقيقة ...
- كيْف ... ؟؟
ردّ عليْها بترددٍ وهو يخشى أن تغضَبَ نظرًا لما سيقولُه الآن ...
- ألا ترغبين بمعرفةِ الوعدِ الذي بيننا ؟ حسنًا ... في الأسبوع القادم سيكون أبناء أوس في ضيافتِنا ...
أرادت أن تصيحَ فيه من جنونِ الفكرة .. هذان الرجلان !!!!!!!!!!.. يا الله .... لكنّها عندما فكّرتْ بالطريقةِ التي خطّطَ فيها زوجَها وزوج أختِها بتـلك الدقةِ أخذت تُقهْقِهُ بمرحٍ غير مُصدّقةٍ للأجنداتِ التي تُحْبَكُ من ورائها وأختِها تحت الطاولة ....

- امممم .. قلتَ ليييي ( وأكملت بدلالٍ وهي تُسبِلُ رموشَها بغنَج ) حسنًا وماذا سنَفْعَلُ الآن ؟
يا لها من ماكرة .. تستطيعُ بحرَكةٍ واحدةٍ إثارتَه .. وبذا كان يضَعُ يدَه على قلْبِه وهو ينظُرُ إليْها بذوَبانٍ ليقولَ بفقدان سيطرةٍ ( يا إمي !! ) ليأخذَ يدها القريبةَ منهُ بعد ذلك بحركةٍ تعلّمها منها ويضعها عند قلبِه بتلقائيةٍ مُبعِدًا يده التي كانت مستقرّة بمكان يدِ أندلس الآن وهو يقول بخبثٍ ...
- كلّ خيرٍ ... سنفعلُ كلّ خيرٍ ....
ضحِكتْ من قلبِها قبل أن تتذكّر أنه يقودُ السيّارة ... وبسرعةٍ قالت وهي تُزيحُ يدَها عن صدرِه العريضِ ..
- انتبِه ... الشوارِعُ زَلِقة ...

عضّ شفّتَهُ وهو يقولُ بهُيامٍ بينما أدار المذياعَ لتصدَح كلماتُ أغنيتِهما الأثيرة كما كان مُخطِّطًا ...
- وكأنني أهتمّ .... ( ليكمِلَ وهو يرفَعُ حاجبيْهِ بمراوغة ) معًا إلى الموْت ...
ابتسمت بحبٍ وهي تـَرى فيه حاضِرَها ومُـستَقبَلها ... لتَسمَعَه وهو يقولُ لها بموضوعيّة بعد هنيْهةِ صَمْتٍ ...
- لا أدري إن كان يجبُ عليّ أن أقول ذلك الآن أم لا ... لكنني أعتذرُ عن الطريقةِ التي اضطررتُك فيها لتركِ العَمل ..
وَضعتْ يدَها فوقَ يدِه المستقرّةِ على مُبدِّلِ السُّرعات لتقولَ بطمأنة ...
- لا عليْك ... كنتُ سأقولُ لكَ أنني استَقَلتُ من العمَل في ذلك اليومِ بعد أنْ ذهبت متأخّرةً إلى المكتب وقد أصرّت علي المعلّمةُ لكي أذهبَ حالاً إلى الروْضة ... وقتَها قامَ المديرُ بـ " بَرْشي " حرفيّا .. وتدري كيف تفورُ أعصابي ... كتبتُ استقالتي ومشى الحال !

لم تكُن لتصدّق الطريقةَ التي ارتسمت بها الراحةُ على وجهِه ليقول بعتابٍ ..
- ولمَ ترَكتِـني أموتُ وأنا أتخيّل أنني جرَحتُكِ بأمري ذاك ؟ يا قاسية ...
شهقتْ رفضًا ...
- أنا قاسية ! كنتُ سأخبِرُكَ لوْلا أنني ... أحببتُ أن أرى غيرَتَك عليّ ، فقد افتقدتُها جدًا ...

ذاب صوتُه إغواءً وهو يقول بعدَ نظرةٍ وقحةٍ ذاتِ معنى ردّا عليها ...
- حسنًا لنْ ترينها وفقط ... بل ستشعُرين بها ... وستلمسينَها بيدَيكِ هاتيْن ..
همستْ وهي تُحدّقُ به بعينيْنِ تائهتين ..
- كيْف .... ؟
أجابَ بشقاوة ...
- ستعرفين اليوْم ...
هتفتْ بسأم ...
- اوه آدم ... قل لي الآن ... لن أستطيع الصبرَ إلى أن تحنّ عليّ وتخبرَني .. !
أجابَها بسُؤالٍ خطَرَ في بالِه فجأة ...
- أيُهما تُفضّلين ... رحلةٌ إلى المَصيَف أم نهارٌ نقضيه تسكّعًا في المدينة ؟
الفكرتان بدتا لها كاملتيْن .. لكنّها ذهبت مؤخرًا قبل شهرٍ تقريبًا في رحلةٍ إلى المصيف معه ومع الصغار .. ولذا كانت الفكرةُ الأخرى أكثرَ استفزازًا لتجرّبها ... قالت دون تفكيرٍ ...
- طبعًا نهارٌ نقضيه تسكعًا في المدينة ... خاصةً إن أكلنا البوظـة و ...
خيْبـةٌ كانت تدوّي في عينيْه وهو يرى تصوّرَها عما سيَفعلانه .. نأكُل البوظة ! هذا ما خرجتِ به بعد كل هذه المقدّمات ....
- أندا ... لقد باتَتْ أفكارُك مستَهلَكة ... فكّري قليلاً .. السماء مُمطِرة ... ونحنُ معًا " وحدنا " والجوّ باااااارِد .. ألا يوحي ذلك بشيءٍ إليْكِ !!
بتحاذقٍ قالت وهي تحاوِلُ أن لا تُظهِرَ له أنها لم تفهَم شيئًا من كلامِه ...
- لا ... لا يوحي ذلك بشيءٍ إليّ ... قل لي أنتْ .. بماذا أوْحى إليكَ ذلك ؟
ليتَحرّك ميمِّمًا صوْبَ مكانٍ ما ... ويجيبَها بالتالي عن سؤالِها وقدْ التمعت تلك الشرارةُ في ذهنه ....
---

تنهّدَ أخيرًا بعِمقٍ وبَرقُ الحب يُشعُّ من عينيْه كشرَرٍ بينما ينظرُ لعينيْها الملتهبتيْن تحتَ نارِ العشق التي أجّجتْها تلك القبلة ؛ مستذكِرًا يوْمَ كان جالِسًا على إحدى هذه المقاعِد الخشبيّة المصطفةِ على هذا الرصيفِ بإيقاعٍ رتيبٍ وقد نظَر إلى الشارِعِ القديم ليبدوَ له الآن أجمل وهو يحفَلُ بقطَراتِ المَطرِ ... وبحبيبتِهِ ... مُبَرْهنًا له أنه كان قادِرًا على الظّفَرِ بالتحدي ... مقسِمًا له أنه حققَ وعْدَهُ الذي قطَعَه له أخيرًا وعاد معها مجددًا إلى هذا المكان ... ولكن هذه المرّة ........ ولو بعد أعوامٍ ... " تحت مسمّى آخر " .. أخيرًا قالَ بصوتٍ نَفَرَت عروقُه نَصْرًا ...
- وَجَدتُها .... وجدتُها أخيرًا .. ألمْ أقُل لكَ يوْمًا !!
لتهمِسَ بعشقٍ تساؤلاً وهي تدير وجهه الذي كان مستقرًا على الشارِع ناحيتَها ..
- ما الذي وَجَدتَه ؟
ليقولَ مُحاوِلاً إفهامَها سرّ ما يمُرُّ به وهو يتذكّر الآن كلّ شيءٍ مضى على صعوبتِه وكأنه صار بالأمسِ ...



- سعادتي ..

***

تمّتْ ...
سبحانك اللهم وبحمدِك ... أشهَدُ أن لا إلهَ إلا أنتْ ... أستغفِرُكَ وأتوبُ إليك ...

بيشو..~ ©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©

رواية جدا رائعة ومشوقة
احسنتي ألاختيار
وشكراَ على النقل

priscila ©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©

المشاركة الأساسية كتبها بيشو..~ اقتباس :
رواية جدا رائعة ومشوقة
احسنتي ألاختيار
وشكراَ على النقل
العفوو .. اذا بغيتيها تحميل
انا حطيتها في المجلس

دلوعه ودمعتها ممنوعه ©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©

رووووووووووووووعه روووووووووووووووعه تسلم يدك اسلووب مشوووق وحلووو

عاشقة ياسمين ©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©

رواية رائعه جدا جدا

تسلم ايدك حبيبتي ووفقك الله

اسطورة كاتب ©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©

¤»((¯❤¯))«¤•

http://forums.graaam.com/611477.html

\\

http://forums.graaam.com/611477.html

استيقظت في إحدى الكوابيس اللعينه أتٌْخبّطِ هنا وهناك؟ !
فقصتي لاتقل ألما عن طعن السكاكين..بل أرحم؟!
فقط أتصنع القوه بينما جوفي تخترقه مئات الآهات؟!
تعصف به الألام وتجعله مرميا ع رصيف جهنم؟
ذهني أصبح صراع بين أفكاري، معركه من سينتصر بينهم.. ؟!
مهلا لقد إنتصر،الحقد، وكيف لا؟!
فقد كرست أيامي لهذا؟
جعلت كل يوم يمر علي سببا لهذا؟!
لم أتناسى ولو لوهله من السبب في عذابنا؟ أنا وأختى؟
الألم يصنع المعجزات؟
لم أستطعت يوم إخراج الدموع المكبوته؟
تراكمت لكي تصنع إنسان
بداخلي لايهاب أحد،صنعت مني شيطان يعصف بالجميع، صنعت مني ..،اللاشي،.
http://forums.graaam.com/611477.html





\\



¤»((¯❤¯))«¤•

http://forums.graaam.com/611477.html









اضغط على الصورة لرؤيتها بحجمها الطبيعي







كًٌَِـن مــ تكن ـن فـ ـأنـ لا أرى أحد ـا

أدوات الموضوع
طريقة العرض

موقع غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات
جميع الحقوق محفوظة منتديات غرام
iTraidnt by ROMYO
جميع الحقوق محفوظة منتديات غرام
iTraidnt by ROMYO

SEO by vBSEO 3.6.1