غرام
اكتب بريدك ثم اضغط على اشتراك ليصلك جديد غرام
بحث مخصص من محرك البحث العالمي قوقل للبحث في غرام
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 1
قديم(ـة) 03-03-2013, 06:07 PM
صورة priscila الرمزية
priscila priscila غير متصل
©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©
 
الافتراضي صفعتني بالورد / للكاتبة : raghad165 , كاملة


مرحبا .. الرواية حصرية .. بس انا كلمت الكاتبة وسمحت بنقلها ..

قسمي الأغلى و صديقاتي الأروع ... و الأكثر قرباً على الإطلاق ..

المقدمات بطبيعة الحال .. صعبة جداً ، لذا لن أطيل مقدمتي كثيراً ...

هذه هي " صفعتني بالورد " تخرج إليكم من عمق دفاتري التي لم تبصر أياً من محتوياتها النور بعد ..

أتمنى من كل قلبي .. أن تصل إلى ذائقتكم ، أن تمنحكم أملاً .. والأهم أن تستطيع إيصال الرسالة

التي وجدت من أجلها ........


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 2
قديم(ـة) 03-03-2013, 06:08 PM
صورة priscila الرمزية
priscila priscila غير متصل
©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©
 
الافتراضي رد: صفعتني بالورد / للكاتبة : raghad165


المقدمة


تتـبّعتْ على جانب الرصيف خطاً صغيراً نما .. كان خطّا أخضر اللوْن ، خمّنتْ أنها الفيوناريا ... بدت لها عادية القوام ، بيْـد أنها كانت تتعجبُ سراً من سحر هذه الخضراء الصغيرة ، فهذه الخضراءُ لا تبدي سر جمالها للعابر .. فقط يعرف سرّها من يُـقحم عينيْه متطفلاً إلى عالمِها الترابيّ .، ليَستيْــقِن مدى الصبر الذي تبذله تلك الصغيرة لكي تبصرَ وريْقاتُها النورَ ناميةً على السطحِ بعدَ ليلةٍ ممطرة ،.. كانت الأرض لا تزال مبتلة ،. والسماء كذلك ظلت تتوشحُ بالغيوم ... أشعرها كل ذلك بالبردِ فأحكمتْ قبضتها حول كأس الشاي الورقي .. مستمدة منه بعض الدفء .

جلس على إحدى المقاعدِ الخشبية .. التي انتظمتْ فوق الرصيفِ بإيقاعٍ رتيب ، انشغل قليلاً بمكالمةٍ هاتفية أجراها مع صديقه، والذي أخبره فيها بأن مقابلته القادمة ستكون مع أستاذٍ جامعي ، كان هذا الأخير بدوره قد أنجز انجازاً علمياً يستحق التقدير .. على أية حال لا يشعر آدم أبداً بأن أحداً سيقرأ مقالاً ينشر له بالصفحة قبل الأخيرة في صحيفة يومية.. ما زادَ الوضعَ سوءاً أنّ فحوى المقال سيكون عن إنجاز علمي .. بحق الله ومن يهتم ! .. بالطبع هو ليس يحمّل أحداً وِزر عدم اكتراثه بمقالاته... فهو لو كان القارئ لما كان سيطالع مقالاتٍ من هذا النوع بغض النظر عن غناها الأدبيّ ،. ربما صفحة السودوكو تبدو له أكثر إغراءً كما بالنسبة للكثيرين ... كان هذا جزءًا يسيراً مما يشغل باله ... الجزء الآخر منه ما كان ليفوّت على نفسه متعة التحديق بهيئة المارّة ،. كلٌ منشغلٌ بما هو فيه !

لمح من بعيد طيف فتاة يطل من أقصى الدرب .. لم تكن تمشي على الرصيف بل أبعد بقليل عن حافته و أبعد كذلك عن مقعده بمسافةٍ قدرها بـالخمسين متراً.. متأكدٌ أنها تنظر لشيء ما .. ليستْ تُخفض بصرها خجلاً ،... هيئتُها لا توحي بذلك .. ربما تنظر لشيءٍ ما على حافة الرصيف .. من يعرف! كانت ترتدي حِجاباً مزركَشًا عُقِد على رأسِها بطريقة بريئة .. إنما أخاذة .، وفستانـًا ثقيلاً اكتسى لوناً راقياً يميل إلى البني .. بأكمامٍ منتفِخة ،. مِشيَتُها العملية تدل على أنها لا ترتدي كعباً عالياً ...... أخبرته هيئتُها كذلك بأنها ليست من النوْع الذي يحتفظ في مخبئه بقليل من النقود ،. خمّن أنها تحمل في حقيبتها الكبيرة - على الأقل - ضِعف ما يكتنِز في جيبه ، أخيراً استقر نظره على كأس الشاي الورقي الذي ظلت تحملق فيه وهي تشرب منه مرتشفةً آخر رمق فيه بينما شارفت خطواتها على الاقتراب من مقعده ... غير عابئة بالشيء القادم نحوها مسرعاً كالحتف ! كانت حافلة تقل مجموعة من الطلاب ، تقترب مسرعة وهي لا تزال تنظر داخل الكوب ، ذرع المسافة بينهما بلمح البصر ، وسمحَ ليده أنْ تمتد لتلامِسَ كتفها .. هدر عالياً : ابتعدي!! ، أحس إجفالَها .. فازدادت قبضة يده حول كتفها قوة .. فكان ذلك كفيلاً بإبعادها وبإيقاعها أرضاً ،. مدّ إليها يداً أخرى ليساعدها على النهوض بعد أن مرت الحافلة بسلام . فرفضَتْ أن تمدّ إليه يدها بدوْرِها، قطبتْ حاجبيها .. وتلاشى سريعاً ذاك السؤال الذي قفز إلى ذهنه عندما لاحظ احمرار وجهها الشديد ..، لوى فَمَه بابتسامةٍ جانبية ثم قال بهدوء : انتبهي في المراتِ القادمة ... قامتْ وقبلَ أنْ تدير ظهرها له منحته ابتسامة عذبة تعبيراً عن امتنانها .. ولم تنبس بكلمةٍ واحدة !
ابتسمتْ عينيه راضياً بنظرة امتنانٍ حظيَ بِها ، أو بالأحرى لم تكن عينيه لتقوى سوى على الابتسام بعد أن رأت لتوّها جرعة فائضة من الجمال .... ابتعدت وأخذ طيفُها يتقـزّم أمام ناظريـْه ، بقي متسمراً في مكانه ، ورفع يده ليحوّطها الهواءُ من كل جانب ... ، ثم كما لو أنه أمسك شيئاً يتأرجح كالزئبق بين يديه حرك أصابعه إلى الداخل مطبقاً راحتَهُ عليهِ جيداً بسرعة ، أسبل جفنيه ببـطءٍ ثم همس بخفة : وجدتها !


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 3
قديم(ـة) 03-03-2013, 06:11 PM
صورة priscila الرمزية
priscila priscila غير متصل
©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©
 
الافتراضي رد: صفعتني بالورد / للكاتبة : raghad165


الفصل الأول ..

الجزء -1-..ليلى
أغلق الشاب أزرار قميصه متعدياً عن أول زرين .. التقط زجاجة عطره و رشّ منها رشتين .. سرّح شعره الذي يصل إلى أسفل أذنه بقليل .. أدار ظهره وهمّ بالانطلاق .. مشى خطوتين ثم عاد بعد ذلك مجدداً للمرآة ليلقي على نفسه نظرة أخيرة .. غمزها غمزة بعينه اليسرى ألحقها بابتسامةٍ لعوبةٍ امتدح بها شبابه البارق ! أغلق باب غرفته ثم ذهب إلى المطبخ .. حيث كانت والدته تعدّ الإفطار .. منحها ابتسامة منعشة قبل أن يحييها على طريقته .. أخذ يدندن بـ :

أمي تلون عمري ...

قاطعته والدته بقولها : " صباحٌ سعيدٌ .. بُنـَيّ " ... أخذت تدعو له من كل قلبها .. فقبّل مقدمة رأسها ثم علا صوته فجأة وهو يقول : أخبري النائم أنه فوّت على نفسه الفرصة .. !
ضحكت السيدة مروه بملء الفمّ وأخذت تحرك رأسها نافية .. قبل أن تقول : مخطئ ! لقد استيقظ باكراً وهو على ما أعتقد أتم استعداداتِه .. أخفضت صوتها وهي توشوشه : المسكين يظن أن الفتيات ينتظرن إطلالته بفارغ الصبر .. ضحك آدم ساخراً من أخيه .. فعضّت أمه على شِفتها وهي تراه يدخل خلسة إلى المطبخ ، تنحنح آدم رداً على وكزة وكزها إياه أخوه بكوعه .. قائلاً وهو يربّت على كتفه بحزم : لـَيونْي ... أمستعدٌ لمغامرة جديدة ؟ قال الفتى رادّاً وقد وقف وِقفة عسكرية : مـُـسـتــَعــِدّ ! .... أردَف بعدها قائلاً : لكن آدم لا تناديني بلَـيوني في الجامعة .. اسمي أسد ! ،، هز الأخير رأسه مستنكراً سذاجة أخيه .. أيعقل بأن يناديه ليون أمام الناس ! لكنه قال نهايةً : على عيْني ..

ركن آدم سيارته المازدا السوداء الجديدة وترجل منها هو وأخوه ... وقبل أن يفترقا أخبره أنه ما أن ينهيَ عمله سيهاتفه ليعودا معاً .. كان قد اتفق كذلك مسبقاً مع الأستاذ أن يُجرِيَ معه اللقاءَ فور انتهائِه من محاضرته الأولى ، لكنّ الأستاذ كان غريباً حين دعاه لحضور محاضرته لسبب لم يعرف آدم مغزاه .. كعادته خجل أنْ يرفض الدعوة فكان على الموعِد تماماً ،

تدافُعُ الطلاب كان شديداً عند مدخل القاعة فآثر أن يبقى خارجاً إلى أن يدخل الأستاذُ ليميّزه من بين الطلاب ، وبالفعل بعد حوالي الخمس عشرة دقيقة طرقَ على الباب بخفة ثم فتحه بهدوء .. قطّب الأستاذ هادراً : كم من الوقت تأخرت ؟... أكمل آدم بمسرحيّة وقد فهم أنّ الأستاذَ لم يعرِفْهُ قائلاً : أربع دقائق سيدي .. مدّ بعد ذلك يده إلى جيبه وأخرج بطاقة عمله مرفِقاً ذلك بابتسامة متفهمة !

انفجر الطلاب ضحكاً وقد بدت نظرات الإعجاب جليّة في أعينهم وهم يرمقون ضيفهم الوسيم حتى الأستاذ ضحك بدوْره .. أخيراً تكلم معتذراً : حياك الله تفضل يا بنيّ ... قالها ثم التفت إلى الطلاب معرِّفاً الضيف : السيد آدم حَشكي . صُحُفيّ في جريدة البلد ... مرحباً بكَ مجدداً !
أومأ آدم برأسه قائلاً بتهذيب : شكراً لك .. ثم جلس على المقعد الوحيد الشاغر .. مقابل الأستاذ مباشرةً .. يبدو فعلاً أن الأستاذ مهيبٌ كما سمعْ ،،.. تابع الأخير محاضرته بانسيابية .. مبتدئاً بأخذ أسماء الحضور والغياب ،.. كل الأسماءِ كانت تتشابه سوى اسمين .. إحداهما كان غربـيّاً بامتياز أما الآخر فأثار شيئاً شامخاً ومؤلماً في نفسه .. كما يثير مرورهُ على ذاكرة الأمة شجناً وحنيناً .. لم يتمالك نفسه فالتفت لا إرادياً ليرى حاملة الاسم والتي أجابت بـ " نعم " بكل هدوء ..

لوَهلة عادت به ذاكرته إلى الفتاة ذات الفستان البنيّ .. ظلّ هائماً في أفكاره إلى أن انتهى الأستاذ من شرح الدرس ، استأذن منه أن يؤجل اللقاء نصف ساعةٍ إلى ساعة .. فلم تُبدِ نبرته امتعاضاً واضحاً بينما نجح آدم بقراءة نزقه الواضح من عينيه ...

كما كان تدافع الطلاب شديداً عند الدخول كان كذلك عند الخروج ، الاختلاف أنه خاضه هذه المرة ، لمحها تنزوي بنفسها اتقاء الاصطدام بأحد الطلبة .. تحمل في يدها اليمنى حقيبة كبيرة وفي اليد الأخرى استقرت بعض الأوراق وكتاب صغير ، الآن عرف لمَ دعاه الأستاذ لحضور المحاضرة .. لم يكن سوى موعد مع القدر ،.. تعجب بشدة لكن عنفوانه لم يسمح له بأن يبديَ شطر انفعال .. خاصة وأنّ نظرات الفتيات لم تخفَ عليه وهي تلاحقه أنّى أدار وجهه ، ليس من الجميل أن يبدوَ منفعلاً لرؤية إحداهنّ .. لوى فمه بنصف ابتسامة وكأنما يسخرُ من قدرٍ شاءَ لهُ أن يلتقيَ بها مرة أخرى .. وكأن لقاءً واحداً لم يكفِه لكي يتشبعَ ملامحها قاهرةَ الحُسْنٍ ! مرّ من جنبها فلمْ تلتفت إليه .. خبرتُه تقول بأنها من النوعِ الصعب ، أو على الأقل ليس من السهل لفتُ انتباهها ! لاحظ كحلاً ( امممم .. لا ) قال في سرّه متفحصاً .. ( ربما آي لاينر ) ، تابع ( اوووه آدم فليكن ما يكن ! ) زرقةُ عينيها الضاربة إلى الرماديّ .. ذكرته بشيء واحد .............. " لــيــلى " فتاة أحلامه .. والتي عاش مراهقته حياً على أمل ظهورها ظانّـاً بأنه سينجح بأن يكون قيْسها ذات يوم !
قال سريعاً : من هنا أبدأ ..

فور خروجه من المبنى تابعها من بعيد، لا شيء ضمن له رؤيتها مجدداً إن فعل ما أملاه عليه جانبهُ الشقيُّ بإلحاحٍ ... لكنه جازفَ كما يفعل عادة ! أمسك ورقة وقلماً .. ، أنهى ما يريد قوله باختصار .. طوى الورقة بعناية ، وكل ذلك لم يستغرق معه أكثر من ثلاث إلى أربع دقائق .. مشيتها الهوينى منحته الفرصة لكي يعاود لحاقها من جديد ، مشى قليلاً ثم توقف .. كانت قد جلست أخيراً تحت شجرةِ صنوبر كبيرةٍ حيث استقر مقعد خشبيّ قديم الطراز .. توارى خلف شجرة هو الآخر , لكنه جلس بدوره على الأرضِ التي اكتست لوناً أخضراً باهتاً .. نتيجة نمو بعض الحشائش الصغيرة ، قريباً منه أيضاً جلس طالبان .. سمعُهُ كان قد أرخِيَ بالفعل .، فلم يكن صعباً عليه سماع حديثهما ! بعد فترة ليست بالطويلة بدأ آدم يلعن سراً اضطراره للبقاء ليسمع حديثاً تافهاً كالذي سمعه ،.. فأولئك التافهانِ كانا ممن يطلق عليهم شعبياً مصطلح " الدواوين " .. تحفّز عندما سمع أحدهما يقول : أنظر جيداً لهذه الـ........ تجلس وحيدة وتقرأ، تريد أن توصل إليك أنها مثقفة!! وأكمل بشتيمة ساخطاً ... رد الآخر عليه ضاحكاً بـسفـه : دعها يا رجل ! دعها تستغل وقتها كما نفعل نحن .. ستقوم بعد حوالي العشرين دقيقة .. وهو وقت يجب عليها استغلاله .. ثم ستعود إلى نفس المكان بعد ساعة أو يزيد ... لتنتظر محاضرتها الثالثة ..... أذلق أخيراً لسانه قائلاً : وتستمر الحياة ،... !

عينه التي لم تغادرها لمحتها تأخذ أغراضها وتعاود السير .. كان قد عرف الخطوة التالية ، حسناً هو يدين بشكر لذاكيْن الشابين .. عاد إلى سيارته ، وهاتَف أخيه أسد .. الذي كان يتسكع بدوره ، أسد لم ينجح في الثانوية العامة .. لكنّ الجيد فيه طموحه أو لنقل إصرار والدته على أن يتجاوز تلك العتبة ! فهو لم ينفك عن المحاولة بإلحاح منها أبداً منذ عام ونصف ، يجزم آدم أنّ أخاه سينجح هذا العام بمشيئة الله ... كان قد وعده منذ زمن بزيارة إلى الجامعة وأتت على رِجلها ! هدفه من اصطحاب أخيه كان شحذ همته .. جاءه صوته من بعيد .. : هاي مان ! ضحك آدم بشدة قبل أن يقول بخفوتٍ وقد تبدلت نبرته : يبدو أنك تقف مع غرباء " فتيات " بالتحديد ..
أجابه أخوه أخيراً بمرح : يس مان !.. بسط آدم سريعاً سطوته على أخيه هذه المرة آمراً بحزم : اسمها نعم .. وليس يَس ! معك عشرة دقائق لتكون أمامي .. بعدها سآتي بنفسي لأنشلك من شعرك .. تغيرت نبرة أسد وقد خفت نجمه : حاضر أخي .. لا تغضب فقط !

خلال العشرة دقائق عاد آدم إلى حيث كانت تجلس .. ثبت رسالته المطوية بحجر صغير .. ووضعها في مكان لن يكون من الصعب على أي ثاقبة نظر أن تجدها فيه ، عاد بعد ذلك سريعاً إلى سيارته ... حيث كان أخوه بانتظاره بالفعل ،.

قال له بصرامة : كم عمرك ؟ أجابه أخوه بعدم فهم : سأصبح في العشرين مطلع الشهر القادم .. !
- "إذن تعرف طريق العودة .. !" قال مشيراً بسبابته نحو أخيه ثم أكمل : لديّ مزيد من العمل .. وأنت .. يكفيك ما نلت من راحة .. من اليوم سأبدأ بمتابعتك .. إن كنتَ حقاً تريد الالتحاق بالجامعة .. كطالبٍ محترمٍ وليس كمتسكعٍ يرافق الفتيات .. هذا آخر ما تمناه والدنا !

لمحها تسير من أمام سيارته مجدداً فاستغرب عودتها السريعة ... قال أخيراً : انتهى الحديث إلى البيت مباشرة ، تذكر أنني سأسأل أمي عن موعد عودتك !
أردف بعدها محاولاً تلطيف الجوّ : باي يا ... مان !

غاب أسد عن ناظريه .. وعاد هو إلى حيث كان يجلس من قبل .. لكنه تفاجئ هذه المرة بأن لديها رفقة !


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 4
قديم(ـة) 03-03-2013, 06:15 PM
صورة priscila الرمزية
priscila priscila غير متصل
©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©
 
الافتراضي رد: صفعتني بالورد / للكاتبة : raghad165


الفصل الأول ..

الجزء -2-.. رسالة من مجهول

تناولت منديلاً ورقيّاً وأخذت تنظف المِقعَد الذي اعتادت الجلوس عليه .. وضعتْ أوراقَـها ، كتاباً كانت تقرأ منه .. وكذلك حقيبتها ثم جلست مُسنِدةً يديها الاثنتين إلى المقعدِ واضعةً إياهما بجانب فخذيها .. أخذتْ نفساً عميقاً قبل أنْ تدخل في نوْبةٍ نادرةٍ من لا شعور ... لمْ تحفَلْ شجرةُ الصنوبرِ بها ! ولمْ تدري لِمَ أحست بأنّها ارتكبتْ صباحاً ذنباً ما كان يجدر بها ارتكابَهُ .. لكنّها بكلّ صدقٍ لمْ تستطِع تذكّرَ أيّ شيءٍ .. هي صلّت الفجرَ وقرأتْ وِِردَها اليوميَّ ! ماذا يكون إذن ؟ ماذا فعلتْ كي تشعر بهذا الانقلاب المفاجئ في حالِها منذ الصباح ؟ أخذت تفكّرْ .. ولمْ تخرج من حديثِ الروحِ ذاكَ إلا بهمومٍ ازدادتْ أقطارُها حوْل رأسِها اتساعًا !

لَمَحَتْ من بعيدٍ ناي ... ناي التي ستصبح اليومَ فرداً من عائلتها برغبةٍ خالصةٍ من أخيها ، فارتدتْ سريعاً قناعَها الذي يظهر جانباً مطمئناً منها .. قناعٌ لا ترتديهِ إلا عندما لا تكون طبيعيّة كما هي اليومِ .. منحتْها ابتسامةً باهتةً عندما بادرتها بالتحية .. فردّت بدورها : وعليكِ السلام .. صباحُ النورٍ ، انفلتْت من صديقتها ضحكةٌ ساخرةٌ وهي تقول : غريبْ ! نحن معاً بعد طولِ غياب ... فلم تملِكْ سوى أن تردّ عليها بذات النبرة : بحق الله ! لا تتكلمي معي بهذه الطريقة وكأنني الشوكة الوحيدة في حياتك ...
- لكن ، لِمَ فعلتي كل ذلك ... ها ؟ كان عليكِ احترامُ قراري ، كما اختيار كلٍّ من والدِك وأخيكِ .. قالت ناي بعتب ! فردت بجفاء :
- لمْ اعترض طريقَكِ أبداً .. ولستُ أشكّكُ بصدقِ عاطفتكِ .. كانت نصيحةً أخوية فقط ! منحتك حرية تقبلها من عدمه .، خلقتي حول نفسكِ هالة من لا شيء ! ... مطّت شفتيها بانفعال قبل أن تسحب نفساً هادئاً .. لتكمل بتعاطف : كلُّ ما قلته قبلاً وسأقوله .. فهو ليس إلا لهدفٍ وحيدٍ ،. وهو أن أوصل إليكِ فكرةَ أنه لا يتطابقُ معكِ أبداً .. ستتعبين من الحياةِ معه .. أنتِ تحتاجين رجلاً لن يكونَهُ سلام أبداً .. لستما حتى متنافريْن لأقولَ بأنكما ستتجاذبان يوماً ، أعرف أخي جيداً .. أكثر ربما مما أعرف تلك الروح القابعة فيّ !

نظرت إليها ناي بحزن عميق .. وقد تفتّق لمعان عينيها بحيرةٍ مُعَذِّبة ! إن كانت صديقتها تُعارض .. فلن تسمَحَ أبداً لنفسها بأن تكون دخيلةً على عائلتها ولو كان لذلك أقسى العواقب .. أشفقتْ عليها الأخرى وناداها صوتٌ من عميقِِ وِجدانِها أخبرها بأنّ فرصةً تمنحُها لناي قد تجدي نفْعاً ! استجابت لذاكَ النداء .. ففركتْ يديها بحماسٍ وهي تقول : سأكونُ سعيدةً إن أعدتِ إليّ أخي ..

ضحكتا معاً أخيراً !!! وعادت الاثنتان إلى سابقِ عهديْهما ... صديقتان رائعتان ! ولكن هذه المرة بوثيقةٍ رسميةٍ .. أكملتا حديثهما ، تارةً تحكي ناي عن أحدِ الأساتِذة .. وتارة أخرى تراها تسخر من طالبة باعت نفسها لطالب تتسلى به أو يتسلى بها ! ظلتا على ذلك الحال .. إلى أن لمَحَ نظرُ ناي الثاقبِ ورقةً مطويّةً بعناية .. موضوعَة قريباً من جذع شجرةِ الصنوبر ، وقد ثُبّتَتْ بحجرٍ صغيرٍ .. جذبَها منظرُ الورقَةِ فقامت إليها والتقطَتها ! فتحتها وأخذت عيناها تفترّ بين يمينها ويسارها ...

انفلتت منها ضحكة عابثة .. جلت على إثرها حنجرتها بنحنحةٍ ورفعت حاجباً ثم قرأت :
آنسة أندلس ...
أنتِ امرأةٌ اسكنَهاْ ربيْ في سماءِ الحُسْنِ ! إنماْ ذاكَ الكحلُ الذيْ تربّعَ علىْ عرشِ جفنيْكِ جعلَ منكِ أميرةً لتلكَ السماءِ ...... لكننيْ لا أحتملُ أنْ يبحِرَ كلُّ المارّةِ فيْ جمالِ عينيْكِ .،

فــَ رِفقاً بـي !


عادت ناي لتطوي الورقة التي ما كانت سوى رسالةً من أحدهم ثم أعطتها لأندلس وهي تقول : ازداد المعجبون واحدًا ! ازدردت ريقها .. ثم قالت بقمّة اللامبالاة وهي تشيحُ بوجهها عنها : هذا ما كان ينقصني ! ابتسمت ناي بسخرية وهي شبهُ متأكدةٍ أنّ حَدْسها سيصيبُ هذه المرة ... يبدو أنه استثنائيّ .. على الأقل هو أكثرُ جرأةً من غيرهِ !!

قالت أخيراً منهيةً حديثهما بعد أن نظرت إلى ساعة يدها : أوه .. لقد تأخرتُ بالفعل ! يجب أن أجهز نفسي جيداً ... فآخِرُ ما أتمناهُ أن تبدوَ إحداهُنَّ أكثرُ أناقةً مني في يومي الخاص ... فما بالك بأن تكون أنتِ !! لن أكون سعيدةً إن سلبتِ مني الأنظارْ ! حرّكت أندلس رأسها كَـرَدٍّ بآليةٍ مضحِكةٍ .. وهي تقول بصوت مستفزّ : لا تحاولي !

قامت ناي وهي تتوعّد صديقتها بإطلالة كاسحة .. وبقيت أندلس تجالس تلك الرسالة التي أتت من مجهول .. فتحتها وأعادت قراءة ما كتب بداخلها عدة مرات .. أعجبها أسلوب الكاتبِ بغض النظر عن هويّته و هدفه ، ركزت جيداً بخطه الذي كان منمّقاً بشدة .. ومزيّنًا بحركاتٍ إعرابيةٍ لمْ ينسَ مِنها واحدة .. كان اسمُها قد كتب إلى يمين الصفحة .... والباقي بالمنتصف .. أما فـ رفقاً بي فقد استقرت في أقصى اليسار ..

أعادت لها أخيراً طيّتها الأولى ، ووضعتها في جيْبٍ صغيرٍ كان بحقيبتها ! وعندما أرادت أن تغلقها لمحت بدهاءٍ مرآةً صغيرةً ستستخدمها للمرة الأولى .. لطالما كانت واثقة من نفسها .. الشيءُ الذي لم يحدّها قبلاً لاستخدام المرآة في الخارج .. التقطتها كما التقطت منديلاً مبللاً مسحت به كُحل عينيها برقّة .. وهي تفكِّر بأنه إن كان جريئاً لدرجةِ أن يرسل إلى أندلس معلّى رسالةً صنّفتها على مضضٍ بالغراميّة وهنا في هذا المكان فلا بد أن يكون مختبئاً في مكان ما ليرى ردّةَ فِعلِها .. تمتمت بمكر : لنمنحهُ أملاً ...

رفعت مرآتَها ونظرت مُطَوّلاً إلى عينيها لتتأكد أنّ شيئاً من الكُحلِ لم يبقَ ! ثم أعادت التقاط أغراضها وأخذت تمشي .. كان بالفعل يراقبها من بعيدٍ .. وعندما قامت ارتفع بصرُهُ ليعاين أنثى تمشي بخُيَلاءِ محاربٍ منتصرٍ ! لم يتوقّع منها شيئاً آخر ... فتاة بارعةُ الجمال واسمها أندلس ... وكميزةٍ إضافيةٍ فإن مجد معلّى يكون والدها ،
ما الذي قد تطلبه فتاةٌ أخرى من هذا العالم ؟ بكل صدقٍ أجاب هامساً : لا شيء .. اللهم حبيباً !

عند هذه الفكرة اعتمل في ذهنه سؤال وحيد .. ترى ما هي الخطوةُ القادمة ؟

---

كانت محاضرتها الأخيرة قد بدأت لتوّها عندما ارتفع رنين هاتفها المحمول .. وعندما نظر إليها الأستاذ بنزق واضحٍ شعرت بالخجل ... استأذنته لترد على الهاتف .. فأومأ لها بحركةٍ من حركاته الغريبة فهمتْ منها أنه يمنحها الإذن ... خرجت سريعا من القاعة وأغلقت خلفها الباب بهدوء .. كان رنين هاتفها قد سكن فأعادت الاتصال بالمتصل ، والذي كان سلام ! توقعت أنه يريد شيئاً ما منها ... كـأغنية ما ليرقص على أنغامها مع خطيبته ، كإهداء منه للعروس ! لطالما كان أخوها عملياً ... جاداً بامتياز ، لم يكن رومانسياً بالمرة وبالتالي لا علم لديه بهذه الطقوس .... لكنها فوجئت بصوته الذي اقترب من أن يكون صراخاً وهو يهزّ وجدانها بحدّة !!

- أندلس ! ما الذي تفعلينه عندك بحق الله !! ألم تخبرك والدتي صباحاً بأن أبي متعب ؟؟
ردت عليه بغير وعي .. وقد توقفت الدماء في عروقها عن الجريان :
- سلام تكلم بسرعة .. ما الذي حدث لوالدي ؟
أجابها بصوت متهدّج : إنه الآن في المشفى ....
وقبل أن ينهي الاتصال .. دوّت منه صاعقة أخرى مفادها : لن أسامحكِ أبداً إن أصابه مكروه !!!

عند هذه الكلمة .. أقفلت الهاتف ، وغادرت من غير استئذان ..أخذت تهرول على غير هدى ..

بدا كل شيءٍ من حولها مظلماً .. بائساً يعبق بالموتِ !! إن كانت قد شعرت صباحاً باللا شعور فهي الآن تتفهم جيداً حدسها الذي كان يريد أن يوصل إليها بطريقة ما أنّ يومها هذا سيكون فارغاً ..... فارغاً من حِسّ مجد معلى ...... مجد الذي ما كان محضَ والدٍ عاديّ قطُّ .. كان معلمها الأول ، والذي ضحّى من أجلها وإخوتَها بأغلى ما يملك .......... عُمُرَهُ !

تتذكر جيداً تلك الفرحة التي كانت تنطلق من عينيه كلما رآها ، حياتها البسيطة الخالية من التعقيدات ، أصالتها .. كيف كان يجبر والدتها الأجنبية على تعلم الطبخ العربيّ لترضيَ ذائقة ابنتها التي ما انفكت تحتمي بظهره كلما همّت بتوبيخها على دلالها المفرط وطلباتها الزائدة عن الحد ... كلُّ لحظة سلامٍ نعمت بها كانت بفضل الله ثم بفضله ..... مع كل هذا لم تلتفت هي صباحاً لنداءات أمها حين أخبرتها بأنه متعب !! ... عند هذه الفكرة توقف سيل ذكرياتها مع والدها عن التدفق .. وبدأت تنبس بكلمة واحدة : أنا السبب !

كل دقيقة كانت تمرّ عليها بإحساس متجدد بالخيانة ...، أندلس التي كانت تودّ دائماً لو أن اليوم يصبح خمساً وعشرين ساعة لكي تنجز فيه أكثر .. تمر عليها الثواني لأول مرة سياطاً تضرب ضميرَها المعذبَ بلا أدنى شفقةٍ ...

ما إنْ وصلت المشفى حتى أخذت دموعها تنذرف بسخاء .. دموعٌ تخيلت والدتها تراها فترمِقُها بعتب .. ولسانُ حالها يقول : أحتاج قوتك الآن ... حتى احتياج والدتها لقوتها لم يكن كفيلاً بتجفيف مآقيها أبداً .. بل على العكس ازداد تدفقها لكنها انسابت حارقة هذه المرة عندما رأت والدها محاطاً بالأجهزة من كل صوب ! لا تستطيع تخفيف الحمل عن أحدهم ... فاحتمال أن يدينها أحدهم بنظراته بسبب إهمالها يقتلها !!

انزوت في مكانٍ قصيٍّ – نوعاً ما – عن الأنظار .. و أخفضت رأسها خجلاً من عارِها .. ورفضاً لأن يرى أحدهم دموعها التي باتت تترك آثاراً واضحة على وجهها للعيان ! اتكأت برأسها على ركبتيها ... فقد أحست به يثقل فجأة ويصعبُ حملُه ... لمْ تسأل أحداً عن حالته الصحية .. فالمكتوب يقرأ عادة من عنوانه ، لكنها اكتفت بإرخاء سمعها علها تسمع صدفةً خبراً ما يفرحها ..... شيء ما في داخلها بدأ يصرخ ؛ أنْ كفي عن جلد ذاتك وافعلي شيئاً .. ازداد الصراخ داخلها بالعلو .. و لم تكن بوضع يسمح لها بسماع أصداء تلك النداءات التي باتت تزعجها حقاً .. مسحت دموعَها بباطنِ كفيْها .. وقامت من فورها ، هزت رأسها لتنفض عنه أفكاراً سلبيةً اجتاحتها فكانت النتائج مخزيةً لتاريخها النفسيّ الناصع .. كيف سمحتْ لنفسها بأنْ تفكّر بتلك الطريقة ؟ .. بحثت بعينيها المبللتين عن أمها ... فألفتها ملتصقة بزجاج الحجرةِ التي تمدد فيها رفيقها بلا حول ولا قوة ... وكأنما تستجدي منه استفاقة مفاجئة تُطمْئِنُ قلبها الذي أخذ يذوب التياعاً إليه ، تحسستْ ظهرها بحنان .... وهمست بأذنها : سيكون بخير.


انتهى الفصل ،

قراءة ممتعة ...


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 5
قديم(ـة) 03-03-2013, 06:22 PM
صورة priscila الرمزية
priscila priscila غير متصل
©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©
 
الافتراضي رد: صفعتني بالورد / للكاتبة : raghad165


الفصل الأول ..

الجزء - 3 - .. حب مخفي
- إهداء إلى واعدة -


هرولت مسرعة هرباً من عاصفة الأحزان التي اجتاحتها ... وأخذت تتساءل رغماً عنها ( لِمَ يمرضُ العمّ مجد .. الآن وفي هذا الوقت ؟ ) .. أطلقت لرجليها العنانَ فأخذت تنزل السلالم درجتين درجتين .. تخيّلت للحظةٍ أن هذا المكان سيكون مأتم حبها الذي لم يثق فيهِ أحد .. حتى أكثر الصديقات إليها قرباً... قطعتِ الأربعةَ طوابق بثوانٍ معدودة .. وتحرر شعرها المربوط بفعل الهواء القارس الذي أخذ يصفعه بقسوة فانساب وراء ظهرها شلالاً من قطع الليل.

لمحها وهو خارج من كافتيريا المشفى .. مرّت سريعاً من أمامه فلم يعرّفها عليه سوى شعرها الهائج والذي يصل إلى منتصف ظهرها بلونه المائل إلى الاسوداد ..

خرجت من بوابة المشفى وأخذت تستنشق جرعات هائلة من الهواء .. وقد هُدّمتْ حصون دفاعاتها بضربةِ قدرٍ واحدة ... أجهشتْ بالبكاء وارتفع نحيبها فبدا كسيمفونية ناي حزين !

تقطع قلبُه الحديديّ لمَرآها على ذاك الحال فاقترب منها ببطء وبخطى مسموعة لكي لا يجفلها اقترابه .

كانت وطأة المطر قد اشتدّت .. فتبلل شعرها والتصقت بضع خصلات منه بجانبي وجهها .. أخيراً قال بخفوت حاول أن لا يجعل منه تذمراً من حركاتها الصبيانية : ناي .. ما الذي تفعلينه هنا ؟ حدّقت به فأخذ اللّوْمُ يتقاذف من عينيها .. لومٌ لم تملك إلا أن تلقيه عليه كتنفيس عن حنقها ..

لن تقول له بكل تأكيد أنها تبكي حباً مخفيّاً يُقتل في كل مرة يحاول فيها الظهور للعيان ! وهي توقن بأنه لم يختبر قبلاً كيف يكون الكلام أحيانًا صعب النطق .. هل سينتظرها واقفاً إلى حين تنميقها للكلام ليخرج كما أرادته قوياً من جوفها ؟!!

إن كان عازماً على الذهاب من حياتها يوماً وبلا رجعة فليقلها الآن ولينتهِ الأمر ! قفزت نظرة الشك قاسية من عينيها فأحسها سهماً غادراً يخترق كيانه الذي بات هشاً اليوم بلا رحمة .. طأطأ رأسه وهو يحاول استجماع قوّته بكل ما أوتِيَ من عزم ثم قال ببطءٍ مُلفِتْ وهو يمعن نظرًا إليها :

اسمعيني جيداً ولتعلمي .. أنّ سلام .... ابن مجد لم يكن يوماً لينقض عهداً قطعه لحبيبته ! ما الذي تغير يا ناي ؟؟ سأقولها بكل وضوح " لا شيء " .... قدَر الله شاء أن يُختبر صبرنا ، فلا تكوني نافدة الصبر !

فتحت عينيها على وسعهما وهي تحاول استيعاب جزءٍ يسير من كلامه ( عهداً قطعه لحبيبته ) ... من !!! أنا ؟؟؟؟؟؟

انتشت سعادة وهي تفكر بأنه نعتها بها أخيراً .. فأشرقت شمس نفسها على الفور .. وكانعكاس لتلك الإشراقة ابتسمت بحبٍّ وصل صداه عنيفاً إلى قلبه فارتعش مرتبكاً وقد أخذ ينظر إليها بعينين هائمتين لأول مرة ... شعر بأنها تحتاج لتلك النظرة فلم يبخل عليها بها ..

قال أخيراً ليرقّّّع زلّة لسانه بتهذيب تكرهه : " تأخر الوقت .. يستحسن أن تعودي الآن ! "

ثوانٍ قليلة وبدت الخيْبةُ جليّة من عينيها .. فهِمَها ، وبلا مقدمات أمسكها من معصمها وجرّها إلى سيارته بعد أن صرف سائقها .. وما إن أدخلها ودخل بدوره حتى أخذ يصفق بكلتا يديه مازحاً وهو يقول بتلقائيةٍ حفظتها كلما تكلم عن والدها : " ألم أخبركِ سابقاً بأنني غسلت يدي من عمي أبو ناي !؟؟ "

ضحكا معاً ... ولم تُظهِر له كم حزّ في نفسها كلامُه ... لا لحديثه عن والدها بتلك الطريقة .. فهي تعرف صداقتهما المتينة وترتاح كثيراً لعلاقتهما ... إنما فقط لأنه لم يفهم بعد بأن والدها كان مطمئنا عليها لأنها معه ... ولأنها مهما تأخرت فهو مِنَ المؤكد سيعيدها بنفسه إلى بيتها سالمة .. ! قطع عليها صمتَها قائلاً بهدوءٍ دون أن يلتفت إليها : إلى أين وصلتِ ؟ ... تمتمت بـ " لا شيء ، كان اليوم متعباً فقط " ..

ظلا صامتين طوال الطريق التي لم تستغرق معه أكثر من ربع ساعة .. ترجلت من سيارته وظل يراقبها إلى أن اطمأن لدخولها منزلها ...

تنفس الصعداء .... فوجودها معه يوتّره ! لا يعرف السبب .. يحبها لكنّ شيئاً ما في عينيها يخبره أنْ توقّف .. لا يشعر بارتياحها المطلق لكونها معه وهذا الشيء يزعجه .. هل من المعقول أنها ما زالت تفكر بأنه سيخذلها .. أو أنه تافهٌ ليرسم عليها ثم يذهب لأخرى .. وكلما حاول كسر الحواجز التي بنتها بنفسها دون عناء بينهما .. يفاجئ بأنها تكون أقوى بكثير مما يتوقع ، .. مع ذلك لا يقدِر سوى أن يحترمها أكثر كلما أبدت تمنّعاً ... الجانب المحافظ منه أحب شقّها الخائف منه بقوة عجيبة ... ما يعرفه جيداً أنه يلهج بحمد الله دوماً لكوْنها غيرَ متطلبةٍ لشحناتٍ رومانسية قد تصدرُ منهُ زيفاً إن أظهرتْ احتياجها لها !

زفر بحدة .. وهو يقول ساخطاً بينما أخذ يدير المقود : " غضب الله علينا نحن الرجال هو أنتن !! " و ما إن أنهى جملته حتى علا صوت هاتفه .. وكتصديق لكلامه كانت أندلس هي المتصلة ...

ضغط زر الرد .. وتلقائياً أبعد سماعة الهاتف عن أذنه نتيجةً لصراخها الضاجّ ! بعد هنيْهَةٍ خبتَتْ نبرتها ليقينها بأنه أبعد السماعة كما يفعل عادةً في كل مرة تصرخ فيها ،
قالت أخيرا بهمس : سلام !!!؟

لم يعد يسمع صراخًا فوضع سماعة الهاتف في أذنه مجدداً .. وقال بكل جدية : نعم ...
- لم تكنْ تسمعُني .. صحيح !!
- أندلس .. تعرفين كرهي للصراخ ... ماذا كنتِ تريدين ؟ .. قال بتفهّم .
- " يا لبرودك يا رجل !! " ردت بأعصاب منفلتة ... ثم أردفت : أين أنت ؟ أمي وأبي ... يحتاجانك في هذا الوقت .. ! .... و وأدت كلمتها الأخيرة التي رغبتْ بنطقها بتجبّرٍ كبيرٍ .. كانت تريد أنْ تقول بكل ضعف : " حتى أنا أحتاجك " ..

- ذهبتُ لأوصل ناي ... تأخر الوقت على عودتها مع السائق ..
- هكذااا ؟؟؟ تقولها بكل بساطة .... ذهبتَ لتوصل ناي !! متناسياً والدك الذي يرقد هنا كالبائسين ؟

هدر بحدة وقد أغضبه بشدةٍ كلامها : أندلسس ... لمْ أتناسى شيئاً ؟ .. أكمل بعد ثوانٍ من الصمت ..

ما الذي تريدينه مني ؟؟؟ ماذا يجب أن أفعل لكي ترحميني ولو قليلاً ؟ لو لمْ أوصلها لقلتِ أنتِ كما فعلتِ سابقاً بأن دماء الرجال لا تجري في عروقي لأنني تركتها تذهب مع السائق ... وها أنا عندما أوصلتها تقولين بأنني أتناسى ؟؟ ....... ما الذي تناسيته !!؟ تذكّري أنه كان من المقرر أن تقام خطبتي الليلة على تلك المسكينة ... أتعلمين مدى صعوبةِ نسفِ توقعاتِ أيِّ عروسٍ بليلةٍ باذخةٍ هكذا وبـلمحِ البصر ؟ لا !! من المؤكد لست تعلمين .. من هي لتعلمي عنها شيئاً ... كفّي عن كوْنك لا تريْن أبعدَ من أنفك !!!

أنهى كلامه وأغلق هاتفه دون أن ينتظر منها رداً ! وبقيَتْ هي تتلوّى قهراً من تغير أخيها عليها ... ومِن أجل مَن ؟؟ من أجل ناي !! استعاذت بالله من الشيطان الرجيم ... فهدأتْ وهي تفكر بأنه كما هي .. قد أُرهق من الضغوطات الكثيرة المحيطة به .. خِطبتُه وأعمال والدها التي أخذ شيئاً فشيئاً يوكلها إليه .. ومرضه المفاجئ الذي قد يكون قاسماً لظهره إن طالَ .... غسلت وجهها بالماء الذي التسعت من كونه بارداً جداً لكي تستردّ شيئاً من حيويّتها التي فارقتها منذ الصباح عندما جاءها اتصال سلام ...

خرجتْ من حمام السيدات الذي دخلته لكي تجريَ اتصالها الأخير.. فكان أولَ ما لمَحتْه والدتُها التي جلست على إحدى كراسي الانتظار ممسكة في يدها نسخة مترجمة إلى الإسبانية من القرآن الكريم .... وقد خشعت ملامحها بوقارٍ عذب عُرفت به ! لم تستطع سوى أن تزداد حباً لهذه الإنسانة .. التي تعطي بلا مقابل ، الغريب أن عطاءها يتزايد مع الأيام ... لا ينضب ولا يتضاءل أبداً !!

---

فجرَ اليومِ التالي ...

استيقظت السيدة قلورياس على هدهدات حانية من سلام ... ابنها البكر .. وجهها الاسبانيُّ عريق الملامح كان متعباً من قلة النوم ... أول ما قالته كما توقع ابنها كان " كيف هو مجد ؟ " ...
لطالما تمنى أن يحظى بامرأة بنصف كمال والدته .. تذكَّر عندما كان يبوح لها عن أمنيته بأن يحظى يوماً بامرأة مثلها كيف كانت ترد عليه موبّخة :" كن كمجد .. يأتيك القدرُ بأفضل من قلورياس " ضحك لا شعورياً تعبيراً عن سعادته بكونها والدتُه ... وقال مجيباً : هو بخير ... لكنني أيقظتكِ لتصلي الفجر! .. نبست بـ " رضي الله عنك " ثم قامت ...

لم يستيقظ المشفى لأنه لا ينام أصلاً ... ومع بزوغ الشمس جاء الطبيب المناوب لكي يطمئنّ على السيد مجد ... أخبر العائلة بأن ما معه تضيق في الشرايين وستعالج المشكلة بالأدوية وحذرهم من تعريضه لأي عَرَض نفسيّ قاسٍ ... استغرب من كوْنهم لا يعلمون بأن السيد الذي أصبح مسناً مصابٌ بالضغط منذ ما يقارب الخمسة أعوام دون أن يشعر أحدهم ... حتى قلورياس لم تكن على علم بالأمر ! أخيراً استيقظ مجد ووجد مِن حوله كلُّ الأحبة ... زوجتُه وأبناؤه ، هل أجمل من ذلك ؟ أجاب في سريرته بكل حب : لا يا ربِّ لا أجمل ... حمداً لك ..... وابتسم لهم كتعبير وحيد عن سعادته ، إذ كان لا يزال يشعر بلسانه ثقيلاً ،..

توالت التهنئات في اليوم التالي بسلامة الرجل الذي يحظى باحترام العدوِّ قبل الصديق .. لطالما كان شريفاً في اللعب مع خصومه ، كما كان دوماً دمِثَ الأخلاق ...

غادر سلام غرفة والده بعد أن منحه قبلة حانية وأوْصى أندلس أنْ تهتمّ به جيداً وبوالدته التي بدت مرهقة من قلة النوم دون أن يوجّه لها كلاماً حرفياً .. لقد أوصاها بنظراته الحادة ... لم يكن يريد المغادرة لكنه يعي جيداً أن المال السائب يعلم السرقة ، يجب عليه أن يمسك بزمام الأمور لكي لا تنفلت منهم جميعاً !

السيدة قلورياس بفهمها الحاذق شعرت بأن أندلس تحتاج لأن تخلو بوالدها .. تذكرت كيف كانت تهرول مسرعة وهي تخرج من البيت بينما كانت تناديها " أندلس ، والدكِ .. أندلس إنه متعب ؟؟" تذكرت كذلك كيف كانت تزمجر غضباً وهي تحدث أخيها على الهاتف ، لا تدري ما الذي أمرها به لكي تبدي ذاك الكم من الممانعة .. ما تذكره كذلك جيداً صَفْقُها للباب بتلك الحدة وهي خارجة .. هي متأكدة بأن مجد لا يحمل ضغينة على ابنته .. وقد لا يلقي بالاً في الأصل لتصرفها ! لكن أندلس هي التي باتت تحمل ضغينة اتجاه نفسها لأنها قصّرت مع والدِها عندما احتاج وجودها فعلياً إلى جانبه ... تعرف قلورياس تماماً بأن ابنتها تحتاج لجلسة مع والدها تكون كفيلة بجعلها تتصالح مع ذاتها مجدداً .. فمجد الساحر بكلامه يعرف كيف يخلّص ابنته من أي عرَض نفسي بمهارةٍ ملفتة !

تحسستْ شعر زوجها بحنان بالغ وهي تبتسم له بعينين دامعتين .. وقد باتت تعشق خصلات شعره البيضاء التي ما زادته سوى جمالاً لعينيْ قلبها .. وأخذت تتكلم معه بالاسبانية ، عاتبته لأنه لم يخبرها عن مرضه ... عاتبته بشدة ! كيف أخفى عنها سراً كهذا ؟ ما كانت لتسامح نفسها قطُّ لو أنّ مكروهاً أصابه –لا قدّر الله- بينما هي غارقة في تفاصيل حياةِ كل من أبنائها الأربعة والتي أخذت تشكل حملاً يتضاعف وزنه مع الأيام فيُثقل كاهلها الذي أخذ يخفف انتصابه بفعل تقدمها في السن ... لكنه قال أخيراً لينهيَ عتابها : بِتّي تعرفين الآن .. أرينِ منكِ خيراً هاه ! .. تنحنحت أندلس التي وقفت في أقصى الزاوية واضعة يديها خلف ظهرها وقد شبكتهما بارتباك.. فضحك والدها على طفولتها الناطقة مهما كبرت ونضج جمالُها ...

بغمزةٍ واحدة من قلورياس فهم مجد ما ترمي إليه ... فخرجت متعللةً بحاجتها لكوب من القهوة .. وأطبقت خلفها الباب بهدوء ،

قال بحب : اقتربي ! فاقتربت منكسة رأسها وجلست بجانبه على حافة السرير العريض الذي توسّط جناحه الفاره والذي يليق بمكانته .... نظر إليها وتغلغل بعمقٍ في زرقة عينيها ،. بينما احتضنت يده يديها الصغيرتين .. لم تكونا صغيرتين بالفعل .. لكنه ينعتهما دائماً بـ" الصغيرتين " ليذكرها بأنها طفلة والدها التي لن تكبر أبداً ،

قال بعتب : لِمَ الجفاء !؟
زمت شفتيها بدلالٍ معتاد وقالت بصوت متهدّج : ليس جفاءً .... إنما فقط
قاطعها بـ " أُشش " واحدة نبستها شفتاه تلقائياً .. ليكمل بعاطفة جامحة : أودّ الآن لو أدفع عمري لكي أعيش مجدداً لحظة من لحظات خوفكم الحقيقيّ تلك ... احتياجكم إليّ والذي ظهر بغدق منكم جميعاً جعلني لا أريد للحظةِ مرضي تلكَ انتهاءً ... ماذا يريد الأب من أطفاله ؟؟ لا شيء أكثر مما رأيته منذ البارحة في أعينكم ! حسناً لقد كنتُ سعيداً لكوني مريضاً أتلقى عنايةً فائقة منكم وكأنني في الجنة !

- لكن أبي !! ، ماذا لوْ ؟ .... خنقتها العَبرة فحررتها لتنساب على وجنتها بلا استحياء وسرعان ما أتبعتها بعَبَرات كثر ...
- بابا .... فقط لا أتخيل حياتي من دونك ! قالت من بين دموعِها وشهقاتِها التي علت دون سابق إنذار.
- إذن يا طفلتي لا أريد دموعاً أخرى تنساب من مقلتيكِ الجميلتين ... لربما كان من الأفضل لكِ أن تذهبي إلى الجامعة في ذلك اليوم من يعرف ؟ قدر الله يخبئ لنا دائما ما هو أفضل .... ألا تثقين !!


أرادت أن تقول له بملء فمها : بلى أثق ... لكنه لم يُكمِل جملته الأخيرة حتى رنّ هاتفه الشخصي الذي ألقيَ على منضدة مجاوِرة ... أخذته أندلس لترد على المتصل ... والذي يريد بكل تأكيدٍ التهنئةَ بسلامة الوالد ... كعادته قبل أن تردَّ سألها عن هوّية المتصل ...

هذه المرة كان هنالك اسمٌ مكتوبٌ ليس كما في السابق محض أرقام ...

أجابته سريعاً دون أن تختلف نبرتها : آدم حشكي .



انتهى الفصل .. عذراً على تأخري ،

قراءة ممتعة للجميع ..



تعديل priscila; بتاريخ 03-03-2013 الساعة 06:28 PM.
الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 6
قديم(ـة) 03-03-2013, 07:11 PM
صورة فديت اثنين ربوني . الرمزية
فديت اثنين ربوني . فديت اثنين ربوني . غير متصل
©؛°¨غرامي فعال ¨°؛©
 
الافتراضي رد: صفعتني بالورد / للكاتبة : raghad165


وااااووو قصه عجيبه

احلى شئ انه بالغه الفصحى يعجبني هذا الاسلوب

تسلمين على النقل

الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 7
قديم(ـة) 04-03-2013, 08:40 PM
صورة priscila الرمزية
priscila priscila غير متصل
©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©
 
الافتراضي رد: صفعتني بالورد / للكاتبة : raghad165


الفصل الثاني ..

الجزء -1 -.. بداية جديدة
برقت عينا السيد مجد بعاطفة جياشة .. وقال وهو يمد يده نحو الهاتف كطفل صغير : هاتِه !
ابتسمتْ بغرابة وقالت : حسناً ...
أعطته إياه فضغط سريعاً زر الرد ... قائلاً بكل رحابة : أهلاً بـنيّ .. ليضحك بشدة وهو يجيبه على تساؤلاته حول حالته الصحية وحول إدعائه المرض وهو ما يزال يافعاً .. وتمنت لو أنها تستطيع سماع حديث المتصل الذي أضحك والدها بهذا الشكل ، لكن دون جدوى ... قال مجد مستعطفاً : لن أكتفي باتصالٍ منك ... عِدني بزيارة .. فمجالستك ستكون فعالة جداً .. لم أضحك هكذا منذ زمن !
ضحك مجدداً ... وهو يقول : لي أنا !! لمَ أتعبتَ نفسكَ يا رجل ؟ صدقني أغبط سعيدة الحظ بشدةٍ عليك .... ليودعه أخيراً منهياً الاتصال .
أخذتِ الهاتف منه وهي تقول بفظاظة مصطنعة مداعبة والدها : لقد أثار غيرتي هذا السيد .. !
ولم تنهِ جملتها حتى دخلت السيدة قلورياس بباقةِ وردٍ متوسطة الحجم ... فائقة الجمال ، وقد غُرست بين طياتها بطاقة صغيرة كتب عليها " كلُّ الصِّحةِْ لأبيْ الروحيِّ .. " وذيّلت باسم ( آدم حشكي ) .. فلم يملك بعدها سوى أن يقول مبتسماً : كم هو طيب !
قطبت وهي تردد سراً : اسمه ليس غريباً عليّ ؟ ... قالت بعدها بصوتٍ عالٍ : عرفتُه ! أليس صُحُفيّاً ؟
أجابتها والدتها قائلة بعفوية : بلى! ... أردفت أندلس وهي تضيّق عينيها وتضع سبابتها اليسرى في فمها كعادتها عندما تريد استرجاع حدثٍ ما بسلاسة : لقد جاء قبل أمس في زيارة لمحاضرة .. أضحكنا دخوله المسرحيّ بشدة عندما ظنه الأستاذ طالباً متأخراً عن موعد المحاضرة فهمّ بتوبيخه ،..
سكتت هنيْهةً ثم قالت بتساؤل : كيف عرفته أبي ؟
أجابها الأخير قائلاً ببشاشة : قبل حوالي ثلاثة أشهر ... أجريت مقابلة صحفيّة هي الأولى والوحيدة لي ، تعلمين أنني لم أكن أنوي أن أفتَح يوماً حياتي على مصراعيْها للصحافة .. لكن الشاب الصحفي كان بالغ الرقة والتهذيب فلم أشأ رفض طلبه ... دعوْتُه لمكتبي فجاءَ إليّ وتمّ اللقاء .. لا أدري كيف بُحتُ له بأشياء كثيرة ولا كيف عرضتُ عليه المال ليحقق أحلامه.. شيء ما في عينيه نبأني بأن لهذا الشابِ مستقبلٌ واعدٌ ! لكن ما فاجئني كان رده ...... رده الناضجِ جداً والذي أكّد لي تنبؤي به حين قال بكل بساطة وتهذيب :
- سيدي ، أشكر لك رقتك و حنانك البالغ ... لكنّ حلمي ما كان ليتحقق أبداً بأطنان من المال ! و صدقني يا سيد ... حُلُمي إن لم يُحقق بعرق جبيني فلا أهلاً ولا مرحباً به ...
تابع مجد بـتسلية وهو يقول : قام ومدّ يده إليّ وصافحني بحرارةٍ قائلاً : سأكون سعيداً بـصداقة أستمدّ منها الخبرة ... وضع يده في جيبه مدخلاً البطاقة التي منحته إياها وفيها بضعة أرقام لي .. منها رقمي الشخصي ... ثم استأذنني بأخذ ورقة صغيرة من أمام مكتبي و كتب عليها بضعة أرقام مردفاً : لست مهماً كسعادتك ... أمثالي لا يمتلكون سوى رقمٍ واحد ... ضحك بعذوبة ثم قال :" أشكر لكَ منحي جزءًا ثميناً من وقتك ... سأتصل بكَ غداً صباحاً لأعلمك بنزول المقابلة" . ودّعني ثم ذهب .... وبعدها زارني مرتين في مكتبي. وفي كل مرة كان يحضر لي هدية مميزة .... مرة أهداني كتاباً رائعاً لرجال الأعمال ومرة جاء إلي بعلبة فخمة من الشوكولا مرفَقة بعلبة أنيقة وضَع بها قلمَ حبرٍ غالي الثمن ... أحببته كثيراً لسبب أجهله .. ربما لروح الدعابة الفريدة خاصته ... المهم أنني دعوته على العشاء ذات يومٍ لأعرّفه على أخيكِ سلام .. وبعدها أصبحنا جميعاً أصدقاء ! وهذه هي كل القصة ... هز رأسه ضاحكاً وهو يقول : بلا اختصار !
---
عدة طرقات خفيفة على الباب جعلت السكرتير يقول بترحيب : تفضل !
فتح آدم الباب ... وأدخل رأسه أولاً ليستطلع الغرفة .... حمد اللهَ لأنه لم يجد فيها أحداً سوى صديقه الذي تعرّف عليه من خلال عمله .. والذي استلمه بعد تخرجه بحوالي النصف سنة .. وها هي صداقتهما تستمر للعام الخامس ... عادة ما يكون صديقه قد أنهى عمله في هذا الوقت ..... حيّاه آدم ثم جَلَس على الكرسي الجلدي الذي يصنع زاوية قائمة مع مكتب صديقه .... قائلاً بعد ذلك بجديةٍ زائفةٍ حفظها جلال :
- أتدري يا صديق ؟ نصف من أعرفهم في حياتي ... أمثالك ! لو أغيب عنهم دهراً ما سأل عليّ أحد منهم ...
توقف برهة ثم أكمل بمرح : لكن قلبي الطيب يعود إليهم دوماً ... فهو يشفق على حالتهم من دونه ....
قال جلال راداً عليه بنزق مصطنع : بحق الله يا رجل ! كلما رأيتني تقول لي ذات الكلام .... وكأنما هي لازمتك .. ضحك بعدها ثم أكمل وقد تبدلت نبرته : لو كان الأمر بيدي لما فارقتك أبداً .. على الأقل أضمن حياة خالية من الكوليسترول ! قالها ثم ضحك عالياً .. وعاد فجأة ليضع يده على فمه وهو يقول ساخطاً : حسناً ... إن كان رئيس التحرير سيفصلك من عملك على إهمالك الأخير فنحن الآن سنشترك سويا في همّ البطالة ...
أخذ آدم كعادته دور المهرج ... وهو يتحدث باسترسال ....
- إن فصلني الرئيس من العمل اليوم سأكون سعيداً .... لأنني بذلك أخفف عن نفسي المصاريف ، سأضرب عصفورين بحجر واحد ... أسدد ديْني الأخيرِ لك " حلوان سيارتي " التي ما عادت جديدة .... ومنها نحتفل بمناسبة انتهاء خدماتي.
أكملا حديثهما الذي دار فجأة حول سيارة السيد ينال -رحمه الله- إذ قال آدم بفكاهةٍ تجعل من أيِّ قصةٍ نكتةً مسليةً بأسلوبه الفريد ...
- قلتُ له مستجدياً ... بالله عليك يا أبي ... لا تركن مجدداً قطعة الخردة تلك أمام بيتنا .. ما إن أراها حتى أشعر بي أعود إلى العصر الحجري .. حيث سيارة فلنستون التي يقودها فريد وقد تدلت قدماه وبارع من أسفلها ..... بالطبع لم يكن أبي ليستجيب يوماً لنداءاتي .. حتى عندما لم يعد خافياً عليه إحراجي منها أمام أصدقائي في المدرسة كلما جاء لأخذي منها بين حين وآخر ... إلى أن انقلبت به فجأة ذات يومٍ شديد البرودة .. وقد اكتست الشوارع طبقة لعينة من الجليد ... كلما تذكرتُ خروج أبي منتصب الهامة بلا أدنى أضرار بعد أن أصبحت سيارته بالفعل ككرةٍ ثلجيةٍ كبيرةِ الحجم بلطف من الله .. أقع من شدة الضحك ،
علت ضحكات جلال من جديد وهو يرى تقليد آدم لخروج والده من سيارته دون أن يحاول إخمادها هذه المرة.. أكمل آدم ..
- جئت إليه بعدها غاضباً عندما رأيت مجموعة من فنّيّي السيارات وقد همّوا بأخذها من سرداب المنزل ... أشار آدم بيده بحركةِ تأففٍ واضحةٍ وقال : والدي من كل عقله أراد إصلاحها ... قلت له وقد طفح بي الكيل : أبي ....... سأشتري لك بنفسي سيارة جديدة من نقودي الخاصة ... صفق بكلتا يديه مكملاً : اعتزلت الزواج .. لا أريد الزواج .. أمنيتي الآن أن اشتري لك سيارةً جديدة ....
- قاطعه جلال متسائلاً : وأصلحها ؟
- بالطبع نعم ... وكتنفيس عن حنقي اشتريت له سيارة جديدة .... ومع ذلك ظل أبي يستخدم سيارته البائسة تلك .. يا رجل تمنيت لو يأخذها انتحاريّ ليفجر نفسه في كركوك ... لكن انتحارياً لن يقبل بها لأنها لا تنفع حتى للتفجير .... ضحكا ثم توقف قليلاً و أكمل بِأسىً واضحٍ : وإن أتيت الآن في زيارة لمنزلي .. ستجد تلك القطعة الأثرية ما تزال واقفة بشموخ أمام كراج المنزل ... لن أكذب عليك إن قلت لك بأنها تعد الآن من أغلى ما أملك .......... يكفي أنها تذكرني بأبي كلما رأيتها ..... طأطأ رأسه وهو يقول بخفوت : رحمه الله .


نفض رأسه أخيراً وقال بتضجر : متى سيستدعيني حفيظ السلامة إلى مكتبه .. ؟
نحنحات واضحة جعلته يصمت وهو يرى أحداً ما مهيبُ الطلعةِ يدخل من باب المكتب ....

سرعان ما اكتشف آدم أن الرجل الذي أصبح يقف أمامه شديد اللطف ... إذ مدّ إليه يده مصافحاً وهو يقول بعمليّة : يبدو أن عملاً قادماً سيجمعنا .... نظرةٌ مستغربةٌٌ صدرت من آدم جعلت الرجل ذو الشعر الكثيفِ حالكِ السوادِ يقول : عذراً على استماعي لحديثكما قبل قليل .... لكن كلامك يغري المستمع لإكمال القصة بطريقة غريبة ... سأكون محظوظاً بانضمامك لفرقة ممثلي ستاند أب كوميدي الشرق ..... ضحكة قصيرة ممتعة صدرت من آدم جعلت الرجل يكمل بذلاقة :
رجل موهوب مثلك يجب أن يستمع إليه الناس على نطاق أوسع ... وصدقني نظرة الطموحِ الشاهقِ التي أراها في عينيك لن يرضي غرورها أبداً عمل أكثر من عملنا هذا ... متأكد بأنك لن تضيّع على نفسك الفرصة !
أومأ رأسه بثقة عالية وأكمل : سأنتظر اتصالاً هاتفياً منك بعد أن تفكر جيداً في الفرصة التي أكاد أجزم لك بأنها لن تتكرر !
دخل الرجل إلى رئيس التحرير بعد أن أخبر جلالُ الأخير عن هويّة الضيفِ فشتم لجعله ينتظر في الخارج ... إذ لم يرغب في تفويت السبْق الصحفي الذي يخص شركة ستاند اب كوميدي الشرق على نفسه بشتى الطرق ... مظهراً للرجل الأنيق جانباً راقياً مزيفاً من نفسه !!
دخل السيد وأغلق الباب خلفه بهدوء .... وعندما عادت نظرات جلال لتحط على آدم الذي كان ما يزال واقفاً ينتظر ... هوت قبضته على زجاج المكتب فدوّى صوتُها عنيفاً وقد التمع الغضب شراراً في عينيه .. ليقول بعدها بنبرةٍ منخفضةٍ حادةٍ ... مرفَقةٍَ برَمشٍ سريعٍ لأهدابه : لحظة ............. ! هل دخل السيد قبلي ؟؟؟ وأنا انتظر ذات الرئيس العلية لتسمح لي بالدخول منذ ما يزيد عن نصف ساعة !!!
حاول جلال تهدئته إلى أن فُتح باب الرئيس ليخرج منه السيد ملقياً على آدم نظرةً تعبق بالإعجاب .. مخرجاً من جيبه بطاقة صغيرة قائلاً بتساؤل : ماذا كان اسمك ؟
رد آدم سريعاً بلهجة خشنة : آدم حشكي .... ليتجاوزه بعدها إلى مكتب الرئيس رافعاً حاجبيه بانفعال واضح وقد برزت أوداج رقبته لتُنذِر بغضب أهوج :
- " سموُّ الأمير .. أخيراً أحظى بشرف لقياك ... لو تعلم مدى سعادتي " قالها آدم بنفاد صبر ... فردّ عليه الرئيس باستخفاف مما زاد من غضبه :
- احترمْ نفسك يا ولد !! واعرف قدرك جيداً ....
- اعرف قدري يا سيد ... لكنك أنت الذي لا تحترم نفسك أبداً ليحترمك مرؤوسوك ، لا تظنّنَّ للحظة بأنني لا أعلم سبب استدعائك لي ..
- جيد إذن .... ليكن معلوماً لديك بأن خدماتك أنهيت بسبب إهمالك .... ولتخلفك عن مقابلة الأستاذ ... قلتَ له بسذاجة سنؤجل اللقاء نصف ساعة ثم لم تعد ؟ .. أي استخفاف هذا بقدْر الناس ؟؟؟ ماذا سيقول عن صحيفتنا الآن ؟ ..
ضحك آدم بسخرية وقال : اعترف لك بخطئي .. وأنا بنفسي كتكفير عنه اتصلت بالأستاذ لأعتذر منه شخصياً ... سمعتي الناصعة وعملي المتقن طوال خمسة أعوام استوجبت منك أن تمنحني عذراً .. عذراً واحداً ! وعلى أية حال لا أصدق الشهامة التي تقطر منك الآن .... أعرف سبب فصلي الحقيقيّ .... أنتَ أردت من موظفيك أن يكونوا دمىً تعمل بفعل تحريكك لها .. وهذا ما نجحت بفعله ... إذ أنّ أحداً لم يستطع إيقافك عند حدك بعد أن استشرى الفساد بمؤسستك البئيسة وبالطبع عندما سمعتَ بتحركاتي لإيقافك من أحد عيونك المنتشرة أردت تسريحي من العمل وأتت على رِجلها !!! أستطيع أن أقاضيكَ الآن على فصلك التعسفيّ لي لأن القانون ينص على أن عليك أن تخبرني قبل فصلي من العمل بشهر كامل ... لكنني لن أفعل .. رأفة بأطفالك .. وبأصدقائي الذين يحتاجون للعمل .. تباً لك ولمن يريد العمل معك بعد الآن .....
و للمرة الثانية يهوى آدم بقبضته على زجاجِ مكتبٍ اليوم ... بلا شك .. صوت هذه كان أعلى ... أعنف وأكثر غضباً ...
خرج بعدها دون أن ينتظر منه رداً ودون حتى أن يودّع جلال الذي كاد يجنّ ليعرف بالذي دار بين صديقه ورئيسه ليخرج غاضباً بهذا الشكل ...
لكن ما سمعه أثار جنونه بشكل أكبر .. إذ قال آدم ساخطاً بهمس : وألفُ تباً لمن يعجب بفتاة !.
أغلق خلفه بابَ المكتب بغضب أعمى ليصدر صوتاً عاصفاً جعل جلال يطبق جفنيْه مجفلاً ...
وما إن خرج آدم من المبنى حتى أخرج هاتفه وبطاقة الرجل الذي لم يعرف اسمه بعد من جيبه ... ليقول باقتضابٍ فور سماعه صوت السيد مرحّباً بالمتصل : معك آدم حشكي .. أنا جاهز للعمل الجديد في حال ما زالت الوظيفة بانتظاري.
انتهى الفصل .. قراءة ممتعة للجميع


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 8
قديم(ـة) 05-03-2013, 06:28 PM
صورة priscila الرمزية
priscila priscila غير متصل
©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©
 
الافتراضي رد: صفعتني بالورد / للكاتبة : raghad165


الفصل الثاني ..

الجزء -2 - ... ما قبل الغربة

أدار المفتاحَ في مقبض الباب ثم فتحه ، فلم تفاجئه العتمة التي أخذت تتسلل إلى كيانه المشتت دون عناء .. لطالما كانت تلك عادةٌ تقوم بها والدته للدلالة على غضبها منه حين يتأخر .. ظل يمشي إلى أن وصل الصالة حيث كانت - كما توقع- بانتظاره .. تجلس على الأريكة الطويلة التي قابلها التلفاز وقد أخذت أشعته الملونة تنعكس عليها بإيقاع جميلٍ غير منتظم ..


جاهد نفسه ليجعل خطواتَهُ خرساءَ.. إذ ظن للحظةٍ أنّ نوماً غافلها ! لكنها - كعادتها أيضاً – قالت بنبرة الأم المعروفة والتي تبرز خوفاً وغضباً : آدم !!


رد عليها بحنان بالغ ليطمئنَها مجيباً على كل التساؤلات التي خطرت في باله : نعم أمي .. أنا بخير ، آسف لأنني لم أتصل بكِ ، تأخرت قليلاً في العمل ...

العمل ؟؟ أي عمل !! .. شتم في نفسه ساخطاً ، هل كذب ؟؟ بالطبع نعم !

دلف غرفته وبدّل ثيابه ثم عاد مجدداً إلى الصالة ... يجب أن يواجهها اليوم ، لأن قدرته غداً على المواجهة ستضعف ... يعرف نفسه !

وجدها على نفس الوضعية .. فشعر بأنه يحتاج إليها كما لمْ يحتج إليها قبلاً ! يحتاج أن يخبرها بما حصل معه اليوم ... يحتاج أن يُعلِمها بالقرار الذي اتخذه دون أن يشاورها هذه المرة ... إما أن توافق وتحترم رغبته .. وإما أن ترفض فيحترم رغبتها ! سيكون قراره صادماً لها .. لكنها لن تبدي أدنى ممانعة عندما ترى نظرة عينيه التي سيستجديها بها لتوافق بكل ما يملك من قوة ... واسى نفسه بذلك ، مع هذا هو يعرف والدته جيداً ... والأمل في قلبه ينقطع عن النبض كلما اقترب منها ....

تمدد على الأريكة ذاتها .. وتوسّد حِجرها الذي لطالما كان دافئاً ، أخذت تداعب خصلات شعره الكثيف .. والذي بات طويلاً .. تذكُر جيداً المرة الأولى التي جاء فيها ليستأذنها بخجل ليطيل شعره .. كم كان مضحكاً ... ولا يزال !

أخذت تنظر لوجهه الحبيب ... والذي أصبح مقابلاً لوجهها ، نظرةُ عينيه الخائفة .. أشعرتها بأنه يخفي عنها شيئاً .... شيئاً أخذ يخيفها كلما تعمقت بالنظر إليه .. بدأت تغني له الأغنية التي كانت تغنيها له دوماً بينما كانت تهدهده وهو صغير ، ربما لتطمْئِنَ نفسها قبل أن تطمئِنَهُ بأنه لن يغضبها .. لن يبتعد عنها والأهم لن ينكس رأسها أبداً بفعلة يفعلها .. ربَّـتْهُ بنفسها وعلى يديها هاتين .. وتعرف جيداً معدنه الأصيل ....

انحدرت من عينيه دمعة لم تغفل عنها والدته بينما كانت تغني آخر بيتٍ في الأغنية " يا زريف الطول يوم ال غربوك .. شعر راسي شاب والظهر انحنى " .. مسحها سريعاً بباطن كفيه وقال بمرح : اوه مروه .. صوتك لا يزال جميلاً ...

نهرته أمه وهي تَكِزُ رأسه قائلة بحزم : يا ولد !! .. ليضحكا بعدها بصوتٍ عالٍ ..

قالت بجدية هذه المرة وهي لا تزال تداعب شعره بأناملها : ماذا هناك ؟

هز رأسه نافياً : لا شيء ... وعندما احتدّت نظراتها قال سريعا : فُصلتُ من العمل .. نظر إليها ثم أكمل : أصبحت المؤسسة فاسدة .. وبتّ لا أرى لي مستقبلاً فيها .. صدّقيني يا أمي .. هكذا أفضل !

تساءلت وهي تحرك حاجبيها : فقط !!

كان ينتظر تلك اللحظة طويلاً فانتصب معتدلاً ليقول لها بحماس : عُرض عليّ عملٌ آخر .. صمتَ بعدها ولم يُكمل فقالت مستجوبة إياه : ما طبيعة العمل بنيّ ؟

طأطأ رأسه وهو يقول بخفوت : ممثل .... شهقت وقالت بعدم تصديق : ممثل ؟؟!!

رفع رأسه وأردف : سأشرح لكِ بالتفصيل .. ليس ممثلاً عادياً إنما ممثل ستاند أب كوميدي !! هزت رأسها وقالت بعصبية : لم أفهم وما الفرق ؟؟ .. قال وقد أخذ يحدق بها بارتياح : اسم الشركة ستاند أب كوميدي الشرق بمعنى آخر شركة كوميديا الوقوف .. وهي مكونة من مجموعة من الشباب أمثالي ... يرأسها رجل يدعى رامي .. شخصية مرموقة ولها وزنها .. تعرفتُ عليه اليوم .. وشرح لي طبيعة العمل ... الفكرة تقوم على أن يكون الممثلُ مواجهاً للجمهور .. بحيث يقومُ بفتحِ موضوعٍ معينٍ من واقع المجتمع .. ليطرحَهُ عليهِ وهو واقفٌ بأسلوب ساخر مضحك وبنفسِ الوقتِ هادف جداً .. تعتمد كثيراً على الارتجال وتحتاج لأن يكون الممثل شخصاً مثقفاً وعلى اضطلاع واسع بالسياسة ، الفن وحتى العلوم والأهم لأن يكون خفيف الظل ... الشركة تلاعبت بالفكرة لتجعلها أكثر رواجاً وهنا يأتي الجديد .. إذ أننا سنقوم بتصوير عدة فيديوهات .. لكل فيديو موضوع معين يقوم به شاب بمفرده وأحياناً برفقة شاب آخر ... لنرفعه بعدها على موقع من مواقع الاتصال .. كاليوتيوب مثلاً وهكذا يشاهدها عدد كبير من الناس من مختلف البلدان ،.. إضافة إلى ذلك الرواتب ممتازة جداً ... لكن !!؟؟؟؟

قالت أمه وقد لانت نبرتها : لكن ماذا ؟ قل يا بنيّ ..

أجاب بنبرة لم تعرف لها أمه وصفاً :

- الاستوديوهات ومعدات التصوير .. غير متوفرة في بلدنا كما أنها غالية الثمن ولا يمكن شراؤها في الوقت الراهن .. الشركة ما زالت في طور التأسيس والميزانية الموضوعة لا تتعدى كلفة الإنتاج والرواتب .. كما أن السيد رامي أبرم عقداً مع شركة أخرى في الخارج لكي تؤجره المعدات ... ولذا يجب عليّ أن أسافر إن رغبتُ بالعمل !

قال مستجدياً وهو يمسك يديْ والدته بين راحتيه : عامٌ أو عامين على الأكثر ! بعدها سنبدأ بالتصوير لصالح قناة تلفزيونية .. ستدفع مقابل الحلقات مبلغاً ضخماً .. سنكون على إثره قادرين على بناء استوديوهاتنا الخاصة هنا .. لكنها اشترطت عدداً معيناً من المشاهدات خلال عام تقريباً لتشتري منا الحلقات وتنتج حلقاتٍ أخرى جديدة على نفقتها ....... وإلا فالمشروع برمته سينتهي .. على كلتا الحالتين سأعود بعد عامين أو أقل !

قال لأمه أخيراً : أنهيتُ كلامي وأنا الآن أنتظر منك رداً .. لن أفعل شيئاً يزعجك ما حييت ، حرف بصره عنها وهو يكمل بخفوت : سأحاول على الأقل ....

أخذ يمسّد رأسه بحيرة فبدا متوتراً وهو ينتظر منها أدنى إشارة .. ففهمت والدته من توتره النادر عمق رغبته بالعمل .. حرّكت يدها نحو ذقنه ورفعته لكي ترى عينيه بوضوح وتقول بعدها : وافق بنيّ ... وافق . يبدو أنها تجربة تستحق الخوض ! ..

نظر إليها بتساؤل وهو يقول : بهذه السرعة .. !! أمي فكري جيداً .... لا تنسي بأن أسد يحتاج لمن يشكمه ... وهو على أعتاب مرحلة حرجة ....

نظرت إليه بقسوة مصطنعة لتوبّخه مداعبة : شكمتُ من كان أكثر عنفواناً وجلباً للمشاكل ! لن أعجز عن أسد .... وأنت كفّ عن التفكير بحاجة الكون بأسره لك ! قالتها وهي تضربه بيدها على رأسه ...

ضحكَ عالياً وهو يحتضنها بكل ما تمالك من حب ... مقبّلاً رأسها وهو يقول بعاطفة : دمتِ لي يا أعز الناس ... وكزته بكوعها وهي تقول بغيظ مصطنع : آهٍ منكَ يا مغناج !! ... ابتسمت أخيراً وهي تقول : ولدي الشقي لم يأكل طعاماً منذ الصباح .. أليس كذلك ؟ أشار لها برأسه بمعنى نعم ... فقامت لتحضّر له العشاء ... و لتداري عنه دمعاً لم تستطع إخلاء سبيله في حضرته .... تعلم بأنه لو رآها تبكي لرفض الفكرة تمامًا على حساب رغبته .. ! ما الذي ينتظرك يا آدم ؟ ... قالت في سرها ثم أخذت تناجي ربها بأن يحمي شقيق روحها وفلذة كبدها ...

---

أقيم حفل الخطبة وعقد القران في منزل والد العروسِ .. العازفِ الموسيقيِّ الشهيرِ (يعرُب) والكائن في إحدى أرقى الأحياء التي يقطنها عادة الفنانون وعلية المجتمع .. كان المكان شادهاً ... إذ أن الإنارة الخافتة انعكست على شجيرات الزينة المقنبة بمثالية لتمنحها بريقاً فردوْسياً .. أما الممر الحجري الذي قبع بساطٌ أخضر من الحشائش على جانبيه فقد قُرِّرَ أن يمشِيَ العروسانِ عليه عندما يدخلان ... الشموع التي وُضعت على طاولات المعازيم القليلة مَنحت المكان كذلك مسحة رومانسية أخاذة ... كل شيء كان كالحلم ...

أخذت ناي تنظر مطوّلاً إلى المرآة الكبيرة التي توسطت غرفتها استثنائياً في هذا اليوم ، لم تحلم يوماً بأن تبدو أكثر جمالاً .. إذ لم تستوعب كم بدت فاتنة بـفستانها الذي أبرز قدّها الممشوق بحرفية ملفتة دون تكلّف أو ابتذال ... كان فستانها نيلياً .. موشّحاً بتطريزاتٍ لؤلؤلية باذخة أكسبته رقياً يناسب مكانة كل من العائلتين على حدّ سواء ، بذات الوقت أعجبت بأكمام الدانتيل التي طلبت من مصممة الفستان أن تضيفهما له احتراماً لسلام الذي يحب -كما لاحظت- اللباس المحتشم .. كانا يصلان إلى منتصف ساعديها ليبرزاهما بأنوثة طاغية .

تفصيله كان ضيقاً من عند الصدر يأخذ بالاتساع كلما انحدر نظر الرائي نزولاً نحو ساقيها ... أما شعرها فكان حكاية أخرى .... إذ تهدّل شعر غرتها بتمويجات متقنة بينما تمّ تصفيف باقي شعرها على شكل ذيل السمكة لتبدو فعلاَ كالحوريّات ...

لطالما قالت أن جمالها متواضع ، غافلة عن أنها تمتلك ما يكفي لجعلها تبدو كعربيّة أصيلة ... بشعرها الذي يميل إلى الاسوداد وعينيها الواسعتين اللتين اتخذتا لوناً بندقياً غامقاً .. السواد من حولِهما يمنحهما هالة أرستقراطية .. هذا ما لاحظته المزينة و لذلك فضلت أن تضع طبقة كثيفة من الكحل حولهما أما باقي زينتِها فقد كانت كما أمرت ناي خفيفة بإغراء ... تنتظر هي شيئاً أخيراً فقط لتكتمل سعادتها التي شعرت بها تختلجها بدفءٍ لمجرد اقترابها منها ...

أخيراً خلت غرفتُها من الضجة التي سكنتها منذ الصباح برحيلِ آخر مزيّـنة برفقة أندلس لتظل بعد ذلك وحيدة ... تنتظر شقها الآخر لكي ينزلا معاً درج المنزل ليختالا مشياً بعدها على ذلك الممر الحجري بأناقتهما وكيميائهما التي لم يختلف عليها اثنين !

ها هي نبضات قلبها تتسارع وتيرتُها بجنون ... بينما تسمع طرقات خفيفة صادرة عن طرق الباب .. جلت حنجرتها بصعوبة وهي تفرك يديها بترقب قبل أن تضعهما بخجل وراء ظهرها لتقول : تفضل ....

انتهى الفصل .. قراءة ممتعة للجميع ..
قصير بعض الشيء .. لكن الذي يليه طويل جداً مقارنة بهذا الفصل ..


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 9
قديم(ـة) 06-03-2013, 07:47 PM
صورة priscila الرمزية
priscila priscila غير متصل
©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©
 
الافتراضي رد: صفعتني بالورد / للكاتبة : raghad165


الفصل الثاني ..
الجزء -3 - ... كم أنتَ حقيقيّ !
جلت حنجرتها بصعوبة وهي تفرك يديها بترقب قبل أن تضعهما بخجل وراء ظهرها لتقول : تفضل ....


لربما كانت اللحظات القصيرة التي استغرقها الطارق لكي يفتح الباب ثم يطل برأسه هي الأطولَ في حياتها .. على الأقل حتى اللحظة ! ولكنّ ملامح الخيبة سرعان ما كستها بتمرد إذ لم يكن الطارق هو المرغوب ..

ضحكة ساخرة صدرت من والدها جعلتها تتأفف وتقول ...
- أوه أبي لمَ الضحك !
- كان عليكِ أن تري ملامحك لتعرفي ... قد أكون منفتحاَ لكنني لست أضرب بعاداتنا عُرض الحائط ، خاصة إن كنت مقتنعاً بها ! لن أسمح لـسلام بأن يسرق مني حلوتي في وقتي الخاص ! ستنزلين برفقتي ... هل تمانعين ؟ " قال ثم حرك حاجبيه بلؤم "
- ضحكت بحب وهي تقول : أمانع ؟؟ .. ومن لا تتحرق شوقاً لأن تسير برفقتك !

وبمسرحية لافتة منحته يدها ليتأبطها ... وقبل أن يسيرا قبّلها بحنان أبويّ خالص وهو يقول : كم أنتِ جميلة .... يا أغلى ناي.

حملقت فيه وقد تراءى لها وداع أبيها أبداً .... لا تدري لمَ أحست بذاك الشعور السخيف ... هنالك على الأقل شهران على موعد الزفاف إضافة لذلك هي لن تسافر بعده ... تلألأت عيناها دمعاً .. فمسحه والدها ليُطَمْئِنَها مربّتاً على ظهرها برفق .....

أخذا يسيران فلم تعد تفكر إلا بالشيء الوحيد الذي ينقص يومها لكي يكون مكتملاً .... ( استقبال سلام ) الذي حَلُمَتْ به طويلاً .. أخذت تفكر بشكله " ترى كيف سيكون؟ .. هو في الواقع رجل وسيم .. ما الذي سيضيفه من أجلي ؟" في حين لم تهتز ثقتُها بنفسها أبداً وهي تسير بقرب السيد يعرب .. وتنتظر بنفاد صبرٍ النقطة التي سيأتي عندها سلام ليختطفها منه ...

وصلا بهوَ المنزل الذي ينتهي ببابٍ بلوْريٍّ يطلّ على الحديقة... حيث الممر الحجري والمعازيم ... سحبت نفساً مرتبكاً قبل أن يفتح والدها الباب ليقول لها بكل حنان : هنا يبدأ عالمُكِ ... لتفاجأ بعدها بأروع رجل رأته عيناها ... " سلام " .

كان يسير بثقة عمياء واضعاً يده اليمنى في جيبه .. كان شادهاً ... كان خاطفاً .... كان حبيباً وهذا يكفي.

قبّل جبهة السيد يعرب كما تخبر العادات ... ليمنحه يدها ... ثم يسيرُ مبتعداً تاركاً إياها لتسير برفقته ..

بقمة الرومانسية... انحنى مقبلاً يدها من ثم ارتفع لينظر لها بعاطفة جارفة وهو يقول بهمس:
"أهلاً بكِ في عالمي ..... نايي أنا ! "

كم كانت كلماته المقتضبة حادة ... حادة التأثير ، هذا الرجل يأخذ بالقلوب من أدنى همسة ! هذا ما جال في خاطرها وهي تتنهد بصوتٍ مسموع .. وهي تفكّر أيضاً بأنه نسف كل التفاصيل التي رسمتها طويلاً لفارس أحلامِها ... أياً كان مظهره المغاير هو بكل تأكيد أصبح فارسها الذي لو عاد بها الزمن لحلمت به مطولاً .. ربطة عنقه النيلية وبذلته الكحلية الغامقة اللامعة بخفوت منحته سطوة جبارة .. لن تفكر بعد الآن سوى بإسعاده !

سارا معاً بينما كان التصفيق حارّا من قبل المعازيم الأقلاء .. والذين لم يتجاوزوا الأقارب والأصدقاء وبعض رجال الأعمال ...

لمْ تَخـْفَ على الواثق نظرات الإعجاب المتراشقة حوله .. إذ علمته الكاميرا المسلطة عليه دائماً من قبل مجتمعه الراقي غير المريح كيف يسلب الأنظار عمداً بمشيته المختالة .. لكنه يثق كذلك بأن الباربي التي تسير بجانبه منحته ألقاً إضافياً لا يستطيع نكرانه .. ليست باربي .. إنما فلة ، فلة العربية ...

حرف بصره الذي كان مستقيماً ليوجهه لها ساخراً في نفسه من الفكرةِ الخرقاءِ التي راودته .. فعضّت شفتها خجلاً وهي ترى عينيه الثاقبة تتفحصها دون رادع !

وصلا أخيراً نهاية الممر حيث استقرت سجادة دائرية من خامة النجيل بلونٍ يشابه نوعاً ما لون الحشائش ... يمكنها القول بأن مخها قد تخدر عن العمل فلم تكن تعرف الخطوة التالية حتى وإن كانت واضحة جداً ... أفلت يدها بعد أن تبدلت الموسيقى الكلاسيكية إلى أخرى أكثر شاعرية كان مصدرها بيانو أبيض تعرف صاحبه .. لقد كان والدها هو العازف ... بعد طول غياب .. يحتضن البيانو خاصته بدفءِ المشتاقِ ليعزف أرقَّ الألحانِ، إنها المرة الأولى منذ اعتزل أي منذ حوالي ستة أعوام.. كم هذا مؤثر.. فكرت ناي . وللمرة المليونِ ربما في هذا اليوم يترقرق الدمع في عينيها فرحاً .. !

حرّك حاجبيه بمكر وهو يعدل مكان يدها التي وضعتها تلقائياً خلف ظهره ليضعها قريبا من عنقه ... وقد اصطبغ وجهها بلونٍ أحمرٍ قانٍ ! لتكتفي بعضّ شفتها للمرة الثانية .. وقد برقت عيناها خجلاً !

اقترب منها حانياً رأسه ليلتصق بعنقها مرمريّ الملمس بحركة جريئة وقال بهمس :
- كيف تريدينني أن أفسر ما لا يفسر؟

فضحتها نظرة عينيها المرتابة قبل أن تحاول مُداراتها .. ليقول موضّحا بعد ضحكة قصيرة مسلية :
- أحبك والبقية تأتي ...

غمزها بعينه اليسرى لتبتسم تلقائياً دون أن ترفع نظرها إليه بعد أن استقام وجهه مجدداً ... كادت تذوب حياءً من فكرة أن والدها وأندلس وغيرهما العشرات ينظران إليهما ليلاحظا أدقَّ التفاصيلِ وأصغرَ الانحناءاتِ ... ومع كل ذلك لم تتمنى أن تنتهي رقصة الحب التي جمعتهما مطلقاً .....

---

التفت آدم نحو السيد مجد وهو يقول بمرح : كان هذا السلام .. مخبّأً بثيابه ! لم أتخيل للحظة رومانسيته الطاغية ...

ضحك بعدها مجد ليرد عليه وهو يلوّح بيده لقلورياس لكي تأتي إليه : مثلك أنا متفاجئ .. دورك يا بطل !

حرك آدم رأسه رافضاً : ليس قبل أن أجد نصفي الثاني .. وإن كان عليّ لن تتفاجأ مني ... أنا لا أخبئ شيئاً .. لست كابنك .
ضحكا مطوّلاً قبل أن يلمحها وقد أخذت حقيبتها وهمت بالانزواء خلف المنزل .. اعتذر من مجد وهو يقول له .. "سأودعك قبل أن أسافر بإذن الله" ليتركه بعدها ... ويبدأ رحلة التقصي !

استطاع من مكانه أن يرى أندلس عبر العتمة فأخذ يخطو بخفة ليقترب من مكانها بحذر كي لا تسمع خطواته ... ما ساعده أن صوت الموسيقى كان عالياً بعض الشيء ، فكان من الصعب على كائن عادي أن يميز صوت خطواته المنخفضة أصلاً ...

فتحت حقيبتها اللامعة ذات اللون الذهبي بتوتر والتي تناسبت مع فستانها الفيْروزيّ المُهَدْوَلِ باحتشامٍ .... حتى أن النقاط الذهبية صغيرة الحجم على كامل الفستان ما عدا الأكمام منحتها أناقة ساحقة .. يكاد يقسم أنها سلبت لب الجميع دون استئذان .. حجابها المربوط بذات الطريقة التي رآها فيها أول مرة دون تكلف ما زادها سوى بريقاً ...

هل أعجبته أم أنها فاقت ذاك الشعور بمراحل ؟

تناولت هاتفها المحمول وضغطت مجموعة من الأزرار قبل أن تقول بصوت منخفض : شادِن!!

سكتت قليلاً ثم قالت بعصبية : لقد كان ينتظر اتصالاً منك منذ الصباح! وهو يقول بأنك من المستحيل أن تنسَيْ يومه هذا ...
عادت مجدداً لتسكت ثم أجابت بحدة : أي عذر ... لن يكون مقبولاً .. ! انتظري خمس دقائق ثم عاودي الاتصال .. سأكون قريبة منه لأخبره بأنك اتصلتِ مهنئة .. وبأنك لم تنسي ،، أبداً .. !
ركزت على الكلمة الأخيرة وكزت على أسنانها بغضب.

أغلقت الهاتف ثم أعادته إلى حقيبتها وهمّت بالعودة ...

تلك القطة اللعينة جاءت الآن لكي تجفِلَه في خضم هذه العتمة ... لمْ يصدر صوتاً برحمة إلهية .. لكنه حرّك غصن الشجرة المستقرة في حديقة المنزل الخلفية لا شعورياً .. والتي كان مختبئاً خلفها مما أصدر صوتاً عالياً قالت على أثره بخوف : من هنا ؟

لم يأتها أي رد ..
تمالكت نفسها واستعادت رباطة جأشِها لتقول بجرأة وبّخت نفسها عليها بقسوة بينما هي تنتظر عاقبتها .. تنتظر رداً :

أخرج من حيث أنت ...


انتهى الفصل .. كنت أظنه طويلاً لكن

على أية حال الفصل السابع وهذا وعد أطول بكثير جداً

قراءة ممتعة للجميع ..


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 10
قديم(ـة) 08-03-2013, 02:28 PM
صورة priscila الرمزية
priscila priscila غير متصل
©؛°¨غرامي مجتهد¨°؛©
 
الافتراضي رد: صفعتني بالورد / للكاتبة : raghad165


الفصل الثاني ..

الجزء -4 - .. إلى اللقاء

فكر بأنها الفرصة التي قد لا تأتي مجدداً .. فقال سريعاً بتحديٍ وبصوتٍ مسموع : وماذا ستفعلين إن قلتُ لك أنني لن أخرج !!؟
ردّتْ بسخريةٍ مبطّنةٍ : لن أفعل شيئاً ... ابقَ مكانك إن أحببت!


رمت كلمتها الأخيرة ورحلتْ متأكدةً بأنه سيستغرق ثوانٍ من الوقت وهو يتأكد مما سَمِعَهُ .. ثوانٍ ستكون كافية لتعود من حيث أتت دون أضرار ..

بعد صمتٍ ظاهرٍ منهُ وبعيداً تماماً عن صخبِ نفسهِ قال أخيراً مسترجعاً ما ردده على مسمعه صديقه طويلاً : " إذا أردت شيئاً بشدة ( فأطْلِقْه ) فإن عاد فهو لك .. وإن لم يعد فهو لم يكن لك أصلاً " .. قليلٌ من الوقت فقط يا آدم ... فقط قليلٌ من الوقت

---

توجهت بنظراتها نحو ناي وسلام .... عرفتْ وقتها فقط بأنّ ناي هي التي يحتاجها سلام فعلاً ! كم كانتْ مخطئة ... تقدمتْ نحوَهما بخطواتٍ ثابتة .. فاستقبلتها عين سلام الغامزة بمكرٍ والقائلة بكل فخر " نجحتْ " ليتسع محيط ابتسامتها .... احتضنت ناي بحبّ وهي تقول ( لقد كنتِ الأجمل ،.. اعترف بذلك ! ) .. لتلتصق دمعة فرحها بخد ناي التي ردّت بلؤم وهي تداري دمعتها هي الأخرى :" وماذا توقعتِ ؟ " لتضحكا بعدها مطوّلاً ... قاطعهما سلام بقوله: يا حبيبي ! اتفقتما عليّ منذ الآن ... أعانني الله عليكما أيتها المشاكستان !!

نظرت إليه أندلس بعين الأخت التي لم تصدق كيف تحققت هذه اللحظة التي طال انتظارها ... بعد تسعٍ وعشرين عاماً ترتدي فستان خطبَتِه التي لطالما ألحّت عليه بها متعللة بكل ضجر بـ "متى سأرتدي فستاناً ؟ ..."

فتح ذراعيه لها وقال بلطف : تعاليْ ... فَجَرَت نحوَه مسرعةً لتحتضِنَهُ .. كم افتقدت حضنه مذ أصبح رجلاً عاملاً .. يغيب عنها كلّ الوقت ، لا تراه إلا يوم الجمعة ... بعد أن كانت تراه صباحَ مساء ! قالت له بحنان : مبارك يا أخي ... لتقطع كلمتها المتهدِّجة فرحاً إثر رنين الهاتف الذي أخذت تشعر به نتيجة ارتجاجه داخل حقيبة يدها الصغيرة ... فتحتها وهي تتظاهر بعدم المعرفة : من يتصل بهذا الوقت ؟ لتقول بعد شهقة صدرت منها بحماس : إنها شادن ... !

تناول منها الهاتف ثم ضغط زر الرد وهو يقول بلهفةٍ : أختييي ...

جاءه صوتها حماسياً بشدة وهي تقول : أخيراً صِرت عريساً ... ضحك من أعماقه وقال : كنت أنتظر اتصالك ! فردت عليه : قل إنك كنتَ تريدُ أن تسجلها عليّ واحدةً ، ضحكا معاً هذه المرة وهو يرد عليها بثقة : لا فائدة لم تغيرك المسؤولية ... كيف حال أوْس ؟ أجابته على مضض : بخير ... فسأل أخيراً : وطفليكِ ؟ فجلت حنجرتها لتكتم شهقة أرادت أن تخرج من صدرها حابسة إياها بقوة وهي تقول : يسلّمان عليك ..

طلبت أخيراً أن تكلم ناي لتبارك لها وترحب بها فرداً جديداً في العائلة ...

---

في منزل مجد وبعد انتهاء الحفل .

بدّلت أندلس ثيابها ومسحت زينة وجهها وهي تحمد الله بـأنها محجبة .. فلو كانت غير ذلك لقضت ليلها وهي تفك تسريحة شعرها .. مشفقةً على ناي التي سيكون ليلها ساهراً بخلع ناي الجديدة التي خلقتها المزينة !

أطفأت إنارة رُدهتها وذهبت إلى المطبخ لتشرب كأساً من الحليب .. وتأكدت في طريقها من خلود والديها إلى النوم .

هبطت أدراج السُّلم ... فأخذت العتمةُ – إلا من سطوع القمر الذي تسللت أشعته عبر النوافذ البلورية الكبيرة - تتلفّعُها شيئاً فشيئاً .. مع ذلك لم تتراجع .. مشت في الممر الطويل .. الذي انبثقت منه رُدَهٌ كثيرة .. بعضها كان مُغَلّق الأبوابِ .. وفي آخر الممر حيث كانت وجهتها .. قبعت رُدهة التلفاز التي كان بابها مفتوحاً ..

ابتسمت لا إرادياً وهي ترى أشعةً زرقاءَ خافتة تصدر عن صفحة هاتفه لتنعكس على وجهه تاركة ظلال فرحٍ خمنت أن مصدرها رسالة من حبيبٍ ! فوجئت بعدها بصوته الرخيم القائل : لا تتلصصي عليّ ... ! ليكمل باستفزاز مضحك : أيتها اللصة !
قالت بتعجب : كيف رأيتني ؟ ..

- من انعكاسك عبر البلّوْر ... " ردّ بمنطقية واضحة فأحست ببلاهتها !

قال أخيراً وقد رأت بوضوح يده اليسرى التي أخذت ترتفع صانعة زاوية قائمة مع جذعه : تعالي ..

لبّت دعوته بسرور ... جلست بجانبه ثم وكزت صدره وهي تقول بمرح : كنتَ جميلاً ... أخذت تضحك بهستيرية وهي ترى انبعاج ملامحه وهو يقول باشمئزاز : جميلاً ؟ قولي وسيماً ، جذاباً لكن ليس جميلاً . أردف بمكر : .. جميلاً دعيها لكِ أنتِ ... أما أنا فلا حاجة لي بها !

عمّ الصمت لثوانٍ قطعتها رنة قصيرة صدرت من هاتفه .. تنحنحت على إثرها هامّة بالنهوض لتتركه يرد على راحته .. فأمسك ساعدها بيده اليسرى بينما دس هاتفه بيده اليمنى في جيبه وهو يقول : لا داعي للذهاب .. لقد أرسلت لها رسالة فردت عليّ وانتهى الأمر !

عادت لتجلس ... وقالت بضيق : سلام !! أدين لكَ باعتذار .. لقد كنت سأحرمك من كل تلك السعادة التي رأيتها اليوم في عينيك بحماقتي ... وبفلسفتي الزائدة ! لم أكن في حالتي الطبيعية .. ظننت أن اختلاف الشخصيات يعني فشل العلاقة ..

رد عليها بتفهم : وتحرميني إياها على أي أساس ؟ ... أندلس سأقولها بكل ثقة " لا شأن لكِ بسعادتي .. فكل منا مَلِك على مملكته ( نفسه ) .. إن أشعرها بالسعادة فلها وإن لم يكن فعليها " .. كونها صديقتك فذلك لا ينفي كونها فتاة يمكنني الارتباط بها إن رغبت ! سأخبرك بسرٍ صغير .... قبل حوالي سنة ، عندما أتيت لأخذك من منزل ناي .. كنتما وقتها تدرسان لامتحانٍ قبل انتقالهم للمنزل الكبير .. ألا تذكرين ؟ ( أومأت برأسها بمعنى نعم ) أكمل :... فتحت لي الباب .. كانت مضحكة ببنطالها الجينز الضيق وقميصها القطنيّ الأصفر الواسع مرفوع الأكمام .. ضحك وهو يقول : قالت اسم مؤيد ثلاث مرات .. وفي الأخيرة قالت بتهديد : مؤيد أيها الطفل المشاكس لن أُدخلك أبداً .. أنا مشغولة ألا تفهَم ...

رننتُ بعدها الجرس مرة أخرى .. كم كنت متشوقاً لأرى ردة فعلها !...

فتحَتْ أخيراً الباب وأخذت تنظر أرضاً وهي تبحث عن طفل قصير لم تجده بملامح قد تكون مرعبةً لطفلٍ صغيرٍ .. وعندما رفعَتْ بصرها كنتُ قد صعدت الدرجتين اللتيْن نزلتُهُما بلباقة لكي لا أكون مواجها لها عندما تفتح الباب .. ملامحها التي تغضنت وهي تعض على شفتها جعلتني أضحك لا شعورياً !

قالت بعدها بتلقائيةِ طفلٍ مذنبٍ وهي تعتذرُ : آسفة جداً لقد أزعجنا ابن الجيران وهو يرن الجرس .. ظننتك هو .. لمْ يفهم بأننا لا نريد استقباله الآن ... وأنني وصديقتي ندرس لامتحان مهم ..

لم أتوقع هذرها ذاك .. كانت تريد أن تكمل لي قصة حياتها .. أسكتّها أخيراً بقولي : لا بأس يا آنسة ... أرجو أن تنادي لي أندلس .

بعدها ظهر السيد يعرب .. وقال لي بلباقة : لا شك بأنك سلام .. أخ أندلس .. تفضل بالدخول .. كالعادة جعلتكَ ناي تنتظر طويلاً ...

دخلتُ بعدها مع أنني كنت أنوي أخذكِ فقط ... أصبحنا صديقين أنا ويعرب ... وبتّ أزوره ... أو بالأحرى أزوره طمعاً في رؤيتها .. أُعجبت بها كما كان واضحاً حبها لي .. حصلت على رقم هاتفها وخرجنا معاً ... مع ذلك كانت فتاة في غاية الاحترام ، شيءٌ ما في عينيها كان يستجديني لكي لا أقترب منها أكثر .. وكنت فعلاً أصغي لذاك الاستجداء .. فلم أتخطى يوماً حدودي معها ... لقد رأيتُ كثيراً من الفتيات اللواتي كُنّ يتمنّين أن يخرجن معي وأنا مسافر لكي يحققن مآربهن .. وحدها كانت تختلف ،! حتى أنها في لقائنا الثالث والأخير قالت لي بارتباكٍ أنها لا تدري كيف خرجت معي وأن ما حصل كان غلطةً كبيرةً .. لن تكررها ....

سأكون كاذباً إن قلتُ لكِ بأنني أحببتها !! كانت بالنسبة لي فتاة جميلة تفي بالغرض ، أأتمِنُها على بيتي .. وهذا يكفي بالنسبة لأيّ رجل ..... كنت أظنه كافياً .. لكنني ما إن رأيتها اليوم صباحاً في عقد القران .. حتى تدفقت فيّ مشاعر لم أكن أعرفها .. لم أكن أؤمن بوجودها أصلاً ... " تلعثم قليلاً وقال بنبرة مترددة " حسناً دعكِ مني .. تفوّهتُ بكلام ما كان يجدر بي قوله أبداً ..

نظرتْ إليه بغيظ وقالت : تلك الناي ... لعبتماها من وراء ظهري وأنا كالحمقاء !! كدتُ أجنُّ وأنا أسأل نفسي لمَ أنت مصرٌّ عليها إلى ذلك الحدّ ... ظننتها مرشحة تقليدية .. !!

أكملت بتوجيه : سلام .... كن لطيفاً معها ! فهي فتاة رقيقة ... لا ضير بقليل من العاطفة...
أومأ لها برأسه قائلاً بنفاد صبر : أندلس ، بالله عليكِ .. لستُ جلموداً !! تعاملينني على أنني لا أفقه شيئاً مما يسمونه "حياة" ..

صمتَ لـدقيقةٍ أو يزيد .. ثم قال بخفوت : أنا أدين لكِ أيضاً باعتذار !
هزت رأسها مستفهمة : اعتذار ؟؟ ....

- أجل ... ذلك اليوم ! ما كان يجب عليّ أن أحمّلك المسؤولية .. كنتُ غاضباً ومشوّشاً ! كلمتُ قبلها ناي لأعلمها بالأمر فما زادت الطين إلا بلـّة .. أخذت تبكي بحرقة ولم أدرِ كيف أتصرف .. أقفَلَت الهاتفَ بوجهي .. ومن ثم لم أجد سوى أن أكلمك بتلك الطريقة كتنفيس عن غضبي منها ومن الدنيا بأسرها !
أندلس .... أنا حقاً أعتذر ..

اندفعت إليه وهي تقول بدلال : حضن الصلح ... فاستقبلها مبتسماً بذراعيهِ المفتوحتين ...

أكملا السهرة بذكريات كثيرة ... كان أغلبها مضحكاً ، لكنها فجأة سألته :
- سلام ... سكتت ثم قالت بعد هنيهة : ماذا كنت تقول لها وأنتما ترقصان ؟
تعجب رافعاً حاجبيه وهو يقول : كنتُ أظنك طفلة ... لكنني كنتُ مخطئاً !

أكمل بتلعثم : بصراحة تغزلتُ بها ببيتين من الشعر .. أردف بثقة : كان لهما مفعول السحر ...
ضحك بسلاسةٍ وأكمل : كتبتُ في محرّك البحث كلمة " غَزَل " .. وأتتني النتائج كثيرة .
فوجئا بعدها بـوالديْهما الذيْن أتيا ليكملا معهما السهرة ! كانت سهرة عائلية من العمر ...

---

بعد أسبوعين ..

قادته رائحة الكعك الطازج إلى محل الحلويّاتِ الكبيرِ والذي يقبع بالقرب من مسجد الحيّ .. لكنه عندما وصل واجهته وجد عدداً لا بأس بهِ من الزبائن ... خارجين كما هو من المسجد بعد أدائهم صلاة الفجر ! فكرّ بالركض إلى أن تخفّ الأزمة ... فلطالما كانت تلك عادةٌ لها رونقها وهو يمارسها مع والده ... انقطع عنها بعد وفاته منذ ما يقارب العامين ... ببساطة كانت قد فقدت نكهتها عندما حاول فعلها وحيداً لأول مرة .. فكر أخيراً بأنها بداية جديدة .. فشعر بأنه يحتاج لأنْ يطمئِن لوجود والده " معه " وإن كان بعيداً .. فأطلق رجليه متحرراً من قيود كثيرة .. ثم أخذ يتأمل حاله .. ترى هل يكون هنالك مسجد في المدينة الغريبة ؟ هل سيجد أحداً يتحدث معه العربية من غير زملاء العمل .. هل من المعقول أن يشتاق لمذاق الحرف العربيّ وهو يخرج بسحرٍ من جوفه .. هل وهل .. كثيرةٌ هي التساؤلات التي قفزت لذهنه ...

جرى هنيْهةً مغمض العينين ... وما إن فتحهما حتى وجد نفسه يقف مجدداً أمام واجهة محل الحلويات أخذ يلهث غير مصدق لتلك الإشارة الإلهية ..... فابتسم طارداً من ذهنه كل المخاوف وقال بهمسٍ لذيذ :

لا خوف ... فمهما ابتعدنا .. ستظِـلُّنا سماءٌ واحدة !

اشترى الكعك وعاد أدراجه .. مودّعاً بطريقهِ حوائط الحيّ الذي كان جميلاً .. مفعماً بالذكريات ..

فتح الباب فاستقبله صوت والدته القائل : مَن ؟ فأجاب كعادته بشقاوة : العَوووْ ..
- أنا آدم أمي ...

ضحكت والدته وهي تقول : لا تتغير ... فأجابها بفخر : لن أكون ابن مروه إن فعلتها !

ناوَلَ والدته الكعك الملفوف بأوراق بنيّةٍ تبعث بالدفء .. ثم دلف غرفة أسد وهو يقول بتوبيخ : استيقِظْ أيها الدب ..... ليقترب منه أكثر رامياً نفسه بكل ما أوتي من عزم على تخت أخيه ليسمع –غيرَ متفاجئٍ - آهةَ ضجرٍ صدرتْ منه ...
- دعني أنااااااااام ...!
- ليس قبل أن نتكلم .... قال بجدية ..
- كم الساعة الآن ؟.

نظر آدم لساعة يده وهو يقول : السابعة إلا ربعاً .. لينهض أسد كالملسوع ، مندفعاً بـقوة نحو آدم ... وهو يقول بما يشبه البكاء : سترحل بعد قليل ... أليس كذلك ؟

أجابه آدم : أخيراً سترتاح مني ... لكنني سأكون كالجنّي وراءك في كل تحركاتك .. سأسمع أخبارك من عيوني المنتشرة ... تدري بأن علاقاتٍ جيدة تربطني بالعصفورة ....

دفعه أسد وهو يقول بانزعاج واهٍ : الحَقُّ عليّ .. قلتُ لنفسي " يا ولد أشعِره بقيمته ولو لمرة واحدة ... أصلاً أنا أعد الثواني لتنتهيَ الربعُ ساعةٍ الأخيرة لأفارق رقعةَ وجهك الكريهة ....

وكزه آدم بيده وهو يقول بجدية مبتسماً : دعكَ من أمنياتك الآن ..... أسد ( التفت إليه أسد غيرَ مصدّق .. لربما هي المرة الأولى التي لا يناديه فيها بـ " ليوني " ) تابع آدم كلامه قائلاً : أمكَ أمانة برقبتك .. لن أخرج إلا وأنا مطمئن بأن برفقتها رجلٌ بكل ما للكلمة من معنى !

أومأ أسد برأسه قائلاً بـثقة : هي أمي أيضاً ... يمكنك أن تسافر مرتاح البال ... أعدك بأنني سأنجح هذا العام ... ويوم النتائج سأتصل بكَ لأخبرك بأنني أنجزت الوعد !

تصافحا بعدها .. ثم نهضا وتعانقا عناقاً حاراً ....
لمح آدم أمه واقفة عند الباب .. فلم يُرِد أن يشعِرَها بـمقدار حزنه وفقده ... ضرب أسد على رأسه ضربة خفيفة وهو يقول بقرف غرض إضحاكها : رائحة فمك يا رجل !!!! أعوذ بالله ...

لتضحك والدته وهي تقول : أنتظر فيديوهاتك بفارغ الصبر ... وحدها ستضحكني بغيابك ...

وثب إليها بحركة سريعة .. وقـبّـل يدها ثم قال : أمي ... أعدك ... لن أخفض رأسك أبداً ... ثقي بأن عملي سيكون احترافياً ... قالها ثم احتضنها بحبّ وحنان بالغين ..

لا كلام يمكن أن يصف حرقة قلبها على ابنها وهو يودعها مسافراً .. ولا كلام يمكن أن يصف مدى اشتياقه لها ولأسد منذ اللحظة ... كما أن لا كلام يمكن أن يصف مقدار النجاح الذي أراده لكي يعتبر نفسه منجزاً لوعده الذي قطعه لنفسه ولأمه.

أنقذه مزمار سيارة جلال الصادح بصخب .. ليقول لوالدته بعدها بـتشويق : بدأ العد العكسي ... يوماً ما سألمع بسماء الوطن .. ثقي أمي ...

حركةٌ مستفهمة أدارت بها رأسها فأجاب : لا داعي لذهابك معي إلى المطار .. سيوصلني جلال ، دعواتك فقط هي كل ما أحتاجه الآن !

فتح باب المنزل وهرول مسرعاً غاضّاً طرفه عن حقيبةِ سفره الثقيلة .. طاحناً ألمه بصدره وناثراً إياه في الهواء البارد الذي استقبله فور فتحه لباب العمارة .. مبتسماً بكل حب لمستقبله الذي آمن بأنه سيكون واعداً ..

وقف أخيراً على العتبة وأمسك قلم الخط العربيّ الذي تناوله من مِقلمته القديمة لعدة أسباب وأخذ يكتب بخطٍ صغيرٍ حرٍ على الجدار الناعم .. بينما كان جلال ينتظره بسيارته الحمراء وهو يتأفف من وقفته غير المبررة على العتبة ...

صوت جديد مزعج صدر من مزمار السيارة الحمراء جعله ينهي الحركة الإعرابية الأخيرة بسرعةٍ ... ليلامِس ما كتب مودّعاً بأصابعَ مرتعشة ....


مِنَ الآنَ فاجْزَعْ لاَ تملّ منَ الصَّبْرِ


فَـفُرقَة ُ مَنْ تهوى أحرُّ منَ الجمـرِ

انتهى الفصل .. قراءة ممتعة للجميع ..
طويل ، أليس كذلك
بانتظار آرائكم وتعليقاتكم ... وتقييماتكم بالمرة ،

.. رَغـ‘ـد ،.


الرد باقتباس
إضافة رد

صفعتني بالورد / للكاتبة : raghad165 , كاملة

الوسوم
للكاتبة , بالورد , صفعتني , raghad165
أدوات الموضوع
طريقة العرض
مواضيع مشابهة
الموضوع الكاتب المنتدى الردود آخر مشاركة
لنحيا الحياة بأمل / للكاتبة : لا أريد مجاملة , كاملة ♫ معزوفة حنين ♫ روايات كامله - يتم نقل الرواية هنا بعد اكتمالها 97 01-10-2016 11:05 AM
القسمة والنصيب .. خيانتي / للكاتبة : لا أريد مجاملة , كاملة ♫ معزوفة حنين ♫ روايات كامله - يتم نقل الرواية هنا بعد اكتمالها 84 11-08-2016 07:53 PM
مجلس الروايات للإستفسارات و الطلبات فقط [ الإقتراحات ممنوعة ] ؛ ضمني بين الاهداب روايات - طويلة 1999 06-02-2012 04:14 PM
مجلس الروايات للإستفسارات و الطلبات فقط [ الإقتراحات ممنوعة ] ؛ روح زايــــد روايات - طويلة 2018 20-05-2011 10:18 PM
مجلس الروايات للإستفسارات و الطلبات ؛ الزعيـ A.8K ـمه روايات - طويلة 2042 24-02-2010 04:37 AM

الساعة الآن +3: 03:29 PM.
موقع غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات


تصميم دريم تيم

SEO by vBSEO 3.6.1