غرام
اكتب بريدك ثم اضغط على اشتراك ليصلك جديد غرام
بحث مخصص من محرك البحث العالمي قوقل للبحث في غرام

عـودة للخلف   منتديات غرام > منتديات روائية > أرشيف الروايات المغلقة - لعدم إكتمالها
الإشعارات
 
 
أدوات الموضوع طريقة العرض
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 11
قديم(ـة) 30-12-2013, 02:08 PM
صورة اسيرة الصمت..! الرمزية
اسيرة الصمت..! اسيرة الصمت..! غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
Uploadfef5c031fd رد: رواية الملاك الحارس


هاي مشاهدي الرواية .....

اسفة كنت امس مشغولة وما نزلت البارات بس الحين بنزل البارات 34 لعيونكم



-3-
شبـــــح الليــــــــل



تسمرت كريستينا في مكانها ، تتأجج في حيرة ، وتبحث عن عبارات تنطق بها . ظلت معقودة اللسان . لم تكن تتوقع أن تراه ثانية . لا بل تمنت إلا ترى وجهه في حياتها ، خاصة بعد تلك الحادثة المؤسفة ، وتصرفه البارد معها . ألم يؤنبها بعد أن خلا الشارع من المارة ، واعتبرها مجرد طفلة صغيرة ضالة؟ ألم يعتبرها سيئة النوايا لا هم سوى استغلال امرأة طاعنة في السن؟ ألم تشكره على مساعدته ، ومضى كل منهما في سبيله ، فماذا يريد الآن؟ من هو بالضبط ..؟

هتف هازئاً :

- ما هذا الصمت أيتها السكرتيرة البارعة؟ آمل انك لم تتعرضي لمزيد من المصائب منذ لقائنا الأخير .

شمخت كريستينا بأنفها . يدل مظهره ، وطريقة دخوله المنزل انه أحد الزوار الدائمين ، أو ربما يكون أحد أقارب السيدة براندون . وعرفت ان من الأفضل لها إخفاء عدائها إزاءه ولكن كلماته تجرح مشاعرها ، وتثير أعصابها إلى ابعد حد .

قالت بتأفف :

- شكراً . كل شيء على ما يرام .

رفع حاجبيه :

- هل أنتِ في طريقك إلى المكتبة لتناول الشاي؟

كادت تنكر كل شيء ، وتنسحب إلى غرفتها . ولكنها قاومت رغبتها العابرة وهي ترى يولالي منتصبة قرب باب المكتبة تصغي إلى تبادلهما العبارات المثيرة بدهشة . لا ، لن تتصرف بحماقة ، خاطبت نفسها ، ومشت بخطى وئيدة صوب المكتبة .

كانت غرفة المكتبة جميلة للغاية ، مربعة الشكل ، منخفضة السقف ، مفروشة بسجادة عجمية . وتمتد أرفف الكتب فوق ثلاثة من جدرانها وتزين الجدار الرابع نوافذ فرنسية ذات شراعات لاستقبال النسيم العليل . ولمحت مقاعد جلدية أمام النوافذ مع طاولة صغيرة في الوسط ووضعت هناك صينية ، يتوسطها إبريق شاي فضي وإلى جانبه فنجانان فاخران . وأدركت لتوها أن الشاي معد لشخصين فقط .
التفتت وراءها وهالها أن تراه يهم بإغلاق باب المكتبة . نظر إليها مبتسماً وكأنه يقرأ أفكارها . ثم قال ساخراً :

- افضل الشاي مع بعض الحليب ولكن بدون سكر من فضلك .

احمرت وجنتاها ، وأسرعت تظهر انهماكها بإبريق الشاي . بدا قديماً وثقيلاً وأحست بارتعاش خفيف بيدها ، حيث اندلق بعض الشاي فوق الصحن والصينية عضت شفتها آسفاً ، وأخذ المجهول المتطفل يهز رأسه تشفياً :

- ما هذا أيتها السكرتيرة البارعة؟ عليك تلقي بعض الدروس قبل أن تصبي الشاي لعمتي . إنها لا تتساهل أبداً حول أشياء كهذه ، وتبدي رأيها بصراحة . ألم تلاحظي ذلك؟

أرخت كريستينا إبريق الشاي باضطراب . تنبهت إلى كلمة واحدة نطق بها:

- تقول عمتي! هل أنت .... هي ...

قال بهدوء :

- هذه هي الحقيقة المرة . اعتقد أن الأوان حان لتقديم نفسي . أنا ديفلين براندون ابن أخت السيدة براندون .

ردت كريستينا بعد لحظة مليئة بالدهشة :

- هكذا إذن!

اخرج ديفلين براندون علبة سجائر من جيب قميصه وأشعل واحدة منها وعلق ببرود :

- اعرف أن وجودي مفاجأة غير سارة . هل يهدأ بالك لو قلت أن ردة الفعل كانت متبادلة؟

أجابت بامتعاض :

- وكيف ذلك؟

ابتسم بخبث :

- لأنك لم تشبعي فضولي كسكرتيرة حول حاجة عمتي إلى خدماتها .

تمالكت كريستينا أعصابها ، وصبت الشاي في الفنجان ، وحملته إليه بثقة و ثبات :

- ألا تعتقد أن سؤالاً كهذا يوجه إلى عمتك؟ وكف عن مناداتي بهذا اللقب!

أشار بأسلوبه اللاذع :

- لا يمكنني . إن ذلك يبدو لائقاً .

قالت وهي تشعر بالاعتزاز :

- لم أتصور أن اللياقة تهمك كثيراً يا سيد براندون .

ظل محافظاً على هدوئه ، مسترخياً في المقعد الجلدي ، وابتسامة ساخرة تعلو وجهه :

- إن للقطة الصغيرة مخالب إذن . أنصحك بعدم إظهارها . لا يتسع هذا المكا- ماذا تنتظر؟

- انتظر لأسمع اسمك وماذا تفعلين هنا.

ترددت كريستينا . كان عقلها يحثها على ردعه وإفهامه أن هذه الأمور لا تعنيه لا من قريب ولا من بعيد . ولكن ربما كانت مخطئة؟ انه من عائلة براندون ، ولا تعرف ما هو مركزه في العائلة بعد وأخيراً قالت بجفاف :

- اسمي كريستينا بينيت واختارتني السيدة براندون لأكون سكرتيرة ومرافقة .

أجاب بعذوبة :

- هل هذا صحيح؟

حدجته بنظراتها في غضب :

- يبدو ... يبدو انك لا تصدقني . ولكن هل يوجد مبرر آخر لوجودي هنا؟

أطفأ سيجارته في المنفضة :

- هذا ما تبادر إلى ذهني . وحتى الآن لم احصل على إجابة مقنعة .

أعادت كريستينا فنجانها إلى الصينية و قالت بحدة :

- انك تثير غضبي!

لوى فمه :

- ماذا؟ اسمعي يا آنسة بينيت أنتِ التقيتِ بعمتي ، ويمكنك أن تحكمي بنفسك عما إذا كانت تحتاج إلى مرافقة .

طوت كريستينا أصابعها باستياء :

- اعتقد أن ذلك يتوقف على ما تنتظره من خدمات.

- وما هي الخدمات التي يمكنك تقديمها؟

اضطربت قليلاً :

- لم نناقش هذا الموضوع بالتفاصيل ..

- هذا هو الصدق بعينه . قولي لي يا آنسة بينيت هل سبق لكِ أن قمتي بعمل مشابه؟

قالت تتحداه :

- نعم كنت اعمل مع ... مع ... عمتي ولعدة سنوات .

أجابها بفتور :

- وتعتقدين ان ذلك يؤهلك للعمل مع عمتي . انك أما بالغة السذاجة أو خارقة الذكاء يا آنسة ولا أدري أيهما أنتِ؟.

فغرت كريستينا فمها :

- انك قليل الحياء يا سيد براندون . إذا كانت عمتك تعتبر مؤهلاتي كافية فهذا يكفيني ( ونهضت واقفة ) والآن اسمح لي بالانصراف ...

قال بفظاظة :

- اجلسي مكانك . لم انته من الكلام بعد .

ابتسمت باستخفاف :

- يا لحظك السيئ . لم يعد لدي ما أقوله . ومن الواضح انك تجدني غير مؤهلة لهذا العمل ، مع إنني لا افهم لماذا ...

قاطعها بحزم :

- لا تفهمين لماذا؟ أمعني النظر يا عزيزتي الصغيرة .

وقبل أن تأتي بحركة ، توجه نحوها ، وامسك بكتفيها ، فوجدت نفسها أمام مرآة معلقة قرب الباب . صدمها مظهرها الغريب بشعرها الأشعث ، و وجنتيها المحمرتين ، وعينيها المتطايرتين شرراً . بدت مخلوقة همجية . حاولت التملص من بين يديه فمنعها بصوت أجش :

- لا تتحركي . واسألي نفسك ما الذي يمكن أن تقدمه فتاة في مثل سنك ومظهرك إلى امرأة مثل عمتي .

رددت بعنف :

- ربما كانت السيدة براندون لا تريد الانزواء كسيدة طاعنة في السن . تريد أن تنعم بصحبة أحد في مثل عمري وهذا ما قالته لي .

- وأنتِ أغرتك الحياة الصاخبة في هذه المنطقة من العالم فتشبثت بعمل كهذان لأكثر من نمرة واحدة ، وكما ستلمسين ذلك بنفسك وإنني انتظر

كانت خائفة ومتوترة الأعصاب وكادت تبوح له بكل الحقيقة وتروي له شكوكها ومخاوفها التي تقض مضجعها ولكن لتتركه يفكر كما يشاء لن تبالي به .
وقالت ضاحكة :

- طبعاً ولا تعتقد إنني وقعت في خدعة معينة . إن السيدة براندون شرحت لي كل السلبيات والمصاعب والتي ستعترضني .

تركها وشأنها ومشى نحو النافذة :

- وماذا عن الإيجابيات والفوائد ... هل ذكرتها لك ؟

استطردت بثقة :

- إنها اشهر من أن تعرف .

ورأته يلتفت إليها بمرارة وامتعاض :

- ربما كنت على حق ، لا ادري ما الذي دفعك لقبول العمل في هذا المكان المنعزل ومع سيدة مستبدة لا تزال تظن أن عصر الرقيق لم يتم إلغاؤه بعد .

قالت كريستينا بصوت مضطرب :

- يا لك من خسيس قليل الأدب . كيف تقول هذه الأشياء عن عمتك ...

قاطعها :

- إن آرائي لا يهضمها خيالك الشاعري وتصورك لحياة المزرعة . لا تخدعي نفسك يا آنسة بينيت أنت لا تعيشين في الفردوس ، ولا توجد ملائكة هنا .

حمدت ربها وهي تلاحظ انفتاح باب الحجرة . ظنت أن يولالي عادت تطمئن عليها . لاكن خاب ظنها .

رأت شاباً في ريعان الصبا ، فائق الوسامة بشعره الأسود وعينيه اللامعتين وفمه الجميل . كان يرتدي ملابس الفروسية بأناقة تامة .

خاطب كريستينا بلباقة مهذبة :

- تأخرت كثيراً ويبدو انك تناولت الشاي . أردت العودة مبكراً أرجو المعذرة اسمي ثيو براندون .

ثم انقبضت أساريره قليلاً ، كان شيئاً ما أزعجه ، قال :

- مرحباً يا ديفلين

أجابه ديفلين بانحناءة من رأسه :

- لم اكن اعلم انك تحب الشاي يا ثيو؟

هز ثيو بكتفيه ونظر إلى كريستينا بلطف :

- أردت الترحيب بالضيفة الجديدة .

رفع ديفلين حاجبيه :

- ضيفة؟ تقول أنها أتت لتعمل هنا .

رد ثيو متبرماً :

- لا بأس . ستجد جدتي شيئاًَ يشغلها في ساعات الضجر ولكن عليها أن تستعيد نشاطها تحت أشعة الشمس ( ونظر إليها بإشفاق ) لقد عانت جدتي كثيراً مؤخراً إذ فقدت إحدى قريباتها .

- آه ... لو أنني عرفت ذلك لوفرت على نفسي متاعب كثيرة ( ومشى نحو الباب ثم توقف ) عندما ترتاح عمتي من عناء السفر ، هل أبلغتها أن وفداً من لجنة الجزيرة يرغب في مقابلتها وفي الوقت الذي يلائمها .

ابتسم ثيو ابتسامة باهتة :

- هل من الضروري أن تجتمع بالوفد؟

- لا . ولكن طلبوا مني إبلاغها .

جلس ثيو على حافة المقعد ، ينقر حذائه بسوط الركوب ، واستفسر :

- وهل ستكون أحد أعضاء اللجنة؟

استدار ديفلين يهم بالخروج . كان معكر المزاج وسمعته يردد بعنجهية :

- طبعاً ، طبعاً .

قالت بنبرة واضحة عذبة :

- وداعاً يا سيد براندون .

هدر غاضباً .

- افهم معنى كل ما قلتيه لي ، آنسة بينيت ولكنك تبالغين قليلاً لاشك أننا سنلتقي اكثر من مرة وأثناء إجازتك .

لحظها السيئ ، فكرت كريستينا ، وهو يوصد الباب وراءه بشدة ووجدت ثيو ينظر إليها باستغراب ، فخجلت قليلاً . سألها ثيو بوقاحة :

- هل تجدينه جذاباً؟

كادت أن ترد عليه بوقاحة أشد ، ثم تذكرت أن الاثنين تربطهما صلة القرابة :

- آسفة . لم اقصد ....

قهقه :

- ما لنا وللمجاملات . كانت ردة فعلك طبيعية سيشعر بصدمة رهيبة لو عرف حقيقة مشاعرك تجاهه . انه يعتبر نفسه فاتن النساء . وما الذي قاله فأغاظك هكذا؟

أجابت تتعمد إخفاء اضطرابها :

- لا شيء . سبق لنا أن التقينا قبل هذه المرة وهذا كل ما في الأمر .

علت الدهشة وجهه .





- متى كان ذلك؟ هل تعرف جدتي ذلك؟

اعترفت كريستينا على استحياء :

- لا . حاولت أخبارها لكنها كانت غاضبة جداً ورفضت الإصغاء ألي .

ابتسم ثيو ابتسامة غامضة :

- يا لك من مسكينة يا كريستينا هل أتعبتك جدتي كثيراً ؟

قالت تغالب توترها :

- أنني معتادة على السيدات المسنات .

- أنا لست مستاء منك . وكلي لهفة لسماع أخبارك . متى التقيت بابن العمة ديفلين وماذا فعل لإزعاجك؟

عضت كريستينا شفتها :

- لم يزعجني أبداً . كان بالغ التهذيب . تصادف مروره وأنا أتعرض للسرقة في المارتينيك أمس . كانوا ثلاثة وما أن رأوه حتى اختفوا كلهم .

- وهل عاملك كرجل شهم يفيض نبلاً؟

ردت كريستينا محتدة :

- لم يعجبني تصرفه أبداً عاملني بأسلوب استفزازي

- وهل دعاك لرحلة على زورقه؟

ازدادت لهجتها جفافاً :

- أبداً ولم اعرف انه يملك زورقاً .

- يملك زورقاً كبيراً احسده عليه . أحذري من خدعه الملتوية يا كريستينا .

قالت بفتور :

- أنا لا تعنيني أموره الخاصة . هل قلت انه ابن عمتك؟

أجاب بتأفف :

- أناديه هكذا وهو في الحقيقة عمي ، ولكنه لا يحب أن أخاطبه بهذا اللقب . وقد افعل ذلك للاقتصاص منه ولتصرفه غير اللائق معك .

جن جنونها :

- لا أرجوك . انه يعترض على وجودي هنا لسبب ما . ربما يغير رأيه عندما يراني اعمل بإخلاص مع السيدة براندون .

قال مطمئناً :

- لا تجزعي فهو لا يسكن هنا . هل أنتِ مسرورة الآن؟

أحست كريستينا بارتياح عميق . ثم حاولت أن تحافظ على حيادها في خلافات العائلة أو منازعاتها التي لا تفهمها :

- لا يمكنني إبداء سروري . يكفي انه أنقذني من أولئك الأشقياء اللصوص الذين سرقوني .

تثاءب ثيو قليلاً :

- لا تشغلي بالك كثيراً . ربما كان أولئك الأشقياء من أصدقائه وقاموا بتمثيلية مرتبة ولذلك فروا هاربين . انه شخص غريب الأطوار ، وذو ماض يفوح بالقذارة .

سرت رعشة مخيفة في مفاصلها . واصطكت ركبتاها هلعاً ، فارتمت على المقعد وتقدم منها ثيو يهدئ روعها :

- أنا آسف

قالت بحرج شديد :

- أنا آسفة جداً لا بد أن الحر اثر علي . من الأفضل أن اذهب إلى غرفتي الآن .

وقف ثيو يساعدها على النهوض قائلاً :

- فكرة رائعة . استريحي لبعض الوقت . لا شك أن الطاهية كوكو تعد لنا عشاء شهياً إكراما لك.

أعلنت كريستينا محتجة :

- ولكن لا ضرورة إلى كل هذا

تركها تصعد السلم ، متجهة إلى غرفتها فاستلقت على فراشها قلقة حائرة وتذكرت كلمات العراف : احذري من إبليس آرك اينجل .

وهي تعرف الآن أن إبليس ليس سوى ديفلين إنها تعرف ذلك جيداً وعليها الاحتراس واليقظة . هل كان العراف يخدعها بعد أن اكتشف هويتها ووجودها مع السيدة براندون وهو لا شك يعرف ديفلين فحاول إثارة مخاوفها عمداً؟

أغمضت عينيها وشبح ديفلين بوجهه الساخر الجامد يحوم في مخليتها . تمنت لو تطرد هذا الشبح المخيف وتحل محله صورة ثيو بأناقته وعذوبة كلماته . وأدركت أن ديفلين يستحوذ على تفكيرها مهماً فعلت ، بحركاته وأقواله ورجولته ، في حين أن ثيو مجرد صبي . ولكنها تكره ديفلين . تكره حتى ذلك اللون الفضي في عينيه انه عدوها وعليها ألا تنسى هذا أبداً .







سمعت دقات خفيفة على الباب ثم دخلت يولالي وقالت مباشرة :

- السيدة براندون تسأل عنك .

أسرعت كريستينا ترتب هندامها .

- حسناً خذيني إلى غرفتها .

مشت خلف يولالي إلى أن بلغتا البهو الرئيسي . وأدركت كريستينا أن جناح السيدة براندون يقع بمحاذاة البهو الكبير ، ويتكون من غرفة نوم كبيرة وحمام وحجرة صغيرة تضم آلة بيانو .
كانت السيدة براندون منفرجة الأسارير عندما دخلت كريستينا :

- أجلسي يا ابنتي هل أنتِ بخير؟

أجابتها كريستينا بانحناء من رأسها ثم قالت :

- آسفة كان علي تغيير ملابسي لتناول العشاء .

تقبلت الأمر برحابة صدر :

- لا أهمية لذلك . لا أتوقع منك أن تعرفي كل شيء منذ اليوم الأول . اخبريني ما هو رأيك في ارك اينجل؟ هل أعجبك الحال هنا؟

لم تتوقع كريستينا سؤالاًَ كهذا ، فغمغمت ببضع كلمات غامضة . فطمأنتها السيدة براندون :

- اعرف انك تحتاجين إلى مزيد من الوقت لاتخاذ قرار كهذا . ولكن أريدك أن تتصرفي وكأنك في بيتك.

أجابت كريستينا بحياء :

- هذا من لطفك يا سيدتي أعدك ببذل جهدي لتلبية كل طلباتك وأتمنى أن تحددي مهام عملي هنا وما يتطلبه بالضبط ، ونوعية واجباتي .

لوحت السيدة براندون بيدها ، تتلألأ منها الماسة كبيرة ، وقالت :

- يوجد متسع من الوقت لبحث كل ذلك أما الآن فخذي فسحة من الراحة وتمتعي بما حولك واعتقد انك تعرفت على حفيدي .

قالت كلماتها الأخيرة بدون مبالاة ولكن كريستينا أحست بتوتر خفي . أجابت على نحو طبيعي :

- نعم تعرفت عليه آتى عندما كنت أتناول الشاي .

- هذا ما قاله لي . يبدو انك تركت لديه انطباعاً طيباً .

نظرت كريستينا مذهولة :

- انك تبالغين قليلاً يا سيدتي . إن الأولاد في مثل سنه يتأثرون بسرعة .

تجهمت السيدة براندون :

- في مثل سنه؟ انه لا يصغرك إلا بأشهر قليلة . وفي الحقيقة تبدين بشعرك المتدلي فوق كتفيك اصغر منه .

قررت كريستينا اتباع سياسة الحذر :

- نعم . ولكن يقال أن البنات ينضجن قبل الصبيان ولو كانوا في سن واحدة .

ردت باقتضاب :

- من المحتمل . لم يحدث أن تعرفت على عدد كبير من البنات ، ولذلك أعجز عن إعطاء رأيي في هذا الأمر . هل تجدين ثيو صغيراً بالنسبة إلى عمره؟

سارعت كريستينا بالقول :

- لا . أبداً يبدو انه ناضج تماماً ويحب الحياة .

طاب خاطرها فتنهدت قائلة :

- صحيح انه لم يرزق بصحبة أبناء من جيله حتى الآن . واعلق آمالي عليك لسد هذا النقص قدر المستطاع . أنكما مثال الرفيقين مع بعضكما البعض .

بلعت كريستينا ريقها محتجة بدون طائل :

- ولكن اعتقدت إنني سأعمل سكرتيرة لك .

عقدت السيدة براندون حاجبيها :

- ليس تماماً يا ابنتي . أنا لا أدفعك للعمل مع ثيو . أريد القول أن لديك كامل الحرية لتقبل دعوة منه .

احمرت وجنتا كريستينا وتمتمت :

- شكراً يا سيدتي .

- هل يزعجك اهتمام حفيدي بك؟

مدت كريستينا يدها تفرك أذنها :

- كلا انه شاب مهذب ولكن لا افهم كيف تسمحين لي كموظفة ليست أرقى من الخادمات كثيراً بعمل صداقة مع حفيدك .

تجمدت عينا العجوز وقالت مصعوقة :

- أنتِ ضيفتي وكانت ربة عملك صديقتي . لا أريد سماع أي حديث عن خدمات وما إلى ذلك بعد الآن . تتكلمين كأنك تعيشين في القرن الماضي .

أطرقت كريستينا رأسها :

- أنا آسفة ولكن وضعي هنا يبدو غامضاً جداً ...

داعبت وجنتها بنعومة :

- هدئي من روعك لا داعي إلى القلق وهذا الاضطراب والآن دقي الجرس ولنذهب لتناول العشاء .

التهمت كريستينا طبقها بشهية رغم أفكارها المشوشة ومراقبة ثيو لها خلال فترة العشاء بأكملها. ثم توجهوا إلى صالون خاص تزينه ألوان ذهبية وعاجية وانتهزت كريستينا انهماك ثيو في لعب الورق لتتجول في الغرفة وتمعن النظر في اللوحات والرسوم المزخرفة . ومر أمامها شريط من صور عائلة براندون مغرقة في القدم ثم لمحت لوحة زيتية تصورت أنها بريشة الرسام الفرنسي الشهير رينوار .




انتهت من جولتها فأحست بالملل الشديد . تمنت لو تستطيع التنزه في حدائق ومنتزهات المنزل لكنها عدلت عن ذلك لمعرفتها أن ثيو لن يتوانى عن رفقتها كانت لا تريد التورط في أية علاقة غرامية معه والأفضل أن تخرج وإياه للتفرج على المزرعة والحقول المجاورة في وضح النهار وليس تحت ستار الظلام . همس ثيو في أذنها ، فاضطربت قليلاً :

- هل تحبين الموسيقى؟

أجابت :

- احبها كثيراً رغم أنني لا أجيد العزف على أية آلة .

تقدم من دولاب قديم وفتحه . رأت آلة ستيريو ومجموعة ضخمة من الاسطوانات وأشار عليها باختيار ما تريد قائلاً :

- أنها كلها موسيقى كلاسيكية للأسف جدتي تمقت الموسيقى الراقصة يوجد ما يشبه النادي الليلي في سانت فيكتوار يمكننا الذهاب معاً إلى هناك ذات مساء إذا أحببتِ .

كانت دعوته العفوية تلقائية وطبيعية لذلك كان لا يجوز رفضها ، قررت بينها وبين نفسها ولم تكن مفاجأة لم تتوقعها ، فابتسمت شاكرة .

وقع نظرها على اسطوانة تعجبها فطلبت منه سماعها وجاءت الموسيقى الناعمة لتشكل خاتمة لطيفة ليومها . هكذا حدثت نفسها وهي تتوجه نحو غرفتها مخلفة وراءها ثيو مكسور الخاطر . بدت غرفتها مريحة مزهوة باستقبالها ولاحظت أن أحداً ما أشعل المصباح بجوار سريرها . خاطبت نفسها :

- علي الاحتراس ، وإلا وقعت ضحية هذه الحياة الجديدة .

وهذه هي مشكلتها أتت إلى هنا لتعمل وتكسب رزقها بعرق جبينها وها هي تكتشف أن للحياة أشكالاً أخرى مختلفة ولن ترضى بحياة كهذه تؤدي بها إلى الكسل والخمول والاعتماد على الغير أوت إلى الفراش وظلت مسهدة لا يجد النوم إلى عينيها سبيلاً . تمنت لو نفذت خطتها وقامت بنزهة قصيرة بدلاً من الإصغاء إلى الموسيقى . إن الهواء العليل يهدئ الأعصاب و يجلب النعاس . وبعد أن تقلبت في الفراش متململة لبعض الوقت نهضت من السرير وارتدت معطفها . مشت نحو النافذة وفتحت الشيش المطل على الشرفة . كان الجو منعشاً فكرت وهي تحدق إلى صفاء الفضاء يتهادى فيه قمر فضي بشعاع باهت . تنفست بعمق وإحساس بالمرح . بدا كل ما يحيط بها عالماً جديداً لا عهد لها به .
وبينما هي غارقة في أحلامها العذبة ، لفتت انتباها حركة مكبوتة في الأسفل . عرفت لتوها القامة التي خرجت من الظلال وسطعت تحت ضوء القمر رغم اختفاء الجاكيت الأسود ، إنها يولالي تمشي بجسدها الأهيف . ورأتها كريستينا تدور حول حمام السباحة تسرع الخطى في اتجاه شجيرات كثيفة كالشبح .
عادت كريستينا إلى غرفتها وخلعت معطفها . تأكد لها أن يولالي ذاهبة للقاء أحد ما ولا بد انه شخص لا يسكن في آرك اينجل .

استلقت على فراشها يساورها الارتياب . إن هذا الشخص ليس سوى ديفلين براندون ولكن لماذا تشغل بالها به وبهذه الخادمة .

تابع ...................................


.......( اذكركم : هذي الرواية من خيال صديقتي اسماء لأنها قالت لي اكثر منتدى تحبيه عشان انزل فيه روايتي قلت منتدى غرام ... مره حلو )

  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 12
قديم(ـة) 30-12-2013, 02:10 PM
صورة اسيرة الصمت..! الرمزية
اسيرة الصمت..! اسيرة الصمت..! غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
Uploadfef5c031fd رد: رواية الملاك الحارس


4-

مشــــاعر وليـــدة


أمضت كريستينا ليلة مليئة بالقلق ونهضت في الصباح تغشى ذاكرتها أطياف كوابيس مرعبة . فتحت عينيها خائرة القوى غير أن أشعة الشمس المنبعثة عبر الستائر أعادت إليها بعض حيويتها . وأعلن القرع الخفيف على الباب وصول يولالي تحمل كوباً من عصير الفاكهة الطازج ، وبعض الخبز ولزبده وإبريق قهوة حارة شعرت كريستينا ببعض الحرج وهي تتمدد فوق الفراش . لم يسبق لها أن تناولت فطورها في السرير ، إلا في حالة مرضها . وبدت يولالي مستاءة هي الأخرى وألقت عليها تحية الصباح بلهجة شبه عدائية . وما أن غادرت يولالي الغرفة حتى ألقت كريستينا نظرة عاجلة على المنبه الذي جلبته معها من إنجلترا . لا يزال الصباح في بدايته فقررت البقاء في غرفتها مدة ساعة أو ساعتين طالما أن السيدة براندون لا تحب النهوض باكراً كما علمت منها.
أنهت فطورها ، وارتدت بنطلوناً ضيقاً قصير الأكمام ، ثم رتبت سريرها ، وأسرعت بالعدو في اتجاه الحديقة عبر السلم الخلفي . وقادتها قدماها إلى الشجيرات الكثيفة عند أطراف الحديقة فلمحت ممراً ترابياً يؤدي إلى الشاطئ . كان الهواء يترنح بهمهمة النحل وحشرات أخرى وترامى إلى مسامعها همس الأمواج تداعب الشاطئ البعيد .
حثت الخطى ، متفادية الجذور الجافة البارزة ، حانية رأسها مخافة شبك شعرها في الأغصان المتدلية . كان ممراً ضيقاً وبدت الشجيرات الكثيفة تمتد أمامها مثل نفق داكن اخضر لا تخترقه أشعة الشمس .
وأخيراً وصلت إلى بقعة الرمال الفضية المنحدرة برشاقة نحو المياه المزبدة ورفعت وجهها تتأمل بامتنان ، تخال أنها تقف وحيدة في عالم هجره أهله ، ولم تعد تسمع سوى تغريد عصفور سعيد وصوت مياه البحر الحالم . انه شاطئ مثالي هادئ ، خاطبت نفسها ، ولا بد لها من انتهاز الفرصة غداً فتجلب ملابس السباحة ، وتنعم بدفء الموج اللذيذ . خلعت حذائها ومشت حافية إلى حافة المياه فلامست قدميها بنعومة رقيقة . ثم بدأت تمشي على الشاطئ ، والنسيم العليل يداعب شعرها ويبعث في شرايينها حياة جديدة ، طارداً بقايا ليلتها البائسة .
وخالت أنها الآن قادرة على تحمل كل المصاعب التي تواجهها في موطنها الجديد وحتى ثيو ستعرف كيف تتعامل معه ، مهما كانت نوياه . علت فمها ابتسامة وهي تفكر في ثيو ، ذلك الفتى الدمث الأخلاق المرهف الشعور ومع ذلك قررت انه لا يلائمها أن تتزوج أحد اقرب إلى مزاجها ، وتصورها لمواصفات الرجل ، رجل المستقبل ووجدت نفسها تفكر في ديفلين براندون ، فاجتاحها مشاعر غامضة وكأنها ترفض إصدار حكم نهائي عليه .

كانت غارقة في أفكارها ، تمتع أذنيها بهدير الأمواج فلم تنتبه إلى صوت إيقاع مكبوت يرتفع وراءها وعندما تبينته قليلاً ، احتارت في معرفة مكان انبعاثه ثم أدركت بهلع انه إيقاع حوافر حصان يعدو فوق الشاطئ . نظرت وجلة ممتعضة تعلن حظها السيئ ورأته بقامته الطويلة يمتطي حصاناً أسود اللون ضخماً كان عاري الصدر ، داكن البشرة يفيض رجولة ورقة . أين المفر الآن؟ فكرت كريستينا لتركض مسرعة إلى الأشجار ، فهي ملاذها الوحيد .

أدركت انه يلاحقها عمداً ، فضاعفت من سرعتها . زلت قدمها والتوى كاحلها التواء مؤلماً دفعها إلى إطلاق صرخة ألم موجعة وتهاوت على الرمال بائسة تمسك قدمها .

شد ديفلين لجام حصانه وقفز برشاقة عنه ، مندفعاً نحوها وهتف :

- هل جننتِ يا كريستينا..؟

كان يتوقد غضباً وأدركت مدى جنونها وهي تحاول الهرب على هذا النحو . كانت نزوة صبيانية لا يجوز أن تخضع لها بعد نضوجها وما هو عذرها؟ لا شيء سوى عنادها ورفضها مواجهته ، وها هي الآن تنبطح أرضاً وتخسر ما تبقى من كرامتها.

حاولت النهوض ، فتهاوت لا تستطيع حراكاً . انحنى ديفلين براندون بجانبها وراح يتفحص باهتمام كاحلها بإصبعه ، فأغمضت عينيها بقوة . قالت بجفاف :

- سأكون بخير بعد برهة قصيرة

وقف على قدميه معلناً في تهكم :

- يفرحني أن اسمع رأيك الحكيم . بدأ كاحلك بالتورم كما ألاحظ . لابد من غسله بالماء البارد وربطه . سآخذكِ إلى حجرة المركب لمعالجته .

وكأنها أصيبت بصدمة عنيفة صاحت :

- كلا! ( ثم غيرت لهجتها ) اعني ... اعني شكراً على مساعدتك ولكن سأكون بخير إذا ما استرحت لبضع دقائق هنا .

استشاط غيظاً :

- يالك من مخلوقة عنيدة . اعرف كم يصعب عليك الاعتماد علي مرة ثانية ولكن لا خيار لديك . وأعدك بالاهتمام بكاحلك ولا شيء غير ذلك ، إذا كانت الشكوك تساورك .

انحنى ليساعدها على النهوض ، فاشتعلت حقداً وغرزت أسنانها في يده بسرعة البرق . شتمها وسحب يده وقد لطختها بقع حمراء غائرة دامية . جلست كريستينا صامتة متوجسة تشعر بالذنب . نظرت إليه وكلمات الاعتذار ترتجف فوق شفتيها فرأته يبتسم قليلاً :

- ما معنى هذا العض ، هل صدر مني ما يغضبك؟

غصت حنجرتها :

- أنت .... أنت ....

- انكِ قليلة الحياء ، ولا بد من تلقينك بعض الدروس في كيفية التعامل مع الآخرين


وفجأة انكب فوقها وحملها إلى حصانه . أقعدها فوق السرج وامتطى الحصان وراءها ، قطعا مسافة قصيرة خالتها كريستينا أميالاً تتلوها أميال . يا لها من لحظات حرجة انعقد خلالها لسانها وهي تصارع أحاسيسها الغريبة . تجمدت فوق ظهر الحصان لا تجرؤ على الآتيان بأية حركة ، كان راكباً وراءها وكأنه لا يبال بما يدور في داخلها من صراع رهيب . لا شك انه رجل جذاب وتدرك ذلك من أعماق قلبها ، لكنها لن تفصح بأي شيء . لا ، لن تخضع لوسامته ، لن تبوح بعواطفها المتأججة .

تمهل الحصان قليلاً ، ووقع نظرها على مركب فخم يتهادى قرب الشاطئ وقرأت اسمه المطلي بإتقان : عذراء القمر . لم تكن معتادة على امتطاء الخيول من قبل فأحست بالإعياء وظل كاحلها يؤلمها بشدة . حمدت لله عندما ترجل ديفلين وحملها وأنزلها عن السرج وبدأ الحصان يعدو مبتعداً عن الشاطئ .

سألته :- لماذا فعلت هذا؟
قال :- إن الإسطبل في ارك اينجل وهو يعرف طريق العودة . مارك سيهتم به .

لم تصدقه . انه لا يسكن في ارك اينجل ورأت كوخاً صغيراً قرب تله رملية . ترى هل يعيش في هذا المكان؟ سألت نفسها حاولت أن تمشي ، فأخفقت إخفاقاً مزعجاً حملها بين ذراعيه واخذ يصعد بها السلم الخشبي . دخل غرفة كبيرة مبعثرة الأثاث تغطي أرضها بطانيات مزخرفة الألوان . ورأت في الزاوية مقعداً خشبياً تتكوم فوقه بعض الأقمشة تستر شيئاً ضخماً تحتها .

فتح باباً داخلياً فوجدت نفسها في غرفة النوم ، حيث ألقى بها فوق السرير . توارى عن نظرها لبعض الوقت ، فعرفت انه يجلب بعض الماء وضمادة . عادة يحمل إبريقاً وصندوق إسعاف وقال آمراً :

- ارفعي أطراف بنطلونك إلى أعلى . هيا وإلا طويتها أنا .

فأذعنت لأوامره صامتة . وأخذت تراقبه بحذر وهو يعلب دور الممرض والدكتور خف الألم الموجع وقد لف كاحلها ضماد متين ، قالت بامتنان : شكراً .
ابتسم بعذوبة : - حاولي الوقوف الآن .

وأمسك بيدها ، وتحاملت على نفسها حتى لمست الأرض بخفة . وقفت منتصبة رغم إحساسها ببعض الوجع وتمتمت :

- إنني بخير الآن . يجب أن انصرف .

أشار نحو الباب :

- كما ترغبين . ولكن القهوة الآن جاهزة إلا تريدين شيئاً ساخناً؟

- شكراً من الأفضل أن اذهب . ستفتقدني السيدة براندون .

ألقى نظرة سريعة على ساعته :

- في هذا الوقت؟ ما بالك ، هل تخافين مني؟

توردت وجنتاها : - ما الذي تقصده؟ لم يخطر ...

قال وهو يلتهمها بعينيه :

- يوجد مشط في الدرج أنصحك بالاعتناء بمظهرك سأتدبر آمر القهوة . انضمي لي ساعة تشائين .

استدار وخرج . ياله من وغد! خاطبت كريستينا نفسها ما الذي يدبره لها؟ يا ليتها لم تخرج إلى الشاطئ . إنها الآن أسيرة نزواته الشريرة . كان العراف على حق انه إبليس بعينه ، إبليس الذي يعذبها بأساليب ملتوية و يهزأ منها كلما حاولت مقاومته .

وقفت أمام المرآة تسرح شعرها ، وتفكر في وضعها . قررت أن تشرب القهوة فتهدأ أعصابها قليلاً ، وتتمكن من التفكير بوضوح اكثر . توجهت إلى غرفة الجلوس . كان ديفلين يجلس في الزاوية يحمل إبريقاً وبعض الفناجين . استنشقت نكهة القهوة وكأنها فخ لاصطيادها ، فجلست على طرف المقعد ، متمنية أن يظل بعيداً عنها وبدا للوهلة الاولى منهمكاً في احتساء القهوة ، فاطمأنت .

أخذت تتمعن في الغرفة . رأت صفاًً من البنادق قرب الجدار المجاور لها وبعض أدوات صيد السمك . كان كل شيء يدل على مكان لا اثر لذوق النساء فيه .
تنحنحت : - هل تعيش هنا منذ مدة طويلة؟

- منذ أربع سنوات ، منذ وفاة أهلي .

حملقت فيه كريستينا بدهشة . غاب عنها للوهلة الأولى انه ابن مادلين شقيقة السيدة براندون ، تألمت لحاله بدون أي مبرر . سألته بعفوية :

- وتسكن هنا وحدك؟

قال وهو يقهقه :

- ياله من سؤال! لا تتوقعي مني أي جواب .



وتابع وهي تشعر بالإحراج : - علاوة على ذلك ، لا شك أن عمتي قد ألمحت أمامك إلى حياتي المتحررة الصاخبة . واعتقد أن هذا هو سبب فرارك مني على الشاطئ .

رمت بشعرها إلى الوراء :

- لم افر منك . كنت أتمتع بالبحر والهواء ، ولم اكن ارغب في رؤية أحد .

قهقه عالياً :

- انه تصرف لا يليق بسكرتيرة ، إذا كنت ستمارسين أي عمل .

فغرت فاها : - ماذا تقصد يا سيد ديفلين؟ إلا تصدق إنني سكرتيرة؟
استطرد هازئاً :

- لا أظن ، لأنني اعرف عمتي جيداً . إنها إنسانه ذات شخصية مستقلة ومستبدة ولم يسبق لها أن احتاجت إلى مساعدة أحد .

وضعت كريستينا كوبها على الطاولة الصغيرة ، وشبكت أصابعها مضطربة :

- يبدو لي أن خلافاً ما نشأ بينك وبينها . لا اعرف ما هو ، ولا علاقة لي بذلك . لكنها ربة عملي ، وعاملتني بكل لياقة ، وأشعر بالحب والولاء لها . ربما كنت على حق فهي لا تحتاج إلى سكرتيرة ، ولم تعرض علي العمل إلا حرصاً على كرامتي وحفاظاً على صداقة قديمة ...

توقفت عن الكلام ، وهو يحدق فيها وكأنها مجنونة . قال متجهم الوجه :

- ما هذا؟ ما هي هذه الصداقة القديمة؟

بلعت ريقها قائلة :

- كنت أعيش مع عمتي ، وربة عملي الآنسة غرانثم غريس . ماتت منذ بضعة أسابيع ولكنها كتبت إلى السيدة براندون قبل وفاتها ، وأعتقد إنها طلبت منها الاعتناء بي . لذلك جاءت إلى إنجلترا وعرضت العمل علي والبقاء في هذا المكان .

بدا وكأنه لم يسمع كلمة قالتها :

- ولكن أنصحك بالعودة إلى إنجلترا وهذه نصيحة صديق .

تفجرت غضباً :

- لا احتاج إلى نصيحتك أو نصيحة أي إنسان . ولا يمكنني العودة إلى إنجلترا الآن بدون أي نقود .

قال بهدوء :

- يا لها من ورطة!

ردت بكبرياء :

- إنها ورطتي أنا . اعرف أن الوضع صعب ولكن علي تلبية رغبات السيدة براندون.

قال مهدداً :

- إذن ابقي عند عمتي ، وتحملي وضعك ولكن إياك أن تجئ إلى باكية صارخة عندما تسوء معك الأحوال .

وقفت متثاقلة على قدميها وقالت بصوت مرتجف :

- أنت آخر من أفكر في اللجوء إليه يا سيد براندون آسفة لإزعاجك لن ترى وجهي بعد اليوم .

مشت نحو الباب ، فأحست بيديه تمسكانها بفظاظة :

- لماذا لا تعضين الآن؟

استعادت صوابها ، وصرخت مبتعدة عنه ، والخجل يغمرها :

- يا لك من وغد أيها الإبليس اللعين!

وأطلقت ساقيها للريح ، تعدو هاربة رغم آلام قدمها . كانت تتلوى آلماً عندما بلغت سلم الحديقة المؤدي إلى شرفتها . ولم تعثر على حذائها الذي خلفته وراءها قرب الشاطئ ، فصعدت حافية القدمين . شعرت بنعومة السجادة وهي تدخل غرفتها وارتمت فوق سريرها .

استلقت منهكة ، لا تجد تفسيراً لمغامرة طفولية تخوضها مع رجل لا يحترمها تمنت لو تنشق الأرض وتبتلعها . رن جرس الهاتف بشكل متواصل . رفعت السماعة :
- الو .

وهدر صوت السيدة براندون :

- كريستينا؟ هذه ثالث مرة اتصل بك أين كنت؟

اعتدلت كريستينا ترفع عن وجهها شعرها المشعث :
- ذهبت في نزهة قصيرة . أنا آسفة هل كنت تريدين شيئاً؟

- تعالي إلى غرفتي فوراً .

وأقفلت العجوز السماعة بعنف .

بدلت كريستينا ملابسها بسرعة لتخفي آثار نزهتها المشؤومة وسرحت شعرها وخرجت تكاد تجري .



كانت السيدة براندون تجلس على مقعدها الوثير ، تطرز قطعة من القماش . نظرت إلى كريستينا باستهجان . ثم رأت ضمادة كاحلها فهتفت :

- جرحت قدمك يا ابنتي !
- كنت على الشاطئ والتوى كاحلي .

ركزت العجوز نظرها على الضمادة :

- هكذا إذن ولديك خبرة في تضميد الجروح والإسعاف؟

تلعثمت كريستينا وهي تشعر بالحرج والخوف :

- كلا لقد التقيت ... التقيت بابن أختك على الشاطئ . وقام بمساعدتي .

أجابت السيدة براندون بهدوء :

- صحيح؟ يا لها من بادرة كريمة . وليست هذه هي المرة الاولى كما علمت . اخبرني ثيو انك التقيت بديفلين في المارتينيك؟

قالت كريستينا بحياء شديد :

- نعم ولكنني لم اكن اعرف من هو آنذاك بطبيعة الحال .

صمتت السيدة براندون برهة ثم تأوهت :

- إنني في موقف صعب يا كريستينا . اشعر إنني مسؤولة عنك تماماً مثل أمك وعلى تحذيرك من ديفلين . لم يكن يصغي إلا لوالدته وما أن رحلت عن هذا العالم حتى تحول إلى شخص حاد الطباع ، لا يهمه رأى أحد .

وتابعت السيدة براندون ، و كريستينا تنصت باهتمام :

- لم يعد يبالي بالعائلة وسمعتها . وهكذا هجر هذا المنزل وقطن في ذلك الكوخ على الشاطئ وتخلى عن مسئوليته تجاه المزرعة وهو الآن يعيل نفسه من دخل الثروة المالية التي ورثها عن أهله ويحصل على رزقه من خلال حفر التماثيل الخشبية وبيعها .

كان صوتها جليدياً ، مفعماً بالازدراء . وعاد بكريستينا الخيال إلى ذلك المقعد الخشبي الذي لمحته في غرفة الكوخ . سألت العجوز بعفوية :

- هل يجيد حفر الخشب؟

حدجتها السيدة براندون بغطرسة :

- ما أهمية ذلك؟ انه يجد دائماً زبائن لشراء بضاعته . ولكن عمله لا يليق بمن ينتسب إلى عائلة براندون . أن واجبه أن يكون هنا ، يساعدني في المزرعة وفي إعداد ثيو من اجل ميراثه .

استفهمت كريستينا :

- ما الذي تقصدينه يا سيدتي؟

تأوهت السيدة براندون ثانية :

- أن المسألة في غاية البساطة . كان زوجي وكاري توأمين . ولد زوجي قبله بنصف ساعة ولذلك ورث المزرعة عندما توفي والده واصبح هو وأخوه كاري شريكين يديران المزرعة سوية . وفي أثناء ذلك التقى كاري بأختي مادلين وتزوجها بعد عام ، عشنا هنا جميعاً حياة سعيدة في البداية ثم بدأت المصاعب .

قالت كريستينا شاعرة بالحرج الشديد :

- هل من الضروري إخباري كل هذا يا سيدتي؟ إنها مسألة لا تعنيني و ...

استأنفت السيدة براندون التطريز :

- نعم ، من الضروري إخبارك . أنتِ الآن واحدة من العائلة يا عزيزتي . لا بد أن تفهمي سبب كره ديفلين لنا جميعاً ( وتناولت مقص الخياطة ) عندما ولدته أختي طارت فرحاً هي وزوجها وأخذا يدللانه إلى أن فسدت طباعه وتوهم ديفلين ، نتيجة الشراكة بين والده وزوجي في زراعة المزرعة ، أن له حقاً في الوراثة . وعندما أطلعناه على حقيقة الامر ، وفهم أن ثيو سيكون الوريث الوحيد ، جن جنونه . وجاراه والداه في آرائه وآخذو يضيعون أوقاتهم في السفر والرحلات والإبحار في المركب وكان ثيو في ذلك الحين لا يزال صبياً صغيراً ( وتنهدت متابعة ) وأثناء إحدى تلك الرحلات البحرية هبت عاصفة هوجاء وغرق المركب بمادلين وكاري وماتا .

صمتت قليلاً ، تتفرس في وجه كريستينا ثم استطردت :

- ومرة ثانية جن جنون ديفلين . اتهمنا بشتى التهم المخجلة و أمعن في تهمه وشتائمه إلى أن علا صراخنا بالشجار والكلام القاسي فقرر الرحيل . بعد مرور عامين أصيب زوجي بمرض شديد فطلب رؤية ديفلين ورجوت منه من كل قلبي أن نتوصل إلى تفاهم ما ، ولكنه أصر على موقفه أثناء تأبين زوجي ومنذ ذلك الوقت وهو يعمل ضدنا ويكن لنا العداء .

دهشت كريستينا لهذه العبارات فغامرت بسؤالها :

- وبأي أسلوب يمارس مضايقاته؟

أبدت السيدة براندون تأففها :

- ذهب ليدرس في الجامعة وتشرب بعض الأفكار الغريبة وعندما عاد بدأ ينتقد طريقة العمل في المزرعة ، وكيفية اقتصارنا على زراعة قصب السكر دون سواه . ادعى أن مصاعب جزر الهند الغربية وخاصة الاقتصادية منها سببها هذه الزراعة الأحادية . كان يريدنا تنويع المحاصيل . وزراعة الحبوب الغذائية وبالطبع رفضنا هذه الآراء وما لبث أن جمع حوله بعض الأشخاص الذين يشاطرون نظريته وهم الآن يدعون أنفسهم : لجنة الجزيرة .

تململت في مقعدها وعلت وجهها مسحة من القلق ثم تابعت :

- إنني أخبرك كل ذلك يا ابنتي لتأخذي حذرك أنتِ حديثة العهد هنا ، ولن يتردد ديفلين عن استغلالك خدمة لأهدافه الخاصة . حاولي تجنبه ولن يصعب عليك ذلك فهو قلما يزورنا .







________________________________________
هزت كريستينا برأسها صامته . إنها نصيحة من السهل تنفيذها ، خاطبت نفسها .

قضت كريستينا ساعة من الزمن تملي عليها السيدة براندون بعض الخطابات وكانت في معظمها تافهة المضمون ، كما اكتشفت ، تدور حول أعمال خيرية أو تلبية دعوات اجتماعية وهذا كل شيء .

من الواضح أن السيدة براندون لا تحتاج إلى سكرتيرة ولن تجد عملاً يشغلها طوال اليوم . فكرت كريستينا .

جلست في المكتبة تكتب الرسائل على الآلة الكاتبة . راحت تستعيد آراء ديفلين حول شؤون المزرعة ، والمصاعب الاقتصادية في جزر الهند الغربية .

وجدت نفسها توافق على ما ذهب إليه ، مع إنها لم تكن خبيرة اقتصادية . تذكرت مقالاً قرأته في إحدى المجلات يناقش هذه النقطة ومن زاوية مشابهة .

أنهت كتابة الرسائل وهمت بالصعود إلى الطابق الأعلى لتطلب من السيدة براندون التوقيع عليها . لكنها ظلت مسمرة على الكرسي تغرق في لجة من القلق والاضطراب .

ماذا تفعل؟ سألت نفسها . هل تعود إلى إنجلترا ... وكيف؟ لا يمكنها البقاء في منزل مغلف بالأسرار والمشاكل ويقطنه أناس غريبوا الأطوار .

وماذا عن ديفلين براندون؟ إن مشاعرها إزاءه مشوشة ومتناقضة . انه الشيطان . عرف كيف يدبر لها مكيدة تلو الأخرى . ويتقرب إليها حتى خال إنها استسلمت له بكل جوارحها يا لبؤسها!


تلك كانت غلطة مشؤومة . لن تكررها أبداً . قررت أن تستمر في العمل في ذلك

انتهى البارات

اتمنى عجبكم

  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 13
قديم(ـة) 02-01-2014, 11:15 PM
صورة مشاعري تتحدث بصمت‏ الرمزية
مشاعري تتحدث بصمت‏ مشاعري تتحدث بصمت‏ غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية الملاك الحارس


جمييـ،ــل يعطيك العافيةة

  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 14
قديم(ـة) 18-02-2018, 10:41 PM
صورة وردة الزيزفون الرمزية
وردة الزيزفون وردة الزيزفون غير متصل
مشـ© القصص والروايات©ـرفة
 
الافتراضي رد: رواية الملاك الحارس


3 / إغلاق المواضيع :
تُغلق الرواية في حال طلب صاحبـ / ـة الموضوع الأصلي ‘ تأخره ‘ توقفه ‘ تجاوزات في الردود
تُغلق الروايات حين تأخر الكاتبة لـ أكثر من 10 أيام و تُفتح في حال جاهزية الأجزاء و يتم مراسلة المُشرفة أو مراقبة القسم لـ ذلك

رواية الملاك الحارس

الوسوم
رائعة . , رواية , كاملة
أدوات الموضوع
طريقة العرض
مواضيع مشابهة
الموضوع الكاتب المنتدى الردود آخر مشاركة
مجلس الروايات للإستفسارات و الطلبات فقط [ الإقتراحات ممنوعة ] ؛ روح زايــــد روايات - طويلة 33041 الأمس 11:41 PM
رواية بنات اكشن / للكتابة : cool soso عمة ابليس أرشيف الروايات المغلقة - لعدم إكتمالها 72 26-08-2013 04:36 PM
مجلس الروايات للإستفسارات و الطلبات فقط [ الإقتراحات ممنوعة ] ؛ روح زايــــد روايات - طويلة 2003 07-01-2012 08:52 PM
مجلس الروايات للإستفسارات و الطلبات فقط [ الإقتراحات ممنوعة ] ؛ روح زايــــد روايات - طويلة 1999 25-08-2011 01:29 AM
مجلس الروايات للإستفسارات و الطلبات فقط [ الإقتراحات ممنوعة ] ؛ روح زايــــد روايات - طويلة 2018 20-07-2011 03:02 PM

الساعة الآن +3: 10:44 AM.
موقع غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات


تصميم دريم تيم

SEO by vBSEO 3.6.1