Aleg Pitrove ©؛°¨غرامي جديد¨°؛©

الكاتب اليغ بيتروف
شاب اغترب عن بلده تحت ظروف الحرب وعاش وحيدا في الغربة يصارع الماضي والحاضر والمستقبل من اجل ان يبقى حيا، صادفته الكثير من العقبات والتقى بالكثير من الاشخاص لكنه سرعان ما هجرهم وغادر لكي يبقى مجهولا عن ماضيه متاملا بحاضر اجمل يلتقيه

الاميرة الحزينة
الجزء الاول

[right]تأتي كل يوم الي لتشتري رغيف خبز

اجد ان ملابسها متسخة ووجهها الجميل كوجه طفلة بريئة يملؤه التراب، تنظر الي بابتسامتها القاتلة وتقول " اعطني رغيف خبز ساخن اذا سمحت" وتخرج من جيب بنطالها المليئ بالشقوق بعض القطع النقدية وتبدأ بعدها وانا انظر في عينيها مباشرة واطيل النظر واقول في نفسي كيف لفتاة جميلة كهذه عمرها لا يتجاوز الثماني عشرة عاما ان تكون ملابسها متسخة ووجها كالنجمة الساطعة في ليل مظلم ملطخ بالتراب؟
بعد ان خرجت وهي لاتزال تدير وجهها وتنظر الي بابتسامتها القاتلة، حاولت لحاقها كي ارى الى اين تذهب.
وجدتها تتجه الى شاحنة محملة بالخضراوات والبطاطا تبعد خمسين مترا، ورجل في منتصف الاربيعينيات يصرخ في وجهها ويقول لها "لماذا لم تستاذني عندما ذهبتي ايتها العاهرة، هيا اخرجي ثلاثمئة كيلوغرام من البطاطا من الشاحنة لنعرضها للبيع"
تفاجأة بهذا من الكلام الذي يوجهه لها وكيف لفتاة بهذا الجمال ان تعمل بهذا العمل وتبدو عليها الرقة والحنان في كلماتها عندما تأتي الي
لقد تقطع كبدي عليها حزنا، لم اعلم ماذا افعل؟، هل اخرج سكينا واطعن هذا الرجل في وجهه عشرات الطعنات حتى اقتله وانهي بقية حياتي في السجن، لانه يتكلم معها بهذه الطريقة السوقية؟
ربما يكون والدها او زوج والدتها او شئ كهذا، لكن جمالها يقتلنيي وحزني عليها يخنقني
عدت الى مخبزي الذي كنت اعمل به مصابا بعض الشيئ بخيبة امل مما رايته ولكني حاولت تجاهل الامر قليلا وعدم التفكير به لكي لا يؤرقني.

بدأت حبات الثلج بالتساقط بعد ان اخرجت اخر رغيفي خبز من الفرن
اشغلت سيجارة وسحبت ثلاث سحبات سريعة ومتتالية، لا اعلم من علمني هذه العادة ولكني اتقتنتها في كل سيجارة.
كانت الساعة التاسعة صباحا واشعة الشمس تخترق الغيوم لتنعكس على حبات الثلج المتساقطة وتعطي بريقا خلابا يسرق الانظار. كان موعد قدوم الفتاة قد حان ولكنها تأخرت قليلا. لا اعلم مالذي يحصل ولكن فكري انشغل كليا بها وكان ابتسامتها القاتلة اختطفت عقلي كليا.
بدأت بملئ الوعاء بالفحم لوضعه بالفرن وماهي الا ثوان قليلة حتى وجدتها تدخل الي وتقول بكلماتها الرقيقة المطبوعة بالحنان كعادتها " صباح الخير "، رميت الوعاء من يدي ونظرت اليها وكاني كنت انتظرها منذ ايام، " صباح الخير، لقد انتظرتك طويلا"
نظرت الي نظرة استغراب ولكن ابتسامتها القاتلة لاتزال مرسومة على شفتيها وقالت " انتظرتني؟!، لماذا؟"، لماذا؟ انه حقا سؤال محرج، لماذا انتظرتها؟! هل اخبرها باني وعدت اصدقائي على موقع التواصل الاجتماعي ان استمع الى قصتك واخبرهم بها؟، او اخبرها ان كبدي تقطع عليكي حزنا لحالتك الرديئة والفضول يدفعني لماذا تعملين بهذا العمل مع ذلك الاحمق الذي لا يستحق الشفقة؟.....
" لا شئ فقد اعتدت على قدومك كل يوم صباحا وشراء رغيف من الخبز الساخن لا اكثر". مدت يدها لتعطيني بعض القطع النقدية وهي تقول " حسنا اعطني ذلك الرغيف المحمر لو سمحت"
لم امد يدي لكي اخذ القطع النقدية منها ولكني تابعت نظرتي المليئة بمئات الاسئلة وإشارات الاستفهام الموجهة الى عينيها مباشرة، وهي لاتزال مادت يدها ولكني لم التقط منها حتى قالت " انت، الا تريد ان تبيعني؟"
قاطعتها مسرعا وقلت لها" ما اسمك؟" اعادت يدها الى حضنها وقالت " اسمي آلينا"، قاطعتها مسرعا مرة اخرى " انتي فتاة جميلة جدا ورقيقة، لكن لماذا تعملين هذا العمل المجهد، فهو لا يناسب الا الرجال؟" بدأت ابتسامتها تختفي تدريجيا وبدأ الحزن المختفي وراء شفتيها بالظهور، ثم اكملت " انظري الى حالك، ملابسك متسخة ووجهك ملئ بالشحار الاسود"،
حل صمت وسيطر التوتر على الموقف. لقد احسست وكان دموعها ستتفجر انهارا وتنهار امامي، لقد شعرت وكأنها لاتريد الاجابة على سؤالي، وإنما ادارت ظهرها وبدأت بالخروج من المخبز عائدت الى معناتها وآلامها. لقد بدأ كبدي يتقطع عليها حزنا مرة اخرى، لم استطع السماح لها بالخروج
مددت يدي مسرعا ومسكت يدها وقلت لها "توقفي قليلا، الا اين انت ذاهبة؟" ادارت وجهها الي والدمعة مستنفرة تحت جفونها وكأنها تنتظر اللحظة الحاسمة حتى تنفر خارجا. اكملت قائلا " اعتذر منكِ، لم اكن اريد ان اقول شيئا فقد اردت ان اشفي فضولي لا اكثر" مددت يدي واعطيتها رغيف الخبز المحمر وقلت لها" لن اقبل منك ثمن الخبز من الان وصاعدا حتى تجاوبيني عن تساؤلاتي، فانت فتاة جميلة وانا حزين لان حالتك متردية هكذا. لا تقولي شيئا فقد اريني ابتسامتك وعودي غدا"، ظلت تنظر الي طويلا ولازلت امسك يدها حتى بدات تبتسم مجددا ووجنتيها بدأت تحمر خجلا حتى قالت لي " هل يمكنك ان تفلت يدي كي استطيع الذهاب والعودة غدا؟" بدأت بالضحك وافلت يدها حتى انطلقت خارجتا من المتجر، التفت براسها وهي تقول " لم تقل لي ماهو اسمك؟" ضحكت بسخرية لاني علمت انها قد علقت بشباكي وقلت لها " آليغ" لوحت لي بيدها وقالت " الى الغد".
تابعت سيجارتي وانا اقول في نفسي انها فتاة جميلة ولكنها تستحق الحب والعطف ولكني عندما امسكت يدها احسست بنعومت اناملها ولكن لم نعومتها لم تثير شيئا في دخلي سوى الحزن والشفقة عليها

عندها ادركت ان الحب في قلبي انتهى منذ التقيت "آنجيلا" وتركتها.



"المطر الثلجي" عندما اتيت الى هنا قبل عام وشاهدته للمرة الاولى كنت منبهرا بجماله،
انه شيئ غريب غير موجود في بلادنا ولكني اعتدت على مراقبته عند تساقطه من نافذة منزلي الاسبق ولكن هذه المرة اراقبه من نافذة مخبزي المليئة ببصمات الاصابع وبعض غبار الفحم. رميت عقب سيجارتي داخل الفرن واغلقته بعد ان انتهيت من الخبز، جلست على حافت الواح الخشب مقابل النافذة اتامل سقوط المطر الثلجي واتلمس الحروق التي اصابت اطراف اصابعي اثناء وضعي الخبز داخل الفرن، اختفى شعور الالم اثناء مراقبتي لارتداد حبات المطر المتجمدة بعد ارتطامها بالارض.
اثناء تاملي فتح الباب فجأة ودخلت فتاة لم اعرفها من النظرة الاولى ولكن بعد ان وقفت على قدمي تفاجأة بانها "آلينا".
لقد سرحت شعرها و بنطالها الجينز يبدو نظيفا ولكن اثار التراب لم تزُل عنه بشكل كامل، كانت ترتدي قيراطا خرزيا في اذنيها ومتشبقة في وقفتها، تنظر الي وابتسامتها تختلف عما كانت عليه سابقا، تملؤها الحيوية وتخفي في حناياها اثار الاعجاب ولن اكون مزايدا في كلامي اذا قلت اثار التعلق ظاهرتا على شفتيها، تحمل في عينيها كلمات كثيرة تريد ان تنطق بها ولكن حيائها يمنعها وإنما اكتفت بقول " صباح الخير " كعادتها.
لازلت انظر اليها والصدمة واضحة على وجهي لاني قد فتحت فمي ومددت لساني خارجا من شدة جمالها، فقد تضاعف عشرات المرات بعد ان هندمة ملابسها ومسحت اثار التراب عن وجهها " من انتِ؟!" لا اعلم ماذا اقول لاني حقا كنت مصدوما من جمالها، هل يعقل لفتاة جميلة كهذه مفعمة بالحياة ويملؤها الامل والحنان ان يكون قدرها في زهرة شبابها العمل كبائعة للبطاطا على الطرقات تحت هذا البرد القاتل الذي لا يرحم احد، هذه هي سخرية القدر التي حدثتكم عنها سابقا عندما اصابني ذلك المرض اللعين،
عندما انظر الى عينيها لا استطيع سوى رؤية الحياة المشرقة لفتاة جميلة ولكن ممزوجة بالآلام والأحزان.
"من انا؟! هل يعقل انك نسيتني بهذه السرعة!" ابعدت يداها عن جسدها والتفت حول نفسها ثم وضعت يدها على خصرها وقالت " هل تذكرتني الأن؟" بدأت بالضحك واقتربت منها لتكون انفاسي قريبة من انفاسها وأملت راسي جانبا وقلت لها بكل هدوء " وهل يعقل ان انسا اميرة بهذا الجمال" لا اعلم لما قلت لها هذا الكلام فقد كنت مخدرا من جمالها ولو كنت صاحيا لما قلته ابدا. إحمرت وجنتيها وطأطأت رأسها خجلا. حيائها يجذبني اليها، لقد بدأت مشاعري تتبدل اتجاهها وكان شئ ما حصل، ثم اكملت " هل تريدين ان تدفعي ثمن الخبز اليوم، او سوف تخبريني لماذا تعملين بهذا العمل؟". رفعت راسها ولاتزال تبتسم وقالت " لقد انفصل والداي منذ عامين وتزوجت والدتي وانتقلت الى مدينة بالجنوب وانا بقيت مع والدي" توقفت عن الكلام وبدأ الحزن يظهر خلف ابتسامتها ثم اكملت "يمتلك والدي شاحنة لبيع الخضروات فاضطررت لمساعدته في العمل كي يسمح لي بالسكن في المنزل" وضعت يدي على فمها و اجحظت النظر في عينيها، وكاني لم اصدق ما قالته لي، هل يعقل انه يوجد والد كهذا بجبر فتاته الصغيرة على العمل معه في هذه المصلحة التي لاتناسب الا الرجال كي تسكن معه في منزله وتاكل من طعامه؟!
هل هذه القصص التي كنت اشاهدها على التلفاز واقرأها في الروايات تحصل امامي حقا؟!
لا ازال اضع يدي على فمها ومجحظ العينين " هل هذا والدك؟!!" قلت هذه الكلمات والدهشة تملأ جوف حلقي " هل يجبرك على العمل معه كي يسمح لكي بالبقاء في المنزل؟!". لقد جف الدم في عروقي بعد سماعي لهذه الكلمات تخرج من فمها، لقد تحول شعور الحزن والشفقة الى غضب قاتل يخرج من عيني كشرر متتالٍ لا ينقطع. انها فتاة رقيقة في ربيع شبابها تستغل من قبل والدها!!. "اين اصدقائك؟!" اختفت ابتسامتها نهائيا وتراجعت الى الخلف حتى ارتطمت بالزجاج الخارجي ثم قالت " لم اذق طعم الحياة منذ عامين الى الان، فمنذ ان انفصل والداي واجبرت على العمل مع والدي فقدت جميع اصدقائي واضطررت للتخلي عن المدرسة في سنتي الاخيرة،"



غدرتني عيناي وبدأت الدموع تذرف منهما دون توقف فادرت وجهي سريعا حتى لاترى ضعفي وقلت حيلتي امامها، وتحججت بتفحص الفرن. لم استطع ان اقاوم رغبتي بالبكاء، لقد خدعني قلبي هذه المرة دون ان....
مازلت ادير وحهي نحو الفرن ودموعي تزرف دون توقف " ارجوكي اذهبي الان فصاحب المخبز سوف ياتي قريبا" لقد قلت هذه الكلمات وسيفا ذو حدين يغرز في قلبي لاني أُجبرت على تفوهي بها، لا يمكن ان اسمح لاحد ان يرى دموعي وخصوصا امام هذه الفتاة لانها كانت ضعيفة وحزينة ودموعي كانت حارة وغزيرة، لا استطيع ان...
دخل هواء بارد ثم سمعت صوت الباب وهو يغلق.
ادرت وجهي واذا بها قد خرجت تجري من عندي ولم تلتفت للخلف ابدا كعادتها
ربما كلماتي زعجتها ولكن دموعي كانت لتُبكيها ايضا
لا اعلم ماهو التصرف الصحيح في هذه المواقف، عندما يتعلق الامر باحاسيسي افقد السيطرة على الموقف واتصرف كما يشير لي كبريائي.

مرت الساعات والدقائق على احر من الجمر وانا انتظر صباح اليوم كي التقيها مرة اخرى.
كنت اتمنى ان تأتي اليوم ايضا ولكن لم يحصل ماكنت اتوقع، مر عقرب الساعات امام الساعة التاسعة ثم العشرة ثم الحادي عشرة ولم تأتي بعد. لقد تيقنت اني جرحت قلبها المتخم بالجروح، و وسمت عليه جرحا اضافيا عندما طلبت منها المغادرة البارحة ولكن لم يكن بيدي حيلة اخرى. اني اقدر مشاعرها وربما للمرة الاولى احترم مشاعر شخص ما في حياتي، فبعد ان سمعت قصتها علمت انها لا تملك اي صديق او صديقة في حياتها نهائيا وانا سترتمي في حضن اي شخص يتكلم معها بلطافة لانها بحاجة الى حضن دافئ يجعلها تشعر بالامان. نعم هذه هي الفكرة التي احاول ايصالها وهي " الشعور بالامان " انها تشعر بخوف شديد يعشش في قلبها فمنذ عامين لم تشعر بحضن دافئ يجعلها تشعر بالامان وانما كانت تشعر دائما بالخوف، لقد استطعت تحليل شخصيتها لاني مثلها تماما لا افرق عنها بشئ إلا اني اعرف كيف اتحكم بمظهري الخارجي مهما تكن مشاعري بالداخل، فانا ايضا لا املك اصدقاء لا اشعر بالامان اي شخص يتكلم معي بلطافة اجد نفسي ابوح له بكل آلامي ومشاكلي. وهكذا هي عندما اظهرت لها عطفي وحناني من خلال كلماتي شعرت بالامان معي ولكني خذلتها البارحة.
اصبحت الساعة الثانية عشرة ظهرا ولم يعد بوسعي الاحتمال، بجب ان اراها الان مهما سيحصل.
اغلقت المخبز بعد ان ارتديت معطفي فوق ملابس العمل المتسخة وانطلقت اتجاه شاحنتها وقلبي يخفق خفقانا سريعا وشعور بالاهتمام يراودني للمرة الاولى منذ اشهر مضت، لففت المنعطف واذ ألمحها تقف بالقرب من الشاحنة وتحمل بيدها صندوقا يبدو انه ثقيل قليلا تحاول جاهدة رفعه لتضعه بالشاحنة.
اقتربت من خلفها اكثر دون ان تراني وقلبي يزداد خفقانا وهي تحاول رفع الصندوق ثم وضعت يدي اسفل الصندوق وقلت لها " تمهلي ايتها الصغيرة دعيني احمله عنك"
وضعته في الشاحنة ونفضت يدي وما ان نظرت الى وجهها حتى تجمدت في مكاني.
بقعة زرقاء اسفل عينها اليسرى محاطة بهالة حمراء، وجهها الطفولي يحمل هذه العلامة الناتجة عن لكمة قوية من احد ما. " ماهذا؟؟! " وضعت يدي على وجنتها وتلمست بإبهامي اسفل عينها. الفزع ظاهر على وجهي والغضب يعتصر صدري، لقد اظهرت اني مهتم بها كطفلة صغيرة تحتاج للرعاية، لقد كنت خائفا جدا عليها، كم هائل من المشاعر تساقط على قلبي دفعة واحدة جعلتني ادخل بحالة من الجنون. ادارت وجهها ربما لانها قد تالمت من تلمسي لعينها، او ربما لاحظت الغضب المخلوط بالحزن والالم ينسال من عيوني، فلم تستطع ان تطيل النظر اكثر. ركلت الشاحنة بقدمي وبدأت اشتم باللغة العربية دون ان اعي ما اقول. لم اغضب هكذا منذ زمن طويل جدا، " من لكمك على وجهك؟" كان الصراخ اقرب من لهجة السؤال اثناء تكلمي، لم تدر وجهها وانما قالت " انه خطأي، لقد اضعت مئتي "غريفن" البارحة فضربني والدي"، لقد فقدت صوابي نهائيا والغضب يقتلني، اريد فقط ان اقتل شخصا ما كي اطفئ نار غضبي



فقدت اعصابي تماما، بالرغم من الآلام التي كنت احملها وها انا الأن ارتب عليها المزيد. نظراتها البريئة تحولت الى نظرة خوف من غضبي، كل ما نظرت اليها اشعر بدفئ يتسلل الى قلبي حتى ارى الكدمة تحت عينها فأشعر بغضب يحرق احشائي. لا استطيع ان اضرب والدها لان برائتها وحنانها سيمنعها من ان تقبل بذلك وسوف تدافع عنه بالرغم من انه انسان جشع اناني لا يحب الا نفسه فقط، ولكنها لا تعلم هذه النقطة. ان برائتها سوف تسبب بتسلط الأخرين عليها واستغلالها وأول من استغلها هو والدها، انها غبية حقا ولا يمكن انكار ذلك.
هدأت نفسي قليلا بعد ان التقطت انفاسي ونظرت اليها " اين والدك؟"، لاتزال نظرتها البريئة مختبئة خلف خوفها ولكنها سرعان ما تحولت الى حزن بعد ان سألتها " لن يأتي اليوم الى العمل لانه شرب كثيرا ليلة البارحة"، كنت اعلم ان والدها سكّير من الدرجة الاولى. لم يعد باستطاعتي اطالة الحديث معها لان المخبز لايزال مغلقا والناس يتوافدون اليه، قلت لها " متى تنتهين من العمل؟" مدت بيدها رافعة اصابعها الاربعة مشيرة الى الساعة الرابعة، قلت لها "حسنا عند الرابعة سوف أتي اليك، انتظريني"، أومأت برأسها موافقة على انتظاري.
انطلقت سريعا الى المخبز وتفكيري مشوشا بمئات الأشياء، كل تفكيري كان متوجها الى حالها التعيس الذي لا يمنح إلا التعاسة.
مر الوقت سريعا وانا احاول ان اشحن هاتفي الذي كان يلفظ اخر انفاسه، لقد كان يصارع الموت وانا اتألم مع تألمه قد تعتقدون انني معقد نفسيا او مجنون ولكن هاتفي هو جزء من روحي قضينا اجمل اوقاتنا واصعبها سويا، عانينا من البرد والجوع سويا، نمنا على اطراف الشوارع سويا، نعم انا مجنون ولكن هذه هي الحقيقة.
في حلول الساعة الرابعة انطلقت اليها بعد ان يأست من اصلاح هاتفي. كانت تدخل اخر صندوق من الخضراوات الى الشاحنة كي تقفلها وتذهب للبيت مشيا على الاقدام. وقفت بالقرب منها وهي لم تلحظ وجودي بعد.
كانت متعبت من العمل. انها لا تستحق كل هذا العناء من اجل ان تبقى مع ذلك الاحمق النائم في المنزل، " آلينا هل انتهيتي؟"، كانت تقفل باب الشاحنة فالتفتت إلي وكان وجهها البرئ قد إحمر وسالت قطرات العرق على جبينها بسبب عشرات الصناديق الثقيلة التي قامت بحملها الى الشاحنة بالرغم من البرد الشديد وتساقط الثلوج، لقد كان تعمل فوق استطاعتها ولكنها مجبرة على ذلك، التفت الي وهي تلهت انفاسها وقالت " لقد انتهيت" وارتسمت ابتسامتها النابعة من التعب والالم على شفتيها، مددت زراعي اليها باسطا كف يدي وكاني احاول ان انقذ شخص يغرق من مياه البحر الهائجة، وضعت يدها فوق يدي فامسكت بها واحسست بنعومة اناملها مرة اخرة وبعض الخشونة بسبب العمل الشاق وقلت "هيا بنا " ازدادت ابتسامتها على شفتيها وقالت " الى اين؟" جذبتها من يدها نحوي وقلت لها " الى اي مكان، فقط دعينا نمشي تحت الثلج" غمرتها السعادة وقفذت من الفرح وصرخت باعلى صوتها "يووب" ( تعبير اوكراني يعبر ان السعادة) لقد احسست بسعادتها المغتصبة منها والتي لم تشعر بها منذ عامين حتى هذه اللحظة التي اتيت بها وحررت سعادتها من براثن الاحمق والدها. لقد بدأت اشعر بالسعادة ايضا، شعور لا اشعر به الا داخل موقع التواصل الاجتماعي، هل يعقل اني اصبحت سعيدا لسعادتها؟ هل يعقل انها بدأت تطبع على قلبي بصمتها؟.



كانت تقفز فرحا بالرغم من حالتها المزرية وملابسها المتشققة ومعطفها المليئ بالتراب ويدها لا تفارق يدي. ما ان وصلنا الى نهاية الشارع حتى ادخلتها الى محل للملابس المستعملة، كنت قد تعرفت على صاحبه وهو جزائري الاصل ولكنه لايتقن العربية فكنا نتكلم بالروسية سويا، دخلنا الى المحل فقالت لي " ماذا تريد ان تفعل هنا؟! " اشرت بيدي الى قسم الملابس النسائية وقلت لها " سوف نشتري بعض الثياب لك" نظرت الي باستغراب ولكنها سرعان ما بدأت بالضحك وقالت " لكني لا املك النقود" لقد كنت اتقطع بداخلي اثناء سماعي لكلماتها هذه. وانا ايضا لم اكن املك الا بضعة دولارات في جيبي بعد ان اكملت أجار الشقة وهي لاتكفي لشراء الملابس ولكن صديقي الجزائري سوف يعطيني بالدين، " لا تقلقي، انتِ فقط اختاري بنطال وحذاء وارتديهم لان البرد قارص في الخارج، وانا سأهتم بالباقي" ارادت ان تتكلم ولكني وضعت يدي على فمها ولامست شفتاها للمرة الثانية فنظرت في عيني تلك النظرة التي تحصل في الافلام الاجنبية بين شاب وفتاة معجبان ببعضهما ويطول الصمت بينهما الى ان ينتهي بقبلة حارة ولكن لم نكن نشاهدها غالبا لان قنوات الافلام العربي تقوم بحظر هذه المقاطع من الفيلم،
نظرت قي عيني تلك النظرة الدالة على الاعجاب حتى قاطعتها وقلت لها "هيا اذهبي بسرعة، إني انتظرك ".
انزلت يدي ولكنها لاتزال تنظر في عيني، عيناها الخضراوتان تثيران في داخلي شيئا ما قد اكتشفه فيما بعد. قطعت الصمت قبل ان ينتهي بقبلة وادرت وجهي متجها الى الجزائري لألقي التحية، طال الانتظار وانا اتحادث مع الجزائري عن الاوضاع في سورية، وكان مظهرا كامل تعاطفه في حديثنا مع الشعب السوري وحربه ضد العصابات الشيعية التي تدمر البلاد حتى خرجت آلينا من قسم الملابس النسائية 
وهي ترتدي ملابسها الجديدة والنظيفة، كانت تتراقص في مشيتها وهي ترتدي ملابسها الجديدة وتنظر اليها بفرح شديد وكانها لم تشتري ملابس منذ عامين، او حقا انها لم تشتري ملابس منذ عامين.
انهيت حديثي مع الجزائري بعد ان وعدته بان اعطيه ثمن الملابس في اقرب وقت ممكن. ذهبت اليها وما ان وصلت اليها حتى قالت " ما رأيك بملابسي الجديدة، هل هي جميلة؟" انها حقا كالطفلة الصغيرة، " نعم انها جميلة جدا، دعينا نذهب الان". اشتد تساقط الثلج والريح تعصف به يمنةً ويسرةً، درجة الحرارة ثمانية تحت الصفر ولم يكن هناك مجال لكي نمشي اكثر في الشارع. طوال الطريق كانت تلتصق بي من شدة البرد ويدها لا تفارق يدي، لم نتكلم كثيرا وانما كنا نمشي فقط. خلعت قبعتي الصوفية ووضعتها على راسها فنظرت الي بابتسامتها الحنونة دون ان تقول شئ والسعادة لا تفارقها. " هل تريدين الذهاب الى المنزل كي لا تتأخري؟" لم اكن اريد ان افارقها ولا هي ايضا ولكن البرد لم يعد يحتمل، لقد كانت يدها ترتجف داخل يدي ولكنها قالت " كلا لا اريد الذهاب الى المنزل، اريد فقط البقاء معك" لا اريد ان احول القصة كما في الافلام ولكن حالتها النفسية والعاطفية كانت ستسمح لاي شخص يبدي اتجاهها بعض من العطف والحنان ان تتعلق به وتعتبره شخصا مهما في حياتها، لم يكن لديها اصدقاء لفترة طويلة لذلك تريد البقاء معي، لم تعد تخاف من والدها لانها تشعر بالامان معي، كما شرحت سابقا، انها تحتاج للامان وقد وجدته معي. لم استطع الا ان اقول لها " دعينا نذهب لمنزلي" لقد كان قرار خاطئا بعض الشئ ولكن لم يكن هناك خيار اخر، فلا استطيع ان اقول لها عودي الى والدك الاحمق وايضا لا نستطيع البقاء في الشارع فنحن منذ نصف ساعة نمشي والبرد يشتد كل دقيقة لان الشمس قد غابت منذ ساعة تقريبا. أومأت برأسها موافقة للذهاب معي الى المنزل.

ما ان دخلنا الى المنزل حتى امرتها بنزع حذائها والتوجه الى الحمام مباشرة كي تستحم. يتكون منزلي من غرفتين، غرفة يوجد فيها سريرين منفصلين والغرفة الاخرى لا يمكن العيش فيها لانها باردة والتدفئة فيها متوقفة.
احضرت لها منشفة وبعضُ من ملابسي كي ترتديها اثناء تواجدها في المنزل، ربما ستطول اقامتها وربما ستبقى معي للأبد!!!!!!!!!!
[right/]


الكاتب
" أليغ بيتروف "

Aleg Pitrove ©؛°¨غرامي جديد¨°؛©

الاميرة الحزينة
الجزء الثاني

جلست على سريري وانا افكر بالخطأ الذي ارتكبته وهو دعوتها لمنزلي
كان تفكيري منصبا على صوت الماء الخارج من الحمام، اتخيل منظرها وهي ترتدي احدى سراويلي الصيفية التي ارتديها دائما في المنزل.
كنت امسك هاتفي واعبث بمدخل الشاحن لعله يعمل ولكن دون جدوى،
توقف صوت الماء وماهي الا دقائق ويفُتح باب الحمام لتخرج آلينا واضعة المنشفة على رأسها ومنظرها مطابقا تماما كما تخيلته، دخلت الغرفة فبدأت بالضحك لان منظرها في الملابس الرجالية كبيرة المقاس يجعلها تبدو كالطفلة الصغيرة. إحمرت وجنتاها لاني انظر اليها واضحك وهي ولاتزال تقف بالقرب من باب الغرفة وترتجف قليلا من البرد لاني قد اغلقت مدخل التدفئة الرئيسي قبل خروجي من المنزل، لم يكن يوجد في المنزل إلا غطاء واحد سميك كنت استعمله وبعض الاغطية الرقيقية، " آلينا، إنظري كم المنزل نظيف ومرتب، هذا هو سريرك" أشرت الى سريرها، يوجد عليه غطاء رقيق ووسادة بيضاء وبعض علب الأندومي التي كنت اتعشاها كل يوم بعد عودتي من العمل، بالرغم من اني اصنع الكثير من المعجنات في المخبز إلا اني منذ ثاني يوم عمل لم اعد استطيع ان انظر اليها. جمعت اغراضي المنتشرة في الغرفة وبدأت بطي غطائي لاعطيه لها. جلسَتْ على سريرها وبدأت بعمل بعض الأشياء التي تفعلها النسوة بعد الاستحمام، كل دقيقة كانت تسألني عن احدى الاشياء الغير موجودة اساسا لدي. " آلينا لن تستطيعي العودة الى المنزل بعد هذا اليوم، فوالدك سوف يعاقبك لانك لاتزالين تحتفظين بغلة العمل ومفاتيح الشاحنة"، كانت متربعة على السرير و منهمكة بتقليم اظافرها، رفعت راسها وقالت " سوف يضربني مرة اخرى وتعود الامور الى طبيعتها"، كنت لا ازال اعبث بهاتفي لعله يعمل مرة اخرى حتى رفعت راسي ونظرت اليها متفاجئ من كلماتها التي وقعت على اذني، هل يعقل انها تقبلت ضرب والدها لها، او اعتادة على حياتها بهذه الطريقة، كانت لاتزال الكدمة تحت عينها جديدة، هل اذا ذهبت اليه غدا سوف تعود بكدمة اخرى وهي متقبلة الامر بكل بساطة؟ هل اعتادة على الذل بهذه الطريقة، لقد شق الغضب طريقه الى قلبي مرة اخرى، لأنها تستغل من والدها بهذه الطريقة وهي غبية او بريئة لا تعلم انه يستغلها دون رحمة او عطف بالرغم من انه والدها،
لقد اتخذت قراري الخاطئ ولن اتراجع عنه مرة اخرى او اتردد بعدها، نهضت عن سرير وجلست بجانبها، مسكت يداها بيدي ورفعت راسها بيدي الاخرى وقلت لها " لن تعودي اليه مرة اخرى مادامت انا موجود، لا يمكن ان اسمح له بان يستغلك مرة اخرى، لا اريد ان يعذبني ضميري اذا تركت تخرجين من منزلي "، ذبلت عيناها الخضراوتان وهي تنظر في عيناي وازدادت حدة انفاسها " غدا سوف تذهبين معي الى العمل وبعدها سوف نذهب سويا الى منزلك لنحضر بقية اشيائك"، اتخذت القرار ولا مجال للتراجع، لاني لا استطيع ان اقف مكتوف الايدي وانا انظر اليها وهي تقضي حياتها بابشع طريقة، ادارت وجهها لتكمل تقليم اظافرها وقالت " لكن لا املك اية اشياء في المنزل الا بعض الملابس العتيقة"، سحقا حتى انها لا تملك شئ، عدت الى سرير لاحاول عبثا ان اصلح هاتفي وقلت لها " حقيبة ملابسي هناك، افتحيها وارتدي منها ما يناسبك حتى نشتري لك بعض الملابس" ما ان انهيت كلماتي حتى اضجعت على سريرها وما هي الا دقائق حتى غطت في نوم عميق ولاتزال الساعة الثامنة مساء.
كنت افكر في نفسي، وانا انظر اليها وهي نائمة كملاك ضائع لا يعرف اين يذهب، ضل طريقه ولا يوجد عنده هدف في حياته، إنها تعيش بلا هدف في حياتها ولا يوجد عندها اصدقاء، منذ عامين تخلت عن المدرسة وعن اصدقائها وبدأت حياتها مع والدها تستيقظ كل يوم للذهاب الى العمل والعودة في وقت متأخر منهكة من التعب تريد فقط ان تنام قليلا لتريح جسدها الضعيف الذي لا يقوى على هذا العمل. حياتها كلها مشقات وتعب

مجرد النظر الى وجهها يبعث الطمأنينة في نفسي. سوف يقتلني ضميري اذا تخليت عنها مرة اخرى.
لم اعد اعلم، هل هذه مشاعر حب او شفقة؟؟



استيقظت الساعة الخامسة صباحا وقمت بارتداء ملابسي للذهاب الى العمل.
اقتربت من آلينا حيث انها كانت لاتزال نائمة والغطاء قد وقع على الارض اثناء نومها، قمت بتغطيتها جيدا فبدأت بالتحرك اثناء نومها، لقد بدأت اشعر بالمسؤلية اتجاه شخص ما في حياتي، انها المرة الاولى التي اسعر اني مسؤل فيها عن شخص ما، اشعر بالعطف تجاهها عندما اكون بالقرب منها.
مر الوقت بسرعة الى ان اصبحت الساعة الثانية عشر ظهرا. تفقدت والدها عدة مرات وكان التوتر ظاهرا على وجهه وكانه اضاع شيئا منه. كنت اتمنى ان اذهب اليه و أوسعه ضربا حتى يغمى عليه ولكني أجلتها لوقت اخر، كان كل تفكيري يدور حول آلينا وماذا تفعل الان، لقد بدأت تشغل تفكيري كليا، لقد شغلتني كما لو اني احببتها. في حياتي كلها لم اقع في الحب إلا مع فتاة واحدة فقط في اوكرانيا، اسمها أنجيلا، لقد أغرمت بها وهي ايضا لكني سرعان ما علمت انها متزوجة ولديها طفلة عمرها عامان، لا اريد ان اطيل الحديث عنها ولكن ما اردت ايصاله هو انها قد شغلت تفكيري مثلما تشغله آلينا الأن، لا استطيع ان افكر الا بشيئين، اولا آلينا والشئ الثاني هو ان أبرح والدها ضربا.
اغلقت باكرا في حلول الساعة الثالثة لاني لم اعد استطيع الانتظار اكثر، مررت في طريقي على محل للغذائيات لأشتري شيئا لآلينا لانها لم تاكل شئ منذ البارحة. كل ما اقتربت من المنزل تسارعت دقات قلبي واللهفة تعجل خطاي. دخلت المنزل بكل هدوء دون ان تشعر وتسللت الى الغرفة فوجدتها متمدة على السرير وتشاهد احدى البرامج الغنائية على التلفاز ومندمجة تماما بمتابعة البرنامج فاقتربت منها بكل بطى وهي لم تشعر بوجودي بعد ووضعت يداي على خاصرتها فجأة فقزت من الفزع وصرخت بأعلى صوتها، لقد أفزعتني اكثر مما افزعتها، لكن المفاجئة كانت عندما احتضتني ولفت يداها على عنقي وهمست في أذني " لقد اخفتني كثيرا". لم احرك ساكنا، وانما كنت متفاجئا وهي لاتزال تحتضنني، لقد تعلقت بي فعلا، لا اعلم ماذا افعل، هل احتضنها ايضا؟! ام ابقى هكذا مسدلا يداي للاسفل وظهري منطوي قليلا؟
افلتت يداها وقالت " لقد تركتني هنا وحيدة، لقد تاخرت في العودة"، لقد اشتقات لي ربما او ان الجوع قد جعلها تشعر هكذا، مع انني عدت باكرا من اجلها، " لقد احضرت لكِ بعض المعلبات والاطعمة، هيا اذهبي الى المطبخ لتحضري لنا شيئا نأكله سويا" انهيت كلماتي حتى نهضت فورا واخذت الاغراض من يدي، قبلتني من وجنتي وانطلقت الى المطبخ. جلست على السرير لإبدل ملابسي وانا مازلت افكر بما حصل، لقد احتضنتني ثم طبعت قبلتها على وجنتي ولكنها طبعت في قلبي ايضا. لا يعقل انها قد وقعت في الحب بهذه السرعة حتى انها لم تقل لي شيئا او لم نجلس سويا لفترة كافية حتى تقول لي شيئا، كل ما اعلمه اني بدأت اغرم بها بعد ما حصل الأن ولكن لاتزال هناك حلقة مفرغة في الموضوع لم افهمها بعد تتعلق بمشاعري، لم اعد اشعر بشكل قويم بعد المرض الذي اصابني وشفيت منه بقدرة الله وحده، لازلت اعالج مشاعري وقلبي بعد شهرين قضيتهما في الجحيم، ربما احتاج اشهر او اعوام ولكن........
أنهينا العشاء ثم جلسنا لنتحدث سويا ونشاهد بعض البرامج التلفزيونية، مر الوقت سريعا ونحن نتمازح ونضحك سويا.
لقد كنت اشهر بالسعادة بقدر ماكانت تشعر به هي فمنذ عام لم اشعر بسعادة كهذه، وهي ايضا كانت محرومة منها.
اخرجت بعض النقود من محفظتي وقلت لها " اذهبي غدا صباحا واشتري مايلزمك لانك لا تملكين شيئا نهائيا" اقتربت منها لاعطيها النقود " واحضري بعض الاطعمة لكي تحضّريها عند عودتي الى المنزل" مددت يدي ولكنها لم تأخذها وقالت " مازالت غلة اخر يوم عمل معي، لم اسلمها لوالدي، سوف اشتري منها مايلزم" اقتربت منها بقدر كافي يسمح لي ان التقط أذنها اليسرى باصابع يدي واقول لها " ابقي نقودك معك لعلك تحتاجينها يوما ما"، رمقتني بعيناها تلك النظرة التي تظهر الانصياع الكامل لكلماتي دون اي اعتراض عليها، انها مطيعة تستمع لكل ما اقوله لها. قلت لها هيا حان وقت النوم، اضجعت على سرير واخرجت هاتفي الجديد، لقد كان متروكا في حقيبتي لمدة شهر او اكثر دون ان اقترب منه حتى تعطل هاتفي القديم، ما ان بدأت بتصفحه حتى قاطعتني "ماذا تفعل؟ دعني ارى" نهضت عن سريرها وجائت وتمددت بجانبي على سريري ووضعت رأسها على كتفي، لقد احرجتني قليلا ولكني مازلت اعتبرها طفلة " اذا قلت لكِ الحقيقة هل سوف تغضبين؟" اريد ان اقول لها بما افعله على موقع التواصل الاجتماعي كل ليلة " كلا لن اغضب" قالت لي وهي ترمقني نظرة غضب مخلوطة بابتسامة، " منذ ان التقيت بك حتى هذا اليوم وانا اكتب قصتنا سويا على موقع الفيسبوك" اتوقع الان ان أُصفَعْ على وجهي بأقل التقديرات، لكنها فاجئتني عندما قالت " وكم هو عدد الاشخاص الذين يتابعون قصتنا؟" لم اكن اتوقع هذه الاجابة منها لكنها تقبلت الامر بكل بساطة " لا اعلم حقيقتا ولكني سوف اسأل اصدقائي غدا صباحا والأن دعيني اكمل كتابة القصة واذهبي للنوم لانك تزعجيني" قبلتني مرة اخرى من وجنتي ونهضت الى سريرها وقبل ان تغط في النوم قالت " اخبرهم كم انا جميلة " لقد بدأت بالضحك دون توقف، انها فتاة تعج بالحياة والحيوية، تتدلع كالفتيات الصغيرات، اذا اردت ان اوصفها يمكن ان اقول باختصار وبكلمة واحدة "انها جذابة".

استيقظت في صباح اليوم التالي لأذهب الى العمل وكالعادة كانت قد اوقعت غطائها ارضا وجسدها منطوي بسبب البرد. بدأت اشعر بالملل اثناء تواجدي بعيدا عنها لقد اعتدت عليها، ولن استطيع البقاء بعيدا عنها كثيرا.
عدت الى منزل بعد ان ذاب قلبي من الانتظار وما ان دخلت من الباب حتى شممت رائحة طبخ شهية، ظننت انها من عند الجيران لكن بعد ان دخلت المطبخ وجدت آلينا تطهو الطعام بعد ان اشترت بعض الاطعمة، " مساء الخير، ماذا تفعلين؟!"
لقد كانت منهكمة بتحضير العشاء ولكنها عندما سمعتني القت كل ما بيديها واقتربت مني لتقبلني من وجنتي مرة اخرى وتقول "لقد اشتريت الكثير من الاشياء وها انا احضر الكاشا " ( اكلة روسية بس مو طيبة /: )، انها تدير الامور في المنزل بشكل جيد، لقد بدأت اشعر بانها لم تعد طفلة بعد ان ابتعدت عن ذلك الاحمق.
انهيت طعام العشاء وقلت لها " شكرا لك انه طعام لذيذ" (عم كذب عليها /: ) " لم اكن اعلم انك تتقنين طهو الطعام!" كانت لاتزال تأكل فلم تستطع ان تجيبني.
بعد ان انتهينا قلت لها "دعينا نخرج لنتمشى قليلا فانت منذ يومين لم تخرجي من المنزل" لقد كنت اريد ان امشي معها قليلا بالرغم من تساقط الثلوج والبرد القارص. أومأت برأسها موافقة وبدات بتجهيز نفسها للذهاب.
خرجنا من البناء وما ان مشينا قليلا حتى امسكت بيدي والتصقت بي، الجو بارد والثلج يتساقط ولكني اعشق هذا الطقس لانه يوحي بالهدوء والراحة النفسية بالرغم من برودته. كنا نتحدث عن امور كثيرة اثناء سيرنا، كانت تخبرني عن والدتها واصدقائها وكيف كانت حياتها وكيف اصبحت، الحزن ظاهر على وجهها وهي تتكلم في هذا الموضع، قلت لها " دعينا نحتمي بتلك الشجرة من الريح، اخرجت سيجارة واشعلتا، الى ان سألتني ما كنت ارفض الاجابة عنه " لماذا لا تخبرني عنك ايضا، كل احاديثنا كانت عني فقط" لا يمكن ان اخبرها عني، لايوجد سبب معين ولكني ارفض فقط، فقصتي طويلة وحزينة ولا يمكنني ان احملها حزنا فوق حزنها، كما ان كبريائي يمنعني من تقبل شفقة الاخرين وحزنهم علي قلت لها " لا اريد ان اقص عليكي بعض سخافاتي، ولا اريد ان ازيدك حزنا فوق حزنك" انقلب مزاجي فورا وبدات اشعر بضيق في صدري بسبب الهموم التي احملها في داخلي، " منذ ان التقيت بك حتى هذه اللحظة كنت قد نسيت جميع مشاكلي واوجاعي، وهذا يكفيني" لقد كان جوابي هو غلطتي لانني قد اعترفت لها باعجابي بها دون ان اعلم، كنا نقف بمقابل بعضنا او ملتصيقين ببعضنا بسبب البرد القارص وامسك يدها بيدي وعيناي لاتفارق عيناها، رميت سيجارتي ومسكت يدها الاخرى، بدأت تقترب براسها مني حتى اغمضت عيناها عندها علمت ماهو القادم بعدها فاغمضت عيناي ايضا و..............



دخلت الى بناء محطة القطارات، كان هناك الكثير من الناس يقفون على نوافذ بيع التذاكر، كنت واضعا سماعات الاذنين واستمع الى اغنية "No More Love"، "لامزيد من الحب". جارا ورائي حقيبتي التي عشقت السفر معها.
وقفت بالقرب من نافذة بيع التذاكر منتظرا دوري, كان الناس ينظرون الي والدموع تنهمر من عيناي، لقد قررت ان لن اتوقف عن ذرف الدموع حتى اضع قدمي على درجات القطار، كان يقف امامي رجل عجوز يحاول ان يحجز تذكرة ولكن لم يكن هناك أسرّةُ فارغة فبدأ بالشتم وذهب وهو يلوح بعصاه يمينا ويسارا، اقتربت من النافذة، كانت الموظفة تنظر الي بزهول ودموعي لاتزال تذرف، خلعت سماعة هاتفي وقلت لها " اعطيني تذكرة على اقرب رحلة لو سمحتي" لاتزال تنظر الي وهي مزهولة دون ان تنطق حرفا الى ان قالت " ما هي وجهتك؟!" ربما لم تسمعني جيدا ولكني سوف اعيد لها " الوجهة لا تهم فقط تذكرة فارغة على اقرب رحلة لو سمحتي" سكتت مرة اخرى وهي مزهولة مني، بدأت تتمتم باللغة الروسية وقالت حسنا ثم بدأت تطبع بعض الحروف على حاسوبها ثم قالت " هناك تذكرة فارغة على الرحلة رقم 223 الى دنيبروبتروفسك بسعر 65 غريفن بعد نصف ساعة، هل تريدها" قبل ان اجاوب على سؤالها وضعت النقود على حافة النافذة وقلت لها " تفضلي لو سمحتي"
بدأت بطبع الحروف مرة اخرى وعيناها لاتفارق دموع عيناي، اعطتني التذكرة فانطلقت مسرعا الى المنصة لانتظر قطاري، جلست على الكرسي واشعلت سيجارة اخرجت هاتفي ووضعت اغنية " no more sorrow", " لامزيد من الحزن".لفرقتي المفضلة Linkin Park
ارجعت رأسي للخلف واغمضت عيناي.

بقينا واقفين تحت الشجرة قرابة النصف ساعة وانفاسي لاتفارق انفاسها، الناس يمرون بجانبنا ونحن لا نلقي بالا، اختفى الشعور بالبرد بالرغم من تزايد تساقط الثلج واشتداد الريح ولكن الدفئ قد احاطنا من كل الاتجاهات وبدأ يتغلغل في الاعماق حتى وصل الى قلبي.
في هذه اللحظة علمت اني لن اغادر هذه المدينة مرة اخرى مهما سيحصل إلا الى مكان واحد يعرفه الجميع، لن اعود رحالا كما كنت سابقا كل ما استقريت في مدينة غادرتها ودفنت كل شئ فيها، سألني عدة اشخاص لماذا ارحل دائما ولا استقر في مكان معين؟، لم اجاوبهم ابدا ولكن اعتقد ان الوقت قد حان للاجابة على هذا السؤال. كل ما وصلت الى مدينة ما واستقريت فيها حتى تحصل معي بعض المشاكل او اقترف بعض الاخطاء او ارتبط بالشخص الخطأ، لا استطيع مواجهة اخطائي او مشاكلي، كل ما اذكر افعالي السيئة ابدأ بالندم عليها، وشعور الندم يعذبني طالما انا بالقرب من خطأي، فاضطر الى الرحيل دافنا ورائي كل شئ فعلته دون ان اذكره حتى، الى ان وصلت الى مرحلة جعلتني اخاف من اجعل لي اصدقاء، لقد كنت كل ما اتعرف على شخص احاول ان اقتصر حديثه معي وارفض اي محاولة منه للتقرب مني، وابقي علاقتنا بإلقاء التحية، لاني اعلم انه اذا اقتربت من اي شخص سوف تحدث مشكلة ما لامحال، لن اطول بالحديث عن نفسي ولكن سوف اختصر كلماتي بأني شخص شرير فقط.
مر الترام من جانبنا مصدرا ضجيجا بسبب احتكاك عجلاته بالسكة الحديدية مما جعلنا نتوقف ونبتعد عن بعضنا قليلا لكن نظراتنا لاتزال متضاربة فيما بينها، تنتظر اللحظة الحاسمة للإلتقاء مجددا حتى قلت لها " دعينا نذهب للمنزل "، لفيت زراعي حول عنقها وقربتها مني ومشينا باتجاه المنزل.
جلست على سريري لاسرد بعضا من قصصي كالعادة، لقد كنت اتلهف للحظة التي ابدأ فيها الكتابة، فالكتابة كانت المكان الوحيد الذي استطيع ان افرغ فيه حزني وهمي، شئ لا يعرفه الا من لا يملكون اصدقاء، لقد كنت سعيدا لكني لا اعلم ماذا سيحدث مستقبلا فقلبي ينبئني بان شيئا ما سيحدث.
كانت نائمة جانبي على السرير والساعة تقارب الواحدة ليلا وانا اشاهد التعليقات على الجزء السابع من قصتي، انظر اليها وهي نائمة كل قليل تسحب الغطاء عني بسبب البرد، لقد كانت كالطفلة التي تحتاج الرعاية والعناية.
في صباح اليوم التالي كانت الطرقات قد اغلقت بسبب العاصفة الثلجية، الحركة في الشوارع قليلة جدا، لم يكن هناك الكثير من الزبائن ولكني بقيت حتى الساعة الرابعة، عدت الى المنزل وما ان دخلت حتى شممت رائحة الطعام الشهية مرة اخرى، لقد كدت انسى هذه الرائحة فمنذ عام لم اعتد عليها. دخلت المطبخ فشاهدتني آلينا وقبل ان اقول شيئا ركضت الي وقبلتني قبلة طويلة ثم قالت " لقد اشتقت اليك" كان تفكيري قد ذهب بعيدا اثناء تقبيلها لي الى ان عاد " وانا ايضا حبيبتي".
انهينا عشائنا، لقد كانت طباخة ماهرة، يوجد في طعامها نكهة غريبة ولكنها شهية، " حبيبتي هيا ارتدي ملابسك ودعينا نخرج الى الشارع" نهضت وقالت " حسنا" اقتربت مني وقبلتني ثم انطلقت لتحضر نفسها للذهاب.
كان الثلج قد توقف عن التساقط ولكنه سرعان ما سيبدأ مجددا قريبا، و اثناء سيرنا في احد الشوارع مر شاب بالقرب منا الى ان صرخت آلينا " يانيك، هل هذا انت؟" نظر اليها الشاب متفاجئا وانا ايضا، فقال الشاب متفاجئا " آلينا!! ". توقفنا و بدأ الحيث بينهما يدور، لقد كان صديقها المقرب ومنذ عامين لم يروا بعضهما منذ عامين الى ان جمعتهما هذه الصدفة، بدأ الحديث يدور بينهما عن حالهما ثم اخبار اصدقائهم والى ما هنالك من امور. " الى اين انت ذاهب، دعنا نتنزه سويا"، لقد رفض في البداية لكن آلينا استطاعت ان تقنعه ببرائتها ودلعها. دخلنا الى احد المحلات لنشتري شيئا نشربه خلال نزهتنا، الى ان قالت آلينا " يانيك التقط لي صورة مع آليغ بهاتفه رجاء"، لم اعلم لماذا تطلب هذا الطلب دون ان يكون هناك وقت مناسب له ولكني اخرجت هاتفي واعطيته ليانيك بعد ان علمته كيف يلتقط به الصور، اقتربت من الينا ولففت زراعي حولها ولكنها اقتربت مني وقبلتني واثناء تقبيلها لي التقط لنا الصورة، كانت الصورة جميلة فقررت ان اقوم بنشرها مع الجزء الثامن من القصة في تلك الليلة. اشترينا بعض المشروبات الغازية ثم دعوناه للذهاب معنا الى المنزل. لقد كانت احاديثهم كلها تدور عن الماضي البعيد بينهما وانهما قد احبا بعضهما في احدى المرات ولكنهما عادا اصدقاء مرة اخرى بعد ان حصلت بينهما عدة مشاكل، لقد كانت نظراتهما لبعضهما تجعلني اغار قليلا، لماذا كنت اغار من هذه النظرات، هل يعقل اني احببتها لهذه الدرجة؟.
ودعنا يانيك وذهب الى منزله، وبقينا انا وآلينا متمددين على سريري نتابع احد الافلام المدبلجة الى اللغة الروسية، نامت آلينا وهي تشاهد الفلم وانا اخرجت هاتفي وبدأت بسرد روايتي ونشرت الصورة التي التقطها لنا يانيك في الجزء الثامن من القصة.
استيقظت الساعة الثامنة والنصف وهناك اكثر من عشرين مكالمة واردة الى هاتفي من صاحب العمل، لقد تاخرت عن عملي ثلاث ساعات، ارتديت ملابسي وبدأت بالركض الى العمل، لقد وصلت الساعة التاسعة تقريبا وصاحب العمل ينتظرني بالقرب من المحل لان مفاتيح المحل كانت معي. اعتذرت منه واضطررت ان اكذب عليه واقول له ان حرارتي مرتفعة كي لا يوبخني ( مشان ما ينشحني ويقلعني /: ) .
كان الثلج يتساقط والشوارع اغلقت مرة اخرى بسبب الثلج الكثيف، لم يكن هناك احد نهائيا في الشوارع والحياة شبه متوقفة بسبب الثلج والرياح العاتية.
اغلقت باكرا قرابة الساعة الواحدة وعدت الى المنزل لتكون الصدمة تنتظرني بعد ان فتحت الباب بكل هدوء كعادتي وما ان دخلت الغرفة حتى شاهدت ما كنت لا اتوقعه ابدا. كانت آلينا ويانيك يجلسان على حافة السرير ويتبادلان القبل. لقد صعقت، لقد صعقت كل احاسيسي، اقشعر بدني وزهل قلبي، ذابت مقلتا عيناي وهما تريان هذا المنظر، توقف قلبي عن النبض لبضعة ثوان، تحطم كل شئ كنت احاول فعله، تبددت كل احلامي وضاعت في ثوان، كنت احمل حقيبة في يدي فرميتها على الارض بعد ان ارتخت كل اعصابي، شاهدتني آلينا وقالت " أليغ ارجوك لا...." نهض يانيك عن السرير، مازلت احدق بألينا والمشهد لايفارق مخيلتي، سكينا ذو نصلين طعن في قلبي، شل لساني ولم اعد استطيع التكلم لايزال وجهي محافظا على برودته دون ان يظهر اي شعور عليه سوى الاسى ولكني كنت احترق في داخلي وجسدي ينهار تدريجيا، اقترب مني يانيك وهو يحاول ان يفسر ما حصل، فلم يكن مني الا ان لكمته على وجهه فوقع ارضا ثم نهض وهرب خارج المنزل، لم اهتم لامره وانما كانت الينا لاتزال جالسا عالسرير وقد بدات بالبكاء وهي تنظر الي بنظراتها البريئة الطفولية التي اعتدت ان اراها بهما عندما شاهدتها للمرة الاولى، بدأت زكرياتي تعود بي الى لحظة التقائي بها للمرة الاولى، كيف كانت تدخل الى المخبز وتطلب رغيف خبز ساخن، كيف كان منظرها هو يبعث الشفق في قلب كل من يراها، كيف كان التراب يملئ وجهها وملابسها مليئة بالشقوق، كيف كانت البرائة تملؤ عيناها.
بقيت صامتا ولم انطق حرف لأن لساني قد شل عن الحركة وحرقة تخرج من صدري، بدأت بلم اغراضي ووضعهم في الحقيبة، بدأت امحو زكرياتي التي جمعتها خلال تواجدي في المدينة، كي لا تبقى عبئا على كاهلي، اثناء وضعي لاغراضي في الحقيبة والينا لاتزال تجلس على حافة السرير وعيناها مغرورقتان بالدموع، اصابتني نوبة قلبية جعلتني اقع ارضا من الالم، نهضت ألينا مسرعة الي وهي تصرخ " أليغ.. أليغ هل انت بخير؟.. أليغ" وضعت يدي على قلبي وبدأت بالسعال والألم يجتاح صدري الى ان انفكت النوبة ولكني لا ازال ارضا والينا واقفتا فوقي تنظر الي بعيناها البريئتان والدموع تذرف منها، نهضت ولازلت اضع،يدي على قلبي، اغلقت حقيبتي وتوجهت الى الباب تمسكت ألينا بيدي وهي تقول " توقف ارجوك لاتذهب، دعني اشرح لك ماحصل... ارجوك أليغ توقف.. لاتذهب وتتركني وحيدة" لكني لم انظر اليها حتى، وانما تابعت طريقي الى باب جارا ورائي الخيبة والهزيمة منكسرا لا استطيع رفع رأسي و لساني لايزال مشلولا لا استطيع الكلام، خرجت من المنزل واغلقت الباب ورائي للأبد، نزلت الى الشارع والعاصفة الثلجية بازدياد.
مرت سيارة اجرة فاشرت بيدي لعله يراها من بين الثلوج المتساقطة فتوقف بالقرب مني وقال " الى اين؟" اقتربت منه لكي يستطيع سماعي وقلت له "الى محطة القطارات الجنوبية" نظر الي وتفحص الحقيبة التي معي ثم قال " ضعها في الصندوق الخلفي" وضعت الحقيبة خلفا وصعدت بالمقعد الخلفي وارتديت سماعات الاذان ووضعت اغنية " Freeman on The Streets", " رجل حر في الشوارع" اغمضت عيناي وارجعت رأسي للخلف.

سمعت صوت القطار قد توقف و فتحت ابوابه، فتحت عيناي ونهضت عن الكرسي واخرجت التذكرة، المقطورة الرابعة عشر السرير رقم عشرون، بدأت بجر حقيبتي متجها الى مقطورتي، كان المرافق يقف بالقرب من باب المقطورة ويتفحص بطاقات المسافرين الى وصل الدور الي، كان المرافق يتحدث مع زميله ويضحك على احدى القصص التي يقصها عليه نظر في وجهي وهو مايزال يضحك فشاهد الدموع لاتزال تذرف من عيناي، فتوقف عن الضحك واخذ التذكرة من يدي ليتفحصها وهو لايزال ينظر في وجهي، قال لي " السرير رقم عشرون" اعاد الي التذكرة وهو مايزال ينظر الي. رفعت حقيبتي وبدأت بصعود الدرجات وما ان دخلت ووضعت حقيبتي ارضا حتى اخرجت منديلا من جيبي وبدأت بمسح دموعي، ومسحت جميع زكرياتي وانا امسح دموعي، رميت اخر اثر لهذه المدينة في عقلي من باب القطار قبل ان يغلق، دفنت زكرياتي ورائي كما كنت افعل دائما. اخرجت هاتفي ووضعت اغنية " Carry on my wayward son, there will be peace when you're done", " استمر في طريقك يابني الضال، سوف يكون هنا سلام عندما تنتهي".
لن اعتبر ماحصل هو خيانة او حماقة وانما سيكون درسا اخر لي يجعلني اتابع طريقي واتعلم اشياء اخرى. ما حصل كان قاسيا ولكني نسيته مع اخر درجة صعدتها في القطار، لن اعتبر ماحصل علاقة حب وانما علاقة احتياج احدنا للاخر، او يمكن وصفها بالعلاقة الجنسية لا اكثر، لن اجعلها هي الخاطئة وانما ساكون انا من اخطأ، لقد كنت اعتقد ان مشاعري صامدة ولست بحاجة لاحد لأكلمه عن همومي ومشاكلي واضع راسي بين يديه واذرف دموعي في حضنه وكنت اعوض عن ذلك بعلاقات مع اصدقائي الذين حتى لم اسمع صوتهم على الفيس بوك، كنت اضحك على مشاعري ونفسي امام الجميع واحاول ان اظهر اني قوي ولست ضعيف.
عمري عشرون عاما ولا استحق كل هذا العناء والتشرد في الشوارع في بلد اجنبي لا اعرف فيه احد، قضيت شهرين في الجحيم، لا استحق ان اعمل مثل الالة حتى استطيع العيش وانا في هذا العمر، لا اريد ان اكبر بسرعة واصبح رجل وانا بهذا العمر وانما اريد ان اعطي عمري حقه واعيش شبابي بسلام وادرس في الجامعة واخرج مع اصدقائي للتنزه في ايام العطل واقبل يدي امي واطلب من والدي مصروفي، هذا كل ما اريده لا اكثر، ربما لا استحقه ولكني فقط اطلبه لا اكثر،


الكاتب
" أليغ بيتروف "

أدوات الموضوع
طريقة العرض

موقع غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات
جميع الحقوق محفوظة منتديات غرام
iTraidnt by ROMYO
جميع الحقوق محفوظة منتديات غرام
iTraidnt by ROMYO

SEO by vBSEO 3.6.1