غرام
اكتب بريدك ثم اضغط على اشتراك ليصلك جديد غرام
بحث مخصص من محرك البحث العالمي قوقل للبحث في غرام
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 1
قديم(ـة) 23-07-2015, 02:37 PM
صورة Amnah الرمزية
Amnah Amnah غير متصل
♥ رَبّنآ لآ تُزِغْ قُلُوبَنَآ بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَآ ♥
 
الافتراضي السياج الأخضر، للكاتب/ 0irumi؛كاملة


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
صباحكم/مساءكم نور و سرور


رواية السياج الأخضر
رواية رائعة جميلة في طرحها و مشوقة كفيلم مميز
و ممتعة في رواية أحداثها الخيالية
التي أبدع الكاتب في طرحها


الرواية للكاتب : Irumi

*ملخص الرواية:

شابٌ كالنسيمِ العليل ، إبتسامتهُ دافئةةٌ و نبرتهُ هادئةة ، و لكِن خلفَ هذا الوجهِ المُطمئنِ يكمُن سرٌُ ما !
يحدثُ شيءٌ ما يُودي بحياته ، و بعدَ أربعةةَ عشر عاماً تبدأُ المشاكِلُ للشابِ الذي يحمِلُ نفسَ إسمهِ و دمه -*



*معلومات عن الرواية:

السنة : 2007
النوع : خيال ، دراما ، غموض
الحالة : مكتملة
التصنيف : رواية



..أتمنى لكم قراءة ممتعة..



تعديل Amnah; بتاريخ 23-07-2015 الساعة 02:43 PM.
الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 2
قديم(ـة) 23-07-2015, 02:51 PM
صورة Amnah الرمزية
Amnah Amnah غير متصل
♥ رَبّنآ لآ تُزِغْ قُلُوبَنَآ بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَآ ♥
 
الافتراضي رد: السياج الأخضر، للكاتب/ 0irumi


استيقظ ((آدم)) من نومه فجأة ونظر إلى ساعته المنبهة فوجدها قد تجاوزت الرابعة صباحا ..
لم يتعجب كثيرا من استيقاظه في ذلك الوقت، تجهز وتناول حبوبه المغذية .. ثم نزل إلى الحقل الذي يحوط بمنزله الريفي الصغير وقام بفتح الاصطبل وأخرج جواده البني " سريع" ،، مسح على جبهته بلطف ثم اعتلاه وركض به خارجا من الحقل إلى الطريق الصغير الذي يفصل بين الحقول ..

سار يتأمل شروق الشمس وبديع صنع الإله في ذلك المكان الجميل حتى خرج من قريته إلى نطاق الغابة وظل متابعا سيره حتى طلع النهار وتوقف آدم أمام منظر بديع ... الخضرة تحيط بالبحيرة الصافية الزرقاء، هناك أشجار خضراء عملاقة تحيط بالمكان ومرتفعات تواريها .. هو فقط من يعرف هذا المكان وهو الذي يزوره ليتأمل الطبيعة الساحرة وينسى آلامه لبعض الوقت ..

ربما ... يستطيع أن ينسى آلامه، ترجل من فوق جواده وسار حتى وصل إلى البحيرة التي أطلق عليها اسم "وشاح الأمل الأزرق" .. انحنى بهدوء ولمس بأطراف أصابعه مياهها الدافئة واستنشق من الهواء الذي يحمل رائحة الورود البرية وتأثر كثيرا وهو يحاول النسيان ..
قال مخاطبا البحيرة الزرقاء بخفوت:
- بحيرتي يا وشاح الأمل ... سأفتقدك كثيرا لأنني ربما لن أعود غدا ...

ثم وقف وهو ينظر إلى المكان و اغرورقت عيناه بالدموع وهو يودع أصدقائه من الأشجار العملاقة ولكنه تماسك حتى لا تشعر أشجاره بدموعه ثم اعتلى جواده سريع وعادا معا إلى القرية ..

كانت القرية قد استيقظت والناس يذهبون ويجيئون وكل مشغول في عمله بالبيع أو الشراء أو حراثة الحقول أو حتى التحديق بـ آدم بدون سبب يعرفه ...
عاد آدم إلى حقله وأدخل جواده إلى الاصطبل وعندما خرج شاهد شابا يقترب مبتسما وقال :
- مرحبا آدم؟؟ كيف تشعر ... آمل أنك في تحسن ..
ابتسم آدم وتمتم :
- أجل ...
- متى سوف تعود للجامعة؟؟
- لن .. أعود ..
صمت آدم قليلا بعد تلك الجملة ولكنه أردف:
- لن أعود أبدا ..
حاول الشاب أن يبعد شبح اليأس عن آدم وقال وهو يضرب كتفه مازحا:
- هيا يا رجل!! المدينة ليست بعيدة إلى هذا الحد ..

لم يعقب آدم على تلك الكلمة ونظر خلف الشاب فالتفت الشاب وشاهدا شقيقة آدم الكبرى "منى" وهي تصطحب معها طبيب القرية متوجهة نحوه فابتسم آدم تلك الابتسامة الجميلة التي تعطي الحياة لكل شخص يراها، واقتربت منى مبتسمة ثم قالت وهي توبخ آدم بلطف:
- آدم! كم مرة علي أن أخبرك بأن لا تجهد نفسك ... أليست هذه وصية والدك رحمه الله التي لا تنفذ شيئا منها!
تنحنح الشاب وقال:
- سوف أزورك قريبا آدم ... و ... اسمع كلام شقيقتك! إنها طبيبة وتفهم ذلك!
ابتسم آدم وقال وهو يراقب صديقه الوحيد يرحل:
- حاضر يا أيمن، اسمع كلام والدتك واشرب الحليب!!

ضحك أيمن ولوح بيديه ثم خرج من بوابة الحديقة،، فقالت منى:
- آدم! لا تعجبني تمضية أيامك في العمل وإرهاق نفسك ... يمكننا تولي أمر الحقل!!
ظل آدم مبتسما وهو يقول بهدوء:
- دعيني أمضي ما بقي من أيام حياتي القليلة كما أريد ...

توقفت منى عن الكلام وهي تشعر بالأسف ثم تلكأت وهي تقول:
- لا .. لا تقل ذلك أبدا ... سـ .. سوف تكون بخير ..
تدخل الطبيب في تلك اللحظة قائلا بخبث:
- انظري إلى وجهه الشاحب إنه يشرف على الموت، دعيه يفعل ما يريد ..
نظرت منى إلى الطبيب بغضب فقال الطبيب مبتسما وهو يتدارك كلمته الأخيرة:
- الأعمار بيد الله ولكن لا تنسي أنه من وافق عمه المجنون على وضع ذلك الشيء داخل جسده..

حلت فترة صمت قصيرة وبدا التأثر على وجه منى ولكن آدم وضع يده على قلبه وتكلم بهدوء كعادته:
- لا أحب أن أتشاءم ولكن، أشعر بأن تلك القطعة في صدري تؤلمني بشدة .. لقد مللت من الحقن المضادة لأنه لا داعي لها أبدا .. فأنا سأموت بأي حال ...
احتقن صوت منى وتجمعت الدموع في عينيها وهي تقول:
- أرجوك يا أخي ... خذ الحقن لأرتاح!
قال الطبيب بعد أن تنحنح :
- إنه محق،، لا داعي للحقن لأنه سيمـ ...

نظرت منى للطبيب نظرة حادة فتوقف عن الكلام وهو يبتلع لعابه بصعوبة ويحاول نسيان الأمر ..
قبل أن يدخل آدم إلى منزله توقف لحظة ثم قال:
- كنت أود رؤية "آدم" الصغير اليوم ... إذا سمحت طبعا يا أختي، ولا تنسي أنني خاله ..

أومأت منى موافقة و حاولت أن تبتسم ولكن دموعها ملأت عينيها الجميلتين واستدارت حتى لا يلحظ آدم تلك الدموع المخفية ثم قالت بصوت مرتعش:
- أرجوك .... خذ الحقن ...

توقف آدم واتسعت عيناه ثم استدار وهو يقول بدهشة:
- هل تبكين يا أختي؟؟ هل تخافين من الموت؟؟
استدارت منى ودموعها تسيل على خديها ثم ضمت آدم بقوة وهي تقول:
- أخشى أن أفقدك فعلا ... أرجوك!!! لن استطيع أن أتخيل حياتي وأنت لست فيها !!!
ابتسم آدم تلك الابتسامة الهادئة جدا ثم قال:
- إن حياتك جميلة .. وهناك من يحتاجك جدا،، زوجك يوسف الذي تحبينه،، وآدم ابنك .. آدم الصغير ... سوف تكونين بخير، أنا مطمئن عليك ..

انهمرت دموع منى بشدة وشهقت محاولة التقاط أنفاسها ثم قالت بخفوت:
- خذ الحقن ... أرجوك!
أجاب آدم:
- حسنا ...


 السياج الأخضر

استيقظت منى في اليوم التالي وأعدت الفطور بسرعة فسألها زوجها قائلا:
- كيف حال آدم الكبير الآن ؟؟
لم تجب منى وظلت تطعم طفلها آدم بصمت فشعر زوجها يوسف بحزن يعتلي ملامحها فلم يكرر السؤال وقال بلطف:
- ما رأيك أن نأخذه في رحلة؟ ربما تغيير المكان يجعل حاله أحسن ..
نظرت منى بسرعة نحو يوسف وتمتمت:
- حقا .. هل سنقوم برحلة .. أ ..أقصد هل تعتقد أن تغيير المكان سيفيد حقا؟؟
- أجل! أنا مؤمن بذلك ..
- لكن .. أنت لا تأخذ إجازة وعملك مرهق .. هذا لن يصلح ..
- توقفي عن هذا يمكنني أن آخذ إجازة ..
دمعت عينا منى وتحشرج صوتها ولكنها انتبهت لآدم ذلك الطفل الذي لم يتم الثلاثة أعوام وهو ينظر إليها بحزن ويشعر بحزنها العميق فوقفت وقالت وهي تتوجه إلى الأعلى وتمسك دموعها:
- سأعود بعد دقائق ..
تمتم آدم بلهجة الأطفال البسيطة:
- أمي تبكي..
نظر يوسف إلى ولده الصغير وابتسم بصعوبة قائلا:
- لقد دخلت بصلة في عينيها ...
ضحك آدم وردد:
- تبكي من البصلة ؟
- أجل .. أنت ولد ذكي ..

ترك يوسف الطاولة وصعد خلف زوجته بسرعة .. وعندما وصل إلى الدور الثاني رأى منى تبكي قرب النافذة وتحاول تجفيف دموعها التي لا تريد التوقف فقال يوسف بهدوء وهو يمسك بكتفيها بحنان :
- أعلم أنه شقيقك الأصغر الذي أحببته أكثر من نفسك، لكن .. أرجوك تماسكي قليلا ..
قالت منى بألم :
- كل ما يحزنني أن جميع الناس يتمنون موته ... لماذا!!!

صمت يوسف قليلا ثم قال وهو يناول زوجته منديلا آخر :
- كل ما أعلمه أن عمه خبأ في صدره سرا ما ... يريد الجميع معرفته ... وهناك من يعرفه بالفعل ويريد الاستيلاء عليه ..
زادت دموع منى وصاحت منفعلة:
- وهل هذا السر أغلى من حياة إنسان ...
ربت يوسف على كتفها برقة وقال:
- لا تنسي أن ذلك الشيء أثر على صحته وتصرفاته منذ طفولته ، وجعله منطويا ووحيدا ... إنه قوي حتى يتحمل ذلك الشيء حتى الآن ... قوي جدا ..
نظرت منى لزوجها وقالت:
- هل تقصد أنك تتمنى موته؟؟
تفاجأ يوسف من كلامها وقال بسرعة:
- بالطبع لا ... ولكن .. ولكن ما من طبيب يستطيع إخراج ذلك الشيء .. إن حالته ميئوس منها وهو يعاني ليلا ونهارا من آلام مبرحة .. يجب أن لا تكوني أنانية .. الموت أفضل له ...
صرخت منى باكية:
- أنتم تكرهونه لأنه أرق وأجمل شخص في الوجود ... تحقدون عليه لأنه أفضل منكم .. لأنه مختلف ولأنه وسيم وذكي ... أنتم حقدة ..
ثم تركته وركضت نحو غرفتها فسار يوسف خلفها وهو يقول:
- صدقيني أنا لم أقصد تمني الموت له ... لم اقصد كل هذا الكلام .. أنت تعرفين أنني أحبه مثل أخي وأكثر .. لا يمكنني أن أحقد عليه أبدا .. أنـ .. أنا ..

التفتت منى ثم ارتدت معطفها ومسحت دموعها و قالت:
- أنا آسفة .. لم أقصد الكلام الذي وجهته إليك ...
- لا بأس .. أنا أيضا آسف ..
- سأسرع الآن لأنه لا يأخذ دواءه إلا بعد إلحاح مضنٍ .. كما أنه علي التوجه إلى المستشفى بسرعة لأن هناك حالة ولادة بانتظاري ..
تابع يوسف زوجته الجميلة وهي تنزل درجات السلم ثم هتف:
- فكري بأمر الرحلة .. أنا مستعد لكم ..

لوحت منى بيدها باسمة ثم أمسكت بيد آدم الذي كان يلعب وقالت:
- آدم .. ستذهب معي إلى خالك اليوم ..
نظر آدم ببراءة نحو أمه وقال:
- هو ذهب .. لن أراه ..
اتسعت عينا منى مفزوعة وأمسكت بآدم من يده وركضا معا إلى الخارج .. ركضت منى وركضت ولكن آدم الصغير تعب فحملته حتى وصلت إلى المنزل ...

كان باب الحقل مفتوحا وتركت منى طفلها ليسير ثم شاهدت سريع يركض في الحقل كالحصان البري فانطلقت نحوه وأمسكت بلجامه وهي تقول:
- ما الأمر يا سريع .... لماذا تبدو خائفا .. أم إنها أنا الخائفة؟؟
ظل الحصان يصهل ويتحرك يمينا ويسارا فتركته منى وهي تسحب آدم خلفها ودخلت إلى المنزل وهي تنادي بهستيريا:
- آدم ... آآدم أجبني بالله عليك...
بحثت منى في كل ركن ... ولكنها لم تجد أثرا لـ آدم .. فعادت إلى الحقل وقالت تحدث حصان آدم :
- سريع ... خذني إلى آدم بسرعة ... أين هو ..؟؟

----------------------------------------------------------

اعتلت منى الحصان وحملت صغيرها أمامها فركض بها الحصان وعبر القرية .. ثم خرج ودخل إلى الغابة المهجورة .. فبدأت منى تشعر بالخوف ...
ظل سريع يركض ويركض حتى وصل إلى غابة آدم ذات الأشجار الملتفة والبحيرة الزرقاء النقية ..
سارت منى منبهرة بجمال ذلك المكان وعندما نظرت إلى البحيرة شاهدت آدم هناك .. ملقى على شاطئ البحيرة وإحدى يديه تنغمس في المياه الدافئة ...
هل مات آدم ؟؟؟
ركضت منى مفزوعة نحو أخيها الملقى بلا حراك ولكنها عندما اقتربت سمعت صوت أنفاسه المتلاحقة .. فتنفست الصعداء ..
وعندما اقتربت أكثر شاهدت الكثير من الدماء على شفتي آدم وجسده وعلى حشائش الغابة، كانت الدموع تملأ عينيه فأمسكت به ووضعت رأسه على حجرها وقالت :
- آدم ... ماذا تفعل هنا... لماذا لم تهدأ وترتاح ... لم أنت مجروح هكذا؟؟
لم يستطع آدم الكلام ونزلت دموعه ، فبكت منى وقالت:
- أنت قوي ... لم أرك تبكي هكذا من قبل .. بماذا تشعر؟؟
تمتم آدم بصعوبة :
- لـ .. لقد .. حزن أصدقائي .. لقد رأوا دموعـ .. ـي .. التي خبأتها عنهم ... لسنين ...
كان آدم الصغير يراقب ذلك بصمت وتساءلت منى:
- أصدقاؤك؟؟
تنفس آدم بصعوبة وتكلم ودموعه تسيل على وجهه:
- عندما أموت ... لا تدعيهم يعبثون بجثتي أرجوك ... إ ..
قاطعته منى وهي تبكي هي الأخرى :
- لن تموت يا آدم أرجوك ..
تابع آدم :
- ادفنيني .. هنـا .. بـ . ... بالقرب من أصدقائي .. و ... أرضـ ... ـي ...
ثم مـدّ يده ببط وكان ممسكا بشيء ما وقال:
- أعطي لأيمن هذه! و ... خذي حذرك على آدم الـ .. الصغيـ .. ـر ..
لم تستطع منى قول أي شيء وابتلعت دموعها وبكت حتى لم تعد ترى وجه آدم بوضوح ولكنها أمسكت بتلك العلبة الصغيرة ...

مد آدم يده الأخرى بصعوبة نحو آدم الصغير فاقترب وأمسك بها .. ابتسم آدم الكبير فخرجت بعض الدماء الأخرى من فمه وسالت على وجنته .. ثم .. سكنت أنفاسه ومالت رأسه ...
مسحت منى دموعها ونظرت إلى وجهه وهي لا تصدق أنه توفي ..
لقد مات آدم بهدوء ... بعيدا عن القرية .. وبعيدا عن كل الناس ..

بكت كثيرا عندما تذكرت الرحلة التي كان يوسف ينوى إعدادها من أجله ...
لكنها تلك المرة كانت أكبر قوة وشجاعة ..
خلعت معطفها المليء بدماء آدم ووضعته على وجهه، ومن ثم عادت إلى المنزل واتصلت بزوجها ليأتي ... لم يتأخر يوسف كثيرا، لأن بكائها كان يوحي بأن مصيبة حدثت ..

كان يوسف مفزوعا عندما دخل من باب البيت ولم تستطع منى الكلام بينما قال آدم ببراءة الأطفال:
- آدم الكبير مات ...
نظر يوسف نحو منى مصدوما وتكلم بخفوت:
- هل هذا صحيح ؟؟
أومأت منى بالإيجاب فضمها يوسف إلى صدره وتمتم:
- إنا لله وإنا إليه راجعون ...
ثم نظر إلى وجه منى وقال:
- أين هو الآن ...
- في مكان بعيد ..
قال يوسف بسرعة:
- يجب ألا يعلم أي شخص بمكانه حتى لا يحاول العبث بجثمانه ..
- ساعدني على دفنه ..
دمعت عينا يوسف وضم منى مجددا وهو يحاول التخفيف من ألمها ..
جففت منى دموعها حتى لا يلحظ السكان،، وتركوا آدم الصغير عند جده والد يوسف، ثم توجهوا إلى الغابة الملتفة ..
كان المكان كئيبا وكأنه حداد على موت آدم ..
كان آدم مستلق إلى جانب البحيرة ، بدأ يوسف بحفر قبر في ذلك المكان البديع، كانت الرمال رطبة ..
ظل يوسف يحفر وهو يمسح عرق جبينه .. ودموعه التي سالت على خديه على الرغم منه ..
قبل أن يدفنه، لاحظ يوسف أن هناك جرحا بليغا أحدثه آدم في صدره ولكنه لم يقل شيئا خشية أن تعتقد منى أنه قتل نفسه ... وتعيش في ألم طوال حياتها ..

دفناه والألم يعتصرهما وقبلت منى جبينه قبل أن يهلوا عليه التراب ،، ثم بنا يوسف حول قبره سياجا من خشب الأشجار حتى يوحي للرائي بأنه لا يوجد قبر هنا ..
كانت منى تعتبر موت آدم .. هو موت قلبها الصغير ، ومرت الليالي تعيسة ..
حتى بدأ أهالي القرية يلاحظون اختفاء آدم ...



 السياج الأخضر


بعد مرور أسبوع على وفاة آدم استيقظت منى من النوم بسرعة ووضعت الفطور لزوجها كالعادة ..
كان الحزن مازال يخيم على أرجاء المنزل .. واستيقظ آدم الصغير وابتسم بلطف فحل جو من الألفة قليلا وبينما يتناولون إفطارهم سمعوا طرقا على باب منزلهم ..
ذهب يوسف ليفتح الباب وفوجئ بطبيب آدم يقف أمامه ومعه بعض من أهالي القرية وقال الطبيب متسائلا:
- أين آدم ..؟؟
صمت يوسف للحظات ثم قال:
- لقد مات ...
- ماذا .. ؟؟ وأين وضعتم جثته ..
أجاب يوسف ببرود:
- لقد أحرقناها ..
ثم أغلق الباب بعنف في وجوههم ..
عاد يوسف إلى طاولة الإفطار وقد عفت نفسه الطعام بسبب البشر الذين لا رحمة في قلوبهم ..
تساءلت منى:
- من كان هناك؟؟
فنظر لها يوسف ولم يقل شيئا فعادت متسائلة:
- من كان بالباب يا عزيزي؟؟
- لا شيء مهم .. لا تشغلي بالك ..

تساءلت مجددا:
- متى سيمكنني زيارة آدم ؟؟
تمتم يوسف:
- ليس الآن .. لا أريدهم أن يعرفوا مكانه ..

صمتت منى وخرج يوسف متوجها إلى عمله، سار بضعة أمتار خارج المنزل حتى ابتعد عنه وقبل أن يركب سيارته ، خرج عليه رجال ملثمون وقاموا بضربه بعنف بالعصي و البنادق حتى فقد وعيه ..

عندما بدأ يوسف يفيق شعر أنه مبلل وأن هناك رائحة .. بنزين ..
فتح عينيه جيدا وهو يشعر بألم رهيب في رأسه،، ثم نظر حوله فرأى عدة رجال من بينهم طبيب القرية ورجل يرتدي قميصا أسود غريب الشكل ، وسأله الرجل :
- أين جثة آدم يا سيد يوسف؟
ابتسم يوسف ساخرا وقال:
- لقد أحرقتها ....
عاد الرجل يقول وكأنه لم يسمع رد يوسف:
- البلورة التي وضعها عمه العالم في صدره ... لي .. وأود استعادتها ...
نظر يوسف للرجل ولم ينبت ببنت شفة .. فتابع الرجل:
- بصريح الكلام أستطيع أن أقول أنني من وضع تلك البلورة في صدر آدم، لكنني لم أقصد قتل الفتى، وإذا كنت قد أحرقت جثته فأظن أن أخذ البلورة قد أصبح يسيرا .. لأنها لا تحترق ..
تنفس يوسف بصعوبة فأمسك الرجل قميصه بعنف وصاح:
- أين رماده إذن؟؟
لم يتكلم يوسف .. فأخرج الرجل قداحة من جيبه وتمتم:
- لست الشاهد الوحيد ... ربما عندما أحصل على البلورة، يمكنني زرعها بصدر ابنك آدم ...
صاح يوسف:
- وماذا تستفيد من ذلك ؟؟ لماذا؟؟
ابتسم الرجل بخبث وضحك الطبيب وتمتم الرجل مجددا:
- هناك امرأة جميلة تعرف مكان آدم سواء أكان جثة أم كان رمادا .... الوداع أيها الحقير ..

قبل أن يقوم يوسف بفعل أي شيء أشعل الرجل قداحته وقذف بها إلى صدر يوسف ليشتعل بكل ما حوله وسمع الرجال صراخ الموت من خلف النيران وهم يخرجون من المكان ببرود وكأنهم لم يفعلوا شيئا ...

*******

ركض آدم الصغير حول والدته بمرح فابتسمت قائلة :
- انت تشبه والدك حقا ...

ظل آدم يلعب حول والدته التي كانت تغسل الأطباق وسمعا فجأة طرقا على باب المنزل فغسلت منى يديها وتركت صغيرها خلفها يلعب ثم توجهت لفتح الباب، ورأت عند الباب شابا صغيرا كان صديق شقيقها آدم وهو في مثل سن آدم ويدعى أيمن ..
عندما رأت وجهه تذكرت العلبة التي وصاها آدم أن تعطيها لأيمن قبل وفاته ولكن يبدو أنها فقدتها مع الحزن أو أنها سقطت في مكان ما من الغابة الملتفة ..

كان أيمن شابا لطيفا، لديه عينان سوداوين وشعر بني داكن .. وكان قصيرا بعض الشيء ولديه شخصية مرحه وعفوية ..
تكلم أيمن قائلا بخفوت:
- سيدة منى، يبدو أن عليك أخذ حذرك ...

ظهر الاستغراب على وجه منى وتابع الشاب بنفس نبرة الصوت:
- هذا الصباح رأيت زوجك وقد أخذه رجال أشرار يبحثون عن آدم ..

شهقت منى مفزوعة وهي تحاول كتم خوفها وقبل أن يقول أيمن أي شيء آخر توقفت ثلاث سيارات أمام منزل منى فسحبها الشاب بسرعة إلى الداخل وركضا معا ومنى تصرخ مفزوعة ،، حمل أيمن آدم الصغير وهتف بسرعة:
- يجب أن تهربوا ... إنهم أشرار ..
صرخت منى وهي تفتح باب المنزل الخلفي:
- ماذا يريدون منـّا ؟؟
عندما فتحت باب المنزل وجدته أيضا محاصرا مما دفعها للصراخ ،، ولكن بعض الرجال أمسكوا بها فصرخت منى:
- أيمن ،، ولدي يا أيمن!! أرجوك ...
فهرب أيمن إلى الأعلى وهو يحمل آدم ...
اختبأ أيمن ومعه آدم وكان آدم سيبكي ولكن أيمن أشار له بالصمت، وكان طفلا ذكيا فاستجاب لذلك وصمت ..




الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 3
قديم(ـة) 23-07-2015, 02:54 PM
صورة Amnah الرمزية
Amnah Amnah غير متصل
♥ رَبّنآ لآ تُزِغْ قُلُوبَنَآ بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَآ ♥
 
الافتراضي رد: السياج الأخضر، للكاتب/ 0irumi





 السياج الأخضر


مضت أربعة عشر عاما ... تحولت في تلك الأعوام القرية إلى مدينة .. مدينة صاخبة بالناس بعد أن توحدت القرى التسع لكن ظلت الغابات الملتفة كما هي ... لم تتغير ولم تمس ...
سرت الإشاعات بأن من يدخلها يكون الموت والضياع من نصيبه، وأطلق عليها اسم الغابات المحرّمة ..
اليوم،،
هو يوم ميلاد آدم السابع عشر ..
لقد أصبح آدم شابا وسيما وقويا،، وقف أيمن يتطلع إلى تلك الحفلة الصغيرة التي دعا آدم إليها أصدقائه من المدرسة الثانوية ...
انتهت الحفلة في وقت متأخر ... وجلس آدم يشاهد الهدايا التي أحضرها له أصدقائه،، فخرجت فتاة صغيرة من أسفل الطاولة وأطاحت بجميع هدايا آدم على الأرض فقال آدم ضاحكا:
- لماذا لم تحضري الحفل يا شروق؟ هل انت خجلة؟؟ الخجل ليس من طبعك أبدا ...

وقفت شروق وعدلت من وضعية فستانها ثم قالت بغرور:
- لم احضر حفلتك لأنني دخلت إلى الصف الخامس هذا العام ، وأصبحت آنسة رقيقة ولا أستطيع أن أدخل إلى غرفة مليئة بالأولاد كما تعلم ...
ضحك آدم وقال :
- تريدين أن تصبحي آنسة عنوة؟؟ مازلت في العاشرة من عمرك ...
شعرت شروق بالغيظ وقالت بغضب:
- أولا أنا في الحادية عشرة من عمري .. ثم .. أنت أيضا لست شابا ... مازلت ولدا، سأقول لـ ياسر يا أخي الغالي .. مع أنه أقصر مني .. ولن أقول لك يا أخي الكبير لأنك أصغر مني ..
- حقا؟؟ لكنني أطول منك بكثير ..
- أجل .. ليس مهما فأنت أطول من أمي ومع ذلك هي أكبر منك ...
ضحك آدم وصفق لها وهو يقول :
- انت ذكية لكن لماذا لا يكون ياسر أكبر منك مع أنك أطول منه؟؟
تركت شروق المكان وانصرفت غاضبة وهي تقول:
- لن أعطيك الهدية التي أحضرتها لك،، سآخذها لنفسي مع أنها سوف تكون كبيرة عليّ ومع أنها لن تلائمني كآنسة و ...

شروق فتاة صغيره في الحادية عشرة من عمرها تمتلك ملامح أمها الجميلة وشعر والدها البني الناعم،، وهي قصيرة بعض الشيء وتبدو أصغر من عمرها الحقيقي بكثير ..

واختفى صوتها وهي تبتعد ودخل أيمن مبتسما وقال:
- كل عام وأنت بخير يا عزيزي ..
ابتسم آدم وعانق أيمن وهو يقول:
- شكرا يا أبي ...
مضت فترة صمت قصيرة، فدخلت زوجة أيمن السيدة نوال .. ثم اقتربت مقبلة جبين آدم وقالت بسعادة:
- أتمنى لك عمرا مديدا وعيشا سعيدا بني ..
ابتسم آدم بسعادة فسلمته السيدة نوال علبة صغيرة فتمتم آدم:
- ما هذا يا أمي ..؟
قالت السيدة نوال:
- افتحها يا آدم ..
فتح آدم تلك العلبة الصغيرة برفق فوجد خاتما فضيا يعتريه لون أسود وكأنه احترق، أخرج الخاتم ونظر به جيدا ثم قال:
- إنه خاتم زواج قديم ..
قال أيمن بهدوء :
- إنه خاتم والدك الحقيقي ..
وكأن آدم تذكر شيئا فجأة فقال:
- لقد سألتك عنهم،، قلت لي أنهم ماتوا في حادثة .. و .. وأنا أتذكر أمي وهي ترتدي ثوبا أحمر ..
ربت أيمن على كتف آدم وقال:
- لقد أعطيتك إياه ليكون ذكرى !
ابتسم آدم وقال:
- نعم .. شكرا لك يا أبي ..

سار آدم نحو غرفته وهو يحدق بالخاتم ولكنه انتبه وتوقف ثم استدار قائلا:
- تصبحون على خير ..
ابتسم الوالدين وقالا:
- تصبح على خير يا آدم!

دخل آدم وأغلق خلفه الباب ثم فتح إحدى أدراج مكتبه ووضع الخاتم فسقط الخاتم على صورة قديمة ...
إنها صورة زواج أيمن ونوال وآدم يجلس أمامهما عندما كان طفلا صغيرا لم يتم الخامسة من عمره،، ابتسم آدم والتقط الصورة وحدق بها جيدا،، وهو يتذكر معاملة أيمن الحسنة له وتربيته له حتى أصبح شابا يعتمد على نفسه ...

تمنى لو يرى والديه،، إنه لا يتذكر سوى الفستان الأحمر .. ترتديه امرأة لا يستطيع تذكر وجهها بوضوح ..
كان لديه خال يدعى آدم ..
أين هو ؟؟
بدل آدم ملا بسه وارتدى ثياب النوم وهو مازال يفكر في ذلك، لا بد إن كان خاله على قيد الحياة أن يبحث عنه أو يخبره أيمن عن مكانه حتما ..
حاول آدم النوم ولكنه لم يستطع، بدأ ذلك الشيء يشغل تفكيره حتما .. أليست لديه عائلة، عم أو عمة ... هل هو "آدم يوسف" هل هذا كل ما يعرفه عن نفسه وعن والديه ...
وقف مجددا وعاد إلى درج مكتبه ثم أخرج خاتم زواج والده،، كان اسم منى ما يزال محفورا بداخله على الرغم من الحريق الذي أصابه ..

تساءل آدم ما إذا قضى والده في حادث سيارة؟؟
لقد احترق حتما ، وهذا هو الدليل ..

في الصباح استيقظ آدم مبكرا كعادته مع أنه يوم العطلة ورأي شقيقته الصغيرة شروق تجلس على الطاولة وترسم و إلى جوارها علبة مغلفة بورق تغليف رائع فاقترب آدم بدون أن تشعر واقترب كثيرا ثم قال بخفوت:
- شروووووووووووووووووووق!

صرخت شروق فزعة وسقط القلم من يدها بينما ارتمى آدم على الأرض من الضحك .. فنظرت شروق وقالت غاضبة وهي تلملم أوراقها وأقلامها:
- حسنا!! أقسمت أنني لن أعطيك الهدية التي أعددتها لك لأنك لا تستحقها!
قال آدم وهو يخطف العلبة:
- سأفتحها ..
صرخت شروق ووقفت على الكرسي وهي تحاول أن تمسك بالعلبة قبل أن يعرف آدم ما بداخلها ولكنها سقطت فجأة من فوق الكرسي ووقعت على وجهها ...
سقطت العلبة من يد آدم وركض مفزوعا نحو شروق التي وقعت على الأرض بلا حراك وحملها آدم وهو ينظر إلى وجهها برعب ثم حركها بلطف وقال:
- شروق، هل أنت بخير .. أرجوك! إن كانت هذه لعبة من ألاعيبك فلا داعي لأن تطول لأنني على وشك أن أصاب بـ ..
توقف آدم على الكلام وهو ينظر إلى الدم الذي يسيل من أنفها، وعينيها المقفلتين بلا حراك فلا يبدو أنها تمثل أبدا ...
صرخ آدم:
- شروق ... أجيبي بالله عليك ... أجيبي!!
لم تتحرك شروق وحاول آدم أن يسمع دقات قلبها ولكن توتره أثر عليه فلم يسمع شيئا .. دمعت عيناه وحملها بسرعة وهو يصرخ:
- أبي ... أبي ي ي ي ي ي ي ..

ثم خرج من المنزل وهو يحملها وركض بها نحو المستشفى القريبة ...
كان مستشفى صغيرا ولكنه أفضل من لا شيء، دخل بسرعة حاملا أخته فالتقطتها الممرضات النشيطات على سرير متحرك إلى الداخل ووقف آدم عند رأسها والطبيب يفحصها، فنظر الطبيب وقال:
- ماذا حدث؟
- لقد .. لقد سقطت من فوق الكرسي وهي تحاول أخذ شيء من يدي ..
صمت الطبيب قليلا .. ثم تابع:
- أخشى أننا مضطرون لنقلها إلى المستشفى الكبير في شرق المدينة لأن الحالة ...... خطيرة.
بهت آدم ونظر إلى أخته وهو يكاد يبكي ...
استيقظ ((آدم)) من نومه فجأة ونظر إلى ساعته المنبهة فوجدها قد تجاوزت الرابعة صباحا ..
لم يتعجب كثيرا من استيقاظه في ذلك الوقت، تجهز وتناول حبوبه المغذية .. ثم نزل إلى الحقل الذي يحوط بمنزله الريفي الصغير وقام بفتح الاصطبل وأخرج جواده البني " سريع" ،، مسح على جبهته بلطف ثم اعتلاه وركض به خارجا من الحقل إلى الطريق الصغير الذي يفصل بين الحقول ..

سار يتأمل شروق الشمس وبديع صنع الإله في ذلك المكان الجميل حتى خرج من قريته إلى نطاق الغابة وظل متابعا سيره حتى طلع النهار وتوقف آدم أمام منظر بديع ... الخضرة تحيط بالبحيرة الصافية الزرقاء، هناك أشجار خضراء عملاقة تحيط بالمكان ومرتفعات تواريها .. هو فقط من يعرف هذا المكان وهو الذي يزوره ليتأمل الطبيعة الساحرة وينسى آلامه لبعض الوقت ..

ربما ... يستطيع أن ينسى آلامه، ترجل من فوق جواده وسار حتى وصل إلى البحيرة التي أطلق عليها اسم "وشاح الأمل الأزرق" .. انحنى بهدوء ولمس بأطراف أصابعه مياهها الدافئة واستنشق من الهواء الذي يحمل رائحة الورود البرية وتأثر كثيرا وهو يحاول النسيان ..
قال مخاطبا البحيرة الزرقاء بخفوت:
- بحيرتي يا وشاح الأمل ... سأفتقدك كثيرا لأنني ربما لن أعود غدا ...

ثم وقف وهو ينظر إلى المكان و اغرورقت عيناه بالدموع وهو يودع أصدقائه من الأشجار العملاقة ولكنه تماسك حتى لا تشعر أشجاره بدموعه ثم اعتلى جواده سريع وعادا معا إلى القرية ..

كانت القرية قد استيقظت والناس يذهبون ويجيئون وكل مشغول في عمله بالبيع أو الشراء أو حراثة الحقول أو حتى التحديق بـ آدم بدون سبب يعرفه ...
عاد آدم إلى حقله وأدخل جواده إلى الاصطبل وعندما خرج شاهد شابا يقترب مبتسما وقال :
- مرحبا آدم؟؟ كيف تشعر ... آمل أنك في تحسن ..
ابتسم آدم وتمتم :
- أجل ...
- متى سوف تعود للجامعة؟؟
- لن .. أعود ..
صمت آدم قليلا بعد تلك الجملة ولكنه أردف:
- لن أعود أبدا ..
حاول الشاب أن يبعد شبح اليأس عن آدم وقال وهو يضرب كتفه مازحا:
- هيا يا رجل!! المدينة ليست بعيدة إلى هذا الحد ..

لم يعقب آدم على تلك الكلمة ونظر خلف الشاب فالتفت الشاب وشاهدا شقيقة آدم الكبرى "منى" وهي تصطحب معها طبيب القرية متوجهة نحوه فابتسم آدم تلك الابتسامة الجميلة التي تعطي الحياة لكل شخص يراها، واقتربت منى مبتسمة ثم قالت وهي توبخ آدم بلطف:
- آدم! كم مرة علي أن أخبرك بأن لا تجهد نفسك ... أليست هذه وصية والدك رحمه الله التي لا تنفذ شيئا منها!
تنحنح الشاب وقال:
- سوف أزورك قريبا آدم ... و ... اسمع كلام شقيقتك! إنها طبيبة وتفهم ذلك!
ابتسم آدم وقال وهو يراقب صديقه الوحيد يرحل:
- حاضر يا أيمن، اسمع كلام والدتك واشرب الحليب!!

ضحك أيمن ولوح بيديه ثم خرج من بوابة الحديقة،، فقالت منى:
- آدم! لا تعجبني تمضية أيامك في العمل وإرهاق نفسك ... يمكننا تولي أمر الحقل!!
ظل آدم مبتسما وهو يقول بهدوء:
- دعيني أمضي ما بقي من أيام حياتي القليلة كما أريد ...

توقفت منى عن الكلام وهي تشعر بالأسف ثم تلكأت وهي تقول:
- لا .. لا تقل ذلك أبدا ... سـ .. سوف تكون بخير ..
تدخل الطبيب في تلك اللحظة قائلا بخبث:
- انظري إلى وجهه الشاحب إنه يشرف على الموت، دعيه يفعل ما يريد ..
نظرت منى إلى الطبيب بغضب فقال الطبيب مبتسما وهو يتدارك كلمته الأخيرة:
- الأعمار بيد الله ولكن لا تنسي أنه من وافق عمه المجنون على وضع ذلك الشيء داخل جسده..

حلت فترة صمت قصيرة وبدا التأثر على وجه منى ولكن آدم وضع يده على قلبه وتكلم بهدوء كعادته:
- لا أحب أن أتشاءم ولكن، أشعر بأن تلك القطعة في صدري تؤلمني بشدة .. لقد مللت من الحقن المضادة لأنه لا داعي لها أبدا .. فأنا سأموت بأي حال ...
احتقن صوت منى وتجمعت الدموع في عينيها وهي تقول:
- أرجوك يا أخي ... خذ الحقن لأرتاح!
قال الطبيب بعد أن تنحنح :
- إنه محق،، لا داعي للحقن لأنه سيمـ ...

نظرت منى للطبيب نظرة حادة فتوقف عن الكلام وهو يبتلع لعابه بصعوبة ويحاول نسيان الأمر ..
قبل أن يدخل آدم إلى منزله توقف لحظة ثم قال:
- كنت أود رؤية "آدم" الصغير اليوم ... إذا سمحت طبعا يا أختي، ولا تنسي أنني خاله ..

أومأت منى موافقة و حاولت أن تبتسم ولكن دموعها ملأت عينيها الجميلتين واستدارت حتى لا يلحظ آدم تلك الدموع المخفية ثم قالت بصوت مرتعش:
- أرجوك .... خذ الحقن ...

توقف آدم واتسعت عيناه ثم استدار وهو يقول بدهشة:
- هل تبكين يا أختي؟؟ هل تخافين من الموت؟؟
استدارت منى ودموعها تسيل على خديها ثم ضمت آدم بقوة وهي تقول:
- أخشى أن أفقدك فعلا ... أرجوك!!! لن استطيع أن أتخيل حياتي وأنت لست فيها !!!
ابتسم آدم تلك الابتسامة الهادئة جدا ثم قال:
- إن حياتك جميلة .. وهناك من يحتاجك جدا،، زوجك يوسف الذي تحبينه،، وآدم ابنك .. آدم الصغير ... سوف تكونين بخير، أنا مطمئن عليك ..

انهمرت دموع منى بشدة وشهقت محاولة التقاط أنفاسها ثم قالت بخفوت:
- خذ الحقن ... أرجوك!
أجاب آدم:
- حسنا ...


 السياج الأخضر

استيقظت منى في اليوم التالي وأعدت الفطور بسرعة فسألها زوجها قائلا:
- كيف حال آدم الكبير الآن ؟؟
لم تجب منى وظلت تطعم طفلها آدم بصمت فشعر زوجها يوسف بحزن يعتلي ملامحها فلم يكرر السؤال وقال بلطف:
- ما رأيك أن نأخذه في رحلة؟ ربما تغيير المكان يجعل حاله أحسن ..
نظرت منى بسرعة نحو يوسف وتمتمت:
- حقا .. هل سنقوم برحلة .. أ ..أقصد هل تعتقد أن تغيير المكان سيفيد حقا؟؟
- أجل! أنا مؤمن بذلك ..
- لكن .. أنت لا تأخذ إجازة وعملك مرهق .. هذا لن يصلح ..
- توقفي عن هذا يمكنني أن آخذ إجازة ..
دمعت عينا منى وتحشرج صوتها ولكنها انتبهت لآدم ذلك الطفل الذي لم يتم الثلاثة أعوام وهو ينظر إليها بحزن ويشعر بحزنها العميق فوقفت وقالت وهي تتوجه إلى الأعلى وتمسك دموعها:
- سأعود بعد دقائق ..
تمتم آدم بلهجة الأطفال البسيطة:
- أمي تبكي..
نظر يوسف إلى ولده الصغير وابتسم بصعوبة قائلا:
- لقد دخلت بصلة في عينيها ...
ضحك آدم وردد:
- تبكي من البصلة ؟
- أجل .. أنت ولد ذكي ..

ترك يوسف الطاولة وصعد خلف زوجته بسرعة .. وعندما وصل إلى الدور الثاني رأى منى تبكي قرب النافذة وتحاول تجفيف دموعها التي لا تريد التوقف فقال يوسف بهدوء وهو يمسك بكتفيها بحنان :
- أعلم أنه شقيقك الأصغر الذي أحببته أكثر من نفسك، لكن .. أرجوك تماسكي قليلا ..
قالت منى بألم :
- كل ما يحزنني أن جميع الناس يتمنون موته ... لماذا!!!

صمت يوسف قليلا ثم قال وهو يناول زوجته منديلا آخر :
- كل ما أعلمه أن عمه خبأ في صدره سرا ما ... يريد الجميع معرفته ... وهناك من يعرفه بالفعل ويريد الاستيلاء عليه ..
زادت دموع منى وصاحت منفعلة:
- وهل هذا السر أغلى من حياة إنسان ...
ربت يوسف على كتفها برقة وقال:
- لا تنسي أن ذلك الشيء أثر على صحته وتصرفاته منذ طفولته ، وجعله منطويا ووحيدا ... إنه قوي حتى يتحمل ذلك الشيء حتى الآن ... قوي جدا ..
نظرت منى لزوجها وقالت:
- هل تقصد أنك تتمنى موته؟؟
تفاجأ يوسف من كلامها وقال بسرعة:
- بالطبع لا ... ولكن .. ولكن ما من طبيب يستطيع إخراج ذلك الشيء .. إن حالته ميئوس منها وهو يعاني ليلا ونهارا من آلام مبرحة .. يجب أن لا تكوني أنانية .. الموت أفضل له ...
صرخت منى باكية:
- أنتم تكرهونه لأنه أرق وأجمل شخص في الوجود ... تحقدون عليه لأنه أفضل منكم .. لأنه مختلف ولأنه وسيم وذكي ... أنتم حقدة ..
ثم تركته وركضت نحو غرفتها فسار يوسف خلفها وهو يقول:
- صدقيني أنا لم أقصد تمني الموت له ... لم اقصد كل هذا الكلام .. أنت تعرفين أنني أحبه مثل أخي وأكثر .. لا يمكنني أن أحقد عليه أبدا .. أنـ .. أنا ..

التفتت منى ثم ارتدت معطفها ومسحت دموعها و قالت:
- أنا آسفة .. لم أقصد الكلام الذي وجهته إليك ...
- لا بأس .. أنا أيضا آسف ..
- سأسرع الآن لأنه لا يأخذ دواءه إلا بعد إلحاح مضنٍ .. كما أنه علي التوجه إلى المستشفى بسرعة لأن هناك حالة ولادة بانتظاري ..
تابع يوسف زوجته الجميلة وهي تنزل درجات السلم ثم هتف:
- فكري بأمر الرحلة .. أنا مستعد لكم ..

لوحت منى بيدها باسمة ثم أمسكت بيد آدم الذي كان يلعب وقالت:
- آدم .. ستذهب معي إلى خالك اليوم ..
نظر آدم ببراءة نحو أمه وقال:
- هو ذهب .. لن أراه ..
اتسعت عينا منى مفزوعة وأمسكت بآدم من يده وركضا معا إلى الخارج .. ركضت منى وركضت ولكن آدم الصغير تعب فحملته حتى وصلت إلى المنزل ...

كان باب الحقل مفتوحا وتركت منى طفلها ليسير ثم شاهدت سريع يركض في الحقل كالحصان البري فانطلقت نحوه وأمسكت بلجامه وهي تقول:
- ما الأمر يا سريع .... لماذا تبدو خائفا .. أم إنها أنا الخائفة؟؟
ظل الحصان يصهل ويتحرك يمينا ويسارا فتركته منى وهي تسحب آدم خلفها ودخلت إلى المنزل وهي تنادي بهستيريا:
- آدم ... آآدم أجبني بالله عليك...
بحثت منى في كل ركن ... ولكنها لم تجد أثرا لـ آدم .. فعادت إلى الحقل وقالت تحدث حصان آدم :
- سريع ... خذني إلى آدم بسرعة ... أين هو ..؟؟


----------------------------------------------------------

اعتلت منى الحصان وحملت صغيرها أمامها فركض بها الحصان وعبر القرية .. ثم خرج ودخل إلى الغابة المهجورة .. فبدأت منى تشعر بالخوف ...
ظل سريع يركض ويركض حتى وصل إلى غابة آدم ذات الأشجار الملتفة والبحيرة الزرقاء النقية ..
سارت منى منبهرة بجمال ذلك المكان وعندما نظرت إلى البحيرة شاهدت آدم هناك .. ملقى على شاطئ البحيرة وإحدى يديه تنغمس في المياه الدافئة ...
هل مات آدم ؟؟؟
ركضت منى مفزوعة نحو أخيها الملقى بلا حراك ولكنها عندما اقتربت سمعت صوت أنفاسه المتلاحقة .. فتنفست الصعداء ..
وعندما اقتربت أكثر شاهدت الكثير من الدماء على شفتي آدم وجسده وعلى حشائش الغابة، كانت الدموع تملأ عينيه فأمسكت به ووضعت رأسه على حجرها وقالت :
- آدم ... ماذا تفعل هنا... لماذا لم تهدأ وترتاح ... لم أنت مجروح هكذا؟؟
لم يستطع آدم الكلام ونزلت دموعه ، فبكت منى وقالت:
- أنت قوي ... لم أرك تبكي هكذا من قبل .. بماذا تشعر؟؟
تمتم آدم بصعوبة :
- لـ .. لقد .. حزن أصدقائي .. لقد رأوا دموعـ .. ـي .. التي خبأتها عنهم ... لسنين ...
كان آدم الصغير يراقب ذلك بصمت وتساءلت منى:
- أصدقاؤك؟؟
تنفس آدم بصعوبة وتكلم ودموعه تسيل على وجهه:
- عندما أموت ... لا تدعيهم يعبثون بجثتي أرجوك ... إ ..
قاطعته منى وهي تبكي هي الأخرى :
- لن تموت يا آدم أرجوك ..
تابع آدم :
- ادفنيني .. هنـا .. بـ . ... بالقرب من أصدقائي .. و ... أرضـ ... ـي ...
ثم مـدّ يده ببط وكان ممسكا بشيء ما وقال:
- أعطي لأيمن هذه! و ... خذي حذرك على آدم الـ .. الصغيـ .. ـر ..
لم تستطع منى قول أي شيء وابتلعت دموعها وبكت حتى لم تعد ترى وجه آدم بوضوح ولكنها أمسكت بتلك العلبة الصغيرة ...

مد آدم يده الأخرى بصعوبة نحو آدم الصغير فاقترب وأمسك بها .. ابتسم آدم الكبير فخرجت بعض الدماء الأخرى من فمه وسالت على وجنته .. ثم .. سكنت أنفاسه ومالت رأسه ...
مسحت منى دموعها ونظرت إلى وجهه وهي لا تصدق أنه توفي ..
لقد مات آدم بهدوء ... بعيدا عن القرية .. وبعيدا عن كل الناس ..

بكت كثيرا عندما تذكرت الرحلة التي كان يوسف ينوى إعدادها من أجله ...
لكنها تلك المرة كانت أكبر قوة وشجاعة ..
خلعت معطفها المليء بدماء آدم ووضعته على وجهه، ومن ثم عادت إلى المنزل واتصلت بزوجها ليأتي ... لم يتأخر يوسف كثيرا، لأن بكائها كان يوحي بأن مصيبة حدثت ..

كان يوسف مفزوعا عندما دخل من باب البيت ولم تستطع منى الكلام بينما قال آدم ببراءة الأطفال:
- آدم الكبير مات ...
نظر يوسف نحو منى مصدوما وتكلم بخفوت:
- هل هذا صحيح ؟؟
أومأت منى بالإيجاب فضمها يوسف إلى صدره وتمتم:
- إنا لله وإنا إليه راجعون ...
ثم نظر إلى وجه منى وقال:
- أين هو الآن ...
- في مكان بعيد ..
قال يوسف بسرعة:
- يجب ألا يعلم أي شخص بمكانه حتى لا يحاول العبث بجثمانه ..
- ساعدني على دفنه ..
دمعت عينا يوسف وضم منى مجددا وهو يحاول التخفيف من ألمها ..
جففت منى دموعها حتى لا يلحظ السكان،، وتركوا آدم الصغير عند جده والد يوسف، ثم توجهوا إلى الغابة الملتفة ..
كان المكان كئيبا وكأنه حداد على موت آدم ..
كان آدم مستلق إلى جانب البحيرة ، بدأ يوسف بحفر قبر في ذلك المكان البديع، كانت الرمال رطبة ..
ظل يوسف يحفر وهو يمسح عرق جبينه .. ودموعه التي سالت على خديه على الرغم منه ..
قبل أن يدفنه، لاحظ يوسف أن هناك جرحا بليغا أحدثه آدم في صدره ولكنه لم يقل شيئا خشية أن تعتقد منى أنه قتل نفسه ... وتعيش في ألم طوال حياتها ..

دفناه والألم يعتصرهما وقبلت منى جبينه قبل أن يهلوا عليه التراب ،، ثم بنا يوسف حول قبره سياجا من خشب الأشجار حتى يوحي للرائي بأنه لا يوجد قبر هنا ..
كانت منى تعتبر موت آدم .. هو موت قلبها الصغير ، ومرت الليالي تعيسة ..
حتى بدأ أهالي القرية يلاحظون اختفاء آدم ...


 السياج الأخضر


بعد مرور أسبوع على وفاة آدم استيقظت منى من النوم بسرعة ووضعت الفطور لزوجها كالعادة ..
كان الحزن مازال يخيم على أرجاء المنزل .. واستيقظ آدم الصغير وابتسم بلطف فحل جو من الألفة قليلا وبينما يتناولون إفطارهم سمعوا طرقا على باب منزلهم ..
ذهب يوسف ليفتح الباب وفوجئ بطبيب آدم يقف أمامه ومعه بعض من أهالي القرية وقال الطبيب متسائلا:
- أين آدم ..؟؟
صمت يوسف للحظات ثم قال:
- لقد مات ...
- ماذا .. ؟؟ وأين وضعتم جثته ..
أجاب يوسف ببرود:
- لقد أحرقناها ..
ثم أغلق الباب بعنف في وجوههم ..
عاد يوسف إلى طاولة الإفطار وقد عفت نفسه الطعام بسبب البشر الذين لا رحمة في قلوبهم ..
تساءلت منى:
- من كان هناك؟؟
فنظر لها يوسف ولم يقل شيئا فعادت متسائلة:
- من كان بالباب يا عزيزي؟؟
- لا شيء مهم .. لا تشغلي بالك ..

تساءلت مجددا:
- متى سيمكنني زيارة آدم ؟؟
تمتم يوسف:
- ليس الآن .. لا أريدهم أن يعرفوا مكانه ..

صمتت منى وخرج يوسف متوجها إلى عمله، سار بضعة أمتار خارج المنزل حتى ابتعد عنه وقبل أن يركب سيارته ، خرج عليه رجال ملثمون وقاموا بضربه بعنف بالعصي و البنادق حتى فقد وعيه ..

عندما بدأ يوسف يفيق شعر أنه مبلل وأن هناك رائحة .. بنزين ..
فتح عينيه جيدا وهو يشعر بألم رهيب في رأسه،، ثم نظر حوله فرأى عدة رجال من بينهم طبيب القرية ورجل يرتدي قميصا أسود غريب الشكل ، وسأله الرجل :
- أين جثة آدم يا سيد يوسف؟
ابتسم يوسف ساخرا وقال:
- لقد أحرقتها ....
عاد الرجل يقول وكأنه لم يسمع رد يوسف:
- البلورة التي وضعها عمه العالم في صدره ... لي .. وأود استعادتها ...
نظر يوسف للرجل ولم ينبت ببنت شفة .. فتابع الرجل:
- بصريح الكلام أستطيع أن أقول أنني من وضع تلك البلورة في صدر آدم، لكنني لم أقصد قتل الفتى، وإذا كنت قد أحرقت جثته فأظن أن أخذ البلورة قد أصبح يسيرا .. لأنها لا تحترق ..
تنفس يوسف بصعوبة فأمسك الرجل قميصه بعنف وصاح:
- أين رماده إذن؟؟
لم يتكلم يوسف .. فأخرج الرجل قداحة من جيبه وتمتم:
- لست الشاهد الوحيد ... ربما عندما أحصل على البلورة، يمكنني زرعها بصدر ابنك آدم ...
صاح يوسف:
- وماذا تستفيد من ذلك ؟؟ لماذا؟؟
ابتسم الرجل بخبث وضحك الطبيب وتمتم الرجل مجددا:
- هناك امرأة جميلة تعرف مكان آدم سواء أكان جثة أم كان رمادا .... الوداع أيها الحقير ..

قبل أن يقوم يوسف بفعل أي شيء أشعل الرجل قداحته وقذف بها إلى صدر يوسف ليشتعل بكل ما حوله وسمع الرجال صراخ الموت من خلف النيران وهم يخرجون من المكان ببرود وكأنهم لم يفعلوا شيئا ...

*******




الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 4
قديم(ـة) 23-07-2015, 02:55 PM
صورة Amnah الرمزية
Amnah Amnah غير متصل
♥ رَبّنآ لآ تُزِغْ قُلُوبَنَآ بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَآ ♥
 
الافتراضي رد: السياج الأخضر، للكاتب/ 0irumi



ركض آدم الصغير حول والدته بمرح فابتسمت قائلة :
- انت تشبه والدك حقا ...

ظل آدم يلعب حول والدته التي كانت تغسل الأطباق وسمعا فجأة طرقا على باب المنزل فغسلت منى يديها وتركت صغيرها خلفها يلعب ثم توجهت لفتح الباب، ورأت عند الباب شابا صغيرا كان صديق شقيقها آدم وهو في مثل سن آدم ويدعى أيمن ..
عندما رأت وجهه تذكرت العلبة التي وصاها آدم أن تعطيها لأيمن قبل وفاته ولكن يبدو أنها فقدتها مع الحزن أو أنها سقطت في مكان ما من الغابة الملتفة ..

كان أيمن شابا لطيفا، لديه عينان سوداوين وشعر بني داكن .. وكان قصيرا بعض الشيء ولديه شخصية مرحه وعفوية ..
تكلم أيمن قائلا بخفوت:
- سيدة منى، يبدو أن عليك أخذ حذرك ...

ظهر الاستغراب على وجه منى وتابع الشاب بنفس نبرة الصوت:
- هذا الصباح رأيت زوجك وقد أخذه رجال أشرار يبحثون عن آدم ..

شهقت منى مفزوعة وهي تحاول كتم خوفها وقبل أن يقول أيمن أي شيء آخر توقفت ثلاث سيارات أمام منزل منى فسحبها الشاب بسرعة إلى الداخل وركضا معا ومنى تصرخ مفزوعة ،، حمل أيمن آدم الصغير وهتف بسرعة:
- يجب أن تهربوا ... إنهم أشرار ..
صرخت منى وهي تفتح باب المنزل الخلفي:
- ماذا يريدون منـّا ؟؟
عندما فتحت باب المنزل وجدته أيضا محاصرا مما دفعها للصراخ ،، ولكن بعض الرجال أمسكوا بها فصرخت منى:
- أيمن ،، ولدي يا أيمن!! أرجوك ...
فهرب أيمن إلى الأعلى وهو يحمل آدم ...
اختبأ أيمن ومعه آدم وكان آدم سيبكي ولكن أيمن أشار له بالصمت، وكان طفلا ذكيا فاستجاب لذلك وصمت ..



 السياج الأخضر


مضت أربعة عشر عاما ... تحولت في تلك الأعوام القرية إلى مدينة .. مدينة صاخبة بالناس بعد أن توحدت القرى التسع لكن ظلت الغابات الملتفة كما هي ... لم تتغير ولم تمس ...
سرت الإشاعات بأن من يدخلها يكون الموت والضياع من نصيبه، وأطلق عليها اسم الغابات المحرّمة ..
اليوم،،
هو يوم ميلاد آدم السابع عشر ..
لقد أصبح آدم شابا وسيما وقويا،، وقف أيمن يتطلع إلى تلك الحفلة الصغيرة التي دعا آدم إليها أصدقائه من المدرسة الثانوية ...
انتهت الحفلة في وقت متأخر ... وجلس آدم يشاهد الهدايا التي أحضرها له أصدقائه،، فخرجت فتاة صغيرة من أسفل الطاولة وأطاحت بجميع هدايا آدم على الأرض فقال آدم ضاحكا:
- لماذا لم تحضري الحفل يا شروق؟ هل انت خجلة؟؟ الخجل ليس من طبعك أبدا ...

وقفت شروق وعدلت من وضعية فستانها ثم قالت بغرور:
- لم احضر حفلتك لأنني دخلت إلى الصف الخامس هذا العام ، وأصبحت آنسة رقيقة ولا أستطيع أن أدخل إلى غرفة مليئة بالأولاد كما تعلم ...
ضحك آدم وقال :
- تريدين أن تصبحي آنسة عنوة؟؟ مازلت في العاشرة من عمرك ...
شعرت شروق بالغيظ وقالت بغضب:
- أولا أنا في الحادية عشرة من عمري .. ثم .. أنت أيضا لست شابا ... مازلت ولدا، سأقول لـ ياسر يا أخي الغالي .. مع أنه أقصر مني .. ولن أقول لك يا أخي الكبير لأنك أصغر مني ..
- حقا؟؟ لكنني أطول منك بكثير ..
- أجل .. ليس مهما فأنت أطول من أمي ومع ذلك هي أكبر منك ...
ضحك آدم وصفق لها وهو يقول :
- انت ذكية لكن لماذا لا يكون ياسر أكبر منك مع أنك أطول منه؟؟
تركت شروق المكان وانصرفت غاضبة وهي تقول:
- لن أعطيك الهدية التي أحضرتها لك،، سآخذها لنفسي مع أنها سوف تكون كبيرة عليّ ومع أنها لن تلائمني كآنسة و ...

شروق فتاة صغيره في الحادية عشرة من عمرها تمتلك ملامح أمها الجميلة وشعر والدها البني الناعم،، وهي قصيرة بعض الشيء وتبدو أصغر من عمرها الحقيقي بكثير ..

واختفى صوتها وهي تبتعد ودخل أيمن مبتسما وقال:
- كل عام وأنت بخير يا عزيزي ..
ابتسم آدم وعانق أيمن وهو يقول:
- شكرا يا أبي ...
مضت فترة صمت قصيرة، فدخلت زوجة أيمن السيدة نوال .. ثم اقتربت مقبلة جبين آدم وقالت بسعادة:
- أتمنى لك عمرا مديدا وعيشا سعيدا بني ..
ابتسم آدم بسعادة فسلمته السيدة نوال علبة صغيرة فتمتم آدم:
- ما هذا يا أمي ..؟
قالت السيدة نوال:
- افتحها يا آدم ..
فتح آدم تلك العلبة الصغيرة برفق فوجد خاتما فضيا يعتريه لون أسود وكأنه احترق، أخرج الخاتم ونظر به جيدا ثم قال:
- إنه خاتم زواج قديم ..
قال أيمن بهدوء :
- إنه خاتم والدك الحقيقي ..
وكأن آدم تذكر شيئا فجأة فقال:
- لقد سألتك عنهم،، قلت لي أنهم ماتوا في حادثة .. و .. وأنا أتذكر أمي وهي ترتدي ثوبا أحمر ..
ربت أيمن على كتف آدم وقال:
- لقد أعطيتك إياه ليكون ذكرى !
ابتسم آدم وقال:
- نعم .. شكرا لك يا أبي ..

سار آدم نحو غرفته وهو يحدق بالخاتم ولكنه انتبه وتوقف ثم استدار قائلا:
- تصبحون على خير ..
ابتسم الوالدين وقالا:
- تصبح على خير يا آدم!

دخل آدم وأغلق خلفه الباب ثم فتح إحدى أدراج مكتبه ووضع الخاتم فسقط الخاتم على صورة قديمة ...
إنها صورة زواج أيمن ونوال وآدم يجلس أمامهما عندما كان طفلا صغيرا لم يتم الخامسة من عمره،، ابتسم آدم والتقط الصورة وحدق بها جيدا،، وهو يتذكر معاملة أيمن الحسنة له وتربيته له حتى أصبح شابا يعتمد على نفسه ...

تمنى لو يرى والديه،، إنه لا يتذكر سوى الفستان الأحمر .. ترتديه امرأة لا يستطيع تذكر وجهها بوضوح ..
كان لديه خال يدعى آدم ..
أين هو ؟؟
بدل آدم ملا بسه وارتدى ثياب النوم وهو مازال يفكر في ذلك، لا بد إن كان خاله على قيد الحياة أن يبحث عنه أو يخبره أيمن عن مكانه حتما ..
حاول آدم النوم ولكنه لم يستطع، بدأ ذلك الشيء يشغل تفكيره حتما .. أليست لديه عائلة، عم أو عمة ... هل هو "آدم يوسف" هل هذا كل ما يعرفه عن نفسه وعن والديه ...
وقف مجددا وعاد إلى درج مكتبه ثم أخرج خاتم زواج والده،، كان اسم منى ما يزال محفورا بداخله على الرغم من الحريق الذي أصابه ..

تساءل آدم ما إذا قضى والده في حادث سيارة؟؟
لقد احترق حتما ، وهذا هو الدليل ..

في الصباح استيقظ آدم مبكرا كعادته مع أنه يوم العطلة ورأي شقيقته الصغيرة شروق تجلس على الطاولة وترسم و إلى جوارها علبة مغلفة بورق تغليف رائع فاقترب آدم بدون أن تشعر واقترب كثيرا ثم قال بخفوت:
- شروووووووووووووووووووق!

صرخت شروق فزعة وسقط القلم من يدها بينما ارتمى آدم على الأرض من الضحك .. فنظرت شروق وقالت غاضبة وهي تلملم أوراقها وأقلامها:
- حسنا!! أقسمت أنني لن أعطيك الهدية التي أعددتها لك لأنك لا تستحقها!
قال آدم وهو يخطف العلبة:
- سأفتحها ..
صرخت شروق ووقفت على الكرسي وهي تحاول أن تمسك بالعلبة قبل أن يعرف آدم ما بداخلها ولكنها سقطت فجأة من فوق الكرسي ووقعت على وجهها ...
سقطت العلبة من يد آدم وركض مفزوعا نحو شروق التي وقعت على الأرض بلا حراك وحملها آدم وهو ينظر إلى وجهها برعب ثم حركها بلطف وقال:
- شروق، هل أنت بخير .. أرجوك! إن كانت هذه لعبة من ألاعيبك فلا داعي لأن تطول لأنني على وشك أن أصاب بـ ..
توقف آدم على الكلام وهو ينظر إلى الدم الذي يسيل من أنفها، وعينيها المقفلتين بلا حراك فلا يبدو أنها تمثل أبدا ...
صرخ آدم:
- شروق ... أجيبي بالله عليك ... أجيبي!!
لم تتحرك شروق وحاول آدم أن يسمع دقات قلبها ولكن توتره أثر عليه فلم يسمع شيئا .. دمعت عيناه وحملها بسرعة وهو يصرخ:
- أبي ... أبي ي ي ي ي ي ي ..

ثم خرج من المنزل وهو يحملها وركض بها نحو المستشفى القريبة ...
كان مستشفى صغيرا ولكنه أفضل من لا شيء، دخل بسرعة حاملا أخته فالتقطتها الممرضات النشيطات على سرير متحرك إلى الداخل ووقف آدم عند رأسها والطبيب يفحصها، فنظر الطبيب وقال:
- ماذا حدث؟
- لقد .. لقد سقطت من فوق الكرسي وهي تحاول أخذ شيء من يدي ..
صمت الطبيب قليلا .. ثم تابع:
- أخشى أننا مضطرون لنقلها إلى المستشفى الكبير في شرق المدينة لأن الحالة ...... خطيرة.
بهت آدم ونظر إلى أخته وهو يكاد يبكي ...


التكملة اليوم ليلا إن شاء الله
----------------------------------------------------------

اعتلت منى الحصان وحملت صغيرها أمامها فركض بها الحصان وعبر القرية .. ثم خرج ودخل إلى الغابة المهجورة .. فبدأت منى تشعر بالخوف ...
ظل سريع يركض ويركض حتى وصل إلى غابة آدم ذات الأشجار الملتفة والبحيرة الزرقاء النقية ..
سارت منى منبهرة بجمال ذلك المكان وعندما نظرت إلى البحيرة شاهدت آدم هناك .. ملقى على شاطئ البحيرة وإحدى يديه تنغمس في المياه الدافئة ...
هل مات آدم ؟؟؟
ركضت منى مفزوعة نحو أخيها الملقى بلا حراك ولكنها عندما اقتربت سمعت صوت أنفاسه المتلاحقة .. فتنفست الصعداء ..
وعندما اقتربت أكثر شاهدت الكثير من الدماء على شفتي آدم وجسده وعلى حشائش الغابة، كانت الدموع تملأ عينيه فأمسكت به ووضعت رأسه على حجرها وقالت :
- آدم ... ماذا تفعل هنا... لماذا لم تهدأ وترتاح ... لم أنت مجروح هكذا؟؟
لم يستطع آدم الكلام ونزلت دموعه ، فبكت منى وقالت:
- أنت قوي ... لم أرك تبكي هكذا من قبل .. بماذا تشعر؟؟
تمتم آدم بصعوبة :
- لـ .. لقد .. حزن أصدقائي .. لقد رأوا دموعـ .. ـي .. التي خبأتها عنهم ... لسنين ...
كان آدم الصغير يراقب ذلك بصمت وتساءلت منى:
- أصدقاؤك؟؟
تنفس آدم بصعوبة وتكلم ودموعه تسيل على وجهه:
- عندما أموت ... لا تدعيهم يعبثون بجثتي أرجوك ... إ ..
قاطعته منى وهي تبكي هي الأخرى :
- لن تموت يا آدم أرجوك ..
تابع آدم :
- ادفنيني .. هنـا .. بـ . ... بالقرب من أصدقائي .. و ... أرضـ ... ـي ...
ثم مـدّ يده ببط وكان ممسكا بشيء ما وقال:
- أعطي لأيمن هذه! و ... خذي حذرك على آدم الـ .. الصغيـ .. ـر ..
لم تستطع منى قول أي شيء وابتلعت دموعها وبكت حتى لم تعد ترى وجه آدم بوضوح ولكنها أمسكت بتلك العلبة الصغيرة ...

مد آدم يده الأخرى بصعوبة نحو آدم الصغير فاقترب وأمسك بها .. ابتسم آدم الكبير فخرجت بعض الدماء الأخرى من فمه وسالت على وجنته .. ثم .. سكنت أنفاسه ومالت رأسه ...
مسحت منى دموعها ونظرت إلى وجهه وهي لا تصدق أنه توفي ..
لقد مات آدم بهدوء ... بعيدا عن القرية .. وبعيدا عن كل الناس ..

بكت كثيرا عندما تذكرت الرحلة التي كان يوسف ينوى إعدادها من أجله ...
لكنها تلك المرة كانت أكبر قوة وشجاعة ..
خلعت معطفها المليء بدماء آدم ووضعته على وجهه، ومن ثم عادت إلى المنزل واتصلت بزوجها ليأتي ... لم يتأخر يوسف كثيرا، لأن بكائها كان يوحي بأن مصيبة حدثت ..

كان يوسف مفزوعا عندما دخل من باب البيت ولم تستطع منى الكلام بينما قال آدم ببراءة الأطفال:
- آدم الكبير مات ...
نظر يوسف نحو منى مصدوما وتكلم بخفوت:
- هل هذا صحيح ؟؟
أومأت منى بالإيجاب فضمها يوسف إلى صدره وتمتم:
- إنا لله وإنا إليه راجعون ...
ثم نظر إلى وجه منى وقال:
- أين هو الآن ...
- في مكان بعيد ..
قال يوسف بسرعة:
- يجب ألا يعلم أي شخص بمكانه حتى لا يحاول العبث بجثمانه ..
- ساعدني على دفنه ..
دمعت عينا يوسف وضم منى مجددا وهو يحاول التخفيف من ألمها ..
جففت منى دموعها حتى لا يلحظ السكان،، وتركوا آدم الصغير عند جده والد يوسف، ثم توجهوا إلى الغابة الملتفة ..
كان المكان كئيبا وكأنه حداد على موت آدم ..
كان آدم مستلق إلى جانب البحيرة ، بدأ يوسف بحفر قبر في ذلك المكان البديع، كانت الرمال رطبة ..
ظل يوسف يحفر وهو يمسح عرق جبينه .. ودموعه التي سالت على خديه على الرغم منه ..
قبل أن يدفنه، لاحظ يوسف أن هناك جرحا بليغا أحدثه آدم في صدره ولكنه لم يقل شيئا خشية أن تعتقد منى أنه قتل نفسه ... وتعيش في ألم طوال حياتها ..

دفناه والألم يعتصرهما وقبلت منى جبينه قبل أن يهلوا عليه التراب ،، ثم بنا يوسف حول قبره سياجا من خشب الأشجار حتى يوحي للرائي بأنه لا يوجد قبر هنا ..
كانت منى تعتبر موت آدم .. هو موت قلبها الصغير ، ومرت الليالي تعيسة ..
حتى بدأ أهالي القرية يلاحظون اختفاء آدم ...



 السياج الأخضر


بعد مرور أسبوع على وفاة آدم استيقظت منى من النوم بسرعة ووضعت الفطور لزوجها كالعادة ..
كان الحزن مازال يخيم على أرجاء المنزل .. واستيقظ آدم الصغير وابتسم بلطف فحل جو من الألفة قليلا وبينما يتناولون إفطارهم سمعوا طرقا على باب منزلهم ..
ذهب يوسف ليفتح الباب وفوجئ بطبيب آدم يقف أمامه ومعه بعض من أهالي القرية وقال الطبيب متسائلا:
- أين آدم ..؟؟
صمت يوسف للحظات ثم قال:
- لقد مات ...
- ماذا .. ؟؟ وأين وضعتم جثته ..
أجاب يوسف ببرود:
- لقد أحرقناها ..
ثم أغلق الباب بعنف في وجوههم ..
عاد يوسف إلى طاولة الإفطار وقد عفت نفسه الطعام بسبب البشر الذين لا رحمة في قلوبهم ..
تساءلت منى:
- من كان هناك؟؟
فنظر لها يوسف ولم يقل شيئا فعادت متسائلة:
- من كان بالباب يا عزيزي؟؟
- لا شيء مهم .. لا تشغلي بالك ..

تساءلت مجددا:
- متى سيمكنني زيارة آدم ؟؟
تمتم يوسف:
- ليس الآن .. لا أريدهم أن يعرفوا مكانه ..

صمتت منى وخرج يوسف متوجها إلى عمله، سار بضعة أمتار خارج المنزل حتى ابتعد عنه وقبل أن يركب سيارته ، خرج عليه رجال ملثمون وقاموا بضربه بعنف بالعصي و البنادق حتى فقد وعيه ..

عندما بدأ يوسف يفيق شعر أنه مبلل وأن هناك رائحة .. بنزين ..
فتح عينيه جيدا وهو يشعر بألم رهيب في رأسه،، ثم نظر حوله فرأى عدة رجال من بينهم طبيب القرية ورجل يرتدي قميصا أسود غريب الشكل ، وسأله الرجل :
- أين جثة آدم يا سيد يوسف؟
ابتسم يوسف ساخرا وقال:
- لقد أحرقتها ....
عاد الرجل يقول وكأنه لم يسمع رد يوسف:
- البلورة التي وضعها عمه العالم في صدره ... لي .. وأود استعادتها ...
نظر يوسف للرجل ولم ينبت ببنت شفة .. فتابع الرجل:
- بصريح الكلام أستطيع أن أقول أنني من وضع تلك البلورة في صدر آدم، لكنني لم أقصد قتل الفتى، وإذا كنت قد أحرقت جثته فأظن أن أخذ البلورة قد أصبح يسيرا .. لأنها لا تحترق ..
تنفس يوسف بصعوبة فأمسك الرجل قميصه بعنف وصاح:
- أين رماده إذن؟؟
لم يتكلم يوسف .. فأخرج الرجل قداحة من جيبه وتمتم:
- لست الشاهد الوحيد ... ربما عندما أحصل على البلورة، يمكنني زرعها بصدر ابنك آدم ...
صاح يوسف:
- وماذا تستفيد من ذلك ؟؟ لماذا؟؟
ابتسم الرجل بخبث وضحك الطبيب وتمتم الرجل مجددا:
- هناك امرأة جميلة تعرف مكان آدم سواء أكان جثة أم كان رمادا .... الوداع أيها الحقير ..

قبل أن يقوم يوسف بفعل أي شيء أشعل الرجل قداحته وقذف بها إلى صدر يوسف ليشتعل بكل ما حوله وسمع الرجال صراخ الموت من خلف النيران وهم يخرجون من المكان ببرود وكأنهم لم يفعلوا شيئا ...

*******

ركض آدم الصغير حول والدته بمرح فابتسمت قائلة :
- انت تشبه والدك حقا ...

ظل آدم يلعب حول والدته التي كانت تغسل الأطباق وسمعا فجأة طرقا على باب المنزل فغسلت منى يديها وتركت صغيرها خلفها يلعب ثم توجهت لفتح الباب، ورأت عند الباب شابا صغيرا كان صديق شقيقها آدم وهو في مثل سن آدم ويدعى أيمن ..
عندما رأت وجهه تذكرت العلبة التي وصاها آدم أن تعطيها لأيمن قبل وفاته ولكن يبدو أنها فقدتها مع الحزن أو أنها سقطت في مكان ما من الغابة الملتفة ..

كان أيمن شابا لطيفا، لديه عينان سوداوين وشعر بني داكن .. وكان قصيرا بعض الشيء ولديه شخصية مرحه وعفوية ..
تكلم أيمن قائلا بخفوت:
- سيدة منى، يبدو أن عليك أخذ حذرك ...

ظهر الاستغراب على وجه منى وتابع الشاب بنفس نبرة الصوت:
- هذا الصباح رأيت زوجك وقد أخذه رجال أشرار يبحثون عن آدم ..

شهقت منى مفزوعة وهي تحاول كتم خوفها وقبل أن يقول أيمن أي شيء آخر توقفت ثلاث سيارات أمام منزل منى فسحبها الشاب بسرعة إلى الداخل وركضا معا ومنى تصرخ مفزوعة ،، حمل أيمن آدم الصغير وهتف بسرعة:
- يجب أن تهربوا ... إنهم أشرار ..
صرخت منى وهي تفتح باب المنزل الخلفي:
- ماذا يريدون منـّا ؟؟
عندما فتحت باب المنزل وجدته أيضا محاصرا مما دفعها للصراخ ،، ولكن بعض الرجال أمسكوا بها فصرخت منى:
- أيمن ،، ولدي يا أيمن!! أرجوك ...
فهرب أيمن إلى الأعلى وهو يحمل آدم ...
اختبأ أيمن ومعه آدم وكان آدم سيبكي ولكن أيمن أشار له بالصمت، وكان طفلا ذكيا فاستجاب لذلك وصمت ..



 السياج الأخضر


مضت أربعة عشر عاما ... تحولت في تلك الأعوام القرية إلى مدينة .. مدينة صاخبة بالناس بعد أن توحدت القرى التسع لكن ظلت الغابات الملتفة كما هي ... لم تتغير ولم تمس ...
سرت الإشاعات بأن من يدخلها يكون الموت والضياع من نصيبه، وأطلق عليها اسم الغابات المحرّمة ..
اليوم،،
هو يوم ميلاد آدم السابع عشر ..
لقد أصبح آدم شابا وسيما وقويا،، وقف أيمن يتطلع إلى تلك الحفلة الصغيرة التي دعا آدم إليها أصدقائه من المدرسة الثانوية ...
انتهت الحفلة في وقت متأخر ... وجلس آدم يشاهد الهدايا التي أحضرها له أصدقائه،، فخرجت فتاة صغيرة من أسفل الطاولة وأطاحت بجميع هدايا آدم على الأرض فقال آدم ضاحكا:
- لماذا لم تحضري الحفل يا شروق؟ هل انت خجلة؟؟ الخجل ليس من طبعك أبدا ...

وقفت شروق وعدلت من وضعية فستانها ثم قالت بغرور:
- لم احضر حفلتك لأنني دخلت إلى الصف الخامس هذا العام ، وأصبحت آنسة رقيقة ولا أستطيع أن أدخل إلى غرفة مليئة بالأولاد كما تعلم ...
ضحك آدم وقال :
- تريدين أن تصبحي آنسة عنوة؟؟ مازلت في العاشرة من عمرك ...
شعرت شروق بالغيظ وقالت بغضب:
- أولا أنا في الحادية عشرة من عمري .. ثم .. أنت أيضا لست شابا ... مازلت ولدا، سأقول لـ ياسر يا أخي الغالي .. مع أنه أقصر مني .. ولن أقول لك يا أخي الكبير لأنك أصغر مني ..
- حقا؟؟ لكنني أطول منك بكثير ..
- أجل .. ليس مهما فأنت أطول من أمي ومع ذلك هي أكبر منك ...
ضحك آدم وصفق لها وهو يقول :
- انت ذكية لكن لماذا لا يكون ياسر أكبر منك مع أنك أطول منه؟؟
تركت شروق المكان وانصرفت غاضبة وهي تقول:
- لن أعطيك الهدية التي أحضرتها لك،، سآخذها لنفسي مع أنها سوف تكون كبيرة عليّ ومع أنها لن تلائمني كآنسة و ...

شروق فتاة صغيره في الحادية عشرة من عمرها تمتلك ملامح أمها الجميلة وشعر والدها البني الناعم،، وهي قصيرة بعض الشيء وتبدو أصغر من عمرها الحقيقي بكثير ..

واختفى صوتها وهي تبتعد ودخل أيمن مبتسما وقال:
- كل عام وأنت بخير يا عزيزي ..
ابتسم آدم وعانق أيمن وهو يقول:
- شكرا يا أبي ...
مضت فترة صمت قصيرة، فدخلت زوجة أيمن السيدة نوال .. ثم اقتربت مقبلة جبين آدم وقالت بسعادة:
- أتمنى لك عمرا مديدا وعيشا سعيدا بني ..
ابتسم آدم بسعادة فسلمته السيدة نوال علبة صغيرة فتمتم آدم:
- ما هذا يا أمي ..؟
قالت السيدة نوال:
- افتحها يا آدم ..
فتح آدم تلك العلبة الصغيرة برفق فوجد خاتما فضيا يعتريه لون أسود وكأنه احترق، أخرج الخاتم ونظر به جيدا ثم قال:
- إنه خاتم زواج قديم ..
قال أيمن بهدوء :
- إنه خاتم والدك الحقيقي ..
وكأن آدم تذكر شيئا فجأة فقال:
- لقد سألتك عنهم،، قلت لي أنهم ماتوا في حادثة .. و .. وأنا أتذكر أمي وهي ترتدي ثوبا أحمر ..
ربت أيمن على كتف آدم وقال:
- لقد أعطيتك إياه ليكون ذكرى !
ابتسم آدم وقال:
- نعم .. شكرا لك يا أبي ..

سار آدم نحو غرفته وهو يحدق بالخاتم ولكنه انتبه وتوقف ثم استدار قائلا:
- تصبحون على خير ..
ابتسم الوالدين وقالا:
- تصبح على خير يا آدم!

دخل آدم وأغلق خلفه الباب ثم فتح إحدى أدراج مكتبه ووضع الخاتم فسقط الخاتم على صورة قديمة ...
إنها صورة زواج أيمن ونوال وآدم يجلس أمامهما عندما كان طفلا صغيرا لم يتم الخامسة من عمره،، ابتسم آدم والتقط الصورة وحدق بها جيدا،، وهو يتذكر معاملة أيمن الحسنة له وتربيته له حتى أصبح شابا يعتمد على نفسه ...

تمنى لو يرى والديه،، إنه لا يتذكر سوى الفستان الأحمر .. ترتديه امرأة لا يستطيع تذكر وجهها بوضوح ..
كان لديه خال يدعى آدم ..
أين هو ؟؟
بدل آدم ملا بسه وارتدى ثياب النوم وهو مازال يفكر في ذلك، لا بد إن كان خاله على قيد الحياة أن يبحث عنه أو يخبره أيمن عن مكانه حتما ..
حاول آدم النوم ولكنه لم يستطع، بدأ ذلك الشيء يشغل تفكيره حتما .. أليست لديه عائلة، عم أو عمة ... هل هو "آدم يوسف" هل هذا كل ما يعرفه عن نفسه وعن والديه ...
وقف مجددا وعاد إلى درج مكتبه ثم أخرج خاتم زواج والده،، كان اسم منى ما يزال محفورا بداخله على الرغم من الحريق الذي أصابه ..

تساءل آدم ما إذا قضى والده في حادث سيارة؟؟
لقد احترق حتما ، وهذا هو الدليل ..

في الصباح استيقظ آدم مبكرا كعادته مع أنه يوم العطلة ورأي شقيقته الصغيرة شروق تجلس على الطاولة وترسم و إلى جوارها علبة مغلفة بورق تغليف رائع فاقترب آدم بدون أن تشعر واقترب كثيرا ثم قال بخفوت:
- شروووووووووووووووووووق!

صرخت شروق فزعة وسقط القلم من يدها بينما ارتمى آدم على الأرض من الضحك .. فنظرت شروق وقالت غاضبة وهي تلملم أوراقها وأقلامها:
- حسنا!! أقسمت أنني لن أعطيك الهدية التي أعددتها لك لأنك لا تستحقها!
قال آدم وهو يخطف العلبة:
- سأفتحها ..
صرخت شروق ووقفت على الكرسي وهي تحاول أن تمسك بالعلبة قبل أن يعرف آدم ما بداخلها ولكنها سقطت فجأة من فوق الكرسي ووقعت على وجهها ...
سقطت العلبة من يد آدم وركض مفزوعا نحو شروق التي وقعت على الأرض بلا حراك وحملها آدم وهو ينظر إلى وجهها برعب ثم حركها بلطف وقال:
- شروق، هل أنت بخير .. أرجوك! إن كانت هذه لعبة من ألاعيبك فلا داعي لأن تطول لأنني على وشك أن أصاب بـ ..
توقف آدم على الكلام وهو ينظر إلى الدم الذي يسيل من أنفها، وعينيها المقفلتين بلا حراك فلا يبدو أنها تمثل أبدا ...
صرخ آدم:
- شروق ... أجيبي بالله عليك ... أجيبي!!
لم تتحرك شروق وحاول آدم أن يسمع دقات قلبها ولكن توتره أثر عليه فلم يسمع شيئا .. دمعت عيناه وحملها بسرعة وهو يصرخ:
- أبي ... أبي ي ي ي ي ي ي ..

ثم خرج من المنزل وهو يحملها وركض بها نحو المستشفى القريبة ...
كان مستشفى صغيرا ولكنه أفضل من لا شيء، دخل بسرعة حاملا أخته فالتقطتها الممرضات النشيطات على سرير متحرك إلى الداخل ووقف آدم عند رأسها والطبيب يفحصها، فنظر الطبيب وقال:
- ماذا حدث؟
- لقد .. لقد سقطت من فوق الكرسي وهي تحاول أخذ شيء من يدي ..
صمت الطبيب قليلا .. ثم تابع:
- أخشى أننا مضطرون لنقلها إلى المستشفى الكبير في شرق المدينة لأن الحالة ...... خطيرة.
بهت آدم ونظر إلى أخته وهو يكاد يبكي ...


التكملة اليوم ليلا إن شاء الله


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 5
قديم(ـة) 23-07-2015, 03:51 PM
صورة الكاتبه حوراء العميري الرمزية
الكاتبه حوراء العميري الكاتبه حوراء العميري غير متصل
©؛°¨غرامي متألق ¨°؛©
 
الافتراضي رد: السياج الأخضر، للكاتب/ 0irumi


رواية جميلة وأسمها أيضاً جميل
تعجبني الروايات اللي بالفصحى
بالتوفيق إن شاء الله

الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 6
قديم(ـة) 23-07-2015, 09:39 PM
صورة Amnah الرمزية
Amnah Amnah غير متصل
♥ رَبّنآ لآ تُزِغْ قُلُوبَنَآ بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَآ ♥
 
الافتراضي رد: السياج الأخضر، للكاتب/ 0irumi


اقتباس:
المشاركة الأساسية كتبها الكاتبه حوراء العميري مشاهدة المشاركة
رواية جميلة وأسمها أيضاً جميل
تعجبني الروايات اللي بالفصحى
بالتوفيق إن شاء الله
شكرا لمرورك عزيزتي
أسعدني ردكِ
أتمنى أن تقرئيها حتى النهاية فهي جميلة حقا

موفقة


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 7
قديم(ـة) 23-07-2015, 09:41 PM
صورة Amnah الرمزية
Amnah Amnah غير متصل
♥ رَبّنآ لآ تُزِغْ قُلُوبَنَآ بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَآ ♥
 
الافتراضي رد: السياج الأخضر، للكاتب/ 0irumi


في داخل الإسعاف، استغرق الطريق النصف ساعة، وكان هناك ممرض بداخل العربة يقوم بإعطاء شروق الأكسجين عن طريق أنبوب للأنف، أما آدم فكان يراقب ذلك بصمت وحزن عميق ...

لم يدخل آدم المستشفى الكبير من قبل، كان كبيرا حقا ويستحق ذلك الاسم عن جدارة ، دخلت أخته إلى الطوارئ بينما جعلوه ينتظر خارجا، تحرك آدم بقلق ولكنه رأى من الواجب أن يتصل بوالده .. لكن ..
ماذا سيقول له ؟؟
سار آدم واقترب من إحدى الطبيبات ثم قال:
- مرحبا ... مـ .. من فضلك ..
كانت الطبيبة تبدو في أوائل العقد الرابع من عمرها،، ابتسمت وقالت:
- نعم؟
- هل يمكنني إيجاد هاتف هنا؟؟
نظرت الطبيبة إلى آدم جيدا ثم قالت:
- لم أنت متوتر هكذا يا بني؟؟
تنهد آدم وتجمعت الدموع في عينيه ثم قال:
- أخشى أن يصيب أختي مكروه ، لأنني السبب فيما حصل لها ..
ابتسمت الطبيبة بهدوء وربتت على كتف آدم وهي تقول:
- أشعر بشعورك،، إنها أختك بأي حال ... لكن أدعو الله أن يشفيها ..
- شكرا يا سيدتي ..
- لقد سألتني عن الهاتف؟
انتبه آدم وقال:
- أجل ..
- اتبعني إذن ..
سارت الطبيبة وصعدت الدرج فصعد آدم خلفها فتساءلت الطبيبة:
- لم تخبرني عن اسمك ..
- آدم ..
توقفت الطبيبة عن السير ونظرت في وجهه جيدا ثم قالت:
- آدم؟؟ آسفة لأنني تفاجأت ولكن هذا الاسم يبعث ذكرى غريبة في نفسي .. كـ .. كما أن اسم آدم غريب بعض الشيء .. فهو نادر قليلا هنا، والكثير من الناس يعتبره لعنة ..
لم يقل آدم شيئا وتابع السير ودخلت الطبيبة إلى عيادتها وأشارت إلى الهاتف وقالت:
- تفضل ..
نظر آدم وقال ممتنا:
- شكرا يا سيدتي ..

رفع آدم سماعة الهاتف وطلب رقم منزلهم ورفع أخوه الأصغر ياسر سماعة الهاتف:
- مرحبا ..
- ياسر! أريد أبي حالا ..
- أبي يبحث عنك ..
- إذن أين أمي؟
قبل أن يكمل السؤال سمع آدم صوت والدته التي قالت مفزوعة:
- آدم يا عزيزي هل أنت بخير ..
تلكأ آدم قليلا ثم قال:
- لقد سقطت أختي من فوق الكرسي لكن لا تقلقي أنا هنا في المستشفى وأخبروني بأن حالتها ليست خطيرة ..
- أي مستشفى؟؟؟
- المستشفى الكبير في شرق الـ ..
- آدم .. هل هي بخير؟؟
- أجل يا أمي لا تقلقي ..
- سيكون والدك عندك بعد قليل ..
- حسنا، مع السلامة
أغلق آدم السماعة ونظر إلى الطبية ثم قال:
- شكرا يا سيدتي ..
قالت الطبيبة وهما يسيران بهدوء عائدين:
- ما هو اسمك بالكامل؟؟ أ .. أقصد أريد أن أعرف اسم والدك ..
صمت آدم قليلا ثم قال:
- أدعى آدم يوسف ولكن والدي يدعى أيمن ..
تعجبت الطبيبة فقال آدم مستدركا:
- لقد مات والدي ... فـ .. قام السيد أيمن بتربيتي فأصبح والدي .. أنت تفهمين ذلك صحيح؟
- أجل .. أجل ..
نزلا درجات السلم فقالت الطبيبة :
- أخشى أن تكون والدتك هي منى وائل؟؟ هل هي كذلك حقا؟
نظر آدم إلى الطبيبة جيدا وقال:
- نعم هذا صحيح ... هل تعرفينها؟

ذهلت الطبيبة ووقفت تتأمل آدم لبعض الوقت ثم قالت:
- كان صديقتي في الماضي ، لقد كانت طبيبة في قسم النساء و الولادة، لكنني لا أعلم أين هي الآن ..
قال آدم بانفعال:
- هل تذكرينها، هل لديك صورة لها؟
تمتمت الطبيبة :
- ربما أملك واحدة ..
قفز آدم سعيدا ولكن الطبيبة أمسكت بكتفيه وقالت:
- اهدأ ... لا يجب أن يعرف أحد أنك ابن أخت آدم وائل ... وإلا أصبحت لعنة أيضا مثل خالك ..
تساءل آدم باستغراب:
- لعنة؟ مثل خالي؟
في مكبر الصوت كان هناك صوت رجل ينادي على أسماء بعض الأطباء ..
استمعت الطبيبة ثم قالت وهي تهز رأسها:
- إنها قصة طويلة، ويبدو أنك لا تعرفها ، الآن يجب أن أذهب لأنهم ينادون اسمي ... خذ هذا ...
مدت الطبيبة يدها ببطاقة مكتوب عليها اسمها ورقمها .. وقالت وهي تبتعد :
- اتصل بي ..

وضع آدم البطاقة في جيبه وتوجه إلى قسم أخته مجددا، كان الباب مفتوحا فدخل ورأي أخته مسجاة على السرير وممرضة تضع إبرة موصولة بمحلول في ذراعها ..
اقترب وهو يقول:
- كيف حالها الآن؟
نظرت الممرضة بعد أنهت عملها وقالت:
- إنها بخير .. الحالة ليست خطيرة كما ظننت ..
ثم خرجت واقترب آدم وتحسس شعر أخته بحنان ثم تمتم :
- لا تخافي يا أختي الغالية أنا إلى جانبك ...
ثم أمسك يدها وظل يراقب حركة عينيها الخفيفة وهي تحاول فتحها، فضغط على يديها برفق وقال:
- شروق ..
فتحت شروق عينيها ببطء ونظرت ثم قالت ودمعة تنزل من عينيها:
- آدم .. هل أنا في المستشفى؟
انحنى آدم وقبل جبينها وهو يقول:
- أنا آسف ، لم أتخيل أنك ستسقطين .. لن أغضبك مجددا هذا وعد ..
ابتسمت شروق وقالت:
- وأنا سأعطيك الهدية ..
في تلك اللحظة دلف السيد أيمن إلى الغرفة ومعه إحدى الممرضات فابتسم آدم وهو يرى أيمن وقال:
- إنها بخير ... حمدا لله !


 السياج الأخضر

عاد الجميع إلى المنزل وكان آدم يحمل شروق وهو يضحك ويقول:
- من الجيد انه لم يصبك تخلف عقلي ...
صاحت شروق بغيظ :
- إنه عندك بدون أن تسقط ...
وضع آدم شروق على السرير واقترب ياسر وهو يحمل كتب الصف الابتدائي الأول وقال:
- شروق .. هيا علميني حرف الميم، حتى يقول لي الأستاذ أنني ممتاز ..

زفرت شروق بضيق وبدأت بالصياح في وجه ياسر .. ضحك آدم وهو يتمتم:
- فتاة فظيعة!
تأمل المعركة الصغيرة وقال:
- ياسر،، سأعلمك إياه بعد الإفطار ..


ثم خرج فرأى والديه يتحدثان فتوجه إلى غرفته ،، وهناك أخرج البطاقة ونظر بها جيدا :
" الطبيبة : نهى رباح
عيادة النساء والولادة
رقم الهاتف ............... "
ثم تمتم :
- لعنة ؟؟
خرج مجددا وكانت والدته تضع الطعام على السفرة وكان والده يجلس وحيدا فانطلق نحوه وجلس عند قدميه وهو يقول:
- أبي ... أخبرني أرجوك!!
تعجب السيد أيمن من ذلك التصرف وقال:
- أخبرك بماذا؟
- كيف مات والدي، و .. آدم .. آدم خالي، لماذا كان لعنة .. ؟؟
تفاجأ أيمن من تلك الأسئلة وقال:
- من أخبرك بهذا الكلام؟
- عرفته وحسب!
وضع أيمن يديه على رأسه مخفيا ألما قديما، فقال آدم:
- أرجوك يا أبي .. أخبرني .. ماذا حدث؟؟


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 8
قديم(ـة) 23-07-2015, 09:43 PM
صورة Amnah الرمزية
Amnah Amnah غير متصل
♥ رَبّنآ لآ تُزِغْ قُلُوبَنَآ بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَآ ♥
 
الافتراضي رد: السياج الأخضر، للكاتب/ 0irumi


*******

جلس السيد أيمن بعد الغداء في الغرفة وجلس أمامه آدم فقال أيمن:
- لقد كنت صديق خالك آدم، كان معنا في الجامعة وكان ذكيا، لكنه كان مريضا دائما وشاحبا ولا يتكلم مع أي شخص .. هناك من كان يظن أن في صدره قنبلة من يقترب منها تنفجر فيه ..

صمت قليلا ثم تابع:
- تبدأ القصة عندما كان خالك آدم طفلا،، أخذه عمه في رحلة .. عاد آدم بعدها مريضا وكان يضع يده على صدره مما تسبب في خلاف بين والده وعمه فباح العم بأنه زرع شيء في صدره لكي يصبح ولدا خارقا، ولكن جسده لم يتقبل ذلك الشيء أيا كان ،، مر الوقت والأطباء عاجزين عن إخراج ذلك الشيء وتعب آدم جدا وأصبح يعيش على الحقن المضادة والمسكنة ... كان يزحف أحيانا حتى يصل إلى المكان الذي يريده،، لقد كان الألم يقطعه كل يوم ................. لكنه كان قويا جدا، هكذا عرفته، ابتسامته لا تفارق شفتيه ومن المستحيل أن تشعر بألمه إن كنت لا تعرفه، هذا هو آدم الذي عرفته حقا ...
توقف أيمن وهو يتذكر فقال آدم:
- ما الذي حدث بعد ذلك؟
- كانت والدتك تتردد عليه كثيرا وخاصة بعد أن تزوجت والدك مما اضطرها إلى أن تبتعد عنه قليلا .. لا أعرف حقيقة ما الذي حدث، كل ما عرفته بعد ذلك أن آدم مات وأحرقت جثته حتى لا يجده أي شخص من الذين يريدون الجهاز الذي كان في صدره ....

ظل أيمن يحكي لآدم قصة موت والده ووالدته ..

أخبره أنهم وجدوا جثة والده في مبنى مهجور، و لم يجدوا جثة والدته أبدا، وربما تكون دفنت أو حصل لها أي شيء، لكنها ماتت بالتأكيد، أما أيمن فقد هرب إلى القرية الشمالية وبقي هناك حتى تلك اللحظة ..
كأن آدم تذكر خاله عندما مد يده ليمسك بها ..
لقد تذكر أشياء شوشت على تفكيره ..
وفي اليوم التالي توجه إلى مدرسته وهو يفكر،، لم يركز في دروسه وجلس إلى جواره صديقه "أسامة" الذي تساءل باسما:
- أين آدم؟؟
تفاجأ آدم من السؤال وقال:
- ماذا؟
- أين آدم؟ إنه ليس معنا اليوم .. إنه في واد آخر؟؟ ما بك؟
لم يقل آدم شيئا فعاد أسامة وقال:
- أرجو أن لا تنسى أنه عامنا الأخير في تلك الثانوية العتيقة ..
ثم وقف واستدار في الفصل وقال وهو يطلق يديه في الجو:
- وأخيرا سنصبح رجال حقيقيين ونذهب للجامعة، ونصبح أطباء ومهندسين ومدرسين ... و كل ما نتمناه ..
ابتسم آدم على الرغم منه وقال وهو يضع كتبه في حقيبته:
- طموحك كبير!
جلس أسامة مجددا ووضع كتبه وقال باسما:
- آدم، يجب أن يكون طموحك كبيرا حتى تحقق ما تريده ..
قال آدم بخفوت:
- أسامه .. أنا مشتت الذهن، أنا ...
- ما بك؟ هل تحب فتاة ما؟؟ من هي سعيدة الحظ ؟؟
هز آدم رأسه بيأس وقال:
- لا! أسامة كف عن هذا .. أنا حقا أفكر ..
صمت أسامة قليلا ثم قال وهو ينظر إلى وجه آدم جيدا:
- ما بك؟ لا تبدو بخير ..
نظر آدم حوله وقال مفزوعا:
- لقد انصرف الجميع ونحن هنا بمفردنا .. أسرع قبل أن يغلقوا الباب علينا ..

ركض الاثنان في الممرات حتى خرجا من المدرسة ،، كان لآدم شعر بني وعينان زيتيتان واسعتين، وكان يشبه والده يوسف كثيرا ويمتلك عيني والدته وخاله آدم، أما أسامة فكان شابا طويلا يفوق آدم طولا بقليل ويقترب من 180 سنتيمترا وكان لديه شعر أسود وعينان خضراوان ووجه أسمر مرح ..

أصبحا صديقين حميمين من المرحلة الابتدائية، لم يخفيا أمرا على بعضهما منذ صغرهما، مما جعل آدم يحكي لأسامة كل شيء عرفه عن موضوع والديه ..

نظر أسامة لآدم وهما يسيران وقال مذهولا:
- لا أصدق أن (آدم وائل) الأسطورة هو خالك!! ولا أصدق أكثر أنك لا تعرف أي شيء عن ذلك الأمر .. لأنني أعرف تقريبا نصف تلك القصة .. ظننت ..
- ماذا؟
- ظننت أن تلك القصة حدثت منذ زمن بعيد جدا ..


 السياج الأخضر

شغل آدم تفكيره بتلك القصة، كان يريد أن يعرف كل شيء عنها ... في ذلك اليوم أخرج خاتم زواج والده وقرأ اسم "منى" ثم ارتداه في يده اليسرى .. وابتسم يتمتم لنفسه:
- لقد أصبحت متزوجا ..
ارتمى على سريره بدون أن يبدل ملابسه وذهب في نوم عميق ..
فتحت شروق الباب بعنف وقالت :
- إن الـ ..
قبل أن تكمل شاهدت آدم وهو ينام على السرير بإهمال فوق الغطاء وهو يرتدي حذاؤه، اقتربت وفتحت أحد أدراج دولابه الكبير وأخرجت غطاء آخر ثم وضعته بلطف فوق آدم ، وقبل أن تخرج نظرت إلى مكتبه فوجدت إحدى كتبه مكتوب عليه:
" آدم يوسف " ..
لفت ذلك انتباهها وخرجت وأغلقت الباب خلفها بهدوء وتوجهت من فورها إلى المطبخ وكانت والدتها هناك فتساءلت ببراءة:
- أمي .. ما هو اسمي؟
ابتسمت الأم وأجابت:
- شروق ..
- أ .. تقصدين .. شروق أيمن؟ صحيح؟
لم تفهم الأم المغزى من ذلك السؤال وقالت:
- أجل ..
- حسنا، وياسر؟
نظرت الأم إلى ابنتها لدقيقة وهي متعجبة من تلك التصرفات فتابعت :
- ياسر أيمن .. أليس كذلك ؟
- بلى..!
- حسنا .. لماذا يكون آدم .. آدم يوسف؟ وليس آدم أيمن؟

صمتت الأم لدقيقة وقد دهشت من هذا السؤال ولكنها قالت وهي تضع بعض الآنية داخل حوض الغسيل:
- لست صغيرة يا شروق، وسأخبرك بأن آدم ليس ولدنا .. لقد ربيناه لأنه فقد والديه عندما كان طفلا ..

ظلت شروق تنظر بصمت وذهول ولم تفتح فمها ..
تابعت الأم أعمالها فقالت شروق بعد صمت دام ما يقرب الدقائق العشرة:
- أتعني أنه ليس أخي؟؟
- إنه يعتبر كذلك ..
- يعتبر؟ لكنني أحبه !! وأريده أن يكون أخي ..

*********

كان آدم يحلم ...
يحلم بالغابة المحرمة .. وهناك بحيرة زرقاء .. و .. سياج ..
سياج من الأخشاب ترتفع الأعشاب الخضراء ..
إنه سياج أخضر جميل ..

سياج أخضر ..

فتح آدم عينيه فشاهد سقف غرفته .. جلس ونظر حوله وهو يتذكر ذلك الحلم الجميل الذي لم يفارق خياله،، نظر إلى خاتم زواج والده في يده اليسرى ثم ابتسم ..
نظر إلى الغطاء الإضافي؟
من فعل ذلك ... لا أحد يدخل غرفته عادة، خاصة وإن كان نائما بداخلها إلا إذا كانت متطفلة صغيرة ..

خرج آدم وهو يتثاءب ودخل إلى المطبخ فوجد شروق تجلس بمفردها وفي عينيها حزن كبير وتساؤلات، قال آدم بعد أن تذوق الطعام الذي أعدته والدته :
- ما بك يا شروق؟ هل مزق ياسر دميتك؟
نزلت شروق وأمسكت بيد آدم فتعجب آدم ونظر نحوها فشاهدها تبكي .. اندهش آدم وقال بخفوت:
- ما الأمر؟؟
احتضنت شروق آدم ، وكانت رأسها تصل إلى صدره فانحنى آدم ليصبح في مستواها وقال:
- ما بك؟ أخبريني ... لماذا الدموع؟؟
رفعت شروق رأسها وقالت وهي تتكلم بصعوبة:
- لـ .. لا .. تقل .. لـ .. لي أنـ .. ـك .. أنك .. لست أخي!
لم يفهم آدم شيئا وقال:
- لا أستطيع فهمك وأنت تتكلمين هكذا ..
- لقد أخبرتني .. أ .. أمي أنك لست أخي ..

رفع آدم حاجبيه مذهولا ثم قال وهو يحملها ويجلسها على طاولة المطبخ:
- هذا غير صحيح .. أنا شقيقك بالتأكيد، لقد حملتك عندما ولدت ولعبنا معا كثيرا، ألا تذكرين ..

ابتسمت شروق ودموعها تنهمر وأومأت بالإيجاب فتابع آدم :
- سأظل شقيقك مدى الحياة، لا تدعي أي شخص يقنعك بغير ذلك .. اتفقنا؟
أومأت بالإيجاب مجددا فناولها آدم منديلا ثم صاح مناديا:
- أمي .. هل أعد السلطة؟
سمع صوت والدته :
- حسنا بني ..
أمسك آدم بالسكين وأدارها دورة كاملة في الهواء ثم قال:
- بدأنا العمل .. أعلم أن الطعام رائع من يدي ..
ضحكت شروق وقالت:
- مجددا .. أرجوك ..
أدار آدم السكين مجددا في الهواء وأمسك بها فقالت شروق:
- مجددا!
قام آدم بفعل ذلك مجددا فضحك الاثنان وبدأ آدم عندها بتقطيع الخضراوات وشروق تتأمل ذلك ثم قالت فجأة:
- أنا احبك يا آدم ..
ابتسم آدم وقال:
- أنا أيضا ..

**********

استيقظ آدم في اليوم التالي وهو ينظر حوله ليتأكد انه استيقظ حقا، لقد حلم بذلك الحلم مجددا ..
إنه يحلم دوما بالغابة المحرمـّة .. لماذا؟
في المدرسة قابل صديقه أسامة وقال آدم وهما يصعدان إلى الفصل:
- ذكرني أن أخبرك بشيء مهم ..
- حسنا ..

انتهى الدوام الدراسي وانتظر أسامة آدم حتى خرج من المدرسة وسارا قليلا قبل أن يقول أسامة:
- كنت تريد أن تقول لي شيئا مهما، جعلني لا أركز على الدروس طوال اليوم ..
ابتسم آدم وقال:
- ليس شيئا مهما جدا!
- تبا لك يا آدم!
ضحك الاثنان وضرب أسامة كتف آدم بقبضة يده فقال آدم:
- إنني أحلم بحلم متكرر ..
- عن من ؟ أنت تحلم بي صحيح ..
ابتسم آدم وقال:
- في الحقيقة، أنا لا أحلم بأي شخص،، أحلم فقط بمكان ..
- مكان؟
- أجل ..
- لا تقل لي أنك تحلم بالمدرسة ..
- لا ..
- ماذا؟
- الغابات المحرمة ... أنا أرى في الحلم دوما بحيرة جميلة وسياجاً أخضرا جميلا يلتف حول مكان ما ..
توقف أسامة عن السير وقال:
- ولماذا تحلم بهذا المكان؟ لماذا؟ أنت لا تعرف الغابات المحرمة .. أليس كذلك؟
- نعم ، لم أفكر بها حتى ..
- ربما يدعوك هذا المكان لزيارته ..
لوح آدم بيده في وجه أسامة وهو يقول:
- هل تتكلم حقا؟ هل هناك مكان يدعوا شخصا لزيارته ..
- ربما ..
- أسامة ..
- نعم يا آدم ..
- هل تذهب معي ؟؟
نظر أسامة وقال بشجاعة:
- متى ستذهب؟؟
- لا أعلم .. ولكن علينا أن نأخذ حذرنا ..
أكمل أسامة كلام آدم:
- لأنه لا أحد يخرج من الغابة الملعونة ..
لم يقولا شيئا آخر وسارا معا مكملان الطريق للمنزل ..


 السياج الأخضر

- إلى أين .. ؟؟
قال آدم وهو يحمل حقيبته :
- لم أنت خائفة هكذا يا أمي؟ لقد وافق أبي .. وأخبرتك أنها رحلة عادية إلى الحدائق الشمالية ..
- الحدائق؟
- أجل ..
- هل ستتأخر ...
- إنه يوم وحسب ..
توجه آدم وارتدى حذاءه الرياضي وقام بإحكام رباط الحذاء وعندما رفع رأسه شاهد شروق وهي تمد يديها بالعلبة وقالت:
- هدية عيد ميلادك ..
- أخيرا رضيت عني ... بعد أن مضى أسبوعان من عمري ..
- آدم!
- حسنا .. شكرا يا أختي الحبيبة ..

نزل آدم درجات سلم منزلهم وكان أسامة بانتظاره بالأسفل ، سلام وابتسامات وقال أسامة وهو يركب سيارته وآدم يركب إلى جواره:
- إنها رحلة الموت ..
- حقا! ليست بهذا السوء ..
كانت شروق تراقب من النافذة وقالت :
- لقد ذهب آدم في سيارة أسامة ..
بدأ القلق يراود الأم ونظرت إلى أيمن وقالت:
- أيمن؟؟ لقد قال أنها رحلة مدرسية ... قلبي ليس مطمئنا ..
ظل أيمن يتصفح الجريدة ثم قال:
- لم يعد صغيرا .. إنه شاب قوي يعتمد على نفسه .. كما أنه لم يكذب علينا من قبل ، ولن يكذب علينا الآن ..
عادت شروق تنظر من النافذة ولكن آدم في ذلك الوقت كان قد رحل ...


**********

اقتربت الشمس من الغروب وتمتم آدم بكسل بعد أن شرب قليلا من العصير:
- لم أكن اعلم أنها بعيدة هكذا ..
أجاب أسامة وهو يركز عينيه على الطريق:
- إنها تبعد عن المدينة كثيرا ..
جلس آدم جيدا وقال:
- هل أقود بدلا عنك قليلا ..
- أخشى أن نموت قبل أن نصل ..
ضحك آدم وقال:
- هيا ما بك! أنت حتى لا تحمل رخصة قيادة .. هل تظن نفسك محترفا؟
- هذا لأنه غير مسموح لأقل من ثمانية عشرة عاما بقيادة السيارات ..
شرب آدم ما تبقى من العصير دفعة واحدة ثم قال:
- أظن إذا أنك ضللت الطريق ..
- مستحيل!
- تعجبني ثقتك!
من حول الطريق الترابي الصغير الذي سلكه أسامة، بدأت تظهر أشجار عملاقة فقال أسامة مستعرضا:
- مدخل الغابة المحرمة ... مرحبا بكم في موطن الأشباح .. نتمنى لكم موتا سريعا ..
ابتسم آدم وهو يقول:
- لا بأس يا أسامة سوف أزوجك بفتاة ولكنها ستكون هيكلا عظميا ..
قلب أسامة شفته السفلى وتمتم:
- أهم شيء أن تكون سمراء مثلي ..
قال آدم وهو يتأمل الطبيعة الساحرة:
- وعينيها خضراء كعينيك ..

انتهى الطريق الترابي وبدأ حاجز الأشجار الكثيفة مما أضطر أسامة وآدم للترجل منها والسير على الأقدام ونبه آدم أسامة قائلا:
- لقد نسيت حقيبة ظهرك يا صاح!
عاد أسامة ليحضر حقيبته وسمع آدم صهيل حصان اختفى بسرعة ..
كان له صدى وكان صهيلا مرعبا .. فنادى آدم:
- أسامة .. هل سمعت ذلك؟

لم يجب أسامة فنظر آدم خلفه فوجد أسامة يبحث عن حقيبته داخل السيارة، يبدو أنه لم يسمعه .. هبت رياح قوية حركت أوراق الأشجار العملاقة وتساقطت الأوراق الجافة على الأرض ..
اقترب أسامة وهو يحمل حقيبته وقال:
- هل أنت مستعد لتبحث عن المكان؟
- نعم ..
سارا ببطء داخل الغابة قرابة الخمس عشرة دقيقة .. وتمتم أسامة:
- لقد كنا محرومين من الحياة! أنظر على روعة هذا المكان ..
تأمل آدم المكان الذي يقصده أسامة فشاهد بحيرة زرقاء بديعة تلتف حولها الأشجار ... وعندما اقتربا أكثر كان هناك سياج خشبي يحيط بقطعة مرتفعة من الأرض، نمت فوقها أعشاب خضراء ندية وارتفعت أعشاب متسلقة فوق السياج فأكسبته منظرا بديعا ..

وقف أسامة وآدم مشدوهين فاغرين أفواههم منبهرين ...
اهتزت الأشجار بسبب الريح وشعر آدم أنها معترضة على وجودهم ، مد أسامة يده فلمس مياه البحيرة الزرقاء الدافئة وقال:
- إنه أروع مكان رأيته في حياتي ...
نظر آدم إلى السياج وقال:
- هل تعتقد أن هذا قبر شخص ما؟
- قبر؟
- أجل أنظر .. إنه مرتفع عن الأرض ..
تأمل أسامة المكان قليلا وقال:
- أنت تخيفني يا آدم!
اهتزت الأشجار وعصفت الرياح عندما نطق أسامة اسم آدم .. فتمتم آدم وهو يحمي وجهه بيديه ليتفادى التراب وأوراق الأشجار:
- صدقني إنه قبر .. إنه المكان الذي أحلم به ..
نظر أسامة بعيداً .. فرأى كوخا صغيرا وقال وهو يشير إليه:
- ربما يقودك الحلم إلى هذا المكان ..
التفت آدم ليشاهد الكوخ الصغير ثم قال:
- أظن أنه مهجور ..
- هيا أنظر جيدا أيها الأعمى هناك ضوء يخرج منه، وقريبا ستغرب الشمس .. في رأيي لن يعيش في هذا المكان سوى أشخاص طيبو القلب ..

سارا معا حتى وصلا إلى باب الكوخ وتنصت أسامة فهمس آدم:
- هييييه! ماذا تفعل .. هل تتجسس على أهل المنزل ..
رفع أسامة أذنه ونظر لآدم فطرق آدم الباب طرقة واحدة، لكن أحدا لم يفتح فتولى أسامة طرق الباب بطريقته الخاصة ..
كان آدم محرجا جدا من طريقة "الضرب" التي استخدمها أسامه مع الباب حتى كاد أن ينخلع من مكانه ..

وبدأ الظلام يرخي سدوله على المكان وانفتح الباب أخيرا بحذر،، كانت هناك سيدة تقف خلف الباب وقالت بصوت خائف:
- من هناك ..
همس أسامة:
- إنها لا ترانا جيدا ..
قال آدم:
- مرحبا يا سيدتي، لقد ضللنا الطريق ونود أن نسأل عن هذا المكان ..
فتحت السيدة الباب قليلا وسلطت كشافا كهربائيا على وجهيهما لتراهما جيدا ثم قالت:
- أنتما صغيران .. هل يبحث عنكما أي شخص ..؟؟
همس أسامة مجددا:
- هل هي هاربة من العدالة ؟؟
كاد آدم أن يضحك ولكنه ضبط أعصابه وأجاب على سؤال السيدة وقال:
- لا .. لقد جئنا بمفردنا ..
- تفضلا ..
فتحت الباب ودخل الاثنان وهما يتأملان تلك السيدة الجميلة ، قال آدم:
- منزل جميل ..
أجابت:
- شكرا ..

كانت السيدة جميلة جدا رغم أنها تجاوزت الأربعين من عمرها، لديها عينان عسليتان واسعتين وترتدي ثوبا واسعا ..

جلسا على أريكة قريبة ووضعا حقائبهما على الأرض وتساءلت السيدة:
- ألن تعرفاني بنفسيكما ..؟ ولماذا جئتما هنا؟
قال أسامة وهو يشير نحو آدم:
- في الحقيقة ... ذلك الولد هو السبب فقد كان يخدعني طوال الوقت ويقول لي أنه حلم بأنه يسير هنا ..
نظر آدم لأسامة مستغربا لماذا يقول هذا فهمس أسامة مجددا:
- ربما تكون من آكلي لحوم البشر فتأخذك وتتركني ..
ضحك آدم فنظرت السيدة ببعض الخوف وقالت:
- لماذا تهمسان هكذا ؟؟
قال آدم:
- لا بأس يا سيدتي .. إنه محق، لقد كنت أحلم بهذا المكان .. و ..
بدا الضيق واضحا على السيدة وقالت مقاطعة:
- ماذا تريدان؟ أنتما شيء من اثنين .. إما أنكما أتيتما لمطاردتي، وإما أنكما هنا لإزعاجي ..
تمتم أسامة:
- يبدو أننا هنا لإزعاجك ..
كتم آدم ضحكته وهو يسمع كلمة أسامة الأخيرة وقال:
- أرجوك لا تغضبي يا سيدتي .. سوف نرحل لكنني كنت أريد أن أعرف ما إذا كان هذا الشيء الذي يغلفه السياج الأخضر قبرا؟؟
بدا الفزع على وجه السيدة وقالت بسرعة:
- لا أعرف شيئا عن ما تتكلم عنه ..
وقف آدم وحمل حقيبته ثم قال بابتسامة:
- شكرا لك أيتها السيدة على استضافتنا لكننا نريد أن نخرج الآن من الغابة ... كيف نسير؟
تساءل أسامة قبل أن تجيب السيدة:
- لماذا تعيشين في هذا المكان الموحش بمفردك؟؟
أجابت السيدة بنبرة حزن:
- أنا أعيش بالقرب من أسرتي ..
أردف أسامة:
- إذا كان كذلك فلا بأس .. لا تمانعين أن انضم لأسرتك صحيح ..
دمعت عينا السيدة ثم قالت وهي تنظر إلى آدم وأسامة:
- بالطبع ، أبقيا معي حتى الصباح لأن المكان يصبح خطيرا في مثل هذا الوقت ..
قال آدم:
- لكن يا سيدتي ..
قاطعته:
- أرجوكما ، لن يزورني أي شخص من أسرتي اليوم .. كما إنكما تذكرانني بأولادي ..
تساءل أسامة مجددا:
- أين هم؟
- إنهم في رحلة صيد ..
قال آدم وهو يضع حقيبته :
- حسنا، أنا موافق ..
ردد أسامة:
- أنا أيضا ..


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 9
قديم(ـة) 23-07-2015, 09:45 PM
صورة Amnah الرمزية
Amnah Amnah غير متصل
♥ رَبّنآ لآ تُزِغْ قُلُوبَنَآ بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَآ ♥
 
الافتراضي رد: السياج الأخضر، للكاتب/ 0irumi




 السياج الأخضر

جلس أسامة وآدم حول طاولة دائرية ووضعت السيدة الطعام على السفرة فقال آدم:
- لقد أتعبناك كثيرا، ليتنا لم نجيء ..
ابتسمت السيدة وقالت وهي تجلس:
- لم ألتق بضيوف منذ ما يزيد على العشرة سنوات ، كما أن الإنسان لا يلتقي بأشخاص لطفاء هكذا دوما ..
عقب أسامة :
- لقد أخبرت آدم أننا سنجد حتما أناسا طيبون في هذا المكان الجميل ..
تمتمت السيدة باندهاش:
- آدم؟؟
رفع آدم يده قليلا بحركة مضحكة وقال:
- إنه أنا .. أدعى آدم ..
ثم أشار نحو أسامة وقال:
- وهذا أسامة .. نحن ندرس في آخر عام لنا بالمدرسة الثانوية ..
كانت السيدة تنظر إلى آدم وهي غارقة في التفكير ثم انتبهت فجأة وقالت:
- تفضلوا، سيبرد الطعام ..
بدءوا بتناول الطعام وكانت السيدة تنظر لآدم كثيرا، لاحظ أسامة ذلك ثم تساءل قائلا:
- ما الذي يجبرك على العيش هنا؟
تمتمت السيدة :
- أنا أعيش هنا لأن هذا المكان قريب من أسرتي .. أجل ..
لم يتكلم أحد مجددا ولكن أسامة قال:
- إنه مكان جميل .. لكنه منعزل ..
بعد انتهاء العشاء قالت السيدة:
- أنا السيدة أمل .. إذا احتجتم إلى أي شيء ..
ثم صعدت بهم إلى الطابق الثاني وأدخلتهم إلى غرفة بها فرش وأغطية على الأرض ثم قالت:
- آسفة، إنه منزل متواضع، لكن نوم الأرض صحي ..
قال آدم:
- لا بأس أنا أحب ذلك ..
وقال أسامة وهو يضع حقيبته على الأرض:
- هكذا سنشعر أننا قمنا بمغامرة حقا!!

أغلقت خلفها الباب وهي تقول :
- تصبحون على خير يا أبنائي إن احتجتم أي شيء نادوا علي فقط وسوف أسمعكم ..

في الصباح ..

استيقظ آدم أولاً وأيقظ أسامة الذي قال بتذمر:
- دعيني يا أمي قليلا !!
تمتم آدم وهو يضحك من قلبه على أسامة ..
- أمي؟؟
تركه ونزل درجات السلم إلى الطابق الأرضي ودهش لما رآه ..
كانت طبقات الغبار تملأ المكان ،، هناك آنية مكسورة والمدفأة مطفئة وحتى الشموع متسخة وملقاة على الأرض بإهمال ..
وقف آدم مذهولا لبعض الوقت، وخرج من الكوخ الصغير فشاهد من بعيد السياج الأخضر الذي يحيط بالقبر .. وسمع صهيل الحصان مجددا ..
عاد آدم بسرعة ورج أسامة بعنف:
- أسامة ... استيقظ .. بسرعة ...
جلس أسامة وقال بعصبية:
- ما بك يا آدم! لم يتبق سوى أن تسكب فوقي الماء البارد!
قال آدم بخوف:
- لقد استضافنا شبح يا أسامة ... إنه كوخ مهجور كما قلت .. انظر .. تعال انظر ..
هبط أسامة درجات السلم بكسل ولكنه أفاق على المنظر الذي رآه ..
لم تمض ثوان أخرى حتى كان أسامة وآدم يحملان حقائبهما ويركضان مبتعدان عن المكان ، وصرخ أسامة بذعر:
- لا أصدق أن هذا يحصل لي ..
نظر آدم خلفه إلى السياج الأخضر وهو يبتعد فتعثر وسقط ..
تدحرج آدم بعنف على الصخور المنحدرة بجانب الطريق الترابي وحاول أسامة اللحاق به وصاح بخوف:
- آدم .. آآآآدم!
ظل آدم يتدحرج مسافة كبيرة وبدأت آثار دماءه تصبغ بعض الصخور وأجزاء من النباتات وأسامة ينزل خلفه بأسرع قدر يمكنه ،، توقف آدم فجأة عند نهاية الطريق الترابي المنحدر وبدا بلا حراك حتى وصل أسامة وهو يلتقط أنفاسه ورفع آدم بسرعة فوجد الجروح تملأ جسده وكدمات أصابت ذراعيه ووجه ، عوضا عن ملا بسه الممزقة .. وسعل آدم وهو يقول بتعب :
- أنا بخير .. بخير ..
قال أسامة مفزوعا وهو يسند آدم :
- لا تبدو كذلك ..
- لا تخف يا أسامة سوف أكون بخير ..
نظر أسامة حوله وقال:
- هل مشينا هنا من قبل؟
تأمل آدم المكان حوله وقال:
- لا .. لأننا لم نصعد أي مرتفعات ..
عقب أسامة:
- صحيح لقد كان طريقنا مستويا!
- علينا إذن أن نعود ونحاول تذكر الطريق الذي جئنا منه ..
- نعم! ولكنك مجروح يا آدم!
- لا تخف أنني بخير ..
سار آدم بصعوبة وأسامة يمسك به حتى استطاعا صعود المنحدر الترابي المليء بالصخور ومجددا،، عادا إلى الطبيعة الخلابة وبدأ أسامة السير تلقائيا فقال آدم بتعب بعد وقت قصير:
- أسامة! يبدو أننا ضللنا الطريق ..
قال أسامة :
- مستحيل! لم نضل الطريق، أنا أتذكر ذلك المكان جيدا ...
- كـ .. كل الأماكن في الغابة متشابهة .. ولكن، تعجبني ثقتك!

توقف أسامة عن السير وأجلس آدم ليرتاح قليلا وهو يقول:
- آدم .. أنت مرهق جدا .. كما أن ذراعك ينزف علينا تضميد ذلك الجرح .. أنظر، إن قميصك ممزق! وسروالك أيضا ..
قال آدم وهو يلتقط أنفاسه:
- لا تخف .. أنا بصحة جيدة ..
أخرج أسامة بعض الضمادات من حقيبته وقال وهو يضمد الجرح :
- لقد ضحكت على نفسي وأنا أضع علبة الإسعافات الأولية لذلك فقد أخرجتها وأبقيت بعض الضمادات وحسب .. لم أحضر مطهرا يا لغبائي!
نظر آدم بعيدا وقال:
- لدينا بعض الأمل، أليس هذا هو حاجز الأشجار الذي منعنا من الدخول بسيارتك إلى داخل الغابة؟
انتهى أسامة من تضميد جرح آدم وسار الاثنان ببطء حتى وصلا إلى الحاجز وبدأ أسامة برؤية السيارة فصاح قائلا:
- أحبك يا صديقي ..
ضحك آدم وحاول السير بمفرده وظل أسامة يصيح بفرحة حتى قطعا حاجز الأشجار وشاهدا السيارة بوضوح، وكانت الصدمة عنيفة ..


 السياج الأخضر

وقف الاثنان مبهوتان وهما يحدقان بالسيارة .. لقد خدش طلاؤها الأسود، وتحطمت نوافذها بلا استثناء ، أما المصيبة الأكبر فكانت في عجلات السيارة ..
لقد نفذ الهواء من إطاراتها جمعاء!
تمتم أسامة:
- لدي إطار احتياطي، ووضعت آخر توقعا لعطل جسيم ولكن .. لكن ليس إلى هذا الحد ..
اقترب آدم من السيارة وهو يعرج ونظر من الداخل فوجد التراب يغطي المقاعد فقال:
- أسامة، يجب أن نخرج من هذا المكان بأي ثمن .. إنها حقا ملعونة!

بدأ أسامة بتبديل أحد الإطارات وهو يقول:
- إطارين أفضل من لا شيء، على الأقل ستتحرك السيارة ولو ببطء .. سأبدل الإطارين الخلفيين ...
اعترض آدم:
- لماذا؟ بدل الأماميين حتى نتخطى الصخور .. ولا تنس أن التحكم فيهما أيضا ..
- حسنا! أعترف ببراعتك ..
بدأ أسامة بتخويف آدم الذي جلس على مقربة منه يحاول تنظيف جروحه ببعض المناديل الورقية قائلا:
- آدم! لقد تحطمت أنت وسقطت، هل تشعر بأن قدمك مكسورة، أنت تعرج!
رفع آدم طرف سرواله الأزرق وقال:
- إنها منتفخة وزرقاء اللون وتؤلمني جدا ..
ألقى أسامة نظرة سريعة ثم عاد إلى إطاراته وقال:
- حتى السيارة لم تسلم من تلك الغابة، لم يتبق سواي!
- هل أنت مجنون! لا تقل ذلك لن يحصل لك شيء ..
- يجب أن يحصل لي شيء!
- أساااامة! هذا يكفي .. لا أعرف كيف تمزح ونحن في تلك الظروف العصيبة ..
قبل أن ينطق أسامة سمعا صوت صهيل جواد .. كان صهيلا عاليا وله صدى وكأنه يأتي من مكان قريب، وقال آدم بخوف:
- إنها المرة الثالثة التي أسمع فيها ذلك الصهيل ..
قال أسامة بلا مبالاة وهو يربط آخر مسمار في الإطار الأول:
- الغابة تحتوي أيضا على الخيول البرية مثل بقية الحيوانات الأخرى ..
تمتم آدم وهو ينظر حوله :
- لكن ذلك الصوت ... يشعرني بالخوف!
ضحك أسامة وقال ساخرا:
- لم أكن أعلم أنك تخاف من الخيول ... إنها أروع المخلوقات على الكرة الأرضية!
قال آدم بضجر:
- أظن أنك أروع منه!
- أنظروا من يمزح!
- أنا لا أمزح ..
توقف الاثنان عن الكلام لفترة طويلة، حتى انتهى أسامة من تركيب الإطار الثاني وعندها قال:
- لقد انتهينا، على الأقل سنصل إلى أقرب وكالة تصليح غدا .. أفضل من أن لا نصل بتاتا!
تساءل آدم وهو ينفض التراب إلى الخارج:
- هل سنتأخر كل هذا الوقت؟
- أنا أمزح ... سنصل في المساء، أتمنى أن نخرج من هنا بسلام ..
تغيرت نبرة صوت آدم إلى نبرة هادئة وهو يقول:
- سيقلق علي والدي كثيرا ..
قال أسامة وهو يخرج مفاتيح السيارة من حقيبة الظهر خاصته:
- أتظن أنه ليس لدي والدان يقلقان علي؟
ابتسم آدم وقام أسامة بتشغيل السيارة ، عاد أسامة إلى الخلف ثم ألتف بها وعادا من نفس الطريق ببطء .. بطء شديد ..
كانت الصخور تعيق حركتهما أكثر وتبادلا الأحاديث عن المدرسة حتى بدأ الظلام بالهبوط على المكان وهتف أسامة بفرحة :
- حمدا لله ، لقد خرجنا أخيرا من نطاق الغابة .. نحن الآن على الطريق السريع...
ثم أردف بأسلوبه الاستعراضي المعتاد:
- مرحبا بكم على الطريق السريع، لقد تجاوز البطء الذي تسيرون به المقدار المسموح، ألا وهو مقدار السلحفاة ، نرجو منكم زيادة السرعة لتجنب حوادث الاصطدام بالأرانب، وشكرا!
ضحك آدم وقال:
- أراهن بأنك ستصبح ممثلا يوما ما!
قال أسامة ضاحكا:
- ذكرني بذلك حتى أدفع رهانك!

*********

طلع النهار وتوقفت العربة العرجاء كما أطلق عليها أسامة أمام أول وكالة تصليح سيارات تقابلهم على أول خط المدينة .. كان العامل مذهولا وهو يحدق بكم الأضرار الهيكلية التي لحقت بالسيارة وترجل آدم بصعوبة وجلس على إحدى الكراسي فقال أسامة مازحا:
- ألا نجد من يصلح الأضرار الخارجية التي لحقت بهذا الشاب؟ و .. عطل داخلي عند عجلته السفلية ..

ابتسم آدم وقال:
- أرجوك! هناك من يأخذ المزاح على محمل الجد!
- ماذا سيفعل؟؟
- سيعتبرك مجنونا ..
هتف أسامة وهو يراقب سيارته:
- إنني كذلك يا صديقي!
- لا تتحاذق علي يا أسامة!

ظل الصديقان الصغيران يراقبان السيارة وهي تعود كما كانت، أخذ الإصلاح وقتا كثيرا ومالا أكثر، ولم يتبق سوى خدوش الطلاء، بالطبع استغنى أسامة عن ذلك لأنها ستحتاج وقتا ..

توجه أسامة من فوره إلى المستشفى رغم اعتراض آدم الشديد وإصراره، ولكن أسامة كان أكثر عنادا وإصرارا منه ..
وسار آدم يعرج وأسامة يسنده حتى دخلا من باب الطوارئ ، وعند فحص الأشعة وجد الطبيب أن آدم مصاب بكسر في ساقه اليسرى فقال أسامة بلؤم:
- مرحبا يا صاح!
ثم تابع وهو يقلد آدم بتصغير الصوت ساخرا:
- إنني بخير، إنه ليس كسرا سوف أسير على قدمي غدا ونحن ذاهبان للمدرسة ..

وطوال الطريق إلى منزل آدم ظل أسامة يضحك ويسخر عليه وهو مجبس ووجه مليء باللاصقات الطبية وكان آدم يصطنع الضجر من نكات أسامة التي لا تتوقف ..
وصل آدم أخيرا إلى منزلهم وساعده أسامة على الصعود ثم طرق أسامة الباب بطريقته الخاصة، التي تصيب آدم بالخجل دائما ..
فتحت شروق الباب وشهقت وهي تنظر إلى آدم المتسخ والذي امتلأ باللاصقات الطبية وسروال من الجينز الممزق ورجله المجبسة تظهر من تحته مشرقة ..صاحت شروق :
- أمي ى ى ى ى ى ى ى ى ى ى ى
فأمسك آدم بفمها وقال:
- لا داعي للإعلانات أرجوك!
قال أسامة وهو يترك آدم:
- أعتقد أنك الآن بخير .. سأتركك .. على الأقل والدتك إلى جانبك!
ضحك آدم وهو يقول:
- ألا تخرس قليلا ..
- مستحيل!
- تعجبني ثقتك!


التكملة غدا بإذن الله


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 10
قديم(ـة) 24-07-2015, 08:07 PM
صورة Amnah الرمزية
Amnah Amnah غير متصل
♥ رَبّنآ لآ تُزِغْ قُلُوبَنَآ بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَآ ♥
 
الافتراضي رد: السياج الأخضر، للكاتب/ 0irumi


مضت عدة شهور على ذلك ..
كان على آدم وأسامة أن ينشغلا في اختبارات نهاية العام، لذلك فقد بدأ آدم بتناسي الأمر حتى لا يؤثر على علاماته ..
مرت فترة الاختبارات بصعوبة شديدة وببطء كالعادة ولكنها انتهت بأي حال ..
ركضت شروق بفرحة وهي تحمل شهادتها وتريها لآدم، نظر لآدم إلى علاماتها الممتازة وقال:
- أنت رائعة يا شروق .. مبارك!

استدارت شروق حول نفسها بسعادة وهي تلحن ثم بدأت تغني:
- سأدخل إلى المتوسطة، بعدها الثاااااااااانوية .. بعدها الجـ ...
قبل أن تكمل شروق دخل ياسر وضحك متابعا بألحان شروق:
- سوف أدخل إلى الصف الثاني .....
ضحك آدم وصفق لهذا العرض الرائع فتساءلت شروق:
- متى ستظهر نتيجتك يا آدم؟
نظر آدم قليلا للسقف وتنهد قائلا:
- لا أريدها أن تظهر .. لن تكون جيدة جدا ..
- هيا آدم! متى؟؟
- بعد أسبوعين من الآن ..
همس ياسر:
- سمعت أبي يقول لأمي .. أنه يريد عمل حفلة تخرج لك ..
ضحك آدم وقالت شروق بغيظ:
- أيها النمّـام! تفسد كل شيء دائما ..
رد ياسر وهو يقذفها بعبوة البسكويت الورقية التي كان يحملها:
- أنت النمامة!
في تلك اللحظة ضغط أحدهم جرس الباب فقال ياسر:
- أنا سأفتح ..
ركض ياسر مسرعا وبدأت شروق بتناول بسكويته ، وسمع آدم صوت ياسر يصيح:
- آدم .. إنه أسامة!
ذهب آدم مسرعا وقابل أسامة فقال أسامة وهو يصافحه:
- لدي أخبار سيئة .. تعال!
جذب أسامة آدم من يده فقال آدم بسرعة:
- ياسر، أغلق الباب ولا تفتح للغرباء وأخبر أمي وأبي بأنني لن أتأخر إذا جاؤوا قبلي فهمت ؟
لم ينتظره أسامة حتى يسمع رد أخيه الأصغر وخلال دقائق كانا يمشيان إلى جوار بعضهما في الشارع وقال أسامة بجدية:
- آدم .. لقد عرف أبي النتيجة قبل ظهورها في المدارس ..
- نتيجتك؟
- بل نتيجتك أنت ..
نظر آدم باندهاش وقال:
- ماذا؟ لقد قلت أخبارا سيئة .. هل تمزح؟
- لقد رسبت يا آدم ..
ضحك آدم باستخفاف وقال:
- هيا .. لا تفعل ذلك أعلم أن علاماتي ستكون جيدة!
قال أسامة وهو مصرّ على موقفه:
- صدقني!
توقف آدم مشدوها وتمتم :
- بالتأكيد هناك خطأ ما، لقد حصلت على علامات كاملة في النصف الأول .. أيعقل هذا؟
قال أسامة وهو يلوح بيده المنبسطة أمام وجه آدم:
- هيييه! هل تحدث نفسك؟
انتبه آدم ونظر لأسامة الذي بدأ في ضحكة خبيثة ثم قال:
- كنت أمزح معك!
تغيرت ملامح آدم إلى الضجر وبدأ بضرب أسامة فركض أسامة وهو يضحك بشدة وتبعه آدم وهو يزمجر:
- سأقتلك أيها الشرير الكاذب !! لن أصدقك أبدا ..

*******

حفلة تخرج آدم وأسامة وأصدقائهم كانت أكثر من رائعة تجلى فيها حبهم لبعضهم، وظهرت فيها فرحتهم، كان آدم سعيدا برفقة أصدقائه وأسامة خصيصا، لقد تخرج الجميع بتفوق، وهاهي الحفلة التي أقامها الجميع في حديقة منزل أسامة!

وفي نهاية الحفل المسائي، أشعل آدم المفرقعات فأضاءت السماء بألوان مبهجة وتعالت الصيحات والهتافات والتصفيق .. قام البعض بإطلاق صفارات عالية من أفواههم وضحك آدم وقام أسامة بضرب ظهره بقبضة يديه وقال في أذن آدم حتى يسمعه من الضجيج المحيط:
- أحبك يا صديقي! مع أنك معتوه!

ضحك آدم وابتسم بامتنان وهو ينظر إلى أسامة ثم أشار إليه وقال:
- أنت أيضا يا صاح! الطيور على أشكالها تقع!

التف باقي الأصدقاء حول آدم وأسامة في الحديقة ليقطعوا معا كعكة النجاح المزينة بالشموع الملونة على عدد الناجحين في الحفل وشوكولا على شكل قبعات تخرج ..
بعد انتهاء الحفل كانت شروق قد تناولت جرعة زائدة من الشوكولا مما أصابها بالإعياء وحملها آدم إلى داخل المنزل وهو يضحك ويسخر منها ..
بعد مضي أسبوع من الإجازة، كان آدم قد بدأ يشعر بالملل ..

مضى يومين آخرين يعتبران أجازة من كل شيء وقال آدم يخاطب والده وهو يتثاءب :
- لا أحب الإجازات الطويلة، لأنني أتثاءب طوال الوقت وأنام كثيرا!
أجاب أيمن وهو يرشف رشفة من قهوته :
- ما رأيك في رحلة ؟

قال آدم وهو يقوم واقفا:
- وإلى حين الرحلة ، سأبدأ بترتيب غرفتي ، فربما يشعرني ذلك ببعض التحسن ..

دخل آدم ليغير من روتين يومه الممل، وقف ونظر إلى غرفته الغير مرتبة وقال:
- ستبدأ المهمة المستحيلة ...
في البداية حمل كل كتبه وأدواته القديمة ووضعها في أدراج مكتبة والده الكبيرة، كأنه أضاف نقطة إلى بحر في لم تؤثر على كم الكتب الموجود في المكتبة ..

قال وهو يضحك:
- تخلصت منك!
دخلت شروق وقالت:
- هل أساعدك يا آدم ..
كان آدم يخرج أغراض الغطس من أسفل سريره وبدا صوته مكتوما وهو يقول:
- شكرا! يمكنني تدبر الأمر ...
ابتسمت شروق وفتحت أدراج آدم بتطفل وقالت:
- إذن سأهتم بالمكتب ...
ثم أخفضت صوتها وهي تكمل كلامها:
- فأنا في شوق لمعرفة كل مقتنياتك ... و كشف أسرارك!
أخرج آدم رأسه من أسفل السرير بعد أن اصطدمت بقوة بطرفه الخشبي وقال وهو يضغط عليها متألما :
- شروق ... ابتعدي عن مكتبي أرجوك!
- أريد أن أرتب شيئا! كما أنه ليس مكتب الوزير!!
قال آدم وهو يناولها معدات الغطس:
- ساعديني على توصيل هذه إلى المخزن، هيا ..
هزت شروق رأسها نفيا وقالت:
- سأرتب مكتبك ..
قال آدم بتثاقل:
- أعرف ما سيحصل ، ستجدين ألبوم صوري الكبير وتشاهدينه للمرة الألف!
- تبا لك يا آدم ... لن أساعدك!
خرجت شروق من الغرفة غاضبة فنادى آدم:
- هيييه شروق! حسنا لا تحزني، اهتمي بالمكتب ..
عادت شروق مبتسمة فقال آدم وهو يحمل معدات الغطس ويخرج:
- وأرجوك، أتوسل إليك! أنجزي عملك!

هزت شروق رأسها موافقة وتحركت خصلات شعرها الناعمة فابتسم آدم وخرج .. أخرجت شروق جميع الأدراج وسكبتها على السرير ..
نظفت المكتب جيدا ومسحته بقماشه مبللة، ثم نظفت جهاز الحاسوب الخاص بآدم وهي تلعن إهماله ... عاد آدم ونظر إلى أغراضه المسكوبة على السرير بألم وهو حزين على ما آلت إليه ثم تنهد وفتح دولابه وبدأ بترتيب ملابسه المبعثرة ..
بدأت شروق بإعادة الأدراج وتمتمت بسعادة:
- بدأ العمل الأجمل، ترتيب أغراض آآآدم!
ضحك آدم وقال وهو يعلق ملابسه الرسمية برتيب :
- كأنها ستزين كعكة العيد!
فتحت الأدراج الستة وبدأت بتصنيفها فقال آدم :
- ضعي أوراقي وكتبي الخاصة في الدرج الأول ..
أجابت شروق ببرود:
- لاحظ أنني من يرتب هذا!
زفر آدم بضيق وتمتم:
- لم تجد سوى المكتب!
- احمد الله أنك وجدت من يرتب لك هذا الـ ...
التفت آدم ينظر إلى شروق الغاضبة وهي تبحث عن كلمة مناسبة .. وقالت فجأة:
- هذا السوق الذي كأنما أصابته قنبلة فبعثرت خضرواته!
تمتم آدم وهو يفكر:
- سوق؟؟ قنبلة؟؟
لم تعلق شروق وبدأت بوضع الأغراض داخل الدرج فقال آدم:
- يبدو سوق خضروات كبير ..
لم تعلق شروق مجددا ولكنها بدت مستفزة جدا من آدم ثم أمسكت ببطاقة وهي تقرأ:
- ما هذا؟؟؟ لماذا تحتاج إلى بطاقة لطبيبة نساء وتوليد؟؟؟ أنت رجل!!!

تفاجأ آدم ولكنه سرعان ما تذكر ذلك واقترب من المكتب وتطلع إلى البطاقة :
" الطبيبة : نهى رباح
عيادة النساء والولادة
رقم الهاتف ............... "

عادت إلى ذهن آدم ذكريات مضى عليها عام تقريبا .. وبما أنه سيتم ثمانية عشرة عاما بعد شهرين .. فقد مضى عام تقريبا.....
وتذكر شيئا واحدا فقط وهو ينظر إلى يده اليسرى ... بالأخص إلى خاتم زواج والده الذي لم ينزعه يوما ..
تذكر فقط ..... السياج الأخضر ...


 السياج الأخضر

رفع آدم سماعة الهاتف بتردد وقام بطلب الرقم ...
انتظر ثوان حتى سمع صوت فتاة:
- مرحبا؟
- مرحبا، أهذه عيادة الطبيبة نهى؟
- أجل وبم أساعدك؟
- كنت أود التحدث إليها ..
- أنا آسفة جدا، ولكنها الآن في المستشفى الرئيسي ... إنها تداوم في العيادة من السادسة صباحا وحتى الواحدة ظهرا .. يمكنك موافاتها غدا وسأسجل لك موعدا ..
- شكرا سيدتي ..
- حسنا .. الاسم لو سمحت؟
- آدم يوسف ..
- آدم؟
- أجل..
- هل قلت آدم يا سيدي؟
- أ ... أجل أجـل ..
- آسفة ظننت أنني سمعت خطأ ..
- لا بأس ..
- حسنا لديك موعد غدا في الثامنة صباحا ..
- شكرا جزيلا ..
- إلى اللقاء ..
- إلى اللقاء ..

أعاد آدم سماعة الهاتف إلى مكانها ،، إنه حتما يتوق إلى رؤية والدته، وهذه الطبيبة أخبرته من قبل أنها ربما تملك لأمه صورة ..
استيقظ في اليوم التالي مبكرا على غير العادة ورتب سريره، لأنه قرر أخيرا المحافظة على نظافة غرفته من الإهمال ..
كانت الساعة تشير إلى السادسة والنصف، تجهز آدم سريعا وطرق باب غرفة والديه .. فتحت والدته الباب وكان ظاهرا على وجهها أنها لم تستيقظ بعد وغمغمت:
- ياسر؟ هل أحضر لك الإفطار ؟؟
ابتسم آدم وقال:
- أمي، سأخرج في مهمة سريعة، لا تقلقي علي .. أنا آدم ولست ياسر!!

هزت الأم رأسها موافقة ثم دخلت إلى الغرفة وعادت إلى سريرها وسحبت البطانية عليها، كان والده نائما ولم يشعر بذلك، فأغلق آدم الباب الذي نسيته أمه مفتوحا وقال ضاحكا يحدث نفسه:
- أشك أنها علمت أصلا مع من تتكلم، السهر ليس عادة حسنة!

خرج آدم بسرعة، كان سيتصل بأسامة ليذهب معه إذا كان هنا، ولكنه كان مسافرا منذ بداية إجازة نهاية العام، ولذلك فقد بدا آدم وحيدا ..
وصل آدم إلى العيادة في الثامنة إلا خمس دقائق، كان إيجاد العنوان سهلا جدا، ودخل إلى العيادة وكانت هناك ثلاث سيدات وقالت مساعدة الطبيبة:
- هل أنت آدم يوسف؟
حدقت السيدات بآدم مستغربات وأجاب آدم وقد توردت وجنتاه خجلا:
- أ .. أجل!
أعطته رقما وقالت:
- انتظر دورك!

جلس آدم على آخر كرسي في مقاعد الانتظار وكانت السيدات يتهامسن وينظرن إليه ... كاد أن ينفجر خجلا ولكنه حاول تناسي الأمر ..
بعد فترة خرجت الممرضة وقالت وهي تقرأ باستغراب:
- .. آ .. آدم .. يوسف؟
دخل آدم إلى الطبيبة، كانت مبتسمة وقالت وهي تصافحه:
- هل أستغرب أنك مازلت تتذكرني، أم أشكر الظروف التي جعلتني أراك مجددا؟
ابتسم آدم وقال خجلا:
- إنه شرف لي يا سيدتي أن أقابلك مجددا ..
أشارت الطبيبة بحركة من يدها إلى أحد المقعدين أمام مكتبها وقالت:
- تفضل ..
جلس آدم فجلست على المقعد المواجه له ، وبدأت بالموضوع قائلة:
- أعلم لما جئت، أنت تريد صورة والدتك أليس كذلك؟ وتريد أن تعلم عنها أي شيء ..
- بلى ..
ابتسمت الطبيبة وقالت:
- لدي أجازة يوم الجمعة دائما .. سأنتظرك في منزلي .. لأن العيادة مزدحمة ولن استطع أبدا أن أحكي لك عن والدتك ... ما رأيك؟
- موافق..
- سأراك الجمعة القادمة إذا؟
- إن شاء الله ..
- حسنا خذ رقم هاتفي المحمول، وسأصف لك العنوان ..

أخذ آدم الرقم من الطبيبة نهى ومن ثم عاد إلى المنزل، كانت الساعة تقترب من التاسعة والنصف وكان والديه يدوران في المنزل قلقا وقال السيد أيمن وهو ينظر إلى ساعته:
- لقد تأخرت عن عملي ...
قالت السيدة نوال بقلق:
- أين هو يا ألهي!! لم يخبرنا حتى إلى أين سيخرج مبكرا هكذا!!!!
أتمت السيدة نوال جملتها وسمعا صوت الباب، كان آدم عائدا وهو يهز مفاتيحه فتحدث صوتا،، نظر فرأى القلق على وجه والديه وقال السيد أيمن غاضبا:
- كان على الأقل يمكنك أن تترك لنا رسالة هنا ..
قال آدم وهو يلقي بمفاتيحه على الطاولة:
- صدقني يا أبي لقد أيقظت أمي وأخبرتها، إنها لا تتذكر شيئا ، كانت نائمة ..
قال أيمن وهو يخرج :
- لقد تأخرت إلى اللقاء ..
أجاب آدم ووالدته في نفس الوقت:
- إلى اللقاء ..
بعد أن خرج السيد أيمن تساءلت السيدة نوال بحدة:
- أين كنت يا آدم؟؟
صمت آدم قليلا وقال:
- كنت مع أسامة ...
- في هذا الوقت؟؟
- كان مريضا ..
تنهدت الأم ودخلت إلى المطبخ وهي تقول:
- أيقظ أخوتك لأنني شرعت في إعداد طعام الإفطار ..

كان آدم يحب إيقاظ إخوته، وخاصة ياسر عندما يمرر آدم قطعة ورق صغيره فوق أنفه فيظل ياسر يبعدها ظنا منه أنها ذبابة .. ويشتم ويزمجر منها وهو مازال نائما ..

استيقظ الجميع وتناولوا طعام الإفطار ..
كان آدم حائرا .. ولكنه كان سعيدا لأنه سيعرف أي شيء عن والدته، سيرى صورتها أخيرا ..
ربما يتوصل إلى شخص ما يعرف والده أيضا .. كم سيكون هذا رائعا!
اليوم هو يوم الثلاثاء ..

يتحرق آدم شوقا إلى يوم الجمعة ..
وأخيرا صباح الجمعة استيقظ آدم مبكرا، تناول إفطاره مع والديه وتوجه والده إلى المكتبة ليحضر كتابا فقال آدم مخاطبا والدته:
- أمي ... سأذهب اليوم إلى أسامة .. حسنا؟
نظرت له والدته وهي تشعر بشعور غريب وقالت:
- حسنا ..
خرج آدم إلى الشارع واتصل بالطبيبة من هاتف عمومي .. أجابت:
- نعم؟
- مرحبا .. أنا آدم يوسف!
- آه .. مرحبا يا آدم .. يسرني أنك مازلت تتذكر ميعادنا، خشيت أن أراك الجمعة من العام المقبل ..
ضحك آدم وقال:
- إنني هنا يا سيدتي لا تخافي!
- حسنا خذ عنوان المنزل ..
وصل آدم إلى المنزل في تمام العاشرة والربع صباحا، بعد قليل من البحث ..
فتح له رجل فقال آدم بتلكؤ:
- هل هذا هـ .. هو منزل الطبيبة ...... نهى؟
- أجل؟
- أ .. لقد ..
ابتسم الرجل وسأل:
- هل أنت آدم؟
- أجل!
صافحة الرجل وقال:
- تفضل يا بني .. تبدو أكبر من سنك ..

جلس السيد رامي زوج السيدة نهى والسيدة نهى أيضا وآدم .. قالت السيدة نهى:
- لقد كنت صديقة أمك الوحيدة، هي أيضا كانت صديقتي الوحيدة والمفضلة، تعارفنا عندما كنا ندرس في جامعة الطب .. وعينا فيما بعد في نفس المستشفى فزدنا قربا وصلة .. كان خالك آدم، مصدر حزن كبير لها وكانت تسعى دائما إلى إيجاد علاج يريحه، عندما تزوجت والدك، تزوجت أيضا في العام نفسه، وقد أنجبتك عندما كنت حاملا في ابنتي " ندى" وعندما أطلقت منى عليك اسم آدم، كنت الطفل الوحيد بهذا الاسم .. لم يشأ والدك أن يعارضها بشأن اسمك، كان يحبها كثيرا .. وكان يريد أن يفعل أي شيء حتى يرفع من معنويات خالك آدم المريض ..

كان آدم يستمع باهتمام وقال السيد رامي :
- سأستأذن منكم الآن لأن لدي موعدا مهما ..
وقف السيد رامي وصافح آدم ثم توجه إلى خارج غرفة الجلوس .. ابتسمت السيدة نهى وقالت:
- ومع كل هذا فأنا لا أمتلك صورة شخصية لها ..
تفاجأ آدم وأصابه نوع من الإحباط وخيبة الأمل ولكن السيدة نهى أردفت مبتسمة :
- ولكن يمكننا أن نحصل على صور كثيرة لوالديك ..
- أين؟
تساءل آدم بلهفة ، فأجابت السيدة نهى:
- في منزلكم ...
- منزلنا؟
- أجل لقد مررت به عدة مرات، إنه مغلق، لأنه "ملعون" كما يقولون .. ، وأن تلك القرية ملعونة كما يزعمون .. وبالطبع فأنت الشخص الوحيد الذي يحق له دخول المنزل ..
وقف آدم وقال:
- حسنا ... سنذهب ..


 السياج الأخضر


الرد باقتباس
موقع غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات


youtube

SEO by vBSEO 3.6.1