غرام
اكتب بريدك ثم اضغط على اشتراك ليصلك جديد غرام
بحث مخصص من محرك البحث العالمي قوقل للبحث في غرام
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 21
قديم(ـة) 20-08-2015, 05:05 AM
simpleness! simpleness! غير متصل
©؛°¨غرامي فعال ¨°؛©
 
الافتراضي رد: ذات مُقيّدة حوّل عُنُقُ امْرَأة / بقلمي



السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

صباحكم/مساءكم حوائج مقضيّة يـارب

حابة اتكلم عن شيئين بالنسبة للرواية..

أولاً:

حالياً بما اني في إجازة فتقريباً كل جم يوم أنزل جزء،
بالتحديد مافي عدد معين من الأيام يفصل بين تنزيل الأجزاء،
و ما أفضل اقرر يوم خاص للتنزيل لأن الدوام للحين ما بدأ..
فالأفضل انتظر بدء الدوام و اشوف شلون جدولي يترتب عشان اقدر اوازن بين الدراسة و الرواية..
ما احب اوعدكم بشي اللحين واحدد يوم وبعدين اخلف..
تقريبا بعد شهر اذا بديت دوام ان شاء الله نتفق على هالموضوع ..

ثانياً:

بالنسبة للجزئية الا افتتح بها كل جزء و الا هي " فقد ذات " ..،
حبيت أوضح أن المشاهد لفترات زمنية غير متسلسلة،
يعني ممكن اذكر حدث و في الجزء اللي بعده اذكر حدث صار قبله..
فالأحداث الخاصة بهالجزئية مو مرتبة..
المشترك بينهم انها أحداث من الماضي..،ان شاء الله فهمتوا مقصدي =)

،

بعد شوي بينزل الجـزء الخامس..

قراءة ممتعة


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 22
قديم(ـة) 20-08-2015, 05:26 AM
simpleness! simpleness! غير متصل
©؛°¨غرامي فعال ¨°؛©
 
الافتراضي رد: ذات مُقيّدة حوّل عُنُقُ امْرَأة / بقلمي



بسم الله الرحمن الرحيم

توكلتُ على الله



،


فَقدُ ذّات

رجليّه تحفزتا للجري..لم يأبه بالجروح التي اتخذت من باطن قدميه مخدعاً لها،كان يركض بأقصى سرعته،و لفحات الهواء الباردة جمّدت أطرافه...،وهو الذي لم يَسَعهُ وقت ليرتدي شيء يبعث في جسده دفئاً يُعينه على هَرَبه..

كان يستديرللخلف بين الفينة و الأخرى..عينيه لا ترى الوجوه لكن أُذنه النافرة بحذر لصوت خطوات العدوّ كانت تلتقط صدى أصوات أمواجها تَبث رُعباً بغيض في روحه..،

هـو لا يخاف..لا يُريد أن يخاف..،وسام الشجاعة الذي قلّدهُ إياه والده عندما كان عُمره لا يتعدى العاشرة بات يتخلخل على صدره مُنذِراً بالسقوط..،وهو الذي لوهلة حَسِبَ أنهُ ضُرغاماً لا يهاب الرياح العاتية..،!

تباطأت خطواته و جسده الهزيل مال بإعياء..كان يرتجف برداً و هَلَعاً غافل أعصابه و استولى على مركز الخوف في مخه..توقف ويده ارتفعت لجدار أحد المحلات المُغلقة في هذا الوقت من الليل..استند بكتفه ولهاث أنفاسه ينفخ بإزعاج في قِربة الليل الساكن..ازدرد ريقه مرات مُتتالية و كفه ارتفعت إلى عُنُقه يتحسس جفاف حلقه المُتَقَرّح من حشرجة بُكاء خائنة تعاضدت مع غَصة قلبه و أيقظا آلامَ روحٍ تمنى لو أنها ترتفع مُغادرة جَسده قبل أن تُسجَن بين ارتعاشاته المُغتَرِبة..،

اتكأ بيديه على رُكبتيه المهتزتان بضعف بعد جري أنهك عضلاته،يشعر بغثيان يحوم في صدره..حاول أن يستخرج مافي بطنه لكنه لم ينجح...،و كأن جَوفِه يرفض الإفصاح عن تعبه مُفضلاً أن يُخنِق تأوهاته في صدره ليُركام الوجع في خَندقه المُنشَأ حديثاً ..!

اعتدل في وقوفه وعينيه تتحرك بضياع..،عقله يُحاول أن يعثر على طريق قد يؤدي به إلى شقته القابعة وسط مدينة بَرلين..لكن عُروقه النابضة في رأسه تشوش على عقله و تقطع سيل أفكاره المُتدفقة..أغمض عينيه بقوة وبكفه ضغط على رأسه..،دوامة سوداء تُهدهِدُه بقوّة،ترمي بعقله وسط صحراء قاحلة،يُحاول أن يَتَشَرَّب من ماء تُربتها خلاصاً يُنقذه من ضياعه لكنه يصطدم بجفاف ينتثر على جراحه..،و كأنهُ كُلّما قصد أرضاً يَتَسَوَّل منها الخلاص يصدمه الواقع بضياع أكثر مرارة وقسوّة..،!

مسح على وجهه بكفيّه،شهيـق أتبعه زفير حــار..حرارة روحه أشعلت هواء بَرلين الصعيقي..،استدار ليخطو خطوة جديدة لم يعلم أنها سَتجُر معها آلاف الخطوات..!

أُحجِبَ عن عينيه ضوء القمر،و أُغلِقَ فمه عن أي حرف..حاول أن يفلت من قبضتهم لكن جسده الضعيف لم يكن ليقوى على مجابهة ضخامة اجسادهم..كبَّلوه وجرّوه كفريسة حرَّموا عليها الصُراخ و الإستنجاد بمن كان شاهداً على ما حدث..جرّوه على الأرض الخشنة و الشتاء الماكر يُضاعف من آلامه..
آخر ما يتذكره صوت تحرّك السيارة التي أركبوه فيها..و بعدها غاب عن الوّعي لضربة وجَّهَهَا لهُ أحدهما على رأسه..،!





الجزء الخامس

نظرت للورقة جيّداً..ركزت في الأرقام وهي تُقرِبها من عينيها التي ضاقت،أرجعت الورقة للخلف و حاجبيها يرتفعان بتعجب !
زمّت شفتيها بحيـرة وهي تضعها على مكتبها فوق أوراق أخرى اطّلعت عليهم قبل دقائق،رفعت عينيها للجالسة أمامها وبنبرة تعجب يشوبها ضيق بدأ يكتنز في قلبها..

تساءلت،:متأكدة هذي أوراق سُميّة ؟!

تنهيدة خرجت من صدر التي أمامها،كاشفة عن ضيقها الأكبر،و الذي قضى أكثر من شهر في بناء مسكنه داخلها،بحسرة أجابت،:اي هذي اوراقها..اسمها مكتوب بخط يدها ورقمها الأكاديمي..انا مثلش انصدمت أول ماشفتهم وقلت يمكن صار غلط بس الاسم و الرقم يأكدون ان أوراقها
زَفرَت ملاك ويدها ترتفع لجبينها و الأخرى ترفع إحدى الأوراق،و بضحكة خفيفة كانت ردة فعل عكسية للذي رأته،:مو معقولة..اربعة من عشرة و سبعة من خمستعش و المنتصف احدعش من عشرين ! "ارجعت الورقة وهي ترفع يديها بعدم تصديق تَجَلَّى في ملامحها" ماني مصدقة..ليش ما قلتين لي من قبل ؟
قَطبت جبينها،:يوم شفت درجة اختبار الشهر توقعت ان مو دارسة عدل أو ما كانت فاهمة قلت عادي يعني الطالب تصيده اوقات يلخبط،بس يوم شفت الدرجات الثانية وخصوصا امتحان منتصف الفصل قلت ضروري اخليش تتطلعين عليهم..ما عرفت اكلم البنت
اقتربت من مكتبها أكثر و أصابعها حَطّت على الأوراق تتلمسهم وبهمس،:درجتين عن الرسوب في المنتصف..يالله !
نظرت لها ملاك و بتساؤل متوجس،:شنو كانت ردة فعلها يوم شافت الدرجة ؟
رفعت كتفيها بشفتين مزموتين،حرّكت رأسها بالنفي وبهمس نطقت،:عكس ما توقعت،ما اهتمت وكانت ردة فعلها البرود !

اتكأت ملاك بكوعيها على سطح المكتب،شبكت أصابع يديها التي استقرت أسفل ذقنها..حاستها السادسة التي اكتسبتها من خبرة أربع سنوات ونصف تَهمس لها أن فقرة من هذه القصة الغريبة محذوفة..بالأحرى مَخفيّة !

هذا الإنحدار المُخيف في علامات سُميّة من أعلى قِمَّتَه يستطيع عقلها أن يلمح بقايا أحداث شطبتها سُمية و خبَأتها داخلها حتى تجمدت ثُمَّ تَلبستها بروداً أسفله تجري دموع صدى نحيبها يتردد في أُذنها !

رَمشت بخفة وهي تُنزِل ذراعيها و أصابعها لم تنفصل،لا زالت تُحيك خيوط أفكارها التي ولّدها عقلها المُتيقظ..رفعت عينيها للتي أمامها و بإبتسامة خفيفة
،:شُكراً استاذة منار..انا باتصرف
هزّت رأسها وهي تقف،:اتمنى تتعدل امورها،سُمية من الطالبات المتفوقات حرام توصل لهالمرحلة
بنبرة مُطَمئنة،:لا تحاتين ان شاء الله ترجع الأمور طبيعية
،:ان شاء الله،عن اذنش

أومأت لها برأسها و عينيها تنظر للباب الذي خَرجت منه..أخرجت النفس بهدوء و الحيـرة بذراتها الثقيلة تواطَأت لتُحيط بمعصميّها كقيّد يُكبلانها..سُميّة الرابعة على المَدرسة و أكثر الطالبات مِثالية، هذا السقوط الكبيـر و المُفاجئ لدرجاتها أصابها بصدمة وهي التي ظلّت لسنتان ونصف تنظر لها بعينيّ الثقة و الإفتخار..على الرغم من كُلّ ظروفها فهي حافظت على تفوّقها ومثاليتها..طالبة اعتادت أن تراها تُكرّم من قِبل كُلّ مُعلمة

لا تستطيع الجلوس هكذا،حَماسها ودوافعها العاطفية قبل العملية تُجبرها على التصرف بُسرعة،فهن يقتربن من نهاية الفصل الدراسي الثاني،و إن استمرَّ سيل هذه الدرجات من القِرْبة التي ظلّت تَملَؤها لسنوات سينتهي بها الأمر ميّتة كَسَمكة مُنقَطِعَة الأنفاس..لا بُدَّ للثقب أن يُسَد !

وقفت و عينيها تعكس تصميماً و ثقة كبيرة..مشت بخطوات متوسطة خارجة من مكتبها قاصدة صف سُميّة البعيد نسبياً..ستعثر على الفقرة الناقصة،بأي طريقة ستَعثُر عليها..لن تسمح لنفسها أن ترى تَحطُم أحلام إحدى طالباتها،و لن تُسامح هذه النفس إن لم تبذل مابوسعها لترميم هذا الحُلم..هي هُنا في هذه المدرسة الأقرب للطالبات و الأكثر اطّلاعاً على أحلامهن و أهدافهن البريئة..كانت الشاهد على حروفهن التي خَطُّوها ببريق خاطف في عيونهن الطامحة لمستقبل واعد..وهي عاهدت نفسها على أن تواصل معهن حتى النقطة الأخيرة بعد أن تنتهي رحلتهن الطويلة..و ستساعد قدرَ المُستطاع،

توقفت أمام الصف المنشود..اقتربت ورفعت يمينها وطرقت طرقتان ثُمَّ فتحته قليلاً حتى استطاعت رؤية المُعلمة وبعض الطالبات..ابتسمت لها وسلّمت وبعد أن سمعت الرد على تحيتها

،:استاذة بغيت سُمية
،:اكيـد استاذة "رفعت صوتها للجالسة في إحدى الزوايا و التي استمعت للطلب" سُمية المشرفة تبيش
تراجعت ملاك للخلف وهي ترى سُمية تقف ببطئ وعينيها للأسفل..تأملتها وهي تمشي للباب..انكسار يلوح في مُقلتيها ! و كأن رمشيّها يميلان من جِراحٍ لم تتوقف انصباباً من عينيها الصغيرتين..
شكرت المعلمة و أغلقت الباب وسُمية تقف أمامها بصمت وملامح جامدة..

تنهيـدة غادرت صدرها وذراعيها ارتفعتا لتنعقدان فوقه..مشت بخطوات بطيئة وقصيرة، وسُمية تَبِعتها و الصمت ثالثُهما..
واصلا المشي حتى ابتعدتا عن الصفوف و اقتربتا من الساحة الكبيرة..توقفت واستدارت تواجه التي لم تُذيب حرارة الشمس شيء من الجمود الغريب الذي يعتريها..

بهـدوء يتخلَلُه حِدّة نطقت ملاك،:سُميّة،ابي اسمع السالفة من البداية..و بدون لف ولا دوران



انقلب على جَنبِه الأيسر،استكانت حركته لكن أنفاسه كانت الإزعاج الأكبر.. ثقيـلة،تضغط بقوّة كُلّما عبرت قصبته الهوائية فيكون شهيقه وزفيره مُضني لروحه قبل جسده المُتعب..تأفأف وهو ينقلب على الجانب الأيمن،وغطاؤه انحشر بين رجليه وتحت ذراعه اليُمنى..زاد من إغماضه لعينيه يضغط على المشاهد في عقله،يعصرها علّهُ يستخرج ماؤها المُلَقح ببذرات الحقيقة التي اعتلَّ عقله من فرط التفكير فيها..

أبعد الغطاء عنه بضيق وهو يَرفع جسده الذي رَفَض ساعات الراحة القليلة بعد وقوف طويل على أجسادٍ مُخَدَّرة جاءت تستعين به بعد الله ليُداويها..وهو الذي أضاع دواؤه بكلمة أُجبِرَ على نطقها بعد أن انكسر صميم القلب خُذلاناً..

زَفرَ وكفيّه يرتفعان إلى وجهه،مَسح عليه وارتفعت أصابعه حتى تخللت خصلات شعره الخفيفة،واصلت طريقها حتى استقرت خَلفَ عُنُقِه..شَبك أصابعه وأسند ظهره للسرير وببطئ تحرّكت عينيه على الغُرفة...غُرفته التي هَجَرها لأكثر من سنتيّن و كرد دين أصبح هو من المهجورين أيضاً ! تجمعت ذرات الغُبار على جسده الذي أصابته حكة شديدة بات على إثرها ينزف جلّده المُشتاق للإنصهار بحرارة جسد أنثوي حَفِظ أسراره عن ظهر غيّب !

أغمض عينيه للحظة وهو يستغفر بهمس،أنزل كفيّه وعينيه تحرّكت للجزء الخالي من السرير..وسادة واحدة فقط،وسادته ولا ثاني لها،لا أعداد زوجيّة تَذُرَ الملح على الجرح،اكتفى بالوّحدة التي تَجُره في لحظة ضُعف ليَقترن بسكة الماضي الجميـل بطريقة مُبكيّة !

تناول هاتفه القريب،نظر إلى الساعة،كانت تقترب من التاسعة...،قضى أكثر من ثلاث ساعات يتقلّب كالمُصاب بجَرَب يبحث عن النوم بعيداً عن طيفٍ انتشل الراحة منه و حاصرهُ كجيشٍ وجَّهَ سِهامه و سيوفه إلى البؤرة التي يتم فيها اجتراع روحه المُتخبطة بلا دراية،الضائعة التي ضلّت الطريق بعد أن انفصلت عن روح اغترَّت بها لزمن و حَسِبتها أنها هي...، ذّاتها
لا اختلاف يُميّزهما و لا فاصل بينهما سوى الموّت !

ضغط بعض الأرقام ورفع الهاتف إلى أُذنه..انتظر لفترة حتى أتاه الردّ الذي مالت لهُ شفتيه بإبتسامة خفيفة..

،:نعم خير شصاير الا متصل لي هالحزة ؟!

خرجت منهُ تنهيدة حملت معها جزء من الأسى المُتَخِذ من روحه مُتكَأً له..

،:عبـد الله متى بتعقل ؟!

ضحك بسخرية على نفسه وهو يرفع رجل واحدة ليتسقر فوقها كوعِه،و بهمس نطق،:و هـي خلّت فيني عقل ؟!

ابتسم لصوّت ضحكته المُتقطعة،وببحة نوم سمعه يقول،:يـــا لله،مادام انت عارف ان مافيك عقل من الأساس ليش متصل مقعدني من النوم ؟
رفع حاجبه و بِتَهَكُّم،:ياخي مايصير انا اتعذب وانت نايم
بإستهزاء،:اووه تتعذب بعد يالعاشق
تجاهل إستهزائه وبتساؤل،:شخبار برلين ؟

بردت نبرته،و السُخريّة تَلَوَّنَت كَحِرباء وخرجت كلمته لاذعة لنفسه أولاً،:زيـــنة

انتبه لصوّته الذي تغيّر،زمَّ شفتيه وهو يُقَطّب جبينه و سؤال واحد يجول في خاطره..ماهو سِرّك.. !

،:بديت الشغل الا انت رايح عشانه ؟
سمع همهمته وحركة خفيفة و كأنه يقوم من استلقائه،ثُمَّ جاء صوته،:اي شوي يعني
بصدق قال وهو يَجهَل مكنون هذا العمل،:مُوَّفق
:،ويّـــاك خــوك...عبد الله بسكر اللحين سلّم على الأهل
تنهد من هُروبه،:ماعليه يوصل،مع السلامة


،


على الجانب الآخر..بعيداً آلاف الكيلومترات و آلاف الحُفر المدفون فيها ماضٍ تحامل على نفسه وجعل ظَهره مُستقراً له،مُتجاهلاً ما يُسببه له من وَجَع !

أبعد غطاء السرير عنه،أنزل قدميه على الأرض الخشبية وهو يرمي هاتفه من خَلفه بإهمال..وقف بهدوء ومشى ببطئ حتى توقف أمام المرآة..
رفع يديه إلى خِصره وعينيه تتأمل صدره العاري المُنعكسة صورته بوضوح مُقيت،تحرّكت عينيه من بداية عُنُقِه حتى أسفل سِرّته..مال رأسه يميناً و عينيه تضيقان بتركيز تتَّبع طريقاً كان فيما مضى شاهداً على رسم خريطته المُحمّلة بكنوزٍ لم تخطر على عقل رَجُل قطّ !..،استدار فجأة ورأسه يستدير لينظر إلى نهاية ظهره وسؤال عبد الله يتردد على مسامعه..
ظهرت إبسامته المُعتادة وهو يُدير رأسه ويمشي بملل لدورة المياه هامساً لنفسه..

:،زيـنة برلين،تجــنن !

استحم سريعاً،بالسرعة التي تتبدد فيها كُلّ ذكرى جميلة،لمح البصر الذي يرددونه يعيش أقصى سُرعته عندما تتعلق الأمور بالذكريات المعقودة بإكليلٍ من الضحكات و الإبتسامات حَسَنَة النوايا ..،وهو لا زال كفقيرٍ يقتات على الذكرى،صباحاً ومساءً..كساعة التنبيه التي يُوَّقِتَها قبل أن يزور النعاس عينيه الغائب عنهما النوم المُريح..و كديكٍ يصيح مع كُلّ فجرٍ يفتقد فيه شروق شمسه التي ستصحو دائماً و أبداً،ستنقذه من ظلامٍ دامس يختبئ بين ظلاله همسات تقطعها أنياب شيطانية جعلت من إبتسامة الليّث مخبأً لها لتُباغِت روحه و هي تَحلُم !

ارتجف جسده تحت الماء البـارد،غسل شعره وهو يفركه بقوّة وعينيه مُغمضتين تهربان من مشاهد أقسمت أن تزوره بين حينٍ و آخر،لتتأكد أن الفقد حاضراً و الذّات لا زالت ضائعة كطيرٍ اغترب عن سَربِه في موسم الهجرة الطويـل !

خَرج وهو يرتدي رداء استحمامه الأسوّد..شعره الغارق بالماء التصقت بعض خصلاته على جبينه و بداية عُنُقِه..خرج للمطبخ،حّضَّرَ مشروبه الصباحي ذو الرائحة العَبِقة،كوب من الحليب و الزعفران تعتلي سطحه حبات هيّل يستنشقها قبل أن يشرب ليستحضر عقله وجهاً نحتته عُروقه على صفحة قلبه قبل سنوات،و لا زال أثره باقياً على الرغم من عوامل التعرية التي عاشها هذا القلب !

عاد إلى الغرفة وفي يده كوبه،خلع رداءه بيد واحدة وبدأ بارتداء ملابسه بسرعة بحركة اعتاد عليها،رفع كفه وبأصابعه أرجع خصلاته للخلف بفوضوية وهو يمشي بخطوات واسعة إلى باب منزله ليخرج..

استنشق بعمق وصدره يستقبل نسمات الهواء الدافئة،مِعطفاً وهمي يُخفف برد عِظامه الأزلي..نزل العتبات الأربع لتستقر قدميه الحافيتين على الحشيش الطريّ،أنزل رأسه ينظر للأرض المُخضرّة و أصابعه العارية تتحرك بمُتعة على الحشيش..خطى خطواته البطيئة ،يد تحمل الكوب و الأخرى خلف ظهره...مشى بصمت و هالة سُكون تُحيطه،لا أصوات بشر يتدثرون خلف مئات من الأقنعة ولا أصوّات إزعاج السيّارات و المركبات الثقيلة...لا تلوّث بصري ولا سمعي ولا إجتماعي !

واصل مشيه و خطواته لم تتحرر من بُطئِها،إسترخاء تام و نسيم مُحمّل بعبق أزهار الصيّف المُنعشة..أصوات ماشية قريبة جعلته يُدير رأسه،أحد المزارعين يُطعم بقره وخرفانه ذات الصوف الكثيف..و آخر يُراقب إوَّزه كيف ترفع ريش مؤخرتها بغرور مُضحك لتسترخي على سطح البحيّرة الراكد ماؤها...ارتشف من كوبه وقدميه حطتا على بُقعة مُبللة،اقترب من شجرة عملاقة ظلّها يسع خمسون وجذعها العريض المُنتشرة فوقه تصدعات عريضة تمسكت جذوره المُسنة بالأرض بالقوة ذّاتها التي تتمسك بها يد الوليد بإصبع أُمّه !

رفع يده للجذع عندما أصبح تحت ظلّها..مَرَّرَ أصابعه على الشروخ و الشقوق العشوائية،يستمع لشكواها ويَدهُ تتحسس جروحها..تشكي خائناً استظل بها وأشبع جوعه بثمرها ثُم أخرج فأسه من خلف ظهره و بدأ يشكرها على طريقة الإنسان الغجري..ابتسم، فهو ويا للغرابة قد فَهِمَهَا،اختلاف تامّ بين خلقيّن من مخلوقات الله،لكن بصمت و لمسة و ضجة سُكون استطاعا أن يتفاهما..فالنار التي أحرقتها ذات يوم أحرقته أيضاً !

استدار و أسند ظهره لجذعها....عينيه تتأمل الريـف الفسيح من حوّله وداخله يُردد التسبيح لخالقٍ أبدع في خَلقه..خلق لا تشوبه أيّ شائبة...،تـلال خضراء يانعة وحشيش تتراقص فوقه قطرات ماءٍ عَذبة،بُحيّرة صافية ترى على سطح ماؤها أجمل انعكاس لصورتك،كوخه الصغير نسبياً يستقر في إحدى البُقع،الريـف يُشبهه كما يقول هاينز !

مؤسف جـداً أن يجتمع في المكان نفسه ذكرى سعيدة و أخرى حزينة..حينها يضطرب القلب لإرتباطه بأسوء قرار..النسيان !جزء منه يُرَجّح التخلي عن ما أشعل فتيل الحُزن وجزء يرفض أن يستغني عن مكان ذات يوم ترددت ضِحكته بين أرجائه..،!

،:المشهد نــاقص !

رَفَعَ الكوب و ارتشف ببرود دون أن يلتفت للذي وقف بجانبه ..،

،:ينقص المشهد أنثى بارعة الجمال رأسها على كتفك وذراعك تُحيط خصرها النحيل..يااااه سيكون منظر مثالي

نظر له و السُخريّة تملئ عينيه..حرّك رأسه باستخفاف للنبرة الحالمة التي نَطقَ بها،تفكيره في بعض الأحيان ينحرف عن الطريق..،

ببرود قال،:هاينز لا تحلم كثيراً عزيزي لكي لا يأتي يوم و تبكي لعدم تحقق هذه الأحلام

تحرك خطوة ليقف أمامه وبجديّة قال،:عزيزي الحُلم لا يطلب جُهد ولا مادة،فلنَحلُم فإن تحقق فهذا شيء جميل وإن لم يتحقق فنحن في النهاية لم نخسر شيء

رَفعَ حاجبيه وفمه يميل للأسفل بتقييم،:كلام رائـع..
ضحك،:قرأته البارحة في أحد الكُتب..أنهُ كتاب مفيد يجب أن تقرأه
أبعد ظهره عن جذع الشجرة التي احتوته لدقائق..تكاشفا هُما الإثنان..هي شكت وهو تقبّل الشكوى بصدرٍ رحب..اعتدل في وقفته و مشى مع هاينز الذي واصل حديثه..

،:توقعت انني سآتي و سأجدك لا زلت نائماً
،:جائني اتصال من البلد و أيقظني
،:هل جهزت كُل شيء
همهم دون كلام
،:ألا تُريد مُساعدة ؟ أنا جاهز لأي شيء
،:لا تقلق هاينز أنا بخير،اهتم بعملك فقط
،:لا تنسى عند السابعة مساءً
،:لا تخف فكُلّي مُتحفز
غيّر هاينز الموضوع،:كيف هي والدتك..لقد وعدتني في زيارتك السابقة أنك ستأخذني معك لتُعرفني عليها هي و والدك
بسخرية همس لنفسه،:اي لان أمي فاضية لك
،:ماذا قُلت ؟
،:اقول ان والديّ ليسا اجتماعيين..لا اعتقد انهما سيُرَحّبان بك ترحيب يليق بك
نظر لهُ بطرف عينه،:انا اعلم انك في داخلك لا تريدني أن اتعرف عليهما..لكن لا يهم سآتي الى بلدك
،:حيـّاك
بضيق،:تكلّم الألمانية،أشعر بالغباء عندما تتحدث بلغتك
ضحك بصوت عالٍ،:انت في كُل الأحوال غبي
،:هذا ليس مُضحكاً موهاميـد !

توقفا أمام كوخه،رفع رأسع وعينيه ضاقتا من قوة شعاع الشمس المُتوزع بكُل حُرية على المكان..خَرجَ صوّته بعـيداً،مُنحشراً بين دقائق الساعة السابعة..،

،:الشمس قوية اليوم..اتمنى أن تنتصر على الظلام !

أنزلَ رأسه ونظر لهاينز الذي كان يتأمله بإيتسامة تتستر على خوفٍ فضحته عينيه الواسعتين كاتساع عينيّ طفل بريئ..

زمَّ شفتيه وأصدر صوّت مُستنكر قبل أن يقول،:لا تخف هاينز،كل الأمور ستكون بخير.."و أكمل بالعربية" ان شاء الله

تقدمه وركب عتبات كوخِه وهو يقول مُحاولاً تغيير الجوّ..

،:بالمُناسبة ليس موهاميـد بل مُحَمَّد...تحتاح إلى تدريب مُكثَّف لتتقن نطق اسمي !



صوت حركة خفيـفة تداخلت مع أحلامه القابعة عند فجر الأمس المُتَلَبِس بهمسات أنثوية داعبت مسامعه و أيقظت ذلك العِرق الذي غَفَى على وَجل ينتظر تلك التي عاهدت بالبقاء قبل أن يقطع طريقها قمراً ظنَّ أن بضوءه سيُنير حياتها حتى بابعادها عنه ..!

فَتحَ عينيه و تعقيدة بين حاجبيه الكثيفين..أغمضها لثانية ثم فتحها لتعتاد على ضوء الشمس القوّي،حرّكها ببطىء نُصفه نُعاس مُتكاسل..توقفت عدستيه عليها،مُديرة ظهرها له..شعرها الداكن الذي تَلَّحَفه صدره قبل ساعات مُسترسل بتَمَوّجات جريئة على كتفيها وظهرها،أنفه لا زال يحتفظ برائحة أريجه بعد انقطاع طويـل لفصل إِزْهَارِه..،

رفع ظهره قليلاً و بذراعه اتكأ على السرير،كانت ترتدي ملابسها على عجل..نطق بتساؤل مبحوح

،:بتمشين ؟

استدرات له وصوته المُحبب لقلبها أوقف تَحَرُّكها..عَضَّت على شفتها السفلى وهي تقترب منه..همست بعد أن جلست على السرير بجانبه..

،:آســفة أزعجتك

تراجع ظهره وهو يستلقي مُجدداً و كفه استولت على أصابعها و احتضنتها بشدة مُتَرَقِقَة،ابتسمت له بنعومة ويدها الحُرَّة ارتفعت لشعره المُبعثرة خصلاته من النوم..آثار النُعاس بادية على وجهه الوسيـم..عيناه تَرمشان بكسل أثار نبضها الذي لم يُكفيه ارتواء ساعات الفجر الخاطفة للأنفاس..،فالظمأ في حضرته و غيابه أكبر أسقامها !

تساءل ثانية،:بتمشين؟

تنهيـدة باغتت شهيقها و خرجت بكآبة بالغة أضحكته..انتقلت أصابعها لخده و قرصته بخفة وهي تهمس من بين اسنانها..

،:أحمــد،لااا تضحك..ادري فيك تتطنز

رفع حاجبه بمكر،:ليش تعاندين..عيونش تقول ان تبين تبقين
مدت شفتيها بحيرة قبل أن تقول،:بس ما اقدر أبقى..اخاف ماما تنتبه

أنهت جُملتها ثَّم زَفرت الضيق الذي في قلبها،تعانقت عينيها بعينيه..وهو استشف ذلك الضيق..التف خيّط كَذِبها حوّل إبرة التأنيب و بدأت بوخز ضميرها المُتَجَليَّة معالم أَسَفه على وجهها الحائرة ملامحه..،قَرَّب يدها من شفتيه التي قصدت باطن أصابعها لتُلقي تعويذة سِحرها بقبلات سريعة ،كهمسٍ عذب ارتعشت لها أعصاب حسّها..مال رأسها وعينيها انغلق نصفها من فرط الأحاسيس التي تجمعت فوق جفنيها الراقصة رموشهما بخجل أنثوي يعلم جيّداً كيف يجعله يَتَمَرَّد على شخصيّتها الحافظ لأسرارها..، سحبها بخفة وهي في سَكرَتها لترى نفسها مُحاصَرة برائحة أنفاسه..إدمانها الذي شفت منه لفترة..،

كان خبيراً في القُبَل ..شفتيه تعرف طريقها جيّداً،تتخيّر المواقع التي يلتهب لها جلّدها الرقيق بمُجرد اقتراب جمرة قُبلته..فيلسوفاً هوَّ عندما يُقبلها،يكتب فصولاً جديدة ويستحضر
حروفاً و يعقدها كلمات حُب تُغنيها أنفاسه على لحن نبضها المُتَأرجح على شرايين قلبها الذي تَبَنَتْهُ كفيّه الدافئتين في شتاءٍ ذكراه بَقيت مُخلَّدة..،

صوّتُ رنيـن الهاتف تجسس على خلوتهما،فَصَلَ الإقتراب و أنقذهما من الذوبان في بحر المشاعر السابحان فيه دون حماية و توخٍ من خطر يلوح في الأفق البعيد..ابتعدت عنه بأنفاس لاهثة..عبرت قرون العشق و الوَله في قُبلة ثُمَّ عادت تُنعِش رئتيها المُتشبعتين بعطره القوّي..ارتفع جفنيها كاشفيّن عن عينيها المُضطربة عدستيهما البُنيتين..همست له بعد ان ازدردت ريقها لتسترجع صوتها..

،:حبيـبي لازم امشي،هذي اكيـد ندى

قبّلت ذقنه بخفة قبل أن تبتعد واقفة و أصابعها تُكمِل إغلاق أزرار قميصها المفتوح نصفه،ارتدت عباءتها و حجابها على عجل..جَمعت حاجياتها البسيطة في حقيبتها الصغيرة وهي تستمع لصوته..

،:جَنَّتــي...،كلميني اذا وصلتين البيت
وهي تقترب من الباب،:لا توصي

فتحته ثُمَّ ارتفعت يدها لشفتيها طابعة قُبلة لوّحت لهُ بها وهي تقول،:مع السلامة يا عمري..كمل نومتك

،

أغلقت باب السيارة بهدوء..سلّمت بهمس وجسدها يغوص في الكرسي الفسيح..جانب رأسها
استند بالنافذة و عينيها تلتقط آخر جزء من مبنى الشقة التي تبتعد عنها السيارة شيئاً فشيء..

زَفرت وهي تُدير رأسها لصديقتها لتجد إبتسامة واسعة على شفتيها و يبدو أنها قريباً ستتحول إلى ضحكة عالية !

،:نــدى ليش تبتسمين ؟!

فعلاً..ما ان أنهت جُملتها حتى اعتلى صوت ضحكتها حتى تطافرت الدموع من عينيها..اعتدلت هي في جلوسها ويدها تحركت لكتف صديقتها تضربه بخفة و لسانها ينطق بقهر..،

،:ندى بلا نحـاسة لا تضحكين

رفعت ندى يدها إلى فمها تُكبح ضحكتها القوية و بطرف عينها كانت تلمح القهر على وجه صديقتها..تنفست بعمق قبل أن تقول بصوت لا زالت الضحكة نبرته..

،:خسارة يا جنـان ما كنتِ تقدرين تشوفين وجهش و نظراتش..تقولين طفل مرجعينه غصب من الألعاب !

أشاحت وجهها عنها وهي تعقد ذراعيها على صدرها،:سخيــفة،كلش مايضحك

تحمحمت و هي تمسح دموعها و ببحة قالت،:زيـن خليش من هذا،شهالتطورات بعد،صارت عندكم شقة على البحر،ليش ما قلتين لي ؟!

إبتسامة خفيفة عانقت شفتيها المملوءتين بنعومة قبل أن تهمس،:ما كنت ادري،البارحة فاجئني فيها

رفعت حاجبها و بخبث قالت،:خلاص يعني صارت مُلتقى العشاق بعد سنين من التَشَرُّد ؟

نظرت لها للحظة ثَم أبعدت عينيها وهي تُحرك رأسها بسخرية،:اي تَشَرُّد ؟! شهالحجي ندى..عليش مصطلحات ما ادري من وين تجيبينها !

مالت شفتيها تصطنع الزعل،:والله من القهر ما تعرفين تنطقين ربع الا انطقه "نظرت لساعة السيارة" زين اللحين اذا رجعتين البيت شنو بتقولين لخالو ؟

تنهدت و ذراعيها فكا عُقدتهما بعد أن انعقد شيء موجع في قلبها..رفعت يدها لجبينها مُتحيرة..أغمضت عينيها للحظة قبل أن تهمس

،:اهم شي انها شافت الواتس اب و عرفت أن راسي يوجعني يعني و لا احد يقرب من غرفتي.. "ثم أكملت بقلة حيلة" و اذا رجعت بقول لها طلعت اتريق ويا ندى "ابتسمت وعينيها تحركت لها" كالعادة انتِ المُنقذة ..

بنظرة حادة قالت،:ايــي اللحين المنقذة..بعدين انا بحتاج الى منقذ اذا عرفوا بالبلوة الا انتِ مسويتها !



يتبع



الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 23
قديم(ـة) 20-08-2015, 05:31 AM
simpleness! simpleness! غير متصل
©؛°¨غرامي فعال ¨°؛©
 
الافتراضي رد: ذات مُقيّدة حوّل عُنُقُ امْرَأة / بقلمي



،

الأمس،الثانية مساءً..

كان يجلس مع زوجته في غرفة الجلوس الكبيرة ذات الأرائِك الكلاسيكية،ينتظرون قدوم ابنتيهما الوحـيدة مع زوجها للغذاء،كان غـارق في مشاهد احتوّت ذكريات كُلّما استعادتها ذاكرته أسِف قلبه عليها..،أصابع كَفه تتحرك ببعثرة على فخذه،يرسم بعشوائية على بياض ثوبه سيناريو مُعاكس للخمسة عشر عاماً التي مضت..،خطوط كِبَر السـن لوّن طيّاتها سوّادٍ توشح أسفل عينيه لغياب النوم عنهما لفترة أنهكته نفسياً..فَدْاءُ النفس يجيئ المرء بوجع يُقاس بضعفان من داء الجسد..فجرح الجسد لا بُد أن يندمل..، لكن ثغرة الروح بماذا تُرَمم ؟!

ازدرد ريقه عندما اختلط صوت البُكاء في مَسمَعه،بُكاءان تقلّد كُل واحد منهما فترة زمنية مُنفصلة..هو كان مُسببهما الأول..،اعتصر قلبه للبكاء الأول..و مات في البُكاء الثاني..،برجليه و دون دراية وطأ زَهرته..،أراد أن يُسقيها زُلال لكن أُجاجاً كان سُقياها..،أُجاجٌ سقاها حتى أدمعته عينيها المُحترقتين من ملوحة تمرّغت فوق جرحها الطريّ..

داوى فجَرَح،ثمَّ داوى و ها هو يتربص جُرحاً آخر..يراه مُلوّحاً من بين عينيّ أميرته..،يراه في حركة رمشيّها،و تستشعره كفيّه من ارتعاشة أطرافها..دفئ يديه حاصرته برودة جسدها الصغير النائم كملاكٍ تحت غيّمته المًحمَّلة بأمطار وثلوج قد لا تقواها روحها الهشة..،

،:ابو حنيــن،الجرس يدق بنتك و زوجها وصلوا

رمشت عينيه ثُمَّ رفعهما ببطئ..ظلَّ ينظر لزوجته لثوانٍ بصمّت ..،زَفر بهدوء ثم وقف ليتقدمها بخطوات ثابتة وهو يقول

،:تعالي خل نستقبلهم

رافقته زوجته الى الباب الداخلي..فتحه هوّ و وقف مُقابلاً للداخليّن..ثوانٍ وبان أمام عينيه وجه محبوبته الأولى،تقف بنعومتها بالقرب من الذي أختارهُ زوجاً لها..كان يسمع ترحيب زوجته بهما وهو غائب في تأمله لوجهها الأجمل بالنسبة له..،

يعرفها أكثر من أي شخص آخر،حتى والدتها،يستطيع أن يقرأ التردد الذي تعيشه وهي تُجاهد إبتسامة خائفة..،اهتزاز ذقنها الناعم التوى لهُ عِرق في عُنُقه يتصل مُباشرة بجَوَى القلّب..، و لمعة الدموع في عينيها حَطَّمت المنبر الذي اعتلاه في عقله ليُحادثها من فوقه بجديّة مصطنعة..،لكـنه ضعيــف،و جــداً أمام صغيرته..أنثاه الوحيدة التي تُصيّر أفكاره سراباً،و تُغدِق على روحه بنظرة من عينيها و إبتسامة من شفتيها أزهاراً بتلاتها تشبعت من عطرها الخـاص المُداعب لأنفه مُنذ يومها الأوّل..،

نطقت بحشرجة،:بــابـ ـا

كَتمَ شهقتها في صدره،مكانها الوحيد وملجأها في حزنها و تَرَحِهَا،احتضنها بحنان أب سافر النوّم من عينيه عقاباً لكلمات نطقها في لحظة غضب تناسى فيها هذه الصغيرة...صغيرته و لوّ بعد قرن،!

مَسَحَ على رأسها بكفه العريضة وهو يُشدد من احتضانه لها..،يديها الصغيرتين تضغطان على صدره،فوق قلبه..و كأنهما تُعاتِبانه على قسوّته الغريبة..،رفع رأسها لتتضح له ملامحها المغسولة بالدموع..مسح فيّض عينيها بإبهاميّه،طبع قُبلة على جبينها قبل أن يهمس..

،:آسف حبيبتي..سامحيني حنين

احتضنت كفه بكلتا يديها وهي تقول بصوتها الذي اخترق شهقاتها،:لا بابا انت الا سامحيني "قبّلت يده" ما كان قصدي ازعلك..،آسفة بابا

ابتسم لها تلك الإبتسامة المُتَجَمِلة بحنان الأبوّة..إبتسامته رَشَّحَت ذرات القلق العالقة في قلبها و سهّلت مجرى شهيقها و زفيرها بعد أن قضت ثلاث أيام تَجُرُ النفس من فوق صهوة ضميرها المُقيّد بجدائل من الذنب الخانق..،

،:راضي علييّ

تنهد وقُبلة أخرى تركتها شفتيه على جبينها كتعويض لليلة زفافها المُفتقد لقُبلة أب مُحَمَّلة بدعوات

،:راضي يابنتي راضي


,



استيقظ على أصوات سيّارات توحي بانحصارها وسط زُحام كبيـر..،فتح عينيه ببطئ و هو يشعر بوخز خفيف فيهما..، نظر لمكان استلقائه و علامات استفهام ارتسمت فوق عقله عندما استوعب عقله أنه نائم على الأرض..! رفع ذراعه اليُمنى المُتصلبة..دعك عينه برسغه لثوانٍ ثم أبعدها لتتضح له رؤيتها..
اتسعت حدقتيه وهو يقفز من مكانه بطريقة فاجئت أعصابه المُسترخية..شعرَ بألم في عضلاته لكنه لم يلتفت له..فكُل ذرة في خلاياه تنصبت حواسها للذي فوق يده..،أحمر قاني تشعب بين فراغات يديه حتى نصف ذراعه..رفع يده اليُسرى لتصطدم عينيه بالبقعة الكبيرة في باطنها..،

ارتعاشة عنيفة نالت منه..استسلم لها ونظره يتتبع قطرات الدم المُتفرقة على الأرض..تجمعت في بقعة ثّم انتشرت ببعثرة..،نزل على رُكبتيه قُرب البقعة الكبيرة..انكمشت ملامحه من الرائحة..،حرّك رأسه و الاستنكار تشنج عند صدغيه..،ازدرد ريقه بصعوبة و للحظة شعر بأنه يزدرد الدماء معه..،همس برجاء

،:لا ياربي..لا لا يا ربــي

وقف من جديد وهو يدور حوّل نفسه بتَيّه،ذراعيه تتحركان باضطراب و دموع ضَعف باغتت عينيه المذهولتين..،كان يخطو بضياع و الصدمة جعتله مُستضعف لا حيـلة له..،يبحث عن إجابة بين أنفاسه المُتخبطة و التي رُبما حَملت معها روائح الساعات الماضية..،أوقفه الحائط، وضع جبينه عليه..،أسند يديه بالقرب من رأسه..أرجع جسده للخلف وبقوّة جذب نفسه للأمام ضارباً برأسه عَرضه..أعاد الكرَّة مُتجاهلاً الوَجع..كان يضرب بعنف مَقصده عقاب لفعلته..،يضرب و عقله بدأ بتنشيط ذاكرته ليسترجع جنونه..،تذكر الوجه المُلطخ بالدماء المُغيَّبة ملامحه من الكدمات..،و أُذنه تستمع لشريط الصراخ و التَرَجّـي !

سقطت ذراعيه بجانبه،استدار وجسده يستسلم للقاع بقلة حيلة..،رفع رُكبتيه وهو يجلس برجلين مفتوحتين اتكأ فوقهما كوعيه..وكفيّه تركت زمام الأمور لأصابعها التي بدأت بشدّ خصلات شعره..صـــرخ من أعمق نقطة في روحه وصوت صرخته تردد بين جدران الغرفة التي شهدت على جرائمه..،سقطت من عينه دمعة تجرَّعها مُستشعراً مرارتها..تذوَّق لسانه ضَلَالِه واختلط ريقه بمذاق هَوانه..،مركز الضياع داخله يزداد في جَذب روحه..،ذاته و من زمن لَحِقَت بعداد التائهين..فاتها القطار و بقيّت مُعلَّقة كقطرة غيّث تلاشت سُحابتها قبل أن تستوي بحراً..!



~ انتهى


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 24
قديم(ـة) 23-08-2015, 07:44 PM
simpleness! simpleness! غير متصل
©؛°¨غرامي فعال ¨°؛©
 
الافتراضي رد: ذات مُقيّدة حوّل عُنُقُ امْرَأة / بقلمي




بسم الله الرحمن الرحيم

توكلتُ على الله


،


فَقدُ ذّات

العَرق يتصبب من مسامات صدغه النابض فيه عِرق يكاد يخترق جلده من نُفورِه،لُهاث أنفاسه يخرج مُستَلاً معه رُّفات روحه المنسية على باب حُلم...،جسده يرتعش بأكمله و أقصى ارتعاشاته تُعانق يده العائشة زلزالها الأعظم..ازدرد ريقه للمرة الألف و الصوت يعود ليزيد من ثورة ارتباكه..

،:اطلق

أغمض عينيه يَهرب من المشهد..رجلاه تتخبطان على الأرض و جانب جسده يميل باجتذابٍ لقاعٍ لا نهاية له..فتح تلك الغائبتين في بحر لُجِيّ لا مد له يُفرغ صبيبها المالح..زَفرَ بحرارة وصوت نبضاته صمَّ طبلة أُذنه..

،:انتهز الفرصة و اطلق

صَرخ و القهر ينفلت من لسانه بكلمات فقدت صِبغة صبرها،:لا استطيــع،لستُ بمجنون لأقتل روح
اقترب منه بإبتسامة زادت من غضبه..إبتسامة تلوي شفتيه مُكَوِنة خطوط صغيرة حول فمه بين طيَاتِها جليد جارح..،رفع ذراعه التي انخفضت بضعف،ثبت السلاح في يده و رأسه يقترب هامساً في أُذنه
،:رَكز،فقط تذكر ما تعلمته خلال الشهور الماضية..لا تخف فَكُل بشر على هذه الأرض تأتيه لحظة ينسى فيها إنسانيته..يستستلم للشيطان و يبدأ بتطبيق تعليماته
فتح فمه يُريد أن ينطق،أن يُعارض كلماته الخالية من الصحة لكن ذاك واصل بثبات
،:حدد هدفك،و تناسى ضميرك الذي لن ينفعك و الموت ينظر لك بعينيه الشرهتين "و بإصرار" اطلق

ببطئ ارتفعت يده اليُسرى ليستقر السلاح على باطنها..و كأن كلماته مُخدراً أصاب عُروقه بتبلد وليد اللحظة..

،:اطلق

ضغط بأصابعه وسبابته باهتزاز تحسست الزناد..تذكر الصفائح و إصابته للهدف..تذكر الصراخ و الضرب..حتى الرائحة حملتها الرياح وهاجمت شُعيرات أنفه لتَفتح الجرح من جديد..

و كأنه يقرأ أفكاره،:تذكر و اطلق

أغمض عينيه يُصارع ضميره القريب من قبرٍ سيتوسده قريباً،فتحها و وجوه تداخلت عليه مشوشةع ليه الرؤية..نفسه تُجاهد نفسه..و ما اصعب جهاد النفس !

،:اطلق

كلمته حركت عضلة سبابته..أصمَّ أُذنيه عن أصوات تصرخ داخله..ضغط على الزناد ليتراجع خطوة للخلف و السلاح ينفلت من يديه..

صوت إطلاق النار اخترق الغشاء الذي أحاط ضميره..انفلتت منهُ شهقة أدمت حلقه و جَوفه أفرغ التأنيب دماً تناثر على ملابسه..سقط على رُكبتيه و عيناه شاخصتان برُعب على الجسد المُلقى أمامه..هَمس و الضياع رسم بؤسه على وجهه الشاحب بفزع..

،:ذبحــته !






الجزء السادس

تذكرتان للمَنفَى..!

هذه الجملة التي نطقها عقله فور استلامه للتذكرتان اللتان ستقلّانه هو و من أصبحت بين ليلة و ضُحاها عُنصراً خامل يتسكع بين ساعات يومه ببرود دون إرسال أي شرارات أنثوية قد تُحفز رجولته...،رُبما هذه السفرة قد تُحدِث تفاعلاً يُنَشطها و يقضي على التثبيط القابع بينهما..،قرر أن يُنفَى معها،أن يبتعدان عن كُل ما يُحَفِز ذكريات ليلتهما الأولى..تلك الليلة التي بدأت وانتهت دون أيّ اقتراب يُذكَر..،

ابتسم لسخافة أفكاره وهو يلتفت نِصف التفاتة للتذكرتان المَرميتان بعدم ترتيب على المقعد بجانبه..،تُشارِكانِه الفوضى و الإهمال..
زَفَرَ و أصابعه تطرق المقوّد بتفكير حاصره في الأيام الماضية.. شجار الأب و ابنته لا تزال علامات إستفهامه تَحُطُّ على رأسه..،بدأت المُشكلة بينهما وانتهت وهو الجزء المخفي فيها..،لا يَعلم ماهيّتها ولا أسبابها..،فقط شَهِد على فصل يبدو من لقاء الاسبوع الماضي أنهُ الأخير فيها..

رَفضها لِأن تُزف ،انعكاس سواد عباءتها في عينيه ليلة عُمرهما..،بُكاءها و تَجاهلها الواضح..،كُل هذا تجمع في عقله التي بدأت خيوط أفكاره تُحيك وشاحَاً سيتخذ من عُنُقِه ملجأً للإلتفاف لخنق النفَس تحت بوابة الشك !

الشك الذي جاهده و صارع أسوار سِجنه بكل قوّته،تجاهل كلمات أخته المُنهمرة على مسامعه..تغاضى عن الجلّيد المُكتنز في مقلتيّ تلك الغريبة..،حَاولَ أن يُخلق الأعذار،أن يعجنها صلصال بين كفيّه،يُصيّرها بالشكل الذي يُرخي عقله ويكبح أفكاره الغازية قلبه بلا رحمة..،

توقفت سيّارته في موقفها في باحة المنزل..،نزل منها حاملاً التذكرتان في يمينه..و يساره اختبأت في جيب بنطاله الخلفي،يخفي البوّح الذي قد تُترجمه خطوطها على شكل كلمات تُسطَر في الصفحة الخاطئة..،دقائق و أصبح أمام باب جَناحه الخاص..فتحه بهدوء، تحركت عينيه على المكان الساكنة حركته..،بحث عن أثر لها في غرفة الجلوس لكن لم يَجد شيء...كالعادة !

توقع أنها في الغرفة..لذلك تحركت خطواته ناحيتها..لكن عينيه تحسست ضوء ينبعث من غرفة أخرى..ارتفع حاجبيه بعدم تصديق و التوت شفتيه بإبتسامة ذات معنى،همس لنفسه وقدمه تحركت إلى هناك..

،:و أخيــراً !



انتهت من ترتيب ما اشترته قبل أيام مع حــور..تراجعت للخلف قليلاً و يدها اليُمنى مُستندة على حافة خزانتها و اليُسرى استقر ظاهر أصابعها على خصرها النحيـل..مدت شفتيها للأمام و رأسها يميل ليسارها و نظراتها تتحرك على ملابسها المُكدسة بترتيب..تحتاج إلى خزانة أكبر..،

أغلقت باب الخزانة و ابتعدت لمرآتها..رتبت ملابسها البسيطة..ملابس منزلية ناعمة،بنطال ضيّق أبيض يصل حتى أسفل ركبتيها تُزينه نقشات لزهور صغيـرة وردية فاتحة كلون سترتها الخفيفة ذات الأكمام القصيرة..رفعت شعرها حتى قمة رأسها وثبتت خصلات غُرَّتها الطويلة بعد أن طوت طرفها القريب من مُقدمة رأسها في جهتين مُتفرقتين ليُضفي على وجهها طفولية تُناقض تضاريس جسدها الأنثوية..

خرجت من غرفتها ليستقبل أنفها رائحة الطعام الشهية..ابتسمت بحنان لوالدتها التي كانت تَهُم خارجة من المطبخ وفي يدها الطبق لتضعه على السفرة فوق الأرض..انضمت لها تُساعدها في نقل بقيّت الأطباق..،جلست معها على الأرض بعد أن وضعت الماء و الكأسان..سمّت بالله و قرّبت الشوكة من فمها تمضغ قطعة الدجاج الغارقة بالجبن السائل..سمعت صوت والدتها وهي تزدرد اللقمة

،:شصار على سُميّة..صح هذا اسمها ؟

هزت رأسها بالإيجاب،:ايي سُمية "اتبعت جوابها بتنهيدة ثمَّ واصلت" ما صار شي،البنت مو راضية تتكلم

وهي تأكل،:زين يا بنتي يمكن البنية عندها ضغط أو صادها عدم فهم للمقرر خلى نتايجها تنزل

حركت رأسها بالنفي وهي تقول بثقة،:لا يُمـه انا متأكدة الشي ماله دخل بفهمها و بالمقررات.. الموضوع سببه شي ثاني

ابتسمت لها ورأسها يميل وبمُزاح،:و شنو هالسبب يالمُحامية ملاك ؟

ردّت لها الإبتسامة و برفعة حاجب نطقت بكلمة واحدة،:ابــوها

بتعجب،:ابوها ؟! و شفيه ابوها ؟

تربعت في جلستها وهي تقول،:الله يسلمش انا لحقت على اختها الا اكبر منها بسنتين..و كانت مثلها شاطرة و متفوقة،بس كانت غير عن سُمية فيها شطانة"ضحكت بخفة ثم أردفت" وعلى قولة بعض المُعلمات فيها هبالة شوي ..كانت كله تردد أن نهايتها البيت مقابلة زوجها و اولادها لا جامعة ولا هم يحزنون !

و بلَبابَة قالت والدتها،:يعني ابوها من الرافضين لفكرة الجامعة

اتسعت ابتسامتها،:بالضـــبط..و انا اقول ملاك طالعة على من ذكية

ضحكت على ابنتها،:كملي كملي

ضربت بخفة على فخذها براحة يديها،:المهم..انا شاكة ان البنت جاها نوع من التَبلُد من رفض والدها..فعقلها قام يقول لها شالفايدة من الدراسة ما دام نهايتها البيت ؟..ما دام مافي حلم ليش التعب اللحين ؟ لا تقدير ولا اهتمام ولا تحفيز،ففضلت الاستسلام و لا انها توصل للنهاية و تصطدم بالرفض الأكيد

تناولت لُقمة ثم قالت،:زيـن وانتِ شنو بتسوين "و بتحذير وهي حافظة لتفكير ابنتها" ملاك ارجوش لا تتدخلين بين البنت و ابوها..سوي الا تقدرين عليه بس بدون مشاكل

إبتسامة جانبية ذات معنى ظهرت على شفتيها وهي تقول بثقة،:لا تخافين يُمه ملاك تقدر تحلّها بهدوء و بدون مشاكل

بتنهيدة،:اكلي يُمه و الله يسهل امورش



تغسل صحنها بعد أن أفرغت نصف مُحتواه في سلة المهملات..،لم يستطع حلقها تقبل الطعام الذي أعدته،فلسانها استطعم مرارة الضيق الذي شاركها إعداد العشاء..،كُلّما زارها الملل و ترك مُخلفاته في روحها الوحيدة عاد شعور الندم و استحوذ عليها..،ليتها أكملت دراستها الجامعية و تخرجت بشهادة تُساعدها على العمل الذي قد يشغلها لنصف يومها بعيداً عن فوضى المشاعر التي تنتصر عليها في وحدتها...مالت شفتيها للأسفل وهي تُفكر في اقتراح ملاك الذي عرضته عليها قبل فترة وصمتت عنها بعد أن واجهتها بالرفض..حالياً هي تحتاج لمُحرّك يزيد من سرعة حياتها المُتأرجحة على ظهر سُلحفاة تجاوزت المئة عام ! و الدراسة أقرب مُنقذيها..و في الدراسة فوائد جمَّة...عشرون في واحد ! و العشرون تتعلق بذلك المُسَمَّى شريكها..

ارتفع حاجبها عندما لمحتهُ بطرف عينيها يدخل المطبخ،ابن حلال !

سمعت همس سلامه وردت هي بذات همسه..جففت الصحن الذي استغرق غسلها له أكثر مما يحتاج..،وضعته في مكانه ثم ابتعدت عن المغسلة مُشغلة نفسها في تجفيف يديها..،نبضها تحفز لحركته،و نَفَسها بدأ مقطوعته المُزعجة..،كانت تشعر بخيال طيفه المُتحرك بسرعة في المطبخ،تناول المغلاة وغسلها..وضعها على الفُرن وهو يتلفت يبحث عن شيء ما..تراجع مُبتعد واصطدم بمنضة المطبخ..رفعت عينيها ليتضح أمامها بكامل هيئته..تجاهلت حديث نفسها و بدأت بالتركيز على حركاته الغريبة..،

فتح الثلاجة مواصلاً بحثه..حاستها الأنثوية التي ظلّت تُراقب تصرفاته الخارجية طيلة سنوات زواجهما همست لها مُفصِحَة عن الذي يبحث عنه..تنهدت وهي تقترب خطوة وبصوت احتواه هدوء مهزوز نطقت

،:في الباب..على يمينك

استدار لها بحركة مُفاجأة جعلتها ترجع الخطوة التي تقدمتها..تنفست بثقل وهي تُعيد جملتها و اهتزاز صوتها فُضِح..

،:على يمينك

أعاد رأسه للأمام وهو يستدير بنصف جسده لباب الثلاجة المُتعدد الأرفف..،تناول الحليب وأغلقه وهو يعود إلى الفُرن..،ملئ المغلاة بيّد انعقد لرجفتها حاجبيها المرسومين..،حاول ان يُشعِل النار لكن انسلال القوة من أصابعه لم يُساعده...
اقتربت منه ببطئ..مدت يدها عندما توقفت بجانبه،تُفصلهما خطوتان من غُربة و ذكريات !
و بضغطتان أشعلت النار..

،:مشكورة

لم تُعَقّب على شُكره الهامس،نبرة الصوت العزيزة على قلبه..فعيناها تعلقتا بوجهه المُتصلّب،لا أثر لخطوط تتبعها لعلَّها بقرآتها لها تستيطع استنباط سرّ من أسراره..عينيه بهما ذبول مُوحِش،يعيشان فصل جفافهما ببؤس جليّ..أهدابه تنسدل بنُعاس أشبه بهروبٍ من الواقع إلى حُلم قابع في ذاكرته...لم تستطع رؤية عدسته،فجفناه انحازا لصالحه و اختارا أن يُخفيا انعكاس دواخله وهو في غُمرة أفكاره..جبينه يخلو من تقطيبة حلَّ مكانها بُقعة لونها بين الأزرق و الأخضر واضحة على طرفه.. !
رفعت حاجبها وعيناها واصلتا بحثهما لتتوقفان هذه المرة على شفتيه..مائلتان للأسفل بضيق تقوده فكرة تبدو مُسيطرة كُلياً على عقله،السب الأول في رجفته و انحسار سيطرته على تحركاته..عادت عيناها و ارتفعت إلى عينيه...،

تصلّب فكها وحـرارة التهمت تفاصيل وجهها المُتَيَقنة بأنه أصبح كلون ثوب نومها الأحمر..تضارب شهيقها بزفيرها و عيناه الناعستان مُتعلّقتان بعينيها ببرود..رمشت بارتباك لم تُطِق أن يظهر مواجهاً بروده المُستَفز..ازدردت ريقها و عيناها تهربان من جليده

،:حــور

تحمحت ويدها ارتفعت تُرجِع خصلات وهمية خلف أذنها أسيرة احتلال احمرار خجلها الفضيع..ببحة أجابته

،:نـ ـ احم نعـ م

رفع ذراعه أمامها،:مُمكن ؟

انتبهت للمكان الذي أشارت إليه إصبعه..ابتعدت بجسدها للخلف وهو تقدم خطوة مُتناولاً كوبه ليُفرِغ فيه حليبه الساخن..كان ظاهر يده اليُسرى المُمسكة بالكوب أمامها..انعقاد قريباً سيُنحَت أثره بين حاجبيها ظهر و و هي تُلاحظ آثار جراح بدأت بالإلتئام على مفاصل أصابعه،بسرعة ارتفعت عيناها لجبينه.. و عقلها يُخبرها بأن صلة قرابة تربط بين الأثرين !

انتبهت إليه يبتعد إلى الباب ليَخرج..بسرعة تقدمت و لسانها نطق بإسمه قبل أن يتلبسها التردد

،:يــوسف لحظة

توقف ثم استدار لها بذات البرود..نظرت إليه وهي تُقابله..ارتفعت ذراعيها لتنعقد فوق صدرها الذي يترفع وينخفض بارتجاف تُوَلّده نبضاتها..رفع حاجبيه و رأسه ينخفض قليلاً يحثّها على قول الذي استوقفته من أجله..

ازدردت ريقها قبل أن تقول،:شفيها يدك،وو و جبينك بعد ؟

نــار اشتعلت في حدقتيه المُتوسعتين..،أو ذلك ما خُيّل لها ؟! اشتدت ملامحه ناشرة الفزع داخلها..أطبق شفتيه حتى استوت خطاً يحكي مدى حَنَقه من تساؤلها وقبضة يده الحُرَّة تزداد في تكوّرها..

بدأت قدميّها في التراجع للخلف و ريح أنفاسه المُتقدة افلتت عُقدة ذراعيها لتحتضن رجفة جسدها..ازدردت ريقها و هي تشتم نفسها داخلها على فضولها..و ما دخلها هي وإن اختفى جسده بأكمله تحت الجراح..ليموت ولتصمت هي عنه !

التوت عضلة في بطنها وعينيها برمشيها المضطربين تنظران برُعب للكوب الذي يقترب من الإنكسار في يده النافرة عروقها..،اصطدم ظهرها بطاولة الطعام الصغيرة وتوقفت قدماها عن إنقاذها من خَطر الذي أمامها..عضت على طرف لسانها تُؤنبه..تَوجَعه ليتذكر الألم مُستقبلاً اذا أراد يوماً التدخل في هذه الزوبعة المُحتدمة أخطارها...،

خفف من قبضته وأرخى أصابعه نافراً خاطر وسوَسَهُ لهُ عقله الغامض..

احمرّت أطراف أصابعها لضغطها على ذراعها وصوته الهامس يصلها من خلف ظهره الذي قابلها..

،:حـادث بسيط..تصبحين على خير

تنفست الصعداء وجسده بتناقضاته التي تُخلخل كل خلاياها الساكنة في غيابه يترك المكان..حُضوره يُربِك أضعف عِرق نابض في قلبها..بهمسه الفحيحي و تحركات جسده الرجولي المَنسية رائحته الطبيعية فوق أريكة ذات فجرٍ احتوت جسده المُرتعش،الغارق في بحرٍ من العرق بعد إنهاكٍ كان نتَجاهُ صَدمة و ذكرى مبتورة الألوان !

مسحت على وجهها وأصابعها تخللت خصلاتها لتُحَرّر شعرها من ربطته الصغيرة..نثرته ببعثرة..حركت يدها أمام وجهها تُخفف الاشتعال الذي أوقده ويدها الأخرى استقرت على خصرها المائل..استنشقت نفس عميــق مُغمضة عينيها لوَهلة لتفتحها و زفيرها يُحرّر معه شحنات سلبية اجتذبتها روحها من ماء نهره العكر..المُتَوَحِلة فيه أتربة إن تراكمت على القلب أوقفت نبضه..و إن اختزلتها الروح لتَقوى على حَملها أخنَقَتها،فلا ثَغرة تتلصص منها ذرة هواء هربت قبل أن يُوقِظ مَجهول سِرّه..

أعادت ربط شعرها ببطئ ثمَّ أرخته على كتفها..اقتربت من المغسلة بعد أن تناولت المغلاة وهي تتذكر رَجفة يده المجروحة..،زمّت شفتيها و الـ "حادث بسيط" لم يَتقبلها عقلها الحاضر..،رفعت كتفيها للأعلى بخفة وهمست تُنَحي فضولها و شيءٌ آخر لم تُترجمه..

،:يمــوت..مالي دخل فيه



ماضٍ

أدخل آخر قميص...كان هدية منها،نظر لهُ قبل أن يُغلِق الحقيبة..ابتسم ابتسامة أقرب لليأس ولون القميص ينعكس في عينيه التي بدأت تظهر أمامها ذكرى ليلة اكتمال القمر...،يعلم انها كانت مُتقصّدة ان يكون لونه كلون السماء في الليلة التي اعترف لها بحبه المجنون..حُب لم يعلم أنه سيكون أشد وجعاً من الموت،بل أن الموت ليس موجع أبداً،هو راحة و خلاص من حب يطعن القلب ليلاً ونهارا،يستل سيفه كُلّما بانت عينيها أمامه ليقطع عِرقاً آخر كان ينبض باسمها...

زفر بضيق و أغلق الحقيبة ولون السماء تلاشى من عينيه،أنزلها على الأرض مع دخولها،تأمل وجهها الشاحب كغيمة أفرغت حمولتها و سقت أرضها امطاراً،احمرار واضح يُحيط بعينيها،انقبض قلبه عندما استوعب عقله ان تلك العينين سيُحرم من رؤيتهما كيفما شاء،ستغيبان عنه،ستظلان في خياله فقط...لن ينام وهما آخر ما يراه ولن يستيقظ وهما أوّل ما يراه،كانتا البداية و النهاية في كل شي في حياته..

عقّدت حاجبيها الخفيفين عندما انتبهت للحقيبة قُربه،خرج صوتها مبحوحاً مُغلَّفاً بنغمة بكاء،:وين رايح ؟ ليش الشنطة ؟!

ماذا يقول ؟ فتح فمه أراد أن ينطق لكن الحروف تبعثرت على لسانه المُتَلَعثم..أنزل عينيه يهرب من عينيها المتفحصتين اللتان تبحثان عن جواب يُحلّ المعادلة المعقدة في عقلها المُتعب..استدار ليُلقيها ظهره،رفع معطفه الأسود و ارتداه وبذات الحركة الآلية أخذ شاله الصوفي كلون رماد حريقٍ سيشتعل قريباً،أحاط به عُنُقِه ليصله صوتها و البحة تبدلت الى حدة تجرح حبالها الصوتية..

،:اكلمك..ليش شايل هالشنطة وين رايح ؟!

شعر بيدها الناعمة تُمسك معصمه بقوة أنثى يعشقها..استدار لها بنفسه،فهي وان حاولت لن تستطع ان تُديره اليها...تركت معصمه و أعادت سؤالها ولكن هذه المرة الحدة كان بها انكسار..غياب صوتها وراء حشرجة البكاء أوجعته بشدة،شعر بنَفَسه يتخبط في صدره،أخرجه بارتعاشة وهو يقترب منها وعينيه تستقر على ذقنها الذي يهتز بضعف...أنزل رأسه و بخفة أراح شفتيه على جبينها طابعاً قُبّلة يُصاب بالقشعريرة كُلما تذكرها،صوت بكاءها الذي ارتفع ورجفتها التي باتت واضحة جعلته يرفع رأسه بسرعة قبل أن يضيع في رائحة أنفاسها ...نظر وعينيه في عينيها و إبتسامة حُب مقتول على شفتيه..بهمس كان كزلزال أصمّ أذنها،كرصاصة غدر استقرّت في قلبها


،:انتِ طـــالق



حاضر

قبل ساعات

انتهت من صلاتها ثم انصرفت لتجفيف شعرها المغسول قبل ساعة..كانت تتحرك بملل و عيناها تنظران لإنعكاسها ببرود..،منظرها بعيــد جداً عن منظر عروس ! تأفأفت وهي ترمي ما بيدها على تسريحتها..التقطت عدستاها مساحيقها المصفوفة بترتيب يعكس شخصية والدتها..ابتسمت وهي تتذكر حديثهما قبل أيام،تناولت بطرف أصابعها كحلها الأسود..فتحة قارورته الصغيرة وهي تسحب الفرشاة بخفة لتضعها أمام عينيها..رفعت نظرها للمرآة تتأمل رسمة عينيها الواسعتين..آخر مرّة وضعت الكحل قبل أسبوع،ليلة زفافها المشؤوم !

حركت رأسها بخفة تُبعِد الأفكار عن عقلها و بسرعة قبل أن تتبدد رغبتها قرَّبت وجهها من المرآة وبدأت برسم عينيها بدقة..،دقيقتان و انتهت..ابتسمت برِضى للسواد المُلتوي نهاية جفنها ببراعة..التواء كَيد أُنثى في داخلها تفجرت رغبة بفرض ذاتها..،رفعت حاجبها المرسوم و يدها تُشاركانِها الرغبة و تناولت أحمر شفاه داكن بلون دم غزال يقفز برشاقة على أوتار قلب رَجُل يعيش قصة هو بطلها..بَطل يَجهل مدى إمكانياته القادرة على جَبر كَسِر أُنثى..! ابتسمت بسخرية بعد أن انتهت من شفتيها اللتان اشتلعتا إثارة و إغراء..تأملت فستانها..أسوّد يضيق على جسدها كاشفاً عن إنحناءَته الأنثوية..تَوَرَّدَ خديّها بخجل..لا تستطيع أن تجلس أمامه بهذا الفستان..بل لا تتخيل أن تقع عيناه عليها وهي ترتديه..اتجهت إلى غُرفة الملابس وأبدلته ببنطال أسود و قميص ذهبي أنيـق و واسع أكمامه تضيق حتى نصف ذراعيها...عادت إلى مرآتها واضعة يدها في شعرها تُحرّك خصلاته تُضفي عليها الحيوية..رشت عطرها الخفيف و توجهت إلى الباب قاصدة غرفة الجلوس...،

رفعت حاجبيها و الغرفة أمامها لا يُشغل حيّزها ذاك الذي اتخذ من عقلها الحيّز الأكبر ! حرّكت فمها بعدم اهتمام وهي تمشي مُبتعدة..توقفت و أربعة أبواب تُقابلها..للتوّ انتبهت لوجودهم،ابتسمت لغبائها وهي تتقدم للأولهم..فتحته كانت الغرفة مُظلمة..رفعت يدها للجدار بجانب الباب من الداخل تتحسسه..أضاءت المصابيح لتتضح لها غرفة خالية سوى من مكتبة تبدو قديمة تنحشر في أرففها صناديق ورقية اختفى لونها من الغبار..أغلقت الباب بعدم اهتمام و اتجهت للغرفة الأخرى..كانت مجلس كبير نسبياً..بأثاث حديث الطراز ألوانه ما بين العنابي و الفضي..الملاحظة الجديدة التي ضمتها الى قائمة مُلاحظاتها المُستَهلة بعنوان "بسـام و حقائقه"
أن ذوقه راقـي جداً في التأثيث..إلى الآن لم تعثر على خطأ في الجناح على الرغم أنها تتصيد منه أي هَفوة !

بَقِيَ لها بابان..وضعت يدها على مقبض الثالث منهم..فتحته و بأصابعها أضاءت الغرفة ليسقط الضوء على عينيها مُسبباً احتراق ضخ الدمع فيهما..

رائـحة ماضٍ أريجه حبات سُكر ناعمة تذوب على لسانها..حلوى "غزل البنات" و عطر العود المُشَبع بالبخور الأصيل..ضحكة أنثوية سعيـدة تعبرها هتافات تشجيع وتصفيق صداه يتردد بحماس..ثَقَل نَفسَها وارتعش لِتَكَسُّر الأُكسجينات في صدرها المرتفع و المنخفض برجفة..،قاومت الدمع و شهقة مُتَعثرة باغتت حنجرتها ورجليها تتحركان الى الداخل،تغوصان في الذكرى و شعورها يتخذ من اسمها معناه..

انعكست صورتها على الجدار المُصَمم على شكل مرآة كبيــرة..رفعت يدها تتحسس العمود المصنوع من خشب القَيقَب المُثبت على المرآة بطريقة عرضية..تتحسس ملمسه الناعم و أعصاب حسها تستذكر الإحساس الأشبه بنسيم بـارد كان يُرجِف أوصالها توتراً قبل كُل مُسابقة..ابتسمت و رأسها يرتفع للإضاءة الصفراء الخفيفة..و أحذية من الحرير تتدلى من السقف بجمالية مُتناهية..

توقفت قدماها أمام جدار أبيض..محفوف بإطارات احتوّت ما التقطته عدسة الذكرى..،تشابكت أصابعها ليستقر فوقهم ذقنها المُهتز من زعزعة المشاعر..تنفست بعُمق و الشهيق أذهله روعة الماضي البريئ..عيناها تتأملان الصور المُنتشرة بفوضوية مُبدعة..هُنا كانت مُسابقتها الأولى..و فستان الباليه الأول..كانت ترتدي البحر و اللؤلؤ يُعانق معصمها الصغير..ابتسامتها واسعة تشق وجهها من الخد الأيمن إلى الخد الأيسر..طريـق إبتسامة بمقاس طريق قصدته دَمعة من عينيها..إحدى الصور وهي تُكرَّم لفوزها بالمركز الأول،ضحكت بدموع فالدرع كان ثقيلاً و أكبر من حجم يدها ذات الستّ سنوات...،جالت عينيها على الصور و مع كل صورة تنخرط دمعة جديدة مُحَمَّلة بمذاق اللحظة التي التُقطت فيها..غابت على سَحابة إلى سماء شمسها تتراقص أشعتها على موسيقى بُحيرة البجع راسمة في الهواء حلقة تدور داخلها الشمس مُحتَكِرة الربيع ليكون فصلها الأوحد..،

،:عجبتش الغرفة ؟

استدار رأسها لصوته الذي أسقطها من سَحَباتها..صوتاً احتواه حائط قديم، زاويته ابتلعتها خيوط عنكبوت تفصل ماضٍ كان فيه الصوت العُنصر الصامت عن حاضرٍ لم يستفق من الصدمة بَعد..،انفصلت أصابعها ويديها تنحفضان للأسفل..أنزلت عينيها وهو يتقدم منها بخطوات ثابتة..يد في جيبه و الأخرى مُمسكة بشيء لم تُمَيزه..سأل مُجدداً

،:عجبتش ؟

رفعت رأسها و عينيها على صدره و ببرود مُتقن،:ايــي "و تساءلت" انت مسويها ؟

فَتحَ فمه ليُنطق لكن أغلقه للحظة ثم فتحه مُجدداً و نطق لسانه وعيناه تبتعدان عن زينة مُقلتيها للصور،:فكرة عمي و عمتي،و أنا وافقتهم عليها

همهمت بتفهم دون جواب..اقترب هو أكثر و رفع يده أمامها ليقول،:هذي تذاكر..عقب يومين سفرنا

عقّدت حاجبيها وعيناها ارتفعتا بحدة له مُتحررة من برودها..رددت كلمته الأخيرة بعدم فهم،:سفرنا ؟!

هزّ رأسه بالإيجاب،:اي سفرنا..أو مثل ما يقولون شهر العسل

صدر من أنفها صوت ساخر وهي تقول،:شهـر عسل ؟! شهالتفاهة !

ضاقت عينيه من كلمتها،:عفــواً !

كتَّفت ذراعيها وهي تُقَلب عينيها بملل مُتجاهلة نبرته،:آسفة بس ما ابي اسافر

اقترب خطوة لم تُحرّكها..لكن قشعريرة باغتت فقرات ظهرها حتى عُنُقِها وهي تشعر بإبهامه تحت عينها اليُسرى.. ارتفعت عيناها باتساع إلى وجهه و إبهامه يتحرك بخفة على طرف جفنها السفلي،يمسح آثار كحلها الذي بعثرته الدموع وهو يهمس و عيناه مُركزة في عملها..

،:أنا الا آسـف لان بتسافرين..انا جاي اعطيش خبر مو آخذ رايش

ركز عيناه في عينيها بعد أن أبدل إبهامه بالسبابة و الوسطة ، رَبَّت بخفة على خدها و كأنه يُحادث طفلة بإبتسامة خفيفة شدت شفتيه بنفور،:مفهــوم بابا ؟



يتبع


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 25
قديم(ـة) 23-08-2015, 07:47 PM
simpleness! simpleness! غير متصل
©؛°¨غرامي فعال ¨°؛©
 
الافتراضي رد: ذات مُقيّدة حوّل عُنُقُ امْرَأة / بقلمي




الثانية عشر و الربع بعد منتصف الليل..

مُستسلمة لبرودة الماء المُتدفق على جسدها بجريان سُرعته ترادفت مع سُرعة سنوات عمرها الثلاثون..أحداث كثيرة ملأت حياتها..تركت آثار نفسية و جسدية،أبقت عقلها محصور وسط دوامة الماضي لفترة طويلة،استطاعت بعد حربٍ شنتها هي و شخصيتها القوية أن تنتصر عليها..كفكفة دموع و اختناق نحيب..صرخة أولى و انقطاع نفس لم يُلَوث..طيراً يُحلق في السماء بجناحين يحملان فُتات قلبها مُهاجراً إلى جنة عَرضُها السموات و الأرض..،و ثم عاد النبض و الوَله..استرجعت الروح توأمها و غدت الأنفاس عَطِرة..طغت الضحكة على الدمعة،و باتت عيناها تلتمعان سعادة،بعد أن انطفئ بريقهما بِرَّمَد العَوِيل..

أوقفت تَدفق الماء،ارتدت رداء استحمامها القصير الكاشف عن نصف فخذيها وساقيها الطويلتين.. خرجت من دورة المياه و خصلاتها تُفرِغ دموع لم تجد في مُقلتيها القَرار..توقفت أمام مرآتها الطويلة وأصابع يُمناها أرادت أن تختبر صلابتها..أن تتأكد من خُلوها من أي شروخ تصل من خلالها سيول أغرقت روحها ذات زمن..حررت عقدة رداءها لينكشف جزء من جسدها...انتفاضة نَفَس كانت الشرخ الأول،زَفرت وهي تُغمض عيناها تستمد من قوتها..فتحتها ليسقط نظرها مُباشرة على بطنها،مررت أصابعها على الأثر الذي أصَمَتت وجعه في قلبها..اخنقت الأسى و لطمت خد البوح ناهيةً قلمه عن تلويث صفحتها البيضاء بسواد حبر رائحته طاغية، تغشى الروح قبل العقل..تحركت أصابعها إلى فخذها الأيمن مواصلة اختبارها،خَمسُ غُرز انعقدت كسنين عُمر واسمة ذكراها عليه..مسحت بأصابعها عليه وفي عينيها رفيف انتقام تقوده أنثى تناست الجزء الأصعب،واحتفظت بالجزء الذي يرسم إبتسامة تَشَفِي على شفتيها المُغريتين..

قطع استغراقها صوت رنين الهاتف..تحركت إليه بإبتسامة ناعمة..تعلم أنه هو..لا يتصل غيره في هذه الساعة..تنهدت ويدها تتناول الهاتف،شدت رداءها على جسدها وفي داخلها راحة يشوبها استغراب طفيف..فأحمد لم يسألها عن أسباب هذه الآثار..الأمر مُريح..لكن الحـاء أحياناً تُستَبدل بباء الرَيبة التي تُخلّفها رياح الشك العابرة سماءها في ليالٍ تكون فيها نتيجة اختبارها الرسوب..،!



،:ماشا الله عقلش حاضر على طول !

ابتسمت بخجل لكلمات الإطراء التي بدأت بالإنهمار عليها منذ تشخيصها لحالة المريضة التي ترددت عليهم لشهر تشتكي من دم يُصاحب تَبولها..كان الجواب عليها من أحد الأطباء أنه التهاب عادي و أعاطها بعض الأدوية و بالطبع الدواء المحبب لهم،الدواء المُعجزة "البانادول" دون فحص أو أخذ عَيّنة من الدم !

هي لم تقتنع بالتشخيص و تواصلت مع المريضة عن طريق رقمها المُسَجل في ملفها..و اتضح لها انها تُعاني أيضاً من آلام في الظهر وتورم في القدمين تمنعها من النوم و أداء أعمالها الروتينية..لذلك طلبت منها القدوم مجدداً وبعد فحص دقيق و أخذ عيّنة خزعة حيوية من الكلى تبين أنها تُعاني من التهاب في كُبيبات الكلى،مثلما توقعت هي،و تم نقل حالتها للطبيب فهد لأخد العلاج اللازم..هي لم تفعل ذلك الشيء الكبير جداً،فقط حاستها الطبية لم تقتنع بالإلتهاب العادي المُعَالج بأقراص البانادول..أي طبيب آخر ذو ذمة سيفعل مثل ما فعلت

،:المريضة ان شاء الله تحتاج فترة و تتحسن حالتها.. "و أردف بإبتسامة فخر" احسنتِ دكتورة نور

احمرَّ وجهها من كلماته و إبتسامة الفخر الجلية على وجهه،قالت بضحكة خفيفة،:عادي دكتور ما سويت الا شغلي،انت لو مكاني بعد بتسوي الشي نفسه

هز رأسه بالإيجاب،:حتى لو،خطوتش الا اتخذتينها في التواصل مع المريضة و فحصها من جديد ما نقدر نتغاضى عنها..تدرين لو ما هالخطوة المريضة ممكن تتدهور حالتها اذا اعتمدت على الأدوية الا اخذتها من فحصها الأول..و هذا قد يسبب مُشكلة للطبيب و المستشفى بما ان شَخَص حالتها بطريقة خاطئة

،:الحمد لله الامور تحسنت

شعرت برأس صديقتها يقترب منها ليصلها همسها الخبيث،:ما بيسكت لعقب شهر بيظل يعيد السالفة،هو اساساً يدور له اي حجة عشان يعطيش جم كلمة مديح مني مناك، "و أردفت بمكر" وراه شي هالفهد

نظرت لها بعينين متسعتين من أفكارها و تلك حركت لها حاجبيها بإغاضة..هزت رأسها بقلة حيلة منها..العقل في جهة و هي في جهة..لا تدري كيف أصبحت طبيبة وهي بهذا التفكير ؟!

همست لها،:والله انتِ عقلش ما ادري شلون يشتغل،اقوم امشي احسن لي

ضكت بخفة،:لا انا بقعد شوي باستمع للمُعلقات الا بيلقيها عنش

أرجعت نور ذراعها للخلف لتضرب خصر سارة بكوعها و نظراتها التهديدية تلتهمها..وقفت بسرعة قبل أن تزيد كلمة غبية أخرى..وضعت يديها في جيب معطفها وهي تستأذن منهم، وقبل أن تمشي أوقفها صوت إحدى الطبيبات الجالسة معهم في الغرفة التي عادة ما يجتمعون فيها

،:على وين دكتورة ؟

فتحت فمها تُريد أن تجيب لكن الطبيب فهد قاطعها مُجيباً عنها،:خلص دوامها..بعد لازم تروح ترتاح بعد هالإنجاز

ابتسمت له مُجاملة، بدأت تشعر بضيق من تهويله للأمر..و كأنها طفلة يُريد تشجيعها،و يذكرها بين الحين و الآخر بإنهائها لطبق طعامها الصغير !

قالت ببرود مُتجاهلة نظرات صديقتها،:تصبحون على خير

خرجت وهي تزفر ضيقها..لا داعي لكُل ما يقوله،الأمر عادي جداً و أي طبيب مارس مهنته لسنوات سيعتبر الموضوع سخيـف جداً ! ،فهي لم تكتشف الشيء الكبير الذي يدفعه لإطلاق مديحه كُل ما سنحت له الفرصة..عقدت حاجبيها،أيعقل انهُ مثل ما تقول سارة ؟! زمت شفتيها ويدها ترتفع لتضرب رأسها توبخ نفسها على الفكرة..ستكون غبية و ساذجة اذا سمحت لأفكار سارة ان تسيطر عليها..

فتت باب مكتبها التي تتشاركه مع سارة و طبيبة أخرى،خلعت معطفها و رمته بإهمال على الكرسي،اتجهت لمُبَرّد الماء تملأ لها كوب ورقي ..وهي تشرب سمعت صوت الباب الذي أغلقته بعد دخولها..أدارت رأسها ظانة أن الداخلة سارة..فغرت فمها و شهقة عبرت حلقها جعلتها تشرق بالماء..أنزلت الكوب بسرعة وهي تسعل و أطراف جفنيها وأنفها يحمرَّان..نطقت ببحة ويدها تضع الكوب برجفة على المكتب..

،:ليش جاي اهني ؟

أغلق الباب و قفله على مرآى من عينيها المُضطرب بؤبؤها..كان يقترب منها بوجه غير مقروءة ملامحه..جمــود أُطبق على عروق وجهه،و نقيضاً له لهيبٌ حارق يشتعل في عينيه..توقف أمامها..سحب نفس عميق وهو يُغمض عينيه و شفتيه مزموتان بقلة تماسك،فتح موقد اللهب و هي همست و إصبعها يرتفع بتهديد وقدمها تتراجع خطوة

،:عبد الله بلا جنون

شهقت بفزع و يده القوية أحكمت قبضتها على معصم يدها المرفوعة..حركته تحاول أن تتخلص منه لكنه كان أقوى،يضغط بأصابعه على رسغها،حيثُ موقع النبض فيه،يُكبِح لجام صرخات قلبها المُعتصر..همست لهُ برجاء و الألم واضح على ملامحها

،:عبد الله هدني الله يخليك،لا تلمسني

همس بفحيح خرج من بين أسنانه،:ليـش ؟ تبين تروحين لحبيبش فهد ؟

توسعت عيناها بصدمـة..أسقط حجارة كلماته على قلبها،بنتوءاتها الخشنة لتجرح روحها،و تختزن بقايا دمائها في جوفها و تُصيّره وَحلاً مُسوّد لهُ رائحة نَتنة تُصيب أنفها بمرض مُزمن لا شفاء منه..

،:تكلمي..تبين تروحين له ؟

ارتفعت كفها الحرة بقهر تُريد أن تهويها على خده القريب لكن يده التقطتها بذات القوة،لوى يدها لتتأوه مُتوجعة..طفرت من عينها اليُسرى دمعة تَعَلَّقت فيها أشواك القهر التي جرَّحت نعومة خدها همست بحَنَق
،:حقيــر

كان ينظر لخط الدمعة العابرة صفحة وجهها الأملس..اصطدمت بجانب شفتها العلوية،ظلّت مُعلقة هُناك تنتظر فرجة في فمها تسحبها لتعود إلى مَقرَّها حيث نَحيب الروح،لكن يده كانت الأسرع..ترك يدها المُتألمة وارتفعت إلى شفتيها،يمسح بإبهامه الدمعة،ينقذها من الإنتظار..

ارتعشت هي من لمسته..جاهدت أنفاسها العابرة رئتيها بنشيج،حرّكت وجهها و شعور خدر استحوذ على المنطقة التي أشعلها..ثوانٍ ويديه تتمكنان من ذراعيها ليُقَرّبها أكثر...قُربه قاتــل،سَيفه تم نَقعه في سُم يُميت العِرق الضاغطة عليه أصابعه..يُمرر يده و يُلغي اتصال عروقها بعقلها..يَضعف القلب و يبدأ بإنكماشه ليحمي نفسه من الموت..

زاد من اقترابه وعقله قد استولى عليه شيطانه..همست برجفة و الخوف دب في أوصالها،:عـ ـ ــبد الله اتركني ماني زوجـ ـتك للحين "شهقت ببُكاء" اوعـــ ـى



~ انتهى



،


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 26
قديم(ـة) 26-08-2015, 04:33 PM
simpleness! simpleness! غير متصل
©؛°¨غرامي فعال ¨°؛©
 
الافتراضي رد: ذات مُقيّدة حوّل عُنُقُ امْرَأة / بقلمي




بسم الله الرحمن الرحيم

توكلتُ على الله




،


فَقدُ ذّات

السواد تعاضد مع خُيوط البؤس و أحاكوا مِعطفاً يكتنز فيه دفئاً لا يُغني و لايسمن من جوع..فالروح جمَّدتها الغُربة.. و الحنين بات يَتَسَرَّب فيضه أُجاجاً إلى عينٍ انقلبت خارطة دمعُها و تاهت عن وَطنُ البُكاء..وَطَنُ النشيج و التَغَنِي بالنحيب،حيثُ للشهقات طَرَبٌ لحنهُ جَرُّ الأنين..،

أخفى يديه في قفازه الأسود،يطمس خطوطاً إن نُسيت آثارها فُضِحَ..ثَبَّتَ قُبعته الصوفية على رأسه،تُغطي مُقدمة رأسه حتى أعلى حاجبيه وتمتد لتخفي أذنيه المُتصلة مسامعها بحديثٍ يَبعُد شارعان عن موقعه...رفع شاله حتى أعلى أنفه لتظهر عيناه فقط،تتسكعان على المكان بحَذَر.. أغلق سَحاب معطفه يَخفت من ضرب نبضاته المُتَقدة،رفع قُبعة المعطف الجلدي لتعكس ظلالها على وجهه الهادئ..ضروبٌ من الفزع و الهَلع أسكن صُراخها تحت قناع من جُلْمُود تَعَلَّم أن يرتديه مُنذ أعوام،أن يتلَّبَسهُ مقاساً على وجهه،ليخفي ذاتٌ استوت حُطاماً اختلط بغبار زمن لا رجعة له،زمن كُلَّما سيقت ذكراه عبداً إلى عقله انشطر القلب و اختُزِلَت ذاكرة الروح المَحْنيِ ظهرها من ثقل وجوه صدى ضحكاتها تلسع جراحاً مكشوفة،لم تظفر بضمادٍ أبيض يَستُر عَيبها..

مَسَّ طرف قُبَعَتِه بأطراف أصابع يُمناه..أنزلَ رأسه وخَطَتْ قدماه بثبات على الأرض و يُسراه تَغَشَّت مُختبِئة في جيبه..كان يتلفت بعينيه دون أن يُحرّك رأسه،ينظر من طرفهما يُراقب المكان بعينيّ الذئب المُتمَرس..كان الليلُ هادئاً،فالجو أحكم إغلاق أبواب المنازل بعد أن تدنت درجة الحرارة إلى تحت الصفر..الأضواء نِصفها يَعمل و النصف الآخر تناَسته الحُكومة في آخر صفحة احتياجات الحيَّ..،زَفرَ إرتباكه المُتَدَثِر في جَوفه،ارتفع بُخاراً تلاشى قبل أن تلتقطه يَد السُماء العارية من النجوم...

توقف عند أحد المصابيح الطويـلة،استند عليه بكتفه يتفقد المكان الذي قصدتهُ قدماه..استند بظهره و أرجعَ رأسه للخلف،أغمض عينيه،استنشق بعُمق ثمَّ زَفرَ مُتخلصاً من أعباء الرجفة الساكنة عظامه القابعة في صناديق احتوت تذكارات تناسبت بين الحُزن و الفرح..

واصل مشيه بعد أن استحكم زمام أموره..شد أزر نفسه،و أغلق آخر ثغرة يتسرب منها الخوف..،إبتسامة سُخرية لوت شفتيه وهو يقف أمام السور المُنخفض..لو كان يعلم صاحب المنزل بما ينتظره مُستقبلاً،لطلب من المهندس أن يزيد من ارتفاع سوره...تراجع ثلاث خطوات للخلف..تقدمت رجل و تأخرت الثانية،عدَّ في داخله للثلاثة ثمَّ تحركت قدماه يجري على أطراف أصابعه ليقفز برشاقة مُتمَسِكاً بالسور بكلتا يديه القويتين..ثوانٍ و حطَّ على أرضية المنزل الخارجية..

مَشى وقدماه تحتكان بالعُشب مصدرتان صوت يُشوش عُتمة السكون المُبتلعة الليل بشراهة..تجاوز الزراعة و أشجار البُرتقال و الليمون..رَكِبَ العتبات الثلاث ليتوقف مواجهاً الباب الخشبي..أخرج من جيبه أداة حديدية ضعيفة جداً تُشبِه العود،جلس القُرفصاء و أدخلها في قفل الباب..بدأ بتحريكها ببطئ بحركات خبيرة،ينظر بيساره و يمينه أغمضها للتركيز..ثلاث دقائق و أخرجها من القفل..وقف على رجليه،مدّ يده إلى المقبض وحَرَّكَهُ للأسفل..،

نظرة غُرور مرّتَ و عانقت عينيه للحظة و جزء من داخل المنزل يتضح له بعد ان فَتحَ الباب..تقدم للداخل مُغلقاً إياه من خلفه..توجه إلى السلالم بثقة دون أيّ إلتفاتة..رَكبه مُتَجاوزاً عتبتان إلى أن أصبح في الطابق الثاني..

استدار إلى يمينه..ثانيتان و استدار إلى يساره حيثُ باباً أبيض مُغلَق..مشى بتباطئ مُتَعمد، خطواته مدروسة و قدماه تتركان آثارهما على الأرض بثقة..رجله اليُسرى انطوت رُكبتها بخفة،ظهره مُستقيم و انفراج بين رجليه..تحرَّكت يده إلى ظهره،ثوانٍ و بانت من خلفه و بين أصابعها شيٌ أسود لامع..لم يَكن سوى سلاح نـاري !

فتح الباب دون إصدار أيّ صوت،فيَدُه تعلمت الخفة حتى امتهنتها.. تذكر بإبتسامة ساخرة جُملة هاينز المُعتادة "أخَفُّ من يديّ أمهر سارق في بَرْلِين ! "

غُرفة جُدرانها تلونت بالبيجي المحروق..أثاثها من خشب الماهجوني الأفريقي..خزانة ملابس كبيــرة..ثُرية تتدلى منها كرستالات تَعْكُس الضوء الأصفر..أريكتان لشخص من الجلد الفاخر تتوسطهما طاولة خشبية دائرية فوقها مزهرية تخلو من الأزهار..و سرير يتسع لأربعة أشخاص ارتفع عن الأرض عشرين سانتيمتر،يحتضن فوقه جسداً عريـض تكسو عظامه أرطال من لحمٍ تغذى على لُقمة نُهِبت ذات ليلٍ شَهِدَهُ قمر احتفظ في قارورة ضوئه بدموع هربت من عين مكسورة..

اقترب من السرير..تجاوز الأرضية المُرتفعة..أصبح أمام الجسد النائم بارتياح وشخيره في مكان آخر يُرعِب نوم أجساد ترتجف برداً وجوع..قَرَّبَ السلاح منه لتستقر فوَّهَتِه على جبينه العريض..ضغط بقوَّة أزعجت نومه..فَتح عينيه و عقله لا زال غائباً في نُعاسِه..ابتسم هو لهُ ابتسامة أخفاها شاله،صَغَرَّت من عينيه الناظرتين بمَكر..بدى مُخيــفاً و في عينيه سوادٌ قاتل !

ثانية ، ثانيتان..،ثلاث..أربع..

شهقة بعثرت أنفاس ذلك المُستلقي قطعت الثانية الخامسة و عينيه تتسعان بصدمة..ارتعش جسده بأكمله و عُرُوقِه أرسلت إشارات الخوف إلى مُخه..حرَّك ذراعيه بتخبط يُريد أن ينجو بنفسه لكن السلاح أحبط مُحاولاته و يد ذاك الواقف بظله الثقيل تضغط به على رأسه..

نَطَقَ هو ببرود مُستَفَز،:

Das Ende






الجزء السابع

تجلس بأريحية على الأريكة البيضاء المُسْتَشعِرة خَوَاطِرَها العابرة مملكتها الأنثوية التي تعيش عيدها الأوحد..عيدُ قُربِه،

كان مثلما يكون وهو كائِنٌ أمام أوراقِه المُتشَبعة برائحة دائماً ما ينفثها عِرقاً يَنبض في رسغه..بين السبابة و الوسطى ينحشر قلمه الأسود..هديتها له قبل أعوامٍ كانت فيها فتاة في مُنتصف عتبات المُراهقة...،نَظَّارَته المُتَكِئة على أنفه الصغير زادته وسامة..يَكتُب بحواسه..أنفه تَسكُره رائحة الحِبر،و أذنه تنصت لإحتكاك رأس القلم بالورق و لسانه يتذوق كُلَّ حَرفٍ يَمرُّ من قلبه عابراً حلقه قبل أن يُصَيّره كلمة على الورق..فالكتابة أنثاه الأجمل التي دائماً ما تشعر بالغيرة منها..فهي تُشاركها التَمَيُز نفسه..كِلاهما يُحلقان به فوق سَحابة خفيفة إلى سماء يكون فيها هو القمر...

قرَّبت يدها النحيـلة المُزيَّن معصمها بإساورة ناعمة ذهبية إلى ذراعه..و هي لا زالت على وضعيتها..ظهرها مُستَنِد على الأريكة وبطريقة أقرب إلى الإستلقاء،رجل على الأخرى،يد في حضنها و الأخرى امتدت مُعانقة ذراعه..ضغطت عليها بأصابعها..تحسستها بنعومة وهي ترفع عيناها لوجهه..ابتسمت لإندماجه،عادت ببصرها إلى تلاحم يدها و ذراعه..كانت بشرته أفتح من بشرتها بدرجتين..رفعت حاجبها بغرور فهي تعلم إلى أي مدى يعشق لونها المُثير..دائماً ما كان يتغزل به..

ارتفعت أصابعها إلى معصمه ترسم عليه بسبابتها حلقات مُفَرَغة أدارت مُحَرّك ذاكرتها الغافية...هَمْس ناريّ باغت السنيـن و اخترق ثغرة الزمن ليجئ مُلهِباً سَمعها

،:مثل لون الخَمر لكن حــلال

ضغطت بقوة على ذراعه مُهاجمةً الذكرى المُباغتة..لم تشعر أنها تُألِمه مانعةً إياه عن الكتابة..فمُقلتيها انطوت الصورة أمامهما لتنعكس أوهام حرَّضت إنتقامها..

،:جنـان ألمتيني

رفعت عيناها للصوت..رعشة أرجفت أوصالها و ملامح وجه أسود مرَّت بسرعة البرق امامها..تركت ذراعه بنفور و الإسترخاء غادر جسدها مُنذ أن هاجمها الهمس البعــيد..أبعدت يدها بتيه لتصطدم بالكوب الذي وقع على الأرض مُحدِثاً ضوضاء إنكساره التي أنجتها من غَرق الماضي..

التقطت ذرات الهواء بعنف ويداها تحتضنان وجنتيها برعشة..نظرت له وصوته المتعجب يُبدد الهَمْس

،:بسم الله شنو صار ؟ شنو في فيش؟

أغمضت عيناها براحة..ليس حقيقة تخيلات فقط..ازدردت ريقها ويمينها انتقلت فوق صدرها تُطَبطب على دقاتها تُطَمئِنها..زَفرت وأصابعها تخللت خصلاتها بوَهن حتى استقرت خلف عُنُقِها..رفعت عيناها إليه ببطئ..كان ينظر لها و عقدة بين حاجبيه الخفيفين..ابتسامة مرتعشة تكونت على شفتيها لم تَتَسَتر على الخوف السابح في مُقلتيها..تساءل بشك

،:شنو فيش ؟

هزت رأسها بالنفي،:و لاشي،مافي شي كنت سرحانة و صدمني صوتك

وقفت بهروب وعيناه ارتفعت لوقوفها..تناولت قطعة مناديل ثُمَّ انحنت تلتقط القطع المكسورة..بهدوء مهزوز قالت
،:بروح ارمي القطع و بجيب شي امسح الأرضية عن الجاي

ابتعدت عنه بخطوات سريعة..دخلت المطبخ القريب،ألقت القطع في القمامة ثُمَّ توجهت للمغسلة..غسّلت يديها..جَمعت الماء في باطنهما ورفعتهما تَرشَح وجهها..أعادت الكَرَّة لتُزيل بقايا الرَوع الذي أسقطته غيمة سوداء على روحها..أغلقت الماء..اتكأت بذراعيها على المغسلة..رفعت يدها إلى جبينها الذي انحنى رأسهُ بتعب..هَمست بضياع شتت نبضاتها

،:ياربــي شصاير فيني ؟!

زَفَرت تَطرُد أسراب الخيالات المُعانقة مركز ذاكرتها منذ فترة..قرأت المعوذتان ومسحت على صدرها قبل أن تُجَفف يديها و وجهها لتخرج إلى زوجها..

مع خروجها كان يُنهي مكالمة و إبتسامة على شفتيه..وقف عندما انتبه لقدومها..اقترب منها وهو يقول
،:جنان ما بتغدا اهني
قطبت جبينها،:ليـش؟
مسح بظاهر يده على خدها بعد أن وقف أمامها،و بهدوء،:ريم بنتي مصرة تبيني اتغدا عندهم،و ما قدرت ارفض طلبها
كتفت ذراعيها و ببرود،:و الأكل اللي طبخته ؟ مستأذنة من الدوام عشان اجي اتغدى وياك
ابتسم لها،:ما عليه حبيبتي خليه للعشا ما اقدر ازعل ريم
تنهدت فهي تحتاج للجلوس وحدها تُعيد ترتيب أفكارها،لن تُجادله أكثر..ردت بكلمة واحدة،:زيـــن
قبّل خدها،:بروح اتسبح بسرعة ماابي اتأخر عليها



زاوية غرفتي الصديقة.. قبل موتي سوف اكتب لكِ رسالة شكر أعَبّر فيها عن امتناني الكبير لكِ،لاحتضانكِ الدائم لي.. أُفكر في التقاط صورة لكِ ووضعها في برواز أنيق يليق بمكانتك.. مستودع أسراري و متنفس لي عند ضيقي واكتئابي.. سأضع توقعي أسفل جدارك الأبيض دليل على ملكيتي واستحقاقي بك.. ربما قبري يُنقَل عندك بعدما يفنيني العذاب الصامت..!

رَفعت يدها تُبعِد غشاوة الدمع عن عينيها..تحسست جفنيها و أصابعها تستشعر انتفاخ تشرب جوفه الدمع مُنذ البارحة..لا زالت الرجفة تسكن جسدها،وعطره القوي يستحوذ على حاستها الشُمية،استنشاق هواء يعني الإختناق ببقايا رائحته..أحنت رأسها مُمَررة يدها على ذراعها المكشوفة..أصابعه لساعات انطبع احمرار بصماتها على ذراعها..اقترابه يترك أثراً..ينحت أوجاعه في الروح و الجسد،يُوسِمها بذكرى كُلّما تناسته عادت و جددت الألم.. وسؤال مكتوم تبعثرت حروفه على لسانها .. متى الشِفــاء ؟!

إلى الآن عاصفة البارحة تُزَعزعها كريشة خفيفة..

،

زاد من اقترابه وعقله قد استولى عليه شيطانه..همست برجفة و الخوف دب في أوصالها،:عـ ـ ــبد الله اتركني ماني زوجـ ـتك للحين "شهقت ببُكاء" اوعـــ ـى

انطفأ بريـق من عينيه..ارتخت يداه عن ذراعيها و قوَّته سراب تلاشت بين فراغات أصابعه،تركها بـعنف جعلها تتخبط في مكانها،تماسكت و يدها ترتفع للجدار القريب..تراجعت للخلف بصعوبة من قيد رجفة أحاط كاحليها..اصطدم ظهرها بزاوية الجدار و انكمشت على نفسها فيها،ارتفع كفيّها إلى فمها تُكبِح صوت تكسر الشهقات ..أنينها كان أزيز يخترق أُذنه..عضَّ على شفته السفلى حتى استطعم دمه،رجله اليُمنى تحرَّكت بغضب ترجمته بضربة للكرسي أمامها..

زادت من إنكماشها و شهقة حـادة باغتت حاجز يديها..رفع رأسه لها ويده تمسح على وجهه ،زَفَرَ جنونه وهو يستغفر مُتعوذاً من شيطان سيطر عليه..اقترب خطوة لكن خوفها الذي صرخ في وجهها أوقفه..زمَّ شفتيه وهو يَغمِض عينيه للحظة،هَمسَ بصدق

،:آســف

آسف على ماذا ؟ على تفتت قلبي قِطعاً من وقع كلماتك الجارحة ؟ أم آسف على قُربِك المُحرَّم ؟ القُرب المُتَوَشح بموَت بــارد..قُربك كَفَن أستُر بهِ عُري روحي المُنسَلخة من أنفاسك..أُخفي فجيعتي عند حضورك..أُخَفف الفقد الذي يحاصرني باغتراب و انا أرى عينيك بعيـدة..فَقدتُ الطريـق لها و أنا في غُمرة أحلامي..،

أبعدت وجهها عنه،خَبأته في الجدار وهي تقول بصوت مكتوم،:اطــ ـ ـلع..لا يجي احـ ـد و يشوفك اهني "ضحكت بسخرية مريرة و رأسها تحرَّك قليلاً مُرسلة نظرة تأنيب،و أردفت" بيقول هذي شنو تسوي ويا طليقـ ـها برووحـ ـهـ ـم "و بتقرف" طبعاً إذا كان مثل تفكيرك

أنزل رأسه يُخفي خيبته..جنـونه صعَّبَ الأمر..سمع صوتها من جديد يقول بحدة مبحوحة

،:اطلع بــرى

استدار وتقدم ببطئ للباب..فتحه ثُمَّ همس

،:آســف والله آسف

و خـرج !


،

و أفرغت دموعها عند زاوية مكتبها و ها هي تُفرغ الباقي من حمولة عينيها هُنا..رفعت رجليها تحتضنهما و رأسها ينكب بإعياء على ركبتيها..غرقت في بحر الدموع و الأنين شاطر الشهقات جُرَحَ روحها..ذلك الرَجُل خلال سنة علَّمها كيف لا تعرف ذاتها..كيف تنسى أن تكون هي.. وكيف أن لا تكون هي !




ماضٍ

استيقظت من نومها فَزِعَة من صوت صراخ أصبح يتكرر كُل ليلة مُنذ شهر..جلست على السرير وهي تفتح الضوء بجانبها،باغتتها دمعة هربت من مُقلتيّ أمَّ ذُبِحَت روحها..كان يُقاتل على السرير،يردع بيديه الصغيرتين أجساد تجسدت حقيقة في عقله الباطن..رأسه يتحرك ينفي واقعاً افتعل فجوة في قلبه الصغير..يبكي بهيستيرية لو كان واعياً لأستعصاها على نفسه..اقتربت منه تحتضنه بذراعيها و لسانها يلهج تَسميةً..قبَّلت رأسه ويد انمدت تُفرغ ماءً نثرته على وجهه وهي تُناديه

:ماما يُوسف قوم ماما قوم،بسم الله عليك يا ولدي قوم يا بعد عمري

ضربت بخفة خده،و أصابعها بارتعاشة بؤس تتحرك على وجهه،بأطرافها المدميتين تبحث عن خيط نجاة يُنقذه من كابوسه المُتَجَرع عقله الصغير بقسوة..نادته برجاء

،:يـوسف حبيبي قوم،كابوس يا ماما قوم اسم الله عليك

صوتها الدافئ تخلل عقله،قطع الكابوس إلى نصفين،فصل الأصوات و أخمد الرائحة..فتح عيناه و أهدابه كأوراق زهرٍ بللها الندى..لكن نداه كان حــارق..احمرار عينيه يدفعك إلى البكاء،فيهما شيء من الضياع والحزن الدفين،أنفاسه الملتهبة متقطعة ومتوترة و كأنه نسي كيف يتنفس..نظر لها بأسف فقد أيقظها من نومها مثل كل يوم..احتضنها مُلقيّا ثِقلَ رأسه في حضنها الحنون،يُريده أن يجتذب أحلامه المريضة،أن يُحَرره من القيد الذي آلم جسده الصغيـر...بكاؤه أصبح واقعياً أكثر،حــاد يضرب قلب والدته بقسوة،تبلل صدرها بدموعه الساخنة فاحترقت هي فوق احتراقها القديم...ذابت بأكلمها..لم يبقَ سوى روحها تائهة مابين السماء والأرض !

أما هي..في طرف السرير تُخَبِئ وجهها في صفحة وسادتها المُتشبعة دموعاً،تحبس صوت شهقاتها المخنوقة،دموعها تُعاضِد دموع أخيها الأكبر،لا تقوى على الإمساك بها،تسقط لتشاركه الحزن وتواسيه،تواسي روحه التي أصبحت هشَّة بعد انكسارها الذي لم يُجبر بعد..



حاضر

قبل أيــام


توقفت السيارة في مواقف أحد الفنـادق الفخمة في بَرْلِن..نزل منها ليقف بطوله المُميز،عضلات جسده القوية تُغلفها بذلة رسمية سوداء..استراحت على كتفيه بأناقة مُفرَطة..أغلق زراً واحداً من المعطف،رتب ربطة عُنُقِه السوداء المُناقضة لبياض قميصه الناصع..وضع كفه الأيمن في جيب بنطاله القماشي ثُمَّ مشى بخطوات واثقة و قصيرة إلى بوابة الفندق..

أومأَ برأسه للبواب بإبتسامة خفيفة..قصد المصعد متوجهاً للطابق الأرضي،دقيقة و أصبح أمام ممر طويـل،أرضيته تُغطيها قطعة سجاد فاخرة حمراء يتداخل فيها اللون الذهبي على الأطراف..كان ينظر إلى اللوحات المُعلَقة على الجدران الذهبية..صور لأشخاص لا يعرفهم في احتفالات تبدو خاصة بالفندق..رسومات تَتَذَيَّلَهَا توقيعات لرسامين شهيرين ليسوا من اختصاصه..

صوت الموسيقى الهادئة أزعجت مسامعه..رفع يده لربطة عُنُقِه،حركها بخفة وهو يتنفس بوضوح،باتت المُهمة تقترب من جزءها الخانق..توقف أمام الباب الخشبي الكبير..بُني داكن مفتوح على مصراعيه،قُربه تقف فتاة طويـلة ترتدي فستان أحمر،لم يُطيل النظر إليها،أخرج بطاقة ذهبية مُستطيلة تناولتها منه بإبتسامة و هي تقول بترحيب،

،:تفضل سيدي،اتمنى لك الاستمتاع

لم يُعَقب على ترحيبها و واصل مشيه ببطئ،عيناه تتحركان على الأشخاص،تحفران في الوجوه بحثاً عن ملامح احتفظ بها عقله خلال الشهر الماضي..ارتفع حاجبه الأيسر و عينيه تلتقي بالوجه الذي التصقت صورته على لوحته الخاصة لأسابيع..اقترب بهدوء برأس مرفوع..توقف بجانبه وهو يُخرج كفه من جيبه..أدخل أصابعه في كُم معطفه ساحباً قميصه بخفة و رأسه ينحني جانباً ليهمس بالألمانية..

Gute evening

التفت له الرجل..نظر له باستغراب فهو لأول مرة يراه..رد بهدوء بالجملة نفسها

،:مسـاء الخير

ابتسم هو و عينيه تتحركان على المدعوين،لم يلتفت لنظرات الرجل بجانبه..كان في منتصف عقده الخامس..طوله يصل إلى كتفيه العريضين،شعر أبيض خفيف لا يُخفي صلعته المنتشر فيها بقع نمش بأحجام متفاوتة..جبهة صغيرة انطوى جلدها بعشرات التجاعيد.. حاجبان غليظان يعتليان عينان كبيرتان زرقاوتان يفصل بينهما أنف أفطس من تحته شفتان صغيرتان تبدوان داكنتان من السجائِر..وجهه يخلو من الشعر،أملس كوجه صبي في العاشرة..كان يرتدي بذلة رمادية قميصها أزرق داكن..و حول عنُقُه التفت ربطة على شكل "فيونكة" بيضاء..و ارتدى في قدميه حذاء رسمي من الجلد البُني ..من الواضح أن ذوقه رديئ جـداً في الملابس !

اقترب منه أكثر،حرَّك كتفه الأيسر للأمام وهو يستدير ليُقابله بنصف جسده..رفع الرجل العجوز رأسه إليه بنظرات تعجب..ابتسم هو لهُ ثُمَّ همس

،:هديتك قد وصلت..

اتسعت عينا الرجل،تلفت بسرعة يتأكد ان لم يسمعه أحد..تنفس بارتياح فلا أحد قريب منهما،و الجميع مُنشغل بالحديث و آخرين بالرقص و التصوير....نظر له،اقترب أكثر و امسك معصمه وشدّه إليه..همس و خوف يُقَرقِع بين كلماته

،:وو أيـ ـن هي ؟

كان ينظر للعجوز بشفتان مائلتان للأسفل،يُقَيّم خوفه الجليّ على ملامحه..أخفض بصره ليديه المضطربتين،تتصافقان حيناً و تنفران بارتجاف حيناً آخر..أعاد عينيه إلى وجهه و الإستخفاف أغرق نظراته..جديــدٌ هو على هذه الأعمـال ! بلل شفته العلوية بلسانه الذي استقر طرفه في زاوية فمه من الخارج يُخفي ضحكة آلَمَهُ فكه وهو يحاول إخفائها..

تحمحم و ظاهر سبابته يَمس أنفه للحظة..بذات الهمس قال وهو يُبعد عينيه للأمام،:هنـا في إحدى غُرف الفندق

فَغَرَ فاهه و خطُ دم قطع ناصية وجهه الذي احتقن ربكةً حتى انفجر العرق سيولاً..شهقة اعترضت أنفاسه بددت الهواء عن رئتيه..دوار باغت عقله و شعور بغثيان ارتفع حتى حلقه..

رفعَ هو يده إلى كتفه،ربَت عليه بخفة وهو يقول ببرود،:لا تخف وصلت دون أن يعرف أحد..انت في امان

ارتفعت يده إلى ربطة عُنُقِه..شدها عن رقبته و هو يزدرد ريقه..تنفس بارتياح و كفه ارتفعت بارتجاف تمسح جانب وجهه..قال له قبل أن يستدير

،:لنذهب إذاً

مشى العجوز و هو من خلفه..انتبه لهُ يُشير بيده إلى أحدهم و اليد الأخرى تعبث بهاتفه ..تعرف إليه مُباشرة.."بيمي" مساعد العجوز و يده اليُمنى..خرجا من القاعة التي احتوت جسد ذاك المُرتَعِب بطريقة مضحكة،و جسده المُنتَحر في جُبٍ لا قاع له..انتحار لا مُنتهي،ينتظر فيه الخلاص و انقاطع النفس و تبدد الإحساس..لكن المُعادلة تصبح عكسية..و الناقص تستوي جَمعاً مُزدوج..يُضرَب مرتين في الروح..فالخلاص غُباراً يتلاشى في الهواء لتحتضنه كُثبان ترتفع حتى تستوي هضبة تتعرى فوقها أشعة الشمس باعثة حرارتها لتصهر دماءً لم يتوقف غليانها بَعد..و النَفَسْ تُلحَم حَوافُه ليستوي سَهماً يخترق القلب مع كُل انقباضة لحجابه الحاجز..أما الإحساس،فيَنسلخ عنهُ الغشاء و يستبدلهُ جداراً بُصٍقَت عليه ألوانٌ تُشَرِبهُ التبلد ! إحساس ينطوي على نفسه ألف مرة بعيداً عن فوضى الشعور..

استقلا المصعد حتى الطابق الرابع..و هناك عند الغرفة 407 أخرج بطاقته..مررها أمام شاشة أسفل المقبض ليظهر فيها لوناً أزرق،فتح الباب و دخلا وهو يتقدم العجوز..كان جناح مُتكامل،راقي كرُقي الممر و قاعة الاحتفالات..استدار له و يديه في جيبه

،:انتظرني هنا سوف أعود بعد دقيقة

دَخل إحدى الغُرف،أقفل الباب بهدوء لم ينتبه له الجالس خارجاً..اقترب من النافذة..أبعد الستائر الثقيلة بأطراف أصابعه،نظرَ للخارج بعين واحدة..سيارة سوداء تقف على بُعد شارع عن الفندق..أنزل الستائر ثَمَ تراجع للخلف..رفع كُمَه ينظر لساعته،كانت تُشير إلى التاسعة و الرُبع..نظر إلى الباب و يده ارتفعت ببطئ يفتح زر معطفه..خلعه و ألقاه على الكرسي..بالبطئ نفسه فكَ ربطة عُنُقه و عيناه لم تبتعدان عن الباب،و كأنهما اخترقتاه إلى الخارج..رمى الربطة على المعطف..فتح زِر قميصه عند معصمه وبدأ بِطَيّه حتى كوعه كاشفاً عن ذراعه بارزة العضلات..صلبة كروحه المُصَنَعَة !

استدار للسرير،انحنى قليلا ثُمَّ رفع مرتبته بسهولة بكلتا يديه..ابتسم وهو يتناول سلاحه..رفعه بالقرب من وجهه..ينظر إلى فوَهته..فَوَهة المــوت...،

،

في الخارج

كان العجوز يتحرك ذهاباً و إياباً يُفرغ شحنات التوتر الغازية جسده..و في داخله تجري وعود مع ذاته انها المرة الأخيرة و لاعودة لهذا العمل..لكن و إن كان الربح كما المرة الأولى ؟..ربحاً يملئ خزانات أمواله حتى الزُّبا !
ازدرد ريقه و كَفِه ارتفعت إلى ذقنه تتلمسه تُسبِر جواباً لِأسئلة تصادمت بباب الرهبة المقفول في صدره...رفع رأسه ينظر للباب الذي دخل منه ذاك الغريب..اللا مُبالاة التي تنضخ من عينيه اصطدمت مع شرار خوفه..استفَزهُ ببروده و كأن شيئاً لم يَكُن..
رفعَ يديه يمسح وجهه وهو يزفر دقائق الإنتظار المُنعَقدِة حلقات تضيق بين عروقه..تُعَسِر مجرى الدماء إلى قلبه

صوت طَرِق قوي على الباب أرجَفَه..اختل توازنه و فكرة واحدة سقطت صَخرة على عقله، لقد كُشِفَ امرهم..! تمسك بالأريكة القريبة بيده المرتعشة..فتح ربطته و أزرار قميصه العلوية..مسح على عُنُقِه يبحث عن الهواء..تلفت بضياع ينظر للباب المُوصَد بريبة

،:ديريك افتح الباب بسررعة

هَمسَ بتعجب بصوت بُحَ هلعاً،:بيـ ـمي

مشى بخطوات مُتعَثرة إلى الباب،فتحه و صوت أنفاسه يتعالى بوضوح..تساءل بذهول و هو ينظر لرجلان من رجال أمن الفندق يقفان مع بيمي

،:ماذا هناك ؟ ما الأمر تكلم ؟

اقترب منه وهو يهمس بعد ان دفعه ليدخل،:ليس هو انه كاذب

استدار له و ثورة الخوف لا زالت مُسيطرة على عقله،:عن من تتحدث ؟..تكلم بوضوح

وهو يتلفت باحثاً،:الرجل الذي احضرك إلى هنا،انه كاذب،فالرجل الذي اتفقنا مع مجموعته قد أتى بعد خروجك مباشرة

بانت عروق عيناه المتوسعتان من إشارات الفاجعة التي استقبلها عقله..بشهقة نطق،:مُستَحيــل

،

داخل الغرفة

وصلته الجَلبة في الخارج..تحرَّك بسرعة إلى الباب و السلاح أرجعه خلف ظهره..وضع أذنه يسترق السمع..أصوات همهمات لم يستطع أن يُميزها..وضع يده على القفل ليفتحه لكن اهتزاز هاتفه في جيبه أوقفه..أخرجه و هو يتراجع للخلف..وضعه في أُذنه دون أن يتكلم وصوت يصرخ اخترق مسامعه

،:موهاميـــد اهرب لقد اكتشفوا أمرنا !



~ انتهى


،


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 27
قديم(ـة) 31-08-2015, 05:23 PM
simpleness! simpleness! غير متصل
©؛°¨غرامي فعال ¨°؛©
 
الافتراضي رد: ذات مُقيّدة حوّل عُنُقُ امْرَأة / بقلمي




بسم الله الرحمن الرحيم

توكلتُ على الله



،


فَقدُ ذّات

أصبحت لُغَتَه الألمانية جَيّـدة..من السهل عليه الآن أن يُحادث بائع الخضروات وأن يستفسر من موظف المكتبة عن أحد الكتب التي يحتاجها للدراسة..

كانت الساعة تُشير إلى الثامنة و جليد !

ابتسم بخفة و عيناه تتركان الصفحة ثلاثة و عشرون من الكتاب إلى النافذة يساره..قبل ساعتان كانت ملامح المنطقة واضحة و جليّة..لكن الآن معطف قطني أبيض يغشاها بأكملها مُخفياً لون الأرض الرمادية و هياكل السيارات المتوقفة على جانب الطريق..،

حَنيـنٌ داعب أهداب عينيه الواقفتين على ناصية وطنه و هو يتذكر طلب أخته المُضحِك

"،:ابي تحمل لي ثلج وتجيبه وياك اذا رجعت،ترى بزعل اذا حقرتني و ماجبت"

تلك الشَقِيَّة اشتاق لها قلبه العائش على الصور و المُكالمات التي لا تُشبِع رغبة شوقه..مرَّ على رؤيَتَهُ لها ولأهله ستة أشهر..و لا يستطيع أن يذهب لهم في العُطَل،يُريد أن يُكمِل دراسة اللغة سريعاً ليتفرغ لهم بعد ذلك.. و قبل موعد سفره سَيُفَكِر كيف سيحمل الثلج إلى شقيقته !

Hallo

استدار للصوت و للكلمة الألمانية الأولى التي تعلَّمها..وقعت أنظاره على شاب يبدو في مثل عُمرِه..قصيـر نسبياً ذو بشرة قمحية بإحمرار أعطاه طابعاً طفولياً..شعر ذهبـي قصيـر لا يُغَطي أذنيه القابع في إحداهما قرط على شكل حلقة صغيرة..يرتدي سترة بيضاء من فوقها معطف جلدي و سلاسل فضية بأحجام مختلفة تتدلى من عُنُقِه إلى صدره المكشوف أعلاه..

أعاد ظهره للخلف مُستنداً إلى الكرسي و بهدوء ردَّ التحية
،:مرحباً
أشار الشاب بإصبعه إلى الكرسي أمامه مُستأذِناً الجلوس..هزَّ هو رأسه،:تفضل

جَلسَ و قابله بإبتسامة واســعة استنبط فيها شيءٌ من الغبــاء ! تحمحم يُخفي ضحكة باغتت حلقه وهو يُغَيِر من وضعية جلوسه ليستند بذارعه اليُمنى على الطاولة الخشبية مُتَقدماً بظهره..و بتساؤل

،:هل تعرفني ؟

ضحك ذاك مُحَرِكاً رأسه بالنفي،:لاا لا اعرفك.."استراح في جلسته و أردف" لكن أردت منك بعض المساعدة..بالطبع ان كنت تستطيع

عَقَّدَ حاجبيه باستغراب..أيُّ مساعدة يحتاج منه هذا الشاب الغريب..لا يعتقد أن بقدرته تقديم مساعدة له وهو ابن البلد ! لكنه ردَّ مواصلاً معه ليعرف ماهو نوع المساعدة
،:بالطبع..ان كنتُ استطيع

رَفعَ ظهره واعتدل في جلسته..قرَّب جسده للطاولة وشبك أصابع كفيه..ضمَّ شفتيه للحظة قبل أن يقول
،:لاحظت أنك تترد على المكتبة منذُ أكثر من شهر..و رأيت أنك تقرأ العديد من الكتب..على الرغم أنهُ يبدو من خلال قراءتك للكتب الخاصة باللغة الألمانية أنك جديدٌ عليها

و صَمَت

ابتسم بخفة ليقول حاثاً إياه على الإكمال،:حــسنـاً ؟!
ابتسم لهُ و أكمل،:والدي يُحِب القراءة،بل يعشقها..وأنا كما هو واضح لست ممن يستمتع عند قراءته لكتاب.."تنهد ليُردِف" لذلك أردت منك أن تُحببني في القراءة..بأي طريقة..فوالدي لن يهدأ إلا وإن رأى كتاباً في يدي "ابتسم بسعة" هذا كُلَّ شيء
كان ينظر للشاب بحاجبين ارتفعا تَعجُباً من هذا الطلب الشبيه بصاحبه..،لم يتوقع أن تكون هذه المساعدة ! بالمناسبة..،هل هناك طريقة تُحَبب المرء في القراءة ؟ أليس الأمر فطرياً ؟! أو أن اعتقاده خطأ ؟! انتبه لصوته
،:أنت تفهمني صحيح ؟
هزَّ رأسه،:نعم أفهمك لكـن "بلَّلَ شفتيه قبل أن يُكمل" لكن لماذا تطلب مني أنا ؟
بصـدق قال،:لأن شخصاً مثلك على الرغم من أنها لغة جديدة وغريبة عليه إلا انه لم يجعلها مشكلة بالنسبة له..فأنت تقرأ كُتب في شتى المجالات،فأنا اشعر ان شغفك الواضح بالقراءة سوف يساعدني
ضحك بخفة،:يبدو أنك راقبتني جيداً ؟
رفع حاجبه،:بالطبع،لم اطلب منك المساعدة الا بعد أن تأكدت من جاهزيتك
تساءل،:بما انك لا تحب القراءة..لماذا انت هنا ؟
مدَّ شفتيه بضيق وهو يقول،:مُهِمة قسرية
بعدم تأكد تساءل،:تقصد بالقوة ؟
هزَّ رأسه بالإيجاب،:نعم..فوالدي خصص ساعة كل يوم لأقضيها في المكتبة..
حرَّكَ رأسه بخفة،:هذا من دواعي سروري يا

و قبل أن ينطق الشاب قاطع حديثهما صوت أمينة المكتبة وهي تهمس بحدة
،:أيها الشابان،اخفضا صوتكما قليلا أو اخرجا للشارع..انها مكتبة

هزَّ رأسه باعتذار،:عُذراً سيدتي

رمقتهما بنظرة ضائقة و ابتعدت..عضَّ على شفته السُفلى وهو ينظر للشاب بطرف عينه..انتبه لهُ يمدُّ يده..نظر لها ثُمَّ رفع عينيه لوجهه المُبتسم منذ قدومه..ردَّ الإبتسامة و يده امتدت تُصافحه..يده السمراء تناقضت مع يده الفاتحة..سمع همسه

،:اسمي هــاينز،و أنت ؟

ابتسم لهُ و فخر عانق عينيه قبل أن ينطق بإسمه الغريب على مسامع هاينز

،:مُحَـــمَّد





الجزء الثامن

،: مثل لون الخَمر لكن حــلال

ضغطت على رأسها بأصابعها المُتَألمة الأطراف من فرط ضغطها المُستمر منذ ساعتان..عانق الهَمْس مسامعها بإكراه حتى سبب وَجعاً لا يُطاق في رأسها..مثل شريـط احتفظ بهذه الجملة فقط،يُعاد مراراً لِيَنحَر أنفاسها المُنتظمة قُبَيل احتلال الذكرى

همست بتعب يستنجد و رأسها يميل بإعياء على الوسادة،:ياربــي

الصوت لم يصمت،يزداد ضجيجه في قلبها الذي تكاد حُجَراته أن تنفصل و تتبدد قوتها،نبضة غَدَّارة التوت بلؤم شلَّتهُ لثوانٍ كانت كفيلة بأن تَهدُم بُنيان خمس سنوات..،رفعت ذراعها بوَهن، استكانت صفحة كَفَها على بطنها المُسَطَّح..حرّكتها بخفة..تُبعثر غُبار الزمن عن كتابها الأسود الذي أغلقته بعد أن اختتمتهُ بتوقيع كان حِبرُهُ دماً...

أيُعاد الجُرح مرَّتين ؟!

تنتهي صلاحية وَجَعُه بعد أن يَجرَع إكسير الروح و يُفنيها فوق أرضٍ ابتلعت تُرابها شفقةً لهذه الروح المُحَطمة،لتوسدها قبراً انجلت عنهُ شمس فجرٍ جديد..يصبح الظلام اللغة و الكلمات ريحٌ صرصر تلتف على الأعناق حبلاً من جليد يقطع بقايا عُروق لم يُكمَل مسير دمائها..

و بعـد أن يُعثَر على الضوء،و يجيئ الرَبيع مُلَوِحاً ببتلاته،فارشاً فُستانه الأحضر مُشَيِعاً تابوت الحُزن على أمطار عينٍ مُوَدِعة.. لا تلبث الزهرة أن تتعرى تحت أشعة الشمس الدافئة إلا جاء صيفٌ حــارق يَبصُق حُمَماً تُذيب الجليد المُتَكَتل على جسدها..يُلغي خدمة غُرَزِهَا و يبدأ باستقبال سيل الدماء و الرقص بقسوة على جراحها العارية..

سقطت من عينيها دمعة،شقت طريقها حتى وسادتها التي تشربتها بِرَحَابة..مسحتها بقوَّة و هي ترفع جسدها عن السرير..لن تستلقي كمسكينة هُضِمَ حقها..لن تستسلم لدوامة الذكريات..اكتفت أوجاع..نهضت مُتوجهة إلى دورة المياه..فتحت الماء تملأ حوض الإستحمام،ولَيتَ الروح تُملأ بعد تَسَرُّب جَفَّفَ بَحرَها..خَلعت ملابسها وألقتهم بإهمال في سلة الملابس المُتَسِخة..ففي باطن عقلها ملابسها قد اتسخت من استفراغ ذاكرتها المُقرِف..،

استرخى جسدها..أخفت رغوة سائل الإستحمام الكثيفة جِرحَ فخذها..أسندت رأسها للخلف و يُمناها ارتفعت تتكئ برأسها عليها..أغمضت عيناها ببطئ ونفس عميق تَجَرَّعَتهُ رِأتيها..لا بُدَّ أن تبتر يد الماضي الطويـلة قبل أن تسرق ما نَمى من فَرَحٍ في قلبها..!

طَرقات على الباب أيقظتها من محاولتها،فتحت عينيها بكسـل و عُقدة خفيفة بين حاجبيها..سَمعت صوت والدتها

،:جنـان بتتأخرين؟

رفعت ظهرها قليلاً و هي تُجيب ببحة،:اللحين طالعة ماما

اغتسلت بسرعة عن الصابون،لم يُسعِفها الوقت لتغسل شعرها الذي ظلَّ مرفوع دون أن يُصيبه الماء..ارتدت رداء الإستحمام و خرجت لتُقابل والدتها تقف وسط غُرفتها بتشابك كفين أوجسها.،

تساءلت وهي تَشد الرداء على جسدها،:شصاير ماما؟

تنهـيدة فَرّت من صدرِ أمٍ تراكم البؤس على قلبها..تقطع طُرقاً غير مُعّبَدة،تنجرح بصخور يُلقيها عقلها الضائـع عند قدميها،بتَيه تمشي و ذراعاها تتخبطان تُريدان ان تهتديان للحقيقة بعد أن غاب النور عن مُقلتيها...،جلست على السرير بظهر انحنى من حملٍ وَرَثَته إكراهاً عن ابنها الأكبر، ضغطت على كفيها تُصَبِر علَّة التوتر..

هي جلست بالقرب من والدتها،و يدها امتدت تحتضن كفيها..غصَّة باغتت قلبها و كفيها ترتعشان بين يدها مثل طَير انقطح جناحه أثناء بحثِه عن لُقمة تَسد جوع روحه..
،:ماما حبيبتي شنو فيش ؟
استدارت لها و خطوط انتظار على وجهها أضناها السَهر حتى اشتدت خوفاً،:اخـوش قال بس أربعة أيام و بيرجع من السفر..اللحين صار له اسبوع .. و من سافر ما اتصل
سحابة الجليـد التي تمنَّت أن تستشعر سقوطها قبل زمن جاءت لها و ألقت حمولتها حتى تأكدت من تَجَمُّد أقسى عِرق في قلبها لتهمس بسُخرية لاذعة أحرقتها قبل أن تحرق والدتها
،:يمكن اختفى مرة ثانية
انتفضت بذُعر و هي تُنفِر يدها بعيداً عنها..عيناها احتوت دمعاً عقد صفقته معها لثلاثة عشرَ عاماً..ضرب على صدره و أقسم أن لا يَترُك ليلاً إلا و هو سارقٌ من عينيها الوَسَن..بتَهَجد همست
،:الله لا يقوله عشان اموت مرة وحدة
احتضنت كتفيها بذراعها،:مامااا ليش هالكلام اسم الله عليش بعد عمرٍ طويل
بتأنيب،:انتِ ما سمعتين شقاعدة تقولين ؟
قبَّلت كتفها،:آسفة ما كان قصدي
رفعت يدها تمسح خيالاتٍ أغشت ملامحها بزفيـر راجف أوجع رئتيها..طبعت جنان قُبلة على خدها قبل أن تهمس،:خلاص ماما والله آسفة "وأردفت" يمكن انشغل و ماصار عنده وقت يتصل
نظرت لها والدتها لتبتسم إبتسامة واسعة تُخَفف من وقع جملتها الغير مدروسة التي أطلقها لسانها "المتبري منها" على حد قول والدها..ابتسمت لها والدتها إبتسامة اختلت من جميع المشاعر و تقيَّدت بشعور الحيـرة المُنغرز شوكها في الروح..أخفضت بصرها لفخذ ابنتها الواضح جرحه..همست بقهر استوطنها و نشر أجنحته حاجباً عنها قطرة مطر تروي التياعها
،:كل واحد منكم خاش عني اشياء الله اعلم شنو حقيقتها
استشعرت ذراعها الخطر،تركت كتفيّ والدتها بهروب صريـح حرَّكت منهُ والدتها رأسها بأسى لتُكمِل،:ادري مافي فايدة و لا بتقولين الصدق
أبعدت وجهها بضيـق..يكفيها ما عاشته من زعزعة مشاعر قبل ساعات،همست،:ماما قلت الصدق من زماان
أمسكت ذقن ابنتها بقوّة و أدارت وجهها ليقابلها و بحدة نطقت،:شايفة عقلي عقل طفل عشان اصدق انه جرح عادي هاللي في فخذش ؟ "تراجعت يدها عن ذقنها حتى فخذها لتتحسس الجرح و أكملت" لو كان عادي ما احتاج أنه يتخيط بخمس غُرز
زمَّت شفتيها و أهدابها انسدلت تُخفي ما التمع من ذكرى في عينها..اكملت والدتها بحرَّة أحرقتها،:الله يستر من الا خاشينه يا اولاد امكم



رمالٌ تجمعت ذراتها على أطراف قدمها،و بأصابع يدها النحيـلة تُمَسّد عليها بخفة،يدها الأخرى التفت ذراعها على رجليها المُرتفعتان..خصلاتها مثلَ حُلم تتطاير بنعومة..بين حينٍ و آخر تُميل رأسها لتُبعدها عن عينيها السابحتين في بحرٍ تَخافُه،و في جوفها قلبٌ يتمنى لو تُبَلِلَهُ قطراته المالحة...

تنهيـدة فارغة من المشاعر خرجت من أنفها المٌرتفع بغـرور فِطري،مالت شفتاها الصغيرتين بإبتسامة مُتَمَلمِلة،رأسها انخفض ليستقر ذقنها فوق رُكبتيها..أغمضت تلك العسليتين،الصافيتين كسطح نهرٍ عذب..نسيــم البَحر و قرقعة أمواجٍ استوطنت أُذُنها موسيقى كلاسيكية يدور جسدها حول نفسه على أنغامها الحالمية..فتحت عينيها بكسـل و رأسها يميل على رُكبتيها،منظر شاعِري ينتظر عِناق أنثى و رَجُل تُلهِبهما قُبلة..

ضحكت بسخرية وهي تقف بتمايُل..أيُّ قُبل يُفَكِر فيها عقلها؟..هو و إلى الآن لم يُقرِّبها إليه كزوجة،و هي مُرتاحة لهذا البُعد..لا تستيطع أن ترتبط بعلاقة تَجهل عواقبها..لا مجال لِكَسرٍ جـديد..و إن اختلف السقــوط ! حرَّكت أصابعها على فستانها الأبيض من الخلف تُبعِد ما عَلِقَ من رمال..،استدارت وبأصابعها أرجعت خصلاتها خلف أذنها..رفعت عينيها بهدوء و هي تخطو بقدمها لتصطدم بهِ يقف على بُعد خطوتان من مكان جلوسها..،ارْتَدت في مكانها و وجوده صدمها.. لم تشعر به ! مُنذ متى كان واقفاً ؟!

نطقت بما في خاطرها،:من متى وانت اهني ؟

ابتسم لها بخفة وهو يُلغي الخطوتين..رفعَ يده لشعرها يُزيل بعض الرمل الذي علق بين خصلاتها..تراجعت للخلف وهي تُرمِقه بنظرة ضيـق لِلَمسَتِه..تجاهل ما تُرمي إليه عينيها الجميلتين و همس
،:من زمـان..
زمَّت شفتيها..لم يُعجِبها الجواب..فهذا يعني أنه تأملها لفترة طويـلة،و عيناه تَنَبَهت لسكناتها و حركاتها..ليـس هذا البُعد الذي هي راغبة فيه ! زَفرت و قدماها تحركتا..و قبل أن تتجاوزه شعرت بملمس يده على معصمها..ارتعشت من قبضته،يده كانت دافئة بطريــقة غريبة،غرابة أشعرتها للحظة بإرتخاء بغــيض..رفعت عينيها له و عُقدة رافضة بين حاجبيها..حرَّكت معصمها دلالة على عدم ارتياحها،خفف من قبضته و بخفة سحبها وهو يُديرها حتى أصبح ظهرها مُقابلاً له..

تَصَلَّبَ جسدها و حرارة صدره ينسلخ منها جلدها الرقيـق..ذراعاه التفا حول خصرِها ويديه تشابكتا مع يديها المُتَجَمِدة الأطراف..أصابعه ضغطت بخفة تستنبط حديثاً من خطوط كفها غاب عن لسانها المُنعَقِد،أخفض رأسه إلى رأسها وهو يزيد من احتضانها و بتطارد تزداد دقاتها المضطربة،هَمَسَ عند أُذنها باعثاً مع كلماته أنفاسه الدافئة ليُرسِل شرارات نَمَّلت أُذُنِها وجانب عُنُقِها..

،:ليش دائماً تهربين ؟

رَفَعَ رأسه قليلاً ينظُر إلى جانب وجهها المُتَشنج،احمـرار شديد كان يُعانقه،خجل زَيَّن أنوثتها الفريـدة،ابتسم و رأسه يعود لمكانه..و هذه المرة اقترب حتى لامست شفتاه أُذُنها
،:الى هالدرجة قُربي يضايقش؟

أنهى جُملته بقُبلة خفيـفة خلف أُذُنِها،ناعمة مثل وقع نسيم دافئ على موجات البحر..استنشق بعُمق عَبَقها الأثيري..رائـحة باردة يتعرف عليها للمرة الاولى،مُثيرة أسكرت عقله في ثوانٍ..،أراد أن يتعرف على المزيـد ،أن تنتشي روحه أكثر و تغيب في عالمها الأنثوي،تحرَّكت شفتاه بجرأة إلى وجنتها القريبة..طبع قُبلات بطيئة و مُلهِبة،طرف شفتيه لا يَكاد يلمس وجنتها و كأنهُ يُقَبلها هَمساً ! عَبرَ طريق وجهها لتنحرف شفتيه عند انحناءة عُنُقِها،انجرف مع التيار و واصل طبع بصماته،يستنشق عطرها و يُزفِر عطره ليُسيطر على أماكن النبض في جسدها..

،:بـ ـ سـ ـااام
خَرَجَ صوتها مُهَيجاً من نيران قُبلاته،ازدردت ارتباكها الفظيع..حالة استنفار تعيشها عروقها،حرَّكت رأسها بِخَدر تُريده أن يَعتق عُنُقِها..بتهجد نطقت راجية
،:بـسـ ـ ـام بس خلاااص

خفف من وطأة ذراعيه لكن جسدها لا زال في حصاره..رفع رأسه وصوتها أفاقه من سَكرته..ازدرد ريقه بصعوبة وهو يُديرها إليه..لم تستطع أن ترفع عينيها إلى عينيه،مراسم الخجل أغشت ملامحها و شفتيها تميلان برعشة بُكاء..رفع كفيّه يحتضن وجهها البَدِر،مسح بإبهاميه أسفل عينيها..و بهمس مُبتَسِم

،:و لا يهمش خلاااص "و أردف بمزاح" ساعات اقول من هالرفض الا اشوفه هذي اهلها غاصبينها على الزواج

تَصلَّبت ملامحها و جُملته خرجت من حلقه تقطع بنصلها مجرى النفس..تجمَّدت عيناها على صدره و ارتعاشة البُكاء استوت رعشة خوف من نبشٍ طالته كلماته...،هو استشعر التَغيّرُ الذي طرأ عليها.. تقلَّصت إبتسامة المُزاح و عيناه تلتهم ملامحها التي بدأ يتلبسها سوادٌ قضى على ملامح الخجل..أرجع رأسه للخلف،تركت كفيه وجهها ببطئ مُتَحفز..تَمَسَّكَ بكتفيها،ضغط و بحذر يخشى الحقيقة سأل

،:حنـين..انتِ مغصوبة على الزواج ؟



حَملَ ابنته ذات السابعة إلى غُرفتها بعد أن غطَّت في نوم سَبَقَهُ حديـث متواصل أفصحت فيه عن كُل ما في قلبها البريء..أنزل جسدها على السرير،غطاها و بحنان امتدت يده الكبيرة تمسح على شعرها القصير..
تصافق رمشيّه يقتنصان الثواني لإلتقاط صورة تحتفظ بها عيناه في قلبه..اشتاق لهذه الصغيـرة التي من فرط حبها استنسخت طِباعه و ما يُحب و مايَكره،حتى أن ملامحهما الطفولية غدت تشبَهه كُلَّما تقدم بها العُمر..طَبع قُبلة على جبينها قبل أن يغلق الضوء و يخرج بهـدوء..،
تقابل مع ابنته الكُبرى وهو متوجهاً إلى غرفته..ابتسم لها بحب وهي اقتربت تُقَبل رأسه..تساءل،:وين اخوش ؟
،:نام من عقب العشا،تعرفه ما يحب السهر ايام الدوام..يله بابا تصبح على خير
،:و انتِ من اهل الخير

دخل غرفته..أغلق الباب من خلفه و رأسه يطل للداخل بعينيه يبحث عنها..تجاوز دورة المياه وغرفة الملابس....،اهتزاز وَتَرْ نتج عنه نغمة تراقصت عليها نبضاته..كانت هي المُسبب لهذه النغمة..على السرير يجلس جسدها المُنتمي إليه منذ سبعة عشرَ عاماً..تُرَّطب ذراعيها الناعمتين مثل القُطن..و ساقيها مائلتان بجانبها،قطعة ألماس لامعة تنتظر وقع أصابعه عليها..اقترب منه ببطئ،اقتراب الأسد من لبؤته..انتبهت له،نبهها عطره أم شيءٌ آخر اخفاه القُلب..!

نظرت لهُ ببرود على مشارف الذوبان.. بــاذخة الجمال ! يعترف أن جمالها لم تلتقِ عيناه بمثله أبداً، و لا حتى خيالاً بين سطور قصصه..أدارت وجهها عنه تُكمل عملها...هو جلس مسحور على الأرض قُبالتها..أتَخرج الحوريات من البحر ليلاً ؟! تتلصص باحثة عن رَجُل لترمي بشباكها على قلبه.. أمسك قدميها..حرَّكهما بخفة حتى استقامت ساقيها أمامه..بأطراف أصابعه تناول قليلاً من "اللوشن" ذو الرائحة الخفيفة و بدأ بتحريك أصابعه بتمرُّس عاشق على ساقها..ببطئ تنزلق يده إلى الأعلى و الأسفل..تُثير أعصاب حسّها الغافية في غيابه..هَمَسَ و عيناه لم ترتفع لها

،:من جيت للحين ما كلمتيني !

أغلق علبة اللوشن بجانبها و جواباً منها لم ينطقه لسانها..و عيناه بعيدتان،اتكأ بباطن كفيه على السرير الفائز باحتضان جسدها وهو الذي تجاهل عبور مدينته بعد إهداره لتذكرتها المُلَوّحة بها بين أصابعها..رفع جسده بخفة حتى أصبح قُبالتها،استلى على يديها المنقطعة عنهما الحياة فترة بُعده..ببطئ مُخيـف..حد الموت مُخيف،ينظر للقلب بعيني حمراوتين،فيهما شيءٌ من الغُربة و انكسار حُب طاهر،قبَّل باطنها،يُرَبت بقبلته على زعل كفيها..يغسل بقايا الفراق ويلتهم بأنفاسه غُبار اليُتم الذي أحدثه هو...هو بنفسه..بذاته الضائعة بين البينين..

بين حُب امرأتين يتخبط..و هل يعشق قلب الرجل امرأتان في الوقت نفسه ؟

عَشَقَ أولى مُراهقة طائشة..قادتها إليه جُرأتها و فقدها لعضيدٍ كسر قيد الحماية الرابط بينهما وجعلها تائهة تبحث عن وجهه بين الرجال..و كان هو ولا يدري كيف أصبح هو ذاك المُغترب ؟! بنظرة وابتسامة تناقضت فيها البراءة بكَيْد أنثى لم تتعدى السادسة عشر..كيدهن عظيم و هن في المهد ينادونك لتطبع قُبلة على رأسٍ لم يتجرع سُماً من الحياة بَعد !

و الثانية..كان عُشقها سلس خفيف و هادئ..صيبٌ رقيق نسماته الباردة المرافقة للسحاب تملئ جوف صدره..ليبقى داخله فــراغ،إلا من صدى دقات قلب تذرف من شدتها مسامات جلده عَرقاً حفزته أنثى ضاعفت العذاب عليه..

يُحبها و يُحب تلك..أحب تلك و يُحب هذه..أحب مراهقة و عاشر امرأة حتى امتلكت قلبه..و تلك الجريئة باغتت سنينه بعد انقطاع ظن فيه أن قلبه نسيَّ كيف ينبض لأجلها و انعقد اسمه بإسمها..حلالٌ هي أصبحت،لهُ وحده،مثلما تمنى عندما رآها بثوب مدرستها الأزرق..!
لم تُقاوم عيناه..رفعهما إليها،كاشفاً ستار بَصَره ليلتقي بفيض أغرق وجنتيها..نَفَسَها لنظرته اضطرب و صوت حاد بحشرجة اخترق أذنه..امتعض من شهقتها،تُجاهد النَفَس بصعوبة..فتحت فمها مُحركة لسانها تُفَرِغ شكوى قلبها..بتقطع خرج صوتها

،:شنو تبيني اقول و انت غايب عن البيت خمسة ايام ؟
ضغطت على يده بوَهَن ترتجي منهُ إنكار وهي تُردف،:كنت عندها صح ؟
أطبق جفنيه و تنهيـدة غادرت صدره المُثقَل..تركت كَفيه وارتفعت يديها لصدره تقبض على قميصه..تهزه تُريد أن ينفلت من لسانه تكذيب لظنها..تتمنى أن تكون قد أساءت الظن ليُطفئ غليان روحها المُسعر.. ارتفع صوتها بصراخ مبحوح استقبلته أُذنه عالياً و حاداً صَلَّب قلبه..
،:تحجى أحمد كنت عندها..نايم عندها صح ؟ قوول و ريحني قــ ـ ـو

بُتِرت كلماتها،و غاب صوتها في نحيـب مريـر استطعمهُ لسانها..بضُعف التجأ رأسها إلى صدره..أحاطت ذراعاه بوقاحة لم يُنَكس رأسها الندم جسدها المُرتعش خيبةً من استيلاء أنثى على زوجها..لسنين ظلَّت تتأمل بوادر فَقدها بين عينيه و في حركاته وشروده الواضح..إحساسها الخاص هَمَسَ لها بوجود امرأة أخرى ذات مرة أخطأ و نادى ابنته الكُبرى باسمها لتتيقن هي و تبدأ رحلة عذابها..أخفض رأسه لرأسها،يستمع لبُكائها بصمت أسود..خبَّأ وجهه في شعرها،يُخفي خطيئته النكراء..خيانة مفضوحة لم يتستر عليها..يُداوي آثارها و يُضَمد ما سببته من جراح لايدري هل ستلتئم،ام أن خلاياها قد أحرِقَت.. وأصبح موتها مُؤبداً...و لا فائدة من أي دواء !



تفاقمت الأفكار في عقلها،غسيلٌ للمخ أجراه الخط الأحمر الذي أوجده ذلك المُتَقلب بينهما،رسمهُ بدمٍ نَضَخَ من قلبها في ليلتهما الأولى،الليلة التي انتظرتها أنوثتها على جبلٍ أخضر زُرِعَت فيه بذورها الجنينية حتى أنبتتها الأرض أنثى طاهرة،يكسو البياض روحها البريئة،جسدها العُذري ارتعش خَجَلاً لِقُربه من الاعتناق مع جسد رجولي يطوي بين كفيه دفئاً لم يُذيب جليد نفثته أنفاسه بقسوة..

حول سبابتها تُدير خصلتها الفاتحة التي اصتبغت بلون كستنائي التمس شيئاً من شعاع الشمس في ساعات الغروب الأخيرة،ليمتزج بحريرٍ ينساب بسحرٍ على كتفيها و انحناء ظهرها المُثير..شاردة بتحليق مُضطرب الجناحين بين مُستقبل زاهر و حاضر يتدثر خوف في قلبها من انقطاع طريق مُستقبله المجهول !
زَفَرت فكرتها المترددة بين سقوط و البقاء مُتَعَلقة في جوف غيمة باردة،تخاف أن تسقط و بدلاً ان تتشربها زهرة يانعة أن يلتهمها بحراً يسوقها بُخاراً بمبلغٍ بخس إلى سماء واسعة تتخبط بين هبات رياحها الشديدة..

نهضت من جلوسها الأقرب من الإنسلاخ على موقد اللهب،رفعت شعرها ذيل حصان بالربطة المطاطية الخفيفة التي تسكن معصمها طوال يومها،رتبت ملابسها،خطوة تعيسة لمرآتها تَتَبِعَها كلما أرادت أن تُقابله..ملابس نوم بسيطة،سروال بحري ضيق يرتفع عن كاحليها بشبر،أطرافه من الدانتيل الرقيـق أُحيط مثله فتحة صدر قميصها الأبيض..خرجت من غرفتها الصديقة،خَطَت الأربع خطوات الفاصلة بين غرفتها و ساحة معركته السرية..تنفست بعمق،سمت بالله ومدت يدها تطرق بابه الموصد..دائماً !

انتظرت بعد طرقتها اليتيمة أذن بالدخول،أصابعها تتجاذب بتصادم لم تشعر بوجعه من تخدير الخوف لأطرافهم..شَجَّعت نفسها و قَرَّبت رأسها من الباب تحاول التقاط همس كسـول قد يكون لسانه قد نطقه..رفعت يدها بتردد لتطرقه ثانية..لكن انفتاحه المفاجئ جعل خطواته ترتد بفزع للخلف..

عـاري الصدر و شعرُ رأسه غارق في الماء دليل عل استحمامه القريب..تقطيبة مُغالية لمشاعرها تَلَبَّست ملامحه،نومٌ يبدو في عينيه المُنسَدِل نصف جفنيهما..يده اليمنى مبسوطة على طرف الباب ويُسراه اختفت وراءه..بهمس مُعدَم الشعور

،:نعــم ؟

رفعت كفيها تتلمس أطراف شعرها،حبلُ إعانة و إنقاذ لمقابلة الجمود الذي أمامها..ازدردت ريقها تُهَيئ أحبالها الصوتية..و بصوت منخفض نطقت
،:بغيت اكلمك في موضوع

ضمَّت شتفيها و هاجس حام فجأة فوق رأسها..أتُفتَح المواضيع بين الأزواج بعد الثانية عشرة صباحاً ! ..أليست فظاظة أن تُقاطع نومه ؟ لكنه لم ينم..مُقبِل على النوم،لكن هي تعتقد أن رجلاً مثله لا بُدَّ انه يرفض المُناقشات الليلية..فهو لم يترك طبعاً غريباً إلا و تشَبَعه ! لا خبرة لديها في العلاقات بين الأزواج..،

قاطع هواجسها سؤاله،:شنـو ؟

تنهيدة باطنية..إذاً لا يُمانع النقاش..تقدمت خطوة و كلمته الوحيدة رشت قليلاً من الجُرأة على روحها المُتَخَوفة..

،:كنت ابي اقول لك ان قررت بعد تفكير أسجل في الجامعة

و قَبلَ أن تميل زاوية فمها لتكشف عن إبتسامة تُكمل بها حديثها نطق هو،:سوي الا تبينه،شي ثاني ؟

لو كان عالماً بأسرارها عند الغضب و الحَرج لرأت عيناه معالم الإنفجار التي أحدثها تعليقه المَنتَقِص لإهتمام فُغِرَ فم روحها المُتَعطشة للإرتواء منه..قبضة يدها أحمَّرت من شدة ضغطها و شاركها الإحمرار وجهها المُنصَعق من ردّه المُحرج..أرني اهتماماً ولو تَصنُعاً..اسألني عن التخصص الذي قضيت أسابيع أفكر فيه..تحقق عن الجامعة التي سأقضي نصف يومي بين جدرانها..تكلم..أنطق..فالحروف لا تُشترى و إن بيعت فهي لا تُكلف المرء شيئاً..متوفرة بلا انقطاع في سوق الكلام..فرّحني بكلمة..هديتك لي ولو كانت بغلاف أسود،فلا عليك سَأُلَوّنه داخل قلبي بألوان اُسعِد نفسي المسكينة بها،أكذب بها على روحي..اُصمِتُها و أسد فوهة حسرتها..سأخبرها همساً أن رَجُلـ ـ ..لا لن انسبك لذاتي..فأنت لم تكن أبداً لي ..سأخبرها أن يُوسُف قد ابتاع أخيراً حديثٌ مُستَهَلَّه الإهتمام...،

أنزل عينيه عنها و أدار نصف جسده مُستعداً لأن يُغلِق الباب..لكن صوتها المُتَحد بهجوم أوقفه

،:انت ليــش ما تحس ؟!

التفت لها بقوَّة..عقَّد حاجبيه ..تساءل و كأنهُ لم يسمع،:نعـم ؟!
ارتفع صوتها بحَرقة،:ليــش ماتحس..باارد ما تقدرني..ماتقدر اني زوجتك تهتم لي و تشاكرني الكلام
بذات البرود الذي الهبها،:اللحين شنو يدخل هالحجي ؟
رَفعَت تلك الغارقتين،:اقول لك ابي اسجل في الجامعة ما سألتني ولا شي بهالخصوص،ما اهتميت ما كأنه هالشي مُستقبلي !
اقترب منها مُبتعداً عن الباب،:يعني شنو تبيني اقول ؟ تبيني اعارضش مثلاً ؟ هذا انا عطيتش الحرية بالتصرف مثل ما تبين
اقتربت هيَّ تمشي على جمر،:اسألني عن التخصص الا اخترته،الجامعة اللي ابي اروحها.."رفعت يدها إلى صدرها تُشير" حسسني اني زوجتك خلني اشوف اهتمامك..مابي منك شي صعب..بس ابي احس ان في رجال يساندني

رفع يده إلى خصره يقف بميلان و الأخرى ارتفعت لشعره تُرجعه للخلف وهو يهمس بتأفأف،:استغفر الله ياربي
أكملت بيأس و قلة حيلة قيَّدت أطرافها،:مافي أمل منك "حرَّكت كتفها و هي تُردف باستهزاء" انا الغبية كنت انتظر تفاعل من واحد مثلك "ارتفع صوتها بقهر" شنو متأملة من واحد ثلاث سنين عايشة وياه في بيت واحد و ما اعرف عنه ولا شي..مختفي كأنك مجرم مادري شقصتك و شنو بلاويك.. انــاني ما يهمك الا نفسك تجيني وقت حاجتك بس "تَهَجَّدَ صوتها و رأسها يميل لكتفها" وبعدين ترميـ ـ ـني بدون أي ذرة احساس..لو كنت ادري انك انـ ـ ـاني هالكثر ما تزوجتـ ــ ـك

رَفَع رأسه لها..احتدت نظراته لكنها لم تخف و لم تتراجع خطواتها كالعادة،فهي حالياً غريقة في بحرٍ اختلطت فيه جميع المشاعر المُتعِبة..و لا مجال لشعور آخر..بفحــيح كان سُمه مُوجع أكثر مما توقع عقلها

،:يعني أنـا الا تحسبين سعيت عشان اتزوجش ؟

ذراعها بدفاع ارتفعت تُحيط بها جسدها..درعٌ تصد كلماته القادمة بسرعة السهم قبل أن تخترق قلبها..و لكنها أسفاً ارتعشت لتأوه روح استشعرتهُ عروقها..كلماته أصابت القلب و واصلت حتى انغرست في الروح..دون رحمــة !

اقترب منها و هو يهمس من بين أسنانه يُواصل ذبحها حيَّة،:لعلمش،طول هالثلاث سنين اللي تتكلمين عنهم انا كنت انتظرش تتعبين و تطلبين الطلاق

وَقفَ أمامها و أكمل مراسيم ذبحها،:اذا تبين الطلاق ترى انا جاهز في اي لحظة...انا رجال ابي اشتري راحتي

أنهى فيضانه المُدّمر و استدار عائداً إلى قصره الذي يُحيك فيه شره..أما هي و آه منها هيَّ..لو تشعر الجدران لبَكت شفقةً و رأفةً على حالها..قدماها تَرجُفان بضُعف،للحظة نسيت كيف تقف..اضطربت عضلاتها،اقتربت من الهوان وموت الإحساس..سقطت بانجذاب مؤلم فاقه ألم روحها..اجتذبتها الأرض الخالية من دفئ يُسنِد كَسرَها..بباطن يدها تَمَسَّكت بالأرض تحبو طفلةً سُلِبت منها عروستها..تزحف لتنجو بنفسها من قصفٍ أودى بحياة قلبها..على الأرض خلَّفت عيناها بُقعاً شفافة انعكست فيها صورتها المُفجِعة..شهقات مُتتالية آلمت صدرها..تتنشق بارتعاش و النحيبُ يَرتفع عابراً حَلقها بعبرة ماراً بأنفها ليُحرِقه ليتوقف عند مَحطة عينيها التي تفتح أبوابها مُفرِجة عن قطرات تُنحِت أثرها على خدها الناعم..

وَصَلت غُرفتها القريبة المفتوح بابها،دخلتها و أغلقته،تتوحد بنفسها،تنطوي مع بُكاءها،تعقد صداقة جديدة مع الأنيـن،استندت على الجدار قُربَ الباب،رفعت ساقيها تحتضنهما لتتوسد قساوة رُكبتيها،خبأت وجهها فيهما،تُخفي جرحها..تَستَتِر على نَفي أنوثتها..

حَطَّمَها..ألغى وجودها بكلمات لم يحسب لها حساب..لم يُفكر قبل أن ينطقها لسانه،نَسيَ أنها تحمل في جوفها روح رقيـقة هَشَّة تنحني بمُجَرد أن يصطدم بها هواءٌ قاسي..نَثرَ أنوثتها على الأرض و بقدمه وطأها يُبَعثِرَها مازجاً إياها بتراب تراكم على رئتيها يمنعها من جَر نَفَس جديـد..أهداها إلى الموت بسخـاء..كَفَّنها بكفن التحقير..دفنها دون أن يُصلي عند قبرها..أشعرها بحجم مكانتها لديه..وضيعة هي بالنسبة له..هُناك بالقرب من قدمه،مُهَمَّشة مثل ورقة مُصفّرة جعدتها قسوة الزمن بعد أن سقطت من غُصن شجرة بَخُلَت عليها بظلٍ يقيها حريق شمس لم تهتدي إلى قلبها قط..

أنهاها..أنهى الحُــور التي انتظرته لزمن على باب جنتها الأنثوية !






يتبع


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 28
قديم(ـة) 31-08-2015, 05:28 PM
simpleness! simpleness! غير متصل
©؛°¨غرامي فعال ¨°؛©
 
الافتراضي رد: ذات مُقيّدة حوّل عُنُقُ امْرَأة / بقلمي




ساهرٌ برفقة هاينـز الذي تَمَنى لهُ عدة مرات أن تكون سهرته مع امرأة حسناء تُراقبه و تطمَئن على وجع كَتِفه..مرت ثلاثة أيام على ما حدث،المُهمة و لله الحمد تكللت بالنجاح..في النهاية تم القبض على المُتَهَمِين من قبل الشرطة، و كما أخبره آستور أنه بعيد كُلَّ البُعد عن القضية..حتى الآن
استنشق من سيجارته و ذاكرته تعود للأيام الماضية،بالتحديد بعد الإتصال الذي وصله من آستور..تحت ضوء القمر المُتَوَسط سماء الريف المُرَصَّعة بالنجوم، وعلى كُرسي خشبي بجانب كُرسي هاينز المُندمج في غناء اغنية أضاع لحنها،مُشاركاً إياه الإستنشاق وبين اصبعيه تتكأ من يحترق بها ولو القليل من ضيق الروح..قفزت ذاكرته إلى الغُرفة 407


،

وصلته الجَلبة في الخارج..تحرَّك بسرعة إلى الباب و السلاح أرجعه خلف ظهره..وضع أذنه يسترق السمع..أصوات همهمات لم يستطع أن يُميزها..وضع يده على القفل ليفتحه لكن اهتزاز هاتفه في جيبه أوقفه..أخرجه و هو يتراجع للخلف..وضعه في أُذنه دون أن يتكلم وصوت يصرخ اخترق مسامعه

،:موهاميـــد اهرب لقد اكتشفوا أمرنا !

اتسعت عيناه بصدمة..لم يكن يتوقع أن يُكتَشف الأمر..فسذاجة هذا العجوز و رُعبه الواضح جعله يجلس على كُرسي الراحة،فهو لم يتوقع للحظة أن يشعر بغرابة الوضع..تحرَّكت عيناه للباب،و بسرعة أقفله.. ثوانٍ و مقبضه يتحرَّك في محاولة لفتحه..التفت بسرعة يبحث عن مخرج،نظر إلى النافذة من بعيد..تقدم خطوة لكنه توقف و هو يتذكر أنه في الطابق الرابع..عضَّ طرف إبهامه بقهر،لن يستطيع أن يقفز..هو قادر لكن حتماً سيجذب الناظرين..بدأ يمشي ذهاباً و إياباً يحاول أن يتصيد فكرة تنقذه..المحاولات تطورت إلى محاولة كسر الباب.. صوت بيمي الصارخ يصله بوعيـد..وضع يده في جيبه بعد أن أقفل الهاتف،اصطدمت أصابعه المحشورة في جيبه بشيء معدني..تحسسه..ثوانٍ و ابتسامة مَكر حاذق تكونت على شفتيه..رفع بصره للأمام و بهدوء تقدم..


في الخارج

بيمي و رجال الأمن يحاولون كسر الباب..لا بُدَّ أن يُقتل هذا الكاذب..لن تُكشَف خطتهم..لا يدري كيف استطاع هذا الرجل أن يعرف بها،باحتراف خدعهم..لن يجعله يفلت من يده
واصل رفس الباب بقدمه..كان يقترب من الإنفتاح..لكن صوت حاد قاطع مُحاولته..وضع يده على الباب و الأخرى رفعها أمام الرجلان يوقفهما تحت أنظار رئيسه..نظر للمبقض،أخفضها إليه بخفة أغمض عينيه و أنزلها ليتفاجئ بالباب يُفتَح..نظر بصدمة لديريك،ابتسم بعدم تصديق وهو يفتحه بخفة..انفتح بأكمله لتتراءى أمامه النار وهي تأكل الغرفة..صرخوا بفزع وهم يتقدمون للداخل..النيران التهمت أطراف الستائر الفخمة،و تنتنشر على دعائم السرير الخشبية..همس ديريك بأسى
،:غُرفة فُندقي
تقدموا أكثر في الغرفة محاولين إخماد النيران..صوت إغلاق باب قوّي نبههما ليصرخ ديريك بقهر
،:لقد هرب
ركض بيمي بسرعة فاتحاً الباب ليسقط بصره على طيف جسد يخرج من الجناح..صرخ بأعلى صوته
،:أوقفـــووه


هُوَ

يجري بأقصى سُرعته،فوق رأسه وضع معطف بذلته و سلاحه أخفاه تحت بنطاله أسفل ساقه بعد أن ثبته حولها بربطة عُنُقِه..كان يجري بين ممرات الطوابق مُستخدماً السلالم و لسانه يصرخ مُحَذرا بكلمة واحدة

..feuer..feuer

كان مقيمو الفندق يخرجون من غرفهم بهلع،بعضهم صدق و البعض حَسِبَها خدعة قبل أن يصدمهم بالواقع جرس الإنذار..تجاوز الناس وهو ينظر بعين واحد من تحت معطفه و لم يتوقف عن الصراخ بكلمة حريق..وصل الطابق الأرضي..تجاوز الرُدهة وهو يَنسل من بين تَجَمع المُقيمين المُرتبك..خرج من باب الفندق الدوار ليُرادف خروجه دخول رجال الشرطة بأسلحتهم بعد أن وصلهم بلاغ قبل نصف ساعة عن وجود اتفاقية مواد ممنوعة في الفندق !

تجاوز الشارع المُقابل للفندق.. وعيناه التقطتا خُلو الموقف من السيارة السوداء..أخرج هاتفه من جيبه وفتحه وهو في غمرة جريه،ضغط الاسم المطلوب و رفعه لأُذنه،ثوانٍ و جاءه الرد..
،:قُربَ المطعم الفرنسي في الساحة الكبيرة
،:انا في الطريق ســـو
سيارة مُسرِعة بتهور شقت طريقها و صدمت جانب جسده المُنهَمك في هُروبه..سقط على الأرض و تدحرج جسده ثلاث مرات حتى اصطدم كَتِفه بعمود إنارة..تأوَّه و صوت فرقعة يرتفع من كَتِفه.. رفع رأسه بملامح منكمشة يبحث عن هاتفه،كان مُلقى على بُعد اربع خطوات عنه..ابتسم بسخرية،مُحال ان تنتهي مُهمة و لا يُصاب فيها !
وضع باطن يده على كَتِفه وبرجليه اتكأ على الأرض ليقف..تناول هاتفه و ابتعد عن السيارة التي خَرَج منها رَجُل لم يرى ملامحه يصرخ بغضب بكلمات لم يُفَكر أن يسمعها..رفع الهاتف و الخط لا زال مفتوح..
،:موهامــد أين انت ماذا حدث موهاميـد تكلم موهامـ
،:انا بخير لا تقلق،انتظرني و لاتتحرك دقيقتان و انا عندك


،

رافق هاينز بعد أن وصل محل وقوف السيارة..حاول معه ليقله المُستشفى ليفحص كتفه..لكنه رفض بشدة و أمره بالذهاب مباشرة لكوخه..و هُناك وضع فوقه قطعة قماش مُبللة بعد أن استلقى على أريكته الواسعة..وصل هاينز اتصال من آستور ليُخبره بنجاح المهمة في اللحظة الأخيرة..فالعضو الذي كان يحمل البضاعة و الذي هو تنكر بشخصيته قد تم القبض عليه أثناء محاولة هروبه من الفندق..و بعد تحقيق اعترف هو و العجوز الجبان..حالياً هو بعيد عن القضية..و لا يدري هل سيمر الامر مرور الكرام أم ان رسماً تَخَيُلياً سيفضحه !



صباحاً..يوم جديد و خطوة جديدة بالنسبة لملاك..على كُرسي مكتبها الخاص تجلس..رافعة سماعة الهاتف الأرضي تضغط أرقام تنقلها من دفتر كبير بجانبها يحوي أسماء و أرقام تخص الطالبات..وضعت السماعة على أذنها و يدها ارتفعت ليستقر ظاهر أصابعها على شفتها..ثوانٍ وجاءها صوت رجولي رخـيم
،:الـو نعم
،:السلام عليكم،صباح الخير
،:و عليكم السلام،صباح الخير
،:الأخ ابو غازي ؟
،:اي نعم،من على الخط ؟
بثقة نطقت،:عمي وياك الإستاذة ملاك مُشرفة مدرسة بنتك سُمية
،:يا هلا..شصاير يابنتي سُمية فيها شي ؟
،:عمي بغيت اكلمك في موضوع بخصوص سُمية..اذا تقدر تشرفنا المدرسة




~ انتهى




،


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 29
قديم(ـة) 31-08-2015, 06:31 PM
لامــارا لامــارا غير متصل
©؛°¨غرامي نشيط¨°؛©
 
الافتراضي رد: ذات مُقيّدة حوّل عُنُقُ امْرَأة / بقلمي


مساء الخير

ماااا شاء الله البارتات رووووووووعة مثلك

يا قمررررررررررر

تتنظر القادم

بكل حب وشوق

دمت بود

الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 30
قديم(ـة) 01-09-2015, 12:15 AM
simpleness! simpleness! غير متصل
©؛°¨غرامي فعال ¨°؛©
 
الافتراضي رد: ذات مُقيّدة حوّل عُنُقُ امْرَأة / بقلمي


اقتباس:
المشاركة الأساسية كتبها لامــارا مشاهدة المشاركة
مساء الخير

ماااا شاء الله البارتات رووووووووعة مثلك

يا قمررررررررررر

تتنظر القادم

بكل حب وشوق

دمت بود

صباح الخــيرات

انتِ الأروع حبيبتي
جزيـل الشُكر على المرور

سلمتِ


،



الرد باقتباس
إضافة رد

ذات مقيدة حول عنق إمرأة / بقلمي

الوسوم
مُقيّدة , امْرَأة , بقلمي , حوّل , عُنُقُ
أدوات الموضوع
طريقة العرض
مواضيع مشابهة
الموضوع الكاتب المنتدى الردود آخر مشاركة
اعشقك يانبض قلبى (بقلمى) مصريه وأفتخر خواطر - نثر - عذب الكلام 12 14-10-2015 03:11 AM
قصائد بقلمي Meejo_1 شعر - قصائد - قصايد - همس القوافي 16 20-09-2015 01:17 AM
فخور بك (بقلمي) خالدالامل خواطر - نثر - عذب الكلام 11 06-07-2015 11:24 AM
مجرد بوح بقلمي معشوقة ذاك الامير خواطر - نثر - عذب الكلام 11 25-06-2015 02:05 AM
في حفظ الله بقلمي خالدالامل شعر - قصائد - قصايد - همس القوافي 4 10-03-2015 11:22 PM

الساعة الآن +3: 08:36 PM.
موقع غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات


تصميم دريم تيم

SEO by vBSEO 3.6.1