اكتب بريدك ثم اضغط على اشتراك ليصلك جديد غرام
بحث مخصص من محرك البحث العالمي قوقل للبحث في غرام

عـودة للخلف   منتديات غرام > منتديات روائية > أرشيف الروايات المغلقة - لعدم إكتمالها
الإشعارات
 
 
أدوات الموضوع طريقة العرض
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 1
قديم(ـة) 23-07-2015, 04:08 PM
simpleness! simpleness! غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
Post ذات مقيدة حول عنق إمرأة / بقلمي


بسم الله الرحمن الرحيم
السلامُ عليّكم ورحمة الله و بركاته

بدايةً،رُبما الذي سأكتبه لا يهمكم،و لكن أحتاج أن أُدرج هذا الحديث مع الرواية
لا أدري في أي ترتيب تُصنف هذه الرواية،هل هي العاشرة أم الخامسة عشر ؟!
كُنت أكتب ثم أفرغ كتاباتي في سلة مُهملات حاسوبي المسكين الذي في النهاية أنهى خدمته مُحتفظاً بكتابات للأسف لا أملك نسخة منها،ولا أتذكر منها حرف !
و كأنه يُعاقبني على عدم ثقتي بحروفي وعدم تقديري لها..

لذلك قررت أن أنشر هذه الرواية لكي لا تلقى مصير أخواتها،و لسبب ما سيرون أبطال هذه الرواية النور من بين كُل أبطالي السابقين..

لستُ مُحترفة ولا أقتبس أسلوب غيري من الكُتاب، بل لا أُصنف نفسي كاتبة،فأنا هاوية فقط... أكتُب لأستشعر تلك اللذة الخاصة..


*فللكتابة رجفة لا تُصيب إلا عاشقيها !

قد أستعين بالخيال في رواتي وهذا لا بُد منه،و أتمنى أن لا أُسهب في خيالي..هي رواية واقعية يتخللها خيال اضطراري ليربط أحداثها ويُقنع القارئ..

سأبدا اليوم بأول أجزائها،راجية من الله أن يُعينني لإنهائها دون أي عقبة..

أنتظر رأيكم وانتقاداتكم،و أرجو أن لا يأتي الحُكم سريعاً..

~أسبِروا أغوارَ أبطالي

.


بسم الله توكلتُ على الله

.
.

،
أريحيني على صدرك
لأني مُتعب مثلك
دعي اسمي و عنواني و ماذا كنت
سنين العمر تخنقها دروب الصمت
و جئت إليك لا أدري لماذا جئت؟
فخلف الباب أمطار تطاردني
شتاء قاتم الأنفاس يخنقني
وأقدام بلون الليل تسحقني
وليس لدي أحباب
ولا بيت ليؤويني من الطوفان
وجئت إليك تحملني
رياح الشك..للإيمان
فهل أرتاح بعض الوقت في عينيك؟
أم أمضي مع الأحزان؟
وهل في الناس من يعطي
بلا ثمن..بلا دين..بلا ميزان؟

،

*فاروق جويدة




،


فَقدُ ذّات

نَظرت إلى وجهه،لم يَكن شبيهاً بالأمس،يُحيطهُ غموض مُوّحش أشبه بليلٍ نامت فوقَ قَمَرِه حبات ثلجٍ صعيقية أغشت ضوءه وجعلته ضبابياً يُعمي القلوب قبل العيون..
كان غريباً وجـداً !
عندما احتضنته كانت رائحته كغُربته،لم تكن كتلك التي احتفظ بها قميصه النائم قُرب قلبها لثلاثة عشرَ عاماً..

تخبَط قلبها في صدرها..فهي لا ترى نفس العينين اللتان نظرتا لوجهها أولاً،و اليدان باردتان قد غابت الحياة عنهما و حل مكان الدفئ شتاء أسود أرجفها مُحذراً أنه ليس هو !
تساءلت وهي تنظر لفمه المُطبق و شفتيه المزمومتين بضيق لا تعرف مصدره،أما زالت تلك الأحرف الثلاث تحمل النغمة نفسها في صوته؟
تلك الكلمة التي تقلّصت من أربعة أحرف حتى ثلاث،و انتقلت من البراءة إلى النضوج،وفَى فيها حرف واحد فقط،تحوّلت من "ماما" إلى يُمه"...هل لا زال لسانه يعرف كيف ينطقها ؟

تركت يده وهي تنفرها بعيداً كمن أصابهُ تماس كهربائي..و كأن السحابة التي مرّت وظنّت أنها مُحمّلة بغيث كان نتاج انتظارها له "سُكّر،ضغط،و آلام مفاصل"،ألقت ببرّقِها على قلبها بدل أن تُلقي قطراتها !
خَرَجَ صوتها مُرتعشاً هامساً بخيبة أمل فاض على إثرها نهر عينيها الحزينتين،:هذا مو ولّــدي








الجزء الأول


ماضٍ


تتعالى ضحكتها و تزداد كُلما شعرت باصطدام قَدماها بأوراق أشجار الخريف المتساقطة على الأرض بانتشار أشبه بغزو قضى على ملامح الأرض بعد صيفٍ لم يَكن مثلما توقعت..كان الصوت الذي يُسببه تكسر الأوراق الخريفية يعجبها و يجعلها تضحك ببراءة كما تقول والدتها و بغباء كما يقول أخاها..!
تتذكر صوته وهو يُحاول إغاظتها،:غبيــة غبية على شنو تضحكين؟ما يضحك ما يضحك يا غبيـــة
و ترتفع ضحكته على حديثه الذي يعتبره مُضحكاً أكثر من صوت تكسر الأوراق..!
تنظر له بطرف عينها بغرور تُدير عنقها بقوة يتحرك معها شعرها مُلامساً طرف خدها بنعومة،تجري مُبتعدة عنه و تواصل أذنها سماع الصوت الذي بات كنوتة موسيقية تطربها و تثير ضحكتها العالية..
رُبما كانت تلك أجمل ذكرى لها..ليس ربما بل أنها بالتأكيد كانت اجمل ذكرى لها...كان آخر خريف تركض فوق أوراقه،و كان آخر خريف تسمع فيه الأشجار صوت ضحكتها بهذا العلوّ،على الرغم أنه كان هناك صوتاً عالياً بقي صداه بين شقوق جذوعها..إلا أنه لم يكن صوت ضحكات بريئة...أو غبية !

،

أغلقت النافذة بعد أن رسمت خلفها منظراً يتكون كُلما سقطت عيناها على بُقعة خالية كالتي تُطلّ عليها نافذة غرفتها،منظر تعيش مواقفه و كأنها الآن،تسمع أذنها الأصوات و ترى عينيها تحركات الأجساد أمامها،أما أنفها فتختلط عليه الروائح لتصل الى درجة عدم تمييز ما تستنشقه،تَطَغَى رائحة على الأخرى..يزيد تركيز تلك الرائحة و تشعر بها تلتف حول عُنقها كحبل مشنقة يُلف لإعدامها..،تدمع عينيها من قوة الرائحة ويحترق أنفها ويحمرّ..تصل الى بلعومها فتفقد سيطرتها على نفسها،يرتفع من حلقها سائل مُرّ تكرهه..يتناثر على الأرض بالقرب من ركبيتها المرتجفتين،تبكي بقهر لازدياد ضعفها،روحها الهشة تُنهك وفمها لا يتوقف عن إفراغ جوفها من الذكرى التي تتجدد كُل ثانية دون أن تنضب و كأنها أقسمت أن تبقى فيها خالدة...أقسمت أن تُعذبها،أن تستلّ سيفها المسموم وتمرره على جراحها الغائرة،أقسمت أن تحجب عنها كُل لحظة فرح حتى باتت تتمنى الموّت أن يُعجّل بقدومه إليها ليُنهي استبداد الذكرى على مملكتها المُحتلة..!



حاضر


جَمعٌ غفير من الناس و أصوات تداخلت حتى تشابكت بطريقة مُزعجة آلمت أُذنها،يديها المُتعرقتين تتحركان بتوتر في حضنها ورجلها لم تتوقف عن الاهتزاز مُنذ ساعات..تقف ثُمَ تجلس وبين الوقوف و الجلوس مشقة،فهي عليها ان ترفع الثقل الذي ترتديه حتى لا تتخبط منه..كان ثِقلاً على جسدها وعلى روحها..بياضه النقي لم يشفع لهُ فهي و قبل أن ترتديه قد كَرِهته....
نظرت للمرآة أمامها،تأملت ملامحها وهي تتذكر كلمات نساء أهلها،قُلن جميـلة،و البعض قال مُبهرة..وبعضهن نطقت اعينهن إعجاباً قبل ألسنتهن،ارتعش نَفَسَها في صدرها واحترق أنفها حتى أحمرّ،تشوشت الرؤية فعينيها باتت تغرق،سقطت أوّل دمعة مع دخول ابنة عمها..سمعت شهقتها وهي تقترب قائلة..
،:حنـين ليش الدموع لا تخربين المكياج مسكينة البنت ساعتين وهي تشتغل
توالت الدمعات وهي تجلس على الأرض امامها مُمسكة بيدها المُزينة بنقش الحناء الأنثوي،و بحنية تقول،:يا عمري ما تعبتين من الدموع..اليوم لازم الدمعة ما تزور هالعيون الجميلة،ابتسمي حبيبتي هالليلة ما بتنعاد
حركت رأسها بالنفي وخصلات شعرها المُصففة بعناية تحركت معها تصطدم بوجنتيها وجانب عنقها المُحاط بعقد فخم..
بهمس مُتقطع،:مـ ـا اقدر،جنان ما ابي انزف لــ ــه
اتسعت عينيها بصدمة،:شـلون ماتبين تنزفين؟! ما يصير يا حنين شنو تبين الناس تقول
سحبت يدها من بين يديّ جنان بقوة وهي تقف غير مُبالية هذه المرة بفستانها البغيض..بحشرجة قالت،:ما يهموني النـ ـاس انتوا تذبحوني يا جنان..محد فيكم حاس فيني حـ ــرام عليكم
وقفت لتُقابلها و بجدية،:يا حنـين احنا نبي مصلحتش انتي قاعدة تتبعين عواطفش وهذا خطأ
بحدة خرج صوتها من بين الدموع،:عواطفي وكيفي محد له دخل فيني انا ادرى بمصلحتي
بتأنيب قالت،:حتى عمي ماله دخل يا حنين ؟!
مالت شفتيها للأسفل وكتفيها ارتخيا بقلة حيلة،انفلتت منها شهقة شعرت بها تجرح حلقها..جلست بتعب على سريرها ويديها ترتفعان لرأسها تضغطان بقوّة..نطقت بألم ،:ابوي ذبحني مرة و اللحين يبي يذبحني للمرة الثانية

،:ابوش فعلا ذبحش مرة بس هالمرة يبي يرجّع النفس و الروح للجسد اللي ذبحه

رفعت رأسها للصوت،كانت والدتها تقف عند باب الغرفة بكامل زينتها المُحتشمة،اقتربت منها حتى وقفت امامها..أمسكت بذقنها لترفع وجهها، وبهدوء تخلله حنان احتاجته في هذه اللحظات،:يا بنتي كل الا سواه ابوش وقاعد يسويه اللحين لمصلحتش،انتي بنته و بجره "البكر" ما بيظلمش لو شنو صار
عينيها تتحركان على وجه والدتها بضياع،التمست الحنان في صوتها..وشعرت بالدفئ في عينيها..همست لها برجاء مُتمنية أن تستجيب لها..
،:يُمه انا طاوعت ابوي وما رفضت اي شي يقوله..بس هالمرة خلوني على راحتي مابي زفة مابي ادخل على الناس ولا ابيه يجي عندي اهني
عقّدت والدتها حاجبيها باستغراب،:شلون جذي حنين شهالعرس؟!وين تبينه يجيش ؟
هزت رأسها بالنفي،:مابيه يجيني ولا في أي مكان
نظرت لها والدتها وجنان بحيرة قبل أن تنطق..
سحبت نفس عميـق،:أنا بروح لــه




تحترق هي و يحترق صدره...ينفث دُخانها فيشعر براحة مُزيفة..كانت الثالثة لهذا اليوم..واحدة في الصباح و الثانية عند الظهر و هذه الآن ليلاً و القمر شاهد عليه..و كأنه يُخبرها بأحداث كل ساعات اليوم..لتكون على دراية بالموقف لتعرف كيف تسحب التعب منه..كيف تُزوّده بالراحة التي يعلم أنها لا تمتلك منها ولو ذرة..
لكــن !
ابتسم بسخرية وهو يرميها على الأرض و يسحقها بقدمه ناسياً أنها قبل ثوانٍ كانت مُتنفسه،احترقت من أجله،من أجل أن تستمع لصوت نفسه المُتعب..!
زفر بضيق ويده ترتفع لتُرخي ربطة عُنقه السوداء،نظر لساعته بعد أن فتح زرار قميصه الأول..شعر بالهواء يداعب عضلات عُنقه المتحررة ...مضى على خروجه من المجلس ربع ساعة،يعلم أنهُ تصرف خاطئ وغير محترم ولكنه لم يستطع أن يواصل مُسلسل المجاملات..كان يحتاج الى ان يستنشق هواءً نقياً بعيداً عن رائحة البخور و العود و القهوة !
بارك لخاله وزوج ابنته ولم ينسَ جده الذي مد طرف يده له وهو يُشيح وجهه عنه حتى لا يُعطيه أي مجال ليُسلّم كباقي احفاده..حرك كتفيه،فهو لم يهتم ابداً،فقد اعتاد على هذا الصد منه ولا يستغربه..فصده بالنسبة لجهله في مَحلّه !
،:الى متى بتظل واقف اهني ؟!
استدار للصوت..ابتسم وهو يقترب منه ويديه تختبئ في جيب معطفه الرسمي،وقف أمامه و بهدوء خرج صوته كعادته،:اللحين بدخل،بس كنت اشم هوا شوي
قال وعينيه تنظر لوجهه،وبشك طغى على صوته،:ليش كنت مختنق داخل ؟!
رفعَ حاجبه وفي داخله يعرف الى اين يُريد أن يصل،فببرود قال يُنهي الموضوع قبل أن يبدأ،:لا تشغل بالك بأشياء تافهة،كنت احتاج اشم هوا نقي بعيد عن الفوضى لا غير
ارتخت ملامح وجهه مُتحررة من علامات الشك،أنزل عينيه ينظر إلى عُنق الذي أمامه،أصبح أوضح بعد أن أرخى ربطته وفتح زراره،تنهد وهو يُبعد عينيه الى السيارات المركونة خلفه وفي داخله تصارعت أفكار غير مفهومة..فقط أطراف خيوط لا يعرف كيف يربطها !
عادت عينيه لوجهه وهو يسمع صوته،:عبد الله تبي تقول شي ؟
عاد ونظر لعُنقه المشدود،عضلاته الواضحة و
،:عبد الله !
أبعد عينيه وبهمس قال،:ولاشي محمد
رفع مُحمد يده يُغلق زراره ويعيد ترتيب ربطة عُنقه وبسخرية يقول،:مشكلتك انك واضح ما تقدر تجذب
مشى أمامه بعد أن انتهى،:تعال خل ندخل..مو توك تأنبني على وقفتي ؟!



ماضٍ

كان كمن قد أُخرج قلبه من صدره و فُتحت شرايينه وأصبح ينزف دماً من كُلّ مسامٍ في جلده المُزرّق!
النَفَس يخرج بلهاث مبحوح مُتعب...قليلٌ من ريقه الجاف كان يتجمع عند زاوية فمه وعلى ذقنه المنتشرة فيه شعيرات كثيفة فقدت صبغتها خلال ثلاثة أشهر انقلب فيها عُمره،تقدم رقم و تأخر رقم وانقلب كيانه بأكمله!
خُطوات ثقيلة تضرب على الأرضية الباردة المتسخة بقوة ألمها يكاد يُمزق طبلة أذنه التي تخزنت فيها أحاديث و أسرار لو انكشفت ستحدث ضجة كبيرة في البلد!
توقفت قدمان ضخمتان تغوصان في حذاء جلدي رفيع أسود يُخفي بُقعاً تحكي وجعاً و ألماً و صرخات استغاثة بُترت أمواجها على أيدٍ تعلّمت نهب كُل ما هو مُلك لغيرها قبل أن تتعلم كيف تخط حرفاً..!
أغمض عينيه بعد أن تلقى ضربة بتلك القدم في خاصرته المُتصلبة بإعوجاج،ارتعشت أطرافه عندما استقبل المخ إشارات الألم الذي يُصبح حاداً أكثر كُلّما فقد قدرته على التحمّل..
فتح تلك العينين الغائبتين تحت ليلٍ لم يعرف القمر،ليلٌ سرمديّ لم يكن فيه عاشقاً ينتظر محبوبته ليهديها قُبّلة كان يحلم بها في منامه..بل كان أسيراً،أسير الظلم و الجشع و انعدام الإنسانية..!
كان و لأول مرة يتعرّف على جنس آخر من البشر،جنس جسده إنسان وروحه شيطان!
رفع عينيه ببطئ شديد.. فالجفن قد أثقلهُ الدمّع!..فتح فمه و حرّك لسانه و نطق شيئاً لم يُسمع و لم تقرأه عينان مُحبتان تفهمه..،أغلقه بعد أن اصطدم صوته بروحه ولم تلتقطه أُذنه،ظلّت عينيه مُركزة على الواقف فوق رأسه..
ثوانٍ و وصله صوته الخشن الغائص تحت أكوامٍ من الأتربة المُحمّلة بروائح موّت و أجساد مُعذبة..،:قوم....حررناك
اتسعت عينيه و مع اتساعهما سقطت إحدى الدمعات المتجمعة،فتح فمه بذهول وكلمة "الحرية" التي نطق بها جعلت دقاته تُرفرف كجناحين طير حُرّرَ من قفصه..!
كان طيراً ليلتها،بجناحيه المعكوفين و منقاره المكسور و رجليه الباقي فيهما أثر القيّد..
كان طيراً،و لم تستطع أن تحتمل روحه المثقلة بالأوجاع ثقل فرحة الحرية،ما إن رفرف مرّتين و أصبح مٌعلقاً بين السماء و الأرض،حتى انقلّب رأساً على عقب و جذبته الأرض إليها...هذه المرة ليس فوق الأرضية الباردة...بل إلى الأسفل،حيثُ يُنثر التُراب فوق جسده...و الروح ترتفع هاربة من الإختناق في أرض لم تجد فوقها رحمةً قطّ..!




حاضر

اتصلت إليه عمّته ، كما اعتاد أن يُسميها منذ شهر،اخبرته ان يخرج ليُقابلها قُرب المسبح،شعر بشيء من الحرج وهو يخرج من بين الرجال رافعاً "بشته" الذي خلعه ما أن خرج من المجلس..أخبر والده أنه سيعود بعد دقائق..وصل الى المسبح.. رآها تقف سارحة و كفيّها مُتحاضنان ، اقترب منها حتى وقف أمامها ...انحنى قليلاً ليُقبّل رأسها..سمع صوتها الأنثوي الشبيه بصوت والدته..
،:الله يخليك يا ولدي ويبارك لكم ويسعدكم ان شاء الله
اتسعت ابتسامته لدُعاءها وقال ونبرة الفرح تتخلل صوته الرجولي،:ان شاء الله ياعمتي الله يسمع منش..آمري بغيتي شي
تقلّصت إبتسامتها حتى غابت..ظهرت تجاعيد التوتر على جبينها وبدأت بفرك يديها و العبث في أصابعها..عقّد حاجبيه من قلقها الواضح..أعاد كلامه..
،:آمري عمتي
تنهدت ويدها تُرتب حجابها على شعرها،:ما يآمر عليك عدو يا ولدي بس حنيـن
وقطعت كلامها وهي تعض على شفتيها تمنع الأحرف من الخروج..
دق قلبه بتوجس وسأل ويده تمسك بكتفها،:شفيها حنين يا عمتي ؟
حاولت أن تبتسم له وهي تمسك بيده فوق كتفها،:مافيها الا العافية يا ولدي
تنفس براحة وهو يُغمض عينه للحظة ثم يفتحها قائلاً،:زين قولي لي يا عمتي شنو السالفة
تركت يده وهي تبعد عينيها عن عينيه بخجل من طلب ابنتها ،وافقتها رُغماً عنها خوفاً من تَبُعات قد تحصل لو لم تفعل ما تريد..لم تُخبر والدها بعد..لا تعلم كيف ستتحمل عاصفته لوحدها
خرجت كلماتها سريعة قبل أن تتردد مُجدداً،: حنين رافضة الزفة تقول لك بعد ما يطلعون المعازيم انتظرها في السيارة وهي تجيك عشان تروحون شقتكم
صمّــت
انتظرت منه ردّ..اعتراض او حتى صراخ ... تشجعت ورفعت عينيها تنظر لوجهه،كان عادياً لا يوحي بشيء..لم تصدر منه ردة فعل سوى أنه أنزل يده عن كتفها..نادته بقلق
،:بسـام
انحنى مرة أخرى وقبّل رأسها..استدار وقبل أن يبتعد همس
،:خل تنزل اللحين ماله داعي بعد ما يطلعون المعازيم،انا انتظرها في السيارة




قُرابة الساعة مضت وهي جالسة في غرفتها،على سريرها فرشت الصور..تستعيد الذكرى كُلّما كانت وحيدة..عينيها تتحركان على الصور ببطئ ونظرة عدم التصديق واضحة فيهما...لامست بأطراف أصابعها إحدى الصور..شعرت بحريق في عينيها و المنظر يقترب منها،انفلتت منها شهقة حادة فرفعت يدها الحرة تُكبحها..بدأ مركز الذاكرة في عقلها باستعادة الأصوات المركونة في صندوق في زاويته الذي لم يتسنى وقت للغبارأن يتجمع عليه ولا أن تنسج العنكبوت خيوطها فوقه،فهي اعتادت أن تفتحه طوال عشرون عاماً..ليلاً ونهاراً..عند الفرح و الحزن..

"يقولون كان تاجر مخدرات نصب على شركائه فذبحوه"

"استغفر الله كنت اشوفه يرجع في أنصاف الليالي يبين كان سكران،مشيته مو زينة اكيد جذي بتكون نهايته"

"بشماتة،:بنشوف اللحين شنو بتقول مريمو بعد ما انفضح زوجها،حرامي وراعي مخدرات "وبضحكة عالية" واكيد السالفة فيها بنات"

"بغى يذبح ولده،طلع مجنون ما عليه شره زين أنه مات قبل لا يذبح كل عايلته"


سقطت الصورة من يدها بملامح جامدة..عبثت بالذكريات حتى اخفضت درجة حرارة جسدها لتفقد الإحساس،لتنجرح دون أن تشعر بوخزة ألم.. ليكون بمقدورها العودة لهذا الصندوق من جديد،لرُبما اكتشتف سرّ من أسراره ! فهو لا يزال مُبهماً كصفحة بيضاء،لا خطوط عرضية و لا طولية،لا تعرف بدايتها من نهايتها..هي في متاهة دون أسوار تصطدم بها وهذا ما يؤرقها و يُشعرها بالاختناق..أن تكون حُرة لا تُكبلها سوى قُيود وهمية فرضتها عليها الذكرى..
آه من الذكرى،تشعبت في الروح بأطرافها الحادة حتى أدمتها..ليتهُ حُلم تصحو منه لترى نفسها لا زالت في عُمرها الخامس تلعب بعروستها وتنام بين والديها ليلاً خوفاً من الضيف المضيء الذي يزور نافذتها كُل ليلة !

ابتسمت شفتيها الزهريتين للذكرى السعيدة،رفعت عينيها للساعة المُعلّقة على جدار غرفتها الأبيض،كانت تقترب من العاشرة و النصف..جمعت الصور بالمقلوب،لا تُريد أن تُتعب قلبها مجدداً،لتترك التعب للغد..أغلقت الصندوق بعد أن وضعت آخر محتوياته..السلسال الفضي المُبهم !
قامت واقفة من على السرير وفي يدها اليُمنى الصندوق الأسود..صندق الأسرار الغير مكشوفة مُنذُ أعوام ! وهي تضعه في الدرج قُرب رأسِها سمعت صوت إغلاق باب الشقة ثم تلاه صوت والدتها..
رتبت شعرها قبل أن تخرج من غرفتها،فتحت الباب ليظهر أمامها وجه والدتها وظهر الداخل للتو..سلّمت بهمس وهي تقترب لتقف خلف الأريكة التي يجلس فوقها..وضعت يدها على كَتِفه وهي تقول..
،:وينك يومين ما مريت ؟
استدار لها بإبتسامة صغيرة تكاد أن لاتبان وبهدوء،:انشغلت ويا الدوام و البيت الجديد
دارت حوّل الأريكة حتى جلست بجانبه،:للحين ما خلصتون تأثيث ؟
حك أنفه بسبابته وهو يقول،:البيت واجد كبير شفتين مساحته،يحتاج وقت لين ما نخلص
تساءلت والدته،:وينها حور ليش ماجت وياك؟
نظر لساعة معصمه قبل أني يُجيب،:معزومة على عرس صديقتها،انتظرها تكلمني اذا خلصت عشان امرها
رفعت هاتفها تفتحه وهي تقول،:ايي طرشت لي صورتها،تجنن ماشاء الله "نظرت لأخيها" شفتها يُوسف ؟
زمّ شفتيه و حرّك رأسه بالنفي،ثُمَّ همس،:راحت مع امها وخواتها ما شفتها
ابتسمت له بخبث،:خلاص مدام جذي ما بخليك تشوفها،شوفها اذا رجعتون البيت
،:اشوفها ملاك
وقفت متوجهة لوالدتها،أعطتها الهاتف وجلست بجانبها،اتسعت ابتسامتها وهي تسمع مدح والدتها..
،:ماشاء الله قمر قمر،ناعمة ما تتكلف "نظرت لأبنها و بحنية دعت" يارب اشوف ولدك قريب
رفعت ملاك يديها للأعلى وبصوت عالي،:ان شاء الله يــارب "أنزلت يديها وهي تقول موّجهة الحديث لأخيها" قوول ان شاء الله يوسف
تنقلت عينيه بين والدته و أخته بصمّت وفرجة صغيرة تكونت بين شفتيه..
،:يُوسف يُمه قول ان شاء الله
أغلق فمه..تنهد ثُمَّ،:ان شاء الله يا يُمه ان شاء الله ..



~انتهى


  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 2
قديم(ـة) 24-07-2015, 05:57 PM
الهرة الهرة غير متصل
©؛°¨غرامي فعال ¨°؛©
 
الافتراضي رد: ذات مُقيّدة حوّل عُنُقُ امْرَأة / بقلمي


هلا وغلا
بداية موفقة ياحلوة
يعجبني القصص الي يلفها الغموض
حنين لماذا ياترى كل هذا الحزن والرفض هل ياترى هذا زواجها الثاني وليش مستكثر عليهم الزفه
بسام بين أنه يخاف عليها ويهتم لامرها بس لما رفضت الزفة عصب ماراح نحكم عليهم الأيام بتبين لنا شوسالفتهم
زوج مريم ياترى هو نفسه الي حرروه ولا هذا شخص ثاني
أسلوبك جميل وبسيط وعندك الكثير من الغموض الي ننتظر تفسيره

  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 3
قديم(ـة) 25-07-2015, 01:55 PM
لامــارا لامــارا غير متصل
©؛°¨غرامي نشيط¨°؛©
 
الافتراضي رد: ذات مُقيّدة حوّل عُنُقُ امْرَأة / بقلمي


السلام عليكم

ماشاء الله اسلوب جميل ومتوفق

ننتظر التكملة ع احر من الجمر

  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 4
قديم(ـة) 25-07-2015, 10:05 PM
صورة R.W.A الرمزية
R.W.A R.W.A غير متصل
©؛°¨غرامي جديد¨°؛©
 
الافتراضي رد: ذات مُقيّدة حوّل عُنُقُ امْرَأة / بقلمي


السلام عليكم ،،
بداية موفقة ، أعجبني اسلوبك في الكتابة
شئ جميل أن تبدأ الرواية باحداث غامضة وشخصيات لم تبان طبيعة تفكيرهم وما يجول بخواطرهم،
أتمنى ألا تكون أحداث الرواية مكررة كباقي الروايات
وسأحاول أن أكون من المتابعين للرواية .
ننتظر الجزء القادم
موفقة
^.^

  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 5
قديم(ـة) 26-07-2015, 03:13 AM
simpleness! simpleness! غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: ذات مُقيّدة حوّل عُنُقُ امْرَأة / بقلمي



اقتباس:
هلا وغلا
بداية موفقة ياحلوة
يعجبني القصص الي يلفها الغموض
حنين لماذا ياترى كل هذا الحزن والرفض هل ياترى هذا زواجها الثاني وليش مستكثر عليهم الزفه
بسام بين أنه يخاف عليها ويهتم لامرها بس لما رفضت الزفة عصب ماراح نحكم عليهم الأيام بتبين لنا شوسالفتهم
زوج مريم ياترى هو نفسه الي حرروه ولا هذا شخص ثاني
أسلوبك جميل وبسيط وعندك الكثير من الغموض الي ننتظر تفسيره




أهلين وسهلين..
الحمد لله..ان شاء الله التوفيق الى النهاية
الغموض من أهم ركائز الرواية بالنسبة لي..
حنيـن..بسام و مريم و "زوجها"
ظهورهم الأول...اترك لكم اكتشاف شخصياتهم وماضيهم..
ممكن تخميناتك صحيحة..الأجزاء المُقبلة قد تكشف القليل من الأمور
،
جزيـل الشُكر عزيزتي،ان شاء الله الأسلوب يستمر جميـل..
سلمتِ


  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 6
قديم(ـة) 26-07-2015, 03:17 AM
simpleness! simpleness! غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: ذات مُقيّدة حوّل عُنُقُ امْرَأة / بقلمي


اقتباس:
المشاركة الأساسية كتبها لامــارا مشاهدة المشاركة
السلام عليكم

ماشاء الله اسلوب جميل ومتوفق

ننتظر التكملة ع احر من الجمر

وعليكم السلام والرحمة..
شُكراً على الإطراء عزيزتي
التكملة قريباً ان شاء الله..


  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 7
قديم(ـة) 26-07-2015, 03:20 AM
simpleness! simpleness! غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: ذات مُقيّدة حوّل عُنُقُ امْرَأة / بقلمي


اقتباس:
المشاركة الأساسية كتبها r.w.a مشاهدة المشاركة
السلام عليكم ،،
بداية موفقة ، أعجبني اسلوبك في الكتابة
شئ جميل أن تبدأ الرواية باحداث غامضة وشخصيات لم تبان طبيعة تفكيرهم وما يجول بخواطرهم،
أتمنى ألا تكون أحداث الرواية مكررة كباقي الروايات
وسأحاول أن أكون من المتابعين للرواية .
ننتظر الجزء القادم
موفقة
^.^
وعليكم السلام والرحمة..
الحمد لله على التوفيق،من ذوقك عزيزتي..
شخصية وحقيقة أبطالي مهمتكم،اكتشفوهم..
ان شاء الله لا يُوجد تكرار وإن وُجِد اتمنى أن يكون أفصل نسخة من التكرار =)
يشرفني ان تكونين من المتابعين
الجزء القادم قريباً ان شاء الله..
موفقين جميعاً..
سلمتِ


  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 8
قديم(ـة) 28-07-2015, 12:42 AM
simpleness! simpleness! غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: ذات مُقيّدة حوّل عُنُقُ امْرَأة / بقلمي


السلام عليكم و رحمة الله وبركاته
للمُتابعين الى حد الآن شكراً جزيلاً على الردود الجميلة..
الجزء الثاني قد يكون مُحَمّلاً باكتشافات جديدة..
خيوط قد يُمسك طرفها هُنا..

كما قُلت سابقاً أَسبِروا أغوار أبطالي..

،


  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 9
قديم(ـة) 28-07-2015, 01:21 AM
simpleness! simpleness! غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: ذات مُقيّدة حوّل عُنُقُ امْرَأة / بقلمي


بسم الله الرحمن الرحيم

توكلتُ على الله



،

فَقدُ ذّات

تَنَاوَلَ مِعطَفَهُ الجلّدي الأسوّد،قرّبهُ من أنفه يبحثُ عن رائحة كانت دِفئِه في شتاءاته الماضية..تَبَسّمَ بألم لرائحة مسحوق الملابس الذي وبعد عدّة محاولات فاشلة استطاع أن يعرف كيف يستخدمه بطريقة صحيحة...

ارتداه وهو واقف أمام المرآة،يتأمل قامته الطويلة،عندما جاء قبلَ ستّ سنوات كان أقصر بعشرة سانتيمترات أو أكثر من الآن! و كأن الحنين تراكم تحته حتى أصبح جبلاً ،يرتفع فيرتفع هو اشتياقاً ..!

زَفرَ بضيق وقدماه تقودانه لنافذة غُرفته الصمّاء،الخالية من أي تعريف للنفس،ليس لها دخل به ولا بشخصه،هي صامتة مِثلُه..فقد يكون لديها حنين من نوع آخر !

فتح نافذته ليصطدم وجهه بالصعيق في الخارج،ذرات ثلج ناعمة حَطّت على أنفه،مسحَ عليه بإبهامه يُبعدها،ذابت بين أصابعه حتى استوت ماءً،رَفعَ رأسه لسماء شمسها كانت أسيرة في سجن السحاب،شُعاعها يتلصص يبحث عن ثغرة من بين غيوم بيضاء قاسية ليتحرر..

الحُرية..

كَلِمة ليس لها تفسير و لا معنى عنده،شُطبت من قاموسه مُنذ أكثر من ثلاث سنين،فُصِلت حروفها و ضاعت في بحرٍ لا قاع له،بحر مُظلم كُلّ يوم يزداد فيه غرقاً،يجذبهُ للأسفل حيثُ الخلاء و الصمّت،لا شيء هناك سوى صوّتان..دقات قلب و تحطم روح مُغتربة !
أغلق النافذة يبتعد عن أفكارٍ لا جدوى منها سوى قهر يَكسر ظهر شاب كان خطأه الأكبر أن يَحُلم...لم يعلم أن الحُلم قد يَخون في يومٍ من الأيام !

قَطَعَ أفكاره صوّت هاتفه،تناوله من على السرير،رفعهُ لأذنه يجيب بصوت بارد..
،:صباح الخير
صوت مَرِح يَضُجُّ بالحياة على عكسه،:أيّن أنت انا انتظرك مُنذ ربع ساعة
تنهد وهو يخرج من الغرفة مُتوجها لباب شقته الصغيرة القابعة في أحد أحياء موسكو الباردة..أجاب بعد أن أقفل الباب،:سأكون عندك قريباً
،:انا بانتظارك،"وبضحكة" فالقارب مُمتلئ اليوم
مالت زاوية فمه بسخرية قبل أن يُعَقّب وهو ينزل الدرجات،:إذاً الغرق أعمق اليوم
وصله صوت ضحكته العالية وهو يقول بسخرية،:حاول أن تنجو بنفسك

وقف في مكانه دون حراك،السماء من فوقه و الثلج اختار لهُ مكان فوق كَتفيه العريضين...يد في جيب معطفه والأخرى تمسك الهاتف فوق أُذنه..عينيه تركزت على الأرض، انعكست فيهما صورة بَهُتت ألوانها حتى اختفت وجوهها...هَمَسَ بصوت كان لَحنُهُ يأس..

،:سأنجو.....سأنجو بذات ضائِعة !





الجزء الثاني

إشارتان تُبعِدَهُما عن الحيّ حيثُ منزلهما الجديد...الأرض الكبيرة التي اشتراها لها والدها قبل سنوات،انتهى بناؤها مُنذ أربعة أشهر و اسبوعان وخمسة أيام تماماً..
لم ينتهِ تأثيث المنزل بعد،فهوكبير جـداً...لماذا لاتدري ؟ فنَفَسَان فقط يَضُخّان ثاني أكسيد الكربون في أنحاءه !

تُرَجّح أن السبب وراء حَجمِهِ المُبالغ فيه هو حَجم غرور أبيها...!استوحى من غُروره الفائض هذا المنزل الأشبه بساحة حرب تسبح فيها دماء باردة لا لون لها،دماء تجري فوق أرضه وعلى جدرانه تترك آثاراً عجز ساكنيّه أن يُفصحان عنها بكلمات وجُمل قد تترك صدى صوتيهما بين زواياه..
حـرب بين أُنثى وذكر،قٌدّر لهما أن يرتبطان برباط مُقدّس يُسمّى الزواج...لم يُسجَّل فيها مُتنصر ولا مهزوم،ولم يستسلم أحد قطّ..فلا زالت الدماء تنضح والصوّت يختبئ كفريسة جبانة في صدوٍر أثقلتها تنهيداتٍ لا يَسمَعُهَا سِوى ليلٍ يَخلو من قُبّلة !

زَفرت بِضَجَر وهي تخرج من السيارة، بعد أن أركنها في الموقف الخاص في باحة المنزل....مشت قبله ويديها تبحثان عن المفتاح في حقيبتها الصغيرة..تأفأفت عندما لم تجده،و عقلها تذكرهُ مُلقى بإهمال بين حاجياتها المُبعثرة...أسندت كتفها الأيسر على الباب تنتظر وصوله ليفتحه..نظرت له وهو يَمشي بخطوات هادئة تُناقض ضجيج دقاتها..أيّ تَحرُّك بسيط،تافه وقد لا يُحدث تغيير في الوضع الفيزيائي للحياة يَصدُر منه يُشعل الفوضى داخلها..يُربك حواسها و يُخِلّ استقرار روحها..

ازدردت ريقها وهي تُشيح وجهها عنه..مسافة صغيرة تفصلهما عن بعضهما،عِطره أحكَمَ سيطرته على رئتيها،حبست النفس في صدرها،لا تُريد الموّت مُختنقة بعطره في هذه الساعة المُتأخرة من الليل..لا تُريد أن تذهب لسريرها و جسدها يرتدي تلك الرائحة وعقلها قد أَسّكَرَهُ استنشاقها..

تسارعت خُطواتها ما إن فتح الباب،توجهت للمطبخ تبحث عن كأسٍ من الماء بأنفاس لاهثة،فالروح لا بُدّ أن تُروى بعد احتكاكها بجفاف تزداد قسوته كُلّما كان أقرب...جلست على كُرسي طاولة الطعام بعد أن شربت كأس بالكامل،أنزلت حجابها عن رأسها فتحررت خصلاتها مُعانقة أطراف وجهها المُزيَّن بمساحيق بسيطة أبرزت ملامحها الناعمة..إتَّكأت بكوعيها على الطاولة ويديها ترتفعان إلى جبينها..
غطّت عينيها بكفيها وأصابعها تُمسّد بخفة على مُقدمة رأسها مُحاولة أن تتخلص من الزوبعة التي تَخَبَّطت فيها مُندُ ان استقلّت السيارة معه..

شيئاً فشيء حتى غاب عقلها إلى صديقتها..عدم زَفّها لزوجها أقلقها..لم تُسنح لها الفرصة لرؤيتها لذلك هي غير قاردة على معرفة ما حصل،تُراودها شكوك وهي تتمنى أن لا تكون صائبة !
أنزلت يديها ليظهر وجهها بملامح قَلقة وحاجبين معقودين..لا تكوني انتِ حنيـن.،فــ

قطعت أفكارها بشهقة وهي تراه يقف أمامها عند باب المطبخ..وضعت يدها على صدرها وهي تشعر بقلبها يكاد يخرج من بين أضلاعها...أنزلت رأسها بضيق تهرب من عينيه..تكره نظراته لها،فهي لا تفهمها...بل لا تستطيع أن تستقبلها..فعينيها تنفران من عينيه..لا تدري لخوف أم لخجل أم لشيء آخر..شيء مدفون في الذاكرة،يمنع عينيها من أن تلتقي بعينيه..!

تراجعت إلى الخلف لتُسند ظهرها إلى الكرسي عندما بدأ بالاقتراب من مكان جلوسها..سحب الكُرسي المقابل وجلس برجلين مفتوحتين وظهر مُتقدم للأمام... ذراعيه تستقران على فخذه بارتخاء وأصابع يديه مُتشابكة..همس بصوت التقطته أُذُنَهَا فاشتد عِرق في عُنُقِها..

،:توقعت تتأخرين أكثر..ما توقعت تتصلين قبل الوحدة !

رفعت يدها اليُمنى إلى عُنقها تمسح عليه تُحاول أن تُخفف من التنمُّل الذي سببه صوته..تنحنحت تبحث عن صوتها..و ببحة أجابت..
،:فجأة تكنسلت زفة المعاريس،بس تعشينا وجينا،من جذي ما اتأخرت
تساءل باستغراب،:ليش تكنسلت الزفة،عسى ماشر ؟!
حركت كتفيها وشفتيها المصبوغتان بلون باهت تميلان للأسفل،:ما ادري انا بعد استغربت

وقفت بعد أن أنهت جُملتها وعينيه ارتفعتا لوقوفها..كانت لا زالت ترتدي عباءتها،فقط خلعت حجابها كاشفة عن شعرها المرفوع بنعومة وبعض خصلاته تَمَرَّدت لتُلامس عنقها الطويل وجانب وجهها..

بتردد نطق وهو يراها توليه ظهرها،:وين رايحة؟

توقفت دون أن تستدير له وسؤاله الغير مُتوَقع أوجسها..عَضّت على شفتها السُفلى بقهر لارتباكها الذي تُشعله اسألته وتصرفاته المُباغتة..لا تستطيع أن تتوقع الخطوة القادمة لهذا الرجل..تكره أن تكون بهذا الضياع في حضوره،بسهولة يستطيع أن يُخرجها من دائرة أمانها..هيَ ولثلاث سنوات لم تستطع أن ترى في عينيه نظرة ارتباك أو هروب كما يَصدُر منها !

حَرَّرَت شفتها من أسنانها..بللتها بلسانها قبل أن تُجيب بذات البَحَّة،:بروح أنام...تصبح على خير
،:و أنتِ من أهله..

ابتعدت قبل أن تسمعها..كانت خطواتها أسرع من لسانه المُتَرَدد..

زفرَ بإحباط ورأسه مُطأطئ للأسفل..رفعَ يده لتتخلل أصابعه خصلات شعره و من ثُمّ تستقر خلف عُنُقِه..أغمض عينيه وإبتسامة شاحبة ارتسمت على شفتيه.. همس وعقله يستذكر صورتها قبل ثوانٍ بما لم يتجرأ أن يَنطُقُه أمامها..

:اتعبتيني يا حور !



الساعة الثانية بعد مُنتصف الليل،هو،هـي وأبيها...يَجلسون في غرفة جلوس عَشَهُما الزوجي الذي من البداية يبدو أن غُصّن الشجرة الذي أُسِسَ فوقه ليس مُستقراً ورياح خفيّة تُهدد سقوطه..

مرّت ساعة وأبيها لم ينتهِ من حديثه...أوبالأحرى تأنيبه،هو من جانبه التزم الصمّت..لا يُريد التدخل بينها وبين والدها..وفي الوقت نفسه لا يستطيع أن يتركهما وحيديّن..فهي ومن وجهها المُحتقن بدموع يبدو أن مزاجها أبعد مما يكون عن مزاج عروس ليلة زفافها..و والدها بعروقه النافرة من عُنُقِه وتقطيبة جبينه جعلته يصرّ على بقائه بينهما..فهو لا يدري ماقد تحثهُّ نفسيّ الأب وابنته وسط هذا الجوّ المشحون بطريقة غريبة..!

،: بدون مُراعاة للناس ولا للأهل تصرفتين تصرف ماادري شلون امش وافقتش عليه...حرمتيني من إحساس الأبو وهو يزف بنته لزوجها

فتحت فمها تُريد أن تنطق وعينيها تفيضان بألم،لكن يده الكبير ارتفعت أمام وجهها وبقهر قال..
،:مابي اسمع اي تبرير..وادري ان مافي اي سبب ممكن يقنعني
بحسرة وضع كفيه على وجهه وبصوت زاد الثقل على قلبها،:تمنت يدي تصفع خدش بدل لا تضمش في يوم عرسش
أنزل كفيه ونظر له بتأنيب،:وانت بعد طاوعتها يا بسـام

وقف كَمن لُدِغَ من أفعى باغتته في أسعد لحظات عمره..بقهر أب تحَطَمّ َحُلّمه على يد أنثاه المُفضلة..ابنته الوحيدة،هَمَسَ وعينيه غرقتا وسط دمعٍ نابع من بئر ظَنَّ أنهُ دفنه في الماضي..

،:مشكورة ياحنين..مشكورة يا بنتي الوحيدة

واستدار خارجاً وبسام من خلفه يُناديه لكنه أغلق الباب بقوة جعلت بسام يقف في مكانه مُتراجعاً عن قراره للحاق به...انتبه لشهقات من خَلّفُه،تنهد وهو يعود الى حيثُ تجلس، بتعب جلس أمامها..لكنها لم تسمح لهُ بأي تصرف فما إن جلس حتى وقفت تجري هاربة الى الغرفة مغلقة الباب بالقوة ذاتها...

ظلَّ جالساً في مكانه،فردة فعلها طبيعية جداً..

استند إلى الأريكة الرمادية..فتحَ أزرار ثوبه وخلعه وهو جالس في مكانه..رماه بإهمال على الأرضية الخشبية،فَمَهُ مُطبق بحيرة من الحديث الذي جرى بين عمه وحنين..كلام مُبَطَن لم يفهم معناه..
لا زالت أصوات الليلة تُشَوّش عقلهُ وتفكيره،مضت أكثر من ثلاث ساعات على انهيار ليلة عُمره،بدأ الانهيار بطلب حنين الذي أوصلته عمته..ثُم قدومها خِلسة الى السيارة بحجابها وعباءتها التي ظنَّ أن ثوباً كبيراً سَيَنّحَشِر تحتها..لكنه تفاجئ مُجدداً من بِنطالها الواضح طَرَفُه من الأسفل..ووجهها الباقي فيه آثار مساحيق يبدو أنها مسحتها على عجل،بعد وصولهما للشقة لَحِقَ بهما والدها و بدأ بسيل كلماته الغريبة..

ليلة سوداء كانت طويـلة لكن عقله المذهول شَعَرَ بها ثوانٍ مرّت حتى أتعبت رأسه..ليلة سوداء لم يَزُرّهَا بياض فستان انتظر أن يرى عَرُوسه ترتديه...!



التاسعة و النصف صباحاً

أفرغ مُحتَوَى كوب القهوة في فَمَه..كانت ساخنة لَسَعت لسانه و لكنهُ واصل في شُربها و كأنه أعتاد أن يُلّسَع منها كُلّ صباح حتى بات لا يتألم..

وضع الكوب على مِنضَدة المطبخ،قُرب هاتفه المقلوب على وجهه..رَفَعَهُ بهدوء ثُمّ فتحه،اتجه للرُزنامة..نظر للتواريخ بشفتين مزموتين،بَقي ثلاثة أيام فقط عن التاريخ المحدد..

زفر وهو يُغلقه ويُعيده الى مكانه،رفع الكوب وشرب الباقي من القهوة دفعة واحدة،غسله قبل أن يخرج من المطبخ تاركاً هاتفه هناك..دخل مكتبه بخطوات واسعة وتوجه مباشرة إلى اللوحة المُعلقة على الجدار،فَوقها قد أُلصق عدة صور بأحجام مُتفاوتة..صور لأشخاص..نساء ورجال تتراوح أعمارهم مابين الثلاثين الى نهاية الخمسين...

وضع يده على إحدى الصور ووجهه اقترب أكثر يُدقق في ملامح صاحبها،أغمض عينيه لخمس ثوانٍ ثّم فتحها،أعاد النظر للصورة وأصابعه تتحرك بسرعة عليها،أغمض عينيه مُجدداً لعدد الثواني نفسها..

ابتسم بسخرية قبل أن يفتحها وهو يتراجع للخلف حتى رَمَى بجسده على الكرسي وراءه...

ظلّ جالساً وعينيه تتحرك على اللوحة ببرود وملل وابتسامة السخرية لم تترك شفتيه..ثبّت قدميه على الأرض واحدة أمام الأخرى وبدأ بتحريك الكرسي ذو العجلات حتى مكتبه..تناول قلماً وقصاصة ورق صفراء،كتب بعض الكلمات بالإنجليزية ومعادلة حسابية قصيرة نهاية القصاصة..عاد وحرّك رجليه الى اللوحة..ألصق الورقة يمين الصورة السابقة..

وقف ويديه تستقران في جيب بنطاله الخلفي،بسخرية نطق وعيناه في عينيّ صاحب الصورة..

Welcome number 26



استوقفني صوته..كتغريد طيّر عند نافذتي في الصباح..يَنتَشِلَني من سريري و يُخلّصني من بعثرتي..أهفوا إليه بعجل على أطراف أصابعي،أُباعد ستائري الشفافة البيضاء كنقاء قلبي..كما قال لي ذات يوم !

افتح نافذتي فابتسم له..يمشي بزهو حيثُ فُتحت يدي الصغيرة تستقبله..احتضنه فيرتعش كُلّي فاعرف أنني لا زلت لم أجدني..فأنا ولا أدري إلى متى ضائعة فيه !

،:متى اللقــاء ؟

ابتسمت بنعومة ورأسها يميل ليستقر على كَتِفَهَا الأيسر،بهمس أجابته وعينيها مُغَمضَتان تستشعر اللحظة و الهواء يُداعب وجهها وصوت أنفاسه يُداعب روحها..

،:ابيك تشتاق لي..بعدين بيكون اللقاء

عَضّت على طرف شَفَتَها السُفلى لصوت تنهيدته،ثّم جاء صوته تَتَخَلَّلَهُ ضِحكة..

،:صرت متيقن انش تحبين تشوفيني متعذب !

ضحكت بخفة وهي تفتح عينيها ورأسها يرتفع لتقول بحاجب مرفوع بغرور،:يا عمري انت من يومك متعذب فيني،مافيها شي لو زدت العذاب شوي
محاولاً إغاظتها،:شنو هالغرور،ترى مااحبه
أرجعت خصلة وراء أذنها وبذات الغرور قالت،:عـادي بخليك تحبه مو صعبة عليّ
ارتفع صوت ضحكته فابتسمت هي بنشوة..همس من بين ضحكته،:ما في فايدة ماتتغيرين
ردّت بهمس،:طبعاً حبيبي مو تحسب لأني أحبك بستجيب لتغييراتك
،:مابي اغيرش ابيش مثل ما انتي "وبرجاء" بس شوي حني عليّ خلينا نتاقبل لو نص ساعة
أغمضت عين واحدة وفمها يميل للجانب،:امممم..خلني افكر في موضوع اللقاء على قولتك وبرد عليك
،:زيــن بننتظر ردش الموقر،واللحين قولي لي شخبار عرسكم البارحة

تراجعت للخلف وهي تستدير خارجة،أغلقت نافذة شرفتها المُطلة على حديقة منزلهم،بهدوء أجابت وهي تستلقي على سريرها،:الحمد لله زين..بس ماكان في زفة،بنت عمي رفضت الزفة
،:افا ليش ؟ عروس ترفض تنزف !
هزّت رأسها بالإيجاب وكأنه يراها،:اييي كل من استنكر و الغريب أن زوجها وافق على طلبها،توقعت يرفض !
،:يمكن يحبها فما رفض طلبها
عقّدت حاجبيها بخفة،:مااتوقع،ما مداه يحبها الحب اللي في بالك،ملجوا وعقب شهر صار العرس،وعلى حد علمي ولا مرة طلعوا مع بعض فشلون بيحبها ؟! "انقلبت على بطنها وذقنها الدقيق يستقرّ على ظاهر كفها الأيسر" تصدق لكن
،:شنـو ؟
بتنهيدة همست،:لو كنت مكانها بعد برفض الزفة،صحيح اني معارضة تصرفها..بس اذا افكر واخلي نفسي مكانها احس بسوي مثلها
لم يصلها صوته لذلك أكلمت،:ساعات احس بالذنب اتجاهها،مع ان اذا فكرنا بمنطقية مالي دخل باللي صار..بس بعد احس بالذنب "أغمضت عينيها ورأسها يتحرك بسرعة وكأنها تُبعد الفكرة عن عقلها" ماادري ماادري خلني ساكتة احسن
ضحك بخفة،:اي اندمجتين في الموضوع،المهم الله يهنيهم ويسعدهم وتشوفون اولادهم
ابتسمت بخفة،:ان شاء الله الله يسمع منك
رفعت الهاتف عن أذنها لتنظر للشاشة ثّم أرجعته وهي تقول،:أحمد صار لنا ساعة وربع نكلم بعض وانا اقول ابيك تشتاق لي،يله بسكر
باعتراض قال،:لا عاد ليش صايرة بخيلة حتى صوتش ماتبيني اسمعه
رفعت جسدها وهي تثني رجليها جالسة،:خلاص سمعته كافي،عشان بعد لا اغير رايي عن موضوع اللقاء
همس،:ماعليه حبيبتي بخليش على راحتش بس اذا شفتش اعرف شلون اتصرف معاش
ضحكت،:انتظر هالتصرف..مع السلامة
،:في حفظ الله يا عمري

أغلقت الهاتف و ألقته على السرير بإهمال وألقت بجسدها معه وهي تُدفن وجهها في وسادتها،همست لنفسها بضحكات شقيّة..

،:والله انت بعد واحشني يا عُمري



تتأمله بين يديها،لمعتهُ قوية،رفعت كفها و أنزلته مرتان متتاليتان و كأنها تُقيس حجمه،يبدو ثقيلاً قليلاً على أن يكون فضة،قد يكون ألماس كما تقول والدتها !

سألت والدتها بهدوء وهي لازالت تتأمله،:يُمه متأكدة ابوي ما اهداش هالسلسال من قبل ؟
سمعت صوت تأفأفها قبل أن تُجيب بضيق،:لا يا ملاك،لين متى بتسألين هالسؤال ؟
استدارت تنظر لها وهي مُندمجة في طبخها،:لان يمكن انتِ ناسية يُمه
وضعت ما بيدها بنفاذ صبر وهي تقابلها قائلة بحدة،:من وين له ابوش عشان يشتري لي الماس ؟ ملاك ارجوش مانبي مشاكل واتركي هالامور خلي هالسلسال عنش،وكان يُفضل تسلمينه للشرطة من زمان بدل ما تحتفظين فيه

أدرات رأسها وعادت تتأمله فكلام والدتها لم يعجبها،فهي سنوات تُلقي عليها محاضرات ونصائح لتَكُف عن أفكارها..و لكنها "تُعاند" كما تقول والدتها..

تَنَهَدت وتركته على طاولة الطعام الصغيرة،وضعت كفيّها على خدها وبكوعيها استندت على الطاولة،سَرحت في أفكارها التي عادت إلى عشر سنوات ماضية بالتحديد بعد تخرجها من المدرسة..كانت تُريد أن تَدرُس القانون ليتسنى لها التحقيق في قضية والدها،لكن والدتها رفضت وبشدة وأخيها التزم الصمّت..كما يفعل دائماً عندما يتعلق الأمر بوالديهما..

لو أنها درست القانون لرُبما كانت ستكتشف حلاً للمُعضلة التي استقرت في صدرها كخنجر،كُلّما دقّ قلبها شعرت به يُقَطّع نياطه..فتموت من فرط الحيرة و الألم و الضياع،تحاول بعقلها أن تربط أطراف القضية ليتضح لها سرّ من أسرارها،لكن قُدراتها تخيب وتتساقط أفكارها الصغيرة باستسلام وترى تحطم آمالها أمام عينيها..تضيق الزاوية التي احتمت فيها ويزداد تركيز الضياع في الهواء حولها تستنشقه حتى تختنق فتغيب عن عالمها إلى عالم كان بهِ والدها يرتدي البياض،وإبتسامة حنونة تُزيّن شفتيه،وجهه صافي لم تطمسهُ بُقع دم نَتِنَة ولم تُخفِي ملامحه جروح غائرة..كان أبيها هـي،ولم يكن ذاك الذي أحاكوا قصص وَهمِيَة عنه !

،:مــلاك

انتبهت لصوّت والدتها،مسحت دموعها عن خديّها وهي تشعر بها تجلس بجانبها،أمسكت بيدها قبل أن تهمس..
،:يُمه مـلاك ترى التفكير و التنبيش ورا هالموضوع ما بجيب لش الا التعب و المرض
نظرت لها بعين انكسر الدمع داخلها..وبصوت مُتقطع همست،مــ ـا اقدر يُمه،ابي اثبت لكل الا تكلموا ان ابوي طاهر ونظيف،عمره ما راح للحرام
برجاء،:يا ينتي كلام الناس ما يودي ولا يجيب
رفعت يدها إلى صدرها تضرب بقبضتها على يساره حيثُ المَدمِي ينبض،:يقهرني كلامهم يُمه احـ ـس بقلبي ينقبض كل ما اتذكر جذبهم عن ابوي

أحاطت كتفها بذراعها وهي تُقَرَبها منها و تحتضنها،وجهها في صدرها وشهقاتها تخترق روحها،مسحت على شعرها وهي تهمس في أُذنها مُخَفِفَة..
،:حبيبتي ملاك انا وانتي واخوش و اثقين ان ابوش شريف ماراح للحرام،فكلام الناس مايهم،واللي تكلم بسوء الله بيعيطه جزاءه
قبّلت قمّة رأسها وهي تستمع لصوت شهقاتها،:الله ما بضيع حق ابوش و الحقيقة ان شاء الله بتنكشف
أمسكت برأسها ترفعه..نظرت إلى عينيها الغائبتين وسط بحرٍ من الدموع،مسحت وجنتيها بإبهاميها وهمست بإبتسامة حنونة..
،:ابوش لو كان موجود بيفرح ان بنته واثقة فيه هالكثر وما بيهمه راي وكلام اي احد ثاني
ابتسمت من بين الدموع وهي تسمع والدتها تواصل،:واللحين انا امش ابيش تبتعدين عن هالموضوع وما تحاولين تبحثين فيه
أنزلت عينيها وهي تقول بهمس،:ماادري يُمه.."نظرت لها" ما اوعدش ان اترك الموضوع نهائيا بس اوعدش ان ما اسبب لنفسي مشاكل
تنهدت وهي تهز رأسها بيأس،:ادري فيش عنودة على ابوش،بس اتمنى ما تخلفين هالوعد،لا تخاطرين بنفسش
أمسكت يدها فوق خدها وقبّلت باطنها،نظرت لها بإبتسامة قبل أن تهمس،:ان شاء الله يا يُمه



ماضٍ

اسّتَشعَرَت الألم بجميع حَواسِهَا،ترفع يدها بمحاولة عاشرة ولكن لا يرتفع سوى الوَجَع..!
تنظر إلى المُلقى بعيداً عنها بعينين نصف مُغلَقَتِين سَكَنَ الدمع أطرافهما،رمشت لتسقط إحدى الدمعات،ميلان رأسها جعلها تميل عن وجنتيها لتسقط على الأرض أسفل رأسها حيثُ تَجَّمَع نهرٌ من الدموع،ترى في صفحة ماؤه نزيف جروحها و انكسارات روحها...

استنشقت من هواء الغرفة الملوّث بذكرى بدأت بنسج خيوطها في زاوية عقلها،تكسرّت جزيئات الأكسجين في صدرها الذي ارتعش،أخرجت الزفير مُشتعلاً كاشتعال روحها..مع كُل شهيق وزفير يتجدد الألم،و مع ذرف كُل دمعة ينعكس حالها المرير أمامها،دورة ألمها تُؤكد لها أن ما يحدث واقـع..ليسَ حُلماً مثلما تمنت عندما شعرت بأول وَخّزَة ألم..!



~ انتهى



آخر من قام بالتعديل وردة الزيزفون; بتاريخ 09-09-2015 الساعة 11:35 PM. السبب: تعديل بسيط
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 10
قديم(ـة) 04-08-2015, 05:42 PM
simpleness! simpleness! غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: ذات مُقيّدة حوّل عُنُقُ امْرَأة / بقلمي


بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم و رحمة الله وبركاته

توّكلتُ على الله





،

فَقدُ ذّات


شيءٌ من الوِحدة يُخنِق أنفاسه كدُخان حَرِيقٍ أضْرَمَته نُفُوس أنانية..هو كان ضحية نفسه،ضحية حُلم خائن..حُلم قاده لفقدٍ موجع يَتَشَعّبْ بين عُرُوقِه كمرضٍ خبيث يستنزف روحه المُشتاقة لعينين يرى من مكانه وبُعده المُرّ لمعة الدمع وسطهما..

رَفَعَ قارورة الماء المملوء نصفها إلى فمه..أفرغها وهو يشرب الباقي،كان الماء بارداً شعر به يسري في حلقه يُثلج حرائق صدره..أنزلها وكَفّهِ الحاملة لها ارتفعت ليمسح فمه بظاهرها..رمى القارورة في كيس القمامة القريب،أمسك أداته وباشر عمله وعقله يغرق أكثر مُتجاهلاً أطواق النجاة التي تُلقى إليه..

لا يُريد الراحة لعقله،يُريد أن يغيب وسط ذكرياته، أن يضيع صوت عقله بين أصوات الماضي...أصوات يَحُبُّها و يخاف يوماً أن يستيقظ وهو قد نساها...نسى نبرتها ولحنها المميز..
وجوه محفورة وسط إطار بات يصغر كُلّما مضت السنين..إطاراً زواياه أصبحت بقايا تُنذِر بسقوطها..سقوطها الذي يهدد بغياب تلك الوجوه..أطفال في ذاكرته و هُم واقعاً نسوا الطفولة،يتشبث بحبلٍ قديم تراكم الغُبار عليه وتباعدت خيوطه وبات لا يحتمل ثِقل جسده الرجولي..

هو كناجٍ من غرق،رمته سفينته وسط أمواج تلاطمت وتعاضدت و حملته فوقها حتى ألقته على شاطئ مقفر..ينظر لأجساد تغرب مع الشمس..ينطفئ نورهم معها،يرفع يده مُلَوّحاً فاتحاً فمه يبحث عن صوته الضائع بين خيبات الزمن، يركض برجليه الحافيتين يحاول الغرق ليصلهم لكن القدر يعود ويرميه فوق الرمال..تُريد الحياة أن تلتهمه كصيّدٍ غنيم تُمارس قسوتها وجبروتها عليه..تنهش لحمه وتفصله كُل يوم عن عظمه،تُعذبه أقسى عذاب،تُجبره أن يعيش و الذكرى من فوقه تتلاشى كما يتلاشى السحاب بعد الغَيّث..

Hallo maestro

لم يلتفت للصوت و كأنه لا زال مُتعلقاً كمسكين على باب عقله يَدُقَّهُ لينهل من الذكرى..واصلت يداه حركتها الرشيقة،بِتَمَرُّسْ يحركهما و كأنه يعزف على آلة موسيقة..هذا هو فَنُّه الذي يُجيده،أَحَبَّ ما ينشغل فيه وسط غُربته..

سمع الصوت القريب الواقف صاحبه على يمينه،:كيف هي ذراعك ؟
ترك مابيده و استدار له وعينيه تنظر إلى يديه وهو يمسحهما بالخرقة بعد أن تناولها من فوق كتفه،:بخير..ليس بالشيء الكبير
عاد الصوت لكن هذه المرة بنبرة مُتعجبة،ابتسم بسخرية لكلماته،:كيف ليس شيء كبير؟احتاج الجرح ثمان غرز !

و كم تحتاج روحه من الغُرَز !

رفع الخِرقة يمسح جبينه عن زخات العرق المُتكونة فوقه وأبدلها بلون أسود كان قد ترك أثر على ملابسه..رماها على كَتِفه بعد ان انتهى وبهدوء قال..
،:صدقني أنا بخير،لا اشعر بالالم الآن "و بمرح قال وعيناه تنظر إلى وجه صديقه" لقد اكتشفت أنك جبان،تخاف من الدماء كفتاة صغيرة
ضحك بخفة وهو يرى علامات القهر على وجه صديقه ويده ارتفعت ليضرب بقبضته كتفه وهو يقول،:كنت خائف عليك ليست الدماء السبب

ابتسم له ولم يُعَقّب على كلامه،على الأقل يوجد شخص يهتم لأمره هنا !

،:أنا جائع الآن لم آكل منذ الصباح،دعنا نذهب للغذاء
رفع رأسه للساعة المُعلقة،:فقط نصف ساعة فلدي عمل كثير
وهو ينظر للسيارات من حوله،:هذا واضح..لا تخف لن نتأخر،فقط نصف ساعة وعُد لمحبوباتك





الجزء الثالث


الساعة تجاوزت الثانية ظُهراً ولم يَسمع أيُّ صوت صادر من الغرفة،لم يُفتح الباب ولم يَفتحهُ هو !

بعد أن عاد من صلاة الفجر تَوَسّدّ الأريكة وغطَّ في نوم عميق يهرب فيه عن الأفكار و التساؤلات التي غزت عقله بعد الهدوء الذي أحاطه وحيداً..استيقظ عند الساعة العاشرة و النصف،لم يَستوعب في البداية أين هو،تساءل لماذا الجدران بيضاء من حوله،أين جُدران غُرفة نومه الداكنة ؟

التَقَطَت عيناه ثوبه المُلقى على الأرض،وفوق الأريكة كان "لبشته" النهاية نفسها...تنهد بعد أن استعاد عَقله الأحداث الماضية،و بدأت الكلمات المُختلطة بالدموع تعود أصواتها إلى أُذنه..قضى وقته إلى الآن وحيداً،لم يَجرُأ أن يُحدِث كيمياء بينهما قد تؤدي لإنفجار يَجهل مُخلّفاته..

نَظرَ للساعة مُجدداً..الثانية و ثلاثة عشرَ دقيقة،عادت عينيه إلى الباب ليتأمله ثانيةً و يستذكر تفاصليه الدقيقة التي حَفظها بعد تأمل امتد لثلاث ساعات متواصلة..زَفرَ بضيق وهو يسمع صوت هاتفه بجانبه،لم يَنظر له ولم يرفعه..يعلم من المُرسِل..فهي قبل نصف ساعة كانت تُحادثه،لم يَرغب أن يَرُدّ عليها فأسئلتها ليس عندهُ جواب لها،وهي بهذه الأسئلة تزيد من توتره وقلقه من الليلة الغريبة..فهو حاول بالقدر الذي أستطاعه عَقله اليَقِظ أن يُكذب على نفسه ويُقنعها أن ماحدث كان أمراً طبيعياً قد تَمُرّ به أي أنثى ليلة زواجها..

لكن تساؤلات أخته وشكوكها باتت الآن تأخذ حيزاً من عقله المُقترب من الانفجار،يّتذكر المُحادثة بينهما و التي أنهاها هو بعد أن تصلّب لسانه وأُطبِق فمه و الكلمات بُترت لم يعرف كيف يجمعها ليُشكل جواباُ لائقاً يُكبِح أسئلتها..

،

:عروس ترفض تنزف بيوم عرسها وتسميه شي عادي ؟ بسام انت جاد في حجيك لو شنو ؟!
بهدوء أجابها،:يا منال أنا كل الا سويته وافقت على طلب البنت ماادري هي بشنو تفكر،يمكن البنت تستحي
بتعجب لم يُقنعها جوابه،:و شنو هالحيـا الا يخليها ما تنزف ؟! كلنا نستحي ويوم عرسنا مارفعنا عيوننا حتى في عيون أهلنا بس انزفينا والحمد لله ما سوينا هالدراما كلها !
زمَّ شَفتيه وهو يغمض عينيه للحظات قبل أن يقول،:منال كل بنت و تختلف عن غيرها،يمكن هي حياها كبير يوصل لدرجة انها ترفض الزفة،و بعد أنا الا خبرتني امها،و امها مرأة كبيرة ما اتوقع بتوافق على طلب بنتها اذا كان السبب شي تافه..
أصدرت صوت يدل على عدم اقتناعها وهي تقول بنبرة شك،:والله يا خوي شكلك اتدبست في هالزواج،انا ما كان قلبي مرتاح لهالبنت قلت لك خذ ندى بنت خـ
قاطعها قبل أن تُكمل بحدة كان يجب ان يستخدمها مُنذ بداية المُكالمة،:اسمعي يا منال،حنين اللحين زوجتي وفي بيتي و انا ما ارضى ان تصدرين في حقها أي شكوك عقيمة،و لا ارضى تقارنينها بأحد..
،:و انا شقلت بسام ؟!
،:قلتين ولا ما قلتين،خلاص الموضوع انتهى وصار اللي صار الكلام ما بيغير شي،اللحين بسكر اتوقع ما عندش شي مهم،مع السلامة
أغلقه ولم يستمع لردها،يكفيه أفكاره المُقيّدة في عقله لا يتحمل قُيود أخرى تزيد من وَجَعِه ..


،

مَسَحَ على وجهه بحيرة وكَفيه ارتفعا إلى شعره،شّدّهُ بخفة قَبلَ أن يَقِف قاصداً باب الغرفة..نعم ليس الأمر طبيعياً لكن يَعلم أن سبباً مُقنع يَقبَعَ وراء هذا الطلب..و هذا يُفَسّر موافقة والدتها لها،لكـن ما معنى حَديث والدها ؟! عينيّ الرَجل لا يزورها دَمع إلا لسبب فعلاً آلمَ عِرقاً خَفيّاً في قَلبه..و أيُّ سبب هذا وماهو حجم هذا الألم ؟!

زَفرَ بعد أن فَشلَ مُجدداً من الهروب من أفكاره،كُل فِكرة وإن كانت بعيدة تقوده إلى ما حدث البارحة..
وَقَفَ أمام الباب،قّرّبَ رأسه إليه..ألصقَ أُذنيه يسترق السمع رُبماً صوتاً لنَفَسِها يَصله يُخبِرُه أنها لا زالت كائناً حيّاً يُشاركه المكان..

هّزَّ رأسه بعدم اقتناع،لا يَجدي لصق أذنه كسارق،رفع يده و بهدوء طَرق برؤوس أصابعه الباب،طرقتان ولم يَصِلُه الردّ..نادى بصوّت تستطيع سَماعُه..

،:حنيــن

لا ردّ..
مؤكد لن تُجيبه..بماذا يُفكر ؟ هو و الذي يَجهل حقيقة ماحدث لم يستطع أن يَخرُج من قوقعة الأفكار..بالطبع هي في وضع لا يَسمح بالمناقشة..لكنها لم تأكل شيء منذ البارحة..و إن لم يَكن حالهما طبيعي فهي مع ذلك "عروس" لا يَجب أن تَمُرّ ساعات يومها الأول معه خلف باب مُقفل وتفصلهما خطوات بُعدها كسنوات ضوئية !

نادى بصوّت أعلى ويده على المقبض،لا يُريد أن يَفتحه دون أذن منها،على الرغم أنها غُرفته معها،و لكن قد تكون في وضع لا تحب أن يراها عليه..!

،:حنيـن مُمكن أكلمش شوي

تّنهّد بحيرة ويده ترتفع لخِصره و الأخرى لا زالت مُمسكة بالمقبض،أنزل رأسه وأغمض عينيه وهذه المرة خَرج صوته أقرب للهمس..

،:حنـين

ثانية..ثانيتان..ثلاث
و في الرابعة شَعَرَ بالمقبض يتحرّك..رَفعَ رأسه بسرعة وعينيه تعلّقت بالباب وهو يُفتَح بهدوء..تراجع خطوة للخلف يُفسح لها المجال لتُقابله،انتظرها ولكن لم يُفتَح سوى الباب وليس أمامه سوى الغرفة خالية..عقّد حاجبيه ورجليه تخطو للداخل ولسانه يُناديها..

،:حنيـن انتِ وين ؟

هَمّس أنثوي تَحَرّرَ من دموع الليلة الماضية،أصبح أنقى و نعومته جليّة كشمسِ تُشرق بعد ليلٍ كان طوله كسنة..

،:اهنـي حنيـن

استدار للصوت ليراها تقف بثوب ناعم قصير..كانت تقف ويديها الاثنتان تُمسِكان بمقبض الباب،رأسها مرفوع بإستقامة تُلغي انحناءه بالأمس،وجهها بارد لا تُغلفه ملامح بُكاء و يُلطخ بياضه إحمرار..عينيها للأسفل،ردة الفعل الوحيدة التي ميّزها..خَجل طفيف لم تستطع تجاوزه...ازدردَ ريقه و إبتسامة خَفِيّة لم يكشف عنها سوى تجعيدة خفيفة عند زاوية فَمه اليُمنى..فهو للتوّ استوعب أنه لم يراها هكذا دون حجاب أو عباءة،أنثاه حلاله لا تفصلهما قيود..على الرغم أن عقد قرانهما كان قبل شهر !

انتبه لهمسها يعود مُجدداً و أذنه بدأت تعتاد لصوّتها الجديد على حياته..

،:بغيـت شي ؟!



يرتفع البخار من القهوة بتكاثف بعيداً عن الكوب بسانتيمترات قليلة..يَرّفُض الإنحكار وسط هذا الكوب الورقي،يُفضّل الشتات و الضياع في الغرفة على أن يُسجَن في قعر كوبٍ لن يبقى فيه سِوى تَصَدُّعات سوداء مُرّة !!

رفعت الكوب ترتشف بعينين سارحتين تكادان لا ترمشان،عَقلها يسبح في بحرٍ تركزت فيه الأملاح وتجمعت على جروحٍ لا يَقِف نَزفُها،جروح كانت ناتجة عن عملية انتحار كُبرى..

،:كله قهوة قهوة،ما تتمللين ؟!

رفعت رأسها للصوت القريب..ابتسمت لها ببرود وهي تراها تجلس أمامها،أبعدت عينيها بذات البرود للكوب تُكمل تأملها الذي قاطعته صديقتها..،زمّت شفتيها وهي تسمع صوتها مُجدداً
،:ادري تبيني اقوم بس عناد ماني قايمة
همست بضيق قبل أن تقف،:لا تقومين انا اللي بقوم
أمسكت يدها مُعارضة،:نـور بلا هالتصرفات مو أطفال احنا،قعدي كلها جم دقيقة وبيخلص البريك
بحدة همست،:ما ابي اقعد لان ادري بتجيبين لي وجع راس بأسئلتش اللي مالها داعي
رفعت حاجبها وبضحكة،:و من جاب طاري أسئلتي " اللي مالها داعي " ابداً ماكان الموضوع في بالي "و بخبث أكملت" إلا إذا انتِ تفكرين فـ
قاطعتها بقهر وصوتها ارتفع قليلاً،:سارة خـلاااص
حَبست سارة إبتسامتها التي بانت في عينيها المُتنقلتان على ملامح صديقتها،هَمست ورأسها يقترب منها وعينيها تعلقتا بعينيّ من أمامها..
،:فعلاً ما كانت بفتح هالموضوع ولا بسأل أسئلتي الا ماتحبينها..بس الواضح أن الموضوع اساساً ما يغيب عن بالش..ويهمش مو مثل ما قلتين مايشغل تفكيرش

اضطرب بؤبؤها ورمشيّها بدأت حركتهما السريعة..ثَقُل النفس في صدرها وقلبها انقبض لدرجة آلمتها،لا تريد أن تكون مكشوفة لهم،تكره أن تكون أفكارها عُرضة لهم..يستطيعون أن يفهمون ما بدخلها من عينيها ومن رجفة يديها المُتَعَرّقتين..تكره ضِعفها وهشاشتها اللذان أوصلاها لهذا الكَسر الذي لا يُجبر..ارتعش نَفسَها كما يَرتعش نَفسَ الأطفال عند البُكاء..الدموع تناثرت في ساحة عينيها الواسعتين وشفتيها الصغيرتان تميلان للأسفل لتزيدان من اهتزاز ذِقنَها..

رفعت يدها لجبينها وشهقة خفيفة انفلتت منها عَنوة،جعلت الدموع تزداد فوق خدّها..أرادت أن تتكلّم أن تنفي هذا الضعف البغيض،لكن ألماً في حلقها منعها من أن تَنطق،صوتها لم يُسعفها،كان مُتآمراً ليفضح ضِعفَهَا..

شعرت بيد صديقتها تُمسك بيدها المُرتجفة فوق الطاولة الصغيرة،سمعت هسمها المُرتبك..
،:نور والله آسفة ما كان قصدي،حبيبتي لا تصيحين

سحبت يدها بقوة نصفها قهر..تناولت المنديل لتُخفي فضيحتها عن التي أمامها وعن نفسها..شعرت بحرقة خفيفة وهي تمسح خدها بقوة ،مسحت أنفها وبدأت باستنشاق هواء جديد يُعيد ترتيب الفوضى التي أُحدثت داخلها..كوني أقوى نور كوني أقوى..

أخرجت الزفير بهدوء وهي تَشعر بانسلال الرجفة عن جسدها،و إن بَقيَ القليل في قلبها ولكن لا يُهم..فالقلب مَخفي وسط حُجراته لا يُمكن لأحد أن يطّلع على خفاياه ويكشف مستوره..

رَفعت عينيها لها بعد أن ارتدت البرود مُجدداً،تصالحت مع شتائها الصعيقي،وقفت وهي تقول بهمس بـارد كان يسخر بألم..
،:اللي تبينه صار،و ظنونش تأكدت،مرتاحة اللحين؟
بأسف نطقت،:نـوور
رفعت يدها أمامها،:مابي اسمع ولاشي سارة،ارجوش مرة ثانية اذا ماكان عندش سالفة لا تجين تكلميني،عن اذنش

مشت مُبتعدة عن سارة وعن المشاعر السلبية التي جاءت بها..كانت جالسة بهدوء وسط أفكارها،لكن قدومها القوي ونظراتها المُشككة أكدت لها أنها لا زالت واضحة للجميع..حاولت أن تختفي وراء البرود و اللامُبالاة لكن حواسها تفضحها..برجفة أو دمعة او ارتعاشة نَفس !

لن تبكي أمام أحد مُجدداً،ستكون أقوى،ستتجلد الى أن تَفقد شعورها وينطفئ إحساسها،ستغوص في بحٍر بعيداً عنهم،بحر يخلو من ترددات أصواتهم المُزعجة،ستنسى نور الضعيفة..نور التي تبكي لكلمة ينطقونها أو نظرة شفقة يوجهونها لها..ستكون أقوى بإذن الله ستكون أقوى..



ماضٍ

أمام بحرٍ لا نهاية له،وصوت أمواجه يضرب في قلبه ببرودة أرجفته وهو المعتاد على صعيق برلين الذي يضرب في العظم،،كان يقف مع رفيق الشباب و الشيب المتخلل في الشعر،شريك الأمس و اليوم،حافظ السرّ الأمين..

له ساعة ويديه مختبئتان في جيب بنطاله الأسود يبحث عن دفئٍ بسيط علّه يشعل حطب الروح المتصلب بجليد الأسى..

همس بعد صمتٍ أطبق ضجيجه على أُذن رفيقه:ابي أرجع برلين

تقدم خطوة حتى أصبح يُقَابِله،يقرأ عينيه المغلفتين بزجاج عاكس ترى فيه نفسك بحيلة اكتسبها منذ صغره،تراك ولا تراه..مهما حاولت !

بذات الهمس الذي يبدو أنه شعار الأصدقاء في هذا الليل الساكن:من متى صرت تترك الأمور وتهرب؟!

ظهرت تجاعيد عند زاوية فمه وبرزت ابتسامته الجانبية لتقتل الصمت وتُفنِيه وتكتب مافي القلب على أوراقٍ اصفرّت بإشتياقٍ الى حبرٍ يُسكَب عليها،يغرقها بكلماته وحروفه المعقودة حتى النهاية:مو بس اهرب الا اتمنى الموت..

سأل محاولاً جعله يعرض عن قراره الذي قد يعصف بقلب تلك البائسة التي وقفت على أبواب السماء سنوات،:و أهلك،أمك وأخوانك..بتروح وبتتركهم بكل سهولة؟!

أخيراً أخرج يديه المسكينتين من حضنهما القماشي المزيف، ويا للأسف لا زالت أصابعهما متجمدة أطرافها،رفع تلك اليدين اليتيمتين ومسح بهما وجهه بضياع أنهكه منذ أن تفجرت أمامه عيون الماضي،

وبتنهيدة مُثقل شهيقها:ما ادري ما ادري "انزل يده و أخذ يتلفت هنا وهناك" مافي طرّاد اهني؟ ابي طرّاد ابي اي شي يرميني وسط البحر
ضحك رفيقه بخفة:انت من صدقك تتكلم؟من وين تبي طرّاد الساعة ثنتين وربع الفجر

عقّد حاجبيه وهو يرفع معصمه ليتأكد ،انصدم من سرعة مرور الوقت،و كأنه بسرعته يقتل بقاياه المتناثرة عند بوابة الزمن،يقتلها ليقطعها بقسوة،يحرقها فتنتشر رائحتها النتنة ليفيق عقله من غفلته المريضة..

نظر له باعتذار:آسف أخرتك على بيتك والله ما حسيت بالوقت
بمزاح قد أراد به تلطيف الجو قليلا و إبعاد الكآبة عن صاحبه:لو جاي بسيارتي جان من زمان تركتك بروحك ورحت لسريري بس شسوي جاي وياك

ابتسم له وهو يستدير ويخرج مفاتيحه متجه لسيارته القريبة وسط نظرات رفيقه الحائرة و المتسائلة،نصف الموضوع بحوزته لكن نصفه الآخر عتمة بالنسبة له،سطور مُشَفّرَة لم تُترجم بعد..




يتبع



آخر من قام بالتعديل simpleness!; بتاريخ 04-08-2015 الساعة 06:07 PM.
الإشارات المرجعية

ذات مقيدة حول عنق إمرأة / بقلمي

الوسوم
مُقيّدة , امْرَأة , بقلمي , حوّل , عُنُقُ
أدوات الموضوع
طريقة العرض
مواضيع مشابهة
الموضوع الكاتب المنتدى الردود آخر مشاركة
اعشقك يانبض قلبى (بقلمى) مصريه وأفتخر خواطر - نثر - عذب الكلام 12 14-10-2015 03:11 AM
قصائد بقلمي Meejo_1 شعر - قصائد - قصايد - همس القوافي 16 20-09-2015 01:17 AM
فخور بك (بقلمي) خالدالامل خواطر - نثر - عذب الكلام 11 06-07-2015 11:24 AM
مجرد بوح بقلمي معشوقة ذاك الامير خواطر - نثر - عذب الكلام 11 25-06-2015 02:05 AM
في حفظ الله بقلمي خالدالامل شعر - قصائد - قصايد - همس القوافي 4 10-03-2015 11:22 PM

الساعة الآن +3: 01:44 PM.
موقع غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات


تصميم دريم تيم

SEO by vBSEO 3.6.1