غرام
اكتب بريدك ثم اضغط على اشتراك ليصلك جديد غرام
بحث مخصص من محرك البحث العالمي قوقل للبحث في غرام
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 11
قديم(ـة) 31-12-2015, 09:11 PM
صورة سعد فهيد العجمي الرمزية
سعد فهيد العجمي سعد فهيد العجمي غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية التاج المفقود


كنتُ شاردًا في خواطري وأنا أتجه للمنزل سارحًا فيما قالته مستورة، دون أن أنتبه لذلك الوجه الذى يطلّ من النافذة، وهو ينتظرني بفارغ الصبر!
بدا واضحًا أنّ المشعوذة تريد استغلالي في مآربها الخاصة! لابأس، فهذا يتوافق بلا شكّ مع رغبتي في أن أكون بطلًا يُشار إليه بالبنان!"
-"بطل فيلكا! بطل فيلكا!"
أخذتُ أهزّ رأسي مستمتعًا بهتاف الجماهير العريضة في خيالي، ودموع الفرحة تسيل من عيني والدي تأثرًا وفخرًا بي، وهو يقول لأهل الجزيرة المنبهرين:
- "إنّه ابني!"
فجأة هوت عصا غليظة على جسدي، فيما كنت غارقًا في أحلام يقظتي؛ جعلتني أفيق من أوهام مجدي بأشد الطرق قسوة!
نظرتُ وأنا أتحسس مكان الضربة بألم، لأجد أبي- بوجهه المحمرّ - يكاد ينفجر من الغضب وهو ينقضّ عليّ مجددًا! راحت الشتائم تنهال من فِيهِ، متجهة نحوي كقذائف الرصاص، ما استدعى تدخل عمّي الشيخ سند المسالم لطيف المعشر، بينما أبي يصرخ:
- " أتعبتني وسببت لي المشاكل مع الأهل والجيران! قل لي ماذا أفعل بك؟"
اعتدت ثورات أبي الغاضبة، ودربت نفسي على التعامل معها ببرود، بصراحة أكبر كنت في ذلك الوقت غارقًا في الأثَرة والأنانية و حبّ الذات، دون أن أعي ذلك؛ ما أثار غضبه أكثر فصاح بي وهو يشير للخارج مربتًا على وجهه بـ(وزاره ) يمسح عرقه الذي تصبب منه رغم البرد:
- "غادر البيت الآن.. اخرج.. لا أريد أن أراك، اغرب عن وجهي! لستَ إلا مثل خالك السكّير حسن لا نفع ولا فائدة تُرجى منك!"
أخذني عمّي الشيخ سند للخارج بالفعل، كان صبورًا بخلاف أبي الغضوب نافذ الصبر، ومع ذلك كان يصرّ على أسنانه وهو يقول:
"أبوك رجل كبير، وعليك ألا تستمر بإغضابه وإثارته هكذا!"
كان عمّي مسؤولًا في المكتب الصحي الجديد، في الجزيرة، وكان لا يتوقف عن ممارسة هوايته في صيد الزبيدي- في الموسم الشتوي- على( الوجيرية ) القارب الصغير ،المصنوع من الكرب، والجريد المشدود بالحبال. وجدت نفسي أسير معه ،وكأنّه أراد أن ينفرد بي ليؤدبني! ركبنا القارب الصغير وسط البرد القارس، الذي لم تنفع معه ملابسنا الصوفية الثقيلة. تابع نصائحه المعتادة:
- "عليك أن تشعر قليلاً بالمسؤولية الاجتماعية، والحس الوطني..."
وراح يتحدث بدون توقف، يذكرني بزيارة المناضلة الجزائرية الشابة جميلة بو حيرد للكويت قبل أربع سنوات، وكيف كانت في مثل عمرنا وهي تصرخ في وجه الاستعمار الفرنسي ( الجزائر أمّنا!)
تملكتني الرغبة بالتمرد على عمّي سند.. كنت أرى كيف يسيطر على والدي بالتزامه الديني، وعلى الكثير من البسطاء، وكأنّه يكبرهم سنّا ومقامًا! ذات مرة حاولت أن أستغل الدين مطية لتحقيق أحلامي، لكنني لا أحفظ القرآن مثل عمّي ،ولا مسند الحديث، وكل تجربتي الدينية كانت : أن حملت المبخر في مسجد شعيب، خلال الاحتفال بالمولد النبوي، وكان ذلك لا يكفي!
في الواقع كنت سارحًا في أمر آخر، لا يخطر على بال الشيخ سند فيما هو يتابع حديثه؛ فقد قدَّم لي أبي الحجة المرجوّة لمغادرة البيت، ومتابعة مغامراتي في مكان آخر!
سأحقق أمنيته فورًا!
***


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 12
قديم(ـة) 31-12-2015, 09:15 PM
صورة سعد فهيد العجمي الرمزية
سعد فهيد العجمي سعد فهيد العجمي غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية التاج المفقود


قضيت نصف النهار مع فيصل وراشد كتمضية وقت لا أكثر، ولم أخبرهما طبعًا أنّه كان وداعًا، وعندما صارت الشمس في كبد السماء عدتُ، ورحتُ ألملم ثيابي القليلة، ووضعت بينها إحدى زواحف الوزغ ذات الذيل الطويل التي لا تفارقني.
كانت أمّي منهمكة في أعمال تنظيف المنزل- كعادتها- وربط الطليان بحبال طويلة، لتمكنها من الرعي بدائرة محددة- كانت ووالدي يريدان لي مثل هذا المصير- .
وقفت بقامتها القصيرة، وغطاء رأسها الأخضر المربوط إلى الخلف لمّا رأتني حاملًا حقيبتي المهترئة تسألني بدهشة:
- "ماذا تفعل يا جاسم؟"
تصنعتُ الغضب:
- "سأنفّذ ما أراد أبي وسأترك البيت!"
- "هل جننت؟ أنت تعلم طباع والدك وأنّه سريع الغضب، ولكنه أيضًا سريع الرضا!"
صحت بأعلى صوتي:
- "لقد سئمت كل هذا.. مللت الجزيرة وأهلها! لو بقيت هنا سأدفن فيها بصمت ، ولن يذكرني أحد... لن أكون مثل طليانك!"

عندما تكون الأم في مثل طيبة أمي، دائمًا يكون نصيبها أن تتحمل عناء الإصلاح بين أولادها وأبٍ قاسٍ صلبٍ مثل أبي!
أدركتْ من لهجتي الحادّة أنني سأنفذ ما أقول ولن أتراجع؛ فقالت باستسلام:
- "وأين ستذهب؟ إلى خالك حسن؟"
- "بل إلى خالتي مريم في الدّيرة"
شهقتْ باستغراب:
- "هل فقدت عقلك؟ إنها لا تحبنا وتقاطعنا من زمن بعيد، ولو رأتك ستلقي بك للخارج!"
لا أعلم لمَ لمْ أفكر فعلاً بالإقامة عند خالي حسن، ربّما لسمعته السيئة بسبب نمط معيشته- كما كنت أسمع من أبي- بأنّه إنسان استعبدته شهواته، يتسلى معظم وقته بشرب الخمر المصنوع محليا المعروف بالعرق ويلاحق النساء، وكان أبي يحتقره ويمنع ذكر اسمه في بيتنا، خاصة أنّه لم يهتم بوالده أثناء مرضه، بل تركه تحت قسوة خالتي وزوجها.
لحقت بي إلى غرفتي وهي تتابع احتجاجها، لم ألتفت إليها وأنا أقول:
-"هي لن تختلف كثيرًا عن أبي إذن، فهو أيضًا يريد إلقائي للخارج!"
باءت كل محاولاتها لإقناعي بالفشل، كانت دموعها تغطي وجهها وهي تضع ملابسي الثقيلة في حقيبتي، وتخبرني بأنّي سأحتاجها في الجو البارد، لم أكن أهتم لدموعها.. شيء ما في أعماقي مات في تلك الفترة.. تأملتُ جدران غرفتي التي لا توجد فيها نافذة عدا فتحات أسفل الجدران مغطاة بالطين منعًا للمطر، وتأكدت بأنّي لن آسف على شيءٍ هنا!
استدرت خارجًا، وصوت دعائها لي بالهداية يملأ سمعي.
***


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 13
قديم(ـة) 31-12-2015, 09:19 PM
صورة سعد فهيد العجمي الرمزية
سعد فهيد العجمي سعد فهيد العجمي غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية التاج المفقود


كان طموحي جارفًا هادرًا يفوق قدراتي، وكان لابد من التوازن.. اهدأ يا جاسم: فأيّة كفّة ترجح على الأخرى ستأخذك إمّا للحيرة والتعب، أو الإحباط واليأس!
وصلت منطقة (اللّنشات) وأنا أتفقد أيّها يرفع العلم الأسود- علامة على استعدادها- للانطلاق للديرة. من حسن حظي أنّ المركب عنتر- الذي أحبّ- سينطلق هذه المرة، في رحلة تمتد إلى قرابة ساعتين. هتف بي صوت من الأعماق:
-" لا تغادر!"
لكني كنت قد حسمت أمري وبدأت رحلتي!
كانت الأمواج ترتفع وترتفع، ثمّ تتكسر على جدران المركب... تمسكت بصعوبة بحاجزه وهو يصعد ويهبط.. تسمّرَت حدقتا عيني على أطراف الجزيرة وهي تبتعد عني شيئًا فشيئًا.. و حين بدأ المركب يتهادى، تداخلت في مسامي رعشة أنغام موسيقية غريبة تنساب من جهاز سحري صغير بيد أحد سياح الجزيرة، تسابقت أنفاسي مع تسارع نبضي فأغمضت عيني، ورفعت رأسي إلى السماء بكل جوارحي، بدأت تتصاعد الأصوات الرقيقة لمعزوفة -علمت فيما بعد اسمها (إلى إليزا ) لبيتهوفن- راحت أنغامها تتساكن مع طبقات الموج برقة، و ينساب المركب صعودًا وهبوطًا مع رقصات الموج.. كتقلّب أيامي ومزاجي الحائر.
تناثرت قطرات ماء البحر على وجهي كدموع أمّي! لكني لم أكن أفكر بشيء سوى لذّة الانتصار.
ها هي بركات مستورة تحقق أمنياتي!
***
وأخيرًا، وصلت الديرة!
كانت الضاحية الجديدة كيفان مكانًا آخر وحياة أخرى.. صخبٌ ومبانٍ حديثة من طابقين، جلست فرحًا بنفسي أمام منزل خالتي مريم مترقبًا وصولها.
تختلف خالتي كثيرًا عن أمّي الطيبة، الوادعة- وثمّة خلاف يحدث من اختلاف الطبائع- كانت امرأة فارعة الطول ذات نظرة قاسية، سليطة اللسان، تختلق المشاكل أينما تذهب، في الواقع هي لا تختلف عني كثيرًا في تلك النقطة، ورغم أخلاقها السيئة فقد فضل جدّي أن يعيش معها وزوجها ياسر في الديرة التي يحب على حسن رعاية أمّي وحنانها عليه في فيلكا، حدث ذلك منذ سنوات قليلة قبل أن يُتوفّى.
بعد حوالي ساعة من جلوسي أمام المنزل، أقبلت امرأة أنيقة ترتدي عباءة سوداء، وتضع نظارة شمسية على عينيها، بدت مختلفة تمامًا عن صورتها الباهتة في ذهني.
- "خالتي مريم!"
هتفتُ بها.. فتوقفت فجأة وقد بدت الدهشة والحيرة على وجهها، تابعتُ بفرحة:
- "أنا جاسم الغريب ابن أختك فوزية.. ألا تذكريني؟"
صدمها حماسي؛ فلاحَ على وجهها الفهم والفتور في ذات الوقت:
- "آه! جاسم.. ظننتك المهري!"
وتعني بها البائع المتجول! واصلتُ مداهنًا باندفاع حتى لا تفكر بالرفض:
- " ما زلت تحتفظين بشبابكِ يا خالتي! أصابع الزمن لا تقترب منكِ كما أرى!"
تجاهلتني وسألت:
- "وما الذي أتى بك إلى الديرة يا جاسم؟"
- " تشاجرتُ مع والدي وطردني من البيت؛ فقلت لا يوجد أمامي غير منزل خالتي الحبيبة مريم!"
رفعت حاجبيها فاستدركتُ قائلاً:
- "وهذا لفترة قليلة جدًا.. أنتِ تعلمين بأنّ أمي لا تقوى على فراقي، ولابدّ أن أعود."
قالت بدون تأثر:
- "لابأس! ادخل ، يمكنك البقاء عندي.. لفترة!"
تبعتها ببطء، لاحظتُ فور دخولي فخامة المنزل من الداخل، كان زوج خالتي رجل من طبقة ثرية يدل على هذا الأثاث الحديث، وأيضًا جهاز التلفاز بشاشته الكبيرة، كان أحدث من جهاز جيراننا في الجزيرة، أخذتني أحلامي بعيدًا وأنا أتخيل بيتي الخاص، فيه كل هذه الأشياء الجميلة الحديثة.. حتى أنا أحب أن أعيش هذه الرفاهية!
كانت خالتي مستمرة بالحديث وهي تبرّر ما حدث لوالدها في أيامه الأخيرة، حين اتّهمتها أمي خلالها بإهماله، التفتّ إليها وأنا أحاول أن أخفي السحلية عنها، وأهزُّ رأسي موافقًا على كلامها مزهوًا بفوزي!
( لقد اجتزت الخطوة الأولى في درب أحلامي بنجاح!)
***


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 14
قديم(ـة) 31-12-2015, 09:21 PM
صورة سعد فهيد العجمي الرمزية
سعد فهيد العجمي سعد فهيد العجمي غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية التاج المفقود


لم تكن خالتي من النساء اللاتي يمتلكن الرقة والأنوثة بسبب قوة شخصيتها؛ فنظراتها النفّاذة حين تحدثك تكاد تخترق أعماقك لتعرف خفاياك، لم أرَ لطفها إلا حين تتحدث إلى ابنتها دلال التي تصغر أحمد، حينها كانت خالتي تنقلب إلى حمل وديع يلبّي طلبات الفتاة المدللة!
ورغم تظاهر خالتي بالسيطرة على ياسر، إلا أن الحقيقة أنه هو من يملك الخيوط والحلول، فليس لها هنا سوى الانصياع له وتحوير الأمور لصالحها!
بهرني شخص زوج خالتي ياسر؛ كان طويل القامة متناسق البنية، يعمل كرئيس لواحدة من كبريات الصحف التي تُغذي المدّ الثوري القومي، و تمتلئ بالمقالات الرنّانة، القوية، المتناغمة مع ذلك الزمن الصاخب، كان لا يكفّ عن إشعال سجائره العجيبة ذاتية الاشتعال، لكم أعجبني هذا الرجل بالساعة الذهبية في معصمه، وتلك النظارة السوداء التي تكاد لا تفارق عينيه.. كانت تلك المظاهر تخلب لُبّي !
تعودت منذ أول أيام تواجدي بينهم، أن أقف أمام المرآة الصغيرة في الحمّام لأقلّد ياسر وطريقته في الكلام، وكيف كان يلوي رأسه على جنب، وكأنّه ينظر لمحدّثه من فوق بوجه جامد الملامح يعطيه سمة الجدّية ورهبة الموقف، مهما كان نوع الحديث!
كانت تسحرني تلك اللحظات التي يجلس فيها وحيدًا، يستمع إلى معزوفات موسيقية غربية، في الحقيقة لم أكن أستسيغها، ولا أفهم ما الذي يعجبه فيها وبأصواتها الصارخة العالية، لكنّي مع هذا واظبت على سماعها، وتدريب نفسي على تقبلها فقط ..لأكون مثله!
لم أكن أعلم عنه -بسبب بعدنا عنهم وفارق السنّ بيننا- إلا النزر اليسير الذي كنت أسمعه من أخيه الأصغر عبد الرحمن، حينما كان يزورهم ليتفق معي ومع أحمد كي نخرج في جولات في المدينة.
عبدالرحمن هذا كان قد تخرج من كلية الضبّاط في مصر منذ سنتين، و كان مقربًا من أمّه لدرجة أنّي سمعت أنّها مرضت لسفره بعيدًا عنها، ولم تتحسن حالتها حتى عاد وتزوج وأنجب طفلة، وكثيرًا ما سمعته يردد: بأنّ القومية الحقّة مكانها الكفاح العسكري للدفاع عن الأمّة.
توطّدت العلاقة بيني وبين ابن خالتي أحمد، الذي أصبح صديقي في الآونة التالية، كان فتى طيبًا حقًا لا يعرف المراوغة التي عند والده، ولا التكبّر الذي يسيطر على خالتي العزيزة!
كان قصير القامة ضعيف البنية كخالنا حسن كثير الجدال، ومدافعًا شرسًا عن آرائه القومية، يرى في القلم سلاحه الذي يعوض ضعف بنيته! كان يعشق الزعيم المصري جمال عبدالناصر- مثلنا في تلك الحقبة- لكنّه يتفوق علينا بجمع صور نادرة له، ويزيّن غرفته وكتبه بها، وفي نفس الوقت يرى الرجعية في التمسك باللباس التقليدي، وعدم ارتداء الملابس الغربية!
باختصار: الكل كان يبدو مرحبًا بوجودي بينهم إلا ابنة خالتي دلال، فثمّة أشياء خلقت نفورًا بيننا، خاصة أنّي لأول مرة كنت أرى فتاة غريبة بلباسٍ منزلي يكشف عن ملامح جسدها- ورغمًا عني - لم أستطع مقاومة سرقة النظر لمفاتنها ما جعلها تنتبه لرغباتي المجنونة، وتكره بصمت وجودي بينهم!
***


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 15
قديم(ـة) 31-12-2015, 09:23 PM
صورة سعد فهيد العجمي الرمزية
سعد فهيد العجمي سعد فهيد العجمي غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية التاج المفقود


بعد يومين قال لي أحمد بحماس:
- "لابد أن ترى حوطتنا"
كان يعني استراحة فيها مكان للسكن وآخر للزراعة في الفنيطيس، فأومأت برأسي مختالًا بنفسي أنّي قد رسختُ قدمي في بنيان عائلة خالتي، وصرتُ ضيفًا مقبولاً.
توقفت سيارة أحمد أمام المزرعة وهو يشرح لي محتوياتها:
- "إنّها مليئة بأنواع مختلفة من الطيور وخاصة الحمام.. ستعجبك كثيرًا"
اقتربنا من الحارس بلباسه الأهوازي المميز والمقارب للباسنا:
- "إلى أين يا أستاذ أحمد؟"
- "إلى الداخل.. جاسم ابن خالتي، وأحبّ أن أعرّفه المزرعة"
قال بغلظة ليست غريبة على بنيانه الضخم وشاربه المفتول:
- "ممنوع!"
صرخ أحمد بغضب:
- "هل جُننت يا صادق؟ منذ متى أُمنع من دخول مزرعتنا؟"
قال الحارس معتذرًا، وإن حمل صوته ذات النبرة الغليظة:
- "إنّها أوامر والدك السيد ياسر!"
حاول أحمد الحوار معه لكنّ الحارس أصرّ على عدم إدخالنا، الحقيقة أنّ الموقف تسبب في حرج بالغ للفتى أمامي، ورغم أنّي حاولت أن أهوِّن عليه الأمر إلا أنّ جذوة الغضب بداخله لم تنطفئ.
على مائدة العشاء انفجر غيظه من الحارس وهو يروي ما حدث لوالده الذي قال موضحًا:
- "إنّها أوامري يا أحمد.. لو رضخ صادق لك كنت سأفصله دون تردّد!"
قال أحمد مذهولاً:
- "لكن لماذا؟"
صمت ياسر وكأنّه لم يسمع شيئًا وابتعد عن مائدة الطعام قليلًا، ثمّ ما لبث أن التفت نحونا وكأنّه تذكر شيئا أو خطرت بباله فكرة -وهو يبتسم بغموض- بعد أن تأكّد أنّ خالتي ليست بالجوار:
- "هناك كمية من العقيق بداخلها، أُحضرتْ لي من ظفار واليمن نظير بعض خدماتي القومية العظيمة، هذه الأحجار ستباع قريبًا وتستخدم لدعم المجلة."
انبهرت بأفكار الرجل أكثر وددت كثيرًا لو أكون مثله.. كنت أرمقه بإعجاب وهو يتحدّث بحماس.. كان متألقًا في كل جلسة يكون فيها! وكم صادف ذلك هوىً في نفسي!
ألم أقل لكم أنّي لا أختلف عنه كثيرًا؟
قررت عندما أكبر أنّي سأكون صحفيًا ناجحًا ومتحدثًا لبقًا.. مثل ياسر!
***
وبدأت أولى خطواتي الصحفية فعليًا فكانت زيارتي للمتحف، الذي من أجله جئت للديرة بحثًا عن كنوز جزيرتي!
ذلك القصر القديم العائد للشيخ خزعل أمير المحمرة، والملاصق لقصر دسمان، كان القصر مبنيًا من الصخر البحري، والطابوق الطيني، ورفع سقفه من الجندل والباسجيل، وفي كل ركن من أركانه الأربعة أقيم برج دائري، كما كان يحتوي في الحوش الجانبي على بيت من الشعر.
وقفت مبهوتًا أمام الأثار التي يعجّ بها المتحف الوطني بالديرة، وخاصة أمام حجر إيكاروس، أدهشني أنّه كان اسم جزيرتي في السابق- قبل أن يتم تغييره- وفيما بعد عرفت الكثير عن إيكاروس، ذلك الشاب الذي اقترب من الشمس وهو يطير بواسطة جناحين من الشمع، لكن يبدو أنه اقترب كثيرًا؛ إذ أنّ الشمع قد ذاب وهوى من أعلى!
"سيد إيكاروس! سيد إيكاروس!"
أحببتُ تذوّق وقع الاسم في سمعي، أجل أريد أن أكون سيد إيكاروس لكن ليس بجناحين من شمع! راحتْ عيناي تمسحان الأثار المتراصّة بانتظام على الأرفف وفوق الطاولات اللامعة.
- "من المؤلم أن يكون تراثنا في بلد آخر!"
قلتها وأنا أتصنّع الوطنية، وأرسم علامات الأسى بدهاءٍ على وجهي أمام أحمد الذي سألني باهتمام :
- "ماذا تعني؟"
أشرتُ لمحتويات المتحف:
- "هذه بعض الأثار التي أحضرت من جزيرة فيلكا! تخيّل أنّ هذا هو ما ظهر، فما بالك بما خفي وتمّ تهريبه للدانمارك؟"
- "أنت على حقّ!."
قلت بحماس:
- "الأمر يستحق تحقيقًا جريئًا يرصد هذه الظاهرة وينشرها، لكن من ينجزه؟"
قال أحمد وقد انتقل إليه حماسي:
- "وهل هذا سؤال؟ صحيفة أبي طبعًا!"
- "حقًا! هل تظنّ أنّه سيوافق؟"
- "دع هذه لي هذه المهمة".
ابتسمت ولكن لسبب مغاير تمامًا لما ظنه أحمد؛ فبهذه الخطوة سأحقق طموحي بالصحافة، وسأعود بطلًا متوّجًا بعد تحقيق هدف مستورة!
***


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 16
قديم(ـة) 31-12-2015, 09:25 PM
صورة سعد فهيد العجمي الرمزية
سعد فهيد العجمي سعد فهيد العجمي غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية التاج المفقود


رحبتْ إدارة المتحف الوطني بعمل التحقيق بعد أن وافق ياسر على الفكرة وتحمّس لها، بل ورشحني لعمل التحقيق بنفسي لما رأى من اهتمامي الزائد بالأمر.
في أول مرة نتقابل فيها قام رئيس الحراس بخلع الحزام الذى يحتوى على سلاح وسلسلة المفاتيح، وعلقها على المشجب بجواره، ثم غاب في الحجرة الأخرى لفترة، وعاد حاملًا قدحين من الشاي الساخن، وابتسامته المضيئة على شفتيه.
جلست أراقب الحارس وهو ينزع غترته، وكأنّه الوحيد الذي يحقّ له ذلك من الحراس أثناء عمله، ولكنّه وضع العقال المزيّن بشعار الدولة بعناية توحي بصرامته، ومع أقداح الشاي الساخنة كنتُ أستمع لتاريخ الآثار والتماثيل والتحف الثمينة المتراصّة بشكل مبهج للعين، تحكي تاريخًا غابرًا وأحلامًا طمرها تراب السنين، ثم أظهرها الإنسان بعد بحث وتنقيب.
وأنا من سيعيدها لمستورة.. فقد قررت أن أسرق المتحف الوطني!
كانت المتاحف- حينئذ- تتسم بنظام حراسة بسيط، بعيدًا عن التعقيد الذى نراه في متاحف اليوم، وخلال حواري مع الحراس على فترات خلال الأسبوع، أتيحت لي الفرصة كي أدرس موقفي جيدًا، لم أشعر بأيّ تأنيب ضمير؛ فقد تملكني هاجس البحث عن البطولة بأيّ سبيل!
في يوم الجمعة- يوم العطلة الأسبوعية- قررتُ أن أنفّذ المهمّة، شيء ما كان يهتف بي لأثوب إلى رشدي، وإرضاءً لضميري المتعب أقنعت نفسي أنّها ليست سرقة؛ بل هي إعادة الحقّ لأصحابه!
كانت نزعة الشرّ تتغلب على هواجسي! لم أكن أعرف شيئًا عن مكيافيللي في ذلك الوقت، لكني كنت أنفّذ أفكاره للوصول إلى غايتي!
تحركتُ من مكاني وعبرت السور المحيط بالمتحف، دخلت بخفّة اكتسبتها طوال تسلّلي من المنزل في فيلكا، ودلفت لأول حجرة وهناك نجحت بأن أشغل الحراس بالزواحف التي وضعتها لهم في الغرفة، ثمّ انتهزتُ فرصة خروجهم منها لأستبدل المفاتيح وأستعيد الزواحف، وأختفي بالجوار .
تسارع نبضي وأنفاسي حين ظهرت فجأة تحت أرجلي رأس سعيدة.. حاولت ضربها بقدمي دون أن أثير الشكوك حولي، لكن بلا فائدة!
(آه يا أمّي! ماذا زرعتِ في قلبي لمثل هذا اليوم؟!)
الحقّ أنّ قلبي كان يخفق بعنف، ودماء الإثارة تتدفق في عروقي، وكأنّني بطل أحد الأفلام الأجنبية التي كنت أهوى مشاهدتها دومًا عند جيراننا، في تلك اللحظة بدت فيلكا وعائلتي بعيدة جدًا، وأنا في ذلك الموقف العصيب.. تخيّلت نفسي وأنا أدخل القاعة الواسعة وعيناي تتلصصان في الضوء الخافت، فأخرج الآثار الخاصّة بجزيرة فيلكا وأضعها في الحقيبة بكل حرص...أتوقف أمام حجرة إيكاروس وابتسم باعتزاز، والهتافات الوهمية تعود صاخبة في ذهني مرة أخرى، والجماهير ترفعني وأبي يواصل حديثه بفخرٍ عني؛ أجل.. هذا ما أتمناه!
سيعفو أبي ويغفر، وينسى شغبي وملاحقتي المستمرة للقطط والكلاب الضالّة، وإحراقها بالنار وهي تجري، وإيذائي المستمر لعدنان المغلوب على أمره بسبب ملابسه الغربية، ودراسته في الديرة ، كنت أحمل حقدًا على نجاحه أصبّه عليه سخرية قاسية.
إحدى تلك اللقطات بقيت نقطة سوداء في قلبي تضغط عليه بألم، وذلك حين أقيمت صلاة المغرب يومًا وأبي واقفٌ كالعادة في الصفّ الأول، لمحته بطرف عيني ينظر للخلف وأدركت أنّه رآني، لابدّ أنّه أحس بسعادة غامرة حرص ألّا تنعكس على محياه.
في منتصف الصلاة فوجئ المصلّون الساجدون بصوت جهوري غريب يصيح مهددًا من يقوم من السجود بالرمي بالصخر، تردّد الجميع في الوقوف، لكن والدي ضعيف السمع وقف وحده ليتلقى ضربة بالصخر على ظهره، ندت منه صرخة انخلع لها قلبي، وقطع المصلّون إثرها صلاتهم محاولين الإمساك بالمتمردين .
كنت وصديقيّ قد وضعنا( الغترة ) لباس الرأس على أفواهنا، ورحنا نصرخ بخشونة ونحن نحمل الصخر بأيدينا، ولكنّي لم أتوقع أن يكون والدي هو الضحية، فتعثرت في هروبي وأسقطت ( غواري الملبّس) المحفوظة بالمسجد، وكادت أن توقعني بأيدي المصلّين الثائرين!
أوجعتني إصابة والدي وغمرني إحساس كبير بالقهر، فما أن فررنا خارج القرية حتى انهلت على فيصل- صاحب الفكرة- بالضرب بكلّ قوتي، خاصة أنّه هو الذي أصاب والدي!
انتبهت من ذكرياتي حين سمعتُ خطوات تقترب مني فكتمت أنفاسي حتى راحت الخطوات تبتعد شيئًا فشيئًا.. أخذتُ نفسًا عميقًا، ثم انتصبتُ واقفًا من جلستي على الأرض.
قرب الفجر تسلّلت لفتح باب المتحف ولكنه لم يفتح! حاولت مرة أخرى بلا فائدة، وعلمت فيما بعد أنّ المفاتيح التي معي مقلّدة، أما الأصلية فعادة تبقى مع الأمين في منزله، رحتُ أبحث مرة أخرى كالمجنون عن أيّ مخرج من المتحف، ثم أعود للباب محاولًا تجربة بقية المفاتيح بلا جدوى.. طار صوابي وفقدت سيطرتي على أعصابي؛ فشرعتُ في الطرق كالمخبول على الباب؛ فمن السخرية أن يكون سجني هنا!
تنبّه الحراس وأثارت الضجة شكوكهم؛ فهرعوا جميعًا نحوي و لم أفلح بالهرب؛ فقبض علي.. أدهشهم وجودي! وبين أيدي الحراس انهارت قواي.. كنت محبطًا للغاية وتذكرت فشلي المستمر في كلّ شيء، حتى في تحقيق مهمّة مستورة !
***


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 17
قديم(ـة) 31-12-2015, 09:26 PM
صورة سعد فهيد العجمي الرمزية
سعد فهيد العجمي سعد فهيد العجمي غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية التاج المفقود


حُلِقت رأسي وضُربتُ بالخيزران، وأودِعت الحجز( النظارة)، حيث أُدخِلت إلى غرفة ملحقة بمنزل وسط البيوت السكنية، كانت قوى الأمن الداخلي قد استأجرته؛ ليتم حجز المشتبه فيهم قبل التحقيق معهم.
كنتُ في أسوأ حالاتي النفسية.. هل تعلمون معنى أن يُضرب الإنسان لكل خطأ يرتكبه منذ صغره وحتى بعد أن يصبح شابًا؟!
للوهلة الأولى لم أستطع تبين أبعاد المكان، إلى أن اعتادت عيناي العتمة التي يفرضها خلوّ الغرفة من منافذ الضوء، إلا من نافذة صغيرة مغطاة بشبكة قضبان حديدية تعلمك أنّك في سجن!
في آخر الغرفة كان بخيت مستلقٍ، وقد التمعت عيناه بمكر وسط صفحة وجهه سوداء البشرة، وهو يسأل:
-"قادم جديد؟ عرِّف عن نفسك!"
لم أجِبه.. إذ لم تعجبني طريقته في الترحيب بي، فتجاهلته وانتقلت عيناي إلى الآخرين، كانوا ثلاثة شبّان في مثل عمري تقريبًا، اثنان منهما يلهوان بلعبة الأيدي والثالث متفرج.. نظروا إلي بغير اهتمام وتابعوا اللعب، بدا من الواضح أنّ أسود البشرة هو الزعيم المتصرف إذ لم يهتمّ بقدومي سواه، كرّر سؤاله:
- "سألتك ما اسمك، وما تهمتك؟!"
يبدو أنّ هذا البخيت لا يعرف من هو جاسم! اخترت لي مكانًا في زاوية بعيدة عنه وجلست، فاستفزّه صمتي وتجاهلي وقال بنبرة جادّة:
- " يبدو أنّك من ذلك النوع الذي لا يتكلم إلّا بعد الضرب!"
أينما حللتُ أجد التهديد بالضرب ينتظرني! وكأنّي ممسوس يضربونه لإخراج الجنّ منه؛ كما كان يفعل أحدهم ذلك اليوم في الجزيرة.. حينها كنت صغيرًا لا أعي ما أراه، ولكني في هذه المرة سأخرج لهم ما في جعبتي، وسأنتزع الجنّ من داخلي!
نظرت إليه بثبات، وحدّقت في عينيه بقوة وأنا أقول:
- "قبل أن أعرّفك بنفسي، سأعرّفك من أنت يا بخيت!"
اعتدل في جلسته مصعوقًا، وقال :
- "ماذا؟ كيف لك أن تعرف اسمي !؟"
- " وأعرف كيف ولماذا قبض عليك أنت وأصحابك الثلاثة هؤلاء، وإذا شئت أخبرتك أكثر."
من آخر الغرفة تحدّث أحدهم:
- "أنت لا تعرفنا ولا تعرف شيئًا، لربما سمعت اسمه صدفة."
التفتّ إليه وأنا أقول:
- "لم أكن معكم في الطريق إيّاه وأنتم تعاكسون النساء وتهربون بسرعة في كل مرة، لكن هذه المرة وقعتم في كمين الشرطة، أتريد أن أكمل؟ "
طبعًا لم يجب، لكنّ بخيت الذي كان صامتًا فاغرًا فاهُ بدهشة نهض واقفًا لأول مرة، واقترب مني وفي ملامحه شيءٌ من الدهشة:
- " كأنّك كنت معنا فعلاً لم يعلم أحدٌ بهذا بعد! لكن قل لي، هل حقًا أنت تعلم الأمور المخفية؟"
(علمتني مستورة.. فقد كانت تتصرّف بنفس الغموض؛ لتخيفني وتزرع الرهبة في أعماقي!)
لم يعلم أحدٌ -سواي طبعًا- شيئًا عن الحديث الذي دار خارجًا بين الشرطيين، وكان أحدهما يتباهى بالكمين الذي خطط له، ويصف كيف تمّت عملية القبض على عصابة بخيت الأسود!
تجاهلت سؤاله مزهوًا بما حققت من نصرٍ عوضني بعض إحساسي بالفشل، وسرعان ما التفّ الجميع حولي؛ عندما رأوا اهتمام زعيمهم بأمري وفوزي عليه.
أنساني وجود الشباب ما عانيت حين سألوني عن سبب حبسي، وشرعتُ في الحديث بإسهاب، ووجدت فرصتي - عندما رأيت عيونهم تبرق بإعجاب- لسرد بطولات صورتها لنفسي، وألبستها ثوبًا نضاليًا يناسب الحماس الذي بدا عليهم، وشعرت أنّي كنت مقنعًا في فرض نفسي كبطل قومي.

***

الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 18
قديم(ـة) 31-12-2015, 09:27 PM
صورة سعد فهيد العجمي الرمزية
سعد فهيد العجمي سعد فهيد العجمي غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية التاج المفقود


بعد ساعات حضر ياسر لرؤيتي بأناقته المعهودة ونظارته السوداء، ومعه مرافق له يدعى أبو أثير فلسطيني الجنسية، ببشرته البيضاء المشرّبة بحمرة وذقنه الحليقة تمامًا، كانا يحرصان دائمًا على سلامة موقف الصحيفة القانوني.
- "هل جُننت؟"
سألني ياسر وهو يصرّ على أسنانه غاضبًا.
أجبته بعناد:
- "إنّها أثار فيلكا المسروقة، ورغبتُ في استعادتها"
بدت الدهشة عليه:
- "تستعيدها؟"
أشحت برأسي متصنعًا اللا مبالاة وأنا أرتجف من داخلي.
(عندما تسقط فاحرص على ألا يظهر أثر ذلك على وجهك)
وذلك ما فعلته في تلك اللحظة، التفت ياسر نحو أبي أثير وكأنّه يستنجد به؛ مسَّد أبو أثير شعره الأشعث بيده وأجابه بعد تفكير:
- "هناك السجلات اليومية للموظفين المرافقين للبعثة الدنماركية آنذاك، لنقل أنّه كان يحاول الاطلاع عليها كصحفي بعد أن مُنع منها، خاصة أنّه لم يقبض عليه إلا خارج أسوار المتحف."
سأله ياسر:
- "وما هذه السجلات ؟"
- "لقد بحثت بالأمس عن الموضوع عندما أخبرتني، ووجدت أنّ هذه السجلات التي دوّنها أفراد البعثة بأنفسهم، تشير بالفعل إلى فقد بعض الآثار حتى يومنا هذا" .
وتابع كلامه موضحًا:
-" إنّ هذا التحول يغير مجرى القضية؛ وبالتالي سيطلق سراحه بكفالة."
غمرني الفرح والسرور، أمّا ياسر فكان له تفكير آخر كعادته في تحويل أيّ موقف لصالحه وهو يقول:
- "بذلك نكون قد نجحنا بتسليط الضوء على قضية هامّة، وحققنا كسبًا مهمًا للصحيفة"!
قاطعهم العسكري الفظّ وهو يسحبني من بينهم، طالبًا منهم المغادرة حيث حان وقت تغيير المناوبة، فأدخلني النظارة وأحكم إغلاقها وهو ينبّه زملاءه:
- "تنبّهوا من هذا المجرم فإنّه يبدو شخصًا هامًا"
وكم أبهجني هذا الوصف!
لم أعرف ما الذى سيفعله ياسر، لكن رجلًا لامعًا مثله لن يعدم وسيلة لإخراجي وقد كان؛ فقد أوعز لابنه أحمد بأن يقوم بمظاهرة ثورية تتحدث عن نضالي، ورغبتي في إرجاع ما سُرق من آثار فيلكا!
فوجئوا بالفكرة! تجمع الشباب أمام الحجز(النظارة) ومنهم بخيت وأصدقاؤه الذين أُطلق سراحهم، ورفعوا شعارات أعدها ياسر بلوحات خشبية وبخطّ اليد:
( أطلقوا سراح البطل)
(الحريّة للبطل لجاسم)
(أعيدوا لنا آثارنا)
بذلت الشرطة جهدها من أجل تنظيم الوضع المشتعل، وفي غمرة الهتافات الحماسية ازداد حماس أحمد؛ فرمى زجاجة مولوتوف مصنوعة يدويًا على الشرطة؛ التي ردّت بالهجوم عليهم واعتقال معظم المتظاهرين ومعهم أحمد، وألقت بهم في غرفة الحجز!
لم يهدأ الشباب بل ازداد هتافهم وهم يرفعوني فوق أكتافهم، وقلبوا النظارة إلى ساحة مظاهرة وتأزّم الوضع أكثر؛ ما استدعى تدخل رئيس قسم الشرطة شخصيًا، وبالتفاهم مع ياسر على لملمة الوضع، واختصار الأزمة تم إطلاق سراح الجميع، وأولهم أنا بالطبع.
تصدّر التحقيق الذى قمت به الصفحة الأولى؛ فزاد من مبيعات الصحيفة وراحت الناس تتناقل ما فعلته بمزيد من الإعجاب، وهكذا تحقّق حلمي وتحولتُ- بين يوم وليلة- إلى بطلٍ قومي!
***


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 19
قديم(ـة) 31-12-2015, 09:29 PM
صورة سعد فهيد العجمي الرمزية
سعد فهيد العجمي سعد فهيد العجمي غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية التاج المفقود


قرّر ياسر أن يجدّد ترشيح نفسه لانتخابات مجلس الأمة، عن الدائرة الخامسة التي تضمّ -بالإضافة لكيفان- منطقة خيطان، والتي تقطنها عائلات مهاجرة من فيلكا-مسقط رأسي- لذا كان أول همّ له هو استثمار وجودي معه في تلك الحملة وأن أكون المساعد في الدعاية له، خاصة و أنّي صرتُ ذا ثقل شعبي ملحوظ، كما أنّه بات يخشى الفشل كما حدث في تجربة سابقة، حين رشّح نفسه في عام 1963وباءت محاولته بفشل ذريع!
لم أكن بسيطًا ساذجًا فقد تعلمت أنّ لكلِّ شيءٍ ثمن؛ فقلت له ضاحكًا:
- "سأفعل ما تريد فقط أعطني علبة من هذه السجائر!"
ابتسم وعلى الفور وجدت في يدي علبتين.
- " سأحقق لك كل ما تريد يا جاسم لو نجحت في الانتخابات"
قلت بثقة:
- "إذن ستنجح"
اتسعت ابتسامته وهو يهز رأسه موافقًا؛ وعادت معنوياتي ترتفع من جديد.
في الأيام التالية حجبت عينيّ بنظارة سوداء كبيرة كياسر، بل إنّي طلبت أن ألبس مثل بدلته الافرنجية، التي كان يلبسها وهو ذاهب للعمل في الصحيفة واجتماعات اللجنة القومية؛ فأهداني واحدة من بدلاته التي تناسب مقاسي، كم تمنيت لو أنّي لم أكن حليق الرأس لأتمكن من تسريح شعري مثله على جنب، وهكذا.. ركبت الموجة!
انطلقتُ في حملة الدعاية لياسر بكل قوتي ليس حبًا فيه، إنّما كي يعلو نجمي وأضع قدمي على أول درجة في سلم النجاح، الذي تعلمت منه أولى خطواته، فقد لاحظت أنّه يعرف ما يريد ولا يهتمّ لرأي أحد، بل لا يعطي رأيه بصراحة تامة، لكنه يرى مصالحه دائمًا مع الأقوى شأناً، والأكثر ثراءً وغنىً؛ فتراه يساير ويبتسم للجميع كي يصل إلى هدفه!
لم أدَع وسيلة من أجل الدعاية لياسر إلا انتهجتها، كنتُ أوزع صوره بنظارته السوداء وسيجاره، على المحال التجارية وعلى أعمدة الإنارة، بل وصل الأمر أن ألصقتها على ظهور بخيت وأصدقائه، الذين تنادوا لمساعدتي بطريقتهم واستجابوا لأفكاري المجنونة !
كانت طريقتي الغريبة في الدعاية تجعل ياسر يطمئن أكثر لفوزه؛ فكان يبدو دائمًا مبتسمًا خاصة حين يراني، وكم كانت الضربة بسقوطه مفاجئة وقاصمة!
تلك الليلة كانت عاصفة بكلّ المقاييس، و لم نكن نتخيل قوة الزوبعة القادمة نحو الخيمة الانتخابية المنصوبة قرب مقر اللجنة الرئيسية، فقد هبّت ريح قوية غير متوقعة كادت تطيح بالخيمة.. تمامًا كالنتائج التي بدأت تعلن من داخلها، وفيما كانت الرياح ترفع أطراف الخيمة بإصرار، كانت تتصاعد في الداخل أصوات الاستنكار، تتخلّلها صيحات فرح.. كان الكلّ يتحدث عن كلّ شيء، والأجواء مفعمة بالأحداث.
وقف ياسر كالمذهول حتى استوعب عقله ما سمعت أذناه، وازداد صوت العاصفة صفيرًا في أذنيه، كأنّ الزوبعة ضجّت فجأة في أعماقه؛ فجنّ جنونه وراح يرغي ويزبد، ويضرب كفًا بكفٍّ:
- "مستحيل! مستحيل!"
***


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 20
قديم(ـة) 31-12-2015, 09:30 PM
صورة سعد فهيد العجمي الرمزية
سعد فهيد العجمي سعد فهيد العجمي غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية التاج المفقود


وقفتُ أرقبهما مبهوتًا.. ياسر يدور كالمجنون، بينما خالتي مريم تهذي بغيظ:
- "مستحيل أن يفوز زوج وضحة ويسقط زوجي أنا! مستحيل!"
وهنا التفت إلي ياسر كاشفًا عن وجهه القبيح أخيرًا:
- "أنت السبب يا وجه الشؤم!"
- أنا؟!
وراح يسبّ ويشتم، بل قام بتحطيم بعض الأشياء في صالة المنزل!
كنت أتخيلها نوبة غضب عابرة، لكنه كرّر سُبابه وشتائمه كلما رآني، ثمّ أمسك سماعة الهاتف لساعات طويلة وراح يجري اتصالات متعددة، ويتحدث مع كل من يعرف ويبرّر ما حصل بأنه تآمر عليه!
سقط الرجل العظيم من نظري حين سقطت نظارته السوداء، وكشفت عورًا في عينه اليسرى، كما انكشف قبح فكرٍ كان يخفيه خلف هذه النظارة، واكتشفت أنّه ليس بذي مبادئ، ولا تعني القيم الثورية له شيئًا مقابل المنصب الذي كان يطمح إليه، كانت نقطة ضعف هذا الرجل حبّ الظهور، وإضفاء مسحة من المثالية على طموحه!
فهمت اللعبة وقررت أن ألعبها بمهارة .. مثله!
حاولت أن أحول شغبي في الجزيرة بطولات، ولهوي بالمساجد نضالاً ضد الرجعية، وملاحقتي للقطط والكلاب المشردة عملًا تطوعيًا، ومحاولتي سرقة المتحف الوطني موقفًا ضد التبعية!
لقد صرت إيكاروس بالفعل ومثله أيضًا.. سقطت من أعلى!
فيما بعد علمتُ أنّ ياسر قد عاد للصحيفة وقد ارتدى نظارته السوداء من جديد؛ كأنّه يغطي خيبة أمله، وفي الساحة الخارجية للمبنى تجمع مجموعة من العاملين في الصحيفة، وحين رآه أبو أثير ركض نحوه ليهمس في أذنه، ويخبره أنّهم في اعتصام لعدم استلامهم رواتبهم منذ شهرين، كان هذا الحدث أكثر مما كان ياسر يطيق فصاح بهم :
- "أموالكم محفوظة.. إنّها مجرد أيام وستوزع عليكم.. أول مرة يحدث مثل هذا التأخير."
ووسط ضجيج الحديث المتداخل للمعتصمين صاح أحدهم ليسكتهم ويوضح هو :
- "لدينا الكثير من الالتزامات وقد سمعنا "...
نسي ياسر كل مبادئه حين قاطعه قائلاً:
-" سأدخل الآن وأغلق الباب خلفي، ولن أسمح لمن يتخلف عن الدخول بالعودة أبدًا.. تعلمون مدى جديتي!"
استغرب الجميع ردّة فعل ياسر العنيفة:
- " لطالما شجع المظاهرات في شرق وغرب الأمة العربية كيف لا يقبل بها هنا؟"
همس المعتصمون بعضهم لبعض وهم يتدافعون للدخول قبل إغلاقه الباب.
بعد أن دخل ياسر مكتبه بدقائق تعالى الصراخ من الداخل؛ إذ كان رئيس الجمعية القومية ونائبه قد وصلا قبله؛ وجلسا بانتظاره للتحقق من تلك المشكلة، وعرفتُ فيما بعد أنه يجري في الصحيفة تحقيق داخلي؛ حيث تبين أنّ ياسر الرجل الثوري القومي قد قام باستخدام أموالها الخاصة في حملته الانتخابية!
رفض ياسر تدخلهم، وأصروا من جهتهم على التحقيق؛ فأمسك ياسر بذراع الرئيس مهددًا:
- " الآن عرفت أبعاد المؤامرة التي تحاك ضدي."
نزع الرئيس يد ياسر بهدوءٍ وعزم:
- " لطالما حذرتك من سوء الظنّ برفاقك!"
- "ليس سوء ظنٍّ حينما تُسرق صناديق الاقتراع؛ وتكون النتيجة لصالح الحكومة!"
- '"يبدو أنّك ما تزال تصرّ على أنّك القومي الوحيد بيننا.. أتتهم الحكومة بالتزوير؟!"
جمع ياسر حاجياته وهو يقول:
- "لم تشارك في الكفاح الفلسطيني، ومنعتنا من المشاركة بتحرير ظفار!"
تابع اتهامه وهو يخرج من المكتب:
- "وأنت من ساعد الحكومة وتواطأ معها.. هذه ليست مواقف قومية!"
غادر مسرعًا وسط دهشة الجميع، ومن الداخل لاحقه صياح الرئيس :
-" بل قل الاشتراكية والماركسية، لا القومية !"
***


الرد باقتباس
إضافة رد

رواية التاج المفقود/بقلمي؛كاملة

الوسوم
المفقود , التاج , العجمي , الكويت , رواية
أدوات الموضوع
طريقة العرض
مواضيع مشابهة
الموضوع الكاتب المنتدى الردود آخر مشاركة
رواية أنا معهم ونبض قلبي معك ألماسة نوال روايات - طويلة 19 01-06-2017 04:56 AM
رواية هناك / للكاتب ابراهيم عباس شرقاوية شيتونة أرشيف الروايات المغلقة - لعدم إكتمالها 7 22-01-2017 09:53 PM
رواية لن أسامحك على ما مضى انتقام طفلة /بقلمي ملاذ.. روايات - طويلة 20 15-08-2016 10:51 AM
رواية جريئة كادي فلسطين نقاش و حوار - غرام 32 29-07-2016 08:01 PM
رواية هدف الموت / بقلمي؛كاملة وردة الإسلام روايات كامله - يتم نقل الرواية هنا بعد اكتمالها 36 18-07-2016 08:58 AM

الساعة الآن +3: 11:12 AM.
موقع غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات


تصميم دريم تيم

SEO by vBSEO 3.6.1