غرام
اكتب بريدك ثم اضغط على اشتراك ليصلك جديد غرام
بحث مخصص من محرك البحث العالمي قوقل للبحث في غرام
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 21
قديم(ـة) 31-12-2015, 09:31 PM
صورة سعد فهيد العجمي الرمزية
سعد فهيد العجمي سعد فهيد العجمي غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية التاج المفقود


أفصح ياسر وخالتي أخيرًا عن عدم ترحيبهما بي في منزلهما؛ إذ أني كنتُ نذير شؤم؛ فحسب زعمهما تمت بسببي إقالة ياسر من رئاسة الصحيفة، وما زال التحقيق يقوم بالنبش في ماضيه!
نمت مرهقًا تلك الليلة!) هل تراني خسرت كل شيء حتى ديني؟!)
(كنت أسير في الظلمة الموحشة وسط البراري والسكون المخيف يملأ الكون، يقطعه مواء قطة سوداء تجري من أمامي كل بضع خطوات.. كم أكره القطط وخاصة السوداء منها.. وصلت إلى مزار الخضر حيث مستورة تمكث هناك؛ فبرز مسعود فجأة ومعه سوط، وحين طرقت بابها فُتح ببطء، وهبّت في وجهي مستورة بوجه القطة السوداء بين كتفيها؛ فصرخت بأعلى صوتي رعبًا: بسم الله!)
قمتُ من نومي مفزوعًا والعرق يتصبب مني وأنا ألهث صارخًا ( بسم الله، بسم الله)
كانت سلسبيلاً لقلبي؛ فكررتها مرارًا وتكرارًا... بعد كلّ مرة ذكرت فيها اسم الله؛ بدا لي وجه أمي باسمًا.. فضاحكًا.. فمشرقًا!
يا إلهي! ماذا فعلت بنفسي؟!
لقد ازددت ضياعًا ببعدي عن الله طوال الشهرين الماضيين، وكان ذلك سلاح مستورة فذكر اسم الله يقهر سحرها وشعوذتها، وما كان اتخاذها مقرها عند مقام الخضر إلا تضليلًا للعقول الضعيفة، وتلبيسًا عليها بأن الأمر قربى لله، وكم أخطأنا حين لم نطع عمّي الشيخ سند، وهو يحذّرنا وينهانا عن زيارة مقام الخضر والتقرب إليه، تلك الخبيثة مستورة كانت تسخرني لخدمتها، وجُلّ مرادها الحصول على العقيق!
(العقيق.. الكل يريده وهو في متناول يدي، أعرف مكانه وكيفية الحصول عليه، ألست أولى به بعد كل هذا الخداع من هؤلاء الذين يستغلونني؟ بعض العقيق سيعوضني عمّا حدث لي)
أقنعت نفسي بهذا وارتحت للفكرة و لم أعد بعدها للنوم؛ فقد ربط التخطيط لنيل العقيق على جفنيِّ.. لا أعرف أي جنون كان يُسيرني، لكنها بدت لي فكرة منطقية جيدًا حينذاك فالرجل قد أهانني وأذلني، وكذلك جرّدني من احترامي لذاتي وحمّلني أخطاء لم أرتكبها مطلقًا!
جمعت حاجياتي ووضعت(السحلية) في جيبي، وتهيأت للخروج ومغادرة بيت خالتي.
***
حين هممت بوداعهم بدا التأثر على وجه أحمد لكنه أشاح بوجهه بعيدًا، بينما كانت دلال فرحة مسرورة بخروجي أخيرًا من منزلهم.. تلك الصبية فارغة الرأس التي لاهمّ لها سوى شراء الملابس الجديدة، وسماع أغاني عبد الحليم حافظ طوال الوقت وهي تغنّي معه وتتمايل، متجاهلة وجودي تمامًا وكأني نَكِرة!
خرجت أجرُّ أذيال الخيبة؛ فقد تذوقت طعم المجد لفترة ثم تلاشى كل شيء.. كنتُ أشعر بالوحدة وأنا أسير في الطرقات حزينًا مكسور الخاطر.. نزل المطر مدرارًا كتلك الدموع التي انسابت في داخلي:
(دعه يقوم بغسل أحزانك).. لكنّه لم يفعل!
تابعت السير ولم أحتمِ منه بشيء، تحجّرت أحزاني كما تحجّرت الدموع في عينيّ، توقفت فجأة وأشرت لسيارة أجرة .. ركبت ودون أدنى تفكير أعطيته العنوان:
- " إلى الفنيطيس!"
في الطريق كان السائق ينظر إلي ويتكلم بلهجة غريبة لم أسمعها من قبل.. يبدو أنّه بدوي، جاهدت لفهم بعض مفرداته وحاولت مجاملته فلم أفلح، فهمت منه سؤاله عن اسمي ومن أين جئت، تكلم كثيرًا وكنت أهزّ برأسي وأبتسم له، فيما عقلي يعمل بسرعة ليصل إلى الحوطة، ويدبر لي كيفية الوصول للعقيق!
وقفت سيارة الأجرة أمام المزرعة، كانت لها واجهة واحدة وبابان أحدهما صغير والآخر كبير، و حارسان متواجدان عند البوابة الخارجية، بينما المزرعة المجاورة بلا حراسة تذكر؛ فتسللتُ إليها كالسحلية زحفًا، ثم تسلقت السور الفاصل وأشرفتُ على مزرعة ياسر، لأُفاجأ بكلب والكثير من الحرس في داخلها.. لكن البرد الشديد أجبرهم على التواري، وكان ذلك مساعدًا في اختفائي عن العيون!
في مرآب المزرعة المصنوع من الخشب لمحتُ بعض الحركة المريبة، فاقتربت بحذر وأنا أحاول ألا أرتكب أخطاء أخرى كما حدث في المتحف، كان بعض الرجال هناك يقومون بنقل صناديق من المزرعة إلى سيارة نصف نقل تقبع في المرآب ، وهنا خطر لي أنّهم ينقلون العقيق نفسه!


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 22
قديم(ـة) 31-12-2015, 09:32 PM
صورة سعد فهيد العجمي الرمزية
سعد فهيد العجمي سعد فهيد العجمي غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية التاج المفقود


أخذ الكلب بالنباح فأثار انتباه حراس مزرعة ياسر والحارس المجاور؛ فأصبحت كالمحاصر! واشتعلت الأضواء في المزرعتين وبدا أنها حالة استنفار، لكني بمرونتي تسللت زحفًا تحت أحد الأقفاص حتى هدأ الحراس، وفي محاولة لاستفزاز الكلب ربطت خيطًا رفيعًا لا يكاد يُرى بالسحلية وأطلقتها؛ ما أثار الكلب فراح ينبح بجنون، ضحك الحراس على الكلب الذي أزعجهم بسبب ذلك الزاحف الصغير فلم يعطوا نباحه أيّ اهتمام!
أسرعت زاحفًا نحو المرآب لأجد مجموعة من السيارات، عرفت منها سيارة ياسر التي تكلموا عنها، كانت الفرصة سانحة لي بعد أن انصرفوا لإحضار بقية بضاعتهم، فتسللتُ تحت جنح الظلام نحو السيارة، وكشفتُ الغطاء عما فيها.. لم يكن عقيقًا أبدًا! كانت أكوامًا من المتفجرات، عبارة عن زجاجات المولوتوف المصنوعة محليًا، ترقد في صناديق صفّت فيها بعناية منعًا لتكسرها!
فجأة وصل ياسر بسيارته (الإمبالا موديل 64) وركض الحراس ليستقبلوه وقد ترجّل منها، ومعه ملازمه أبو أثير الذي سارع للاطمئنان على قنابل المولوتوف، طالبًا منهم تحميلها بالسيارة، ونقلها عند الفجر إلى رفقاء ينتظرونهم في الديرة.
قضيت الليلة لأول مرة مصدومًا ممّا رأيت من ياسر ورفاقه، والحيرة تكاد تفتك بي:
- " هل هذا هو العمل القومي؟"
ماذا عساي أن أفعل؟ تبادر إلى ذهني كلام عمّي الشيخ سند عن جميلة بو حيرد، فقررت أن أكون بطلًا وأقدم شيئًا لبلادي، راقبت الحراس وهم يجمعون السلاح، والمتفجرات في شاحنة صغيرة مغطاة بطربال، ثمّ غُطيت بطبقة من علف الحيوانات النباتي.. فجأة طلب ياسر منهم التوقف وإطلاق الكلب؛ حيث لم يقتنع بتبريرهم لحالة الهيجان لديه أحسست بالورطة؛ وهم يقتربون لإطلاق الكلب الذي سيهاجمني دون شك، هنا أسرعت إلى المطبخ بلا مواربة للاختباء؛ فرآني الجميع!
تصدّيت بمرونتي المعهودة للمسلحين، حين انقضّ علي الكلب والحراس، لكنّ الحارس صادق أمسك بي في غفلة مني، حاولتُ التملص منه لكن بلا جدوى؛ فقد كان ضخم الجثة متين البنيان، قوي العضلات يستحيل الإفلات منه!
- "دعني! اتركني!"
كنتُ أصرخ فيهم بعصبية.
الآن تكشفت لي الأمور، وتبيّن سبب رفض ياسر لدخولي المزرعة مع ابنه؛ ليس بسبب العقيق كما ادّعى إنّما بسبب المتفجرات، ذلك أقبح مما كنتُ أتخيله في ياسر.. قد أتخيله أحمق شرهًا، غاضبًا بدون تعقل، لكن أن يكون خائنًا يبيع ذمته بالمال؟!
اقترب ياسر مني وصفعني بشدّة على وجهي، قائلًا باستهزاء:
-" تريد أن تصبح بطلًا؟ حتى هذه فشلت فيها!"
أمرهم بتقييدي حتى يتدبر أمري فيما بعد، موجهًا الصفعة الأخرى لرئيس الحراس:
- "ألم أقل لكم أنّ الكلب أذكى منكم؟ لكن لا فائدة حسابكم سيكون عسيرًا"
قمت بنفخ عضلاتي- حيلة تعلمتها جيدًا منذ طفولتي- فيما كان أحدهم كان يقوم بشدّ قيودي إلى المقعد.
" -هل نؤجل عملية التسليم أو نلغيها؟ "
تساءل أبو الأثير.
" - هل أنت غبيّ؟ ألا تعلم تكلفة عدم تسليم المتفجرات اليوم؟"
أسرع الجميع في تجهيز الحمولة، كنت أراقب بحسرة ما يحدث أمامي، عاجزًا عن التصرف، وأنا أجهل مصيري.. حلّت العتمة وشيء ما هنالك ينظر إلي، بل يقترب منّي.. تسارعت أنفاسي، وتسمرت عيناي على رأس سعيدة الذي يلاحقني في كل مكان، راح يقترب أكثر فأكثر، وضربات قلبي تعلو وتعلو؛ حتى كاد يتفجر رعبًا.. رغم علمي أنّها حكاية.. لكنّ كثيرًا من الحكايات كانت تعود!


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 23
قديم(ـة) 31-12-2015, 09:35 PM
صورة سعد فهيد العجمي الرمزية
سعد فهيد العجمي سعد فهيد العجمي غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية التاج المفقود


ما إن انصرفوا حتى أخرجتُ نفسًا عميقًا من رئتي تراختْ على إثره القيود، وفككتها بكل سهولة لأهرب قبل أن يصل إلي رأس سعيدة، ثمّ انسللتُ وسط العتمة دون أن يشعر بي أحد، لكن سرعان ما عاد أحد رجال ياسر ليجد المقعد خاليًا فأبلغ ياسر؛ وانتشرتْ موجة من الذعر!
- "ابحثوا عنه! لا تدعوه يفلت منكم!"
قالها ياسر صارخًا، وهو يصفع من أبلغه بالخبر، كأيّ زعيم عصابةٍ عتيد!
هجم الجميع نحوي فسارعت بتسلق الجدار المعدني للكراج، وهنا تذكرت السيجار الذي يشتعل ذاتيًا، فتمسكت بالحبال وانطلقت قافزًا فوق السيارة، ومن خلف العتمة صرختُ بصوت عالٍ:
- "ياسر!"
التفت إليّ بسرعة، فصحت بسخرية وأنا أرفع واحدة من سجائره العجيبة:
- "أشكرك على هذه الهدية الرائعة!"
وقبل أن يفهم مغزى كلامي ألقيتُ بالسيجارة المشتعلة، وسط طبقة النبات الجافّ فوق المتفجرات فصرخ ياسر:
- "تبًّا! ابعدوا السيجارة عن المتفجرات أيها....."
لكن الجملة لم تكتمل لأن انفجارًا دوَّى عاليًا، وارتفعت موجة من اللهب إلى السماء؛ فسقطتُ على الأرض متدحرجًا وقد بدأت المتفجرات بالتطاير، بينما الجميع ينبطح أرضًا، والكراج يتحول لأنقاض وأطلال محترقة بسرعة البرق، لكني تمكنت من الفرار مع الجميع خارج المزرعة!
في طريق الخروج مررت بالكلب المقيّد، فسارعت بفكّ قيده وإنقاذ حياة ٍلأول مرة!
من بعيد وقفت أراقب تصاعد أصوات الانفجارات من المزرعة، وأضواء النيران وهي تنعكس على سيارات الشرطة والمطافئ التي حضرت مسرعة، تمَّ إلقاء القبض على ياسر ومعظم مجموعته، بينما هرب بعضهم، وبعد أن خمدت النيران لاحظتُ أنَّ بعض( الجراخيات) كانت متناثرة هنا وهناك لم تنفجر بعد!
فرحت كثيرا بعملي هذا- وإن لم يعلم به أحد- لكني تذوقت بعض الاحترام لنفسي أخيرًا، بعد أن كدت أفقدها للأبد!
***
عدت إلى فيلكا في صباح اليوم التالي.. استقبلتني لهفة أمي وشوق إخوتي؛ وكأنَّ فرحتهم بعودتي أضاءت قلبي من جديد، كان عناق أمي خير دليل على رضاها عني، وفي غمرة سعادة اللقيا ألحّيت عليهم بمرافقتي إلى المزرعة.. حيث أبي.
لمحته من بعيد فتقدمت الجميع تسابقني خطواتي إليه، كان منحنيًا بجذعه على معوله حين أقبلتُ على يديه المغضّنتين بالتعب، المعفّرتين بالتراب أقبلهما.. رفعني وابتسامة الرضا تعلو محيّاه..
غمرني شعور لم أعرفه في حياتي من قبل.. رائحة الأبوّة التي عطرت قلبي، ولأول مرة في حياتي شعرت في أعماقي بصدق .. بطعم الدموع.
حملت المعول بكل همّة وهو يريني أين أوجّه ضرباتي؛ كنت أشعر باعتزاز وأنا أرى نفسي يد أبي الضاربة في عمق الأرض، وأمواج من مشاعر شتّى تختلج في أعماقي، ليس منها ذلك الخوف الذي سيطر علي عندما برز رأس سعيدة من جديد، فهزمته بضربة المعول ألحقتها بأخرى، ورحت أضرب بشدّة أكثر فأكثر، حتى أنّ أبي قال مشفقًا:
- "رويدك يا ولدي! سينتهي العمل دون أن ترهق نفسك."
آليت على نفسي أن أكمل العمل عنه؛ لأجعله يستريح.. أخيرًا!
(حقًا لا يوجد عن الأهل بديل!)
***
أخذتُ طريقي إلى مستورة التي استقبلتني بحرارة وهى تسألني عما فعلتُ في الديرة، قلتُ لها باعتزاز:
- "لقد صرتُ بطلًا والفضل لا يعود إليكِ، وأحذركِ إن كنت تريدين استغلال أحدٍ ما لصالح أطماعكِ وجشعكِ فلست أنا ذلك الأحمق!"
تجمّدت ملامحها، فقلت وأنا أصرّ على مخارج حروفي:
- "من الأفضل أن تجدى لكِ مكانًا آخر غير هنا؛ فلن أتستر بعد اليوم على كذبك و خداعك للبسطاء يا مستورة!"
غادرتُ المكان دون أن ألتفت، أو أنتظر منها كلمة أخرى، صاحت هازئة بصوت غاضب:
- جاسم صار بطل إيكاروس !
ثم أتبعَتها بضحكة مجلجلة ملأتني رعبًا ( كيف علمت بأمر إيكاروس؟) .
***
قررت- بعد تردّد- أن أروي مغامرتي في المدينة لأصدقائي هنا، وأحرضهم على العمل الوطني القومي، وأن أكون البطل القدوة أمامهم فجمعتهم، وألقيت عليهم خطابًا حماسيًا كما كان يفعل أصدقائي في الديرة.
كان مقدّم الحفل عدنان الشاب المثقف الذي طالما آذيناه لثقافته ذات الطابع الغربي، تكلمت عن مغامرتي هناك بأسلوب حماسي وسط ضحك واستهزاء الأصدقاء، ما أشعرني بأني لم أكن مقنعًا بشكل كافٍ.
بقيت صامتًا أمام تصرفاتهم، حتى سكت الجميع مندهشين من سكوني وعدم تأثري بردّة فعلهم، وقد أحسوا بأنهم أمام جاسم جديد، وتدريجيا عمّ الهدوء المكان.
انسحبت وتركتهم في حيرتهم يتساءلون، و فجأة ضجّ المكان بأصوات المفرقعات التي راحت تتطاير في الفضاء فوق طاولة عدنان وقد أصابه والأصدقاء الهلع، وراحوا يتراكضون هنا وهناك!
قبل أن أغادر مزرعة ياسر في الحوطة، كنت قد جمعت ما تناثر من بعض الألعاب النارية (الجراخيات) بعيدًا عن النيران، وأخفيتها لمثل ذلك الموقف!
وقفت من بعيد أنظر ضاحكًا مستمتعًا بفزعهم، كعادتي!
***



انتهى الفصل الأول



***


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 24
قديم(ـة) 01-01-2016, 12:04 PM
صورة سعد فهيد العجمي الرمزية
سعد فهيد العجمي سعد فهيد العجمي غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية التاج المفقود



الفصل الثاني

2003

وصلنا أخيرًا!
عند الحدود ظهر أفراد الفريق العراقي الذي سيتعاون معنا في رحلة البحث عن أسرانا، ومع اقترابنا منهم أمكنني أن ألمح وجوهًا لوّحها البؤس، وسكن أعينها الحزن.
من بعيد لاح لي وجه منير بملامحه الضاحكة، كم اشتقت لتلك الابتسامة الوضّاءة!
لوّحت بيدي، و ما أن رآني حتى وثب ناحيتي صائحًا بمرح:
- "جاسم الغريب! أيّها الوغد (بو عَشرة) أما زلت على قيد الحياة؟"

- "ما زال لسانك طويلًا، كعهدي بك يا منير!"
عانقني بحرارة ضاحكًا:
- "من شبّ على شيء شاب عليه يا صديقي!"
إنّه منير بمزاحه المعهود وروحه المرحة، لم تغيره الأحداث فيما يبدو، كان طويل القامة، قويّ البنية بشامة على خده، لا يزال وجهه يحتفظ برونقه القديم رغم عوامل الزمن، أدهشني أنّه كان يلفّ رأسه وأذنيه بغترة لم أرَه فيها من قبل، وقفنا نتبادل جمل الترحاب وبعض الذكريات المضحكة التي كانت لنا.
هذه هي المرة الثانية التي أجتمع فيها مع منير، صديق الرحلات والسهرات في مهمّة خطرة- وقد افترقنا رغمًا عنّا- كانت المرة الأولى تجربة صعبة، لاتزال مرارتها تلسع أعماقي!
***
1983
انطلقت سيارة الكارجو العسكرية بعد هبوط الظلام، وراحت تموج بِنَا وسط منطقة المستنقعات، كان هدفنا الكتيبة الكامنة خلف خطوط من السواتر الترابية، وعلينا أن نجتاز فتحات بينها للوصول إليها، كنا نفس المجموعة أنا ومعي صديقي منير المنسق الإعلامي للسفارة العراقية في الكويت، و ناظم مهندس الكتيبة، ومرافق عسكري بمدفعه الهاون، بالإضافة إلى السائق، فجأة انهالت علينا رصاصات القناصة الإيرانيين الذين يراقبون موقع الكتيبة فسقط سائق السيارة صريعًا، صدمني موته، وهنا صاح بنا المرافق العسكري للاستمرار زحفًا، التفتّ خلفي لأرى سائق الاحتياط المتواجد بالكتيبة يرمي بجثة السائق خارج السيارة بلا رحمة وينطلق بها سريعًا، فعل ذلك بتلقائية وكأنّه أمر اعتيادي، فيما استمر الآخرون بالزحف.
توقفت ولم أعد أشعر بخطورة الموقف، لولا أن امتدت يد منير تسحبني بشدة للاحتماء بجانب الساتر الترابي، لم يكن كزحفي في فيلكا أو أيام الشقاوة في الديرة، فقد كان علينا هنا تفادي الرصاص والشظايا المتطايرة وكانت حياتنا على المحكّ!
وكأنّ أبواب الجحيم فتحت على مصراعيها فور وصولنا؛ فانهالت القذائف من كل حدب وصوب، واشتغلت مدفعية الكتيبة للردّ بعنفٍ وكثافة نيران خلتها لن تتوقف!
بدأ المهندس ناظم وشريكه حامل الهاون سباقًا مع الزمن لاتخاذ القياسات المناسبة، وما هي إلا لحظات حتى بدءا بإسقاط القناصة الإيرانيين من حولنا!
بعد ساعة- وقد هدأ كل شيء- خرجت من الحفرة التي توارينا فيها، كانت ملابسي ووجهي ويداي ملطّخةً بالطين والسواد، بل كان كل ما حولي أسودًا!
تهيأنا للعودة فأشار علي منير- بوجه كالح كالموتى- بتدوين كل ما أرى، تجولت قليلًا وسط بحيرات الدم لأتبيّن ما حولي، وأخرج بانطباع أخير أدوّنه، هالني حجم المأساة والكارثة، كانت عشرات الجثث قد تناثرت أشلاؤها وتلونت الأرض بالأسود والأحمر، تمالكت أعصابي بصعوبة رغمًا عني، وأدرت الكاميرا لأصوّر أبشع ما توصلت إليه الإنسانية!
***


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 25
قديم(ـة) 01-01-2016, 12:05 PM
صورة سعد فهيد العجمي الرمزية
سعد فهيد العجمي سعد فهيد العجمي غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية التاج المفقود


قمت بواجب التعارف بين صديقي منير ومرافقي مصطفى:
- " العزيز مصطفى"
صافحه منير بهدوء بينما ردّ الآخر تحيته ببرود؛ ما جعلني أتوجّس خيفة من بوادر توترٍ بانت ملامحه.
فجأة برز كلب صغير من وراء الرجال وراح ينبح بشدّة، ثم ظهر شاب خلفه يصيح وهو يهرول:
- "جعبل! جعبل! انتظر أيها الأحمق!"
- "جعبل؟!"
هزّ منير رأسه ضاحكًا:
- "هذا هو اسم الكلب! إنّ كاظم مُغرم به!"
صافحني الشاب العراقي بحرارة، ومنير يقول:
- "بالمناسبة: كاظم شاعر موهوب، وستعرفون هذا خلال رحلتنا"
ظلّ الكلب يواصل نباحه، فهتف كاظم غاضبًا:
- "جعبل! تأدب!"
أقعى الكلب على قدميه وأحنى رأسه، لمح كاظم دهشتنا:
- "إنه كلب مُدرَّب!"
جلست القرفصاء وأخذت أمسح براحتي على رأس جعبل؛ فراح يهزّ ذيله في سرور.
ضحك كاظم قائلاً:
- "لقد أحبّكَ جعبل من أول نظرة! "
أضحكت العبارة الجميع؛ ما خفف التوتّر وأشاع جوًا من الراحة بيننا.
همستُ في أذن الكلب :
- " لحسن حظك أنَّ هذه أول مرة ألمس فيها كلبًا من غير أذى!"
(لو كان هذا الجعبل في زمن مستورة؛ لتحول إلى شعلة من النار تهرول!)
مستورة التي كانت معلمًا من معالم زمن ٍ مضى، كنت فيه فتىً أغرّ أسعى لشهرة تعوضني الإحباط الذي كان يلازمني، حتى لو تحقق بالعمل مع تلك المشعوذة!
***
استقل الفريقان أربع سيارات بعد انضمام سيارتيّ الجانب العراقي، وتقدمنا باتجاه المعسكر البريطاني، حيث تمّ أسر بعض المسؤولين عن الأسرى، كانت سحب الدخان تعكّر الجو، وألسنة اللهب تتأجج أحيانًا وتخبو أحيانًا أخرى.
طريقنا إلى مدينة البصرة كان مليئًا بالمآسي، كانت المدينة العظيمة تنهار أكثر وأكثر، بسبب عبثية الأنظمة الّتي توالت على حكم العراق، وآخرها نظام صدّام الدموي الذي أسقطه التحالف الغربي منذ شهر، وقد صارت نهبًا للجيوش تتقاسم كعكتها بكل ضراوة، و ما يزيد حزن القلب أكثر هو قلة المياه في بلد يمرّ بها دجلة والفرات وانقطاع الكهرباء المستمر، قفزت إلى ذهني صورة قاتمة:
كيف كان الأسرى يقضون أيامهم ولياليهم في أماكن باردة، تقشعرّ الأبدان لمجرد التفكير فيها؟! كيف يعيشون في أماكن لا تحتوى على أبسط الحقوق الخاصة بهم، مثل قضاء حاجتهم، وتنظيف أجسادهم، وطعام مقبول لا تعافه الأنفس؟!


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 26
قديم(ـة) 01-01-2016, 12:06 PM
صورة سعد فهيد العجمي الرمزية
سعد فهيد العجمي سعد فهيد العجمي غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية التاج المفقود


قطع سلسلة أفكاري صوت كاظم العذب، يصدح بشعر أبي فراس الحمداني:

أقُولُ وَقَدْ نَاحَتْ بِقُرْبي حمامَةٌ أيَا جَارتَا هلْ تَشعرينَ بِحَالي ؟
مَعاذَ الهَوَى ماذُقتِ طارِقةَ النَوى وَلا خَطَرَتْ مِنكِ الهُمُومُ ببالِ

شجعه منير بصيحة إعجاب، فتابع:

أيَضْحَكُ مَأسُورٌ، وَتَبكي طَلِيقَة ٌ ويَسكتُ مَحزونٌ، ويَندبُ سَالِي؟
لَقدْ كنتُ أَوْلَى مِنكِ بالدمعِ مُقلة ً وَلَكِنّ دَمْعي في الحَوَادِثِ غَالِ!

تأوّه مصطفى:
- "وضعتَ يدك على الجرح يا كاظم!"
انتبهت فجأة من غفلتي مع صوت كاظم على أصوات الرشاشات!
أجبرت غزارة الرصاصات الشديدة - التي انهالت علينا - الموكب أن يُبدل مساره
- "لقد كشفوا أمرنا!"
قالها منير والغضب واضحٌ على وجهه، صرختُ بصوت عالٍ حتى يسمعني الجميع:
- "فلنغير مسار السير"
على الفور- وكما خُطط سابقا لحالة الطوارئ- بدأ سائق السيارة الأمامية يتخذ طرقًا فرعية، بعيدًا عن الخط الرئيسي فتبعناه، ما أن ابتعدنا عن الهجوم حتى لاحظتُ أن عليّ يجلس محرجًا، ووجهه محتقن، فهمتُ حاجته على الفور وهذا ما جعلني أرفع صوتي آمرًا:
- "ليتوقف الجميع هنا"
توقف الموكب، وسألت وأنا أهبط من سيارتي:
- "هل الجميع بخير؟"
كان الجو العام قلقًا متوترًا، لكن -ولله الحمد -لم يصب أحد بسوء.
لاحظت عليّ وهو يتسلّل إلى الخلاء مسرعًا، فانتحيت بمنير ومصطفى جانبًا نتدبر أمر تغيير مسارنا، قال منير بصوت خافت:
- " يبدو أنّ خطواتنا مكشوفة، هناك من يرسل المعلومات!"
- "وما أدرانا؟ لعله حادث عرضيّ، الأفضل لنا أن نتابع مسارنا"
- " اذا غيرنا اتجاهنا واستمرت الملاحقة؛ فان ذلك يعني أن أحدهم يُسرّب المعلومات عن مسارنا "
اعترض مصطفى:
- "سيتسبب ذلك بتأخير في الوقت، وأنت تعرف أهميته."
أجاب منير بإصرار:
- "لو هوجمنا مرة أخرى فسيتأكد لنا أنّ هناك من يُسرِّب أخبارنا من الجنود، ولو سارتْ الأمور على ما يرام؛ فسنعرف أنّ الهجوم علينا كان مجرد صدفة"
تابع مصطفى اعتراضه:
- "لا أوافق على هذا، يفترض أن نذهب إلى المعسكر البريطاني، وهناك سوف نحصل على معلومات مهمّة بخصوص الأسرى"
- "المعلومات التي سنحصل عليها في الديوانية أكثر أهمية"
استغربت ما سمعت:
- "هذه معلومة جديدة! الديوانية؟"
- "ثمّة معلومات عن آخر شخص تعامل مع الأسرى يُدعى عبد الجبّار"
قلت بحزم:
- " الكلمة الأخيرة لي فالمسؤولية تقع على عاتقي، سوف نغير المسار!"
أشاح مصطفى بوجهه ومضى - دون أن يعقّب- نحو سيارته.
عاد عليّ من الخلاء وابتسامة الرضا على وجهه، ابتسم فور أن رآني ابتسامة شكر نادرة؛ جعلتني أتنفس الصعداء.
كم تغيرت أحوال عليّ إثر تلك الأحداث المريرة، وبين يوم وليلة تتغير أحوال وأحوال.. فما بالك بإنسان!
بعد توبته عن كلّ ما بدر منه حاول إصلاح حياته؛ تزوج مرتين ولم يهنأ، وحاول أيضًا الخوض في مجال التجارة ولم يكسب، فخسر كل شيء وانهارت حياته!
***


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 27
قديم(ـة) 01-01-2016, 12:07 PM
صورة سعد فهيد العجمي الرمزية
سعد فهيد العجمي سعد فهيد العجمي غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية التاج المفقود


ساعدتنا المذكرة الأمريكية الموجودة بحوزتنا، على أن نجتاز الكثير من الحواجز الأمنية المقامة على الطرق ونحن نتّجه للديوانية، ما زال وجه مصطفى عابسًا لأننا خالفنا وجهة نظره وخالفنا الأوامر، له عذره في موقفه هذا فهو يبحث عن والده، لكننا- أيضًا- نحمل همّ الجميع؛ فالكل أهلنا وأبناؤنا!
وأخيرًا دخلنا الديوانية، استوقفنا أحدهم فسأله منير بلهفة:
- "أتعرف مكان عبد الجبّار؟"
ألقى الرجل عليه نظرة مرتابة وقال:
- "ربّما!"
تركنا وانصرف؛ فاحتقن وجه منير غضبًا؛ ما جعل مصطفى يقول بتشفٍ:
- "أرأيت؟! أخبرتك أننا نبحث عن إبرة في كومة قشّ!"
تجاهله منير وابتعد نحو رجال الفريق الخاص به، تحدّث معهم قليلًا وعلى الفور انتشر الرجال.
ولم يطل غيابهم حتى عادوا يرافقهم رجل نحيل، يرتدي سروالاً يشبه سراويل الجيش القديمة، ويضع على رأسه غطاءً يقيهِ حرّ الشمس ولهيبها!
سأله منير:
- "ألديك معلومات عن عبد الجبّار يا رجل؟"
قال بهدوء:
- "نعم بالتأكيد"
- "ماذا تعرف عنه؟"
- "أعرف أنّه يملك محلًا لبيع أطباق (الدشّ و الرسيفرات) إنّها تجارة رائجة، وخاصة هذه الأيام"
سألته:
- "وتعرف مكانه؟"
نظر بطرف عينه إلى منير دون أن ينطق بحرف وعلت ملامحه ابتسامة ماكرة، قال منير بعصبيّة:
- "فليكن، كم تريد؟"
أجال عينيه فينا ببطء، ثم قال:
- "رزمة دولارات ستكفي، أنتم استدعيتموني وأنتم بحاجتي، وإن كان طلبي لا يعجبكم.. فسأمضي!"
تأملنا بعضنا للحظات، ثمّ أخرجتُ الدولارات من الجيب السري لحقيبة أربطها على بطني، لمعت عينا النحيل بوضوح ومنير يتأكد من أوراق النقد الخضراء، ثم يضعها في يديّ ذلك الجشع، أخذ يعدّها بسرعة بيد محترفة، ثم وضعها في جيبه وهو يجيل النظر فينا مجددًا، توقف نظره عند علي وتحرك للأمام نحوه؛ أجفل ذلك الأخير منه وتراجع للخلف، امتدت يدا الرجل إلى معصم عليّ؛ في نفس اللحظة ارتفعت أسلحة الفريق العراقي مُشهرة بوضع متحفّز.
صحت فيه:
- "ماذا تفعل؟"
وضع يده على ساعة عليّ الثمينة، وقال:
- "أريد هذه الساعة!"
قال عليّ معترضًا:
- "إلا هذه الساعة!"
أخرج الرجل رزمة النقود من جيبه، وهتف:
- "وإذن لا يوجد عبد الجبّار!"
كان الموقف حرجًا حقًا؛ فعليّ يعتز بتلك الساعة جدًا، وأمام ترددنا نزعها من يده وأعطاها للنحيل، وقال بانكسار:
- " من أجل شقيقي راشد!"
لا أدري لماذا- في ذلك الموقف بالذات- خُيّل إليّ أنّ لدى عليّ شيئًا ما يخفيه عني!
***


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 28
قديم(ـة) 01-01-2016, 12:09 PM
صورة سعد فهيد العجمي الرمزية
سعد فهيد العجمي سعد فهيد العجمي غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية التاج المفقود


1985

الدنيا أصعب مما نتمنى وأسهل مما نتوقع! طموحك يخبرك بما تتمنى، وسعيك يوصلك لما لا تتوقع!

لا أذكر بالضبط ما كانت دوافعي لتعقّب كل ناجح!
بعد عودتي من الديرة بقيت متابعًا للصحف؛ لمعرفة مصير ياسر وزمرته وتتبع أخباره، كانت تلك عادة مستحدثة استغرب لها أهلي كثيرًا؛ جاسم الذي كان يملأ الدنيا صخبًا أصبح يجلس هادئًا يضع ساقًا على ساقٍ، ويقرأ الصحيفة كالمثقفين!
من أهمّ الأسباب التي دفعتني للنجاح كان تقليد ياسر، وشعور يشبه الحسد يتفاقم في صدري كلما سمعت اسمه؛ فما زلت أتحسس حرارة صفعته، ولايزال طعم إهاناته- منذ كنت في ضيافتهم- يلون طموحي بشيء من القهر والتصميم على التفوق عليه، خاصة بعد أن عرفتُ عن طريق صحيفته أنّه قد أفلت من العقاب بطريقة ما، بل وزادت ثروته وسطوته.. يبدو أنّ ذلك المحتال كانت له طرقه الخاصة لتسيير أموره!
أصبحت رغبتي جارفة في أن أصبح صحفيًا مثله، وأتيح لي لحسن حظي ذلك في السنوات التالية بعد أن استُحدثت الثانوية عام 1971 في الجزيرة ، فالتحقت بها وعملت بجدّ لإنهاء دراستي وتحقيق حلمي في خوض غمار الصحافة.
انتقلت بعدها للعمل في الديرة حيث عملت في صحيفة مشهورة كمحرر، وكنت شعلة من النشاط كعادتي، ثمّ في مرحلة لاحقة كانت تحقيقاتي المباشرة من ميدان المعارك العراقية مع إيران تدفع بي للارتقاء سريعًا إلى مراتب الشهرة.
اتخذت لنفسي مظهرًا حرصت عليه؛ فقد اعتدت تدخين السيجار الفاخر، و كنت أضعه في زاوية فمي حين أتحدث مثلما يفعل صدّام حسين، ليس حبًا في السيجار ولا إعجابًا بصدّام حسين، بل ليمنحني قوة شخصية وتفوقًا على الآخرين، كما كنت أتخيّل!
توسعت دائرة معارفي وكثرت صلاتي وارتباطاتي، وأصبحت في مصافِّ الرجال المحترمين، حتى أنّي حصلت على مسكن جيد، بعد أن أمّنت لي الصحيفة شقة جميلة في عمارة حديثة في شارع البحرين بالسالمية، كان الأمر استثنائيًا بحقّ!
انتقلت لسكني الجديد المكون من غرفتي نوم، وغرفة مكتب وصالة وملحقاتها، كان قسم كبير من العمارة مخصصًا لسكنى خبراء ألمان، ومن يعمل معهم من جنسيات مختلفة، لم أكن أراهم إلا حين خروجهم للعمل أو عودتهم منه، وبجواري سكنت أسرة كويتية صغيرة بشكل مؤقت، كنت أرى أطفالها أحيانًا في أسفل العمارة، أوحين يلعبون كرة القدم في الشارع الجانبي، حيث لا تمرّ السيارات كثيرًا.
حضرني موقف طريف الآن، إذ كانت تلك الجارة دائمة التذمّر والشكوى، وكنت أسمعها في غدوّي ورواحي تنادي أطفالها وتتأفّفُ من كل شيء، وتصرخ في وجه أولاد الجيران مشفقة على أولادها من أذاهم وهي تردد عبارتها الشهيرة (يا ليتنا كنا في الصين).
وفي إحدى المرات كنت في مدخل العمارة، حين هبّت عاصفة قوية حملت ولدها رقيق البنية، ورفعته عن الأرض وكادت تودي به، فسارع فتيان بحمله وقد أغرقا في الضحك، وهما يقولان له باللهجة المحليّة:
- " لا تخاف، كانت بتودّيك الصين!"
(ولا أدري للآن سرّ إعجابها بالصين)
***


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 29
قديم(ـة) 01-01-2016, 12:10 PM
صورة سعد فهيد العجمي الرمزية
سعد فهيد العجمي سعد فهيد العجمي غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية التاج المفقود


اعتدت أن أتردّد إلى مجلس ديوانية رئيس التحرير بين الفينة والأخرى؛ لأظل على تواصل مع أهل الصحافة والرأي، وبعض الشخصيات السياسية.
كان مجلسًا متميزًا-لطالما حلمت بمثله- مكانًا واسع الأرجاء، تشغل جوانبه جلسات عربية من الطراز المغربي المريح، بديكوراته المحفورة بشكل أنيق وصنعة عالية الجودة، يجتمع أصحاب الفكر والسياسة وشتّى التوجهات فيه على اختلاف مشاربهم.. وتتشعب الحوارات ما بين قضايا سياسية وهموم اجتماعية، تعلو الأصوات أحيانًا وتخفت.. نتلاقى ونختلف، وسط أكواب الشاي بالزعفران والقهوة العربية المميّزة بلونها الذهبي، وكان النقاش اليومي الدائر بشأن القوانين المطروحة على مجلس الأمة، يتخلّله حوار لا يتوقف حول الحرب العراقية الإيرانية.
كنت مهتمًا جدًا بهذه اللقاءات خاصة بعد خيبة الأمل التي أصابتني، والسقوط المريع في انتخابات مجلس الأمّة الماضية، حين رشّحت نفسي عن الدائرة الثامنة ولم أنَل إلا عشرة أصوات، وعلى إثرها انسحبت زوجي الأميركية من حياتي، فتوارت مع طفلي الوحيد، وعلمت أنها غادرت إلى بلادها .. وطبعًا ليس باليد حيلة!
كان ذلك بعد هزيمتي في الانتخابات بعدّة بأيام، حين رجعت من عملي كالعادة و دخلت شقتي، فوجئت بالصمت المطبق عليها على غير العادة، إذ كانت ويندي تدير المسجّل معظم وقتها، و تستمتع بسماع السيمفونيات العالمية بصوت هادئ يتردد في جنبات الصالة، بينما هي تقوم بأعمال المنزل أو تطالع مجلتها المفضلة، أيضًا لم أسمع صوت الصغير طارق، توجهت من فوري إلى غرفة النوم، فصعقني مشهد خزانة الملابس الخاصة بهما فارغة ومفتوحة، وطبعًا أول ما يخطر بالبال هو السرقة أو الاعتداء، وأنّ شرًا ما قد أحاط بهما، تحولت إلى المطبخ لأتفقدهما، فوجدت ورقة بخط يدها مسندة إلى مزهرية الورد التي تنتصف طاولة الطعام.. تقول فيها بالإنجليزية: أنّها رجعت بلادها مع ولدها، وأنّي إنسان فاشل، وعليَّ ألا أنتظرها.. حقًا كانت صدمة!
لا أدري لم علينا أن نتقبّل أفعالهم مهما كانت قاسية، ونبرّر بأنّ عاداتهم هكذا..؟!
***
ذات مرة دخل علينا ياسر- بحكم صداقته لرئيس تحرير صحيفتنا- مجلسنا في الديوانية، كان كما هو بغروره المعهود وأناقته المفرطة، نظر إلي كأنّما فوجئ بوجودي و قال هازئًا:
- "بو عَشرة هنا؟ "
ضجّت بعض أصوات الحاضرين بالضحك...
كان يقصد معايرتي بالأصوات العشرة تلك، وما زادني غيظًا بالفعل هو ضلوع ياسر نفسه في التسبب بهزيمتي، وكأنّ نجاحي ضربة موجعة له.. لم أجِبه بحرف بل أضمرتها في نفسي، لعلّ الأيام القادمة تعينني على ردّ الصفعة إليه!
أفقت من شرودي على صوته النشاز يلفظ اسمي.. فقد تابع ياسر المؤذي -بعد انتهائه من شرب الشاي -انتقامه مني؛ إذ طلب من صديقه -رئيس تحرير صحيفتنا -تغطية المهرجان المسرحي الذي يرعاه بنفسه تشجيعًا للمواهب الجديدة، وإمعانًا في إهانتي أوحى إليه أنّه من الأفضل أن أباشر التحقيق بنفسي.. طلبني بالاسم!
تسارع نبضي وأنفاسي، وتسمّرت حدقتا عيني، حين أطلَّ الطنطل بوجهه القبيح وظلّه الطويل هازئًا، وبيده عصا طويلة يسخر مني ومن هبلي.. تقول أمّي:
)إذا شاهدك الطنطل يضربك بساريته، وأحيانا يخرج فجأة كشبح أمامك! )
وها هو شبحه يلوح أمامي في شخص ياسر، ولايزال الذعر منه يلاحقني في كل مكان!
أصبحت محطّ أنظار الجميع، بل شعرت بسهام نظراتهم تكاد تخترقني، بينما ابتسامات ماكرة تتوزع بينهم مجاملة لياسر الرجل الثري، صاحب اليد والقلم والصوت، ولست أمامه سوى مبتدئ، كان الغيظ يأكل من أعصابي، فأبتلعه مجاهدًا ألا يظهر في تصرفاتي أو ملامحي؛ فيسبب لي شماتة الحاقدين وما أكثرهم وأولهم ياسر.
انسحبت إلى الحديقة لأداري خيبتي؛ بدعوى أنّي أريد أن أتنسّم هواءً نظيفًا، فجلست على مقعد مثبت في أحد أركانها، وما كدت أفعل حتى شعرت بأحدهم يقترب ويجلس إلى جواري، بدا لي للوهلة الأولى مميزًا بلباسه (الصديري) الذي تتدلى منه ساعة الجيب بسلسلة موصولة به، و يمنحه هيبة و وقارًا، وبسواك في يده لا يفارقها كأنّه سمة شخصية لا يستغني عنها، عرّفني على نفسه باسم ناصر الفايز، ثمّ بادرني الحديث بلا مقدمات:
- " لاحظت انزعاجك، لا تأبه لأسلوبه المستفزّ، يعجبني الشباب الطموح والجريء في مواجهة الأحداث والتطورات، أجل عليك أن تحاول وتحاول، ولا تهتمّ لمقولة بعض الحاقدين.."
لاحظت في حديثه نفورًا من ياسر لم أستغربه، فشتّان ما بين الاثنين!
بدا أنّه يحاول مواساتي في هزيمتي؛ حين وعدني أنّه سيأخذني إلى مركزه الدعوي في مزرعته بالوفرة لمتابعة نشاطه الخيري، ولأطلع على التطور الجديد الذي أحدثه مؤخرًا لدعم المجاهدين الأفغان، فأكدت له أنّي سأغطي نشاطاته لصالح صحيفتنا.
****


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 30
قديم(ـة) 01-01-2016, 12:11 PM
صورة سعد فهيد العجمي الرمزية
سعد فهيد العجمي سعد فهيد العجمي غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية التاج المفقود


في اليوم التالي وجدت على مكتبي طلبًا بكتابة الافتتاحية الصباحية من رئيس التحرير نفسه، عجبًا لهؤلاء البشر! بالأمس يسخرني لإرضاء غرور ياسر بتحقيق فني يمكن لأيّ صحفي عادي أن ينجزه، و اليوم يطلب مني كتابة الافتتاحية!
كأنّه أولع شرارة عادت تؤجج غضبي من أحداث الأمس في ديوانيته! وعلى غير عادتي مع قهوتي الصباحية دخنت بشراهة، وأحرقت في دقائق من السجائر ما أدخنه عادة في ساعات، كأنّي أبحث بين سحب دخانها عن كلمات تطفئ لظى قلبي، وبدأ قلمي يجترّ غيظي من موقفه المشين لأردّ له الصفعة بطريقتي الخاصة.
وجدت نفسي أتجاوز كل الخطوط الحمراء لنهج الصحيفة ومالكها -رغم يقيني أنّها ستخلق عاصفة من الاحتجاجات -وبدأت أهاجم الجهاد الأفغاني بشراسة، وللحقّ أقول تعمدت هذا لإحراجه، وكثّفت اتهامي للإعلام العربي الذي زيّن الجهاد الأفغاني وصورهم كالملائكة، وهو العالم بحقيقة أنّ أغلبهم تجار مخدرات وشذوذ جنسي وهواة دم وقتل.
وكان ما توقعت! فقد ثارت عاصفة الغضب ووصل غبارها إلينا، فاحتشدت مظاهرات اتحاد الطلبة-الذي يسيطر عليه حزب الإخوان المسلمين- أمام مبنى الصحيفة مطالبين بمحاسبتها، وقرروا مقاطعتها، فكان أن قامت الحكومة بعد أيام بإغلاق الصحيفة لمدة أسبوع، وازداد غضب رئيس التحرير علي فهدّدني بالفصل.
في اليوم التالي للأحداث فُتح باب مكتبي بهدوء، ليدخل منه العم ناصر الذي تعرفت إليه بالأمس، وكان برفقته شاب في مقتبل العمر، بادرني العم ناصر بابتسامة:
- "هل تسمح لنا بالدخول؟"
فوجئت بزيارته ونهضت مرحبًا، وبحركة لاشعورية وجدتني أضحك وأجيبه:
- "أنت دخلت بالفعل!"
زال عجبي بعد أن جلس، وبلا مقدمات بدأ يتكلم بحماس للدفاع عن الشباب المتحمس، كان يضرب برؤوس أصابعه بين كلمة وأخرى على زجاج المكتب بحركة لا إرادية، الحقّ يقال أنّه كان عاقل الحديث قويّ الحجة، وهو يصحح لي معلوماتي المغلوطة-كما قال- فكنت أستمع إليه وأنا أهزّ رأسي موافقًا، وحين لمح تفهمي عادت البشاشة لوجهه، ثمّ أكمل مشيرًا إلى الشاب الواقف يرقبنا بابتسامة صامتة:
- "عبد القادر سعودي من أصل يمني، خرج والده من اليمن هربًا من قضية ثأر، وسكن الجبال في ظروف حياتية قاسية انعكست على شخصيته، قبل أن يعمل بتهريب الذهب بين التجار والموردين في البحرين، ليصبح بعدها أحد أكبر تجار الذهب ويستوطن في السعودية.."
- "إذن ما الذي أوصلك إلينا.."
قلتها مداعبًا، فتابع العم ناصر حديثه نيابة عنه:
- " طوّر والده علاقاته التجارية مع بعض الكويتيين، وأوفد عبد القادر لمتابعتها ، لكنّه رغب بالبقاء و الاستقرار هنا و سعى لطلب العلم معنا، وهو الآن بمثابة مساعد لي في إدارة المركز الدعوي."
بابتسامة هادئة اقترب عبدالقادر من علم الكويت المعلق خلفي، وقلب الصورة لتعتدل الألوان، كان ذلك خطأً جسيمًا لم نفطن له:
- "فَطنٌ كعادتك يا عبد القادر لا تفوتك لمحة.. وبكل هدوء.."
وقف العم ناصر يودعني بمودّة عكست إيجابية الحوار، وهو يصرّ على أن أستجيب لدعوته لعشاءٍ في منزله، قائلاً :
- "نحن البدو لا نقبل أن تُرفض دعوتنا للعشاء مطلقًا!"
أمّنت على كلامه موافقًا:
- " ولي الشرف. "
***


الرد باقتباس
إضافة رد

رواية التاج المفقود/بقلمي؛كاملة

الوسوم
المفقود , التاج , العجمي , الكويت , رواية
أدوات الموضوع
طريقة العرض
مواضيع مشابهة
الموضوع الكاتب المنتدى الردود آخر مشاركة
رواية أنا معهم ونبض قلبي معك ألماسة نوال روايات - طويلة 19 01-06-2017 04:56 AM
رواية هناك / للكاتب ابراهيم عباس شرقاوية شيتونة أرشيف الروايات المغلقة - لعدم إكتمالها 7 22-01-2017 09:53 PM
رواية لن أسامحك على ما مضى انتقام طفلة /بقلمي ملاذ.. روايات - طويلة 20 15-08-2016 10:51 AM
رواية جريئة كادي فلسطين نقاش و حوار - غرام 32 29-07-2016 08:01 PM
رواية هدف الموت / بقلمي؛كاملة وردة الإسلام روايات كامله - يتم نقل الرواية هنا بعد اكتمالها 36 18-07-2016 08:58 AM

الساعة الآن +3: 08:10 AM.
موقع غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات


تصميم دريم تيم

SEO by vBSEO 3.6.1