غرام
اكتب بريدك ثم اضغط على اشتراك ليصلك جديد غرام
بحث مخصص من محرك البحث العالمي قوقل للبحث في غرام
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 31
قديم(ـة) 01-01-2016, 12:15 PM
صورة سعد فهيد العجمي الرمزية
سعد فهيد العجمي سعد فهيد العجمي غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية التاج المفقود


لبّيت دعوة العم ناصر، وزرته في بيته الكائن في منطقة ( أبو حليفة) منطقة جميلة وهادئة إلى أبعد الحدود، رغم كثرة القطط والكلاب الضالّة السارحة في شوارعها، وقد تميّزت بيوتها بالطابع العمراني القديم، ورغم الإصلاحات والتحديثات في مظهرها الخارجي إلا أنّ معظمهم احتفظ أمام بيته بـ(الدكّة) تلك المساحة المرتفعة عن مستوى الأرض بمقدار نصف متر، حيث يجتمع الجيران يوميًا بعد العصر؛ التماسًا لنسمات لطيفة في الظلّ معظم أيام الصيف الحارّة.
في ذات الوقت يسرح أولاد الفريج يلعبون الألعاب الشعبية؛ المقصي والعنبر، بينما تجتمع النسوة والأمهات في حوش المنزل لتبادل الحديث وقضاء بعض المشاغل.
كانت الشمس تميل للغروب حين وصلت حسب وصفه للعنوان؛ إذ نبهني - كعلامة مميزة أوصلتني إليه بسهولة- أنّ منزله مقابل لمدرسة قديمة، يستخدمها موقفًا لسيارته، هبطت من سيارتي ليصادفني كلب كبير من تلك الكلاب الضالة في الفريج، وقف أمامي دون خوف، ولم يخِفني أيضًا؛ لقد علمتني مستورة ألا أخاف الكلاب، حتى لو كانت مسعورة!
تراكض الأطفال الصغار حول سيارتي بصخبهم وضحكاتهم، في حين اجتمع آباؤهم في موعدهم اليومي على الدكّة أمام بيت أحدهم-رغم الرطوبة الشديدة- هربًا من هواء المكيفات الجاف في الداخل، وقد رصّت أمامهم أكواب الشاي والقهوة العربية، نهض العم ناصر من بين صحبه مرحبًا حين رآني وتقدمني إلى منزله، وهو يبرّر أنّه جلس اليوم فقط في انتظاري، فلا وقت عنده لتمضيته مع الرجال في أوقات العصاري.
كان بيته مؤلفًا من طابقين، يبدأ بديوانية مستقلة فرشت - كما البيت كله والسلم - بسجاد من اللون الفاقع، وحوله حوش كبير، تصبّ فيه مكيفات الشبّاك القديمة- ذات الأصوات الهادرة - ماءها الغزير بفعل الرطوبة العالية!
عندما تتأمل المنزل تجده -كغيره من البيوت حوله-خليطًا من البناء، كأنّه مزيج من زمنين القديم في الستينيات، والحديث في الثمانينات، تزينه الأبواب والشبابيك الخشبية القديمة، التي تفوح بعبق الماضي وتشي بفخامة الصنعة وإتقانها.
احتفى بي الرجل الكريم على طريقته الخاصة، بدا لي مختلفًا عن ذلك الإنسان الجادّ الذي يجالسنا في الديوانية، حدثني عن نفسه وعن ولعه الشديد بطهي أطباق اللحم، وثمار البحر بكل أشكالها بيده، وكيف كان أيضًا يختار توابلها بعناية فائقة، اتفقت معه على حبّ الطعام، إذ كانت عندي مَلَكة تذوق أطايب المآكل.
كان عشاؤنا مكونًا من (القوزي) الذي أشرف بنفسه على تحضيره، شعرت بالزهو حقًا وأنا أرى نفسي في مقام التكريم، وقد أخذ يصف لي -أثناء تناولنا العشاء -بفخر طبقه المفضل الذي يتقن صنعه:
- "لن تتذوق في حياتك ألذّ وأشهى من طبق المربين الذي أصنعه من الأرز ، والروبيان الطازج، البعض يطبخه بالروبيان المجفّف، لكن أنا لا آكله إلا طازجًا، سأدعوك لتذوقه يومًا".
حضر عبد القادر العشاء معنا، وبعده جلسنا نشرب الشاي، لاحظت الذكاء الذي يتمتع به من خلال حديثه المتواصل؛ فكان يبدو متشعب الأفكار لوفرة معلوماته، كان العم ناصر مستلقيًا نصف استلقاء على جنبه، أخرج من جيبه قطعة من السّواك وضعها في فمه وراح يمضغها ببطء، وهو يقول:
- "عبد القادر شاب طموح، ونشيط يهتمّ جدًا بعمله، وسيعجبك أداؤه إن كنت ترغب بمتابعة أخبار المركز الإعلامية، والاستفادة من خبراته."
(أظن أنّ مقصد الرجل كان أن أبقى وكتاباتي تحت نظره، ولا أشطط بعيدًا!)
***


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 32
قديم(ـة) 01-01-2016, 12:16 PM
صورة سعد فهيد العجمي الرمزية
سعد فهيد العجمي سعد فهيد العجمي غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية التاج المفقود


إنصافًا لعبد القادر أعترف أنّه ساعدني بذكائه وسرعة بديهته في أمور كثيرة، خاصة بعد ردّة الفعل العنيفة التي أدّت إلى عرقلة أعمال صحيفتنا، فاقترح علي سرعة الاعتذار وسحب مقالتي، بل وأن تقوم الصحيفة بالتبرع لبناء مشفى هدية للشعب الأفغاني، ودعمًا وتأييدًا له، أيضًا انتبهت لفطنته لما حاولت الصحيفة - فيما بعد- رفع سعرها لتعويض الانخفاض في المبيعات رغم الحرص على التوزيع، وانتشار باعة الصحف على إشارات المرور في معظم الشوارع تلك الفترة بالذات، و كان له رأي مميز:
- "رفع سعر الصحيفة ليست سياسة حكيمة، أعتقد أنّه من أجل تكوين قاعدة جماهيرية يجب تثبيت السعر إن لم نقل تخفيضه."
تأملته ورأسي تميل إلى جنب، وقد أمسكت بالسيجار بين إصبعين بزاوية فمي، كعادتي:
- "وبماذا يفيدنا تثبيت السعر هذا أمام موجة الغلاء مع ما ترى من تطوير وتكلفة؟"
- "سيكون جاذبًا قويًا للمعلنين، وبالتالي فالإعلانات سترفع مبيعات الصحيفة، وتشكل موردًا جيدًا لها يغطي تكاليفها وتزيد من مبيعاتها."
- "يبدو أنّ لك وجهة نظر سديدة، ماذا تقترح؟"
- " يجب المحافظة على السعر المقبول، هذا إن لم يُخفض بعروض مغرية للقراء."
طرحت الفكرة على مجلس إدارة الصحيفة بنفسي، وحققنا بتطبيقها نجاحًا جيدًا ونلت مكافأتي، لذا رغبت بشدّة في وجود عبد القادر معي، رغم أنّ طموحه أخافني نوعًا ما- لكني فيما بعد رسمتُ له المناطق التي يُسمح له بالتدخل فيها؛ مهمّات صغيرة لا تتطلب ذكاء ولا خبرة.. فقط لا أكثر!
***
أصبح عبد القادر شبه مرافق لي في معظم تحقيقاتي الصحفية، فاصطحبته معي إلى النادي الثقافي، حيث تولّت صحيفتنا مهمّة رعاية الموهوبين في كتابة المسرحيات- بناء على رغبة ياسر- أثناء العطلة الصيفية، وهناك التقيت لأول مرة (أميرة عبد الرحمن النافع)
اسم أثار فضولي في قائمة المشاركين في العرض، ورغبت أن أتأكد من صدق حدسي؛ فتوجهت إلى مكتبة النادي حيث يتجمع الشباب المشارك، كانت تجلس هناك بهدوء تطالع كتابًا، أحدثتُ جلبة لحظة دخولي إلى المكتبة؛ فرفعت إلي وجهًا دقيق الملامح، وألقت نظرة خاطفة نحوي ثمّ عادت إلى صفحات كتابها، للحظة برقت تلك العينان في ذهني، خيّل إلي أني أعرفهما جيدًا، فاقتربت منها و بادرتها:
- "هل لي أن أتشرف بمعرفة اسم الآنسة؟"
نظرت إلى باستغراب، رافعة حواجبها الدقيقة في دهشة، قلت لها مطمئنًا:
- "عذرًا لم أعرفك بنفسي، أنا الصحفي المسؤول عن مسابقة الطلائع هنا"
أغلقت كتابها، فيما انفرجت أساريرها بعفوية، وهي تقول:
- "آه نعم، أنا أميرة عبد الرحمن "
قطّبت جبيني وأنا أنطق الاسم كاملًا:
- "غير معقول! أنتِ ابنة عبد الرحمن النافع؟"
بدت ملامحها أكثر انسيابية وراحة، وهي تومي برأسها موافقة؛ تنفست الصّعداء قائلاً:
- " رحمه الله كان صديقًا، علمت بخبر استشهاده في حرب 73 "
أطرقت في حرج، وربما كانت تحاول التغلب على تأثرها، فتابعتُ تأكيدًا لمعرفتي به:
- " أذكر يومها أنّي كنت على مائدة طعام أحدهم، و كادت الغصّة أن تودي بي.."
- "هل تعرفه معرفة جيدة؟"
- "أجل، أعرفه من سنوات طويلة، فشقيقه ياسر زوج خالتي!"
- " عمّي ياسر؟!"
قالتها بتلقائية مدهشة.
- "أجل قبل أن تختلف مشاربنا.. ونفترق.."
- "يبدو أن عمّي يكوِّن عداوات أينما حلّ!"
وافقت قولها:
- "إنه موهوب في ذلك.. أعترف له بها!"
أطلقتْ ضحكة صافية.. خمّنت بعدها أننا سنغدو صديقين؛ خاصة حين علمت أنّها تكتب بعض التحقيقات لمجلة زميلة.
ومنعًا للتشويش على الآخرين خرجنا من المكتبة إلى مقهى النادي لنواصل حديثنا، حيث كان عبد القادر في انتظاري، كان الجو حولنا مكتومًا -رغم المكيّفات – بسبب حرارة الجو الشديدة والازدحام في المكان ، وسحب دخان السجائر، وقد امتلأت الطاولات بروّاد المقهى المشغولين بنقاشات وأحاديث مختلفة.


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 33
قديم(ـة) 01-01-2016, 12:17 PM
صورة سعد فهيد العجمي الرمزية
سعد فهيد العجمي سعد فهيد العجمي غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية التاج المفقود


عرّفتها بعبد القادر وجلسنا نشرب قهوتنا، كانت تبدو فتاة رقيقة، سنوات عمرها لم تتجاوز عقدها الثاني، شعرت أنها اطمأنت لصحبتي بحكم معرفتي بوالدها، فبدأت تتحدث و هي تعبث لا شعوريًا بقفل محفظتها في حركة عكست مقدار توترها، أنصتنا باهتمام وهي تروي قصتها، حدثتني عن سوء معاملة أهل أبيها، وتجاهل عمّها ياسر لهم، وكيف أنّها اعتزلت وأمّها الحياة الاجتماعية بسبب عدم اعترافهم بها، واسيتها بقولي:
- "لستُ بحاجة طبعًا لمن يعرفني أخلاق ياسر، وطباع خالتي العزيزة! "
كان يبدو من ملامحها أنّها تأمل بعض العون مني؛ فختمت حديثها بقولها :
- "لولا وجود نصف العقد معي لنسيت أنّي أنتمي إليهم! "
نظرت إليها مستفهمًا؛ فروت لي قصة هذا العقد الأثري:
(عقد ذو قيمة فنية وتاريخية -فضلاً عن قيمته المادية الثمينة-يختصّ بعائلة أبيها، وذات يوم قررت الأم الكبيرة أن تقسم العقد بين ولديها ياسر وعبد الرحمن، وأوصتهما بالحفاظ عليه؛ لعله يبقى رابط مودة يجبرها كلما انقطعت أواصرها بينهما، نال ياسر نصف العقد وكذلك عبد الرحمن، وبعد استشهاده ظلّ نصف العقد مع ابنته أميرة.)
أعجبتني القصة، و أيضًا أنصت عبد القادر باهتمام شديد بحكم تلازم المصالح، بينما تناوبت شياطين عقلي على ما سمعت؛ نصف عقد ثمين يملكه ياسر ولا يمكنه التصرف فيه، ومفتاح الحل مع أميرة!
(لا أدري لمَ .. وللحظات خطرت في ذهني مستورة ، تلك المشعوذة التي كادت تدمّر مستقبلي يومًا!)
إن هي إلا أيام ... حتى أمسكنا بطرف الخيط!
***
عدت إلى شقتي التي أرتاح في أرجائها، كانت ويندي هي من اختارت أثاثها الأنيق المريح، ورتبته حسب ذوقها، كما أصرّت على اللون الأزرق الذي تفضله، وعاشت فيها معي منذ زواجنا الذي تمّ قبل عامين -إثر تعارف سريع- أثناء تغطيتنا لحادثة تفجير السفارة الأمريكية، وإلى وقت قريب كنّا أسرة صغيرة جميلة، لكنها قرّرت من نفسها الرحيل.
أمضيت بعد سفرها معظم أيامي وحيدًا، لا صحبة لي إلا صحيفتي والمسجّل الذي لم يكن يتوقف إلا عند النوم كي لا أستسلم للتفكير، ولأتجنّب صخب هذا الضيف المقيم في الحجرة المجاورة، لا يهدأ إلا عندما يهدّه النعاس، منذ أن جاءني كسير النفس ولم يجد له ملاذًا سوى بيتي.
فتحت باب غرفته بهدوء -كعادتي -كلما سكت صخبه، لأطمئن أنّه مازال على قيد الحياة، فوجدته مكوّمًا على سريره وقد ضم ركبتيه في وضع الجنين كمن يلتمس حنان أمّ لم يرَها، توقفت لبرهة.. كان منظره أدعى أن ترثي لحاله ومع ذلك لم يؤثّر بي، ربما لأنه فقد احترام الجميع من زمن بعيد، وغدا منبوذًا بسبب سوء سلوكه، ثمّ خسارته كل أمواله في الأسهم في أزمة سوق المناخ الاقتصادية.
أغلقت الباب وسرت إلى غرفتي، وشغّلت المسجّل فور دخولي لتملأ سمعي إحدى المعزوفات الموسيقية العالمية، التي ألِفتُها منذ أن كان ياسر يسمعها يوميًا، ثم أحببتها أكثر في المساءات التي كانت ويندي تساهرني على أنغامها.
احتلّ خالي حسن غرفة النوم الأخرى، بينما جعلتُ الصالة للجلوس بمقاعدها العريضة المريحة، وجهاز تلفاز من الحجم الكبير، وأبقيتُ غرفة المكتب لخصوصيتي لا أسمح له بالاقتراب منها؛ فكنت أنفرد فيها بنفسي لمتابعة عملي والمطالعة، بعيدًا عن ضجته التي لم تعد تفارق حياتي .
ذات يوم عدت إلى المنزل باكرًا على غير عادتي؛ فوجئت بالفوضى تعمّ المنزل وكان بعض الأثاث مقلوبًا كأنّ البيت قد تعرض لهجوم ما، بحثت عن الخادمة الآسيوية فلم أجدها ولم أجد حقيبة ملابسها؛ فخمّنت ما حصل، دخلت غرفته لأستفسر منه فوجدته في غير وعيه، وأدركت أنه قد عاد إلى سابق عهده وتحرّش بها، ثارت ثائرتي وصرخت في وجهه حين راح يبرّر لنفسه مختلقًا الأكاذيب، ودار بيننا نقاش عنيف:
- "أين الخادمة؟ ماذا فعلتَ؟"
- "لم أرَ أحدا.. هذه مجرد لصّة، ربما سرقت شيئًا وهربت.."
كانت ثورتي عارمة:
- " لا أصدقك! لقد عدتَ إلى عادتك القديمة، أراهن أنّها هجرت البيت بسببك.. "
- "أتتهمني بخادمة؟! أنت تريد أن تخرجني من بيتك، قلها ولا تماري.."
- "لستَ سوى مدمن على المسكرات وملاحقته النساء.. وليست هذه المرة الأولى .."
- "أنا أنظر لهذه القبيحة ؟ ألم ترَ أسنانها النافرة من بين شفتيها.."
- " ما عدت أحتمل وجودك هنا، زدتني همّا فوق همّي، أنت إنسان يعاني المرض ليس في صحته، بل في عقله وسلوكه!"
- "من منّا مريض في عقله؟ أنا.. أمَّن يمضي وقته في تلميع صدّام ونظامه؟
- "وما دخلك أنت بعملي؟!"
- "ستذكر كلمتي يومًا: الوحش عندما ينهشه الجوع يهاجم أقرب الناس إليه.. وربما يأكل أولاده!"
أغلقت الباب بعنف عكس ثورتي العارمة، لولا حاله البائس لرميت به خارج شقتي، لكنّ بقية من رحمة.. وربما مودّة قربى .. أسكتتني.
حلّ المساء وأنا في غرفتي لم أخرج منها، زاد إزعاج خالي من وجعي، ربّما كانت كل تصرفاتي ردّة فعل لروايات الرعب التي كانت أمّي تختلقها؛ لتخيفني وتردعني عن مغامراتي المجنونة.. كنا صغارًا وكانت تجمعنا حولها في ليالي الشتاء، تحكي لنا من الحكايا ما تشيب له الرؤوس، و رغم شقاوتي كنت أخاف من الطنطل... ذلك المخلوق الغريب أسود الجسم، كثّ الشعر، وعندما يمشي يُسمع وقع أقدامه خاصة في الليل، ولطالما كنت أرتجف رعبًا كلما سمعت وقع أقدامٍ في الليل!
تسارع نبضي وأنفاسي، وتسمّرت حدقتا عيني والطنطل يسخر مني، و يهزّ عصاه في وجهي (ها قد جاءك ما يقلق منامك وسيشوه وجوده معك سمعتك.. وقد بقيت وحيدًا لا زوجة لك ولا ولد) بدا كمن سيضربني.. لكنه لم يفعل!
سامحكِ الله يا أمّي!
آلمني حالي؛ إلى متى أتصنّع السعادة وأداوي جراحي بالصبر!؟ أثارت الألحان الحزينة في قلبي بعض الشجن، ضاق صدري وخنقتني عبراتي، ورغمًا عني.. سالت دموعي على استحياء!
***


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 34
قديم(ـة) 01-01-2016, 12:24 PM
صورة سعد فهيد العجمي الرمزية
سعد فهيد العجمي سعد فهيد العجمي غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية التاج المفقود


وضعت كوب الشاي على المكتب وأطفأت لفافتي، ونهضت لاستقبال أميرة حين لاحظت ترددها في الدخول، كانت وجنتاها كتفاحتين حمراوين، لا أدري بفعل حرارة الجو أم الخجل، لكنها كانت تبدو كطفلة كبيرة وهي تلقي التحية بصوت لاهث، جلست واضعة محفظة رمادية اللون في حجرها، كانت تمسك بها بعناية، طلبت لها كوب عصير بارد يهدّئ من روعها، ريثما يصل الضيفان الموعودان، وبعد أن ارتاحت نبرات صوتها سألتني عنهما.. نظرت إلى ساعتي لأجد عقربيها وقد تطابقا حين لمحتهما قادمين، يا لها من دقّة مدهشة!
نهضت لاستقبالهما وتقديمهما لأميرة :
- "ها هما ضيفانا، هذا السيد موذي والسيدة سيتا، من الهند"
صافحتهما الفتاة بأدب، وتابعت التعريف بهما:
- "إنهما خبيران لهما مكانتهما، ومختصّان في المجوهرات الأثرية "
قالت سيتا بلغة عربية فصحى:
- "أشكر لك مجاملتك يا سيد جاسم"
أدهشتها إجادة سيتا للغة العربية، بينما انحنى السيد موذي مبتسمًا، ليوحي لها أنّه فهم ترحيبها. دعوتهما للجلوس فجلسا متجاورين، واعتذرت سيتا أنّ وقتهما ضيق وتريد أن ترى ما لدينا.
فتحت أميرة حقيبة يدها، وسحبت منها بتؤدة علبة مغلفة بقماش مخملي قديم، حولّه الزمن إلى درجات متفاوتة، فتحتها لتخرج منها نصف العقد الثمين.. أعجبني حرصها وأنا أتابعها ببصري..
أخرج السيد موذي نظارته المكبرة من جيبه ووضعها على عينيه بعناية، فيما أحنت سيتا رأسها بمكبّرة في يدها، وراح الاثنان يحدّقان في نصف العقد بإمعان، وبدا على وجهيهما اهتمام حقيقي، في حين أدرت (الكاميرا الفيديو )الثقيلة ذات الشريط (بيتامكس)
- "يبدو أنّه عقد ثمين بالفعل ذو قيمة عالية!"
مسحتْ سيتا وجه أميرة بنظرة ثاقبة:
- "هل تعرفين من يملك النصف الآخر؟"
بدت أميرة حائرة، تأملتْ العقد في سكون، ثم رفعت رأسها محدّقة في عيني كالمستغيث؛ تداركتُ الأمر فورًا وأجبت بابتسامة:
- "أشكركما وأرجو أنّ لنا لقاء آخر، فإنّ أميرة تعدّ بعض التقارير لمجلة اجتماعية هامّة هنا، و نطمع بحوارٍ مثمرٍ معكما قبل ذهابكما للبحرين"
انفرجت أسارير الفتاة، ونظرت إلي بدهشة كأنها تجاوبت مع أفكاري، بدونا كطائرين قدما من هجرةٍ واحدة، بينما أبدت سيتا موافقتها بهزّة من رأسها، وابتسامة واسعة ترسم على شفتيها وهي تمعن النظر في العقد مرة أخرى.
غادر الضيفان، وجلست أشرح لأميرة غايتي، أو بالأحرى لنتفق على صيد ثمين مشترك.. وحين انتهيت نظرت إلي أميرة بانبهار:
- " لم تخطر ببالي أبدًا فكرة مجنونة كهذه، ولكني بالتأكيد سأنفّذها!"

ها قد عدنا إلى أيام المرح!

(ياسر.. أيها الانتهازي المتسلّق! حانت ساعة القصاص سانحة بلا سابق موعد، أتراها الصدفة؟ بل هي تدبير ربّ العباد؛ لألقنك درسًا في التفوق يقتل غرورك الأحمق!)


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 35
قديم(ـة) 01-01-2016, 12:25 PM
صورة سعد فهيد العجمي الرمزية
سعد فهيد العجمي سعد فهيد العجمي غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية التاج المفقود


رجعت أميرة ذلك اليوم تتواثب خطواتها عن الأرض تكاد تطير فرحًا، كانت تقطن منزلًا قديمًا مع والدتها وجدّتها لأمّها في منطقة حولّي، وسط جوارٍ من الغالبية الفلسطينية، منهم أبو أثير مرافق عمّها ياسر، وكانت تراه دائمًا وهو يتبختر أمامها، ويتجول بسيارة عمّها غير عابئٍ بإحساسها!
تنتمي أميرة في الأصل لواحدة من كبريات العائلات الكويتية، المقيمة في فيلّا فخمة في ضاحية عبد الله السالم الأنيقة ببيوتها وطرقاتها، وكان من المفروض أن تنشأ أميرة هناك وسطهم ، لكن قصة الحبّ التي نسجت خيوطها بين والديها عبد الرحمن وسليمة، لم تُكلّل بالرضا من عائلة أبيها المرموقة لانتماء أمّها للمذهب الشيعي، فضربا بهذا المعارضة عرض الحائط وتزوجا، فكان أن نبذتهما العائلة، وابتعدا ليواجها رياح الأيام بمفردهما، و وجدها ياسر فرصة سانحة أيضًا ليستولي على الإرث بمفرده.
كان الفاصل بين بيت أميرة ذي الطراز العربي، و بيت جارتها عالية جدار منخفض، وغالبًا ما كانت تصعد السلم لتسأل من فوقه عن صديقها المعاق ذهنيًا فهد، الفتى الذي جعلها حبّها لبراءته وعفويته أن تضعه في أولى اهتماماتها، بجوار مسرحها الذي تهوى.
فتحت الباب واجتازت صحن الدار الصغير وهي تنادي أمّها بفرح، وحين لم تجدها توجّهت -كعادتها - كلما ألمَّ بها فرح أو حزن إلى حجرتها تتأمل بعين الرضا صورة لوالدها على الجدار المقابل لسريرها، بلونها المصفرّ المميز لصور تلك الفترة، وهو يطلّ عليها بابتسامته الدافئة، وقفت أمامها تحكي فرحتها بعينيها، وشعور بالزهو يملأ كيانها، ألقت نظرة بعدها على صورة أخرى بجوارها لعملاق المسرح الكويتي صقر الرشود، الذي كانت تعجب به وتتمنى السير على خطاه ، ثمّ خرجت تبحث عن أمّها.
تناهى إلى مسامعها صخبٌ قادم من خلف الجدار، فخرجت إلى بيت الجارة لعلها تجد أمّها عندهم.
بادرتها عالية فور وصولها:
- "أميرة.. أخيرًا!"
- "ما الخطب يا خالة؟"
أفسحت لها عالية الطريق لتدخل بتلقائية اعتادتها:
- "إنه لا ينفكّ يسأل عنكِ منذ الصباح! "
قالت ضاحكة:
- " تعال يا فهد، لقد وصلتُ البيت منذ قليل "
ثمّ تابعت:
- "ظننت أنّي سأجد أمّي عندك.."
- "لمحتها وهي خارجة مسرعة منذ حوالي الساعة، ولم تقف لتكلمني كالعادة.."
- "أمر غريب، فهي لم تخبرني أنّها ستخرج لأيّ مكان.."
أقبل فهد وما أن رأى أميرة حتى راح يقفز فرحًا، مدّ يده مصافحًا ولم يعدها في أنفه كما اجتهدت في تدريبه، ثمّ رسم لها في الهواء شكل مربع يتبعه الانحناء ركوعًا إشارة إلى رغبته بمسرحها الخيالي، قالت أمه متأثرة بسعادته:
- "لا أدري كيف يتجاوب معكِ هكذا "
- " يريد أن نلهو بمسرحية اليوم كما اعتدنا"
كانت عالية -كالعادة - قد جهزت لهم الجلسة وهي تنتظر قدوم أميرة، فهناك برنامج يوميّ هنا عندما تبدأ برامج التلفاز ويباشر بعرض الرسوم المتحركة، فيتجمع الأطفال عند فهد، كان يفتخر أمامهم بأن أميرة علمته كيف يدير(إيريال) التلفاز ذي الساعة الذي يجذب القنوات الفضائية، وكيف يفتح الجهاز ليشاهد رسومه المتحركة المفضلة.
ولشدّة فرحة فهد بهم لم تملك عالية أن تعترض رغم انزعاجها من صراخ الأطفال، فكان الحل أن تجالسهم أميرة ذات الروح الطفولية والتي تعشق الرسوم المتحركة، فتتابعها وتضحك معهم من أعماقها، بينما تنسحب عالية إلى منزل أميرة، لترافق أمّها في متابعة المسلسل اليومي الذي يعرض على القناة الوحيدة.
فهد فتى في سنّ الثانية عشر، يملك عقل طفلٍ في جثة ضخمة بالنسبة لأترابه ، كان يتجاوب مع حنان أميرة ويشعر بدفء محبتها، فقد اعتاد على رعايتها له منذ بداية وعيه، حين كانت أمّه تعمل مع فرقة (الطقاقة) أم سارة لإحياء الأفراح وتضطر لتركه عند أميرة، فكبر وهو لا يضحك إلا لها وقد تعلم منها كل شيء، حتى طريقة أكله وشرابه، وليست مبالغة أنّ أميرة تذوقت معه إحساس الأمومة رغم صغر سنّها، ولتسكت غضبه أمسكت بيديه كما تفعل كل يوم وراحت تقفز معه وتدور وهي تغنّي، فيدور فهد معها ويضحك من أعماقه فتضحك هي بسعادة.
تأملت عالية المشهد بشيء من الأسى:
- "لقد عوضه اهتمامكِ يا أميرة بعض الشيء عن محبّة أبٍ هجره بعد مولده بفترة، عندما لاحظ عدم استجابته للأصوات والحركة، لقد خشي أن تكون ذريّته كلها مثله!"
توقف فهد وبدأ يصيح ويردّد أمام أميرة بإلحاح:
- "كراش! كراش!"
- "ليس الآن يا فهد!"
كرّر في عناد:
- "كراش! كراش!"
اطمأنت عالية أنّ فهد سينسجم بلعبته المفضلة مع أميرة، فدخلت المطبخ لتعدّ لهم الشاي، دخلت أميرة غرفته وفتحت خزانته الصغيرة، أخرجتْ منها مجموعة من الدمى وأعطته دميته "كراش!" فتناولها بيديه الاثنتين فرحًا.. لابد أنكم عرفتم ذلك المشروب الغازيّ، لقد ألبست أميرة الزجاجة الفارغة ثوبًا من ورقٍ ملون؛ وصنعت له دميته المفضّلة.


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 36
قديم(ـة) 01-01-2016, 12:26 PM
صورة سعد فهيد العجمي الرمزية
سعد فهيد العجمي سعد فهيد العجمي غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية التاج المفقود


رغم إعاقته الذهنية كان فهد يتمتع بميزة فريدة، مثل كثير من أمثاله فتراهم يبدعون في مجالات محددة، وببراعة مذهلة نجح في التعبير بالرسم عن خفايا نفسه وتطلعاته التي يعجز عن إيضاحها، علمته أميرة ذلك من صغره، فصار يرسم فرحه وحزنه.. حبّه ونفوره، لكنّه ما كان يعرف الكراهية أبدًا.
تقمصت أميرة وفهد نفس الأدوار التي كانا يؤديانها كل يوم، كانت تمثّل وتتكلم وفهد يمثّل ويتجاوب ويحرك الدمى، وكأنّه درس أتقنَ تفاصيله بحذافيرها، فجأة .. ارتفع صوت بائع المثلجات من خلف النافذة، فسارع فهد بقطع المسرحية والخروج إليه وهو يكاد يطير فرحًا، توقفت باسمة من تصرفه .. لا يمكن لفهد أن يتمالك نفسه حين يحضر بائع المثلجات..
عادت عالية حاملة آنية الشاي، كانت كعادتها تكمل حديثها وهي تسير، وكأنك متابع معها الكلام منذ بدايته، وضعت الصينية بما حملت على طاولة صغيرة، وجرّت كرسيًا صغيرًا إلى جوار أميرة:
- " ماهي أخبارك مع عمّك؟"
فاجأ السؤال -الذي لم يكن في محله- أميرة:
- "عمّي ياسر؟"
أومأت عالية برأسها وهى ترتشف الشاي من كوبها، فسألتها:
- "أمر غريب! وما الذي ذكرك بعمّي الآن؟!"
ارتبكت قليلاً ثم قالت:
- لاحظت أنّكِ منذ فترة لم تذكريه، على غير عادتك...
أثارت ملاحظة عالية شجونها، وكأنّها نَكَأَت جرحًا قديمًا:
- "التواصل بيننا مفقود منذ فترة طويلة.. لا أدري كيف يفكر عمّي! إنه يظن أني أسعى إليه من أجل المال، بينما كل ما أريده هو القليل من الدفء العائلي وليس أكثر!"
قطعت عودة فهد الحديث، كان يبدو مسرورًا بما نال من أكل المثلجات، فنهضت أميرة قائلة:
- "والآن، يا فهد سنقوم بتبادل الأدوار في مسرحيتنا".
كانت نفس المسرحية التي قدمتها للمسابقة في ذلك اليوم، والتي تتحدث عن فتاة ظُلمتْ من عائلتها، ومن أجل أن تعيد العلاقات معهم من جديد تقوم بالتنازل عن حقّها من إرث والدها، لشراء اسم العائلة.
لقد أرادت أن تبلغ العم رسالة واضحة، أنّها لا تكترث بالمال البتّة، وأنّ جُلّ ما يهمها هو ألا تشعر أنّها بلا جذور!
لكنّ شيئًا ما حدث ذلك اليوم، قلب الأمور رأسًا على عقب.
***
حين عندما عادت أميرة للمنزل كانت أمّها تتحدث وتبكي وتشتم بشكل هستيري، لم ترها هكذا من قبل!
ما أن لمحتها قادمة حتى وضعت سماعة الهاتف بعصبية وهى تكفكف دموعها.
"أمّي ما الأمر؟! وأين ذهبتِ ولم تخبريني ؟كنت أبحث عنكِ!"
تجاهلتْ أمّها السؤال، وردّت بسؤال آخر:
- "هل قدّمتِ المسرحية للنادي؟"
قالت أميرة وهي تخرج منديلها وتمسح به دموع أمّها وهي تغالب البكاء:
- "أجل فعلت، والآن أخبريني من الذي كنت تحدثينه؟"
لاحت علامات القهر على وجهها:
- "إدريس"
- "ابن خالتك؟"
- "إنّه هو ذلك النذل!"
- "ماذا فعل؟ لم أسمعكِ من قبل تذكرينه بسوء!"
- "لقد خدعني!"
- "كيف؟"
- "كنت أستدين منه"
بدت كمن لُطمت على وجهها:
- "أمّاه!"
لوّحت أمّها بيديها بعصبية:
- "المعيشة غالية، ومعاش والدك الراحل لا يكفي متطلبات البيت و مصاريفك الباهظة، وإدريس مقتدر ولم يمانع إقراضي لحين ميسرة."
- "وما مشكلته اليوم؟!"
"كتب علي إيصالات أمانة بكل مبلغ آخذه منه واليوم يطالبني بها"
أُسقط في يد أميرة فانهارت على الكرسي:
- "آه يا أمّي! كل ذلك البذخ كان ديونًا!"
واصلت سليمة بكاءها:
- "لقد أبلغني منذ قليل بأني إن لم أسدّد ما علي؛ فسوف يقدم الإيصالات للشرطة!"
- "ما هذا القول! هل أصابه الجنون؟"
- "إنه نذل، أنا قريبته لذا يفترض أن يصبر قليلًا حتى أسدّد له ماله!"
سألتها بنبرة عاتبة:
- "وماذا سنفعل الآن؟"
- "لا أعرف يا ابنتي الحالة صعبة، يجب أن أفعل شيئًا ما!"
أطرقت في وجوم.. أكثر من جمال العينين كان العامل المشترك بينهما؛ إذ كانتا تشتركان بالإسراف و حبّ التبذير!
فجأة لمعت في ذهنها بوارق أمل، فمسحت على رأس أمّها مواسية، ثمّ دخلت غرفتها!
***


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 37
قديم(ـة) 01-01-2016, 12:30 PM
صورة سعد فهيد العجمي الرمزية
سعد فهيد العجمي سعد فهيد العجمي غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية التاج المفقود


كانت شمس اليوم صارخة حين صحت أميرة، نهضت بتكاسل والغصة تكاد تطبق على أنفاسها بسبب قصة إدريس وتهديده، غسلت وجهها وجفنيها المنتفخين بسبب بكائها أمس، ثم دخلت المطبخ لتعدّ لنفسها بعض القهوة لعلها تغالب آلامها، لم تكن أمّها كعادتها في المطبخ، فلم تجد في نفسها شهية لتناول إفطارها، اقتربت من غرفة أمّها لتتأكد أنها مازالت نائمة، وبدون تردّد ارتدت ملابسها على عجل وقد طرأت على ذهنها فكرة؛ فخرجت إلى الشارع تنتظر سيارة أجرة .
لم تكن تملك وسيلة أخرى تلتمس فيها أية خطوة للسعادة، فلعلها تجد هناك خبرًا صغيرًا يزيح القليل من الكآبة التي عششتْ في روحها، في وقت بدا وكأنّ الأشخاص والظروف تتكاتف لتسدل المزيد من الظلمة حولها!
حين توقفت السيارة أمام النادي رأت قوات الشرطة الكويتية تطوّق المكان؛ خفق قلبها قلقًا وهى تُسرع الخطى للداخل:
" ماذا حدث؟"
سألت أحدهم فردّ عليها بتوتر:
"لقد قامت الحكومة بإغلاق النادي!"
"ولكن لماذا؟"
"لأنّ النادي لم يُعيِّن مجلسًا جديدًا منذ حلّ المجلس السابق"
"كان ذلك منذ عام، أليس كذلك؟"
أومأ الرجل برأسه ثم واصل طريقه.. لكن الحقيقة خلاف ذلك، فقد كانت تلك سلسلة إجراءات اتخذتها الحكومة بعد سلسلة التفجيرات التي هزّت الكويت في تلك الفترة العصيبة، حتى وصلت لمحاولة اغتيال الأمير الذي نجا بمعجزة إلهية من الموت آنذاك.
وقبل أن تقفل عائدة وجدتْ كومة كبيرة من الأوراق ترقد في ساحة النادي، وبذعرٍ سألت رجلاً يقف بجوارها:
"ما هذه الأوراق؟"
"إنّها كل ما يتعلق بالنادي.. ابتعدي قليلًا".
توقف عقلها للحظات قبل أن يخرج الرجل من جيبه عود ثقاب.. هنا فُكّ عقال إدراكها لتنتبه أن مسرحيتها الأولى التي سهرت عليها الليالي الطويلة قد تكون من محتويات تلك الكومة، جنّ جنونها حين رأت عود الثقاب يشعل نارًا، انتشرت بتسارع لتأكل جهدهم، وتلتهم آخر آمالها ، لحظات قليلة وتحولت الكومة لرماد، أرادت أن تبكي فلم تستطع، تجمّدت الدموع في مآقيها، فتحركت بآليّة مغادرة المكان في ثوان.. قبل أن تصل إلى الشارع صرخت أعماقها بمنتهى الألم:
(كثرت الخطوب، ساعدني يا إلهي! )
***
بلا تفكير وجدت نفسها تقف أمام فيلا عمّها ياسر في ضاحية عبد الله السالم، تلك المنطقة الراقية ببيوتها الجميلة وحدائقها مشذّبة الأسوار، وشجيرات الورد والنوافير التي تتوزع فيها، تردّدت كثيرًا ما بين الإقدام أو العودة، وهي تحدّق في البوابة التي فتحت فجأة قبل أن تطرقها؛ ليبرز منها وجه تعرفه جيدًا...
شهقت بذهول:
- "أمّي!"
كانت سليمة خارجة وهي تبكي بحرقة بالغة، وخلفها ظهر رجل ضخم مفتول العضلات، رماها بنظرة نارية، تساءلت الاثنتان في آنٍ واحد:
- "ما الذى جاء بكِ إلى هنا ؟"
تابعت أميرة بدهشة كبيرة:
- "لكن .. أمّي ظننتُ أني تركتكِ نائمة .."
قالت أمّها بعصبية:
- "أيّ نوم وهو يهدّدني، دعينا نترك هذا المكان القبيح أولًا!"
ابتسم الضخم بفظاظة وهو يغلق الباب خلفهما بقوّة.
- "لا تخبريني أنكِ أتيتِ من أجل الاستدانة من عمّي؟"
انفجرت أمّها في الضحك بهستيريا:
- "لا، عمّك المحترم يخبرني بالحقيقة عارية من غير رتوش"
- "أية حقيقة؟"
- " أنّه من اتفق مع إدريس من أجل إغراقي في الديون!"
ندّت عنها صرخة مكتومة:
- "مستحيل!"
- "هذا ما حدث يا ابنتي إلى هذه الدرجة أصبح العالم قبيحًا!"
لم تعد أميرة تحتمل الإهانات؛ عادت إلى منزل عمّها مسرعة، وشرعتْ في الدقّ على الباب بقبضتي يديها وبكل قواها، فُتح الباب وبرز منه وجه الضخم الغاضب فدفعته بعصبية، جُنّ جنون الرجل، وبدا من حركة يديه أنّه سيتهور؛ لولا أن صوت ياسر الصارم ارتفع من بعيد:
- "صادق!"
تجمّد صادق في مكانه، بينما اندفعت أميرة بغضب، وفي لحظات توسطت الصالة وهي تصرخ؛ والكلام يتدفق من بين شفتيها كالحمم:
- "لا أعرف ما سرّ ذلك الكره الذى تحمله لنا أنا وأمّي! ماذا جنينا لتفعل هذا بنا؟"
ارتعش جفناه بعصبية خلف النظارة السوداء، لكنّه قال بذات البرود:
- "ماذا تريدين؟"
- "حقّي.. وحق أمّي الذى أكلته ظلمًا وعدوانًا"
- "ما لكما عندي من حقّ، بل أنتما مدينتان لي في الواقع!"
طاش صوابها وهي تدير عينيها في المكان، أثاث فخم وسجاد فاخر، وابنته الصغيرة تجلس إلى لعبة (الأتاري) الحديثة؛ تلهو دون اكتراث بما يجري- كم كانت تحلم بمثل هذه اللعبة - بينما نظرت ابنته الكبرى دلال إليها نظرة باردة، دون أن تنطق، صمتت أميرة فجأة؛ وقد شعرت أنّ المكان ليس مكانها، وأنهم ليسوا أهلها، هم لديهم كل شيء وهي لا تملك شيئًا، والبون شاسع بين هذا البذخ وحياتها المتقشفة؛ بينما حقها ضائع عندهم، أرادت فقط الهروب من وجه عمّها السمج، مسحت دموعها بإباء والتفتت خارجة.
- "صادق! أرها طريق الخروج"
صاح عمّها، وكأنّما صفق الباب خلفها فعلًا!
أدركت أميرة أنّها في معركة إثبات وجود وعليها الاستمرار، ومن ثمّ فقد عادت مع أمّها إلى البيت، دون أن تنطق بكلمة، فلو تكلّمت إحداهما؛ لحمّلَت الأخرى وزرَ ما يحدث!
***


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 38
قديم(ـة) 01-01-2016, 12:31 PM
صورة سعد فهيد العجمي الرمزية
سعد فهيد العجمي سعد فهيد العجمي غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية التاج المفقود


في اليوم التالي قررت أن تطرق آخر الأبواب، فخرجت دون أن تخبر أمها عن نيتها ولا وجهتها، نادتها أم فهد الواقفة قرب باب بيتها، لكن لشرودها وعجلتها لم تفطن لها، كانت حرارة الجو تستنزف ماء جسمها من مسامه، ولم تقنعها اللفحات الحارة من الهواء الساخن بالعودة.
توجست شرًّا، وزادت الكآبة على صفحة وجهها النضر؛ عندما وجدت مدير المجلة الاجتماعية يقابلها محرجًا، ثمّ يبادرها:
- "لا أعرف كيف أبلّغكِ الأمر يا ابنتي!"
قالت بسرعة وبدون تفكير:
- " هل هناك مشكلة ما؟ هل استغنت المجلة أيضًا عن خدماتي؟"
- "في الواقع ليس السبب مستوى تقاريرك، فالكل يشهد بأنها جيّدة جدًا، لكنّ المجلة وقعتْ في حرجٍ كبير"
تبسمت بمرارة:
- "هذا لأن الملمّات- كما يبدو- لا تأتي فرادى!"
قفزت إلى ذهنها فكرة ما، راحت مفرداتها تتراكب في ذهنها بسرعة؛ فقالت على الفور بعدوانية متحفزّة:
- "هل للأمر علاقة بعمّي ياسر؟"
أومأ برأسه بالإيجاب:
- "لقد أتاني يشكو منكِ، و كما تعلمين هو أحد المتبرعين الكرام للمجلة، ويصعب رفض طلب له"
- "آه.. حسنًا، لقد فهمت"
استدرك بسرعة:
- "لكنّ المسؤولين عن المجلة قالوا بأنّه لا مانع من استقبال تقاريرك، ونشرها تحت اسم مستعار."
أحنت رأسها في صمت، وخرجت تحمل خيبتها ووجعها، وإحساسًا بالقهر يغلي في أعماقها.
***
التقيت أميرة بعد تلك النوائب كانت محبطة للغاية، وعندما أخبرتني بما حصل من عمّها قفزت إلى ذهني مباشرة بقعة الزيت.. تلك البقعة التي تسرّبت من ناقلة النفط الكويتية حين قصفتها إيران وتسرّب النفط لمياه البحر، وراحت البقعة الصغيرة الملوثة تكبر وتتمدّد .. وتتمدّد ناشرة الرعب والكلّ يحذر منها...
وهكذا استسلمت سليمة لقدرها، حين علمت أنّ ياسر قد أوعز إلى ابن خالتها للتقدم بشكوى بما يملك من إيصالات ضدّها، لعلّها تسجن وتكون له الحجّة للمطالبة بالحجز على ما تملك؛ فيحصل بالتالي على نصف العقد، لكنّ الرياح لم تجرِ كما تهوى سفينته! فألزمتْ الشرطة إدريس بأن يمنح ابنة خالته مهلة شهرين؛ حتى تسدّد ما عليها من ديون..
(من أيِّ صخر قُدَّ قلب ياسر؟! كيف نتردّد في التعبير عن مشاعر المحبّة والعطاء، ولا نتردد في إطلاق مشاعر الحقد والكراهية؟!)
قد يبرّر ذلك شعوري تجاهه.. فالحبّ طاقة تبني المرء، والحقد طاقة تدمّره!
لم تهدأ أميرة بعدما توالت عليها الضغوط، وزاد همّها حين أدركت أنّ أمّها لا تملك بالفعل حسن التدبير، فبدأت تعمل في صمت بعد أن تجاوزت مرحلة الإحباط التي عصفت بها، وأخبرتني أنّها أعادت صياغة المسرحية بطريقة جديدة، بعد أن أجرت تعديلات جذرية على فكرتها، ووضعت لها النهاية التي تناسب التطورات الجديدة!
أيضًا أنجزت تقريرها المميّز عن الفريق الهندي: السيد موذي والسيدة سيتا، وحين نشر باسم مستعار سرت أخباره كالنار في الهشيم في المجتمع الراقي، الذي يهتمّ بالمجوهرات، ويتابع أخبار أصحاب الخبرات في هذا المجال.
***


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 39
قديم(ـة) 01-01-2016, 12:32 PM
صورة سعد فهيد العجمي الرمزية
سعد فهيد العجمي سعد فهيد العجمي غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية التاج المفقود


شغلني عن متابعة أخبار أميرة مرض خالي الذي داهمته نوبات الكلى؛ ما ألزمني إدخاله المشفى، كنت أعتبر نفسي وليّ أمره الوحيد بعد أن تخلّى عنه الجميع، فلا أذكر أنّي رأيت أحدًا يزوره، سوى زيارة خاطفة وسريعة من أمّي لا أكثر، بينما اكتفت خالتي بالسؤال عنه من بعيد! في المشفى كشفت التحاليل عن تليّف كبده أيضًا، وقال الأطباء أنّ حالته حرجة؛ كانت تلك نتيجة طبيعية لسكّير مثله؛ حجزت له سريرًا في المشفى وبقيت معه طوال اليوم.
غدوت في حيرة من أمري؛ فرغم أنّي لا أملك الوقت ولا القدرة على رعايته والاهتمام به إلا أنّي كنت أرثي لحاله، هو يشبهني.. وحيد رغم وجود الأهل، وبجواره كان يتراءى لي كيفما تحركت ظلّ الطنطل.. وعصاه الطويلة!
صحا من إغفاءته، وفتح عينيه حين أنذرني موظف المشفى بانتهاء موعد الزيارة، همست له أنّي مضطرّ للذهاب، وسأعود إليه في الصباح، ولكن حين تحركت خارجًا وسحبت الستارة لإغلاقها دونه؛ سمعت نشيجًا.. فتحت الستارة لأرى دمعة كبيرة تنحدر على وجنته:
- "ما الذي يبكيك؟"
أشار إلى صدره، وعاصفة من الألم تجتاح وجهه المتعب الذي جعّده المرض، وزاده اسمرارًا.. لا أدري لم هزّتني عبراته!
اتّسعت حدقتا عيني، وتسارع نبضي؛ حين تناهت لذهني أنغام مقطوعة عربات النار، تداخلت الأنغام في مسامي.. اقتربت منه وأغلقت الستارة ورائي... انسياب اللحن متزامنًا مع ألمه هزّ وجداني؛ فحاولت مواساته:
- "سيخفف عنك الدواء ألمك عندما يسري مفعوله"
- "أنت لا تفهم.. الوجع هنا في قلبي .. في روحي! "
تصاعدت الشكوى مع تصاعد اللحن.. حكت الموسيقا وجعه، فتوترت أعصابي.. اقتربت منه، ولأول مرة في حياتي مسحت دمعة إنسان بيدي:
- "ليتني أصدّق يا خال! أحقًا حركت الآلام مشاعرك؟"
انسابت دموعه مع الأنغام بإيقاع وتصميم كشكواهُ الحزينة:
- "آه يا جاسم لو تدري بوجعي وكم يقتلني الندم، لا تمضي عمرك وحيدًا مثلي، أخشى عليك أن تكرّر حياتي.."
تابعت النظر إليه مذهولاً، من يصدّق ما سمعت؟ كانت عيناه ترقبني بلا وميض وكأنّ نور الحياة قد انطفأ فيها:
- "هل تخشى علي حقًا؟ أم أنّك لا تريد أن ترى حياتك تتكرر ثانية؟"
لاحت منه نظرة عتب خجولة:
- "لقد اعتنيت بي يا جاسم، ولو أنّك اعتنيت بكلب لظلّ وفيًا لك أفلا أفعل؟"
-" لكني لست مثلك، أنت أمضيت عمرك لا تبالي بنفسك، أنت ظلمتها.. و.."
توقفت الأنغام فجأة حين انفجر لسانه بشتائم وألفاظ بذيئة، اضطرتني أن أنسحب وأغلق الستارة خلفي.. شعرت أني قسوت عليه، لكن غيظي من أسلوبه في تدمير نفسه كان أكبر من حزني عليه.. وحين صمت عادت المعزوفة تنساب بهدوء على وقع آلامه.. وحزني!
***


الرد باقتباس
  {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 40
قديم(ـة) 01-01-2016, 12:34 PM
صورة سعد فهيد العجمي الرمزية
سعد فهيد العجمي سعد فهيد العجمي غير متصل
©؛°¨غرامي مشارك¨°؛©
 
الافتراضي رد: رواية التاج المفقود


ذات ظهيرة دخل ياسر إلى منزله مسرعًا، وهو ينادي زوجه:
"مريم.. تعالي انظري ماذا لدينا هنا!"
كانت بيده نسخة من المجلة؛ التي نشرت التقرير عن الفريق الهندي المختص بتقييم وشراء المجوهرات، والأحجار الكريمة النادرة، حضرت مريم مسرعة تلهث في دهشة؛ ممّا أصاب زوجها؛ الذي لم يعتد أن يشاورها في أمر، قرأت ما أشار إليه، وبدهشة كبيرة راحت تحدّق في عينيه، وكأنّما أطماعهما قد تلاقت بلا تفسير؛ هتفت فرحة:
- "العقد.. عقد والدتك.."
- "بل نصف العقد إن صدقنا.. و ماذا لو أني أملك العقد كله؟.."
- "فلتفعل .. سنساوم أميرة وأمها عليه.."
كانت فرصتهما لعرض العقد الثمين، والفوز بثمنه والتنعم به؛ حثّته بإلحاح على الاتصال بالفريق الهندي والتفاهم معه، وعلى الفور اتصل ياسر بسيتا، التي بدا في نبراتها الاهتمام، حين علمت أنّه نفس العقد الذى عرضته أميرة عليهما، فسارعت بتحديد الموعد؛ ليملي عليها عنوانه بدقة...
وما أسرع حضورهما!
أقفلت سيتا الصندوق الصغير، فيما تعلقت بها أعين ياسر ومريم بلهفة واضحة، وضعته على الطاولة موجهة الخطاب له قائلة:
"هل تعلم يا سيد ياسر أنّ قيمة العقد كاملة تبلغ آلاف الدينارات!"
نظرت إلى موذي الجالس بجوارها، هزّ موذي رأسه مؤكدًا وهو ينظر في وجه ياسر، الذي بدا أنّه سيفقد وزوجه صوابهما من الفرحة، فقال ولعابه يسيل طمعًا:
- "سأسعى جاهدًا للحصول على نصفه الآخر، قريبًا سأقدم لكما العقد كاملاً!"
أكمل الضيفان شرب العصير البارد، ثم نهضا بسرعة مغادران، وراحت الأفكار تتناوش ياسر ومريم، ما جعل الأحداث تتسارع في الساعات التالية!
رنّ جرس الهاتف في بيت أميرة بإلحاح عجيب:
- "هل يمكن أن أتحدث مع السيدة سليمة"
قالت أم أميرة لمحدثها في الهاتف:
- "أنا هي.. من معي؟"
- "أنا مساعد السيد ياسر، وقد أبلغني برغبته في إسقاط الديون عنكِ!"
صمتت سليمة مصدومة، أرادت التأكد مما سمعته:
- "ماذا قلت؟"
- "طبعًا هذا مقابل أمر ما"
عادت سليمة لأرض الواقع.. ما دام هناك "مقابل" فكلّ شيء ممكن.
- "وما هو المقابل الذى يريده ياسر؟"
- "أن توافقي على بيعه نصف العقد الأثري الذى بحوزتك"
- "هل تمزح؟"
- "بل أنا جادٌ تمامًا.. أقصد أن السيد ياسر جادٌ فيما يقول"
- "العقد ملك ابنتي، وهو آخر ما تبقى لها من أبيها الراحل، ولن يمكنني أن..."
قاطعها الصوت بلهجة جافة، لم تخلُ من تهذيب:
- "ثلاثة ألاف دينار، مقابل نصف العقد!"
كم هو بغيض ياسر هذا! لكن الحقيقة أنّ هذا المبلغ كافٍ لإسقاط كامل الدين، ويمنحها وقتًا لا تفكر فيه بهموم الغد القادم ومتطلباته، لكنها تعلم أنّ أميرة يستحيل أن توافق بسهولة، كان الموقف برمّته صعبًا عليها بل و تنو ء بحمله الرجال.
***


الرد باقتباس
إضافة رد

رواية التاج المفقود/بقلمي؛كاملة

الوسوم
المفقود , التاج , العجمي , الكويت , رواية
أدوات الموضوع
طريقة العرض
مواضيع مشابهة
الموضوع الكاتب المنتدى الردود آخر مشاركة
رواية أنا معهم ونبض قلبي معك ألماسة نوال روايات - طويلة 19 01-06-2017 04:56 AM
رواية هناك / للكاتب ابراهيم عباس شرقاوية شيتونة أرشيف الروايات المغلقة - لعدم إكتمالها 7 22-01-2017 09:53 PM
رواية لن أسامحك على ما مضى انتقام طفلة /بقلمي ملاذ.. روايات - طويلة 20 15-08-2016 10:51 AM
رواية جريئة كادي فلسطين نقاش و حوار - غرام 32 29-07-2016 08:01 PM
رواية هدف الموت / بقلمي؛كاملة وردة الإسلام روايات كامله - يتم نقل الرواية هنا بعد اكتمالها 36 18-07-2016 08:58 AM

الساعة الآن +3: 10:33 AM.
موقع غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات


تصميم دريم تيم

SEO by vBSEO 3.6.1