منتديات غرام اسلاميات غرام مواضيع إسلامية - فقه - عقيدة شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام ( كتاب الصوم ) لفضيلة الشيخ سليمان بن ناصر العلوان ثبته الله // متجدد
حُـــور ما كنك إلا ضيّ وسط ليلٍ عتيم ..*






باب الاعتكاف وقيام رمضان



الاعتكاف في اللغة : هو لزوم الشيء والإقامة فيه .

شرعاً : لزوم أحد المساجد من شخص مخصوص في وقت مخصوص . شرع الاعتكاف بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، ففي الكتاب قوله تعالى : { وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) } ( سورة البقرة ) .


وأما السنة فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر حتى قبضه الله إليه .
أما الإجماع فقد أجمع العلماء كما نقل إجماعهم النووي وابن قدامة وسبقهما ابن المنذر وابن عبدالبر كل هؤلاء نقل الاجماع على مشروعية الاعتكاف قال الإمام أحمد رحمه الله لا أعلم خلافاً في سنيته .
ولايصح الاعتكاف إلا في المسجد سواء كان الاعتكاف للمرأة أم للرجل لقوله تعالى : { وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } .
ويصح الاعتكاف بأي مسجد، وقد جاء حديث بأنه لا اعتكاف إلا في ( المساجد الثلاثة ) وهو حديث غريب معلول لايصح إلا مرسلاً رواه عبدالرزاق وغيره. وأمّا قول المؤلف رحمه الله ( وقيام رمضان ) أي وذكر الأخبار الدالة على فضل قيام الليل وإحيائه فقيام الليل دأب الصالحين وعز المؤمنين ورفعة في الدرجات ومكفرة للسيئات وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( نعم الرجل الصالح عبدالله لو كان يقوم من الليل ) رواه البخاري رحمه الله من طريق الزهري عن سالم عن ابن عمر به .
استفتح المؤلف رحمه الله باب الاعتكاف وقيام رمضان بحديث أبي هريرة.




649/ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ماتقدم من ذنبه ) .هذا الخبر متفق عليه .

قال الإمام البخاري رحمه الله حدثنا يحيى بن بكير قال أخبرنا الليث عن عقيل بن خالد بن عقيل عن الزهري قال حدثني أبو سلمة بن عبدالرحمن عن أبي هريرة به.
وقال الإمام مسلم رحمه الله حدثنا يحيى بن يحيى قال قرأت على مالك عن الزهري عن حميد بن عبدالرحمن عن أبي هريرة به .
ورواه النسائي في السنن الكبرى قال حدثنا قتيبة بن سعيد قال أخبرنا سفيان عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة وفيه ( غفر له ماتقدم من ذنبه وما تأخر ). وقد خولف بذلك قتيبة وخولف بذلك أيضاً سفيان فقد روى الحديث جمع من الحفاظ عن سفيان ورواه آخرون كمعمر ومالك والليث ويونس رووه عن الزهري فلم يذكروا ( وما تأخر ) فهي زيادة غير محفوظة .
قوله [ من قام ] .
(من) اسم شرط جازم تجزم فعلين الأول فعل الشرط والثاني جوابه وجزاؤه قوله [قام] هذا فعل الشرط ولايتم جواب الشرط إلا بتحقق فعل الشرط وفعل الشرط هنا مقيد لمن قام رمضان ( إيماناً واحتساباً ) .
فإن وجد الإيمان ولم يوجد الإحتساب أو العكس لم يحصل على المغفرة والرضوان .
والمراد بالقيام هنا قيام الليل، وفي رواية في الصحيحين ( من صام رمضان إيماناً واحتساباً ) .
و ( إيماناً ) أي تصديقاً بوعد الله وتصديقاً بثوابه فإن الإيمان في اللغة يطلق ويراد به التصديق كما في قول الله جل وعلا { وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} أي بمصدق لنا، أما في الشرع : فإنه قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان . خلافاً للجهمية فإنهم يزعمون أن الإيمان هو المعرفة وخلافاً للأشاعرة فإنهم يدعون أن الإيمان هو التصديق فقط وخلافاً للمرجئة فإن الإيمان عندهم قول باللسان واعتقاد بالجنان ويخرجون الأعمال عن مسمى الإيمان .

قوله [ احتساباً ] .
أي طلباً للأجر والثواب وطلباً لمرضاة الله فلا يريد من الناس مدحاً ولاثناءاً ولا جزاءً ولاشكوراً قال تعالى : { وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114)} ( النساء ) .
قوله [ غفر له ماتقدم من ذنبه ] .
ذهب جمهور العلماء إلى أن المراد بالمغفرة هنا غفران الصغائر دون الكبائر فإن الكبائر عندهم لاتكفر إلا بالتوبة .
وقد جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث العلا بن عبدالرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( رمضان إلى رمضان والجمعة إلى الجمعة مكفرات لما بينهن مالم تغش الكبائر ) .
وذهب الإمام أبو العباس شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه إلى أن الحديث يعم الصغائر والكبائر، ورجح رحمه الله أن بعض الأعمال الصالحة لا يقتصر تكفيرها على الصغائر فقط بل تكفر حتى الكبائر، وذكر رحمه الله في كتاب الإيمان عشرة أوجه مؤيداً بها قوله فلتراجع .
والحديث يدل على فضيلة قيام رمضان والإحتساب في ذلك وفي الحديث ( ومن قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة ) رواه أحمد وأبو داود وغيرهما وإسناده حسن .











650/ وعن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إذا دخل العشر أي العشر الأخيرة من رمضان . شد مئزره ، وأحيا ليله ، وأيقظ أهله ) متفق عليه.

قال الإمام البخاري حدثنا علي بن عبدالله قال أخبرنا سفيان بن عيينة عن أبي يعفور عن أبي الضحى عن مسروق عن عائشة به .
وقال الإمام مسلم رحمه الله حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال حدثنا ابن عيينة عن أبي يعفور به .
قولها [ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر ] .
كان هنا تفيد الدوام والإستمرار وقد تفيد الأغلبية ولكن بالنظر إلى الأدلة الأخرى يتبين أن المراد بكان هنا الدوام والاستمرار .
قولها [ إذا دخل العشر ] .
إذا ظرف لما يستقبل من الزمان ، والمراد بالعشر العشر الأواخر من شهر رمضان فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخص العشر بمزيد من العمل . ففي هذا دليل على مشروعية تخصيص بعض الأيام بالعبادة والزيادة عن الوقت المعتاد في سائر الأيام فإن العشر الأواخر من رمضان فيهن ليلة من تُقبل منه فيها حاز أجراً عظيماً وثواباً جزيلاً يزيد فضل هذه الليلة على عبادة ثلاث وثمانين سنة وبضعة أشهر وعظم الله هذه الليلة وذكرها في كتابه فقال تعالى : { وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) } وفي هذه الليلة يقول الله جل وعلا { تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا } والمراد بالروح هنا جبريل عليه السلام .
فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخلت العشر اجتهد في العبادة تقول عائشة رضي الله عنها ذاكرة بعض عمله في هذه العشر تقول ( شد مئزره ) قيل المعنى ربط إزاره ليجتهد في العبادة، وقيل المعنى هذا كناية عن ترك الجماع ليالي العشر فإن هذا الوقت وقت عبادة ووقت اعتكاف وليس وقت تفرغ للنساء ومن ثم رأى بعض الفقهاء مشروعية ترك الجماع ليالي العشر تفرغاً للعبادة وليس المعنى عند هذا الفقيه ان ترك الجماع يراد بذاته وإنما يراد لمن أراد التفرغ للعبادة ولم يخش على نفسه الضرر، أما المعتكف فقد أجمع العلماء رحمهم الله على أنه لايجامع المرأة لقول الله تعالى : { تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا }.( البقرة ) .
والصحيح في قول عائشة ( شد مئزره ) أنه كناية عن اعتزال النساء ولو كانت تقصد أنه كان يجد ويجتهد بإحياء الليل لما قالت بعد هذا ( وأحيا ليله ) والواو هنا للمغايرة والعطف هنا للمغايرة ففرقت عائشة رضي الله عنها بين شد المئزر وإحياء الليل وليس المعنى أنه صلى الله عليه وسلم يحيي جميع الليل وإنما يحيي معظمه وإطلاق الكل على البعض إسلوب عربي فصيح جاء في الكتاب والسنة الشيء الكثير، من هذا قوله تعالى { الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ } ( آل عمران ) . هل كل الناس قالوا وهل كل الناس جمعوا لا إنما هم نفرٌ يسير من جملة العالمين ولذلك تقول عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يصوم شعبان كله ) وفي أحاديث أخرى تقول ( إلا قليلاً ) ، ويحتمل أن يكون المراد إحياء الليل كله لأنه لم يرد شيء صحيح يخالف هذا الظاهر والعلم عند الله .
قولها [ وأيقظ أهله ] .
في هذا دليل على مشروعية إيقاظ الأهل ليالي العشر والمراد هنا تأكيد الاستحباب وإلا فهذا الفعل مسنون في جميع الأيام، وعند أبي داود من حديث أبي صالح عن أبي هريرة ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى ثم أيقظ امرأته فصلت فإنه أبت نضح في وجهها الماء ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت ثم أيقظت زوجها فصلى فإن أبى نضحت في وجهه الماء ).



651/ وعنها رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم ( كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله عز وجل، ثم اعتكف أزواجه من بعده). متفق عليه .

قال الإمام البخاري رحمه الله حدثنا عبدالله بن يوسف قال أخبرنا الليث بن سعد عن عقيل بن خالد عن الزهري عن عروة عن عائشة .
وقال الإمام مسلم حدثنا قتيبة بن سعيد قال أخبرنا الليث به .
وروى البخاري من طريق يونس ومسلم من طريق موسى بن عقبة كلاهما عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم (يعتكف العشر الأواخر من رمضان) .
قولها [ يعتكف العشر الأواخر ] .
هذا هو الذي استقر عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم والعجيب مع كون النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر وكانت أزواجه تعتكف معه ومن بعده ومع كونه صلى الله عليه وسلم لم يدع الاعتكاف قط إلا أنه لم يرد حديث صحيح عنه صلى الله عليه وسلم في فضل الاعتكاف وفي ذكر ثواب أهله وإنما نأخذ ثواب الاعتكاف من مدح أهله كما في قوله تعالى : { وَالْعَاكِفِينَ } ومن فعل النبي صلى الله عليه وسلم والمواظبة عليه وإجماع أهل العلم .
واعتكاف العشر الأواخر من رمضان آكد من العمرة في رمضان والجمع بينهما أكمل فإن كان لابد لأحدهما دون الأخر فالاعتكاف أفضل لوجهين :
الوجه الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر ولم يكن يعتمر ولايفعل النبي صلى الله عليه وسلم إلا الأكمل والأفضل .
الوجه الثاني : أن الاعتكاف يعتبر في بعض البلاد من السنن المهجورة فكان إحياؤه أولى من العمرة في رمضان التي يتنافس عليها معظم العباد في هذا الزمان، ولأن الاعتكاف في العشر يفوت وقته بخلاف العمرة يمكن أداؤها في غير رمضان وإن كانت في رمضان أفضل عند أكثر أهل العلم .
والاعتكاف سنة وليس بواجب ولكن يجب بالنذر لحديث عائشة في البخاري أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ) .
قولها [ ثم اعتكف أزواجه من بعده ] .
في هذا دليل على صحة اعتكاف المرأة وقد جوز بعض أهل العلم اعتكاف المرأة في بيتها دون المساجد وهذا لا دليل عليه والصحيح أنه لايصح اعتكاف المرأة إلا في المسجد ولكن المرأة لاتعتكف إلا إذا أذن لها وليها أولاً وإذا أمنت الفتنة ثانياً وإذا كانت طاهرة ثالثاً، فإذا اختل شرط من هذه الشروط الثلاثة لم يصح اعتكافها ويجب على المرأة إذا اعتكفت في المسجد أن تعتزل الرجال وأن تتخذ لها خباءاً خاصاً لئلا يراها الرجال في حالة غير متسترة .

652/ وعنها رضي الله عنها قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم ( إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه ) متفق عليه .
قال البخاري رحمه الله حدثنا محمد بن سلام قال حدثنا محمد بن فُضيل بن غزوان عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبدالرحمن عن عائشة به .
وقال مسلم حدثنا يحيى بن يحيى قال أخبرنا أبو معاوية عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة به. وظاهر الحديث يدل على أن المعتكف يدخل معتكفه حين يصلي الفجر من اليوم الحادي والعشرين، وبهذا قالت طائفة قليلة من الفقهاء، وقد ذهب الأئمة الأربعة وجماهير العلماء سلفاً وخلفاً إلى أن المعتكف يدخل معتكفه قبل غروب الشمس من الليلة التي يريد أن يعتكف فيها فعليه يدخل بغروب شمس يوم عشرين وهذا القول أرجح من القول الأول وذلك لوجوه .
الوجه الأول : أن ليلة إحدى وعشرين من ليالي القدر ومن الليالي التي ترجى فيها ليلة القدر فشرع إعتكافها بينما إذا قلنا أنه يدخل بعد صلاة الفجر من يوم إحدى وعشرين يكون قد فوت ليلةً من ليالي القدر .
الوجه الثاني : أنه إذا دخل ليلة إحدى وعشرين يصدق عليه أنه اعتكف العشر بينما إذا دخل فجر إحدى وعشرين ونقص الشهر يكون حينئذ قد اعتكف ثمانية أيام والاعتكاف عشرة أيام وإن نقص الشهر فتسعة .
الوجه الثالث : إن معنى قول عائشة في حديث الباب ( دخل معتكفه ) . أي المكان الذي أعد لجلوس المعتكف فيه، وقد كان يوضع للنبي صلى الله عليه وسلم خيمة في ذلك يوضح هذا أن عائشة قالت إذا صلى الفجر فلو كانت تقصد بالمعتكف المسجد فلماذا تقول إذا صلى الفجر لماذا لاتقول إذا أراد أن يصلي الفجر لأنه دخل المسجد ونوى الاعتكاف فعلم حينئذٍ أن عائشة حين قالت دخل معتكفه أي المكان الذي أعد للاعتكاف وليس المعنى أنه منذ هذه اللحظة نوى الاعتكاف فهذا القول ضعيف وجماهير العلماء على خلافه ومن زعم أن هذا الحديث صريح بهذا فقد غلط إذ لو أرادت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخل المسجد وينو الاعتكاف إلا بعد صلاة الفجر لما قالت : (معتكفه) وأيضاً لماذا النبي صلى الله عليه وسلم يدخل معتكفه وينوي الاعتكاف بعد صلاة الفجر لماذا لم ينو حين دخل المسجد كل هذا يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم قد اعتكف من قبل ولكنه يحيي معظم الليل أوكله بالصلاة والعبادة والتهجد فإذا صلى الفجر دخل المكان المعد للاعتكاف ليخلو بربه جل وعلا .
والحديث دليل أيضاً على مشروعية الاعتكاف، وفيه دليل أيضاً على أن المعتكف يتخذ لنفسه مكاناً خاصاً وذلك ليخلو بربه ولكي لا يتعوره أحد حين استبدال الثياب أو استقبال من يريد زيارته من أهله .



653/ وعنها قالت : إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ليدخل عليّ رأسه وهو في المسجد ـ فأرجله ، وكان لايدخل البيت إلا لحاجة، إذا كان معتكفاً ) متفق عليه .
قال الإمام البخاري رحمه الله حدثنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا الليث بن سعد عن الزهري عن عروة وعمرة عن عائشة رضي الله عنها .
وقال الإمام مسلم رحمه الله حدثنا يحيى بن يحيى قال قرأت على مالك عن الزهري به .
وفي الحديث فوائد منها .
الفائدة الأولى : جواز إخراج المعتكف بعض بدنه وأن هذا لايؤثر على الاعتكاف لقولها (إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدخل علي رأسه) .
وقد أخذ من هذا بعض الفقهاء أن من حلف ألا يدخل بيت فلان من الناس وأدخل بعض جسده فإنه لا يحنث .
الفائدة الثانية : جواز اشتغال المعتكف بترجيل الرأس وأن هذا الفعل لاينافي هيئة الاعتكاف فإن النظافة مطلوبة وإن كان المرء معتكفاً .
الفائدة الثالثة : جواز محادثة المعتكف لأهله وذلك ليقضوا حوائجه ويفعلوا مصالحه أو غير ذلك من المصالح العامة والخاصة.
الفائدة الرابعة : جواز تخصيص بعض الزوجات بمثل هذا الفعل فإن عائشة رضي الله عنها قد اختصت بالترجيل علماً أن القسم بالاعتكاف قد انقطع فلذلك من له أكثر من زوجة واعتكف واحتاج شيئاً فله أن يخص إحدى الزوجات بما يشاء .
الفائدة الخامسة : أن المعتكف لايخرج إلا لما لابد منه وجاء في رواية ( لايخرج إلا لحاجة الإنسان يعني البول والغائط ، ويلحق بهما مايحتاج إليه المرء، وقد اختلف الفقهاء رحمهم الله هل يعود مريضاً ويشهد جنازة .
القول الأول : فقالت طائفة لايعود مريضاً ولايشهد جنازة مطلقاً وإن كانت الجنازة لأحد الأبوين أوكليهما فإن خرج بطل اعتكافه .
القول الثاني : وقالت طائفة يخرج للحاجة وهو قول للإمام أحمد وهو مروي عن جماعة من الصحابة اختاره جمعٌ من المحققين لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج للحاجة فقد جاء في الصحيحين عن صفية وذلك في قصة مجيئها للنبي صلى الله عليه وسلم ( وهو معتكف فلما انقلبت لتذهب إلى بيتها خرج معها ) .
والحديث صريح بجواز الخروج من المعتكف للحاجة علماً بأنه لايجرأ أحد على محرم النبي صلى الله عليه وسلم ومع ذلك خرج النبي صلى الله عليه وسلم معها ليوصلها، فعيادة المريض القريب أولى من هذا وتشييع جنازة من له حق عليك أولى من هذا .
القول الثالث : إن اشترط أن يخرج للحاجة خرج وإلا فلا يخرج وهذا المشهور من مذهب الحنابلة وهذا ضعيف لأن قضية الاشتراط لا أصل لها عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة فقد قال الإمام مالك رحمه الله في الموطأ لم أسمع من أحد من أهل العلم بالاشتراط ثم ذكر رحمه الله بأنّ الاشتراط بدعة وهذا الحق فلو كان الاشتراط مشروعاً لنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان يخرج لحاجته ولم يذكر عنه أنه علم أمته الاشتراط، والحق من هذه الأقوال أن المعتكف يخرج للحاجة التي يشق على نفسه بتركها ولو لم يشترط على الراجح وهذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث الباب وحديث حفصة رضي الله عنها .





654/ وعنها قالت : السنة على المعتكف أن لايعود مريضاً ولايشهد جنازة، ولا يمس امرأة ولايباشرها، ولايخرج لحاجة إلا لما لابد له منه ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع .
هذا الخبر رواه الإمام أبو داود في سننه من طريق عبدالرحمن بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن عائشة به .

قال أبو داود عقبه غير عبدالرحمن لايقول فيه من السنة وجعل هذا الخبر من قول عائشة .
والخبر رواه البيهقي في السنن الكبرى من طريق الليث بن سعد عن عقيل بن خالد بن عقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت كان رسول الله يعتكف العشر الأواخر ـ وفيه ـ والسنة فذكرت الخبر .
ولكن قال الإمام البيهقي في المعرفة قوله ومن السنة من قول من دون عائشة، فقالت طائفة هذا من قول الزهري وقال آخرون هذا من قول عروة فقد روى سفيان عن هشام بن عروة عن عروة من قوله ورواه سعيد بن عروبة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : ( لا اعتكاف إلا بصوم ).
وهذا كله يوضح لنا أن قولها في الحديث من السنة ليست محفوظة وأنها مدرجة أيضاً وهذا اختيار الإمام الدارقطني رحمه الله .
فعليه لايمكن الاحتجاج بهذا الخبر على منع المعتكف من عيادة المريض وتشييع الجنازة ولكن ليس معنى هذا أن المعتكف كلما سمع بجنازة خرج وتبعها هذا غلط إنما يتبع جنازة من له حق عليه كأحد الوالدين أو ابن أوعم أوعالم له نفع للإسلام والمسلمين مثل هؤلاء تتبع جنائزهم ويعاد مريضهم .
وأما قولها [ ولايمس امرأة ، ولايباشرها ] .
فهذا صحيح فإن المعتكف لايمس امرأة ولايباشرها لقول الله { وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } . ( البقرة ) .
ولذلك قال الحبر عبدالله بن عباس إذا جامع المعتكف بطل ( اعتكافه ) رواه أبو بكر بن أبي شيبة بإسناد صحيح فقد رأى ابن عباس أنه يفسد حينئذٍ وإذا أراد الاعتكاف فإنه يستأنف من جديد.
وأما قولها [ ولا اعتكاف إلا بصوم ] .
هذه القضية سيأتي بحثها إن شاء الله على حديث ابن عباس .
وأما قولها [ ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع ] .
المراد بالجامع هنا الذي يجمع فيه وليس المراد بالجامع الذي تقام فيه الجمعة فهذا وإن شرطه الإمام مالك إلا أنه أخذ هذا الحكم من أدلة أخرى لأن مالكاً رحمه الله لايرى الخروج من المسجد أبداً إلا لما لابد منه أما كونه يعتكف في غير مسجد جامع ثم يخرج يؤدي الجمعة فهذا ينهى عنه الإمام مالك ويرى أنك تعتكف في مسجد تقام فيه الجمعة حتى لاتخرج ولكن خالفه بهذا الإمام أبو حنيفة والشافعي وأحمد فرأوا جواز الاعتكاف في مسجد لاتقام فيه الجمعة إذا كانت تقام فيه الجماعة ورأوا أيضاً أن المعتكف يخرج يوم الجمعة لأداء صلاة الجمعة ولكن هل يبادر إلى الصلاة أم يتأخر لئلا يطول خروجه فيه قولان للفقهاء :
القول الأول : أنه يذهب مبكراً للأحاديث الوارده في فضل التبكير إلى صلاة الجمعة .
القول الثاني : أنه يذهب متأخراً لئلا يكثر خروجه عن معتكفه وإنما رخص له للحاجة والمقصود يتم إذا صلى الجمعة وهذا القول أقرب للصواب من القول الأول. وفي قول عائشة ( ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع) دليل على جواز الاعتكاف في جميع المساجد وهذا الصحيح وهو قول أكثر أهل العلم قال تعالى : { وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } فلم يخص مسجداً عن مسجد .

655/ وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه ) .
رواه الدارقطني في سننه والحاكم في مستدركه من طريق عبدالله بن محمد الرملي عن محمد بن يحيى بن أبي عمر قال حدثنا عبدالعزيز بن محمد عن أبي سهيل عم مالك بن أنس عن طاووس عن ابن عباس به .
قال الإمام الدارقطني رفعه هذا الشيخ يعني الرملي وغيره لايرفعه قال ابن القطان وعبدالله بن محمد الرملي لا أعرفه، وقال البيهقي والصواب وقفه ورفعه وهم وهذا هو المحفوظ أي وقفه وأنه من قول عبدالله بن عباس رضي الله عنهما .
وهذا الحديث يدل على عدم لزوم الصوم للمعتكف وبهذا قال الإمام أحمد والشافعي رحمهما الله، وقال مالك وأبو حنيفة يلزم الصيام للمعتكف وهذا هو اختيار ابن القيم رحمه الله وذكر في زاد المعاد أن هذا اختيار شيخ الإسلام ولكن الموجود في الفتاوى أن الصوم ليس شرطاً للإعتكاف والقول الأول هو الصحيح لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد ( اعتكف عشراً من شوال ) والحديث متفق على صحته ، وقد ذكر الإمام البغوي رحمه الله في شرح السنه أنه يدخل في العشر الأول يوم العيد وهذا لاصيام فيه وعلم أنه صلى الله عليه وسلم اعتكف بدون صيام وأيضاً لم ينقل أحد من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أوجب الصوم بالاعتكاف فدل هذا على عدم لزومه وأن الاعتكاف يصح بدون صوم، وقد اختلف الفقهاء رحمهم الله في أقل مدة للاعتكاف، فقال بعض أهل العلم ليس لأقله مدة فمن دخل المسجد ونوى الاعتكاف أجر بهذا ولكن يشكل على هذا القول أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط ) رواه مسلم فجعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا من الرباط ولم يجعله من الاعتكاف ولكن لقائل أن يقول الاعتكاف نوع من أنواع الرباط فكل اعتكاف رباط وليس كل رباط اعتكافاً وهذا القول وارد إلا أن الأولى جعله رباطاً لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما قال فذلكم الاعتكاف فذلكم الاعتكاف، ولذلك قالت طائفة أخرى إن أقل الاعتكاف يوم وليلة أما إذا كان أقل من يوم وليلة فيسمى رباطاً ودليل القائلين بيوم وليلة حديث عمر في الصحيحين أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم يارسول الله ( إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال له رسول الله أوف بنذرك ) . وهذا الحديث ليس صريحاً فيما ذكروا ولم يرد حديث صحيح يحدد أقل الاعتكاف، وأما أكثره فليس له منتهى ولكن أفضل أنواع الاعتكاف العشر الآواخر من رمضان والاعتكاف سنة باتفاق أهل العلم ولايجب إلا إذ جعله الإنسان على نفسه كما قال ابن عباس ( إلا أن يجعله على نفسه ) يعني بالنذر فحينئذٍ يلزم الاعتكاف وإن نذر الصوم معه لزم الصوم لعموم خبر عائشة في صحيح البخاري ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ) وهذا النذر طاعة يجب الوفاء به إلا أن يشق عليه فيعجز عنه فحينئذٍ يكفر عن ذلك على القول الراجح لحديث عقبة بن عامر في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (كفارة النذر كفارة يمين) وهذا الحديث على القول الراجح يشمل نذر المعصية فمن نذر نذر معصية حرم عليه الوفاء به ولكن يجب عليه أن يكفر عن نذره وبهذا قال الإمام أحمد واختار هذا القول ابن القيم في تهذيب السنن، واختلف العلماء فيما لو نذر نذراً يلزمه فعله أصلاً فلم يف كأن يقول الله عليّ نذر أن لا أحلق لحيتي فلم يف بهذا النذر فحلق لحيته يقول بعض أهل العلم لا كفارة عليه لأن هذا أمر واجب عليه في أصل الشرع وعن أحمد رحمه الله عليه الكفارة وهذا الأظهر وذلك لعموم الأدلة والحقيقة أن هذه المسألة داخله بعموم حديث عائشة من (نذر أن يطيع الله فليطعه) والنذر في إعفاء اللحية نذر طاعة وإن كان واجباً في أصل الشرع فيلزمه أن يكفر عن يمينه إذا نقض نذره .
والمقصود أنه ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه بالنذر فحينئذ يلزمه الوفاء .


يتبع





























والبحر أضيقُ من مطامحِ هِمّتي
والشمسُ بعضُ توقّدي ويقيني 🧡🍂

Sarahah













حُـــور ما كنك إلا ضيّ وسط ليلٍ عتيم ..*






656/ وعن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أروا ليلة القدر في المنام، في السبع الآواخر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الآواخر ) فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الآواخر ) متفق عليه .


قال البخاري رحمه الله حدثنا عبدالله بن يوسف قال أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر به وقال مسلم رحمه الله حدثنا يحيى بن يحيى قال قرأت على مالك عن نافع عن ابن عمر به . وقد جاء عند أبي داود من طريق أبي موسى بن عقبة عن أبي إسحاق السبيعي عن سعيد بن جبير عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في ليلة القدر ( هي في كل رمضان ) .
ولكن هذا الخبر معلول أعله أبو داود وغيره فقد رواه سفيان وشعبة عن أبي إسحاق موقوفاً على عبدالله بن عمر وهو ينقل لنا في حديث الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنها في السبع الآواخر فيحمل قوله على أحد ثلاثة أوجه .
الوجه الأول : لعل ابن عمر قال هي في كل رمضان قبل أن يعلم بهذا الحديث.
الوجه الثاني : سلك بعض أهل العلم مسلكاً آخر فقال لعله نسي ماحدث به عن النبي صلى الله عليه وسلم .
الوجه الثالث : لعل مراد ابن عمر بقوله هي في رمضان العموم فيخصص بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن رمضان السبع الآواخر ولا يبعد أن يكون مراد ابن عمر الرد على من قال هي في شعبان أومن قال هي في كل العام فأراد ابن عمر أن يوضح أن ليلة القدر لاتكون إلا في رمضان وهي أيضاً في العشر الآواخر.

قوله [ أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ( أروا ليلة القدر في المنام ) ] قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري لم أقف على تسمية أحد من هؤلاء الرجال والحقيقة أنه لاحاجة بنا إلى معرفة اسمائهم ولو كان للأمة حاجة إلى معرفة أسماء هؤلاء لأبرزهم لنا عبدالله بن عمر الذي يهمنا أن رجالاً أروا ليلة القدر في المنام في السبع الآواخر .

ففي ذلك بعض الفوائد : ـ
الفائدة الأولى : أن الصحابة تواطأت رؤياهم على أنها في السبع الآواخر ومن ثم قال غير واحد من أهل العلم بأن أرجى ليالي القدر السبع الآواخر وأرجاها ليلة سبع وعشرين .
الفائدة الثانية : فيه أن ليلة القدر ترى في المنام وقد ذكر شيخ الإسلام أنها ترى في اليقضة كأن يرى الإنسان أنواراً وخيراً ومايتبع ذلك ولليلة القدر علمات كأن تكون ليلتها لا حارة ولا باردة ومنها أن تخرج الشمس في صبيحتها لاشعاع لها وأما قول بعض الناس بأن الكلاب لاتنبح في ليلتها فهذا قد قاله بعض أهل العلم ولا دليل عليه .
الفائدة الثالثة : أن الرؤيا إذا تواطأت على شيء فهذا دليل على صدقها والرؤيا تسر المؤمن ولا تغره فالمسلم يستفيد من الرؤيا ولكن هي ليست شرعاً من عند الله إلا إذا أقرها النبي صلى الله عليه وسلم وهذا انقطع بموته صلى الله عليه وسلم ولكن كم من إنسان استفاد من الرؤيا إما موعظة يتعظ بها أوغير ذلك وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( لم يبق من المبشرات إلا الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أوترى له ) رواه مسلم في صحيحه .
قوله [ أُرى رؤياكم قد تواطأت ] .
أرى بضم الهمزة أي أظن والظن نوعان : ظنٌ بمعنى اليقين كما قال تعالى : { الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ } أي يستيقنون أنهم يلاقون ربهم ، النوع الثاني الظن بمعنى الشك .
تعريف الظن : هو تجويز أمرين أحدهما أظهر من الآخر .
ويجوز ضبط هذه الكلمة بمعنى أرى وذلك بفتح الهمزة فيكون المعنى أعلم رؤياكم والأول هو الأشهر عند أهل العلم .
قوله [ فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الآواخر ] .
أي فمن كان منكم يتحرى ليلة القدر ويتحرى القيام فيها ويتحرى الدعاء فيها وقيام ليلتها فعليه بالجد والاجتهاد بالسبع الآواخر خصوصاً أوتارها .
وقد اختلف العلماء رحمهم الله في تحديد ليلة القدر وذلك على أربعين قولاً سردها كلها الحافظ ابن حجر في فتح الباري وفي بعضها تقارب يمكن ضم قول إلى قول وبعض هذه الأقوال شاذة بل باطلة كقول بعضهم إنها رفعت وقول آخر أنها في كل السنة وهذا قول باطل أيضاً، وكذلك من الأقوال الباطلة أنها ليلة النصف من شعبان فهذه لا دليل عليها لا من الكتاب ولا من السنة ولامن قول صاحب جاء عنه بإسناد صحيح .
وأكثر أهل العلم على أن ليلة القدر هي ليلة سبع وعشرين وكان أبي بن كعب يحلف على هذا والأثر عنه رواه مسلم في صحيحه .
واحتج الجمهور لقولهم بما ذكره المصنف في الباب من حديث معاوية بن أبي سفيان .


657/ فعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في ليلة القدر ( ليلة سبع وعشرين ) .
وهذا الخبر رواه أبو داود في سننه فقال حدثنا عبيدالله بن معاذ قال حدثنا أبي عن شعبة عن قتادة قال سمعت مطرّفاً يحدث عن معاوية . ورواه الطبراني والبيهقي كلاهما من طريق شعبة به .
ورواه أبو بكر ابن أبي شيبة عن عفان، والبيهقي من طريق أبي داود الطيالسي عن شعبة عن قتادة عن مطرف عن معاوية من قوله وهذا هو المحفوظ وعليه لايصح الاحتجاج بالخبر على تعيين ليلة القدر والحق في هذه المسألة أن يقال إن ليلة القدر في أوتار العشر وأرجاها ليلة سبع وعشرين وهل هي محدَّدة في هذه الليلة على مر السنين أم أنها تنتقل ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنها في ليلة واحدة ولاتنتقل وقال آخرون إن ليلة القدر تنتقل فقد تكون في هذا العام ليلة خمس وعشرين وفي العام الثاني ليلة سبع وعشرين وفي العام الثالث ليلة تسع وعشرين وهذا القول أقرب إلى الدليل فإن قيل لماذا لم يعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم بتعيينها .
فالجواب : لئلا يتكل العباد على هذه الليلة ويدعوا العمل في سائر الشهر فلذلك من الحكمة العظيمة أن العباد لايعلمون تعيينها عن طريق النص ليجتهدوا ويضاعفوا الجهود في العبادة والدعاء لعلهم يصيبونها لأن من أصاب ليلة القدر فقد أصاب خيراً كثيراً ففي الصحيحين وغيرهما من طريق الزهري عن أبي سلمة بن عبدالرحمن عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ماتقدم من ذنبه ) وقد قال تعالى : { لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) } .
فمن تقبل منه في ليلة القدر فعبادة ليلة واحدة تفضل عبادة ألف شهر وذلك ثلاثة وثمانون عاماً وأربعة أشهر فهذا ثواب كبير وأجر عظيم على عمل يسير قليل على من يسره الله عليه فقد قال معاذ للنبي صلى الله عليه وسلم أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار فقال له صلى الله عليه وسلم : ( لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه ) وهذا الخبر وراه الترمذي في جامعه من طريق أبي وائل عن معاذ واختلف في سماعه منه وقال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح . وخالفه الدارقطني وذكر أن الصحيح في هذا الخبر رواية حماد بن سلمة عن عاصم عن شهر بن حوشب عن معاذ .



658/ وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قلت يارسول الله ، ( أرأيت إن علمت أي ليلة القدر ، ما أقول فيها ؟ قال : ( قولي : اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني ) .
هذا الخبر رواه الإمام أحمد وأهل السنن إلا أبا داود .
والحديث رواه الترمذي من طريق جعفر بن سليمان الضبعي عن كهمس بن الحسن عن عبدالله بن بريدة عن عائشة ورواه ابن ماجه عن طريق وكيع عن كهمس بن الحسن به . وقد صححه الترمذي رحمه الله وفيه نظر فإن عبدالله لم يسمع من عائشة قاله النسائي والدارقطني .

ورواه الإمام أحمد والنسائي في عمل اليوم والليلة والطبراني في كتاب الدعاء والحاكم في المستدرك كلهم من طريق سفيان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن عائشة به،
وفيه اختلاف ذكره النسائي في عمل اليوم والليلة وقد صححه الحاكم في مستدركه وقال على شرط الشيخين ولم يخرجاه وسكت عن ذلك الإمام الذهبي رحمه الله.

وفي هذا نظر فالحديث ليس على شرط الشيخين وفيه اختلاف كثير والحديث حديث عبدالله بن بريدة وقد تقدم أنه لم يسمع من عائشة .
قولها [ أرأيتَ إنْ علمتُ أي ليلة ليلة القدر ] .
فيه علو همة الصحابة رضي الله عنهم وخاصة عائشة رضي الله عنها حيث تسأل عن دعاء تدعو به في ليلة القدر وعائشة عندها علم عظيم من كون الدعاء في ليلة القدر مشروعاً وتحفظ عائشة رضي الله عنها الشيء الكثير من الأدعية وهذا لايخفاها ولكنها تريد دعاءً جامعاً لخيري الدنيا والآخرة تدعو به في ليلة القدر فأرشدها النبي صلى الله عليه وسلم إلى سؤالها وأعلمها بما ينفعها والحديث لو صحّ صريح بالرد على من زعم بأن ليلة القدر قد رفعت إذ لو كانت ليلة القدر قد رفعت لقال صلى الله عليه وسلم لعائشة لا حاجة إلى معرفة هذا فإن ليلة القدر قد رفعت وتأخير البيان عن وقت الحاجة لايجوز ولذلك الذي عليه عامة الصحابة وأئمة التابعين أن ليلة القدر لم ترفع بل هي موجودة في رمضان وتحديد هذا بليالي العشر وأرجاها بالأفراد وأرجى هذه الأفراد ليلة سبع وعشرين .
قولها [ ما أقول فيها ] .
تريد بذلك دعاء جامعاً لأنه لايخفى على مثلها دعاء تدعو به ثم اعلم أنه ليس لليلة القدر دعاء مخصوص لايدعى إلا به . بل يدعو المسلم بما يناسب حاله وكل بحسبه ولكن أفضل الأدعية في ليلة القدر الأدعية الجامعة من دعوات النبي صلى الله عليه وسلم الواردة عنه في مقامات كثيرة وأحوال خاصة وعامة .
ويظهر من الحديث أن الدعاء في ليلة القدر كان معروفاً ومشهوراً عند الصحابة رضي الله عنهم وقد جاء في الصحيحين من حديث الزهري عن أبي سلمة ابن عبدالرحمن عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ماتقدم من ذنبه ) .
قول [ من قام ليلة القدر ] .
أي قام يصلي ويدعو ، وفي هذا دليل على مشروعية الإكثار من الدعاء في ليالي القدر .
قوله [ قولي : اللهم إنك عفوٌ ].
فيه إثبات صفة العفو له سبحانه وتعالى .
قوله [ إنك عفو تحب العفو ] .
فيه إثبات صفة المحبة لله وقد قال تعالى { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ } وقال تعالى : { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } وأهل السنة والجماعة يثبتون صفة العفو وصفة المحبة لله تعالى إثباتاً بلا تمثيل وتنزيهاً بلا تعطيل فلا يحرفون ولايكيفون ولايمثلون ولايعطلون بل يؤمنون بأن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير يقول ابن القيم رحمه الله ناظماً معتقد أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات قال رحمه الله :
لسنا نشبه وصفه بصفاتنا *** إن المشبه عابد الأوثان

كلا ولا نخليه من أوصافه *** إن المعطل عابد البهتان

من شبه الرحمن العظيم بخلقه *** فهو الشبيه لمشرك نصراني

أو عطل الرحمن عن أوصافه **** فهو الكفور وليس ذا الإيمان





قوله [ فاعف عني ] .
فيه دليل على أنه يستحب للداعي إذا دعا أن يتوسل إلى الله جل وعلا بالصفة المناسبة لدعائه فإذا أراد المغفرة يقول ياغفور اغفر لي وياعفو اعفو عني وإذا أراد العزة يقول ياعزيز أعزني ولابن القيم رحمه الله كلام مفيد حول هذه القضية أفاده في جلا الأفهام في الصلاة على خير الأنام .


659/ وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لاتشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى ) . متفق عليه .

قال البخاري رحمه الله حدثنا أبو الوليد قال حدثنا شعبة قال أخبرنا عبدالملك بن عمير قال سمعت قزعة يحدث عن أبي سعيد .
وقال مسلم رحمه الله حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا جرير عن عبدالملك بن عمير به ولفظ مسلم ( لاتشدوا الرحال ) بلفظ النهي ورواه البخاري ومسلم أيضاً من طريق سفيان بن عيينه عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه به .
وفي الباب حديث بصرة بن أبي بصرة الغفاري رواه أحمد بن حنبل في مسنده ومالك في الموطأ وابن حبان في صحيحه وإسناده صحيح ( أنه لقي أبا هريرة راجعاً من الطور وقال لو علمت أنك تذهب إلى الطور لمنعتك ثم استدل عليه بحديث الباب وفيه أن إعمال المطي وهذا كناية عن السفر يحرم لبقعة معينة تقصد لذاتها إلا البقاع الثلاث المستثناة بالحديث .
قوله [ لاتشد الرحال ] .
هذا خبر بمعنى النهي يؤيد هذا لفظ الإمام مسلم [ لا تشدوا الرحال ] .
والنهي هنا للتحريم كما هو قول الإمام أحمد واختار هذا أبو محمد الجويني وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وقد حصل لشيخ الإسلام أذى عظيم بسبب فتياه بمنع شد الرحال إلى القبر النبوي فقد قام عليه أعداؤه وخصومه . وبدعوه وضللوه بسبب هذه القضية وسعوا بسجنه حتى سجن وأوذي وعذب ومات في السجن رحمه الله فلقد جاهد في الله حق جهاده ونصر هذا الدين بلسانه وسنانه فمن ثم صارت محبة شيخ الإسلام علماً لأهل السنة والجماعة وعلماً للموحدين وصار بغضه وعداوته وسبه علماً وشعاراً لأهل البدع الضالين فلا تكاد تجد سنياً يبغض شيخ الإسلام أويعاديه .
قال ابن الوردي يرثيه :
عثا في عرضه قوم سلاط *** لهم من نثر جوهره التقاط

تقي الدين أحمد خير حبر *** خروق المعضلات به تخاط

توفي وهو محبوس فريـد *** وليس له إلى الدنيا انبساط



وقد زعم المجوّزون لشد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة أن النهي في الحديث مخصوص بمن نذر على نفسه الصلاة في غير المساجد الثلاثة .
وقال الخطابي . اللفظ لفظ الخبر ومعناه الإيجاب فيما ينذره الإنسان من الصلاة في البقاع التي يتبرك بها أي لا يلزم الوفاء بشيء من ذلك غير هذه المساجد الثلاثة .
وقال بعضهم : لا تشد الرحال إلى مسجد للصلاة فيه إلا إلى الثلاثة .
وهذه أقاويل ليس عليها دليل ولا تساعدها لغة وفيها تكلف .
والقول الأخير يرده حديث أبي بصرة وقد تقدم .
والصحيح في هذه المسألة تحريم شد الرحل لبقعة معينة تراد وتقصد لذاتها إلا المساجد الثلاثة زادها الله تشريفاً وتعظيماً .
ومن ادعى الكراهية أو الإباحة لم يصب فالحديث ظاهر في تحريم شد الرحال سواء كان للقبر الشريف أوغيره من قبور الصالحين على مافي ذلك من وسائل الشرك ومخالفة عمل الصحابة كلهم وأئمة التابعين فإن قيل ماحكم شد الرحال لطلب العلم وزيارة الأقارب والتعزيه ومايتبعها .
فالجواب : أنه لامانع من شد الرحل في هذه المسائل لأنه لا تُراد بقعة معينة فقد كان الصحابة يشدون الرحل لطلب العلم في وقته ويشدون الرحل لزيارة أقاربهم في عهده صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليهم ومن هنا ذكر غير واحد من أهل العلم على قوله صلى الله عليه وسلم [ لاتشد الرحال ] أي إلى بقعة معينة تقصد لذاتها إلا المساجد الثلاثة .
فإن قال قائل مامناسبة الحديث لباب الاعتكاف فالجواب أن المناسبة ظاهرة فإن المساجد الثلاثة أفضل المساجد على الإطلاق وأفضلها المسجد الحرام ثم المسجد النبوي ثم المسجد الأقصى فكان الاعتكاف في هذه المساجد الثلاثة أولى وأفضل من الاعتكاف في غيرها .
ويحتمل أيضاً أن يكون قصد المؤلف في إيراد هذا الحديث أن يبين منع شد الرحال للاعتكاف في غير هذه المساجد الثلاثة ولكن الحقيقة أنه لايريد هذا وكلامه بالفتح ظاهر في تجويزه شد الرحال إلى القبر الشريف وغيره من قبور الصالحين وهذا خطأ والحديث ظاهر في المنع فلا وجه لقول الحافظ والعلم عند الله .

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
أما بعد ...
فقد اطلعت على كتاب الصيام من شرح بلوغ المرام وهو من كلامي وإملائي فلا مانع من نشره للاستفادة منه .



كتبه
سليمان بن ناصر العلوان






تمّ بحمد الله .






























والبحر أضيقُ من مطامحِ هِمّتي
والشمسُ بعضُ توقّدي ويقيني 🧡🍂

Sarahah













غايتي رضى الرحمن مستشــ¸.·* غرام *·.¸ـــاري

أحسنتي وفقكِ الله
وجزاك الله خير على التواصل الطيب


حُـــور ما كنك إلا ضيّ وسط ليلٍ عتيم ..*






يرفع للفائدة




،





























والبحر أضيقُ من مطامحِ هِمّتي
والشمسُ بعضُ توقّدي ويقيني 🧡🍂

Sarahah













أدوات الموضوع البحث بهذا الموضوع
البحث بهذا الموضوع:

بحث متقدم
طريقة العرض

موقع غرام موقع سعودي خليجي عربي يحترم كافة الطوائف والأديان ومختلف الجنسيات
جميع الحقوق محفوظة منتديات غرام
iTraidnt by ROMYO
جميع الحقوق محفوظة منتديات غرام
iTraidnt by ROMYO

SEO by vBSEO 3.6.1